تفسير سورة آل عمران - 33
عدد الزيارات 2187

عناصر المادة :
تفسير الآية (115)
تفسير الآيتين (116-117)
تفسير الآيات (118-122)

ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن بني إسرائيل عندهم عدوان على حق الله وعلى حق الأنبياء وغيرهم؛ لقوله: ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ [آل عمران: ١١٢].
وهذه الأوصاف وما ينتج عنها من العقوبات يجب أن نتخذ منها عبرة، وهي الفائدة المهمة المسلكية: ألا نقرأها على أنها أمر جرى وقصة تاريخية؛ يجب أن نقرأها من أجل أن نعتبر؛ لقول الله تعالى: لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبَابِ [يوسف: ١١١].
ثم قال الله تعالى: لَيْسُوا سَوَاءً [آل عمران: ١١٣] لَيْسُواالضمير يعود على أهل الكتاب، وسَوَاءًبمعنى مستوين، يعني ليسوا متساوين في هذه الأوصاف، بل منهم أُمَّةٌ قَائِمَةٌ يَتْلُونَ آيَاتِ اللَّه [آل عمران: ١١٣] إلى آخره، ومنهم أمة فاسقة غير قائمة على أمر الله. لَيْسُوا سَوَاءًأي لا يستوون في المعصية والأحوال والأوصاف.
ثم بين ذلك فقال: مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أُمَّةٌ قَائِمَةٌ.
قوله: مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِهم اليهود والنصارى كما مر علينا كثيرًا، وأظهر هنا في موضع الإضمار؛ إما لطول الفصل بين الظاهر الذي ترجع إليه الضمائر، وإما لاستئناف الجملة؛ لأن قوله: مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِجملة مستأنفة، أُمَّةٌأي طائفة، قَائِمَةٌأي ثابتة مستقيمة على أمر الله، فالقيام هنا بمعنى الثبات والاستقامة على أمر الله، وليس المراد به القيام الذي هو ضد القعود؛ لأن المسلم قائم على أمر الله سواء كان واقفًا أو جالسًا أو مضطجعًا.
يَتْلُونَ آيَاتِ اللَّهِ آنَاءَ اللَّيْلِ: كلمة قَائِمَةٌصفة، يَتْلُونَ آيَاتِ اللَّهِ: الجملة أيضًا صفة أخرى، ويجوز أن تكون حالًا؛ لأن لدينا قاعدة نحوية؛ وهي أنه إذا وُصفت النكرة جاز في الصفة الثانية أن تكون حالًا وأن تكون صفة، هذه قاعدة، سواء كانت الصفة الثانية جملة أم مفردًا، فإذا قلت: (جاءني رجل كريم راكبًا) صح؛ لأنه وصف، وإذا قلت: (جاءني رجل كريم راكب)، صح أيضًا. هنا في الآية الكريمة أُمَّةٌ قَائِمَةٌأُمَّةٌنكرة، وقَائِمَةٌصفة لها، يَتْلُونَيجوز أن تكون حالًا فتكون الجملة في موضع نصب على الحال، ويجوز أن تكون صفة.
يَتْلُونَ آيَاتِ اللَّهِالتلاوة تارة يراد بها الاتباع، وتارة يراد بها القراءة، فإن صلح المقام للمعنيين جميعًا حمل عليهما، وإن اختص بأحدهما اختص به، فإذا قلت: (تلا علي آية من القرآن) المراد القراءة، وإذا قلت: (هذا الرجل يتلو آيات الله إخلاصًا وتعبدًا)، فهذا يحتمل القراءة ويحتمل الاتباع، وإذا كان محتملًا للمعنيين، وهما لا يتنافيان، حمل عليهما.
إذن قوله: يَتْلُونَ آيَاتِ اللَّهِيشمل تلاوة اللفظ وتلاوة العمل بآيات الله.
وقوله: آنَاءَ اللَّيْلِآناء بمعنى أوقات، ومنه النوء لوقت ظهور النجم أو للنجم، فآناء بمعنى أوقات، آنَاءَ اللَّيْلِيعني أوقات الليل وساعاته.
وَهُمْ يَسْجُدُونَهذه الجملة: وَهُمْ يَسْجُدُونَيجوز فيها وجهان: أن تكون استئنافية، وأن تكون حالية من الواو في قوله: يَتْلُونَ، يعني يتلون آيات الله والحال أنهم يسجدون، فوصفهم بتلاوة آيات الله وهي أفضل الذكر، وبالسجود وهو أفضل الحالات؛ لأن السجود أفضل من القيام وأفضل من الركوع، حيث إن الساجد أقرب ما يكون من ربه، لكن تلاوة الآيات أفضل الأذكار، فلهذا اختصت بالقيام، فقوله: يَتْلُونَ آيَاتِ اللَّهِهذا ذكر لأعلى أوصاف الكلام؛ القول، وَهُمْ يَسْجُدُونَذكر لأعلى أوصاف الفعل وهو السجود.
يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِالجملة استئنافية لبيان حال هؤلاء، ويجوز أن تكون صفة لقوله: أُمَّةٌوأن تكون حالًا.
يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِوالإيمان بالله سبحانه وتعالى يتناول أربعة أشياء:
- الإيمان بوجوده.
- والإيمان بربوبيته.
- والإيمان بألوهيته.
- والإيمان بأسمائه وصفاته.
لا بد من هذه، فمن أنكر وجود الله فهو لم يؤمن به، ومن آمن به وأنكر توحيده في الربوبية فإنه لم يؤمن به، ومن آمن به وبربوبيته ولكنه أنكر انفراده بالألوهية فإنه لم يؤمن به، ومن آمن بذلك كله ولكن أنكر شيئًا من صفاته فإنه لم يؤمن به، فلا إيمان بالله إلا بهذه الأمور الأربعة.
أما الإيمان باليوم الآخر فالمراد باليوم الآخر أولًا هو يوم القيامة، وسمي يومًا آخر لأنه لا يوم بعده؛ إذ هو منتهى الخلائق، ولا فيه ليل ولا نهار، كله يوم واحد، لا شمس ولا قمر ولا نجوم، كل في مكانه؛ إما في الجنة أو في النار، فهو آخر شيء يكون فيه العباد.
ومعلوم أن للعباد أربع دور: الدار الأولى في بطون أمهاتهم، والثانية في هذه الدنيا، والثالثة في البرزخ، والرابعة في اليوم الآخر، وهي الأخيرة، ولهذا سمي اليوم الآخر، اليوم الآخر يدخل في الإيمان به كل ما أخبر به النبي صلى الله عليه وسلم مما يكون بعد الموت، كل ما أخبر به مما يكون بعد الموت، فسؤال الميت في قبره داخل في الإيمان باليوم الآخر، وعذاب القبر أو نعيمه داخل في الإيمان باليوم الآخر، ووجه ذلك أن كل من مات فقد قامت قيامته، فما يجده في قبره كالذي يجده بعد حشره، كله من أمور الغيب، كله في دار الجزاء، وقد قال شيخ الإسلام رحمه الله: ويدخل في الإيمان باليوم الآخر كل ما أخبر به النبي صلى الله عليه وسلم مما يكون بعد الموت.
الإيمان به أن تؤمن بكل ما جاء في الكتاب والسنة مما يكون بعد الموت جملةً وتفصيلًا، ولكن اعلم أنه يوجد في كتب الوعظ من الأحاديث الضعيفة، بل الموضوعة، في أحوال القبر وأحوال القيامة ما ينبغي للقارئ أن يحترز منه، ولا أحسن من الرجوع إلى الكتب الصحيحة في هذا الباب؛ لئلا نُضل الناس؛ لأن بعض الوعّاظ يختار مثل هذه الأحاديث من أجل الترغيب أو الترهيب، والحقيقة أن هذا مسلك ليس بجيد؛ لأن كوننا نملأ أدمغة الناس بأحاديث ضعيفة أو موضوعة خطأ، حتى وإن كان فيها ترغيب أو ترهيب. فيما صح عن النبي صلى الله عليه وسلم كفاية. والناس سوف يأخذون كل ما ذكر على أنه صحيح، يقولون: ما قيل في المحراب فهو صواب.
والواجب على من ألّف في الترغيب والترهيب ألا يذكر إلا ما كان حجة من صحيح أو حسن، وأما الضعيف فلا حاجة لذكره؛ لأننا في غنى عنه، في غنى عن هذا الضعيف الذي لم يثبت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وقوله: وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِسبق ذكره في هذه السورة مرتين، أو مرة واحدة؟
طلبة: مرتين.
طلبة آخرون: ثلاث.
الشيخ: هذا الثالث، أنا أقول: سبق، أنا ما أقول: ذُكر، أقول: سبق ذِكره مرتين، الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. وذكرنا في أول ما مر علينا ذكرنا شروطه وآدابه.
وَيُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِيعني مع كونهم مؤمنين وكونهم مصلحين هم أيضًا مسارعون في الخيرات، يعني أنهم يتسارعون في الخيرات كما يتسارع الناس في الغنائم.
وقوله: يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِولم يقل: إلى الخيرات، مع أن (سارع) تتعدى بـ(إلى) كما قال الله تعالى: وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ [آل عمران: ١٣٣] لأن المراد بذلك مسارعتهم إليها وفيها أثناء القيام بها. انتبهوا: المراد المسارعة إليها، فإذا وصلوا إليها لم يقفوا عن المسارعة؛ يسارعون فيها. وهذا هو السبب -والعلم عند الله- في أنه قيل: يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِولم يقل: إليها.
وقوله: فِي الْخَيْرَاتِ: (الخيرات): جمع خير أو خيرة، وهي كل ما انتفع به العبد أو نفع غيره، فالصلاة خير، وتعليم الناس كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم خير، والدعوة إلى الله خير، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر هو خير أيضًا، فكل ما يقرب إلى الله سبحانه وتعالى فهو خير، والمسارعة فيه هي المسارعة إليه، والمسارعة فيه أثناء العمل.
قال: وَأُولَئِكَ مِنَ الصَّالِحِينَأولئك: المشار إليه هذه الأمة القائمة من أهل الكتاب.
قال أهل العلم: والصالح من قام بحق الله وحق العباد، وضده الفاسد. والصلاح يدور على شيئين: علم وعمل، وضده الجهل والكفر والتمرد، فمن كان جاهلا فإنه ليس بصالح، والمراد ليس بصالح الصلاح الذي يكون في قمة الصلاح، وإلا فإن معه من الصلاح بمقدار ما عنده من العلم، ومن لم يكن عاملًا فليس بصالح وعنده مِن فقْد الصلاح بقدر ما فقد من العمل.
ثم قال تعالى: وَمَا يَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَلَنْ يُكْفَرُوهُ: (ما) شرطية، وجملة فَلَنْ يُكْفَرُوهُجواب الشرط.
وفي هذه الآية قراءتان: {وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَلَنْ تُكْفَرُوهُ} بالتاء، والثانية: وَمَا يَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَلَنْ يُكْفَرُوهُبالياء، فعلى القراءة الثانية بالياء لا يكون في الآية التفات؛ لأنها جرت على ضمير الغيبة كما في الآية التي قبلها. وعلى قراءة التاء: {وَمَا تَفْعَلُوا} يكون فيها التفات من الغيبة إلى الخطاب، وأيضًا يكون الخطاب فيها موجهًا إلى النبي صلى الله عليه وسلم وإلى هذه الأمة.
وقوله: {وَمَا تَفْعَلُوا مِن خَيْرٍ} من هذه بيانية؛ لوقوعها بعد اسم الشرط، واسم الشرط اسم مبهم يحتاج إلى بيان، ولهذا كلما أتتك (من) بعد اسم الشرط فهي بيانية.
وقوله: مِنْ خَيْرٍسبق لنا آنفًا أن المراد بالخير كل ما يقرب إلى الله.
وقوله: فَلَنْ يُكْفَرُوهُيعني لن يحرموا ثوابه، والكفر أصله الستر، ومنه الكُفُرَّى، والكفرى ما هو؟
طالب: هو طلع النخل.
الشيخ: هو غلاف الطلع، غلاف طلع النخل يسمى كفرى، هذه الكفرى يستر، ولهذا قالوا: إن الكفر أصله الستر؛ لأن الإنسان يستر نعمة الله عليه ولا يظهرها عليه، فالنعمة تقتضي الشكر، فإذا لم تشكر فهذا هو الكفر.
إذن فَلَنْ يُكْفَرُوهُأي فلن يحرموا ثوابه؛ لأنهم لو حرموا ثوابه لكان فعلهم لهذا الخير خفيًّا لم يظهر له أثر.
وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالْمُتَّقِينَفيجازيهم على تقواهم. والتقوى لها فوائد كثيرة، أظن أننا مرة أجرينا فيها مسابقة.
وتخصيص العلم بالمتقين من أجل الحث على التقوى والحذر من مخالفتها وعدم القيام بها، وإلا فإن الله عليم بكل شيء.
نأخذ فوائد هذه الآية:
من فوائد هذه الآية: أن أهل الكتاب ليسوا بسواء، فإن منهم أمة ضالة ومنهم أمة قائمة بأمر الله، وهو صريح في الآية: لَيْسُوا سَوَاءً مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ.
ومن فوائدها: بيان عدل الله عز وجل، وأنه يعطي كل ذي حق حقه، فلما ذكر الذم -ذم أهل الكتاب في الآيات السابقة- فقد يتوجه الفهم إلى أن جميع أهل الكتاب على هذا الوصف، أنهم يكفرون بآيات الله ويقتلون الأنبياء بغير حق، ويعصون الله ويعتدون على حقه وحق عباده، فقال الله: لَيْسُوا سَوَاءًيعني أن منهم من ليس كذلك.
ومن فوائد هذه الآية: أن من أهل الكتاب أمة، والأمة تقتضي الجمع والعدد الكثير على الوصف المحمود المطلوب، وقد ذكروا أنه أسلم من اليهود نحو عشرين رجلًا، ومن النصارى عدد كثير أيضًا، ولهذا عبر عن ذلك بقوله: مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أُمَّةٌ.
وذهب بعض العلماء إلى أن المراد بالأمة هنا أمة الإسلام، ولكن هذا بعيد جدًّا؛ لأن أُمَّةٌمبتدأ، وخبرها: مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ، ولم يعبر الله عز وجل عن هذه الأمة بأهل الكتاب، بل قال: هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ قَبْلُ وَفِي هَذَا [الحج: ٧٨]، كما أنه لم يعبر عن أهل الكتاب بالمؤمنين، فكل آية فيها يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوافهي للمؤمنين بمحمد عليه الصلاة والسلام، وكل آية فيها يَا أَهْلَ الْكِتَابِفالمراد بهم بنو إسرائيل الذين أرسل إليهم موسى وعيسى.
من فوائد هذه الآية: الثناء على القيام بطاعة الله والثبات عليها، من أين تؤخذ هذه الفائدة من الآية؟
طالب: وَأُولَئِكَ مِنَ الصَّالِحِينَ.
الشيخ: لا.
طالب: أُمَّةٌ قَائِمَةٌيا شيخ.
الشيخ: أُمَّةٌ قَائِمَةٌهذا وجه الثناء عليهم.
من فوائد الآية: الثناء على من يتلون كتاب الله قراءة وعملًا، من أين نأخذها؟
طالب: من قول الله سبحانه وتعالى: مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أُمَّةٌ قَائِمَةٌ يَتْلُونَ آيَاتِ اللَّهِ.
الشيخ: يَتْلُونَ آيَاتِ اللَّهِ. من أين عرفت أن تلاوة الكتاب قراءة وعملًا محمودة يثنى على صاحبها؟
الطالب: في سورة البقرة.
الشيخ: لا، نريد من الآيات هذه.
الطالب: الثناء بما وصفهم به وهو: مَا يَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَلَنْ يُكْفَرُوهُ.
الشيخ: لأن هذا ضد من اتصفوا بالصفات الأولى؛ لأنه لما ذكر الصفات الأولى قال: لَيْسُوا سَوَاءً، ثم ذكر الفرق.
من فوائد الآية: فضيلة السجود؟
طالب: آنَاءَ اللَّيْلِ وَهُمْ يَسْجُدُونَ.
الشيخ: وَهُمْ يَسْجُدُونَ.
ومن فوائد هذه الآية: الثناء أيضًا على من آمن بالله واليوم الآخر، من أين تأخذها؟
طالب: يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ.
الشيخ: يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ. هل إذا أثنى الله على شخص بصفة يكون مذمومًا إذا لم يتصف بها؟
الطالب: إذا انتفت هذه ينتفي الحمد عنه.
الشيخ: يعني ينتفي الحمد عنه وقد يستحق الذم وقد لا يستحق؟
الطالب: يستحق الذم إذا انتفت (...).
الشيخ: يعني الإيمان باليوم الآخر لا شك أنه إذا انتفى -الإيمان- فهو مذموم لأنه كافر، لكن في غير هذا لو أثنينا على شخص بأنه يصلي صلاة الضحى، هل معنى ذلك أنه لو لم يصل فهو مذموم؟
الطالب: لا.
الشيخ: إذن نأخذ قاعدة: لا يلزم من انتفاء المدح ثبوت الذم.
وينبني على هذا فائدة فقهية أيضًا، وهو أنه لا يلزم من ترك المستحب الوقوع في المكروه، فلو أن رجلًا صلى ولم يرفع يديه عند تكبيرة الإحرام هل نقول: إن هذا مكروه؟ لا.
وهذه قاعدة مفيدة: لا يلزم من ترك المسنون أن يقع الإنسان في مكروه، لكنه ينقص أجره لا شك، لكن لا يذم أو يقال: إنه وقع في مكروه أو أمر منهي عنه.
ومن فوائد هذه الآية الكريمة: الثناء على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؟
طالب: من الآية: يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ.
الشيخ: لو قال قائل: لماذا ذكر الله الإيمان بالله واليوم الآخر بين ذكر تلاوة الآيات، وذكر الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؟ الآن شوف بدأ بتلاوة آيات الله والسجود، وثنى بالإيمان بالله واليوم الآخر، وثلث بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فلماذا جعل الإيمان وهو الأصل بين تلاوة الكتاب وبين الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؟
طالب: لأن تلاوة الآيات تذكر باليوم الآخر وتثبت الإيمان به.
الشيخ: يعني لا يمكن الإيمان بالشيء إلا بعد العلم به، كذا؟ فهم إذا تلوا آيات الله علموا باليوم الآخر ثم آمنوا به.
طالب: أيضا لأنها حافز لأنهم يؤملون هذا العمل لليوم الآخر.
الشيخ: يعني أنه غاية؟
الطالب: نعم.
طالب: تقول: التنصيص على التلاوة؟
الشيخ: يمكن التنصيص على التلاوة بعد أن يؤخر، بعد أن يقول: يؤمنون بالله واليوم الآخر ويتلون كتاب الله؟
طالب: تقديمها والتنصيص عليها يا شيخ.
طالب آخر: ممكن نقول: من عطف العام على الخاص؟
الشيخ: لا، التلاوة عمل.
على كل حال اللي يظهر لي أنا أنه لا يمكن الإيمان بالشيء إلا بعد العلم به، ولا نعلم عن اليوم الآخر إلا بعد تلاوة كتاب الله، ولكن قدم السجود على الإيمان باليوم الآخر لاقترانه بالتلاوة.
طالب: (...) أن قد يسرد الآيات من يؤمن به ومن لا يؤمن به. وُجد من الكفار أنهم يتلون الآيات ولا يتم المدح حتى يؤمنون به؟
الشيخ: إي نعم هذا جيد، لكن السياق إذا كان في مقام المدح صار المراد بالتالين الذين يتلونه على وجه الإيمان به.
من فوائد هذه الآية: الثناء على المسارعة في الخيرات.
طالب: وَيُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ.
الشيخ: من قوله وَيُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ.
فإن قال قائل: كيف نجمع بين هذه الآية التي فيها الثناء على المسارعة في الخير، وبين قول النبي صلى الله عليه وسلم: «إِذَا سَمِعْتُمُ الْإِقَامَةَ فَامْشُوا إِلَى الصَّلَاةِ وَعَلَيْكُمُ السَّكِينَةُ وَالْوَقَارُ وَلَا تُسْرِعُوا» ؟
طالب: أقول -شيخنا-: المسارعة في الخيرات (...) بسكينة ووقار.
الشيخ: يعني معناه الْخَيْرَاتِما أمر به الشرع، كذا؟ والإسراع في الذهاب إلى الصلاة ليس من الخير؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عنه. إذن الجواب أن نقول: إن المسارعة في الخيرات هي المسارعة في موافقة الشرع، كذا؟
طالب: الوجه الثاني: المسارعة في إقام الصلاة نفسها.
الشيخ: في؟
الطالب: التفسير الثاني: إرادة الصلاة نفسها والمسارعة إليها في إتقانها.
الشيخ: لا، هذه داخلة في العموم، ما فيه إشكال، لكن كيف نهى عن الإسراع إليها؟
الطالب: كيف؟
الشيخ: أقول: كونه مثلًا يتقن الصلاة لا شك أنه من المسارعة في الخيرات وداخل في العموم، لكن سؤالنا عن النهي عن الإسراع إليها، فيقال: إن المراد بالمسارعة في الخيرات هي المسارعة إلى التزام الشرع والقيام به.
طالب: الذي يذهب إلى الصلاة بتؤدة وسكينة يكون له من الخير أعظم من الذي يذهب إليها بسرعة فينشغل فيحصل عنده تشويش.
الشيخ: طيب هذا ممكن، يعني معناه أن الخيرات ما وافق الشرع، فالمسارعة فيها أن تلتزم بها.
من فوائد هذه الآية: الثناء على هؤلاء بالصلاح؛ لقوله: وَأُولَئِكَ مِنَ الصَّالِحِينَ. إذن فينبغي لنا أن نلتزم أو أن نقوم بهذه الأعمال التي مدح الله بها هؤلاء القوم من أهل الكتاب وأثنى عليهم بها.
فإذا قال قائل: هل الصلاح أمر كسبي أو أمر فطري؟ لأنك إن قلت: إنه أمر فطري فكيف يكوِّن الإنسان نفسه ليكون صالحًا، وإن قلت: إنه أمر كسبي فهذا أمر ممكن؟
والجواب: أن الأصل أنه فطري فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا [الروم: ٣٠]، لكنه في النهاية والغاية يكون كسبيًّا، ولهذا قال النبي عليه الصلاة والسلام: «فَأَبَوَاهُ يُهَوِّدَانِهِ أَوْ يُنَصِّرَانِهِ أَوْ يُمَجِّسَانِهِ» .
وللصلاح أسباب، منها ما ذكر الله هنا: تلاوة آيات الله، كثرة الصلاة، الإيمان بالله واليوم الآخر وتحقيقه، الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
ولهذا يشكو كثير من الناس اليوم أنه قد يجد في قلبه شيئًا من الفساد، فكيف يصلحه؟
نقول: أصلحه بما ذكر الله من هذه الأحوال لأهل الكتاب، فإن هذا من أسباب الصلاح، ولهذا قال: وَأُولَئِكَ مِنَ الصَّالِحِينَ.
صحبة الأخيار من أسباب الصلاح، فهل في الآية ما يدل عليها؟
نعم؛ لأنهم إذا كانوا يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر لا يمكن أن يصحبوا أحدًا من أهل المنكر والشر، فيكون في الآية إشارة إلى صحبة الأخيار، ولا شك أن صحبة الأخيار من أسباب الصلاح.
ولهذا ثبت عن النبي عليه الصلاة والسلام أنه مثّل الْجَلِيس الصَّالح بمن؟ بِحَامِلِ الْمِسْكِ . ويُروى عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: «الْمَرْءُ عَلَى دِينِ خَلِيلِهِ، فَلْيَنْظُرْ أَحَدُكُمْ مَنْ يُخَالِلُ» .
وأخذ الشاعر هذا المعنى وقال:

عَنِ الْمَرْءِ لَا تَسْأَلْ وَسَلْ عَنْ قَرِينِهِ فَــكُــلُّ قَـــرِينٍ بِالْـــــــمُــــقَـــــــارَنِ يَـــــقْــــتَــــدِي

طالب: شيخ، القاعدة: (لا يلزم من ترك المستحب الوقوع في المكروه) فقهية ولَّا أصولية؟
الشيخ: هذه أقرب (...) فقهية.
طالب: هؤلاء أهل الكتاب في زمن النبي صلى الله عليه وسلم أو قبل بعث النبي صلى الله عليه وسلم، الله سبحانه وتعالى..؟
الشيخ: نعم تشمل من آمن بالرسول بعد بعثته، مثل عبد الله بن سلام وغيره، وتشمل من كانوا على الاستقامة فيما سبق.
طالب: شيخ هل يجوز للإنسان أن يذهب إلى الصلاة يكون يجري مثلا أو يركض؟
الشيخ: النبي عليه الصلاة والسلام يقول: لا تسرعوا، قال: «إِذَا سَمِعْتُمُ الْإِقَامَةَ فَامْشُوا إِلَى الصَّلَاةِ وَعَلَيْكُمُ السَّكِينَةُ» ، ثم إنه قال لأبي بكرة لما أسرع وركع قبل أن يصل إلى الصف؛ قال: «زَادَكَ اللهُ حِرْصًا وَلَا تَعُدْ» .
طالب: ما يؤخذ منها فضل قيام الليل؟
الشيخ: اللي يؤخذ منها فضل قيام الليل وقراءة القرآن في الليل.
طالب: قوله تعالى: لَيْسُوا سَوَاءً مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أُمَّةٌ: (أمة) مبتدأ نكرة وموصوفة بنكرة، كيف جاز أنها تكون مبتدأ؟
الشيخ: يجوز أن يبتدأ بالنكرة إذا أفادت، وهي إذا تأخرت فهي مفيدة، لو قلت: في الدار رجل، فهي مفيدة، ولو قلت: رجل كريم في الدار، فهي أيضًا مفيدة، فإذا وصفت أو أخرت فهي مفيدة.
طالب: قوله تعالى: يَتْلُونَ آيَاتِ اللَّهِ آنَاءَ اللَّيْلِ وَهُمْ يَسْجُدُونَما يدل هذا على أن التلاوة هي القراءة، وليست العمل؛ لأنها خصصت بالليل، يعني والعمل يكون في الليل والنهار؟
الشيخ: إي نعم، هذا يرجح أنها تلاوة القراءة، لكن حتى في الليل الإنسان محتاج إلى أن يكون عمله مطابقًا للشرع، لو أنه ابتدع في صلاة الليل فإنه لا ينفعه.
طالب: بعض الكتب يا شيخ تذكر أنه لا بأس بذكر الأحاديث الضعيفة في فضائل الأعمال، ما رأيكم؟
الشيخ: الحديث الضعيف في فضائل الأعمال أجاز بعض العلماء ذكره لكن بشروط ثلاثة:
الأول: أن يكون أصل العمل ثابتًا.
والثاني: ألا يكون الضعف شديدًا.
والثالث: ألا يعتقد أن النبي صلى الله عليه وسلم قاله.
مثال ذلك: لو أن شخصًا ذكر حديثًا ضعيفًا في فضل صلاة الجماعة، فهذا أصل العمل ثابت، ولكن بشرط ألا يعتقد أن الرسول صلى الله عليه وسلم قاله، وبشرط ألا يكون الضعف شديدا، والعامة إذا قرأت عليهم الحديث سيعتقدون على طول أن الرسول صلى الله عليه وسلم قاله...
حاول بعض العلماء أن يعين هذا الطعام الذي حرمه إسرائيل على نفسه، فما رأيك في هذا؟
طالب: الصحيح أن نتركه كما جاء القرآن، يعني ما نعين.
الشيخ: ما نُعَيِّنه؛ لأنه لو كان في تعيينه فائدة..
الطالب: لعَيَّنَه الله.
الشيخ: لعَيَّنَه الله. هل لهذا نظير مما حاول بعض العلماء أن يعينه وهو مبهم في القرآن؟
الطالب: نعم، في: وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُونَ أَقْلَامَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ [آل عمران: ٤٤] الأقلام هنا ما هي؟
الشيخ: لا، ما هي مشكلة أن تتعين.
الطالب: ولكن بعض العلماء قال: إنها قداح أو..
الشيخ: إي، اختلفوا في معناها فقط.
الطالب: أسماء أصحاب الكهف.
الشيخ: نعم أسماء أصحاب الكهف ولون كلبهم.
... الْبَيْتِ [آل عمران: ٩٧] فيها قراءة ثانية؟
طالب: {وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حَجُّ الْبَيْتِ}.
الشيخ: {حَجُّ الْبَيْتِ} بفتح الحاء. ما الذي تفيده هذه الآية؟
طالب: تفيد أن الله سبحانه وتعالى فرض على الناس حج البيت.
الشيخ: أن الله فرض على الناس حج البيت. هل الناس على عمومها؟
طالب: لا، المؤمنون فقط الذين يوجه لهم الخطاب، هذا عام مخصوص، أي عام أريد به الخصوص: وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ [آل عمران: ٩٧] أي..
الشيخ: يعني إذن الكافر لا يحاسب على ترك الحج؟
الطالب: لا، الناس كلهم، لكن المقصود الأول هم المؤمنون، أما الكافر فيحاسب على ترك فروع الشريعة، لكن المقصود المؤمنون.
طالب: الناس عامة يا شيخ.
الشيخ: عام، حتى العاجز؟
طالب: العاجز لا، مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا [آل عمران: ٩٧].
الشيخ: إذن هذا ليس على عمومه، مقيد بقوله: مَنْ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا.
ما هي الفائدة من كونه يأتي بالعام أولًا ثم يقول: مَنِ اسْتَطَاعَ؟ يعني لم يقل من أول الكلام: ولله على المستطيع حج البيت؟
طالب: للترغيب في الحج، أن الحج واجب على كل الناس، الترغيب فيه، ولبيان أهميته، ثم بعد ذلك قال: إن أناسًا (...).
الشيخ: يعني ليبين أهمية الحج، ثم يبين رحمة الله باشتراط الاستطاعة.
إذا قال قائل: جميع الواجبات لا بد فيها من استطاعة، فلماذا قيده هنا؟
طالب: نقول: قيد لأن الحج الغالب فيه المشقة.
الشيخ: نعم أحسنت الغالب فيه المشقة أكثر من غيره.

***

يستفاد منها: التحذير من طاعة أهل الكتاب، من أين يؤخذ؟
طالب: قوله: يَرُدُّوكُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ.
الشيخ: قوله: يَرُدُّوكُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ، يعني أخبرنا الله بذلك من أجل أن نحذر منهم.
الطالب: ألا نطيعهم.
الشيخ: ألا نطيعهم، وأن نحذر منهم؛ لأنهم يحرصون غاية الحرص على أن يردونا بعد إيماننا كافرين.
قوله: اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ [آل عمران: ١٠٢] هل هذه الآية على ظاهرها محكمة أو منسوخة؟
طالب: اختلف العلماء في ذلك، قال بعض العلماء: إنها منسوخة بقوله تعالى في سورة البقرة: لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا [البقرة: ٢٨٦]، والصحيح أنها محكمة.
الشيخ: أنها محكمة غير منسوخة.
الطالب: أي أنها: اتقوا اللَّه بقدر ما تستطيعون.
الشيخ: بقدر ما تستطيعون.
إذا اختلف العلماء في آية أو حديث هل هو منسوخ أو غير منسوخ فمن الأصل معه؟
الطالب: الأصل أن نجمع بين الرواية.
الشيخ: لا، من الأصل معه؟ مع من قال: إنه منسوخ ولّا مع من قال: إنه غير منسوخ؟
الطالب: في هذه الآية؟
الشيخ: لا، اختلاف عام، يعني إذا اختلف العلماء في آية أو حديث هل هو منسوخ أو غير منسوخ، فمن الأصل معه؟
الطالب: الأصل فيه عدم النسخ.
الشيخ: الأصل مع من قال بعدم النسخ، تمام. إذن ما دام العلماء اختلفوا في هذه الآية هل هي منسوخة أو غير منسوخة، فالأصل أنها غير منسوخة وتبقى على محكمها.
إذا قال قائل: وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ [آل عمران: ١٠٢] ما معنى الآية؟
الطالب: أي ابدؤوا من الآن بطاعة الله سبحانه وتعالى.
الشيخ: يعني استمروا على الإسلام إلى؟
الطالب: إلى أن تموتوا.
الشيخ: إلى أن تموتوا، استمروا على الإسلام إلى أن تموتوا، أحسنت.
جملة: وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَالإعراب؟ موضعها من الإعراب؟
طالب: الواو حسب ما قبلها.
الشيخ: لا، ما نريد تعربها، جملتها، محلها من الإعراب؟
الطالب: أنتم.
الشيخ: الجملة هذه ما محلها من الإعراب إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ؟
الطالب: مستثنى.
الشيخ: لا.
الطالب: حال.
الشيخ: إي نعم في موضع نصب على الحال...
في موضعين أين هما؟
طالب: قوله تعالى: وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِأولًا، والموضع الثاني وَلَا تَفَرَّقُوا.
الشيخ: لا؛ لأن الاعتصام بحبل الله جميعًا هذا أمر بالاعتصام به.
طالب: أولًا وَلَا تَفَرَّقُوا، الثاني: فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ.
الشيخ: النهي عن التفرق نصًّا.
الطالب: وَلَا تَفَرَّقُوا.
الشيخ: هذه واحدة، الثانية؟
الطالب: الآية هذه يا شيخ؟
الشيخ: لا بالآيات كلها اللي قرأتها؟
الطالب: وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا.
الشيخ: وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوانأخذ من هذا أيش؟
الطالب: نأخذ من هذا النهي عن التفرق.
الشيخ: إي، وأن التفرق؟
طالب: (...).
الشيخ: يعني شأنه كبير وعظيم.
وإذا نهي عن التفرق لزم أن يؤمر بضده وهو الائتلاف والاجتماع.
قوله تعالى: اعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِما المراد بحبل الله؟
طالب: هو الطريق الموصل إليه.
الشيخ: وهو؟
الطالب: هو الإسلام.
الشيخ: طيب لماذا سمي حبلًا؟
الطالب: لأنه شرع من عند الله سبحانه وتعالى.
الشيخ: لا، حبل الله لماذا سمي حبلا؟
الطالب: لأنه يوصل إلى الله عز وجل.
الشيخ: يوصل إلى مقصود. وأضيف إلى الله؟
الطالب: لأنه هو الذي شرعه سبحانه وتعالى.
الشيخ: ولأنه يوصل؟
الطالب: إليه.
الشيخ: إليه.
قوله: وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌهل (من) هنا للتبعيض أو للابتداء وبيان الجنس؟
الطالب: للتبعيض.
الشيخ: للتبعيض؟ ما الذي ينبني على اختلاف القولين؛ لأن فيها قولين للعلماء، ما الذي ينبني على اختلافهما؟ وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌإذا قلنا: (من) للتبعيض أو قلنا: لبيان الجنس أو للابتداء؟
طالب: إذا كانت للتبعيض، أي: طائفة منكم، من بعضكم.
الشيخ: يعني بعضكم، فيكون الدعوة إلى الخير والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فرض كفاية.
وإذا قلنا: إنها للابتداء أو لبيان الجنس؟
طالب: فرض على الجميع.
الشيخ: صار ذلك فرضًا على الجميع، يعني: ولتكونوا أمةً، ولتكونوا جميعًا أمة يدعون إلى الخير.
المشهور عند أهل العلم الأول، أن (من) للتبعيض، وأن الدعوة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من فروض الكفايات.
قوله: لَنْ يَضُرُّوكُمْ إِلَّا أَذًىالاستثناء هنا منقطع ولَّا متصل؟
طالب: فيه خلاف، قيل: إن الاستثاء متصل، والتقدير: لن يضروكم إلا ضرر أذى، وقيل: إن الاستثناء منقطع، والتقدير: لن يضروكم ولكن يؤذونكم. ورجحنا الأخير لأن الضرر غير الأذى.
الشيخ: نعم، ما هو الدليل على أن الأذى غير الضرر؟
الطالب: الدليل قول الله عز وجل في الحديث القدسي: «يُؤْذِينِي ابْنُ آدَمَ؛ يَسُبُّ الدَّهْرَ وَأَنَا الدَّهْرُ» .
الشيخ: نعم.
الطالب: وقال في الحديث القدسي سبحانه وتعالى: «يَا عِبَادِي، إِنَّكُمْ لَنْ تَبْلُغُوا ضَرِّي فَتَضُرُّونِي» . فنفى الضرر وأثبت الأذى.
الشيخ: نعم، والواقع؟
الطالب: والواقع شاهد بهذا.
الشيخ: شاهد بذلك، قد يتأذى الإنسان برائحة كريهة ولا يتضرر.

***

طالب: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم لَيْسُوا سَوَاءً مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أُمَّةٌ قَائِمَةٌ يَتْلُونَ آيَاتِ اللَّهِ آنَاءَ اللَّيْلِ وَهُمْ يَسْجُدُونَ (١١٣) يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَأُولَئِكَ مِنَ الصَّالِحِينَ (١١٤) وَمَا يَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَلَنْ يُكْفَرُوهُ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالْمُتَّقِينَ (١١٥) إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَنْ تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوَالُهُمْ وَلَا أَوْلَادُهُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا وَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (١١٦) مَثَلُ مَا يُنْفِقُونَ فِي هَذِهِ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَثَلِ رِيحٍ فِيهَا صِرٌّ أَصَابَتْ حَرْثَ قَوْمٍ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ فَأَهْلَكَتْهُ وَمَا ظَلَمَهُمُ اللَّهُ وَلَكِنْ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ [آل عمران:١١٣- ١١٧].

الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله تعالى: لَيْسُوا سَوَاءً مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أُمَّةٌ قَائِمَةٌ يَتْلُونَ آيَاتِ اللَّهِ آنَاءَ اللَّيْلِ وَهُمْ يَسْجُدُونَ. على من يعود الضمير في قوله: لَيْسُوا سَوَاءً؟
طالب: إلى أهل الكتاب.
الشيخ: وما معنى: سَوَاءً؟
الطالب: أي ليسوا متساوين.
الشيخ: ليسوا متساوين.
قوله: مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أُمَّةٌ قَائِمَةٌمن المراد بهم هنا؟ هل هم الذين أسلموا أم الذين كانوا في زمن رسالتهم متصفين بهذه الصفات؟
طالب: يشمل الاثنين، يشملهم كلهم.
الشيخ: يعني يشمل الذين آمنوا بمحمد صلى الله عليه وسلم والذين كانوا على الحق في عهد الرسالة؛ رسالتهم.
قوله تعالى: يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِولم يقل: إلى الخيرات، فما الفرق؟
طالب: يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِأي أنهم يسارعون إلى هذه الخيرات، فإذا وصلوا إليها يستمرون فيها.
الشيخ: يستمرون فيها، ولو قال: (إلى)؟
الطالب: (إلى) إذا وصلوا إلى الخيرات يقفون عندها، ولا يستمرون.
الشيخ: يعني لا تدل على استمرارهم في المسارعة بعد الوصول إليها.
ما الفرق بين هذا وبين قوله تعالى: وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ؟ قال: سَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍولم يقل: في مغفرة؟
طالب: لأن المغفرة من الله عز وجل، بينما الخيرات إن كان هي مدخلها من المغفرة فلن يكون، المغفرة من الله.
الشيخ: إي نعم.
طالب: شيخ، جزاك الله خيرًا، ما يمكن أن تكون يعني ظرفًا لهم، يسارعون في (...) الأعمال الصالحة.
الشيخ: يعني هي غاية، وليست عملًا، على كل حال الجوابان متقاربان، الفرق بينهما ظاهر؛ لأن المغفرة غاية العمل وثمرة العمل، بخلاف العمل فإنه ظرف لكدح الإنسان.
تفسير الآية (115)
00:51:06

قوله: وَمَا يَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَلَنْ يُكْفَرُوهُفيها قراءتان، ما هما؟
طالب: وَمَا يَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ}{وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ}.
الشيخ: كمل الآية: وَمَا يَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ.
الطالب: فَلَنْ يُكْفَرُوهُ.
الشيخ: أو؟
الطالب: {وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَلَنْ تُكْفَرُوهُ}.
الشيخ: {فَلَنْ تُكْفَرُوهُ} ما الفرق بين القراءتين؟
الطالب: القراءة الأولى: مَا يَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍلا يمكن أن تكون للالتفات؛ لأنها تكون على ضمير الغيب.
الشيخ: لكن على من يعود الضمير فيها على هذه القراءة؟
الطالب: على أهل الكتاب.
الشيخ: على أهل الكتاب.
الطالب: على أهل الكتاب، { وَمَا تَفْعَلُوا} بالتاء أمة محمد عليه الصلاة والسلام، وتكون فيها التفات لأنها ضمير المخاطب.
الشيخ: ما معنى قوله: فَلَنْ يُكْفَرُوهُ؟
طالب: لن يبخسوا أو ينقصوا في أجرهم فيه.
الشيخ: يعني لم يحرموه؟
الطالب: إي نعم (...).
الشيخ: قوله تعالى: وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالْمُتَّقِينَهل علم الله مخصوص بالمتقين أو شامل؟
طالب: شامل.
الشيخ: لكن لماذا قيده بالمتقين؟
الطالب: أقول: زيادة عناية بهم.
الشيخ: العناية بهم ولَّا إيه؟
الطالب: نعم.
الشيخ: ويش تقولون؟
طالب: الحث على التقوى.
الشيخ: إي، الحث على التقوى والعناية بهم أنه لن يضيع ثواب تقواهم.
طالب: شيخ، وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالْمُتَّقِينَيعني يكون ردًّا على اليهود لما ظنوا أنهم هم المتقون وهم على الحق، قال: وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالْمُتَّقِينَيعني ردًّا عليهم وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالْمُتَّقِينَ؟
الشيخ: هذه على قراءة الياء نعم يكون لها هذا الوجه أيضًا.
من فوائد هذه الآية؛ قوله تعالى: وَمَا يَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَلَنْ يُكْفَرُوهُمن فوائدها: أن من فعل خيرًا أثيب عليه؛ لأن المراد بالنفي هنا تمام الإثبات، يعني أنهم يعطَون أجره كاملًا بلا نقص.
ومن فوائدها: كمال عدل الله عز وجل؛ لكون العامل إذا عمل عملًا أثيب عليه، ولو حوسب على ما أعطاه الله من النعم لهلك، لكن يثاب وتكون نعم الله عليه مجرد فضل من الله.
ومن فوائد هذه الآية: إثبات علم الله؛ لقوله: وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالْمُتَّقِينَ.
ومن فوائدها: الثناء على أهل التقوى، والتقوى ذكرت في القرآن الكريم على وجوه متنوعة متعددة: أمرًا وثناءً على أهلها وبيانًا لثمراتها: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقَانًا وَيُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ [الأنفال: ٢٩].
ومن فوائدها: ثبوت الثواب على عمل الخير؛ قليلًا كان أم كثيرًا؛ لقوله: مِنْ خَيْرٍ، وهي في سياق الشرط فتكون عامة.
تفسير الآيتين (116-117)
00:54:53

ثم قال الله عز وجل: إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَنْ تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوَالُهُمْ وَلَا أَوْلَادُهُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا [آل عمران: ١١٦]، قوله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوايشمل كل من كفر بالله من يهودي أو نصراني أو شيوعي أو دهري أو مسلم يرتد، المهم أن كل من كفر بالله فهذا حكمه.
والكفر ذكر أهل العلم أنه قسمان: كفر مخرج عن الملة، وكفر غير مخرج عن الملة، وعليه يتنزل قول ابن عباس رضي الله عنهما في قوله تعالى: وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ [المائدة: ٤٤] قال: كُفْرٌ دُونَ كُفْرٍ .
ومن أمثلة هذا النوع -أعني الكفر الذي لا يخرج عن الملة- قول النبي صلى الله عليه وسلم: «سِبَابُ الْمُسْلِمِ فُسُوقٌ وَقِتَالُهُ كُفْرٌ» ، فإن قتال المسلم ليس بكفر؛ أي ليس بكفر مخرج عن الملة، ولكنه كفر دون كفر؛ لأنه لا أحد يقدم على قتل المسلم إلا الكافر، فإذا قدم المسلم على قتل أخيه المسلم فقد أتى خصلة من خصال الكفر.
والدليل على أن قتال المسلم ليس بكفر مخرج عن الملة قوله تعالى: وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ [الحجرات: ٩]، إلى قوله: إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ [الحجرات: ١٠].
ومن ذلك قوله صلى الله عليه وسلم: «اثْنَتَانِ فِي النَّاسِ هُمَا بِهِمْ كُفْرٌ: الطَّعْنُ فِي النَّسَبِ، وَالنِّيَاحَةُ عَلَى الْمَيِّتِ» ، ولها أمثلة، المهم أن هذا كفر أصغر لا يخرج من الإسلام.
أما الكفر الأكبر فهو الكفر الذي يخرج من الإسلام، مثل قوله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ فِي نَارِ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أُولَئِكَ هُمْ شَرُّ الْبَرِيَّةِ [البينة: ٦].
وهنا يقول تعالى: إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواهل المراد به الكفر الأصغر الذي لا يخرج به الإنسان من الملة أم الأكبر؟
الظاهر -والله أعلم- أن المراد به الأكبر؛ لقوله تعالى: وَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ [آل عمران: ١١٦]؛ لأن أصحاب النار لن يكونوا إلا الكفار كفرًا أكبر؛ لأن صاحب الشيء هو الملازم له، ومن كفر كفرًا أصغر فإنه لن يلازم النار، بل لا بد له من الخروج منها.
وقوله: إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَنْ تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوَالُهُمْ وَلَا أَوْلَادُهُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئًايعني: لن تدفع عنهم شيئًا من عذاب الله إذا أراد الله بهم سوءًا، قال الله تعالى: إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ وَإِذَا أَرَادَ اللَّهُ بِقَوْمٍ سُوءًا فَلَا مَرَدَّ لَهُ [الرعد: ١١]، وحينئذ نقول: إن قوله: لَنْ تُغْنِيَأي لن تمنع ولن تدفع، فهي عاجزة عن منع ما أراد الله وعن رفعه.
وقوله: أَمْوَالُهُمْ وَلَا أَوْلَادُهُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئًاذكر الأموال لأن الأموال يفتدي بها الإنسان نفسه في مواطن الحرج، لو أن أحدًا أمسك شخصًا وأراد أن يحبسه أو يقتله أو يعتدي على عرضه فقال له: دعني، أنا أعطيك ما شئت من المال، خذ ما شئت من مالي. حينئذ أغنى عنه المال. الأولاد كيف يغنون عن الإنسان شيئا؟ لأن الأولاد يدافعون عن آبائهم وأمهاتهم، وهم أشد الناس حماسًا في الدفاع، أعني الأولاد في الدفاع عن آبائهم وأمهاتهم، أشد الناس حماسًا، فالإنسان لا يمكن أن يدع عدوه يبطش بأمه أو بأبيه أبدًا وهو على قيد الحياة، فلهذا قال: وَلَا أَوْلَادُهُمْ؛ لأن الأولاد هم الذين يدافعون عن آبائهم وعن أمهاتهم.
مِنَ اللَّهِ شَيْئًا: (شيئًا) نكرة في سياق النفي، أين النفي؟ لَنْ تُغْنِيَ.
قال الأصوليون: والنكرة في سياق النفي تفيد العموم، أيْ: أيّ شيء كان، سواء كان هذا الشيء شديدًا أم كان ضعيفًا.
قال: وَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَففي الدنيا لا يغني عنهم مالهم شيئًا ولا ولدهم، وفي الآخرة كذلك هم أصحاب النار هم فيها خالدون.
والنار معروفة؛ هي ذلك الجسم الحار، ولكن حرارة النار في الآخرة ليست كحرارة النار في الدنيا، هي فضلت على حرارة النار في الدنيا بتسعة وستين جزءا -نسأل الله السلامة- فأنت إذا قدرت الآن أعظم ما في الدنيا من النيران في الحرارة فإن نار جهنم أشد منها، يعني تزيد عليها بتسعة وستين جزءًا، فإذا أخذنا الأصل والزيادة صارت سبعين، يعني مقدار حرارتها سبعين عن حرارة نار الدنيا.
وقوله: أَصْحَابُ النَّارِأي أهلها الملازمون لها وهُمْ فِيهَا خَالِدُونَأي ماكثون.
ثم قال عز وجل في بيان أن أموالهم لا تغني عنهم شيئًا ولا تنفعهم: مَثَلُ مَا يُنْفِقُونَ فِي هَذِهِ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَثَلِ رِيحٍ فِيهَا صِرٌّ أَصَابَتْ حَرْثَ قَوْمٍ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ فَأَهْلَكَتْهُ، هذا تمثيل أو تشبيه تمثيلي؛ لأن التشبيه يقولون: إنه نوعان: تشبيه إفرادي: مثل أن تقول: فلان كالبحر، فلان كالأسد، وتشبيه تمثيلي: بمعنى أنه تشبه الهيئة بالهيئة، يكون المشبَّه شيئًا مؤلفًا من عدة أمور، والمشبَّه به كذلك يكون شيئًا مؤلفًا من عدة أمور، فيسمى عند البلاغيين تشبيهًا تمثيليًّا، والأول تشبيهًا إفراديًّا.
كَمَثَلِ رِيحٍ فِيهَا صِرٌّ أَصَابَتْ حَرْثَ قَوْمٍ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْالصورة الآن: ريح شديدة فيها برودة عظيمة، ولها وحيف صرير من شدتها أَصَابَتْ حَرْثَ قَوْمٍ ظَلَمُوا، فالتشبيه مركب الآن من ريح شديدة باردة أصابت حرث قوم، يعني: مصيب ومصاب، حَرْثَ قَوْمٍأي زرعهم، ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْأي استحقوا أن يعذبهم الله عز وجل بهذه الريح، فَأَهْلَكَتْهُفإذا هبت الريح العاصفة الباردة القوية انتقامًا من بني آدم فإنها سوف تهلك هذا الحرث.
وجه الشبه ظاهر؛ لأنهم سلطوا على أموالهم تسليطًا عظيمًا، لكن لم ينتفعوا بهذا التسليط، عادت هباءً كما قال تعالى: إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ لِيَصُدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ فَسَيُنْفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَ [الأنفال: ٣٦] هذه حال الكفار إذا أنفقوا أموالهم لن ينتفعوا بها إطلاقًا. كَمَثَلِ رِيحٍ فِيهَا صِرٌّ أَصَابَتْ حَرْثَ قَوْمٍ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ فَأَهْلَكَتْه.
فِيهَا صِرٌّيعني أنها مشتمِلة على الصر، وفسرنا الصر بأمرين؛ البرودة والشدة؛ الصوت، لها صرير من شدتها، وباردة هذه لا تبقي على الزرع لَا تُبْقِي وَلَا تَذَرُ [المدثر: ٢٨] فَأَهْلَكَتْهُ.
قال الله تعالى: وَمَا ظَلَمَهُمُ اللَّهُيعني أن الله عز وجل ما ظلمهم حين سلطهم على إهلاك أموالهم بدون أن ينتفعوا بها، ما ظلمهم؛ لأن الله تعالى لا يظلم الناس شيئا وَلَكِنْ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَيعني هم الذين يظلمون أنفسهم بكفرهم بآيات الله، ولا أحد أجبرهم على هذا الكفر، وإذا فعل الإنسان الشيء بنفسه فلا يلومن إلا نفسه، وقوله: وَلَكِنْ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَفيه إشكال، وهو أنه نصب المبتدأ، والمعروف أن المبتدأ يكون مرفوعًا، فما الجواب؟
طالب: نقول: إنه هنا وقعت خبرًا.
الشيخ: هه؟
الطالب: نقول: إن المبتدأ محذوف.
الشيخ: المبتدأ محذوف، و(أنفس)؟
الطالب: خبر.
الشيخ: خبر، والخبر يكون منصوبًا في ليلة الجمعة!
طالب: (لكن) هنا ليست التي تعمل، هاديك (لكنَّ).
الشيخ: الآن عملت نصبت: أَنْفُسَهُمْ؟
طالب: مفعول مقدم.
الشيخ: ليش؟
الطالب: يظلمون أنفسهم.
الشيخ: إي ويش تقول؟
الطلبة: صحيح.
الشيخ: صحيح، نعم هذه مفعول مقدم لـ(يظلمون). علامة ذلك أنه لو كان في غير القرآن وحولت الجملة بالتقديم والتأخير فقلت: (ولكن يظلمون أنفسهم) لاستقام الكلام، إذن فـ(أنفس) هذه مفعول به مقدم.
وفائدة التقديم الحصر، يعني أنهم ما ظلموا الله عز وجل، والله أيضًا ما ظلمهم، ولكنهم ظلموا أنفسهم؛ أما كونهم ما ظلموا الله فلأن الله قال: وَمَا ظَلَمُونَا وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ [البقرة: ٥٧]، وأما كونهم لم يُظلموا فلأن الله تعالى يقول: وَمَا ظَلَمَهُمُ اللَّهُ، فالله ما ظلمهم، وهم لم يظلموا الله، أي لم ينقصوه شيئًا، وإنما نقصوا أنفسهم وَلَكِنْ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ.
في هاتين الآيتين فوائد:
أولًا: بيان أن الكفار مهما بلغوا في القوة عددًا ومددًا فإن قوتهم لن تغنيهم من الله شيئًا، عددًا لقوله: أولاد، مددًا: أموال، مهما كثرت قوتهم عددًا ومددًا فإنها لن تغني عنهم من الله شيئًا.
ومن فوائدهما أيضًا: تمام قدرة الله وسلطته على العباد، حيث إن الكفار العتاة لا يستطيعون أن يدفعوا شيئًا بأموالهم وأولادهم مما قضاه الله عز وجل.
فإن قال قائل: مفهوم الآية أن المؤمنين تغني عنهم أموالهم وأولادهم من الله شيئا؟
قلنا: هذا غير مراد؛ لأن الآية سيقت في الرد على الكفار الذين يفتخرون بأموالهم وأولادهم، فبين الله أن أموالهم وأولادهم لا تغني عنهم من الله شيئًا، أما المؤمنون فقد قال الله تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ [المنافقون: ٩]، ولا أحد ينفعه ماله وولده إلا أن يكون عونًا له على طاعة الله.
من فوائد هذه الآية: أن الكفار في النار؛ لقوله: أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ.
ومن فوائدها: أنهم مخلدون فيها؛ لقوله: هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ، والجملة اسمية تدل على الدوام والثبوت.
فإن قال قائل: هل هذا الخلود أبدي أم له غاية؟
فالجواب: أنه أبدي وليس له غاية، ودليل ذلك في كتاب الله في ثلاث آيات منه؛ في النساء والأحزاب والجن، ففي النساء يقول الله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَظَلَمُوا لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلَا لِيَهْدِيَهُمْ طَرِيقًا (١٦٨) إِلَّا طَرِيقَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا [النساء: ١٦٨، ١٦٩]، وفي سورة الأحزاب يقول الله تعالى: إِنَّ اللَّهَ لَعَنَ الْكَافِرِينَ وَأَعَدَّ لَهُمْ سَعِيرًا (٦٤) خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا لَا يَجِدُونَ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا [الأحزاب: ٦٤، ٦٥]، وفي سورة الجن: وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا [الجن: ٢٣].
وليس بعد هذه الآيات قول يقال، بل لو قاله قائل فقوله مردود عليه؛ لأن هذا أمر غيبي لا يعلم إلا من قبل الشرع والوحي، والوحي كما ترون نزل بأنهم خالدون فيها أبدًا، وإذا جاء النص فلا قياس، فمن ادعى أنهم يخلدون فيها إلى أمد فإنه لولا تأويله لكان أمره خطيرًا جدًّا، لكنه تأول واشتبهت عليه بعض الآيات، وقال بعدم التخليد الأبدي، وإلا لكان أمره خطيرًا جدًّا؛ لأن ظاهر هذا القول تكذيب القرآن، والأمر خطير جدًّا، لكنه صدر من أناس نعلم نصحهم لله ولكتابه ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم على وجه تأولوا فيه، والله يغفر لهم تأويلهم.
لكن بالنسبة للعقيدة التي بين الإنسان وبين ربه إذا تبين له خطأ عالم من العلماء وجب عليه مخالفته، أما بالنسبة للعالم فيرجو له المغفرة والرحمة إذا علم بالنصح للأمة؛ لأنه غير معصوم، العصمة في كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم.
ومن فوائد هذه الآيتين: إثبات القياس؛ لقوله: مَثَلُ مَا يُنْفِقُونَ فِي هَذِهِ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَثَلِ رِيحٍ، ووجه ذلك أن المثل إلحاق للأصل بالفرع، إلحاق للمشبه بالمشبه به، وهذا هو أصل القياس، أصل القياس إلحاق فرع بأصل في حكم لعلة جامعة. فكل مثال ضربه الله في القرآن ففيه دليل على القياس؛ إذ إنه إلحاق المشبه بماذا؟ بالمشبه به، وعليه فيكون في هذه الآية إثبات القياس.
ومن فوائد هاتين الآيتين: حسن أو تمام بلاغة القرآن، وذلك بقياس الغائب على الشاهد، وجهه: أن الريح التي فيها صر وأصابت حرث قوم ظلموا أنفسهم، كل يعرف أنها مدمرة ومهلكة، فكذلك أعمال الكافرين هالكة لا خير فيها؛ لأن الكفر مدمر لها، وَمَا مَنَعَهُمْ أَنْ تُقْبَلَ مِنْهُمْ نَفَقَاتُهُمْ إِلَّا أَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَبِرَسُولِهِ [التوبة: ٥٤].
ومن فوائد هاتين الآيتين: أن الكافر لن ينتفع بما عمل في الآخرة، ووجهه: أنه إذا هلك ما عمله وزال فإنه لن ينفعه، لكن قد ينفعه في الدنيا فيدفع الله عنه به من البلاء ما يدفع أو يحصل من الخير الذي يرجوه ما يحصل بسبب العمل أو الإنفاق الذي أنفقه من ماله.
ومن فوائد هاتين الآيتين: انتفاء الظلم عن الله؛ لقوله: وَمَا ظَلَمَهُمُ اللَّهُ.
وهل هو محال لذاته أو لغيره؟ لغيره، قيل: إنه محال لذاته؛ وذلك لأن الخلق كلهم عبيد الله، ومهما فعل السيد بعبيده فليس بظالم، وعلى هذا فإن الظلم في حق الله مستحيل لذاته، وهذا القول يتضمن أن الله غير قادر على الظلم؛ لأنه مستحيل لذاته عندهم.
والقول الثاني: أن الظلم بالنسبة لله مستحيل لغيره، يعني لو شاء الله أن يظلم لظلم لكنه، مستحيل لغيره، ما هو الغير؟
كمال عدل الله، كمال عدل الله هو الذي منع أن يقع الظلم من الله سبحانه وتعالى.
ولهذا نقول: لو شاء الله لظلم العباد، فأهدر أعمالهم الصالحة وأضاف إليهم أعمالًا سيئة لم يعملوها، لكن لكمال عدله لا يمكن أن يقع منه ذلك سبحانه وتعالى، إذن فالظلم محال؟
طالب: محال بالنسبة لله عز وجل، محال لغيره.
الشيخ: نعم، والقول الثاني؟
الطالب: أنه محال لذاته.
الشيخ: أيما أدل على الكمال، على القول الأول ولَّا الثاني؟
الطالب: الأول إذا كان محالًا لغيره.
الشيخ: نعم الأول؛ لأنه لو كان محالًا لذاته لم يكن فيه مدح لله عز وجل، المحال ما يمكن أن يقع فليس فيه مدح لله، المدح: أن يكون قادرًا عليه ولكن تركه لكمال العدل.
وأضرب لكم مثلًا يبين الأمر: لو أن رجلًا عنينًا دعته امرأة إلى نفسها، لكن الرجل عنين، عنين يعني لا يقدر على الجماع، قال: والله ما لي رغبة، نمدحه؟ ما نمدحه، ليش؟ لأنه غير قادر على ذلك، لكن رجل شاب ممتلئ شبابًا وعنده قدرة، دعته امرأة لنفسها فقال: إني أخاف الله. ولو شاء لأجابها وفعل، هل يمدح؟ نعم يمدح؛ لأنه قادر.
فإذا قلنا: إن الظلم بالنسبة لله مستحيل ولا يمكن أن يقع منه صار عدم ظلمه ليس فيه مدح، وصار تمدح الله به لغوًا لا فائدة منه.
إذن فالله تعالى نفى عن نفسه الظلم لكمال عدله، فلعدله لا يمكن يقع منه ظلم.
من فوائد الآيتين: إثبات أن الله تعالى موصوف بالنفي كما هو موصوف بالإثبات، صح؟ وصف الله بالإثبات كثير في القرآن، وصفه بالنفي أقل، لكنه موجود.
هذا النفي الذي وصف الله به نفسه هل هو نفي محض مجرد؟ لا، بل هو نفي متضمن لثبوت، وهو كمال ضد ذلك الشيء، فإذا قال الله عن نفسه: وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ [فصلت: ٤٦] قلنا: لكمال عدله، وإذا قال: وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ [البقرة: ١٤٤] لكمال مراقبته، وإذا قال: وَمَا مَسَّنَا مِنْ لُغُوبٍ [ق: ٣٨] لكمال قوته وقدرته... وهلم جرا، لا يمكن أن يوجد في صفات الله نفي محض، بل هو نفي لثبوت ضده على وجه الكمال.
يقول العلماء رحمهم الله: ولا بد من هذا التقدير، أيش التقدير؟ إثبات كمال الضد.
قالوا: لأن مجرد النفي إن كان لعدم القابلية فلا مدح فيه، وإن كان للعجز عن المنفي فهو نقص. إن كان لعدم القابلية فلا مدح فيه مثل لو قلنا: الجدار لا يظلم، الجدار لا يغدر بالوعد، بالعهد، لا يخلف الوعد، أيش الكلام هذا؟ هذا لغو، كل الناس يعرفون هذا، فما مثلك إلا كمثل الذي قال: السماء فوقنا والأرض تحتنا، أو قال: كأننا حول المدرس طلبة يدرسون، أيش الفائدة من هذا؟! فيه فائدة هذا؟!
فإذا كان غير قابل لهذا المنفي عنه فإن وصفه به لغو لا فائدة منه، وإن كان هذا النفي لعجزه عن تحقيقه صار نقصًا، لو قلنا: إن الله لا يظلم لأنه ما يستطيع أن يظلم، لا شك أنه نقص.
إذن فالقاعدة فيما وصف الله به نفسه من النفي أنه ليس نفيًا محضًا، بل هو متضمن لإثبات كمال، ما الكمال؟ كمال ضد ذلك المنفي.
ثم قال: وَلَكِنْ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ.
يستفاد من هذه الآية: أن نفس الإنسان عنده أمانة يلحقها ظلمه وغشمه، ويلحقها بره وإحسانه، فالإنسان عند نفسه أمانة يجب أن يرعى هذه الأمانة حقها، وإذا كان يجب على الإنسان أن يرعى الأمانة في ولده وأهله ففي نفسه من باب أولى، ولهذا قال الله عز وجل: وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ [البقرة: ١٩٥] هذه وصية منه تعالى لنا بأنفسنا، وقال: يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ [النساء: ١١]، فأوصانا الله بأولادنا وصية منه لنا بأولادنا، والولد بضعة من أبيه.
طالب: شيخ، أحسن الله إليك، بالنسبة لنفي السِّنة ونفي الجهل عن الله تعالى، نقول: مثل الظلم في أنه محال لغيره؟
الشيخ: أما السنة والنوم فهذا محال لغيره، وقد يقال: إنه محال لذاته؛ لأن السنة والنوم ليست فعلًا، بل هي انفعال وحال تطرأ على النائم والناعس، فقد يقال: إنها محال لغيره، ولو شاء لنام وأخذته السنة، وقد يقال: محال لذاته؛ لأن في ذلك نفيًا لكماله، ولأن هذا ليس فعلًا، بل هو انفعال، فبينه وبينها في الظلم فرق.
طالب: شيخ، هل يمكن أن يغني عن الكافر أشياء أخرى غير المال والولد؟
الشيخ: لا، ما يمكن، لكن ذكر المال والولد لأن هذا هو الغالب أن الإنسان ينتفع بماله وولده.
الطالب: حال أبي طالب؟
الشيخ: لا، هذه خاصة لسبب، وهو حمايته للرسول عليه الصلاة والسلام وعنايته به.
طالب: شيخ، الرسول صلى الله عليه وسلم قال: «نَارُكُمْ هَذِهِ فُضِّلَتْ عَلَيْهَا نَارُ الْآخِرَةِ» ، يشير إلى نار الصحابة، الآن وجد أشياء تحبس الأشياء ثم تطلقها بقوة، فيعني تتفاضل النار، مثلًا بعضها تكون توصل لدرجة مئة في الحرارة وأكثر، وبعضها ضعيفة، هل تشمل هذا كله؟
الشيخ: إي نعم؛ لأن في بعض الألفاظ: «عَلَى نَارِ الدُّنْيَا»، وقوله: «نَارُكُمْ» هنا الضمير ليس للتعيين، يعني ليس مضافًا إلى قوم معينين، إنما هو مضاف إلى الجنس.
طالب: قال الله عز وجل: فَلَا تَضْرِبُوا لِلَّهِ الْأَمْثَالَ [النحل: ٧٤] الآن نجد بعض الدعاة وكذا يضرب مثلًا أمثلة وإن كانت يعني لبعض أفعال الله أوكذا يقول مثلًا: لو أنت تسير في طريق معين، أمرك هذا الضابط أن تسير في طريق معين، أي أجبرك على هذا كالجبرية يعني، ثم خالفك، قال: لماذا تسير في هذا الطريق، مع أنه لا يوجد غير هذا الطريق، طيب، بعد أن كان طريقين فرعيين كان طريقًا واحدًا، فهنا ليس من حقه، كما أن الله عز وجل يعني لا يظلم أو كذا، فهذه الأمثلة مثلًا اللي يضربها بعض الدعاة وكذا هل يعني هي جائزة أو مثلا المثال الذي ذكرته قبل قليل يعني ليس لله لكن للنفي، يعني بعدم قدرة هذا الرجل، فهل يعني يجوز هذا الشيء؟
الشيخ: إي نعم، والنهي عن ضرب الأمثال المساوية؛ لأن الأمثال جمع مثل، والمثل هو الشبيه والنظير، يعني لا تجعلوا لله أحدًا يشبهه أو يماثله، وقد ضرب النبي عليه الصلاة والسلام المثل في رؤية الله، قال: «إِنَّكُمْ سَتَرَوْنَ رَبَّكُمْ كَمَا تَرَوْنَ الْقَمَرَ لَيْلَةَ الْبَدْرِ» ، وقال في الصدقة: «يَأْخُذُهَا بِيَمِينِهِ فَيُرَبِّيهَا كَمَا يُرَبِّي أَحَدُكُمْ فَلُوَّهُ» .

***

تفسير الآيات (118-122)
01:27:31

طالب:{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِنْ دُونِكُمْ لَا يَأْلُونَكُمْ خَبَالًا وَدُّوا مَا عَنِتُّمْ قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الْآيَاتِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ (١١٨) هَا أَنْتُمْ أُولَاءِ تُحِبُّونَهُمْ وَلَا يُحِبُّونَكُمْ وَتُؤْمِنُونَ بِالْكِتَابِ كُلِّهِ وَإِذَا لَقُوكُمْ قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا عَضُّوا عَلَيْكُمُ الْأَنَامِلَ مِنَ الْغَيْظِ قُلْ مُوتُوا بِغَيْظِكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ (١١٩) إِنْ تَمْسَسْكُمْ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِنْ تُصِبْكُمْ سَيِّئَةٌ يَفْرَحُوا بِهَا وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لَا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا إِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ} [آل عمران: ١١٨ - ١٢٠]

الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله عز وجل: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِنْ دُونِكُمْ، ذكرنا نفي الظلم عن الله وذلك لكمال عدله.
قال الله تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِنْ دُونِكُمْيمر علينا مرارًا كثيرًا أن الخطاب بمثل هذا:
أولًا: تصديره بالنداء يدل على أهميته والتنبه له.
ثانيًا: توجيهه إلى المؤمنين له ثلاث فوائد:
أولًا: الإغراء على الامتثال، كأنه يقول: إن كنت مؤمنًا فافعل كذا وكذا، إن كنت مؤمنًا فلا تفعل كذا وكذا، إن كنت مؤمنًا فصدق بالخبر، ففي توجيهه إلى المؤمنين إغراء بماذا؟ بالامتثال.
ثانيًا: أن امتثاله من مقتضيات الإيمان؛ لأنه لا يخاطب الشخص بوصف ثم يُوجَّه إليه حكم متعلق بهذا الوصف إلا كان ذلك دليلًا على أن امتثال هذا الحكم من مقتضيات الإيمان؛ لأنه لا يصح أن توجه لفاسق كلمة تتعلق بالمؤمن.
الفائدة الثالثة: أن الإخلال به نقص في الإيمان، إذا وجه الله الخطاب إلى المؤمنين فهذا دليل على أن الإخلال به نقص في الإيمان.
ثم إنه لا بد أن يكون هناك فائدة عظيمة إذا وجه الله الخطاب للمؤمنين؛ كما قال عبد الله بن مسعود رضي الله عنه: إذا سمعتَ الله يقول: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوافَأَرْعِهَا سَمْعَكَ -يعني استمع لها- فإمَّا خيرٌ تُؤمَر به وإما شَرٌّ تُنْهَى عنه .