ومن فوائد هاتين الآيتين: أن الحج لا يجب على غير
المستطيع؛ لقوله: مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا [آل عمران: ٩٧]، وسبق لنا أن الاستطاعة تكون بالمال والبدن وبهما جميعًا، يعني
بالمال أو البدن أو بهما جميعًا على ما سبق.
ومن فوائد
هاتين الآيتين: بيان رحمة الله عز وجل، حيث لم يفرض على عباده ما كان شاقًّا
عليهم ولا يستطيعونه؛ لقوله: مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا.
ومن فوائد هاتين الآيتين: أن من
لم يحج فهو كافر؛ لقوله: وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ [آل عمران: ٩٧]، واختلف العلماء رحمهم الله في هذا
الكفر هل هو نوع من الكفر أو هو الكفر المطلق؟ على قولين لأهل العلم، وهما روايتان
عن الإمام أحمد، فعلى القول بأنه الكفر المطلق يكون من ترك الحج وهو مستطيع مرتدًّا
خارجًا عن الإسلام، يستتاب فإن تاب وإلا قُتِل، وعلى الثاني أن المراد بالكفر هنا
نوع منه فإنه لا يكفر، وهذا القول هو الذي عليه جمهور أهل العلم، وهو المشهور من
مذهب الإمام أحمد، وهو ظاهر ما روي عن الصحابة، قال عبد الله بن شقيق: كان أصحاب
النبي صلى الله عليه وسلم لا يرون شيئًا من الأعمال تركه كفر غير الصلاة، وعلى هذا
فيكون الكفر هنا نوعًا من الكفر كقوله صلى الله عليه وسلم: «سِبَابُ الْمُسْلِمِ فُسُوقٌ وَقِتَالُهُ كُفْرٌ» ،
مع أن قتال المسلم لا يُخرج من الإيمان كما قال الله تعالى: وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا [الحجرات: ٩]، إلى قوله: إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ [الحجرات: ١٠]،
وهذا هو الأقرب أن المراد بالكفر هنا نوع منه وليس الكفر المطلق.
ومن فوائد هاتين الآيتين: بيان غنى الله عز وجل عن كل أحد،
فهو لم يأمر عباده بالعبادة من أجل أن ينتفع بها، كما جاء في الحديث القدسي حديث
أبي ذر الغفاري الطويل: «يَا عِبَادِي، إِنَّكُمْ لَنْ
تَبْلُغُوا نَفْعِي فَتَنْفَعُونِي، وَلَنْ تَبْلُغُوا ضُرِّي فَتَضُرُّونِي، يَا
عِبَادِي، لَوْ أَنَّ أَوَّلَكُمْ وَآخِرَكُمْ وَإِنْسَكُمْ وَجِنَّكُمْ كَانُوا
عَلَى أَفْجَرِ قَلْبِ رَجُلٍ وَاحِدٍ مِنْكُمْ مَا نَقَصَ ذَلِكَ فِي مُلْكِي
شَيْئًا» ، فالله عز وجل غني عنا،
إنما أمرنا ونهانا لتستقيم أمورنا وتصلح أحوالنا، ونسعد في الدنيا والآخرة، أما لو
كنا على أفجر قلب رجل من الناس فإن ذلك لا يضر الله شيئًا، لكن لما كان بنو آدم قد
أُعطوا من العقل ما استحقوا به أن توجه إليهم التكاليف بالأمر والنهي صاروا أهلًا
للأمر والنهي، ولهذا لا يوجه الأمر والنهي إلى البهائم؛ لأنها لم تُعط عقولًا، فكان
إعطاء العقل لبني آدم معناه أو مقتضاه إلزامهم بالتكاليف حتى ينالوا السعادة في
الدنيا والآخرة، أما البهائم فآخر أمرها أن تكون ترابًا تُبعث يوم القيامة ويُقتص
من بعضها لبعض ثم يقال: كوني ترابًا، فتكون ترابًا.
ومن
فوائد هاتين الآيتين: أنه إذا كان الله غنيًّا عن العالمين لزم أن يكون
العالَمون مفتقرين إليه، وليس بهم غنى عن الله، وهو كذلك، فإن الخلق مفتقرون إلى
الله تعالى غاية الافتقار، ولهذا ينبغي لك أن تسأل ربك بلسان الحال أو لسان المقال
كل أمورك، استعن بالله في كل أمورك إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ [الفاتحة: ٥]، لا يغفل عن بالك تعلقك بالله سبحانه
وتعالى في كل شيء، وقد جاء في الحديث: «لِيَسْأَلْ أَحَدُكُمْ
رَبَّهُ حَتَّى شِرَاكَ نَعْلِهِ» ، شراك النعل
الزهيد الذي لا يساوي شيئًا لا تغفل عن سؤال الله إياه إما بلسان الحال وإما بلسان
المقال.
***
ثم قال الله عز وجل: قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ [آل عمران: ٩٨]، هنا أمر الله رسوله صلى الله عليه وسلم أن يوبخ هؤلاء الذين من أهل الكتاب، وفي آية سبقت كان الخطاب من الله: يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ [آل عمران: ٧٠]، فهنا أمر من الله للرسول صلى الله عليه وسلم أن يقول لهم: يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ، (لِمَ) الاستفهام هنا للتوبيخ، واللام حرف جر، و(ما) استفهامية لكن حُذفت ألفها؛ لأن (ما) الاستفهامية إذا دخل عليها حرف الجر حُذفت ألفها، مثل: (لِمَ، عَمَّ، فِيمَ، عَلَامَ)، وما أشبه ذلك، يعني لو قلت: على ما تضربني، لا يجوز أن تقول: على ما تضربني، بل تقول: عَلَامَ تضربني، لِمَا تضربني يجوز؟ لا، تقول: لِمَ تضربني، وهكذا.
يقول الله عز وجل: لِمَ تَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ(تكفرون) أي: تجحدونها وتتغافلون عنها وتتعامون عنها، والمراد بالآيات اللي هنا الكونية والشرعية، الكفر بالآيات الكونية يتضمن ثلاثة أمور، أولًا: أن ينكر أن الله خلقها، ثانيًا: أن يعتقد أن لله تعالى شريكًا في إيجادها، ثالثًا: أن يعتقد أن لله معينًا فيها، هذه ثلاثة أمور، كم يتضمن الكفر بآيات الله الكونية؟
طالب: ثلاثة أمور.. وكدت ثلاثة أمور وغفلت.
الشيخ: هذه هي المشكلة.
طالب: أن يعتقد أن الله لم يخلقها، أن يعتقد أن لله معينًا في خلقها، وأن يعتقد أن مع الله شريكًا في خلقها.
الشيخ: نعم، أن ينكر خلق الله لها، يعني ينكر أن الله خلق هذه الكائنات، الثاني: أن يعتقد أن لله تعالى فيها شريكًا، يعني مثلًا الله خلق السماء وواحد آخر خلق الأرض مثلًا، الثالث: أن يعتقد أن لله تعالى معينًا فيها، يقول: هي لله، لكن فيه مَن عاونه، هذا كفر بالآيات الكونية، الكفر بالآيات الشرعية تكذيبُها بأن يكذب بأنها من عند الله أو يكذب بأخبارها أو مخالفتها، فإن كانت مخالفة تامة فهو كفر أكبر، وإن كانت مخالفة ناقصة فهو كفر أصغر، وهو ما يطلق عليه اسم الفسق، فصار الكفر بالآيات الكونية كم؟ ثلاثة أشياء، والشرعية شيئان: التكذيب والمخالفة؛ التكذيب إما أن يكون في أصلها بأن يقولك هذه ما نزلت من عند الله، أو يكذب أخبارها، أي خبر فيها إذا كذَّبه فهو تكذيب بالجميع، لأنه لا يمكن أن يؤمن ببعض الكتاب ويكفر ببعض، الثاني أيش؟ مخالفتها، ثم إن كانت مخالفة تامة فهو كفر أكبر، وإن كانت غير تامة فهو كفر أصغر، وهو ما يعبَّر عنه بكفر دون كفر أو بالفسوق.
طالب: شيخ، أحسن الله إليك يا شيخ ورد في الحديث: «مَنْ مَاتَ وَلَمْ يَحُجَّ مَاتَ إِنْ شَاءَ يَهُودِيًّا أَوْ نَصْرَانِيًّا» ، هل تؤيد هذا الحديث أم لا، أنه كفر أكبر؟
الشيخ: إي، هذا لو صح عن الرسول عليه الصلاة والسلام كان يؤيدها، كان يدل دلالة واضحة.
طالب: شيخ، عفا الله عنك، الذي يعتقد أن الآيات الكونية أوجدها الله سبحانه وتعالى عبثًا فيكون كفرًا هذا؟
الشيخ: هذا يكون منكرًا لحكمة، هذا يكون منكرًا لحكمة الله عز وجل.
طالب: فيكفر في هذه الحالة؟
الشيخ: الظاهر أنه يكفر؛ لأن هذا تضمن الاستهزاء بالله، تضمن الاستهزاء وتكذيب الله، أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا [المؤمنون: ١١٥]، وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لَاعِبِينَ [الدخان: ٣٨].
طالب: شيخ أحسن الله إليك، قلنا: القتل في الحرم لا يجوز؟
الشيخ: أيش؟
طالب: القتل في الحرم لا يجوز؟
الشيخ: نعم.
طالب: القتل في الحق، الحدود وهذا؟
الشيخ: القتل بحق هذا إذا كان العاصي المستحق للقتل عصى في الحرم فإنه يُقتل؛ لأنه انتهك حرمة الحرم فلم يكن له حرمة كما في قوله: إِنْ قَاتَلُوكُمْ فَاقْتُلُوهُمْ [البقرة: ١٩١]، وإن كان فعل حدًّا خارج الحرم ثم لجأ إلى الحرم فالصحيح أنه لا يُقام عليه الحد ولا يُقتل، ولكنه يضيق عليه فلا يؤاكل ولا يشارب ولا يبايع، حتى إذا لم يجد أحدًا يبايعه ويؤاكله ويشاربه، فإن كان معه طعام وشراب فسوف ينفد ثم يضطر إلى الخروج، هذا هو الصحيح.
طالب: شيخ، ما رأيك في سؤال الناس الحاجات مثل السيارات والكتب وغير ذلك؟
الشيخ: سؤالهم الحاجات؟
طالب: هل يدخل فيه مبايعة الصحابة للنبي صلى الله عليه وسلم أنهم لا يسألون الناس شيئًا؟
الشيخ: هو دا داخل في قراءتنا؟
طالب: حضرتك ذكرت أنه لا بد للعبد أن يسأل الله في كل الأمور حتى في شِسع نعله؟
الشيخ: نعم، يعني مسألة الاستغناء عن الله، أنه لا يستغني عن الله، سؤال الناس لا شك أنه إما محرم أو مكروه، إما محرم أو مكروه، هذا هو الأصل، قد يخرج عن هذا الأصل إذا دعت الضرورة أو الحاجة فله أن يسأل، وأما سؤال الانتفاع بالمال مثل العرية والقرض وما أشبه ذلك فلا بأس به، لكن سؤال أعيان المال هذا هو الذي إما محرم وإما مكروه.
طالب: شيخ، إذا وُجِد من يقوم بمخالفات شرعية في الحرم فهل يوبَّخ توبيخًا شديدًا، فاسق أو مبتدع؟
الشيخ: مثل؟
طالب: يعني مثلًا إن كان فاسق مثلًا يأتي في الطواف مثلًا يمس النساء مثلًا؟
الشيخ: إي نعم، تضاعف عليه العقوبة.
طالب: بالنسة لي أنا مثلًا هل هو (...) شديد.
الشيخ: نعم نعم، المعصية في الحرم أشد من المعصية في غير الحرم، ولهذا يجب أن يكون تعزيره أشد.
طالب: شيخ، أحسن الله إليك، ذكرنا أن مكة كانت قبلة جميع الناس، فلما حصل تحريف تغيروا عنها، شيخ، إقرار الله للنبي صلى الله عليه وسلم في (...)؟
الشيخ: إي نعم، هذا الإقرار من أجل موافقة اليهود؛ لأن اليهود في اعتقادهم أنهم على حق، فلو أنهم مثلًا قيل لهم أنتم على باطل لنفروا، إي نعم.
***
الشيخ: قال الله تعالى: قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَاللَّهُ شَهِيدٌ عَلَى مَا تَعْمَلُونَ، سبق الكلام على أول هذه الآية وأن الله تعالى يوبخ أهل الكتاب، بل يأمر النبي صلى الله عليه وسلم بأن يوبّخهم لِمَ يكفرون بآيات الله.
وقوله: وَاللَّهُ شَهِيدٌ عَلَى مَا تَعْمَلُونَ}،شَهِيدٌ، أي: شاهد، وأتى بصيغة المبالغة أو بالصفة المشبهة؛ لأن الله سبحانه وتعالى شهيد على أعمالهم، وأعمالهم كثيرة، وإذا كثر المشهود عليه كثرت الشهادة، وقوله: وَاللَّهُ شَهِيدٌ عَلَى مَا تَعْمَلُونَيحتمل أنه داخل في ضمن التوبيخ في قوله: لِمَ تَكْفُرُونَ، فيكون المعنى: لِمَ تكفرون بآيات الله مع علمكم بأن الله شهيد على ما تعملون، ويحتمل أن تكون الواو للاستئناف، وأن يكون التوبيخ انتهى عند قوله: لِمَ تَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ، ثم استأنف فقال: وَاللَّهُ شَهِيدٌ عَلَى مَا تَعْمَلُونَ، فيكون في ذلك تهديد لهؤلاء الذين يكفرون بآيات الله، تهديد بماذا؟ بكون الله شهيدًا على ما يعملون، وإذا كان شهيدًا على ما يعملون فسوف يجازيهم عليه في الدنيا وفي الآخرة بما يستحقون.
في هذه الآية من الفوائد: أَمْر النبي صلى الله عليه وسلم أن يوبخ أهل الكتاب على كفرهم بآيات الله، ويتعدى هذا الحكم إلى غيرهم، فيتفرع من هذه الفائدة أن كل من كفر بآيات الله فهو مستحق للتوبيخ، وقد سبق لنا أن الكفر بآيات الله يشمل الكونية والشرعية وبيّنّا أنواع الكفر فيهما.
ومن فوائد هذه الآية الكريمة: إثبات شهادة الله سبحانه وتعالى على كل ما يعمل بنو آدم؛ لقوله: وَاللَّهُ شَهِيدٌ عَلَى مَا تَعْمَلُونَ، و(ما) اسم موصول يفيد العموم.
ومن فوائدها: تهديد من يكفر بآيات الله؛ لأن مثل هذه الصيغة وَاللَّهُ شَهِيدٌ عَلَى مَا تَعْمَلُونَيراد بها توبيخ مَن فعل ما لا يرضي الله عز وجل بأن الله شهيد عليه وسوف يحصي عمله ثم يجازيه على ذلك.
ومن فوائد الآية: إحاطة الله تعالى بكل شيء، وأنه وسع كل شيء؛ لقوله: عَلَى مَا تَعْمَلُونَ، فمن يحصي بني آدم من أهل الكتاب وغيرهم ومن يحصي أعمالهم، لكن الله عز وجل واسع عليم يحصي كل شيء ولا يخفى عليه شيء من أعمال بني آدم.
وربما يستفاد من هذه الآية من قوله: شَهِيدٌ عَلَى مَا تَعْمَلُونَأنه لا يحاسَب العبدُ على ما حدّث به نفسه كما صح ذلك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في قوله: «إِنَّ اللَّهَ تَجَاوَزَ عَنْ أُمَّتِي مَا حَدَّثَتْ بِهِ أَنْفُسَهَا مَا لَمْ تَعْمَلْ أَوْ تَتَكَلَّمْ» ، فحديث النفس عن الوساوس التي تكون في الصدر لا يؤاخَذ عليه الإنسان إلا إذا عمل وركن إليها واعتقدها وجعلها من أعمال القلب فحينئذ يحاسَب عليها، أو نطق بها بلسانه، أو عمل بمقتضاها بجوارحه فحينئذ يحاسب عليها.
ثم قال تعالى: قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ، هذا أمر آخر للنبي صلى الله عليه وسلم من ربه أن يوبِّخ أهل الكتاب على عدوانهم على غيرهم؛ لأن التوبيخ الأول لِمَ تَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِتوبيخ على عملهم القاصر عليهم، الثاني: قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِتوبيخ على عدوانهم على الغير حيث يصدون عن سبيل الله، قال: لِمَ تَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ، يعني: لأي شيء وبأي حجة تَصُدُّونَأي: تصرفون عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ، أي: عن دينه وشريعته.
تَبْغُونَهَا عِوَجًا، تَبْغُونَهَاالجملة حال من الواو في قوله: تَصُدُّونَ، يعني: حال كونكم تبغون سبيلَ الله أي: تطلبونها، عِوَجًاأي: لأجل العوج، فتكون مفعولًا من أجله، ويجوز أن تكون مفعولًا به أي: تطلبونها عوجًا، أي: تصيِّرونها عوجًا، والعوج ضد المستقيم، ويقال: عِوَج في المعاني، وعَوَج في الأعيان، فتقول مثلًا: هذا العصا عَوَج؛ لأنه عين، وتقول: هذا القول عِوَج؛ لأنه معنى، ففي المعاني بكسر العين، وفي المحسوسات بفتحها.
تَبْغُونَهَا عِوَجًا وَأَنْتُمْ شُهَدَاءُ، الواو هذه للحال، يعني: والحال أنكم شهداء على ما تفعلون، فأنتم تعلمون أنكم بفعلكم هذا تصدون عن سبيل الله، تعلمون هذا وتشهدون به، ووجه ذلك أنه يوجد في كتبهم أن محمد بن عبد الله صلى الله عليه وسلم سوف يُبعث، وأنه رسول الله، وأنه الذي بشّر به عيسى، لكنهم يحرّفون الكلم عن مواضعه من أجل صد الناس عن الإيمان بمحمد صلى الله عليه وسلم، فصاروا يصدون عن سبيل الله وهم شهداء يشهدون بالحق، لكن - والعياذ بالله - استكبروا عنه.
في هذه الآية من الفوائد: أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يوبخ أهل الكتاب على عدوانهم على الغير، وذلك بالصد عن سبيل الله.
ومن فوائدها: أن من صد عن سبيل الله من المسلمين ففيه شبَه من أهل الكتاب اليهود والنصارى، فإذا وُجِد أحد يثبطك عن فعل الخير أو يرغِّبك في فعل الشر ففيه شبه من اليهود والنصارى؛ لأن هذه سبيلهم.
ومن فوائد هذه الآية: إثبات أن الشياطين ليست شياطين الجن فقط، فكما أن للجن شياطين يصدون عن سبيل الله ففي الإنس أيضًا شياطين يصدون عن سبيل الله، وإلى هذا يقول الله تبارك وتعالى في سورة الأنعام: وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا [الأنعام: ١١٢].
ومن فوائد هذه الآية: الحث على لزوم الشرع؛ لأنه سبيل الله، وكل إنسان عاقل فإنه يسعى إلى الوصول إلى الله عز وجل؛ لأنه غاية المطالب، ولا وصول إلى الله إلا بسلوك شرعه؛ سبيله الذي يوصل إليه.
ومن فوائد هذه الآية: أن مَن صد عن سبيل الله من آمن به فإنه في غاية ما يكون من العدوان، وهو أعظم ممن صد عن سبيل الله من لم يؤمن؛ لأن هذا رفْع والأول منْع، والرفع أشد، رفع الخير أشد عقوبة من منعه وأشد جناية.
ومن فوائد هذه الآية: سوء القصد في أهل الكتاب، حيث يبغون أن تكون سبيل الله عِوجًا، وهذا الوصف لأهل الكتاب لا يزال منطبقًا عليهم إلى اليوم، فللنصارى دعاة ينصِّرون الناس ويسعون بكل جهدهم إلى أن يصدوا عن سبيل الله من آمن؛ لأنهم يريدون أن يسلك الناس السبيل العَوَج، لا يريدون أن يسلكوا السبيل السويّ، وما زالوا إلى اليوم ولهم إذاعات خاصة تدعو الناس إلى النصرانية - والعياذ بالله - النصرانية الباطلة التي يحاربها عيسى عليه الصلاة والسلام، كما قال الله تعالى: وَإِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ قَالَ سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ إِنْ كُنْتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلَا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ (١١٦) مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلَّا مَا أَمَرْتَنِي بِهِ أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ [المائدة: ١١٦، ١١٧].
ومن فوائد هذه الآية: أن أهل الكتاب الذين يصدون عن سبيل الله يعلمون أنهم على باطل وأن الحق في خلافهم؛ لقوله: وَأَنْتُمْ شُهَدَاءُ، لكن الذي يمنعهم هو الاستكبار.
ومن فوائد هذه الآية: إثبات إحاطة الله سبحانه وتعالى بكل شيء علمًا ورقابة؛ لقوله: وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ.
ومن فوائدها: أن من صفات الله ما هو سلبي أي منفي، وهذا كثير في القرآن، قال الله تعالى: لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ [الشورى: ١١]، هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا [مريم: ٦٥].
ثم قال تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا فَرِيقًا مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ يَرُدُّوكُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ كَافِرِينَ.
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا، أولًا هذا الحكم مُصَدَّر بالنداء يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا، وتصدير الحكم بالنداء يدل على الاهتمام به والعناية به، وذلك لأن النداء يتضمن تنبيه المخاطَب، والتنبيه لا يكون إلا لأمر هام تجب العناية به، ثم صار النداء موجهًا للذين آمنوا من باب الإغراء، من باب الإغراء؛ لأن وصفهم بالإيمان يقتضي أن يقوموا بمقتضى هذا الخطاب الموجه لهمن كما لو قلت لشخص: يا رجل افعل كذا، يعني أن مقتضى رجوليتك أيش؟ أن تفعل هذا، فإذا قلت: يا مؤمن افعل هذا، فالمعنى أنه من مقتضى إيمانك أن تفعل هذا، يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا، يعني من مقتضى إيمانكم أن تنتبهوا لما سيُلقى عليكم، ولهذا قال ابن مسعود رضي الله عنه: إِذَا سَمِعْتَ اللَّهَ يَقُولُ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا فَأَرْعِهَا سَمْعَكَ؛ فَإِمَّا خَيْرٌ تُؤْمَرُ بِهِ وَإِمَّا شَرٌّ تُنْهَى عَنْهُ ، ثم إن الخطاب بوصف الإيمان يقتضي أن امتثال ذلك من مقتضيات الإيمان، ويقتضي أيضًا أن مخالفته نقص في الإيمان؛ لأن المؤمن يقتضي إيمانه أن يقوم بما أُمِر به، وأن يدع ما نُهِيَ عنه.
طالب: فيه ناس يا شيخ هم يحبون فعل الخير والسنة، يقول: (...) سنن الناس ينكرون علي (...)، ربما إذا فعلوها ينفر الناس منهم، هل نقول فعلها من الصد؟
الشيخ: لا، لا يمكن، يعني يقول: بعض الناس يفعل سننًا لا يعرفها الناس، ينكرونها، فهل نقول: إن فعلها من الصد عن سبيل الله؟ لا، ما نقول: إنها من الصد، لكن قد نقول: إن تركها من باب التأليف من سبيل الله، كما ترك النبي عليه الصلاة والسلام بناء الكعبة على قواعد إبراهيم؛ لقرب عهد الناس بالكفر خوفًا عليهم من الفتنة.
طالب: قلنا إن الإسلام هو دين الله في (...) فموافق للفطرة، الآن نرى أن الملل والأهواء يعني النِّحَل الأخر الناس أسرع إليها ما السبب في ذلك؟
الشيخ: أيش؟
طالب: يعني نرى أن الديانات الأخرى غير الإسلام الناس أسرع إليها دخولًا فيها من الشيوعية والاشتراكية والنصرانية، وغير ذلك حتى أن بلادًا إسلامية قد دخلوا، أيش السبب؟
الشيخ: السبب في ذلك أن هؤلاء..
الطالب: هذه مخالفة للفطرة.
الشيخ: نعم هذه مخالفة للفطرة؛ لأنه وُجِد دافع قوي يقوى على الفطرة، كما قال الرسول عليه الصلاة والسلام: «كُلُّ مَوْلُودٍ يُولَدُ عَلَى الْفِطْرَةِ فَأَبَوَاهُ يُهَوِّدَانِهِ أَوْ يُنَصِّرَانِهِ أَوْ يُمَجِّسَانِهِ» ، فهؤلاء تجد أنهم عاشوا في أحضان الشيوعية مثلًا، أو درسوا آراءها وأفكارها، أو عاشوا في أحضان الغرب ودرسوا آراءه وأفكاره، فصار هذا المانع حائلًا دون مقتضى الفطرة، وإلا لو تُرِكَ الناس وشأنهم لكانوا على الفطرة.
طالب: شيخ، خطاب الله سبحانه تعالى لأهل الكتاب: يا أهل الكتاب لما تصدونهل هو لعلماء أهل الكتاب ولّا يشمل جميع..؟
الشيخ: الآية تشمل كل من صد، كل من صد عن سبيل الله، سواء كان من العلماء أو من المتعصبين.
طالب: كيف يا شيخ يصدون؟
الشيخ: نعم، العامي فيه عوام الآن يجادلون وهم عوام، أحيانًا يجادلون بأفعال المسلمين، يقولون هذا: شوف الإسلام عندكم كذب وغش وخيانة وخديعة، وما أشبه ذلك فيجادل.
طالب: أحسن الله إليك يا شيخ، المنظمات الصليبية والنصرانية يا شيخ الآن رفعت شعار يعني اخلع عنك الإسلام – يقولون- نخلع عنك لباس الفقر والجوع، كذا جهارًا، وما زال بعض المسلمين يا شيخ يجاملونهم؟
الشيخ: والله كون الناس يجاملونهم ويسكتون في مقابلة هؤلاء لا شك أنه ضعف إيمان، لا شك أنه ضعف الإيمان، والواجب على المسلمين على الحكام أولًا القادرين على أن يبثوا الإسلام ضد هؤلاء الواجب عليهم أن يقوموا لله عز وجل لصد هؤلاء، وأن يكوِّنوا لجانًا في الأمة الإسلامية تدافع هذا الشر.
طالب: شيخ، عفا الله عنك، إذا كان أهل الكتاب كفروا بآيات الله ويصدون عن سبيل الله، لماذا يسميهم الله سبحانه وتعالى بأهل الكتاب وهم كفروا به؟
الشيخ: إي نعم، هذا من إقامة الحجة عليهم وشدة التوبيخ لهم، يعني أنتم أهل كتاب عندكم علم ومعرفة ومع ذلك تصدون، فهذا من شدة اللوم والتوبيخ لهم.
طالب: ما فيه مدح يا شيخ لهم؟
الشيخ: لا أبدًا، هذا تأكيد الذم بما يشبه المدح.
الطالب: قول النبي صلى الله عليه وسلم للصحابة: «يَا أَهْلَ الْقُرْآنِ أَوْتِرُوا»، «أَوْتِرُوا يَا أَهْلَ الْقُرْآنِ» مدح؟
الشيخ: إي نعم؛ لأن أهل القرآن متمسكين به، لكن هؤلاء أهل كتاب وخالفوه، فكان هذا أشد.
طالب: أحسن الله إليك، ما هو أفضل الرد على مقولتهم التثليث؟
الشيخ: أفضل الرد أن نقول: قال نبيكم مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلَّا مَا أَمَرْتَنِي بِهِ أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ [المائدة: ١١٧]، وهذان الإلهان اللذان زعموهما مخلوقون، المسيح مخلوق وأمه مريم مخلوقة، فكيف يكون هذا إلهًا، هذا من جهة العقل، أما من جهة الشرع فهذا نبيهم عليه الصلاة والسلام ينكر ذلك عليهم.
طالب: بعض الدعاة يرغب في دعوة أهله وأولاده وأهل حارته، وبعضهم يرغب يجوب البلاد شرقًا وغربًا، وإذا قيل له: ادعُ أهلك وجيرانك، فقال هو يرغب في أنه يدعو من يكون خارج البلاد، فأيهما المصيب يا شيخ؟
الشيخ: قال الله تعالى: وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ [الشعراء: ٢١٤]، فيبدأ الإنسان بأهله، لكن الإنسان يرغب أن يدعو من خارج؛ لأن أهله على الشرع ما عندهم إلا معاصي أهون من الكفر، فهو يقول: أنا أدعو الناس للدخول في الإسلام، أما أهلي فليس عندهم إلا معاصي ولا يحتاجون إلى دعاية قوية، غاية ما هنالك (...) عن المعصية حتى يدعوها.
طالب: بعض الناس إذا ترك بعض السنن للتأليف (...) الإسلام الصحيح (...)؟
الشيخ: نقول: الترك تركان: ترك تعطيل وترك تأليف، ترك التأليف ندع هذا إلى وقت آخر بعد ما يُبَيِّن للناس ويوضح لهم أن هذا (...) حتى يطمئنوا، أما ترك التعطيل يقول: أنا أعطل السنن؛ لأن الناس لا يعملون بها فهذا ليس بصواب.
طالب: أحسن الله إليك، تعبير بأن لله سبحانه وتعالى صفات منفية وسلبية (...) إذا كانت منفية (...) الله (...)؟
الشيخ: كلا، تكون من صفاته؛ لأن الوصف إما إثبات وإما نفي، فإذا قلت: فلان ليس يظلم الناس، أو فلان لا يجهل، هذا مدح، لا يظلم لكمال عدله. إي ثابت ما فيه نفي محض، يعني صفات الله ما فيها نفي محض أبدًا.
الطالب: (...).
الشيخ: إي نعم، نقول: ثبوتية وسلبية، والسلبية لا تكون مدحًا إلا إذا كمل كماله.
***
فَرِيقًا مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ يَرُدُّوكُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ كَافِرِينَ.
يقول الله تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا، وقد تكرر علينا مرارًا أن ما سبقه النداء فإنه معتنى به؛ لأن تصدير الشيء بالنداء يدل على الاهتمام به؛ إذ إن النداء يوجب الانتباه، ثم إن الخطاب بقوله: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا، وفي توجيه الخطاب بهذا الوصف إغراء بقبول ما يأتي، تصديقًا به إن كان خبرًا وامتثالًا له إن كان طلبًا؛ أمرًا أو نهيًا، كأنه يقول: يا أيها الذين آمنوا إن كنتم مؤمنين حقًّا فالأمر كذا وكذا، فيكون فيه إغراء بقبول ما يأتي بعده، كما لو قلت: يا أيها الرجل افعل كذا وكذا، أي أنه بمقتضى رجولتك تفعل كذا وكذا، وفي تصديره بهذا الوصف أو في اختيار هذا الوصف دليل على أن ما سيأتي قبوله من مقتضيات الإيمان، تصديقًا به إن كان خبرًا وامتثالًا له إن كان طلبًا، وفيه أيضًا أن عدم قبوله مما ينافي الإيمان، فهذه أربعة أمور؛ الأمر الأول: إذا صُدِّر الخطاب بالنداء فهو دليل على؟
طالب: دليل على الإيمان.
الشيخ: لا، إذا صُدِّر الخطاب بالنداء فهو دليل على أيش؟
طالب: على الاعتناء بالواحد.
الشيخ: على الاعتناء به وأهميته، ما وجه ذلك؟
الطالب: وجه ذلك إن الله عز وجل (...).
الشيخ: إن النداء يوجب الانتباه، مثل ما أني لما ناديتك انتبهتَ، أليس كذلك؟
الطالب: بلى.
الشيخ: الثاني: اختيار الإيمان، اختيار النداء بوصف الإيمان موجِب يراد به أيش؟
طالب: لكي يكون ألين لقلوبهم بمثل (...).
الشيخ: لا.
طالب: أن يقوموا بما أُمِروا به بمقتضى إيمانهم.
الشيخ: يعني الإغراء والحث؛ لأن نداء الشخص لوصفه يقتضي أن يهتم بالشيء، نعم. ثالثًا: اختيار وصف الإيمان؟
طالب: ناداهم بالإيمان ليحثهم على (...).
الشيخ: هذا الإغراء انتهينا منه.
طالب: الامتثال إن كان أمرًا والاجتناب إن كان نهيًا من مقتضيات الإيمان.
الشيخ: والتصديق إن كان خبرًا من مقتضيات الإيمان، تمام، هذه ثلاثة الرابع؟
طالب: عدم الإعراض عنه أو التكذيب أو عدم امتثال هذا نقص في الإيمان.
الشيخ: وأن الإعراض عنه رفض يعني من مُنَقِّصات الإيمان.
يقول الله عز وجل: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا فَرِيقًا مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ، فريقًا بمعنى طائفة، ومِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَوهم اليهود والنصارى، فالكتاب لليهود هو التوراة، والكتاب للنصارى هو الإنجيل، وقوله: فَرِيقًا مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَيعني: لا جميعهم؛ لأن بعض أهل الكتاب ليسوا على هذا الوصف، فإن منهم من آمن، من أهل الكتاب من آمن، فآمن من النصارى النجاشي، وآمن من اليهود عبد الله بن سلام، وهؤلاء من خيار المؤمنين، لكن فريقًا منهم، يقول: يَرُدُّوكُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ كَافِرِينَ، يعني: يوجبوا لكم أن ترتدوا بعد الإيمان، سواء كان ذلك بالقتال فيما بينكم كما يُذكر أن رجلًا من اليهود وشى بين الأوس والخزرج وذكّرهم أيام الجاهلية، فثاروا، أي ثار بعضهم على بعض وغضبوا، وقد يكون هذا السبب أو هذا المعنى الذي ذُكِر ضعيفًا، لكن مهما كان الأمر، من أهل الكتاب مَن يريدون منّا أن نرتد عن الإيمان، وقد صرح الله بذلك في آيات أخرى: وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّارًا [البقرة: ١٠٩]، وَدَّتْ طَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يُضِلُّونَكُمْ [آل عمران: ٦٩]، فأهل الكتاب يودون هذا، وتعلمون أن من ود شيئًا سعى في تحصيله، إذن فنحن نعلم أن أهل الكتاب يسعون بكل ما يستطيعون أن يردوا المسلمين عن دينهم، سواء منعوا الناس عن الدخول في دين الإسلام أو أخرجوهم من دين الإسلام بعد دخولهم فيه، وسيأتي إن شاء الله الكلام على هذا مطولًا في ذكر الفوائد.
قوله: يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ، والردة بعد الإيمان أعظم من منع الإيمان من الأصل؛ لأنها إخراج من الإيمان إلى الكفر، ومن المعلوم أن الإنسان لن يخرج من الإيمان إلى الكفر إلا بمحاولات شديدة؛ إذ إن من لم يدخل في الشيء إبعاده عنه أهون ممن أيش؟ ممن دخل فيه وآمن به، ولهذا قال: مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ، وقوله: كَافِرِينَالمراد به الكفر المخرِج عن الملة، لكنهم قد لا يستطيعون أن يُخرجونا من الإيمان بالكلية لكن بالتدريج بما يضعونه أمامنا من معوقات كمال الإيمان حتى ينحل الإيمان شيئًا فشيئًا ولا يبقى في القلوب شيء، وحينئذ يكون الكفر المحض.
ثم قال عز وجل: إِنْ تُطِيعُوا فَرِيقًاجملة شرطية، أين الجواب؟ يَرُدُّوكُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ، وفيه إشكال؛ لأن المعروف أن (إنْ) الشرطية تجزم فعلين؛ الأول فعل الشرط والثاني جواب الشرط، وهنا لم نجد جزمًا في تُطِيعُواولا في يَرُدُّوكُمْ؟
طالب: بحذف النون يا شيخ.
الشيخ: هذا مجزوم بحذف النون، لماذا يُجزم بحذف النون؟
الطالب: لأنه من الأفعال الخمسة.
الشيخ: لأنه من الأفعال الخمسة، هل تعدها لنا؟
الطالب: الأفعال الخمسة؟
الشيخ: نعم.
الطالب: تَفْعَلُونَ، يَفْعَلُونَ، وتَفْعَلَانِ، يَفْعَلَانِ و..
الشيخ: هات الخامس؟ يفعلان وتفعلان ويفعلون وتفعلون.
الطالب: وتَفْعَلِينَ.
الشيخ: وتفعلين، تمام.
طيب، وقوله: كَافِرِينَحال من الواو في قوله: يَرُدُّوكُمْ، يعني: يردوكم حال كونكم كافرين.
طالب: يَرُدُّوكُمْيا شيخ، الجزم؟
الشيخ: الجزم بحذف النون؛ لأنها من الأفعال الخمسة.
وَكَيْفَ تَكْفُرُونَ وَأَنْتُمْ تُتْلَى عَلَيْكُمْ آيَاتُ اللَّهِ وَفِيكُمْ رَسُولُهُ(كيف) تحتمل وجهين؛ لأنها هي الآن استفهامية، لكن تحتمل وجهين؛ الوجه الأول: الاستبعاد، والوجه الثاني: التعجب، فإذا نظرنا إلى حالهم أنهم تُتلى عليهم آيات الله وفيهم رسوله قلنا: إن ارتدادهم أيش؟ بعيد، بعيد أن يرتدوا على أدبارهم وهو يُتلى عليهم كتاب الله وفيهم رسوله، يشاهدون النبي صلى الله عليه وسلم صباحًا ومساء، ويسمعون الآيات التي تنزل عليه فرِدّتهم بعيدة، ولهذا لم تكن الردة إلا بعد موت الرسول عليه الصلاة والسلام، والردة في حياته قليلة جدًّا، والوجه الثاني: أن تكون للتعجب، فيكون هذا تعجبًا من حال من يمكن أن يرتد، فإن الذي يرتد وتتلى عليه آيات الله وفيه رسوله لا شك أن حاله عجيبة؛ لأن الإنسان لو ارتد وهو لم يشاهد الرسول صلى الله عليه وسلم ولم يسمع الآيات تنزل يومًا فيومًا لكان له شيء من العذر، ولكن في هذه الحال يسمع آيات الله ويشاهد الرسول صلى الله عليه وسلم ليس له عذر إطلاقًا، فيكون الاستفهام لأيش؟ للتعجب، يعني ما أعجب حالكم لو كفرتم! إذن يكون في الآية على الوجهين تأييس للذين أُوتُوا الكتاب أن ينالوا مرادهم من المؤمنين لمحاولة ردتهم، هذا على أي وجه؟ الاستبعاد، يعني مهما حاولوا لا يمكن، وعلى الوجه الثاني يكون توبيخًا لمن حاول أن أيش يرتد، كيف تفعل وأنتم تتلى عليكم آيات الله وفيكم رسوله!
قال: وَكَيْفَ تَكْفُرُونَ وَأَنْتُمْ تُتْلَى عَلَيْكُمْ آيَاتُ اللَّهِ وَفِيكُمْ رَسُولُهُ، تُتْلَىأي: تُقرأ عليكم، والتلاوة تأتي بمعنى القراءة، أي تُقرأ عليكم، وإذا وقعت من الفاعل فقيل: تَلَى، صار لها معنيان، المعنى الأول: القراءة، والمعنى الثاني: الاتباع، ففي قوله تعالى: الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلَاوَتِهِ أُولَئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ [البقرة: ١٢١]، يَتْلُونَهُيعني: يقرؤونه ويتبعونه، يقرؤونه ويتبعونه، فهنا تُتلى عليهم آيات الله أي: تُقرأ، والذي يقرؤها عليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم، السند رسول الله صلى الله عليه وسلم عن جبريل عن الله، وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ (١٩٢) نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ (١٩٣) عَلَى قَلْبِكَ [الشعراء: ١٩٢- ١٩٤] فهم يُتلى عليهم بواسطة الرسول صلى الله عليه وسلم، وقوله: آيَاتُ اللَّهِجمع آية وهي العلامة، والمراد بها هنا القرآن، والقرآن آيات، كل آية منه دليل على المتكلم بها وهو الله سبحانه وتعالى على ما له من الصفات المقتضية لتلك الآيات، ولهذا كل آية من القرآن فإنها معجزة، كما قال الله تعالى: فَلْيَأْتُوا بِحَدِيثٍ مِثْلِهِ [الطور: ٣٤]، حَدِيثٍ: آية أو عشر آيات أو سورة أو عشر سور أو القرآن كله، كله معجز، وقوله: وَفِيكُمْ رَسُولُهُ، المراد بآيات الله هنا الآيات الشرعية، كذا ولّا لا؟ يتعين أو يجوز أن تكون الآيات الكونية أيضًا؟
الطلبة: يتعين.
الشيخ: يتعين أن تكون الآيات الشرعية؛ لأن الآيات الكونية لا تُتلى، لكن يتلى عنها أي يُخبَر عنها ممكن وَمِنْ آيَاتِهِ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ [فصلت: ٣٧] هذه آيات أيش؟ كونية، يتعين أو لا؟ يتعين، الليل والنهار والشمس والقمر آيات كونية لا غير.
وَأَنْتُمْ تُتْلَى عَلَيْكُمْ آيَاتُ اللَّهِ وَفِيكُمْ رَسُولُهُ(في) للظرفية، (فيكم) أي: في مجتمعكم، فيكم يعني: في مجتمعكم وليس حالًّا فيهم عليه الصلاة والسلام، لكنه في مجتمعهم، كما قال حسان بن ثابت:
| وَفِينَا رَسُولُ اللَّهِ يَتْلُو كِتَابَهُ | ..................... |
فالرسول صلى الله عليه وسلم كان في مجتمعهم يشاهدونه صباحًا ومساء، ويغشاهم في مجالسهم، ويعودهم إذا مرضوا، ويزورهم صلى الله عليه وسلم في بيوتهم، ويعلّمهم الكتاب والحكمة، فمن كان في هذه الحال هل يمكن لشرذمة من أهل الكتاب أن يردوه عن دينه؟ لا.
وَمَنْ يَعْتَصِمْ بِاللَّهِ فَقَدْ هُدِيَ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ [آل عمران: ١٠١]، مَنْ يَعْتَصِمْأي: يستمسك ويطلب العصمة بالله عز وجل فقد هُدِي إلى صراط مستقيم، وقوله: يَعْتَصِمْ بِاللَّهِيشمل الاعتصام به توكلًا عليه والاعتصام به تعبدًا له؛ لأن في كل منهما عصمة، إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ [الفاتحة: ٥]، فمن اعتصم بالله تعبدًا واستعانة فَقَدْ هُدِيَ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ، وأتى هنا بالفعل الماضي هُدِيَإشارة إلى أن هذا قد ثبت له الهدى سابقًا وواقعًا، سابقًا في اللوح المحفوظ وفي الكتابة حينما تُنفخ فيه الروح في بطن أمه، وواقعًا؛ لأنه اعتصم بالله، وقوله: هُدِيَ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ، حذف الفاعل وذلك لتعدد طرق الهداية، فأعلى الهداة مَن؟ الله عز وجل، ثم الرسول عليه الصلاة والسلام، ثم ورثة الرسول وهم العلماء، فهنا حذف الفاعل ليشمل كل الهداة، وأولهم من؟ الله عز وجل يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ [البقرة: ١٤٢]، ثم الرسول صلى الله عليه وسلم وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ [الشورى: ٥٢]، ثم ورثة الرسول وهم العلماء وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ [السجدة: ٢٤]، إذن هُدِيَالهداية الأولى من الله ثم الرسول ثم أولو العلم، لكن هداية التوفيق خاصة بالله، لو اجتمع جميع الخلق على أن يهدوا أحدًا هداية توفيق ما استطاعوا إلى ذلك سبيلًا، ولكنهم يدُلّون ويحثون ويرغّبون.
وقوله: إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍفيها قراءتان: بالسين والصاد {سراط} وصراط؛ لأن الصاد والسين تتناوبان دائمًا، وقوله: صِرَاطٍالصراط هو الطريق الواسع، الطريق الواسع يسمى صراطًا، وأصله من (الزَّرْط) بالزاي، وهو الابتلاع بسرعة؛ لأن الطريق الواسع يَلِجُه الناس ويخرجون منه بسرعة بخلاف الضيق فإن الناس يزدحمون فيه ولا يكادون يخرجون منه إلا بمشقة، وقوله: مُسْتَقِيمٍأي: غير معوَجّ، يعني غير معوج، بل هو مستقيم وهو يشمل الاستقامة نزولًا وارتفاعًا والاستقامة انحرافًا واعتدالًا، إذن هو معتدل وليس فيه نزول ولا ارتفاع؛ لأن الصراط وهو الطريق إذا كان فيه انحراف لم يكن مستقيمًا، إذا كان فيه انحراف لم يكن مستقيمًا، صح؟ إي نعم، ويزداد مسافة أو لا؟ يزداد مسافة، تطول المسافة ويبطئ الوصول إلى الغاية، كذلك إذا كان مختلفًا نزولًا وارتفاعًا فإنه ليس بمستقيم إلا أنه تطول المسافة ويحصل المشقة عند الارتفاع وعند النزول، يحصل المشقة عند النزول؟ نعم.
الطلبة: ربما.
الشيخ: لا، كثيرًا، إذا كان النزول نزولًا منخفضًا بشدة فإن الإنسان يتعب في كبح نفسه عن الانحدار بسرعة، على كل حال المستقيم نقول هو المعتدل أيش؟ انحرافًا واستقامة وعلوًّا ونزولًا.
في هذه الآيات عدة فوائد، أولًا: تحذير المؤمنين من طاعة الكفار؛ لقوله: إِنْ تُطِيعُوا فَرِيقًا مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ يَرُدُّوكُمْ.
ثانيًا: أن الكفار ولو كانوا أهل كتاب يحاولون غاية المحاولة أن يردوا المؤمنين عن إيمانهم إلى الكفر، وقائل هذا هو الله العالم بما في صدورهم، قد يتظاهرون لنا بالمسالمة والمداهنة، وأنهم أولياء وأنهم أصدقاء، ولكن في قلوبهم الحقد والغل، ومحبة أن نرتد على أعقابنا كافرين، من أين نعلم هذا الذي في قلوبهم وهم يُبدون لنا الود والصداقة والمحبة؟ من القرآن.
طالب: نقول لهم: فَرِيقًايا شيخ نكرة أريد بها العموم.
الشيخ: لا ما يصلح؛ لأن فَرِيقًاواضح تدل على بعض، نعم هي تدل على نكرة فيه فريق.
طالب: شيخ، أحسن الله إليك، نقول: هناك فيه آيات أخرى بيّنت أن كل اليهود والنصارى يريدون إضلال المسلمين، مثل قوله تعالى: وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلَا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ [البقرة: ١٢٠].
الشيخ: نعم، وهذا عام.
الطالب: إي نعم هذا عام.
الشيخ: طيب، إذن لنا على هذا جواب بل جوابان؛ الجواب الأول أن الله ذكر في آيات أخرى أن جميع الكفار يودون منا أن نكفر، وهو شامل لأهل الكتاب وغيرهم، وَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ كَمَا كَفَرُوا فَتَكُونُونَ سَوَاءً [النساء: ٨٩]، وَوَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ [الممتحنة: ٢]، وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّارًا حَسَدًا مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ [البقرة: ١٠٩]، وَدَّتْ طَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يُضِلُّونَكُمْ.
طالب: كثير.
الشيخ: كثير، إذن نقول: فيه آيات تدل على أن جميع الكفار ومن ضمنهم أهل الكتاب يودون منا ذلك، الوجه الثاني أن نقول: هذا الفريق المبهم يبينه الواقع، وهو أن من أهل الكتاب مَن آمن، ومن آمن لا يمكن أن يحب من غيره أن يكفر، وحينئذ نقول: المراد بالفريق هنا من لم يؤمن منهم، فكل من لم يؤمن فهو داخل في هذا الفريق.
من فوائد هذه الآية الكريمة: أن هؤلاء الفريق من أهل الكتاب لا يرضون منا بما دون الكفر إلا أن يكون وسيلة إلى الكفر؛ لأن الغاية قال: يَرُدُّوكُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ كَافِرِينَ، وأساليب أهل الكتاب في إضلال المسلمين كثيرة، كثيرة جدًّا متنوعة، منها أن يفتحوا عليهم باب الشهوات؛ فإن باب الشهوات باب واسع، والضيق من أبواب الشهوات يتسع بسرعة، ودليل ذلك قول النبي صلى الله عليه وسلم: «مَا تَرَكْتُ بَعْدِي فِتْنَةً أَضَرَّ عَلَى الرِّجَالِ مِنَ النِّسَاءِ» ، ولهذا هم قبّحهم الله ولعنة الله على اليهود والنصارى جميعًا هم يسعون جادين بأن يعطوا المرأة ما يسمونه بالحرية، وهي في الحقيقة هي الرق ليست حرية؛ لأن المرأة إذا خرجت عن حدود الله خرجت من رق الدين إلى رق الشيطان، تخرج من رق الدين وهو الرق الحقيقي لأنه عبودية لله إلى رق الشيطان، وإذا خرجت إلى رق الشيطان واسترقها الشيطان صارت عبدًا له هلكت وأَهْلَكت، قال ابن القيم رحمه الله:
| هَرَبُوا مِنَ الرِّقِّ الَّذِي خُلِقُوا لَهُ | فَبُلُوا بِرِقِّ النَّفْسِ وَالشَّيْطَانِ |
طالب: شيخ، بالنسبة، نرى آثار ضرب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ظاهرًا في العالم الإسلامي، لكن بعض الشباب الملتزم يلقي العبء الكامل على بعض الهيئات ويقول: لم تقم بدورها الكامل وكذا وكذا، فما رأيكم؟
الشيخ: أنا أقول رأيي في هذا أن كل واحد مقصر، ما كل واحد قام بالواجب عليه، كل واحد في الشعوب الإسلامية وولاة المسلمين مقصر ما قام بالواجب، ولا ينبغي أن نقصر التقصير على طائفة معينة أو هيئة معينة، كلنا مقصرون.
طالب: أحسن الله إليك، مثلًا توجد شبهة عند بعض المسلمين وهي أنهم يقولون: لا تطلقوا ألفاظ العداوة هذه على بعض النصارى، ويعتبرونهم أصدقاء ويطلقون عليهم لفظ الصداقة، ويستدلون بقوله تعالى: وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَوَدَّةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى ذَلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبَانًا [المائدة: ٨٢]، ما قولك؟
الشيخ: قولنا: إن الله عز وجل يقول: لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَوَدَّةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى، فهنا قسم الله تعالى غير المسلمين إلى ثلاثة أقسام: اليهود، والمشركين، والنصارى، وهنا قال: الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى، ولم يقل: والنصارى، قَالُوا إِنَّا نَصَارَى، فلاحظ الفرق.
***
طالب: يَرُدُّوكُمْ.
الشيخ: منصوب أو مجزوم؟
الطالب: مجزوم.
الشيخ: بأيش؟
الطالب: بحذف النون.
الشيخ: مجزوم بحذف النون، طيب، قوله تعالى: إِنْ تُطِيعُوا فَرِيقًا مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَلماذا عبّر بقوله: فَرِيقًاولم يقل: إن تطيعوا الذين من أهل الكتاب؟
الطالب: لأن بعض أهل الكتاب قد آمن كعبد الله بن سلام وملك الحبشة وغيرهم ممن آمن، فليسوا كلهم يضلون المؤمنين بل فريق منهم.
الشيخ: نعم؛ لأن أهل الكتاب منهم من آمن، ومنهم من سالم، ومنهم من هاجم، ثلاثة أقسام؛ من آمن مثل عبد الله بن سلام من اليهود، والنجاشي من النصارى، ومن سالم، ومن هاجم وصار يهاجم المسلمين ويريد إضلالهم، في قوله تعالى: وَكَيْفَ تَكْفُرُونَ، الاستفهام هنا؟
طالب: الاستفهام هنا للاستبعاد.
الشيخ: للاستبعاد والتعجب أيضًا.
الطالب: يحتمل وجهين الاستبعاد والتعجب.
الشيخ: نعم، وجه ذلك؟
الطالب: يعني كيف حالهم وهم يُتلى عليهم آيات الله وفيهم رسوله يُستبعد أنهم يكفرون.
الشيخ: أن من كان هكذا تتلى عليه آيات الله وفيهم رسوله فإنهم يبعد جدًّا أن يكفروا، أما إن كفروا فإنه يُتعجب من حالهم، هذا على تقدير أن الاستفهام للتعجب.
قوله تعالى: مَنْ يَعْتَصِمْ بِاللَّهِ فَقَدْ هُدِيَ، مَنْ يَعْتَصِمْ بِاللَّهِ فَقَدْ هُدِيَ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍما معنى يعتصم بالله؟
طالب: يعني يتمسك بشرع الله سبحانه وتعالى وما جاء من الحق.
الشيخ: لأن في التمسك بذلك عصمة، طيب، لماذا اقترن جواب الشرط بالفاء في قوله: فَقَدْ هُدِيَ؟
طالب: اسمية.
الشيخ: اسمية؟ اسمية ويدخل عليها (قد)؟
طالب: طلبية.
الشيخ: طلبية وهي فَقَدْ هُدِيَخبر؟!!
الطالب: خليني اقرأ.
الشيخ: أيش تقرأ؟
طالب: دخلت عليها (قد).
الشيخ: نعم؛ لأن الجواب اقترن بـ (قد)، وقد قيل في ذلك:
| اسْــمِــيَّـــةٌ طَــلَــبِــيَّـــةٌ وَبِـــجَــامِــــدٍ | وَبِمَا وَقَدْ وَبِلَنْ وَبِالتَّنْفِيسِ |
قوله: إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍالصراط ما هو؟
طالب: الطريق الواضح، وقيل: الواسع، وهو أصله من السين وقد عُدِّل عنه بالصاد، يعني هو في اللغة السين، ومأخوذ من الزرط وهو الطريق الواسع؛ لأنه خلاف الضيق.
الشيخ: يتحمل كل ما سلكه، وأما المستقيم فهو ضد المعوج، قلنا: إن المعوج إما أن يكون؟
الطالب: إما أن يكون انحرافًا يمينًا أو شمالًا أو ارتفاعًا وانخفاضًا.
الشيخ: أحسنت. طيب نأخذ الفوائد.
طالب: أخذنا ثلاثة.
الشيخ: ما هي؟
الطالب: تحرير المؤمنين من طاعة الكفار، أن الكفار يحاولون أن يردوا المؤمنين عن إيمانهم بعد الدخول، أنهم لا يرضون بما دون الكفر إلا ما هو وسيلة للكفر، وأساليبهم في إغراء المؤمنين كثيرة.
الشيخ: نعم، بسم الله الرحمن الرحيم.
ومن فوائدها أيضًا: أن حرص الكفار على ذلك من أجل إيماننا، وبناء عليه فإننا نُنَزِّل القاعدة السابقة أن ما عُلِّق على وصف فإنه يزداد بزيادة ذلك الوصف وقوته، وعلى هذا فثقوا أنه كلما ازداد المؤمنون تمسكًا بدينهم ستزداد شراسة الكفار في صدهم عن دينهم، عرفتم هذا؟ ما دام الوصف هو الإيمان فإنه كلما ازددنا تمسكًا بالإيمان ازداد الكفار شراسة في صدنا عن الإيمان، ومثل ذلك أيضًا الطاعة والمعصية، كلما ازداد الناس في الإقبال على الله والتمسك بهديه ازداد أهل الفسوق شراسة في القضاء على هذه القوة في الطاعة.





