تفسير سورة آل عمران - 27
عدد الزيارات 3074

عناصر المادة :
تفسير الآية (95)
تفسير الآيتين (96-97)

أما فيما بينك وبين نفسك فاقرأ بها، اقرأ بالقراءة الثانية إذا كنت متقنًا لها وعارفًا بها، وكذلك إذا كنت بين طلبة علم حتى يعرفوا القراءات وينتفعوا بها، أما بالنسبة للفرق بين تُنَزَّلُو{تُنْزَلُ} فلا فرق؛ لأن التوراة نزلت جملة واحدة، فسواء قيل: تُنَزَّلُأو {تُنْزَلُ}، أما القرآن فإنه نزل مفرقًا، فإذا جاء نَزَّلْنَا عَلَيْكَ [الإنسان: ٢٣] فالمراد: نزوله شيئًا فشيئًا، وإذا قيل: أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ [النحل: ٤٤] مثلًا، إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ [القدر: ١]. فالمراد في قوله: إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِيعني ابتدأنا إنزاله، وأنزلنا الذِّكر باعتبار أنه سيكون تامًّا وبتمامه يكون قد نزل كله.
مِنْ قَبْلِ أَنْ تُنَزَّلَ التَّوْرَاةُ [آل عمران: ٩٣] التوراة: هي الكتاب الذي أنزله الله تعالى على موسى، وقد نزلت التوراة مكتوبة، كتب الله تعالى التوراة في الألواح فأخذها موسى وتلاها على الناس وعلمهم إياها، ولكن هل بقيت التوراة إلى أن جاء محمد صلى الله عليه وسلم؟
نعم، بقيت لكن صار فيها تحريف كما قال الله تعالى: تَجْعَلُونَهُ قَرَاطِيسَ تُبْدُونَهَا وَتُخْفُونَ كَثِيرًا [الأنعام: ٩١]. قال الله تعالى: قُلْ فَأْتُوا بِالتَّوْرَاةِ فَاتْلُوهَا إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ [آل عمران: ٩٣] هذا من باب التحدي، الأمر هنا قُلْ فَأْتُوافَأْتُواللتحدي وإقامة الحجة على ما ادعوه، ائتوا بالتوراة يعني هاتوها فاتلوها، وانظر أن ما قلته فهو حق أي: أن الطعام كان حِلًّا لنبي إسرائيل إلا ما حرم إسرائيل على نفسه، ثم نسخ أيضًا ما بقي الحل، بل نسخ حل أشياء كثيرة، حل أشياء كثيرة نسخ كما قال عيسى: وَلِأُحِلَّ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ [آل عمران: ٥٠] بَعْضَ الَّذِي حُرِّمَإذن هناك أشياء كثيرة حُرمت فأحل لهم عيسى بعض ما حرم.
قُلْ فَأْتُوا بِالتَّوْرَاةِفاتلوها أنتم أيضًا لا نحن حتى لا تتهموننا بأننا حذفنا شيئًا أو أضفنا شيئًا، اتلوها أنتم بأنفسكم حتى يتبين لكم أن ما جئت به فهو حق. إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَيعني: فيما تدعونه من كذب ما جئت به فأتوا بالتوراة فاتلوها. وإِنْ كُنْتُمْهذه الشرطية لتمام التحدي كما أقول لك في الكلام العابر: إن كنت صادقًا فافعل كذا، فهذا من كمال التحدي وتمامه، وكان سبب هذا أن اليهود كانوا ينكرون ما جاء به النبي صلى الله عليه وسلم، ينكرونه ويقولون: إنك أحللت شيئًا وحرمت شيئًا، والشرائع لا تتبدل ولا تتغير؛ لأنها من عند الله، ولهذا كانوا ينكرون النسخ ويقولون: إن النسخ في أحكام الله مستحيل؛ لأن النسخ إما أن يكون لحكمة أو عبثًا، فإن كان عبثًا فالله منزه عنه، وإن كان لحكمة لزم منه أن الله تعالى تظهر له الحكمة بعد أن كانت خافية عليه، وهذا يلزم منه الظهور بعد الجهل وهو أيضًا مستحيل على الله، شوف كيف الشبهة؟!
إذن النسخ مستحيل، ولهذا كذبوا عيسى وكذبوا محمد عليه صلى الله عليه وسلم، لأيش؟ قال: لأن هذا نسخ، والنسخ على الله مستحيل، لا يمكن أن تنسخ الشرائع، فقيل لهم: تعالوا، هاتوا التوراة، التوراة تُثبت وتقرر أن الطعام كان حلًّا لبني إسرائيل، كل ما يُطعم، ثم حرم إسرائيل على نفسه أشياء وبقي هذا التحريم في ذريته حرامًا عليهم، إذن هذا نسخ ولَّا لا؟ نسخ، لكنه في الحقيقة ليس النسخ الكامل الذي يرفع الحكم كله، ولكنه نسخ لبعض أفراده وهو ما يسمى عند الأصوليين بالتخصيص، ويسمى عند السلف بالنسخ، التخصيص يسمى في لغة الصحابة والتابعين يسمى نسخًا.
إذن في هذا إقامة الحجة عليهم بما ادَّعوه من أنه لا يمكن أن تنسخ الشرائع، وأنك يا محمد كاذب، وأن عيسى كاذب، عرفتم يا جماعة؟ فأراد الله أن يبين كذبهم من كتبهم.
قال تعالى: فَمَنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ [آل عمران: ٩٤] فَمَنْ(مَن) عامة يعني: أي إنسان يفتري على الله الكذب، والافتراء معناه: التقوُّل بغير حق؛ يعني أن تنسب إلى الشخص ما لم يقله هذا افتراء. وقوله: الْكَذِبَأي: الإخبار بخلاف الواقع؛ لأن الإخبار بالواقع يسمى صدقًا، وبما يخالف الواقع يسمى كذبًا، فمن قال بعد هذا البيان: إنه لا يمكن أن تنسخ الشرائع بعضها ببعض يقول الله عز وجل: فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَأُولَئِكَالمشار إليه: من افترى. هُمُ الظَّالِمُونَالجملة اسمية كما رأيتم وهُمُضمير فصل، وليس له محل من الإعراب، وإنما جيء به للفصل بين الخبر والصفة، وقد ذكرنا أنه يفيد ثلاثة أمور: التوكيد، والحصر، والفصل بين الخبر والصفة، فإذا قلت: محمد هو الفاضل، فأنت ترى أن هو أكدت الجملة، أكدتها، وترى أيضًا أنها حصرت الفضل فيه، ومعلوم أن محمدًا عليه الصلاة والسلام أفضل الخلق. وثالثًا: أنها فرقت بين الخبر والصفة؛ لأنه لو قيل: محمدٌ الفاضل لاحتمل أن يكون الفاضل صفة لمحمد، وأن الخبر لم يأتِ بعد، فإذا قيل: هو الفاضل تعين أن تكون الفاضل خبرًا.
فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَالظالمون: يعني المتصفين بالظلم، والظلم في الأصل النقص، الظلم في الأصل هو النقص كما قال تعالى: كِلْتَا الْجَنَّتَيْنِ آتَتْ أُكُلَهَا وَلَمْ تَظْلِمْ مِنْهُ شَيْئًاأي: لم تنقص منه شيئًا، وهو في الحقيقة إما تفريط في واجب، وإما انتهاك لمحرم، الظلم يدور على شيئين: تفريط في واجب وانتهاك لمحرم، وكلاهما نقص؛ لأن المنتهك للمحرم أو المفرط في الواجب قد نقص الأمانة والرعاية؛ لأنه أمين على نفسه وراعٍ عليها، فإذا أقدم على فعل محرم فقد أخل بما يجب عليه من الرعاية وخان الأمانة، وإذا فرط في الواجب فكذلك، ولهذا نقول: إن الظلم يدور على أمرين: إما تفريط في واجب، أو انتهاك لمحرم.
نرجع الآن إلى إعراب الآيتين قبل استنباط الفوائد. قوله: كُلُّ الطَّعَامِ(كل): مبتدأ، وكَانَ حِلًّاالجملة من (كان) واسمها وخبرها في محل رفع خبر المبتدأ.
وقوله: إِلَّا مَا حَرَّمَ إِسْرَائِيلُمستثنى من كلام تام موجب، إذن يتعين فيه النصب.
وقوله: فَاتْلُوهَا إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَجملة: إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَشرطية، واختلف المعربون في مثل هذا التركيب هل يحتاج الشرط إلى جواب أو لا؟ فمنهم من قال: لا يحتاج إلى الجواب؛ لأن المعلوم عقلًا أو حسًّا كالمذكور، ومنهم من قال: إن الجواب محذوف يدل عليه ما سبق، وتقديره على هذا القول: فاتلوها إن كنتم صادقين فاتلوها، فيكون الجواب محذوفًا دل عليه ما قبله، ويحتمل أن يقال: إن الجواب ما سبق، وسقطت الفاء من جواب الشرط وإن كان طلبيًّا لتقدمه على الأداة. على كل حال الجواب سواء قلنا: إنه مستغنى عنه أو إنه مذكور مقدم، أو إنه محذوف دل عليه ما تقدم فالمعنى واضح.
أما قوله: فَمَنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَفهذه جملة شرطية، جملة شرطية، جواب الشرط: فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَواقترن بالفاء؛ لأن أيش؟ لأنه جملة اسمية، وفيه أن من روعي فيها اللفظ والمعنى، روعي فيها اللفظ والمعنى، في الشرط روعي اللفظ، وفي الجواب روعي المعنى، كلام واضح ولَّا لا؟
الطلبة: لا.
الشيخ: كيف؟ قال: فَمَنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِافْتَرَىمصوغ للواحد ولّا للجماعة؟
الطلبة: لواحد.
الشيخ: للواحد، إذن مراعى فيه أيش؟ اللفظ، فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَمصوغ للواحد ولّا للجماعة؟
الطالب: للجماعة.
الشيخ: روعي فيه أيش؟
الطلبة: المعنى.
الشيخ: روعي فيه المعنى.
من فوائد هاتين الآيتين: أولًا: أن لله تعالى أن يحل ما يشاء ويحرم ما يشاء لقوله: كُلُّ الطَّعَامِ كَانَ حِلًّا لِبَنِي إِسْرَائِيلَ إِلَّا مَا حَرَّمَ إِسْرَائِيلُ عَلَى نَفْسِهِ. ومعلوم أن الله أقره على ذلك، وهذا تشريع من الله.
ومن فوائد الآيتين: الرد على اليهود الذين زعموا أنه لا نسخ في الشرائع، واضح؟
فإن قال قائل: هم يقولون: لا نسخ في الشرائع ويعللون بعلة تبدو وكأنها صحيحة، فما هو الجواب عن هذه العلة؟ أفهمتم العلة السابقة؟
يقولون: إن كان لغير الحكمة فهو عبث وسفه ينزه الله عنه، وإن كان لحكمة لزم أن تكون هذه الحكمة مجهولة لله، إما في الأول أو في الثاني؛ يعني إما في الناسخ أو في المنسوخ، وهذا يستلزم أن يكون الله تعالى جاهلًا ظهر له العلم من بعد أن كان خفيًّا عليه.
جوابنا عن ذلك أن نقول: إن النسخ لا يستلزم لا هذا ولا هذا، بل إن النسخ لحكمة؛ حكمة لا شك، لكن هذه الحكمة تتبع مصالح العباد، والعباد مصالحهم تختلف، قد يكون من المصلحة أن يُشرع لهم الحل في هذا الزمن والتحريم في زمن آخر، قد تكون هذه الأمة من المصلحة أن يشرع لها الحل والأمة الأخرى من المصلحة أن يشرع لها التحريم، فهنا الحكمة لا تتعلق بفعل الله ولكن تتعلق بالمخلوق الذي شُرع له هذا الحكم، وهذا أمر يختلف بلا شك؛ فمثلًا الناس في بدء الإسلام لا يتحملون جميع شرائع الإسلام، ولهذا جاءت الشرائع بالتدريج، بقي النبي عليه الصلاة والسلام عشر سنوات لا يجب على الناس لا صلاة ولا زكاة ولا صوم ولا حج، عشر سنوات بعد البعثة، كل هذا لتقرير التوحيد؛ لأن قلوب الناس في ذلك الوقت لا تحتمل أن يضاف إلى تحقيق التوحيد شيء آخر، ثم شُرعت الصلاة، ثم شرعت الزكاة، ثم شرع الصوم، ثم شرع الحج في آخر الأمر، كل هذا من أجل مراعاة أحوال الناس. وكذلك في الخمر، الخمر كان حلًّا، ثم كان عُرض بتحريمه، ثم حرم في أوقات معينة، ثم حُرم إلى الأبد، أربع مراحل؛ لأن الناس كانوا قد ألفوه، قال الله تعالى: وَمِنْ ثَمَرَاتِ النَّخِيلِ وَالْأَعْنَابِ تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَرًا وَرِزْقًا حَسَنًا [النحل: ٦٧]. وهذه الآية في سورة النحل وقد نزلت في مكة تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَرًاالعنب والرطب هما مادة الخمر.
ثم قال: يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِمَا [البقرة: ٢١٩]. والعاقل إذا علم أن إثمهما أكبر من نفعهما يهديه عقله إلى تركهما.
ثم قال: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ [النساء: ٤٣] إذن نجتنب الخمر وقت الصلاة؛ لأنا إن لم نجتنبه لزم أن نقرب الصلاة ونحن سكارى وهذا منهي عنه، إذا نجتنب الخمر خمسة أوقات في اليوم والليلة يضعف شربه ولَّا لا؟ يضعف، جاءت آية المائدة: فَاجْتَنِبُوهُ [المائدة: ٩٠] انتهى.
إذن نقول: إن ما ادعاه اليهود من أن النسخ يستلزم وصف الله بالنقص إما في الحكمة وإما في العلم أيش؟ كذب ولَّا لا؟ كذب.
ومن فوائد الآية: إقامة الحجة على الشخص فيما يعتقد صحته، أو مما يعتقد صحته؛ يعني أن تجيب، أن تقيم الحجة على خصمك من شيء يؤمن به ويعتقد صحته، كيف؟
أن الله تعالى قال: قُلْ فَأْتُوا بِالتَّوْرَاةِ فَاتْلُوهَا إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَالتوراة التي أنتم تقرون بأن ما فيها حق ائتوا بها، اتلوها يتبين أن النسخ كان موجودًا فيها ومن قديم الزمان.
ومن فوائد هذه الآية: أن التوراة منزلة كالقرآن، وهذا يدل على علو الله جل وعلا، وأنه فوق كل شيء، وهذا هو عقيدة أهل السنة والجماعة يقولون: إن الله سبحانه وتعالى نفسه فوق كل شيء، ليس الله فوق كل شيء في القدرة والسلطان والقهر فحسب، بل في هذا وفي نفسه فوق كل شيء، واضح يا جماعة؟ ما وجه دلالتها على علو الله؟ لأن التوراة من عند الله والنازل يكون من أعلى إلى أسفل.
ومن فوائد الآيتين: أنه ينبغي للإنسان أن يقابل الخصم بشيء يقطع نزاعه بالكلية، حيث قال: فَاتْلُوهَاولم يقل: نتلوها، قال: فَاتْلُوهَاأنتم بأنفسكم حتى تقيم الحجة على نفسك من نفسك، لو أنها أخذناها نحن وتلوناها ربما تقول أسقطت آية أو زدت آية فإذا تلوتها أنت بنفسك انقطعت حجته.
ومن فوائدهما: أنه ينبغي للإنسان أن يتحدى خصمه بما تَبِين به الحجة على وجه لا مفر له منه لقوله: فَاتْلُوهَا إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ. وهكذا ينبغي في المناظرة أن الإنسان لا يأتي بحجة واهية؛ لأنه إذا أتى بحجة واهية، ثم كُسِّرت أمامه ضعفت عظيمته وبان خلله، وإذا أتى بحجة لا يمكن أن يلحقها نقص لاحتجاج صار هذا أقوى لعزيمته وأنكى لخصمه، أرأيت محاجة إبراهيم للذي حاجه في ربه قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ [البقرة: ٢٥٨] يحيي ويميت؟ سهل هذا، أنا أحيي وأميت، يقول المحاجّ الخصم: أنا أحيي وأميت، لكن هل هذه دعوى، أو منزلة على شيء معين؟
طالب: منزلة على شيء (...).
الشيخ: سبق لنا أن فيها خلافًا، بعضهم قال: دعوى وهو كاذب، لكن فيها إيهام، وبعضهم قال: إنها منزلة على شيء معين، وأن قوله: أنا أحيي يعني أُوتى بالرجل يستحق القتل فأرفع القتل عنه فيكون في هذا إحياء، وأميت يعني: آتي بشخص البريء فآمر بقتله فيقتل، لكن إبراهيم لم يجادله مجادلة تحتاج إلى طول منازعة قال له: فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِواضح الآن؟
واضح ما يقدر يتحرك أبدًا، ما يقول لنا: أجيب القمر وأجيب النجم الفلاني فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَانقطع، وهكذا ينبغي -يا إخواني- في المخاصمة لا تذهبون تأتون بالأشياء المشتبهة، إذا أتيت بالشيء المشتبه قد تنقطع، والحق معك فتكون خاذلًا للحق، ائت بشيء قوي ما يستطيع الخصم أن يفتته أبدًا، ثم إن بعض العلماء قال: اصرخ عليه، اصرخ؛ لأنك إذا أتيت بقوة وحزم وصراخ ما تقول في كذا؟ قوة، يروح برة (...) ساعتي!
والشيء الذي يضعف الخصم وهو حق، هذا أمر مطلوب، أمر مطلوب كما يصرخ الفارس بعدوه إذا التقى الصفان صرخ فيه بعض الفرسان يصرخ صرخة يجعل الفرس اللي تحته يقفز طول قامة الرجل، وهذه مفيدة للإنسان، قوة عزيمة، وكل مقام له مقال، لا أقول: كل ما كلمت واحد تتصرخ عليه وتجيب الحجج الدامغة لا، كل مقام له مقال، لكن في مقام إنسان ينازع بالباطل عليك به، قابله مقابلة إنسان يرى أنه فوقه بالحق، ولهذا نبه الله على ذلك قال: فَلَا تَهِنُوا وَتَدْعُوا إِلَى السَّلْمِ وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ [محمد: ٣٥] أنتم فوق، أنتم الأعلون زد أيضًا وَاللَّهُ مَعَكُمْ، سبحان الله! أنت فوقه والله معك وين يكون هو؟ معه الشيطان وفي الأسف تحت النعال، ولذلك في مقام النزاع أو المخاصمة بالحق ينبغي أن يكون الإنسان قوي الحجة وقوي القول حتى لو أغلظ ما فيه مانع، أنا لا أغلظ لأجل أن أنتصر لنفسي ولكن لأجل أن أنتصر للحق، وأظن ابن القيم ذكر ذلك في النونية قال: اصرخ عليهم -يعني أهل الباطل والبدع- اصرخ عليهم، اصرخ بها بين أيديهم. وهكذا.
إذن نقول: ينبغي في باب المناظرة أن تأتي بالحجة التي تدمغ الخصم بحيث هو يقدم الحجة لك ائتوا بالتوراة فاتلوها، إذا أتوا بالتوراة وتلوها وصارت موافقة لما جاء به محمد عليه الصلاة والسلام صاروا يقدمون الحجة لك على أنفسهم.
ومن فوائد هاتين الآيتين: أنه متى ظهر الحق فحاص الإنسان عنه صار أشد ظلمًا لقوله: فَمَنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَكأنه لا ظالم سواهم كأنهم هم الذين أخذوا الظلم كله؛ لأنه إذا قامت الحجة ما بقي للإنسان محجة؛ يعني ما بقي له أي طريق يمكن أن يتوصل إليه، أو أن يفر منه.
ومن فوائد هاتين الآيتين: أن من عباد الله من يفتري الكذب على الله. والذي يفتري الكذب على الله يفتري الكذب على الرسول من باب أولى، والذي يفتري على الرسول يفتري على الناس من باب أوْلى أيضًا.
إذن فإذا افترى عليك إنسان شيئًا فلا تستغرب، افترى الناس على الله الكذب، وافتروا على الرسول الكذب فلا يفترون عليك؟! من أنت بالنسبة إلى الله ورسوله؟!
ومن فوائد هاتين الآيتين: أنه لا إثم مع الجهل لقوله: مِنْ بَعْدِ ذَلِكَأي: من بعد أن يتبين الحق، فهذا هو الظالم، أما من ارتكب محرمًا قبل أن يتبين له الحق فإنه لا يلحقه إثم ذلك المحرم، لا شك لا في الواجبات ولا في المحرمات، من ارتكب شيئًا بغير علم فإنه لا إثم عليه ما لم يفرط لا في الواجبات ولا في المحرمات، ولكن بالنسبة للمحرمات لا يترتب عليه شيء من آثارها أبدًا لا إثم، ولا كفارة فيما فيه الكفارة، ولا شيء أبدًا.
فلو أن رجلًا فعل محظورًا من محظورات الإحرام وهو جاهل أنه محظور فلا شيء عليه، بل لو أن الإنسان جامع وهو محرم يظن أنه لا شيء عليه في الجماع فلا شيء عليه، لا كفارة ولا فساد حج، ولا غير ذلك، أما في الواجبات إذا فعل شيئًا محرمًا عليه في الواجب؛ يعني بأن ترك واجبًا أو فعل ما يبطل ذلك الواجب وهو جاهل فلا إثم عليه، لكن يجب أن يتدارك هذا الواجب ما دام في وقته مثال ذلك: رجل جاءنا وقال: إنه صلى صلاة الظهر ولكنه ما قرأ الفاتحة، لم يعلم أن الفاتحة واجبة، فجاء يسألنا: ماذا تقولون؟ نقول: لا إثم عليك، ليس عليك إثم مع أنك لو تركت الفاتحة وأنت تعلم أنها واجبة لأثمت بلا شك، لأثمت؛ لأن هذا من اتخاذ آيات الله هزوًا، لكن الآن لا إثم عليك، هل يجب عليه أن يعيد الصلاة؟
الطلبة: نعم.
الشيخ: يجب؛ لأن ذمته الآن مشغولة بهذه الصلاة، فلا بد أن يعيدها، أما الصلوات الماضية فإنه لا يجب عليه إعادتها، ولو كان قد ترك الفاتحة فيها؛ لأنه جاهل، ودليل ذلك حديث المسيء في صلاته، حيث قال له الرسول صلى الله عليه وسلم: «ارْجِعْ فَصَلِّ فَإِنَّكَ لَمْ تُصَلِّ» ولم يأمره بإعادة أو بقضاء ما سبق من الصلوات.

***

طالب: قُلْ صَدَقَ اللَّهُ فَاتَّبِعُوا مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (٩٥) إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا وَهُدًى لِلْعَالَمِينَ (٩٦) فِيهِ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ مَقَامُ إِبْرَاهِيمَ وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ (٩٧) [آل عمران: ٩٥ - ٩٧].

الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم. قال الله تعالى: كُلُّ الطَّعَامِ كَانَ حِلًّا لِبَنِي إِسْرَائِيلَ إِلَّا مَا حَرَّمَ إِسْرَائِيلُ عَلَى نَفْسِهِ. من المراد بإسرائيل؟
طالب: فيه خلاف: قيل: يعقوب، وقيل: بني يعقوب؛ أبناء يعقوب عليه السلام.
الشيخ: كيف؟
الطالب: يعني بعض أهل العلم قال: إنه يعقوب معين بشخص علم، وبعض أهل العلم قالوا: إنه أبناء يعقوب عليه السلام.
الشيخ: توافقون على هذا؟
طلبة: نعم.
طالب: قيل: إنه اسم قبيلة، وقيل: إنه يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم عليه السلام.
الشيخ: كيف اسم قبيلة هذه؟
الطالب: إي نعم، (إسرائيل) نفسه قيل: إنه اسم قبيلة، وقيل: إنه.
الشيخ: لأ، بس ما هو، ما هي هذه الآية، صحيح إسرائيل تُطلق على القبيلة، لكن في هذه الآية؟
الطالب: بني إسرائيل، هم أبناء يعقوب بن إسحاق.
الشيخ: إسحاق ابن؟
الطالب: ابن إبراهيم.
الشيخ: ابن إبرهيم. قوله: إِلَّا مَا حَرَّمَ إِسْرَائِيلُ عَلَى نَفْسِهِما الذي حرمه؟
طالب: قيل: إنه حرم الإبل.
الشيخ: أكل لحم الإبل؟
الطالب: أكل لحم الإبل على نفسه.
الشيخ: نعم، والصحيح؟
الطالب: الصحيح؟!
الشيخ: حمد!
الطالب: الصحيح أن الله سبحانه وتعالى أبهم في هذه الآية ما حرّمه إسرائيل على نفسه، فنحن نبهم ما أبهمه الله.
الشيخ: فنبهم ما أبهمه الله إلا بدليل عن معصوم، أما ما ينقله بنو إسرائيل في ذلك فلا نصدقه ولا نكذبه.
قوله: مِنْ قَبْلِ أَنْ تُنَزَّلَ التَّوْرَاةُما المراد بالتوراة؟
طالب: التوراة: هو الكتاب الذي نزل على موسى.. على عيسى عليه السلام.
الشيخ: على من؟
الطالب: على عيسى.
الشيخ: ها!
الطالب: على موسى عليه السلام.
الشيخ: على موسى.
الشيخ: طيب. ما معنى الآية على سبيل الإجمال كُلُّ الطَّعَامِ كَانَ حِلًّا لِبَنِي إِسْرَائِيلَ إِلَّا مَا حَرَّمَ إِسْرَائِيلُ عَلَى نَفْسِهِ؟
الطالب: يعني هذا التحريم الثابت في كتاب الله عز وجل قد ثبت من قبل أن تنزل التوراة بأنه (...).
الشيخ: وما مغزاه؟
الطالب: مغزاه تكذيب اليهود في حجتهم التي يحتجوا بها النبي صلى الله عليه وسلم بأن النسخ غير (...).
الشيخ: بأن النسخ لا يقع في الشرائع.
الطالب: نعم.
الشيخ: قوله: إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَهذه الجملة ما نوعها؟
طالب: خبرية.
الشيخ: طيب وغير؟ استفهامية ولَّا؟ استفهامية ليست كذلك؛ لأنك قلت: خبرية لكن من أي أنواع الخبر؟ يعني صيغتها. أعني صيغتها؟
الطالب: من باب (...) والتقرير.
الشيخ: لا.
الطالب: شرطية، جملة شرط.
الشيخ: شرطية لقوله: إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَأين جواب الشرط؟
الطالب: جواب الشرط فيه خلاف؛ قيل: إنه كنتم صادقين فأتوا بالتوراة فاتلوها، وقيل: إنه..
الشيخ: يعني أنه محذوف؟
الطالب: محذوف دل عليه السياق.
الشيخ: دل عليه ما قبله. القول الثاني؟
الطالب: والقول الثاني: أنه ليس هناك حذف بل يعلم، بل هناك تقديم وتأخير؛ يعني فأتوا بالتوراة فاتلوها إن كنتم صادقين، قدّم الجواب على الشرط.
الشيخ: قدم الجواب على الشرط، ثالث؟
الطالب: الثالث: أن هذا يعلم من السياق، يعني ما يحتاج إلى تقدير.
الشيخ: أن هذا لا يحتاج إلى تقدير ولا تقديم ولا تأخير؛ يعني معناه أنه لا يحتاج إلى جواب أصلًا؛ لأن الجملة تعينه، وكأن هذا الذي يميل إليه ابن القيم رحمه الله.
الشيخ: قوله: فَمَنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَما نوع الكذب الذي يمكن أن يفترى؟ فَمَنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَما الكذب الذي يمكن أن يفترى في هذا؟
الطالب: إنكار رسالة الرسول صلى الله عليه وسلم مع أن (...).
الشيخ: إنكار الرسالة ولَّا إنكار النسخ؟
الطالب: إنكار النسخ كذلك.
الشيخ: إنكار النسخ؟ يعني من افترى الكذب وقال: إن الله لا ينسخ شيئًا من أحكامه بعد ذلك فهو ظالم.
الشيخ: الجملة: فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ، اسمية أو فعلية؟
الطالب: اسمية.
الشيخ: وأيش إعراب هم؟
الطالب: (هم) ضمير فصل.
الشيخ: ضمير فصل، فائدته؟
الطالب: فائدته: الحصر، والتوكيد، وفصل الصفة عن الخبر.
الشيخ: التمييز بين الصفة والخبر.
الظلم هنا، الظلم الأكبر أو الظلم الأصغر؟
الطالب: الظلم الأكبر.
الشيخ: الأكبر. لماذا حمتله على الظلم الأكبر مع احتمال أن يكون من الظلم الأصغر؟
الطالب: لأن الكذب يكون على الكتب الذي أنزل فيهم، وكذبوا قول الرسول صلى الله عليه وسلم.
الشيخ: الكذب على الله؟
الطالب: لأنهم بعد ما قامت عليهم الحجة كذبوا.
الشيخ: إي نعم، لكن الظلم هنا هل هو ظلم أصغر أو ظلم أكبر؟
الطالب: أكبر.
الشيخ: أكبر؟ طيب لأن تعرف أن الظلم مثلًا الاعتداء على المال ظلم، الاعتداء على البدن ظلم، هذا النوع يعني اعتداء البدن والمال ليس بأكبر؟
الطالب: اللي في الآية هنا أكبر.
الشيخ: كيف؟ لماذا؟
الطالب: لأن الله سبحانه وتعالى أقام عليهم الحجة فَمَنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ.
الشيخ: يعني أن الله بين أنه ينسخ الشرائع، فإذا أنكروا ذلك فقد كذبوا الله، وتكذيب الله كفر.
تفسير الآية (95)
00:37:51

قال الله تعالى: قُلْ صَدَقَ اللَّهُ(قل) الخطاب للرسول صلى الله عليه وسلم، ويحتمل أن يكون الخطاب لكل من يصح توجه الخطاب إليه أي: للرسول صلى الله عليه وسلم ولغيره، فعلى القول الثاني لا إشكال فيه إذا قلنا: إن كل واحد من الناس يجب عليه أن يصدق الله فيقول: صدق الله.
وعلى القول الأول يكون الخطاب للرسول عليه الصلاة والسلام مرادًا به الخطاب مباشرة للرسول وللأمة بالتبع؛ لأن الخطاب الموجه لإمام القوم خطاب للجميع، فإنك لو قلت للقائد مثلًا: اذهب إلى الجبهة الفلانية وتحته جنود يمشون بأمره صار هذا الأمر أيش؟ أمرًا له ولمن كان تابعًا له، والرسول صلى الله عليه وسلم قائد الأمة وإمام الأمة، فإذا وُجِّه إليه الخطاب كان موجهًا له ولأمته ما لم يكن دليل على التخصيص.
وقوله: صَدَقَ اللَّهُجملة تتضمن الثناء على الله بالصدق، وقد قال الله تعالى: وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ قِيلًا [النساء: ١٢٢] فلا أحد أصدق من الله، والصدق مطابقة الخبر للواقع، والكذب مخالفة الخبر للواقع، فإذا قلت: غربت الشمس وقد غربت فعلًا فهذا صدق، وإذا لم تغرب فهذا كذب، إذن فالصدق موافقة الخبر للواقع، والكذب مخالفة الخبر للواقع.
هل يضاف إلى ذلك مع اعتقاد الوقوع؟ بمعنى أنه لو أن شخصًا أخبر بما يطابق الواقع، ولكنه يعتقد في نفسه أنه كاذب، فهل نقول: إن خبره هذا صدق أو كذب؟
طالب: كذب بالنسبة لنفسه.
الشيخ: هو صدق لأنه موافق للواقع، لكن عليه إثم الكاذب إذا كان يعتقد هو أنه كاذب في ذلك. الكذب مخالفة الخبر للواقع، هل نقول: بحسب اعتقاد المتكلم أو سواء كان موافقا لاعتقاده أوْ لا؟
نعم، نقول: سواء كان موافقًا لاعتقاده أو لا حتى لو اعتقد أنه صدق وقد خالف الواقع فهو كذب، ولهذا نقول: إن اليهود الذين زعموا أنهم صلبوا المسيح ابن مريم عليه الصلاة والسلام وإن كانوا يعتقدون الصدق فهم كاذبون، والنصارى الذين قالوا: إن الله ثالث ثلاثة هم أيضًا كاذبون وإن كانوا قد اعتقدوا الصدق.
إذن لا يشترط اعتقاد القائل موافقة ما أخبر به للواقع أو مخالفته للواقع، المهم أن هذا الخبر إن وافق الواقع فهو صدق، وإن اعتقد قائله أنه كاذب، وإن خالف الواقع فهو كذب وإن اعتقد قائله أنه صادق.
صَدَقَ اللَّهُقلنا: إن صَدَقَ اللَّهُجملة خبرية تتضمن الثناء على الله، وإذا كانت تتضمن الثناء على الله فهي عبادة، فقول القائل: صدق الله، وثناء على الله تعالى بالصدق فهو عبادة، لأن كل ثناء على الله فهو ذكر لله وتعبد له. صَدَقَ اللَّهُبأي شيء؟ لم يذكر الخبر الذي حُكم عليه بالصدق فيكون ذلك عامًّا شاملًا؛ أي: صدق الله في كل شي، كل ما أخبر الله به فهو صدق، ومن ذلك ما أخبر به مما أحل لإسرائيل أو لبني إسرائيل إلا ما حرم إسرائيل على نفسه.
فَاتَّبِعُوا مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًافَاتَّبِعُوا: الخطاب للأمة كما أن الله أمر نبيه صلى الله عليه وسلم بذلك في قوله: ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا [النحل: ١٢٣] فالنبي صلى الله عليه وسلم مأمور بأن يتبع ملة إبراهيم حنيفًا، وكذلك نحن مأمورون بأن نتبع ملة إبراهيم حنيفًا، والملة هي الشريعة التي يكون عليها الإنسان، فكل شريعة يكون عليها الإنسان فهي ملة؛ فالإسلام ملة، واليهودية ملة، والنصرانية ملة، وقد جاء في الحديث: «لَا يَتَوَارَثُ أَهْلُ مِلَّتَيْنِ شَتَّى» أي: مفترقتين.
وقوله: مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَهل المراد اتباع هذه الملة في كل الشرائع والشعائر، أو في الأصل فقط وهو التوحيد؟
المراد هذا الثاني؛ يعني اتبعوا ملة إبراهيم في التوحيد وعدم الشرك، ولهذا قال: حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ [النحل: ١٢٣] حنيفًا: أي مائلًا عن كل شرك. وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَهذه الجملة معطوفة على ما سبق من باب عطف المترادفين أو المرادف على مرادفه، فالحنيف معناه: المائل عن كل شرك وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَتوكيد لذلك، وإذا انتفى الشرك في ملة إبراهيم لزم من ذلك أن يكون أيش؟ مخلصًا في التوحيد، أن يكون مخلصًا في التوحيد، وهو كذلك، ولهذا يسمى إبراهيم عليه الصلاة والسلام إمام الحنفاء، وقوله: حَنِيفًايعني مائلًا عن كل شرك. ثم قال: وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَأي: الذين يدخلون الشرك في عبادتهم.
في هذه الآية الإعراب ليس فيه إشكال إلا قوله: حَنِيفًافما إعرابها؟
منصوبة على أيش؟ على الحال من إبراهيم، يعني حال كونه حنيفًا، هذه الحال هل هي حال لازمة أو عارضة يمكن الانتقال عنها؟
طلبة: لازمة.
الشيخ: نعم، هي حال لازمة، وإلا لما صح أن نؤمر باتباعه.
في هذه الآية من الفوائد: وجوب تصديق الله عز وجل في كل ما أخبر به لقوله: قُلْ صَدَقَ اللَّهُ.
ومن فوائدها: وجوب الإيمان بما أخبر الله به عن نفسه من الأسماء والصفات، وهذا يستلزم تحريم تغييرها عن المراد بها أي: تغيير النصوص التي أخبر الله بها عن نفسه من الأسماء أو الصفات.
ومن فوائد هذه الآية: وجوب اتباع ملة إبراهيم، لكن في أصل الشرائع، فإن قال قائل: ما الدليل على تقييدكم إياها بأصل الشرائع مع أن الآية عامة؟
قلنا: الدليل قوله تعالى: لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا [المائدة: ٤٨]، فدل ذلك على أن الشرائع تختلف بحسب حاجات الناس ومصالحهم، أما أصلها -وهو التوحيد- فإن جميع الشرائع تتفق فيه وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ [الأنبياء: ٢٥].
ومن فوائدها: الثناء على إبراهيم عليه الصلاة والسلام بأنه حنيف وإمام، ولهذا أُمِرْنا باتباعه.
ومن فوائد هذه الآية: أنه يجب على الإنسان أن يتبع الحق أين ما كان، سواء كان من الرسول الذي أُرسل إليه مباشرة أو من الرسل السابقين.
ومن فوائد هذه الآية: انتفاء الشرك عن إبراهيم انتفاء كاملًا لقوله: حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ. هل يؤخذ من هذا ذم الشرك والنهي عن اتباعه؟
طلبة: إي نعم.
الشيخ: كيف ذلك؟ لأن الأمر بالشيء نهي عن ضده، فإذا أمرنا بالإخلاص فهذا يستلزم أننا منهيون عن الإشراك.
تفسير الآيتين (96-97)
00:49:11

ثم قال الله تعالى: إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا وَهُدًى لِلْعَالَمِينَ [آل عمران: ٩٦]. إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِأي: وضع لعبادة الناس وليس أول بيت وضع في الأرض يعني مما يُبنى، ولكنه أول بيت وضع للناس للعبادة والتعبد لَلَّذِي بِبَكَّةَوهو الكعبة، زادها الله تعالى تشريفًا وتعظيمًا، وبكة اسم من أسماء مكة، وسميت بذلك قالوا: لأنها تبُك أعناق الجبابرة؛ أي: تقطعها، وقيل: لأنه لا يوصل إليها إلا بمشقة وتعب، وقيل غير ذلك، ولكن المهم كل المهم أن المراد ببكة مكة، وقد ذكرها الله تعالى في هذه السورة بهذا الاسم، وذكرها في سورة الفتح باسم مكة في قوله: وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ عَنْهُمْ بِبَطْنِ مَكَّةَ [الفتح: ٢٤]، مكة. إذن فلها اسمان مذكوران في القرآن.
وأما القرية فهي اسم جامع لمكة وغيرها كما قال تعالى: وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ هِيَ أَشَدُّ قُوَّةً مِنْ قَرْيَتِكَ الَّتِي أَخْرَجَتْكَ أَهْلَكْنَاهُمْ [محمد: ١٣].
يقول عز وجل: لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًامباركًا: أي أن فيه البركة، وبركاته متعددة، فمن ذلك أن «مَنْ حَجَّ فَلَمْ يَرْفُثْ وَلَمْ يَفْسُقْ رَجَعَ كَيَوْمَ وَلَدَتْهُ أُمُّهُ» .
ومن ذلك أن الحسنات فيه مضاعفة، ولهذا قال أهل العلم: إن العبادة فيه أفضل من العبادة في غيره، سواء كانت صلاة أم صدقة أم صيامًا أم غير ذلك، ومن بركته أيضًا أنه تُجبى إليه ثمرات كل شيء، فإن مكة يأتيها رزقها رغدًا من كل مكان.
ومن بركته أيضًا أن فيه ماءً من شربه لأي شيء بِنيّة صادقة فإنه يكون له؛ وهو ماء زمزم، فقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: «مَاءُ زَمْزَمَ لِمَا شُرِبَ لَهُ» .
ومن بركته ما يحصل من المكاسب التي تكون فيه في أيام المواسم وغير أيام المواسم، ومن بركته أنه بعث فيه محمد صلى الله عليه وسلم الذي جعل الله شريعته أفضل شريعة كانت للخلق.
وقوله: وَهُدًى لِلْعَالَمِينَ(هدًى): أي منارًا يُهتدى به، وكيف كان هدى للعالمين؟
نعم؛ لأنه يجتمع فيه المسلمون من كل جانب يأوون إليه من كل فج عميق فيهتدي الضال منهم بالمهتدي ويحصل به التعليم والأسوة الحسنة، وكذلك أيضًا هدى للعالمين؛ لأن الأمة الإسلامية كلها تهوي إليه وتتجه إليه في كل يوم خمس مرات وجوبًا؛ يعني يجب أن نولي وجوهنا كل يوم خمس مرات على الأقل، ولهذا قال: هُدًى لِلْعَالَمِينَ. ومن هدايته للخلق للعالمين أن فيه إقامة الحج وإقامة العمرة وذلك هدى؛ لأن الأمة تزداد إيمانًا وهدى بالحج والعمرة.
وقوله: لِلْعَالَمِينَالمراد بهم الإنس، فهو عام أريد به الخاص، وليس المراد بهم من سوى الله؛ لأن العالمين في بعض المواضع يراد بها من سوى الله، وفي بعض المواضع يراد بها الإنس فقط، وقد يراد بها الإنس والجن مثل قوله تعالى: تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا [الفرقان: ١] وسموا عالمين من العلامة؛ لأنهم علم على خالقهم، فإن هؤلاء البشر بل وهذه المخلوقات كلها تدل على خالقها:
فَفِي كُلِّ شَيْءٍ لَهُ آيَةٌ تَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ وَاحِدُ

فِيهِ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ(فيه): الضمير يعود على قوله: لَلَّذِي بِبَكَّةَيعني على البيت الذي ببكة. آيَاتٌأي: علامات. بَيِّنَاتٌ: واضحات. هذه الآيات البينات هي ما يشرع فيه من المناسك والمواضع لهذه المناسك وهي قائمة لم تزل من عهد إبراهيم إلى يومنا هذا، كلها آيات علامات، فعرفة هي عرفة، ومزدلفة مزدلفة، ومِنى مِنى، لم تزل بهذا من عهد إبراهيم إلى اليوم، والكعبة هي الكعبة؛ يعني ليس هذا البيت خفيًّا لا يعلم الناس به، بل لم يزل مشهورًا بيِّنًا واضحًا من عهد إبراهيم إلى يومنا هذا.
وقوله: مَقَامُ إِبْرَاهِيمَبدل من (آيات) أو عطف بيان، ومقام إبراهيم مكان قيامه، فهل المراد بذلك الحجر المسمى بالمقام لقوله صلى الله عليه وسلم: وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى [البقرة: ١٢٥] حين تقدم إليه بعد انتهاء الطواف، أو المراد بالمقام مقامه في المناسك عمومًا؟
على قولين لأهل العلم؛ فمنهم من قال: إن المراد به المقام الخاص؛ وهو الحَجَر الذي صار يرتفع عليه حين ارتفع بناء الكعبة، أو أن المراد به كل مقام قامه في مناسك الحج، وإذا دار الأمر بين العموم والخصوص فالأولى الأخذ بالعموم؛ لأن الأخذ بالعموم يتناول الخاص ولا عكس، وعلى هذا فيقال: مقام إبراهيم مكان قيامه في مناسك الحج، وهذا المقام موجود من عهد إبراهيم إلى أن بُعث الرسول صلى الله عليه وسلم وإلى يومنا هذا، ولم يتغير إلا بحمية الجاهلية حمية قريش؛ فإنهم غيروا الوقوف بعرفة وجعلوه في مزدلفة، فغيروا هذا المقام وقالوا: نحن أهل الحرم ولا يمكن أن نخرج إلى الحِل، والخروج إلى الحل إنما يكون من أهل الحل، ولهذا كانت قريش في يوم عرفة ما تقف بعرفة، تقف في مزدلفة حتى يأتي الناس إليها، فأمر الله تعالى أن يفيضوا من حيث أفاض الناس؛ يعني أن يفيضوا من عرفة.
ودل على ذلك حديث جابر رضي الله عنه قال: فَأَجَازَ حَتَّى أَتَى عَرَفَةَ. قَالَ: وَلَمْ تَشُكَّ قُرَيْشٌ أَنَّهُ وَاقِفٌ بِمُزْدَلِفَةَ كَمَا كَانَتْ قُرَيْشٌ تَصْنَعُ فِي الْجَاهِلِيَّةِ . لكنه صلى الله عليه وسلم أجاز حتى أتى عرفة فوقف بها؛ لأنها هي التي كانت على زمن إبراهيم.
ثم قال الله عز وجل: وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًامَنْ دَخَلَهُأي: من دخل هذا البيت كان آمنًا، والمراد بالضمير في قوله: مَنْ دَخَلَهُالمراد به جميع الحرم، وإن كان ظاهره أن المراد به نفس البناء الذي هو الكعبة، لكن السنة دلت على أن الحكم عام في جميع الحرم.
وقوله: مَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًاهل هذه الجملة تابعة لقوله: فِيهِ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌفتكون خبرًا عن حال هذا البيت، أو أنها جملة إنشائية معنًى؟ يعني أن الله تعالى أمر بأن يكون الداخل له آمنًا؟
على قولين لأهل العلم؛ فمنهم من قال: إن هذه الجملة تابعة لما سبق؛ أي تابعة لقوله: مَقَامُ إِبْرَاهِيمَ وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًافتكون من الآيات البينات، وهي أمن من دخله حتى في الزمن الجاهلية، ومن العلماء من قال: إنها جملة مستأنفة، وهي خبرية لفظًا إنشائية معنى؛ أي: من دخله فليكن آمنًا ولا يُتعرض له، وعلى كل حال فإن المعنيين يتفقان في وجوب تأمين من دخله؛ لأنه إن كان خبرًا عما كان عليه البيت فإنه خبر أقره الله عز وجل وأتى به للاستدلال على الآيات البينات التي في هذا البيت، وإن كانت إنشاء فالأمر واضح.
وقوله: كَانَ آمِنًايعني آمنًا من أبناء جنسه، وليس آمنًا من عذاب الله، ولا آمنًا مما يريده الله منه، لكنه آمن من بني جنسه حتى إنَّ قاتل أب الإنسان يراه الإنسان في مكة ولا يتعرض له حتى يخرج، هكذا كان محترمًا.
ثم قال الله تعالى: وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِفيها قراءتان: حِجُّو{حَجُّ} وهما بمعنى واحد. وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ(اللام) للاستحقاق في قوله: وَلِلَّهِو(على) للوجوب؛ أي: يجب على الناس حقًّا لله أن يحجوا البيت. حِجُّ الْبَيْتِأي: قصده؛ لأن الحج في اللغة: القصد، والمراد به: قصده على الوجه الذي شرعه الله بأن يأتي الإنسان بالمناسك المشروعة.
وقوله: مَنِ اسْتَطَاعَمن هذه بدل من النَّاسِبدل بعض من كل، وذلك لأن الناس قسمان: مستطيع وغير مستطيع، فالمستطيع بعض من الناس، ولهذا قلنا: إن هذا البدل أيش؟ بدل بعض من كل، وبدل البعض من الكل كثير في اللغة العربية تقول مثلًا: أكلت الرغيف ثلثه، هذا بدل بعض من كل، وقال الله تعالى: قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا (٢) نِصْفَهُ أَوِ انْقُصْ مِنْهُ قَلِيلًا (٣) أَوْ زِدْ عَلَيْهِ [المزمل: ٢- ٤] إذا جعلنا نصفه بدلًا من الليل فهو بدل بعض من كل، وقد يُبدل الكل من البعض، لكنه قليل في اللغة، ومنه قول الشاعر:
رَحِمَ اللَّهُ أَعْظُمًا دَفَنُوهَا بِسِجِسْتَانَ طَلْحَةَ الطَّلَحَاتِ

الشاهد قوله؟
طالب: بسجستان.
الشيخ: لا.
طلبة: أعظمًا.
طالب: طلحة.
الشيخ: لا، طلحة، فطلحة بدل من أعظُم، والأعظم بعض الإنسان.
قال: وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ سَبِيلًا [آل عمران: ٩٧] أي: من استطاع طريقًا إلى البيت ووصولًا إليه، والاستطاعة يعني بذلك القدرة يعني بها القدرة، فمن لم يستطع فلا حج عليه.
فإن قال قائل: هذا الشرط ثابت في كل عبادة لقوله تعالى: فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ [التغابن: ١٦] فلماذا قيده، قيد وجوب الحج بالاستطاعة مع أنه شرط مفهوم معلوم؟ فالجواب عن ذلك: أنه لما كان الوصول إلى البيت شاقًّا أشق بكثير من العبادات نص على اشتراط الاستطاعة وإلا فلا شك أن كل العبادات لا تجب إلا بالاستطاعة اتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ [التغابن: ١٦] «إِذَا أَمَرْتُكُمْ بِأَمْرٍ فَأْتُوا مِنْهُ مَا اسْتَطَعْتُمْ» ، الاستطاعة بالبدن أو بالمال أو بهما؟ ما المراد يعني؟ هل المراد الاستطاعة بالمال أو البدن أو بهما؟ نقول: الآية مطلقة، فمن استطاع الوصول ببدنه وجب عليه وإن لم يكن عنده مال كما لو استطاع أن يمشي إلى مكة ويأتي بأفعال المناسك، ومن استطاع بماله دون بدنه وجب عليه الحج لكن عن طريق الاستنابة، ومن كان عنده مال وهو قادر بالبدن فالحج واجب عليه ولا إشكال.
إذن الاستطاعة لا نقيدها بالبدن والمال نقول: سواء قدر بماله أو ببدنه أو بهما، فإن عجز بماله وبدنه بأن كان فقيرًا ولا يمكنه أن يحج لضعف في بدنه فهنا ينتفي عنه الوجوب؛ لأنه غير قادر، إذن القادر بماله أيش؟ أو بدنه أو بهما.
والقدرة هي القدرة الحسية، أما القدرة الشرعية ففيها خلاف، فمنهم من قال: إنه يشترط أيضًا القدرة الشرعية الاستطاعة الشرعية، فلو كان هناك امرأة غنية قادرة ببدنها، لكن ليس لها محرم فإن الحج لا يجب عليها، لماذا؟ لأنها عاجزة شرعًا عن الحج، أما حِسًّا فليست بعاجزة؛ لأن عندها مال وعندها قدرة بدنية، لكنها عاجزة شرعًا لعدم وجود المحرَم، وسفر المرأة بلا محرم -ولو للحج- غير جائز؛ لأنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم لَمَّا خَطَبَ وَقَالَ:«لَا تُسَافِر امْرَأَةٌ إِلَّا مَعَ ذِي مَحْرَمٍ» سَأَلَهُ رَجُلٌ وَقَالَ: إِنَّ امْرَأَتِي خَرَجَتْ حَاجَّةً، وَإِنِّي اكْتُتِبْتُ فِي غَزْوَةِ كَذَا وَكَذَا فَقَالَ:«انْطَلِقْ فَحُجَّ مَعَ امْرَأَتِكَ» ، اختلف العلماء في مسألة الاستطاعة الشرعية هل هي شرط للوجوب أو شرط للأداء؟ هل هي شرط للوجوب أو شرط للأداء؟ ويختلف الحكم باختلاف القولين، فإذا قلنا: إنها شرط للأداء فقط لزم المرأة أن تُنيب من يحج عنها إذا كانت قادرة بمالها، أو بمالها وبدنها، واضح يا جماعة؟
إذا قلنا: شرط للأداء، نقول: الآن سقط عنكِ الأداء، لكن وجب عليكِ أن تنيبي، أما الأداء فلا يلزمك؛ لأنك لا تستطيعين ذلك شرعًا، وإذا قلنا: إنه أي الاستطاعة الشرعية شرط للوجوب فإن هذه المرأة لا يلزمها أن تنيب من يحج عنها، هذا فرق. الفرق الثاني: لو ماتت هذه المرأة القادرة بمالها وبدنها على الحج لكن ليس لها محرَم، لو ماتت فهل يكون الحج دينًا في تركتها فيلزم الورثة أن يقيموا من يحجوا عنها أو لا؟
ما نقول؟ نقول: إن قلنا: بأن الاستطاعة الشرعية شرط للوجوب فإنه لا يلزم الورثة أن يقيموا من يحجوا عنها؛ لأن هذه المرأة كالمرأة الفقيرة سواء ليس عليها حج، وإن قلنا: بأنه شرط للأداء لزم الورثة أيش؟ أن ينيبوا من يحج عنها، أو أن يحجوا هم بأنفسهم عنها، المهم أنه يلزمهم إذا خلَّفت مالًا وكما قلت: إنها عندها مال.
في هاتين الآيتين فوائد؛ منها: أن أول بيت وضع للعبادة هو الكعبة الذي ببكة، فيكون سابقًا على بيت المقدس، وآخر بيت وضع للعبادة المسجد النبوي، وهذه هي المساجد الثلاثة التي تشد إليها الرحال، كما قال النبي عليه الصلاة والسلام: «لَا تَشُدُّوا الرِّحَالَ» إن قلنا: لا تَشُدُّوا الرحال، وإن قلنا: «لَا تُشَدُّ الرِّحَالُ» فهي بالضم «إِلَّا إِلَى ثَلَاثَةِ مَسَاجِدَ: الْمَسْجِدَ الْحَرامَ، وَمَسْجِدِي هَذَا، وَالْمَسْجِدَ الْأَقْصَى».
ومن فوائد هذه الآية: أن تقدم المكان في العبادة له أثر في تفضيله لقوله: إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ. وهذا المراد به التفضيل، ولهذا قال العلماء: إن المسجد الأسبق في إقامة الجماعة فيه أفضل من المسجد الحديث، فإذا كان حول الإنسان مسجدان أحدهما قديم والآخر جديد ولم يتميز أحدهما عن الآخر بفضيلة أخرى، فإن القديم أفضل من الجديد لسبقه في العبادة فيه.
ومن فوائد هذه الآية: الرد على بني إسرائيل، وهو أن محمدًا صلى الله عليه وسلم بُعث من البلد الذي فيه أول مسجد وضع للناس، وأنبياء بني إسرائيل بعثوا في بيت المقدس، فيكون في هذا رد على اليهود الذين يقدسون بيت المقدس وكذلك النصارى الذين يقدسونه، فقيل لهم: إن الكعبة التي بُعث منها رسول صلى الله عليه وسلم أفضل من بيت المقدس.
ومن فوائد هذه الآية: أن من أسماء مكة: بكة، ولها أسماء كثيرة ذكرها من تكلموا في تاريخ مكة.
ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن هذا البيت مبارَك، وسبق لنا بيان بركته لقوله: مُبَارَكًا.
ومن فوائدها: أن هذا البيت هُدًى للعالمين؛ يعني أن الناس يهتدون به بما يقيمونه من الشعائر أو يهتدون به حيث يتوجهون إليه في صلواتهم.
ومن فوائد هاتين الآيتين: أن هذا البيت فيه آيات بينات.

***

طالب: قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَاللَّهُ شَهِيدٌ عَلَى مَا تَعْمَلُونَ (٩٨) قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ مَنْ آمَنَ تَبْغُونَهَا عِوَجًا وَأَنْتُمْ شُهَدَاءُ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ (٩٩) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا فَرِيقًا مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ يَرُدُّوكُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ كَافِرِينَ (١٠٠) وَكَيْفَ تَكْفُرُونَ وَأَنْتُمْ تُتْلَى عَلَيْكُمْ آيَاتُ اللَّهِ وَفِيكُمْ رَسُولُهُ وَمَنْ يَعْتَصِمْ بِاللَّهِ فَقَدْ هُدِيَ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (١٠١) [آل عمران: ٩٨ – ١٠١].

الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم. قال الله تعالى: وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَيعني أن من حج البيت عند الاستطاعة فقد أدى فريضته. وَمَنْ كَفَرَيعني فلم يحج، فكفر هذه الفريضة ولم يقم بها فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَعن كل أحد؛ لأن المراد بالعالمين هنا من سِوى الله؛ فهي كقوله تعالى: الحمد لله رب العالمين، وقد يطلق العالَم على بعض أفراده مثل قوله تعالى: تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا [الفرقان: ١] فإن المراد بالعالمين هنا الإنس والجن؛ لأن الرسول صلى الله عليه وسلم لم يرسل إلى البهائم وإلى الملائكة، وإنما أرسل إلى الإنس والجن فقط، فالعالَمون تارة يراد بها ما سوى الله، وتارة يراد بها بعض منهم حسب ما يقتضيه السياق والمعنى.
وقوله: وَمَنْ كَفَرَالجملة هنا يحتمل أن تكون اسمًا موصولًا، وأن تكون يعني من يحتمل أن تكون اسمًا موصولًا ويحتمل أن تكون شرطية، أما على كونها شرطية فالفاء في قوله: فَإِنَّ اللهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَرابطة، وإنما احتيج إليها؛ لأن جواب الشرط جملة اسمية، وأما على كون (من) اسمًا موصولًا فإنما وقعت الفاء في خبرها؛ لأن الاسم الموصول مشبه للشرط في العموم فيُعطى حكمه؛ يعني والذي كفر فإن الله غني عن العالمين.
وفي قوله: غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَإظهار في موضع الإضمار؛ لأن مقتضى السياق أن يقول: ومن كفر فإن الله غني عنه، كما في قوله تعالى في آية أخرى: إِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنْكُمْ وَلَا يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ [الزمر: ٧]. فهنا قال: غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَوالإظهار في موضع الإضمار ذكرنا أنه يفيد عدة فوائد؛ منها: إرادة العموم؛ لأنه لو قال: فإن الله غني عنه، لم تفد في العموم ما أفاده قوله: غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ.
ومنها: الإشارة إلى أن هذا الذي وُضع فيه الظاهر موضع المضمر من هؤلاء العالمين؛ يعني أن الله غني عنه كما أنه غني عن جميع العالمين، ومنها -لكن لا يستقيم هنا- القياس عليه في العلة والمعنى الذي أفاده هذا الظاهر.
في هذه الآيات وأظنه من قوله: إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ.
من فوائد هاتين الآيتين: أولًا: أن أول بيت وضع للناس للعبادة هو الكعبة الذي في مكة، والآية في ذلك صريحة، وبعده بيت المقدس، والثالث: المسجد النبوي.
ومن فوائد هاتين الآيتين: فضيلة هذا البيت بكونه أول بيت وضع للناس.
ومن فوائدها: أن الكعبة مُعظَّمة عند جميع الناس، عند جميع الخلق؛ لأنه إذا كان أول بيت وضع للناس فسوف يُعظّمه الناس، ولهذا ذهب كثير من أهل العلم إلى أن القبلة هي الكعبة لليهود والنصارى والمسلمين وجميع أهل الأديان كما ذكره شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله، ولكن اليهود صاروا يتجهون إلى بيت المقدس، والنصارى صاروا يتجهون إلى المشرق وهو من جملة ما حرفوه من دينهم، وإلا فالأصل أن الكعبة قِبلة لجميع الناس.
ومن فوائد هاتين الآيتين: أن الناس لا بد لهم من بيت يجتمعون عليه، وتهوي قلوبهم إليه، ولهذا وضع الله لهم ما كان بمكة.
ومن فوائدها: أن من أسماء مكة بَكَّة، ولها أسماء عديدة أكثر من هذا، ومن أراد الاطلاع عليها فليرجع إلى الجامع اللطيف في بناء البيت الشريف ، أو نحو هذا العنوان، أو يرجع إلى أخبار مكة للأزرقي.
ومن فوائد هاتين الآيتين: أن هذا البيت مبارك، مبارك قدَرًا ومبارك شرعًا، وقد مر علينا في التفسير بيان وجوه بركته.
ومن فوائد هاتين الآيتين أيضًا: أنه هدى ومنار للعالمين يهتدون به، ويهتدون إليه، ويؤمُّونه في عباداتهم، وقد جاء في الحديث: «الْكَعْبَةُ قِبْلَتُكُمْ أَحْيَاءً وَأَمْوَاتًا» .
ومن فوائدهما: أن في هذا البيت آيات بينات ظاهرة لكل أحد، منها مقام إبراهيم، ومنها: أن من دخله كان آمنًا.
ومنها: فريضة حجه على جميع الناس، فإن هذه كلها آيات تدل على أن هذا البيت أشرف البيوت كما أنه أول بيت وضع للناس.
ومن فوائد هاتين الآيتين: أن الآيات كما تكون شرعية تكون كذلك حسية كونية، كما في هذه الآيات التي ذُكرت للبيت العتيق.
ومن فوائدهما: التنويه بفضل إبراهيم عليه الصلاة والسلام في قوله: مَقَامُ إِبْرَاهِيمَ؛ لأن القول الراجح أنه ليس المراد بمقامه الحَجَر الذي كان يقوم عليه عند بناء الكعبة فحسب، بل كل مقاماته في مكة وما حولها من المناسك.
ومن فوائد الآيتين الكريمتين: وجوب تأمين من دخل المسجد الحرام لقوله: وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًاوقد حرَّم النبي عليه الصلاة والسلام أن يسفك في مكة دم، وأن يقطع فيها شجرة، وأن يُنفَّر صيدها فضلًا عن قتله، إذا رأيت الصيد في مكة على شجرة أو في فُرجة فإنه لا يجوز لك أن تُنفِّره منها؛ لأن الرسول صلى الله عليه وسلم قال: «لَا يُنَفِّر» كل ذلك من باب توطيد أيش؟ الأمن، من باب توطيد الأمن في مكة.
فإن قال قائل: ما تقولون في قتال النبي صلى الله عليه وسلم لأهل مكة؟
فالجواب: أن قتال الرسول صلى الله عليه وسلم لأهل مكة من أجل توطيد أمنها؛ لأن أهل مكة صاروا يتحكمون في البيت، ولهذا منعوا الرسول عليه الصلاة والسلام من أداء العمرة في غزوة الحديبية، فكان في هذا الإحلال الذي أحله الله لرسوله صلى الله عليه وسلم في ذلك النهار كان فيه مصلحة لتوطيد الأمن في البيت وحمايته من الظلمة كما قال الله تعالى: وَمَا كَانُوا أَوْلِيَاءَهُ إِنْ أَوْلِيَاؤُهُ إِلَّا الْمُتَّقُونَ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ [الأنفال: ٣٤] وأيضًا فإن هذا الإحلال ليس إحلالًا مطلقًا، بل هو إحلال مقيد، ويش هو فيه؟ ساعة من نهار كما قال النبي عليه الصلاة والسلام: «إِنَّما أُحِلَّتْ لِي سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ، وَإِنَّها لَنْ تَحِلَّ لِأَحَدٍ بَعْدِي» فقد كان القتال فيها محرمًا، ثم أُحل، ثم عاد تحريمه إلى يوم القيامة.
ومن فوائد هاتين الآيتين: أن حرمة المسلم أعظم من حرمة البيت؛ فالذين ينتهكون دماء المسلمين وأموال المسلمين أشد من الذين ينتهكون حرمة البيت عند الله؛ لأن حرمة المسلم أعظم عند الله تعالى، ودليل ذلك أن القتال في مكة محرم، ولكن الله قال: فَإِنْ قَاتَلُوكُمْ فَاقْتُلُوهُمْفلما أرادوا هتك دماء المسلمين وقاتلوا المسلمين أمر الله بقتلهم مع أن في قتلهم انتهاكًا لأيش؟ لأمن البيت، لكن لما أرادوا الاعتداء على حرمة المسلم أُبيحت دماؤهم، ولهذا تجدون الآية الكريمة على القراءة المشهورة: فَإِنْ قَاتَلُوكُمْ فَاقْتُلُوهُمْ [البقرة: ١٩١] ولم يقل: فقاتلوهم، وإن كان فيها قراءة: {فَقَاتِلُوهُمْ} لكن المراد قاتلوهم حتى تقتلوهم، والقتل أبلغ من المقاتلة، القتل أبلغ، اقتلوهم؛ لأنهم هم الذين انتهكوا حرمة البيت فلم يبقَ لهم حرمة.
ومن فوائد هذه الآية الكريمة: وجوب حج البيت على من استطاع إليه سبيلًا لقوله تعالى: وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ. ووجه الوجوب أن على -كما قال الأصوليون- ظاهرة في أيش؟ في الوجوب.
ومن فوائد هاتين الآيتين: أن الحج لا يجب على غير المستطيع لقوله: مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا. وسبق لنا أن الاستطاعة تكون بالمال والبدن وبهما جميعًا؛ يعني بالمال أو البدن أو بهما جميعًا على ما سبق.
ومن فوائد هاتين الآيتين: بيان رحمة الله عز وجل، حيث لم يفرض على عباده ما كان شاقًّا عليهم ولا يستطيعونه لقوله: مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا.
ومن فوائد هاتين الآيتين: أن من لم يحج فهو كافر لقوله: وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ.
واختلف العلماء -رحمهم الله- في هذا الكفر، هل هو نوع من الكفر أو هو الكفر المطلق؟
على قولين لأهل العلم؛ وهما روايتان عن الإمام أحمد، فعلى القول بأنه الكفر المطلق يكون من ترك الحج وهو مستطيع مرتدًّا خارجًا عن الإسلام يُستتاب فإن تاب وإلا قُتل، وعلى الثاني: أن المراد بالكفر هنا نوع منه؛ فإنه لا يكفر، وهذا القول هو الذي عليه جمهور من أهل العلم، وهو المشهور من مذهب الإمام أحمد، وهو ظاهر ما روي عن الصحابة، قال عبد الله بن شقيق: كَانَ أَصْحَابُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَا يَرَوْنَ شَيْئًا مِنَ الْأَعْمَالِ تَرْكُهُ كُفْرٌ غَيْرَ الصَّلَاةِ . وعلى هذا فيكون الكفر هنا نوعًا من الكفر كقوله صلى الله عليه وسلم: «سِبَابُ الْمُسْلِمِ فُسُوقٌ وَقِتَالُهُ كُفْرٌ» مع أن قتال المسلم لا يخرج من الإيمان.