تفسير سورة آل عمران - 34
عدد الزيارات 2311

الفائدة الثالثة: أن الإخلال به نقص في الإيمان، إذا وجه الله الخطاب إلى المؤمنين فهذا دليل على أن الإخلال به نقص في الإيمان.
ثم إنه لا بد أن يكون هناك فائدة عظيمة: إذا وجه الله الخطاب للمؤمنين كما قال عبد الله بن مسعود رضي الله عنه: إذا سمعت الله يقول: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوافأرعِها سمعك -يعني استمع لها- فإما خير تؤمر به، وإما شر تُنهى عنه» .
في هذه الآية يقول: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِنْ دُونِكُمْ [آل عمران: ١١٨] هذا نهي؛ (لا) ناهية، ولهذا جزمت الفعل فقال: لَا تَتَّخِذُوا.
والمراد بالبطانة: القوم المقرَّبون إلى الشخص؛ مأخوذ من بطانة الثوب لأنها أقرب إلى البدن أو إلى الجسد من ظهارته، فالثوب له بطانة وله ظهارة، البطانة أقرب، فالمعنى: لا تتخذوا قومًا مقربين إليكم تُفضون إليهم بالأسرار وتخبرونهم بالأحوال وبما تريدون أن تقوموا به.
وقوله: مِنْ دُونِكُمْأي: من غيركم، كما في قوله تعالى: وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ آلِهَةً لَعَلَّهُمْ يُنْصَرُونَ [يس: ٧٤] أي: من غيره. والمعنى: مِنْ دُونِكُمْأي: من غيركم، بأي شيء؟ بالدين أو بالهدف أو بماذا؟
نقول: المراد بذلك كل من يغايرك في أمر من الأمور، وهذا يختلف؛ قد يكون في الدين مثلًا، وقد يكون في الدنيا، فإذا كان الأمر يتعلق بالدين فحينئذ لا نتخذ الكافرين أولياء من دون المؤمنين، لا نتخذ المنافقين أولياء من دون المؤمنين لأنهم غيرنا، إذا كان يتعلق بتجارة فلا نتخذ أحدًا بطانة يخدعنا في تجارتنا؛ لأنه مغاير لنا في هذا الاتجاه، وهذه في الحقيقة قاعدة موجهة لكل مؤمن، وهي صالحة حتى للكافر، حتى للكافر مثلًا لا يتخذ بطانة من دونه -أي: من غيره- ممن يضره اتخاذه بطانة.
وقوله: لَا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِنْ دُونِكُمْ لَا يَأْلُونَكُمْ خَبَالًا وَدُّوا مَا عَنِتُّمْ قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُهذه أربع جمل لَا يَأْلُونَكُمْ خَبَالًاهذه واحدة، وَدُّوا مَا عَنِتُّمْكم؟
الطلبة: اثنين.
الشيخ: قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ، وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ، هذه الجمل هل هي أوصاف لبطانة؛ يعني بطانة متصفة بهذه الصفات، أو هي جمل تعليلية للبطانة؛ أي: لا تتخذوا بطانة من دونكم فإنهم لا يألونكم خبالًا ويودون ما عنتم... إلى آخره؟
في هذا احتمالان: يحتمل أن هذه الجمل أوصاف، عرفتم؟ ويحتمل أنها جمل استئنافية معلِّلة، لبيان التعليل؛ يعني لا تتخذوا بطانة من دونكم لأنهم لا يألونكم خبالًا... إلى آخره، وعلى القول الأول يكون معنى الآية: لا تتخذوا بطانة من دونكم على هذا الوصف؛ أي بطانة من دونكم لا يألونكم خبالًا ودوا ما عنتم... إلى آخره، فإن قلنا بأن هذه الجمل أوصاف فإن قوله: مِنْ دُونِكُمْيعتبر وصفًا خامسًا؛ لأن مِنْ دُونِكُمْالجار والمجرور صفة أيش؟ لبطانة، وعليه فيكون نهى الله أن نتخذ بطانةً مَن اتصفوا بهذه الصفات الخمس: أنهم من دوننا، أنهم لا يألوننا خبالًا، يودون ما عنتنا، قد بدت البغضاء من أفواههم، وما تخفي صدورهم أكبر.
نرجع الآن إلى الكلمات:
قوله: لَا يَأْلُونَكُمْ خَبَالًا(أَلَا) بمعنى بذل الجهد؛ أي: لا يألون جهدًا في خبالكم؛ يعني أنهم يبذلون كل جهد في خبالكم، والخبال هو الفساد في الرأي والعقل، ولهذا يقول الناس للرجل الفاسد عقله ورأيه يقولون: إنه خِبْلٌ، فمعنى لَا يَأْلُونَكُمْ خَبَالًايعني: لا يألون جهدًا في خبالكم، يبذلون كل جهد لفساد أموركم؛ لأنهم قوم ليسوا منكم، وهم بعيدون عنكم بِطَانَةً مِنْ دُونِكُمْ.
وقولهم: وَدُّوا مَا عَنِتُّمْوَدُّواالود: خالص المحبة؛ يعني أنهم يحبون بكل قلوبهم ما عنتم؛ أي الذي عنتم؛ أي: الذي شقَّ عليكم. ويحتمل أن تكون (ما) مصدرية؛ أي: ودوا عَنَتكم، والعَنَت: المشقة والشدة؛ كما قال الله تعالى: وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَأَعْنَتَكُمْ [البقرة: ٢٢٠] أي: ألحق بكم المشقة، وقال تعالى: عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ [التوبة: ١٢٨] أي: ما شق عليكم.
فالمعنى أن هؤلاء البطانة لا يألون جهدًا في فساد أمورنا، ويودون بكل قلوبهم العَنَت علينا والإشقاق والإتعاب، العنت الفكري والبدني والمالي، وكل شيء يمكن أن يلحقنا فيه مشقة فهؤلاء يودونه.
الوصف الثالث: قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْبَدَتِأي: ظهرت، ومِنْ أَفْوَاهِهِمْ(من) لبيان محل البُدُوِّ، فهي ابتدائية؛ يعني: ظهرت من أفواههم، كأنما يريدون أن يكتموا هذه البغضاء ولكنها تبدو، لا بد أن تفهم من أقوالهم وإن كانوا لا يريدون هذا، ولهذا لم يقل: قد أبدوا البغضاء من أفواههم، بل قال: قَدْ بَدَتِ، وهو دليل على أنها جاءت فلتة من أفواههم، وإلا فهم يتكتمون، يتكتمون في البغضاء من أجل أن يتوصلوا إلى مآربهم في اتخاذهم أيش؟
الطلبة: بطانة.
الشيخ: بطانة، لكن لا بد أن تبدو البغضاء من أفواههم.
وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُأي: مما يبدو من أفواههم؛ يعني عندهم من البغضاء في القلوب أكثر بكثير مما تبديه الألسن، هؤلاء القوم المتصفون بهذه الصفات نهانا الله أن نتخذهم بطانة، والنهي عن اتخاذهم بطانة يستلزم إبعادهم عنك والحذر منهم وأن لا تركن إليهم.
ثم قال: قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الْآيَاتِأي: أظهرناها حتى صارت بيِّنة مثل فلق الصبح. والْآيَاتِ: العلامات، وهل المراد العلامات التي وصف بها هؤلاء أو هي أعمّ فتشمل جميع ما بيَّن الله لنا؟ الأَوْلى أن نجعلها عامة؛ نقول بيَّن الله تعالى لنا العلامات الدالة على الحق وعلى الباطل في هذه المسألة وفي غيرها.
وقوله: قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الْآيَاتِيدل على أنه سبحانه وتعالى له عناية خاصة في المؤمنين تبين لهم الآيات التي قد تخفى عليهم، بل هي خافية عليهم.
وقوله: إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَيعني أنه لا يظهر بياننا للآيات إلا لمن كان له عقل يعقل به نفسه وهواه، أما غير العاقل فإنه لا ينتفع؛ إِنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَتُ رَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ (٩٦) وَلَوْ جَاءَتْهُمْ كُلُّ آيَةٍ حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الْأَلِيمَ [يونس: ٩٦، ٩٧]. ويحتمل أن الشرط: قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الْآيَاتِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَعائد على قوله: لَا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِنْ دُونِكُمْ، والمعنى على هذا التقدير: إن كنتم تعقلون فلا تتخذوا بطانة من دونكم. أما على الأول فيكون التقدير: إن كنتم تعقلون فقد بيَّنَّا لكم الآيات فاعقلوها. ومر علينا أن الآية إذا كانت تحتمل معنيين لا يتنافيان فالأَوْلى أن تحمل عليهما؛ فيكون من العقل أن لا نتخذهم بطانة، ومن العقل أن نتبين ما بينه الله لنا من الآيات.

***

قال: هَا أَنْتُمْ أُولَاءِ تُحِبُّونَهُمْ [آل عمران: ١١٩] في قوله: هَا أَنْتُمْقراءتان؛ المد: هَا أَنْتُمْ، والقصر: {هَأَنْتُمْ أُولَاءِ تُحِبُّونَهُمْ}، وكلاهما قراءتان سبعيتان، ينبغي للقارئ أن يقرأ بهذه مرة وبهذه مرة، يعني بهذه أحيانًا وبهذه أحيانًا، إلا أمام العامة، فأمام العامة لا ينبغي أن تقرأ إلا بقراءة المصحف الذي بين أيديهم؛ لأنك لو قرأت بقراءة غير قراءة المصحف الذي بأيديهم اتهموك بالخطأ أو شككوا في أيش؟
الطلبة: في القرآن.
الشيخ: في القرآن، شكوا في القرآن؛ كيف قرآن تغير آياته؟! وربما إن كانوا عامة دهماء ربما يضربونك، يقول: أنت غيرت كتاب الله؛ لأن العامة الدهماء مشكلة لا يميزون. إذن هَا أَنْتُمْقراءة، والثانية: {هَأَنْتُمْ}.
وهَا أَنْتُمْ(ها) للتنبيه، قيل: إنها منقولة عن مكانها وإن الأصل: أنتم هؤلاء تحبونهم، وقيل: بل هي للتنبيه وإنها في مكانها؛ لأن التنبيه ينبغي أن يكون في أول الكلمات، فهي في مكانها.
وقوله: هَا أَنْتُمْ أُولَاءِأُولَاءِمنادى، وأصله: يا هؤلاء.
تُحِبُّونَهُمْأي: تحبون هذه البطانة الذين لا يألونكم خبالًا، والذين ودُّوا ما عنتم، والذين قد بدت البغضاء من أفواههم، والذين ما تخفيه صدورهم أكبر، تحبونهم؛ وذلك لأن المؤمنين يغلب عليهم سلامة القلب وطهارته وعدم ظن السوء في غيرهم، وكان هؤلاء يتوددون إليهم ويدَّعون أنهم يصلونهم، فيحبهم المؤمنون، بناء على أي شيء؟ على تغريرهم بهم.
وَلَا يُحِبُّونَكُمْيعني: وهم لا يحبونكم مع أنكم تحبونهم، وكيف يحبوننا وقد بدت البغضاء من أفواههم.
وقوله: تُحِبُّونَهُمْهذا معلوم لنا، لكن وَلَا يُحِبُّونَكُمْهذا غير معلوم، لكن الله أعطانا له قرائن، وهي ما تبديه أيش؟ أفواههم، فإذا كانوا لا يحبونكم فكيف تحبونهم؟! الإنسان العاقل الحازم هو الذي يعامل من كانت هذه صفته بمثل ما كان عليه.
وَتُؤْمِنُونَ بِالْكِتَابِ كُلِّهِالكتاب هنا اسم جنس يشمل جميع الكتب، تُؤْمِنُونَ بِالْكِتَابِالقرآن، بِالْكِتَابِالتوراة، بِالْكِتَابِالإنجيل، بِالْكِتَابِالزبور، بِالْكِتَابِصحف إبراهيم، تؤمنون بهذا كله، وهم لا يؤمنون بذلك.
طيب، من هؤلاء؟ يصدق هذا على اليهود والنصارى والمنافقين، كلهم لنا بهذا الوصف، لكن اليهود يدَّعون أنهم مؤمنون بالتوراة، والنصارى يدَّعون أنهم مؤمنون بالإنجيل، والمنافقون لا يؤمنون بشيء.
وَإِذَا لَقُوكُمْ قَالُوا آمَنَّانفاقًا ومداهنة؛ يقولون بأفواههم ما ليس في قلوبهم، ولهذا قال: وَإِذَا خَلَوْايعني وحدهم أو إلى شياطينهم عَضُّوا عَلَيْكُمُ الْأَنَامِلَ مِنَ الْغَيْظِأي: من شدة الغيظ، لكن من شدة الغيظ لما يرون من نعمة الله عليكم، أو من شدة الغيظ لعدم اتباعكم لهم، أو من الأمرين جميعا، بل ربما نقول: يشمل أيضا ما ادعوه في أنهم أمضوا مع المسلمين وقتًا ولم يتمكنوا من نيل مآربهم.
وقوله: عَضُّوا عَلَيْكُمُ الْأَنَامِلَالأنامل هي أطراف الأصابع، وعضُّها يعبر به عن شدة الندم والحزن، ويعبر به عن شدة الغيظ؛ أحيانًا الذي يتوعدك تجده يعض أنامله ويومي برأسه ويقول: عسى أدركك، عسى أدركك. عشان يتوعدك، نقول: هذا عض أنامله من الغيظ. والثاني انكسرت سيارته فعض أنملته، هذا من شدة الندم، لكن هنا بيَّن الله عز وجل أنهم يعضون الأنامل من شدة الغيظ، يتمنى أن تكون أنت الذي بين أسنانه حتى يقضمك.
وَإِذَا خَلَوْا عَضُّوا عَلَيْكُمُ الْأَنَامِلَ مِنَ الْغَيْظِالأنامل التي تُعض هل هي طرف الأصابع ولَّا وسط الأصابع؟
طلبة: وسط الأصابع.
طلبة آخرون: أطراف الأصابع.
الشيخ: يعني الأعلى؟ على كل حال الظاهر أنها تختلف بحسب أعراف الناس؛ أحد يعض الأعلى، وبعض الناس يعض الوسط.
طالب: لأن الأوسط يستحمل.
الشيخ: وهو عندكم؟
طالب: رؤوس الأصابع.
الشيخ: رؤوس الأصابع، إي نعم، أظن عندنا الأوسط.
طالب: الأوسط يا شيخ يستحمل عن الأعلى.
الشيخ: لا دعنا مِن يستحمل أو ما يستحمل، هذه عادة، ما هي تُعلَّل العادات، إنما هم بعض الناس يعض وسط الأصبع وبعضهم يعض الطرف، المهم هي كلها تنبئ عن شدة، إما شدة الحزن وإما شدة الغيظ.
قال الله تعالى: قُلْ مُوتُوا بِغَيْظِكُمْقُلْالخطاب للنبي عليه الصلاة والسلام، أو لمن يتأتى خطابه، وهو الأقرب؛ لأنه كان يخاطب المؤمنين بالأول: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا، هَا أَنْتُمْ أُولَاءِ تُحِبُّونَهُمْ؛ يعني: فقل أيها المؤمن لهؤلاء: مُوتُوا بِغَيْظِكُمْ، هذا الأمر للإهانة وبيان عدم المبالاة بهم.
وقُلْ مُوتُوا بِغَيْظِكُمْالباء قيل: إنها للغاية والمصاحبة؛ يعني: ابقوا على غيظكم إلى أن تموتوا، وقيل: إنها للسببية؛ أي: موتوا بسبب غيظكم فإنه لا يهمنا، والثاني أقرب، فالأول: دعاء عليهم ببقاء الغيظ إلى الموت، والثاني: دعاء عليهم بتعجيل الموت بسبب الغيظ، فيكون هذا أقرب للصواب وأشد في التحدي والبعد عنهم.
قُلْ مُوتُوا بِغَيْظِكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِالجملة استئنافية يبين الله تعالى فيها أنه عليم بذات الصدور؛ أي: بصاحبة الصدور، وهي القلوب؛ لأن القلوب هي محل العقل والإدراك والتدبير للجسد، وإنما قلنا: إن ذات الصدور هي القلوب؛ لقوله تعالى: فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ [الحج: ٤٦]، والقلب هو محل العقل ومحل التدبير، ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم: «أَلَا وَإِنَّ فِي الْجَسَدِ مُضْغَةً إِذَا صَلَحَتْ صَلَحَ الْجَسَدُ كُلُّهُ، وَإِذَا فَسَدَتْ فَسَدَ الْجَسَدُ كُلُّهُ، أَلَا وَهِيَ الْقَلْبُ» وهي محل النية والإرادة؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إنما الأعمال بالنيات» .
طيب، إذن عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِأي: بالقلوب، بصاحبة الصدور، هذا تفسير لفظي، والمراد القلوب.

***

ثم قال: إِنْ تَمْسَسْكُمْ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ [آل عمران: ١٢٠] إِنْ تَمْسَسْكُمْالخطاب لمن؟ للمؤمنين، وهنا أتى بصيغة الجمع، وأتى بصيغة المفرد في قوله: قُلْ مُوتُوا بِغَيْظِكُمْ، وسبق أن جاء بصيغة الجمع، وهذا من التفنن في الخطاب، ومن فوائده الانتباه، الانتباه أن الإنسان إذا اختلف الأسلوب عنده انتبه، وليس كما إذا كان الأسلوب على وتيرة واحدة.
إِنْ تَمْسَسْكُمْ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْحسنة، أيُّما حسنة؟ دينية أو دنيوية، بدنية أو مالية أو أهلية؟
الطلبة: شاملة.
الشيخ: شاملة، ووجه الشمول أن حَسَنَةٌنكرة، والنكرة في سياق الشرط تفيد العموم، فأي حسنة تصيب المؤمنين فإنها تسوءُهم لأنهم أعداء، سواء كانت هذه الحسنة في المال أو البدن أو الأهل أو النصرة أو أي حسنة كانت، فإن هؤلاء تسوءُهم الحسنة إذا مسَّتكم.
وقوله: وَإِنْ تُصِبْكُمْ سَيِّئَةٌ يَفْرَحُوا بِهَاالسيئة هنا ما يسوءُكم؛ يعني: إن أصابكم ما يسوءُكم في البدن أو الأهل أو المال أو الدين يَفْرَحُوا بِهَايعني: يلحقهم الفرح بسببها.
وهنا يقول: إِنْ تَمْسَسْكُمْفي الحسنة، ووَإِنْ تُصِبْكُمْفي السيئة، فهل هذا من باب اختلاف التعبير أو هناك فرق معنوي؟
قال بعض العلماء: إن هذا من باب اختلاف التعبير، وإن معنى قوله: إِنْ تَمْسَسْكُمْ حَسَنَةٌأي: إن تصبكم حسنة، قالوا: ودليل ذلك قوله تعالى: مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ [النساء: ٧٩].
وقال بعض العلماء: بل بينهما فرق؛ لأن المسَّ أخف من الإصابة، المسُّ أخف من الإصابة، وبناء على ذلك أنهم يُساؤون من الحسنة وإن كانت قليلة جدًّا، ويفرحون بالسيئة إذا أصابت وأوجعت.
وهذا الفرق بالنسبة لقوله: إِنْ تَمْسَسْكُمْ حَسَنَةٌوجيه، لكن بالنسبة لقوله: وَإِنْ تُصِبْكُمْ سَيِّئَةٌ يَفْرَحُوا بِهَالو قلنا بهذا الفرق لكان فرحهم بالسيئة لا يكون إلا إذا كانت؟
طالب: شديدة.
الشيخ: شديدة، وهذا فيما يظهر خلاف حالهم، وبناء على ذلك يترجح القول بأن مسَّ وأصاب بمعنى؟
طالب: واحد.
الشيخ: بمعنى واحد، لكن اختلف التعبير لفائدة، وهي التنبيه؛ لأنه إذا اختلف الأسلوب فلا بد أن يحدث للإنسان المخاطب انتباه، بخلاف ما إذا كان على وتيرة واحدة.
وقوله: وَإِنْ تُصِبْكُمْ سَيِّئَةٌهل يدخل في ذلك هزيمتهم في الجهاد؟
الطلبة: نعم.
الشيخ: نعم، يدخل، ويدل لهذا قوله تعالى: وَإِنَّ مِنْكُمْ لَمَنْ لَيُبَطِّئَنَّ فَإِنْ أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَالَ قَدْ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيَّ إِذْ لَمْ أَكُنْ مَعَهُمْ شَهِيدًا (٧٢) وَلَئِنْ أَصَابَكُمْ فَضْلٌ مِنَ اللَّهِ لَيَقُولَنَّ كَأَنْ لَمْ تَكُنْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُ مَوَدَّةٌ يَا لَيْتَنِي كُنْتُ مَعَهُمْ فَأَفُوزَ فَوْزًا عَظِيمًا [النساء: ٧٢، ٧٣].
وقوله: وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لَا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا إِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌإن تصبروا على ما ينالكم منهم وتتقوا فيما تعاملونهم به؛ لأن الإنسان مطلوب بالنسبة لهؤلاء الكفار، مطلوب بأمرين؛ الأول: الصبر على ما فعلوا، والثاني: أن يتقي الله فيما يفعل بهم.
إِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لَا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًاكَيْدُهُمْالكيد هو المكر، والمكر هو التوصل بالأسباب الخفية إلى الإيقاع بالخصم. فخرج بقولنا: التوصل بالأسباب الخفية ما إذا توصل بأمر معلوم للإيقاع بخصمه، فإن هذا لا يُسمَّى مكرًا؛ مثل أن يأتيه على وجه صريح فيقتله، لكن إذا أتاه على وجه خفي فقتله نقول: هذا مكرٌ وكيدٌ.
وقوله: لَا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًاشَيْئًانكرة في سياق النفي، فتشمل أي شيء يكون، فالكفار إذا عاملناهم بالصبر والتقوى فلن يضرونا شيئًا.
إِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ.
طالب: نرى في المؤمنين أن منهم رعاع وغثاء، هل جميع أهل الكتاب الذين يحذرنا الله سبحانه وتعالى منهم على هذه الدرجة، وأن من المؤمنين منهم يبحثون عن ملذاتهم وشهواتهم فقط، ولا يدافعون عن دين الله ولا ينصرون..
الشيخ: هذه على كل حال تأتي بالفوائد.
طالب: أحسن الله إليك يا شيخ كيف يكون الكفار يأخذون بطانة منهم وهم كفار؟ يعني أي بطانة فهي كافرة.
الشيخ: كيف؟
طالب: يعني كل ملتهم واحدة.
الشيخ: إي نعم.
الطالب: فقلنا إن المفروض لو كانت خائنة الفرقة الثانية فينبغي لا يأخذوها بطانة، الكفار ملة واحدة، كيف؟
الشيخ: إي، لكنهم قد يخون بعضهم بعضًا لمصالحهم الدنيوية؛ وَقَالَتِ الْيَهُودُ لَيْسَتِ النَّصَارَى عَلَى شَيْءٍ وَقَالَتِ النَّصَارَى لَيْسَتِ الْيَهُودُ عَلَى شَيْءٍ [البقرة: ١١٣].
طالب: أحسن الله إليك، إذا الإنسان، إذا الرجل عض على الأنامل من الغيظ هل يعتبر من التشبه؟
الشيخ: لا لا، ما هو من التشبه؛ لأن هذا شيء طبيعي.
الطالب: ذكره من صفات المنافقين.
الشيخ: لا، ذكره لأنهم يعضون أناملهم عليهم، كونه على المؤمن هذا نعم تشبُّه.
الطالب: لكن الفعل ما هو تشبه.
الشيخ: لا لا، فعل مجرد ما هو.
طالب: كيف يُفرق بين (آلَى) التي بمعنى اليمين والتي بمعنى التقصير؟
الشيخ: اللي بمعنى التقصير (أَلَا) ما هي (آلَى)، اللي بمعنى يمين (آلَى).
طالب: وفي الجمع؟
الشيخ: الجمع؟ قل: المصدر، (أَلَا إِلًا) التي بمعنى التقصير، و(آلَى) مصدرها إيلاء.
طالب: شيخ، أحسن الله إليك، ذكرنا أن هذا يحتمل أن يكون اليهود أو النصارى أو المنافقون، أحسن الله إليك، هؤلاء ما يجوز أن نحبهم على كل حال سواء أحبونا أم أبغضونا..
الشيخ: نعم، هذه تأتي في الفوائد.
طالب: شيخ، أحسن الله إليك، قال: وَتُؤْمِنُونَ بِالْكِتَابِ كُلِّهِ [آل عمران: ١١٩] ولم يقل: ولا يؤمنون بالكتاب كله، مع أنه قال: تُحِبُّونَهُمْ وَلَا يُحِبُّونَكُمْ [آل عمران: ١١٩] ؟
الشيخ: إي، لأنهم ربما يؤمنون ببعض كتابهم.
الطالب: طيب الإيمان –شيخنا- ما يتجزأ؛ لأن الذي آمن ببعض الكتاب لا يوصف بالإيمان.
الشيخ: لا، قصدي ببعض الكتب، يعني الكتاب اسم جنس.
الطالب: حتى ولو أمن به.
الشيخ: وحتى أيضا المنافقون يؤمنون بالكتاب إذا كان في مصلحتهم.
الطالب: بس ما يسمى إيمان حقيقة.
الشيخ: نعم، لكن يقال إنه مؤمن به؛ وَإِنْ يَكُنْ لَهُمُ الْحَقُّ يَأْتُوا إِلَيْهِ مُذْعِنِينَ [النور: ٤٩].
الطالب: أحسن الله إليك، لو آمن بالتوراة (...) آمن بالقرآن وكذب بالتوراة..؟
الشيخ: هو الحقيقة أن من كفر بمحمد صلى الله عليه وسلم بعد بعثته فهو كافر حتى بالتوراة، هذا هو الحقيقة، حتى بالإنجيل.
طالب: أقول يا شيخ: (...) هَا أَنْتُمْ أُولَاءِ تُحِبُّونَهُمْفمثلا الآن المنافقين في هذا العصر كأن الله عز وجل يشير بهذه الآية يعني نبتعد عن هذا الـ..
الشيخ: هذا يأتينا في الفوائد إن شاء الله (...).
طالب: (...).
الشيخ: هم متلازمات، لكن هل المراد: إن كنتم تعقلون هذه الآيات التي بيناها، أو: إن كنتم تعقلون فلا تتخذوهم بطانة، فيكون من أسباب انتفاء العقل اتخاذهم بطانة رأسًا ما هو باللازم، وفرق بين دلالة اللازم ودلالة التضمن.

***

طالب: إِذْ هَمَّتْ طَائِفَتَانِ مِنْكُمْ أَنْ تَفْشَلَا وَاللَّهُ وَلِيُّهُمَا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ (١٢٢) وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ فَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ [آل عمران: ١٢٢، ١٢٣].

الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم
قال الله تعالى: إِنْ تَمْسَسْكُمْ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِنْ تُصِبْكُمْ سَيِّئَةٌ يَفْرَحُوا بِهَا وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لَا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا إِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ
هذه الآية تكلمنا على أولها وقلنا: إن هؤلاء الذين من دون المؤمنين والذين اتخذوهم بطانة إذا مسَّت المسلمين حسنة أساءتهم، والمراد بالحسنة هنا حسنة الدنيا من الرزق والعافية والغنائم وغيرها، وكذلك النصر على الأعداء، وإذا أصابهم سيئة -أي: ما يسوءُهم من خذلان أو فقد مال أو جوائح أو غير ذلك- فإنهم يُسَرون بها.
يقول الله عز وجل: وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لَا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًاتصبروا على ما ينالكم منهم، ومعلوم أن الصابر ينتظر الفرج لأنه سيصبر على ما ناله من الأذى في هذا الوقت المعين، ولكنه ينتظر الفرج.
وَتَتَّقُوابأن تلتزموا تقوى الله عز وجل في معاملة هؤلاء وفي غيرها.
لَا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًايعني: وإن آذوكم فإنه لا يضركم. والكيد سبق لنا أنه التوصل إلى الإيقاع بالخصم بالأسباب الخفية، وهو بمعنى المكر وبمعنى الخداع، وهو ثابت لله عز وجل، يعني أن الله يوصف بالمكر والخداع والكيد في مواطنها، بخلاف الخيانة فإن الله لا يوصف بها لأنها صفة ذم بكل حال.
يقول: لَا يَضُرُّكُمْ، وفي قوله: لَا يَضُرُّكُمْقراءتان؛ إحداهما: لَا يَضُرُّكُمْ، والثانية: {لَا يَضِرْكُمْ}؛ من الضَيْر، والضَيْر بمعنى الضرر وبمعنى الضيم، فهو ضرر بضيم، ومنه ما جاء في حديث رؤية الله سبحانه وتعالى «إِنَّكُمْ سَتَرَوْنَ رَبَّكُمْ كَمَا تَرَوْنَ الْقَمَرَ لَيْلَةَ الْبَدْرِ لَا تَضَارُّونَ» و«لَا تُضَارُونَ» أي: لا يلحقكم ضير. هنا يقول: لَا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ، وقراءة: {لَا يَضِرْكُمْ}، فتكون القراءتان كل واحدة منهما أفادت معنى غير الأخرى؛ لأن مطلق الضرر دون مطلق الضير، فالضير أشد، فهم لا يلحقوننا بضرر ولا بضير.
وقوله: شَيْئًانكرة في سياق النفي فتكون عامة؛ يعني: أي شيء يكون، ولكن هل يلحقهم من ذلك أذى؟
الجواب نعم؛ لقوله تعالى: لَتُبْلَوُنَّ فِي أَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا أَذًى كَثِيرًا [آل عمران: ١٨٦] ولكن لا يلزم من الأذى الضرر، ولهذا قال الله في الحديث القدسي: « يَا عِبَادِي، إِنَّكُمْ لَنْ تَبْلُغُوا ضَرِّي فَتَضُرُّونِي » ، وأثبت أن بني آدم يؤذونه فقال: «يُؤْذِينِي ابْنُ آدَمَ؛ يَسُبُّ الدَّهْرَ» ، وقال: إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ [الأحزاب: ٥٧].
إِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌالإحاطة هنا إحاطة العلم والقدرة والسلطان، فهو محيط بهم كإحاطة السور بمن في داخله؛ أي: لا يتمكن أن يفروا من قضاء الله عز وجل وعلمه وسلطانه وقدرته.
وقوله: بِمَا يَعْمَلُونَ(ما) هذه موصولة فتفيد العموم، ومر علينا في النحو أنه لا بد لكل اسم موصول من عائد يعود عليه حتى يتبين أن الجملة التي بعده صلة له؛ لأنه لا يمكن أن نعرف أن الجملة لها صلة بما قبلها إلا برابط أو عائد، في باب المبتدأ يسمونه رابطًا، وفي باب الموصول يسمونه عائدًا، فأين العائد في قوله: بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ؟
الطلبة: محذوف.
الشيخ: العائد محذوف؛ أي: بما يعملونه محيط.

***

ثم قال الله تعالى: وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ [آل عمران: ١٢١] من هنا إلى قريب آخر السورة كله في غزوة أُحُد وما يتعلق بها؛ فقوله: وَإِذْ غَدَوْتَإِذْهذه ظرف، وعاملها محذوف تقديره: اذكر إذ غدوت. وغَدَوْتَبمعنى خرجت غُدوةً؛ أي: في أول النهار كما كان الأمر كذلك؛ فإن النبي صلى الله عليه وسلم خرج إلى غزوة أُحُد في أول يوم السبت الموافق للحادي عشر من شوال سنة ثلاث من الهجرة، في هذا اليوم غدا النبي صلى الله عليه وسلم من أهله.
وقوله: مِنْ أَهْلِكَ(مِن) ابتدائية؛ يعني أن مبتدأ هذه الغدوة من أهله من المدينة، خرج النبي عليه الصلاة والسلام غاديًا إلى أُحُد بعد أن استشار الصحابة رضي الله عنهم هل يخرج أو لا.
وسبب هذه الغزوة أن قريشًا لما قُتِل من صناديدهم من قُتِل في بدر -وقد مر علينا في قراءة صلاة العصر أن الذين قُتِلوا منهم سبعون رجلًا من كبرائهم، وأُسِر منهم سبعون رجلًا- أرادوا أن يأخذوا بالثأر من النبي صلى الله عليه وسلم، فخرجوا إلى النبي عليه الصلاة والسلام يريدون قتاله، وكانوا ثلاثة آلاف معهم العدة الكثيرة، يريدون غزو النبي صلى الله عليه وسلم ليقضوا عليه، فعسكروا حول المدينة.
فلما بلغ ذلك النبي صلى الله عليه وسلم استشار الصحابة هل يخرجوا إليهم أو لا، أما شباب الصحابة الذين لم يحضروا بدرًا فأشاروا على النبي صلى الله عليه وسلم أن يخرج وقالوا: نخرج نقاتلهم، وأما بعض الصحابة فسكت، وأما المنافقون فقالوا: لا نخرج، لا نخرج إليهم، بل ندعهم، فإن بقوا بقوا على شر حال، وإن ملُّوا رجعوا إلى مكة، وإن دخلوا المدينة قاتلناهم؛ نقاتلهم نحن بالسيوف ويقاتلهم النساء والصبيان بالحجارة ومن على السطوح. هكذا قال المنافقون؛ لا نُصحًا لله ورسوله، ولكن جبنًا وخورًا وخداعًا وغشًا.
فدخل النبي عليه الصلاة والسلام بيته ولبس لأمة الحرب وتهيأ عليه الصلاة والسلام، فقال بعض الصحابة: لعلنا استكرهنا رسول الله صلى الله عليه وسلم على الخروج، يعني ندموا قالوا: ليتنا لم نتكلم بهذا. فلما خرج وقد لبس لأمة الحرب -يعني ما يوضع على الرأس- وتهيأ قالوا: يا رسول الله، إن شئت أن لا نخرج فعلنا. فقال: «مَا كَانَ يَنْبَغِي لِنَبِيٍّ لَبِسَ لَأْمَةَ الْحَرْبِ حَتَّى يَفْتَحَ اللَّهُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ عَدُوِّهِ» فمضى.
خرج من المدينة ومعه ألف مقاتل، ففي أثناء الطريق رجع عبد الله بن أُبيٍّ رأس المنافقين بنحو ثلث الجيش وقالوا: لَوْ نَعْلَمُ قِتَالًا لَاتَّبَعْنَاكُمْ، قال الله تعالى: هُمْ لِلْكُفْرِ يَوْمَئِذٍ أَقْرَبُ مِنْهُمْ لِلْإِيمَانِ [آل عمران: ١٦٧]، فانخزلوا، ولكن الصحابة رضي الله عنهم لثباتهم وإيمانهم لم يضرهم ذلك شيئًا، استمروا حتى نزلوا أُحُدًا، ولما نزلوا عبّأهم النبي عليه الصلاة والسلام أحسن تعبئة ورتبهم، واختار منهم خمسين رجلًا من الرماة وأمَّر عليهم عبد الله بن جبير وقال لهم: «لَا تَبْرَحُوا مَكَانَكُمْ». جعلهم في سفح الجبل على شعبة منه، قال: «لَا تَبْرَحُوا مَكَانَكُمْ سَوَاءٌ كَانَتْ لَنَا أَمْ عَلَيْنَا» . فبقوا يحمون ظهور المسلمين.
فحصل القتال في أول النهار وكانت الدائرة على المشركين، فولوا الأدبار، فجعل المسلمون يجمعون الغنائم، فلما رأى أهل الجبل حال المسلمين وأن المشركين قد ولوا الأدبار وصار المسلمون يجمعون الغنائم قالوا: ننزل لنساعد إخواننا في جمع الغنائم، انتهى الحرب، فذكَّرهم أميرهم قول النبي صلى الله عليه وسلم: «لَا تَبْرَحُوا مَكَانَكُمْ سَوَاءٌ كَانَتْ لَنَا أَمْ عَلَيْنَا» ، ولكنهم أصروا إلا أن ينزلوا، فنزلوا، فلما رأى فرسان قريش أن الثغر خالٍ وليس هناك أحد يحمي المسلمين من ورائهم كرُّوا عليهم بخيولهم من خلفهم ودخلوا، وكان على رأسهم قائدان عظيمان وهما: خالد بن الوليد، وعكرمة بن أبي جهل -رضي الله عنهم- قبل إسلامهم، فاختلط الناس بالمسلمين من ورائهم، وحصل ما قضى الله وأراد سبحانه وتعالى لحكمة عظيمة، وقُتِل من المسلمين سبعون رجلًا، وجُرِح النبي عليه الصلاة والسلام وكُسِرت رباعيته وشُجَّ وجهه، وحتى كانت ابنته فاطمة تأتي بالحصير تحرقه وتذُرُّ رماده على جرح النبي صلى الله عليه وسلم، ولكن الدم يندفع.
المهم أنه حصل من الابتلاء والامتحان ما الله سبحانه وتعالى قد قضاه وقدره لحكمة عظيمة، حتى يعلم الناس أن الله تعالى له الحكم وإليه المنتهى، وحتى يعلم الناس أنه لا نصر مع المعاصي أبدًا، هم عصوا النبي عليه الصلاة والسلام شرعًا، وفرَّطوا فيما يلزمهم قَدَرًا، عصوا الرسول شرعًا وفرَّطوا فيما يلزمهم قَدَرًا، كيف ذلك؟ عصوا النبي عليه الصلاة والسلام لأنه قال لهم: «لَا تَبْرَحُوا مَكَانَكُمْ»، وتركوا ما يلزمهم قَدَرًا وهو حماية المسلمين من خلفهم؛ لأن هذا من الأسباب النافعة.
وترك الأسباب النافعة سفه في العقل ونقص في الدين؛ لأن الله سبحانه وتعالى أمر بأن نأخذ بالأسباب، أعظمها التوكل على الله، لكن لا بد أن نفعل الأسباب الحسية المادية، فهم -رضي الله عنهم وعفا عنهم- حصل منهم ما حصل فصارت النكبة العظيمة، الشهداء رضي الله عنهم حملهم أهلوهم إلى المدينة ليدفنوهم في البقيع، ولكن النبي صلى الله عليه وسلم أمر أن يُرَدُّوا إلى مصارعهم يُدفنوا هناك في أُحُد، ففعلوا.
والحكمة من ذلك -والله أعلم- أن المقتول في سبيل الله يُبعث يوم القيامة وجرحه يثعب دمًا، اللون لون الدم والريح ريح المسك، ولا يُغَسَّل لئلا يزول هذا الدم من على جسدهم، ولا يكفَّن، وإنما يُدفن في ثيابه التي قُتِل فيها، كل هذا من أجل أن يتحقق خروجه يوم القيامة من المكان الذي صُرِع فيه وعلى الهيئة التي كان صُرِع عليها، المهم أن الله تعالى يذكِّر نبيه صلى الله عليه وسلم هذه الغزوة العظيمة التي فيها من الأسرار والحِكَم ما يتبين به أن ذلك هو عين الصواب وعين الخيرة للمؤمنين.
وقد ذكر الحافظ ابن القيم رحمه الله في كتابه زاد المعاد من الحِكَم في هذه الغزوة ما لا تجده في أي كتاب آخر، فعليك بمراجعته فإنه مفيد.
يقول: إِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ تُبَوِّئُ الْمُؤْمِنِينَ مَقَاعِدَ لِلْقِتَالِتُبَوِّئُالجملة هذه حالية؛ يعني: حال كونك تبوِّئ. ومعنى (تبوِّئ) أي: تُنْزِل، والتبوُّء معناه النزول؛ كما جاء في الحديث الصحيح: «مَنْ كَذَبَ عَلَيَّ مُتَعَمِّدًا فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ» أي: فليُنْزِل نفسَه في مقعد من النار، وقال تعالى: وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ [الحشر: ٩] أي: نزلوها.
قال: تُبَوِّئُ الْمُؤْمِنِينَ مَقَاعِدَ لِلْقِتَالِالْمُؤْمِنِينَمَن المؤمن؟
المؤمن هو المقر بما يجب الإيمان به مع القبول والإذعان، وبهذا شهادة من الله عز وجل أيما شهادة على أن هؤلاء الذين شهدوا هذه المعركة أيش؟ مؤمنون.
مَقَاعِدَ لِلْقِتَالِالله أكبر! مَقَاعِدَ لِلْقِتَالِ، ويثبتون ويقعدون كثبوت القاعد، ولهذا قال: مَقَاعِدَولم يقل: منازل، لماذا؟ من أجل أن تكون هذه الأماكن التي بُوِّئوها مكان ثبات كثبات القاعد في مجلسه، وليس المعنى أن الرسول صلى الله عليه وسلم جعل لهم هذه المنازل وقال: اجلسوا، لا، هم يتكيفون كما يناسب مصلحة الحرب، لكنها سُمِّيت مقاعد من أجل الثبات فيها.
لِلْقِتَالِيعني لقتال الأعداء، وتعلمون أن المقاتل لن يبقى في مكانه دائما بل هو يكر ويفر حسبما تقتضيه المصلحة.
وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌسميع عليم أي: سميع لما تقول لهم، عليم بأحوالكم.
وقد نقول: إن كلمة سَمِيعٌأعم من كونها لما يقول لهم حين ترتيبهم وتبويئهم فتكون أشمل، وهذا هو الأحسن؛ لأنه كلما كان اللفظ شاملًا كان أحسن وأعم.
عَلِيمٌأي: عليم بما يحدث من قول وفعل وحال وحاضر ومستقبل.
ثم قال عز وجل: إِذْ هَمَّتْ طَائِفَتَانِ مِنْكُمْ أَنْ تَفْشَلَا وَاللَّهُ وَلِيُّهُمَاإِذْهذه قال المفسرون أو المعربون: إنها بدل من (إذ) الأولى، يعني يكون التقدير على هذا: اذكر إذ همت طائفتان منكم أن تفشلا.
هَمَّتْالهم يُطلق على مجرد حديث النفس، ويُطلق الهم على العزم؛ يعني أن الإنسان قد يهم؛ يحدث نفسه هل يفعل أو لا يفعل، يقال: هذا همٌّ، ويطلق على العزم المصمم الذي ينفذ إن لم يوجد مانع.
وهنا الطائفتان -وهما بنو سلمة وبنو حارثة- هموا أن يفشلوا، والفشل هنا بمعنى الجبن والخوف؛ يعني أن هاتين الطائفتين وقع في قلوبهما الهم بالانهزام، وسببه ما جرى من المنافق عبد الله بن أُبَيٍّ الذي انخزل وانخذل بنحو ثلث الجيش، وتعرفون أنه إذا انخزل أو انخذل ثلث الجيش فإن هذه ثلمة كبيرة في الجيش، فهاتان القبيلتان همَّتا أن تفشلا، أن تجبنا وترجعا، ولكن الله تعالى ثبتهما، ولهذا قال: وَاللَّهُ وَلِيُّهُمَافثبتهما سبحانه وتعالى فلم يفعلا ما عزما عليه.
وقوله: وَاللَّهُ وَلِيُّهُمَاهذه ولاية خاصة، وولاية الله سبحانه وتعالى تنقسم إلى عامة وخاصة، فالولاية التي بمعنى التدبير -تدبير الشؤون- هذه ولاية عامة، والتي بمعنى العناية –يعني: التي تقتضي العناية- هذه ولاية خاصة، هذه الولاية لا شك أنها خاصة؛ لأن الإنسان إذا همَّ بمعصية أو بالذنب ثم حصل له من عند الله ما يمنعه منه فهذه ولاية خاصة لا شك، كثيرًا ما يهم الإنسان بالذنب أو بترك الواجب -يعني بالذنب من فعل معصية أو ترك واجب- فيجد في قلبه إذا همَّ بالفعل المحرم يجد في قلبه انحلالًا عن هذه الهمَّة وعدولًا عنها، هذه ولاية من الله، أو أحيانًا يهم بترك الواجب فيقيض الله له من يعينه عليه حتى يفعل، هذا أيضا ولاية خاصة، فهاتان القبيلتان لما همَّتا تولَّاهما الله عز وجل بعنايته فلم تفشلا وبقيتا مع الجيش، وكان بعض هاتين الطائفتين يقول فرحًا: لقد كان -يعني من حظهم- أن الله سبحانه وتعالى أخبر عنهم بهذا الخبر؛ لأنه أخبر بأنهما همَّتا أن تفشلا، وأخبر بخبر آخر سارٍّ ومنقبة لهما وهو أن الله وليهما، فكان هذا بهذا.
وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَعَلَى اللَّهِمتعلقة بـيَتَوَكَّلِ، وقدمت لإفادة الحصر؛ يعني: على الله لا على غيره فليتوكل.
والتوكل قال أهل العلم: هو صدق الاعتماد على الله في جلب المنافع ودفع المضار مع الثقة به وفعل السبب الذي أمر به. هذا التعريف طويل لكنه جامع؛ صِدق الاعتماد على الله في جلب المنافع ودفع المضار مع الثقة به وفعل الأسباب التي أمر بها. أُعيدها ثالثة: صِدق الاعتماد على الله في جلب المنافع ودفع المضار مع الثقة به وفعل الأسباب التي أمر بها.
أَعِدْها علينا.
طالب: هو صدق الاعتماد على الله في دفع المضار وجلب المنافع مع الاعتماد.
الشيخ: مع الثقة به.
الطالب: مع الثقة به.
الشيخ: وفعل الأسباب التي أمر بها.
الشيخ: طيب، إذن لا يكفي أن تَصْدُق الاعتماد على الله حتى يكون في قلبك ثقة بأن الله سيعينك ويكفيك، كما قال الله تعالى: وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ [الطلاق: ٣]، ولا يكفي أيضًا أن تعتمد على الله وتثق به حتى تفعل الأسباب التي أمر بها؛ لأنك إن لم تفعل الأسباب التي أمر بها كنت متواكلًا لا متوكلًا.
ويُذكر أن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه قيل له: إن قومًا من أهل اليمن جاؤوا حُجَّاجًا وليس معهم زاد فقالوا: نحن المتوكلون. فقال: إنهم ليسوا بمتوكلين، ولكنهم متواكلون . بمعنى أنهم مفرِّطون مهملون، فلو أن أحدًا قال: أنا سأعتمد على الله تعالى في جلب الرزق في أن الله سيرزقني، وهو قادر على فعل الأسباب ولكن لم يفعل، قلنا: أنت مهمل متواكل، افعل السبب؛ هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولًا فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ [الملك: ١٥].
قد يقول: ربما يموت قريب لي فأرثه فهذا من رزق الله. نقول: وإذا ما مات، وإذا لم يمت، تقتله؟ حتى لو قتله ليأخذ ماله حُرِم من الميراث لأن القاتل عمدًا لا يرث، فالحاصل أنه لا بد لصحة التوكل من فعل الأسباب التي أمر الله بها، أما الأسباب التي لم يأمر الله بها فإنه لا يجوز للإنسان أن يتعاطاها.
وقوله: فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَأمر المؤمنين أن يتوكلوا على الله؛ لأنه لا يمكن أن يحقق التوكل إلا المؤمن، فالتوكل من مقتضيات الإيمان، والإيمان الحقيقي من أسباب التوكل على الله.
نرجع الآن لنأخذ الفوائد حتى لا نذهب بعيدًا، آخر فائدة كتبناها؟
طلبة: (...).
الشيخ: نعم، قال الله تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِنْ دُونِكُمْ لَا يَأْلُونَكُمْ خَبَالًاإلى أخره.
في هذه الآية الكريمة: تحريم اتخاذ البطانة التي ليست منا؛ لقوله: لَا تَتَّخِذُوا، والأصل في النهي التحريم.
ومن فوائدها: أن هذا التحذير ليس خاصًّا بولاة الأمور، بل كل إنسان لا يجوز له أن يتخذ بطانة من دونه، حتى الواحد الفرد منا لا يجوز أن يتخذ بطانة من دونه، بمعنى أنها ليست على طريقه ولا على منهاجه، فلو أن رجلًا مسلمًا صادَقَ كافرًا واتخذه بطانة يُسِرُّ إليه بالأمور لقلنا: إن هذا حرام عليه، ويؤيد ذلك قوله تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ وَقَدْ كَفَرُوا بِمَا جَاءَكُمْ مِنَ الْحَقِّ يُخْرِجُونَ الرَّسُولَ وَإِيَّاكُمْإلى قوله: تُسِرُّونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ وَأَنَا أَعْلَمُ بِمَا أَخْفَيْتُمْ وَمَا أَعْلَنْتُمْ [الممتحنة: ١].
من فوائدها: أن تجنب البطانة السيئة من مقتضيات الإيمان؛ لأن الخطاب وُجِّه إلى من؟
الطلبة: إلى المؤمنين.
الشيخ: إلى المؤمنين.
ومن فوائدها: أن اتخاذ البطانة؛ بطانة السوء، من نواقص الإيمان، صح؟ بناء على القاعدة التي أصلناها فيما سبق: أن ما كان الإيمان مقتضيًا له فإن فواته يكون نقصًا في الإيمان.
وهل يكون من نواقض الإيمان؛ من نواقض، ما هو نواقص؟
الطلبة: قد يكون.
الشيخ: قد يكون، ربما يكون من نواقض الإيمان، لو اتخذ هذه البطانة فيما يخرج من الإسلام لكان ذلك من نواقض الإيمان.
من فوائد هذه الآية: أن الذين من دوننا لا يألوننا خبالًا، وهذا بناء على أن الجملة أيش؟ استئنافية للتعليل، وقد ذكرت لكم في التفسير أن من العلماء من قال: إنها صفة لما قبلها، وإن الذين من دوننا إذا كانوا لا يألوننا خبالًا فلا بأس أن نتخذهم بطانة، ولكن الظاهر الأول؛ أن الجملة استئنافية للتعليل؛ يعني أن الذين من دوننا لا يألوننا خبالًا.
ولنضرب لذلك مثلًا بالمؤمنين يتخذون بطانة من الكافرين، فإن الكفار لا شك أنهم لا يقصرون في طلب الخبال لنا، طيب: يُذكر أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أرسل إليه أبو موسى يريد منه أن يولي كاتبًا نصرانيًّا على بيت المال؛ لأنه -أي: هذا الكاتب النصراني- كان جيدًا في الحساب، فكتب إليه عمر أن لا تفعل، وأمره بعزله، فأعاد عليه مرة ثانية يطلب منه أن يبقيه كاتبًا، فكتب إليه عمر: مات النصراني، والسلام . المعنى؟
الطلبة: (...).
الشيخ: يعني إذا مات هل معناه يتعطل بيت المال أو حساب بيت المال؟ قَدِّرْ أنه مات، أمَّا أن نأتمنه على بيت مال المسلمين وقد خان الله ورسوله فلا يمكن.
وبه نعرف أنه لا يجوز أن يولَّى أعداؤنا من الكفار أو غير الكفار أسرار أمورنا؛ لأننا إذا ولَّيناهم أسرار أمورنا فقد أخذناهم بطانة.
ومن فوائد هذه الآية: بيان عناية الله سبحانه وتعالى بعباده المؤمنين؛ حيث حذرهم إلى أمور قد تخفى عليهم، وذلك باتخاذ البطانات السيئة.
ومن فوائد هذه الآية: أن أعداءنا يودُّون لنا ما يشق علينا؛ لقوله: وَدُّوا مَا عَنِتُّمْ.
وهنا سؤال: هل يودُّون ما شق علينا في الدنيا أو في الدين؟
الطلبة: يشمل الأمرين.
الشيخ: يشمل الأمرين؛ فيودون ما يدمر جيوشنا، يودون ما يدمر اقتصادنا، يودون ما يدمر معارفنا، يودون ما يدمر ديننا، والظاهر عندي -والله أعلم- أن أهم شيء لديهم هو تدمير الدين؛ لأنهم يعلمون أن ديننا إذا قوِيَ صار فيه تدمير لهم، لكن اقتصادنا إذا قوِيَ لا يكون فيه تدمير لهم؛ لأنهم هم أقوى منا اقتصادًا وأقوى منا جيوشًا وأقوى منا عُدَّةً، لكن الدين هو الذي يدمرهم، ولذلك نقول: إن كل ما يشق علينا في أمر الدين والدنيا يتطلبونه، يريدون أن يضايقونا في الدين بقدر ما يستطيعون، يودون أن يضايقونا في الاقتصاد بقدر ما يستطيعون، يودون أن يضايقونا في السلاح بقدر ما يستطيعون، يرسلون لنا من الأسلحة ما عفا عليه الأثر من الأسلحة التي زالت منفعتها في الوقت الحاضر، وصارت بالنسبة لأسلحة الوقت الحاضر كالسكين بالنسبة للأسلحة أو الهراوة، يعني ليس فيها فائدة، لكن هم لا يهمهم، هم يريدون أن يكملوا اقتصادهم وأن يشغلوا مصانعهم، ولا يهمهم أن ننتفع أو ننضَرَّ.
ومن فوائد هذه الآية: أن أعداءنا إذا تأمل الإنسان أحوالهم وجد من أفواههم ريح البغضاء؛ لقوله: قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْبما يتكلمون به، وربما تبدو البغضاء من أفعالهم أحيانًا بالمضايقة، فهم أحيانًا يُبدونها من أفواههم، وأحيانًا من أفعالهم بالتهديد ونحو ذلك، بالتهديد الفعلي لا القولي.
ومن فوائدها؛ من فوائد هذه الآية الكريمة: أن ما في قلوب الأعداء من العداوة والبغضاء والحقد والحنق أكثر مما يبدو، وهذا أمر لا يطلع عليه إلا الله سبحانه وتعالى، وهو الذي أخبرنا بذلك: وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُأكبر مما تبديه أفواههم.
ومن فوائد هذه الآية الكريمة: بيان أن الأوصاف الذاتية أو الفعلية تتفاضل؛ لقوله: أَكْبَرُوهو قد تكلم عن البغضاء، والبغضاء وصفٌ في القلب ذاتي لا يمكن للإنسان أن يعرفه إلا بآثاره، فهنا بيَّن أن البغضاء متفاوتة، وكذلك المحبة متفاوتة، ولا شك في المحبة، كلٌ لا يشك فيها؛ لأنها جاءت في القرآن وفي السنة: قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْإلى قوله: أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ [التوبة: ٢٤]، وقال النبي عليه الصلاة والسلام: «لَا يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ حَتَّى أَكُونَ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِنْ وَلَدِهِ وَوَالِدِهِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ» .
لكن البغضاء أيضًا تتفاوت؟ نقول: نعم، حتى البغضاء تتفاوت، بعضها أعظم من بعض.
من فوائد هذه الآية: منة الله سبحانه وتعالى علينا ببيان آياته؛ لقوله: قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الْآيَاتِ، والآيات التي بيَّنها الله قسمان: آيات كونية، وآيات شرعية، وبيانه لها إما بالمشاهدات الحسية وإما بالتأملات العقلية؛ فالآيات الشرعية تكون بالتأملات العقلية، والآيات الكونية بالمشاهدات الحسية التي قد تكون طريقًا إلى التأملات العقلية أيضًا.
ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أنه كلما كان الإنسان أشد عقلًا أو أقوى عقلًا كان أفهم لآيات الله، تؤخذ؟
طالب: من قوله تعالى: إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ.
الشيخ: قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الْآيَاتِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ، إذن كلما كان الإنسان أعقل كانت الآيات له أبين وأظهر.
ثم قال الله تعالى: هَا أَنْتُمْ، عندكم أسئلة؟ طيب.
طالب: الشخص المريض يا شيخ الأفضل أن يبحث عن العلاج ولّا يتوكل على الله ويدعو الله أن يشفيه؟
الشيخ: هذا فيه خلاف بين العلماء؛ فمنهم من قال: إن ترك الدواء أفضل، ومنهم من قال: بل الدواء أفضل، ومنهم من قال: إذا غلب عليه النفع من الدواء فهو أفضل؛ لأن النبي عليه الصلاة والسلام أمر بالتداوي، وأمر الله بحفظ النفس، وهذا هو الأصح أنه إذا كان هذا الدواء معروفًا بأن فيه شفاء لهذا المرض فإن الأفضل تناوله؛ لأن هذا من نعمة الله، كما أن الطعام والشراب يتناوله الإنسان وجوبًا فكذلك هذا إذا غلب على ظنه النفع فالأفضل أن يتداوى.
الطالب: حديث المرأة التي كانت تتكشف وقال النبي صلى الله عليه وسلم: «إِنْ صَبَرْتِ فَلَكِ الْجَنَّةُ» ، فهم يفضلون أن لا يتعالج ويبقى على..
الشيخ: إي نعم، هذه قضية عين، ربما أن الرسول عليه الصلاة والسلام فهم أنها قد تتغير لو أنها شُفِيتْ بالمرة، ولهذا بعض الأحيان يكون المرض للإنسان أحسن من الناحية الدينية.
طالب: أحسن الله إليك، ذكرنا أنه لا يجوز أن نولي أعداء الله أسرارنا، لكن -أحسن الله إليك- يكون أحيانًا تكون البلاد في حاجة إلى ذلك، يعنى التكنولوجيا على سبيل المثال؟
الشيخ: لا لا، ما هي بأسرار الصناعة، الصناعة هم أعلم منا بها، يعني هم الذين يخفون عنا أسرارهم؛ لأنهم يطلعون على شيء لا نطلع عليه، لكن أسرارنا: ماذا نريد أن نفعل في ترتيب جيوشنا، في مصالح شعوبنا، في مصالحنا الذاتية، إذا كان هذا خاصًّا، أما مسألة الصناعة فهم في الوقت الحاضر، وربما يأتي اليوم الذي نكون نحن أحسن منهم، لكن في الوقت الحاضر هم الذين يخفون أسرارهم عنا.
طالب: كان عدد الكفار في غزوة أُحُد وبدر ثلاثة أضعاف عدد المسلمين، فما ساغ للنبي صلى الله عليه وسلم أن يستعين بأحد يا شيخ من أحد القبائل؟
الشيخ: الكفار يعني؟ والسؤال؟
طالب: أقول يعني لم يستعن النبي صلى الله عليه وسلم بأحد؟
الشيخ: إي نعم، ما اضطُرَّ إلى هذا، الرسول ما اضطُرَّ إلى هذا.
طالب: عددهم ثلاث مرات.
الشيخ: إي نعم، هو ربما، كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً [البقرة: ٢٤٩] لكن إذا كان ما فيه مناسبة إطلاقا، ما فيه مناسبة، ماذا يصنعون؟ إذا كان ما فيه مناسبة؛ يعني مثلًا أن نعلم علم اليقين أننا في مقابلتنا لهم أو في اعتدائهم علينا لا نستطيع المدافعة إطلاقًا، أما ثلاثة مع تسعة مثلًا فيه إمكان، فيه إمكان للغلبة.
طالب: شيخ، بالنسبة للمستشفيات مثلا يكون المدير نصراني (...) يعني..
الشيخ: كيف يعني؟
الطالب: (...) أسرار المسلمين؟
الشيخ: المستشفيات.
الطالب: يكون مدير المستشفى نصراني مثلًا.
الشيخ: والمستشفى إسلامي ولّا..؟
الطالب: يكون في بلد المسلمين.
الشيخ: في بلد المسلمين، لا، هذا ما يجوز، هذا ما يجوز أن يولَّى أسرار المسلمين، تتكشف النساء، ولا يؤمَن؛ لأن النصارى في بلاد أفريقيا يقولون لنا: إنهم يعطون المرضى دواء، والمريض يظن أنه شفاء، ولكنه دواء عقم. يعقمون النساء، قاتلهم الله، هكذا قيل لي، والله أعلم، لكن ما نأمن الكفار، كيف نأمنهم؟! ربما يعطوننا إبَرًا تقضي علينا على المدى البعيد. نعم.
طالب: (...) الأدوية العربية أم الأدوية يعنى (...)؟
الشيخ: والله إذا أمكن الأدوية الطبيعية أحسن، لأن غالب الأدوية الطبية يكون فيها مواد كيماوية قد تكون ضارة على الإنسان، ولهذا ربما يتناول الدواء هذا الرجل فيضره وذاك الرجل فينتفع به، حسب ما فيه من المواد.
طالب: (...) يعني ما كانت فيه مناسبة أن النبي صلى الله عليه وسلم يستعين بالمشركين، ويعني ثبت أنه رد المشرك حينما ذهب ليحارب معه، وأيضًا كانت الروم في أحد الغزوات تسعة أعشار المسلمين في الغزو وأيضًا ما استعان بالمشركين.
الشيخ: نعم، صحيح.
الطالب: كيف يكون يعني تسعة أعشار..
الشيخ: مثل أيش اللي تسعة أعشار؟
الطالب: الروم.
الشيخ: مثل أيش؟ في أي غزوة؟
الطالب: في غزوة عين جالوت تقريبا، غزوة الـ.. غزوة مؤتة يا شيخ.
الشيخ: أنا أفهم أن عين جالوت ما هي بعهد الرسول عليه الصلاة والسلام.
الطالب: مؤتة يا شيخ، مؤتة.
الشيخ: إي.
طالب: والقادسية أيضًا.
الشيخ: نعم، أولًا: هو نفسه ما غزا في مؤتة، أرسل جيشًا للروم وحصل أن الروم تجمعوا، ما ظن المسلمون أنهم بهذا التجمع، ولهذا حازهم خالد بن الوليد إلى الجبل ففتح الله عليه.
الطالب: ولذلك ما استعان (...).
الشيخ: يلَّا، توكلنا على الله.
طالب: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، قال ابن القيم رحمه الله تعالى في زاد المعاد:
فصل في غزوة بدر الكبرى
فلما كان في رمضان من هذه السنة بلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم خبر العير المقبلة من الشام لقريش صحبة أبي سفيان، وهي العير التي خرجوا في طلبها لما خرجت من مكة، وكانوا نحو أربعين رجلًا، وفيها أموال عظيمة لقريش، فندب رسول الله صلى الله عليه وسلم الناس للخروج إليها، وأمر من كان ظهره حاضرًا بالنهوض، ولم يحتفل لها احتفالًا بليغًا؛ لأنه خرج مسرعًا في ثلاث مئة وبضعة عشر رجلًا، ولم يكن معهم من الخيل إلا فَرَسانِ: فرس للزبير بن العوام، وفرس للمقداد بن الأسود الكندي، وكان معهم سبعون بعيرًا يعتقب الرجلان والثلاثة على البعير الواحد، فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم وعليٌّ ومرثد بن أبي مرثد الغنوي يعتقبون بعيرًا، وزيد بن حارثة وابنه وكبشة موالي رسول الله صلى الله عليه وسلم يعتقبون بعيرًا، وأبو بكر وعمر وعبد الرحمن بن عوف يعتقبون بعيرًا، واستخلف على المدينة وعلى الصلاة ابن أم مكتوم، فلما كان بالروحاء رد أبا لبابة بن عبد المنذر واستعمله على المدينة.

الشيخ: عندي (بالروحاء) الرَّوْحاء؛ بفتح الراء وسكون الواو: قرية على نحو أربعين ميلًا من المدينة، إي نعم.

***

الطالب: فلما كان بالروحاء رد أبا لبابة بن عبد المنذر واستعمله على المدينة، ودفع اللواء إلى مصعب بن عمير، والراية الواحدة إلى علي بن أبي طالب، والأخرى التي للأنصار إلى سعد بن معاذ، وجعل على الساقة قيس بن أبي صعصعة، وسار، فلما قرب من الصفراء بعث بسبس بن عمرو الجهني وعدي بن أبي الزغباء إلى بدر يتجسسان أخبار العير.
وأما أبو سفيان فإنه بلغه مخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم وقصده إياه، فاستأجر ضمضم بن عمرو الغفاري إلى مكة مستصرخًا لقريش بالنفير إلى عيرهم ليمنعوه من محمد وأصحابه، وبلغ الصريخ أهل مكة، فنهضوا مسرعين وأوعبوا في الخروج، فلم يتخلَّف من أشرافهم أحد سوى أبي لهب، فإنه عوَّض عنه رجلًا كان له عليه دَيْن، وحشدوا فيمن حولهم من قبائل العرب، فلم يتخلف عنهم أحد من بطون قريش إلا بني عدي فلم يخرج معهم منهم أحد، وخرجوا من ديارهم كما قال تعالى:
بَطَرًا وَرِئَاءَ النَّاسِ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ[الأنفال: ٤٧]، وأقبلوا كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «بِحَدِّهِمْ وَحَدِيدِهِم، تُحَادُّهُ وَتُحَادُّ رَسُولَه» ، وجاؤوا على حَرْدٍ قادرين، وعلى حميَّةٍ وغضبٍ وحَنَقٍ على رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابِه؛ لما يُريدون مِن أخذ عيرهم وقتل من فيها، وقد أصابوا بالأمس عمرو بن الحضرمي والعير التي كانت معه، فجمعهم الله على غير ميعاد كما قال الله تعالى: وَلَوْ تَوَاعَدْتُمْ لَاخْتَلَفْتُمْ فِي الْمِيعَادِ وَلَكِنْ لِيَقْضِيَ اللَّهُ أَمْرًا كَانَ مَفْعُولًا[الأنفال: ٤٢].
ولما بلغ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم خروجُ قريش استشار أصحابه، فتكلَّم المهاجِرون فأحسَنُوا، ثم استشارهم ثانيًا فتكلم المهاجرون فأحسنوا، ثم استشارهم ثالثًا، ففهمت الأنصار أنه يعنيهم، فبادر سعد بن معاذ فقال: يا رسول الله، كأنك تعرِّض بنا. وكان إنما يعنيهم لأنهم بايعوه على أن يمنعوه من الأحمر والأسود في ديارهم، فلما عزم على الخروج استشارهم ليعلم ما عندهم، فقال له سعد: لعلك تخشى أن تكون الأنصار ترى حقًّا عليها أن لا ينصروك إلا في ديارهم، وإني أقول عن الأنصار وأُجيب عنهم، فاظعن حيث شئت، وصِلْ حبل من شئت، واقطع حبل من شئت، وخُذ من أموالنا ما شئت، وأعطنا ما شئت، وما أخذتَ منَّا كان أحب إلينا مما تركتَ، وما أمرت فيه من أمرٍ فأمْرُنا تَبَعٌ لأمرك، فواللهِ لئن سِرْتَ حتى تبلغ البَرْكَ من غمدان، لنسيرنَّ معك، وواللهِ لئن استعرضتَ بنا هذا البحر خضناه معك.
فقال له المقداد: لا نقول لك كما قال قوم موسى لموسى: اذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلَا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ، ولكنا نقاتل عن يمينك وعن شمالك، ومن بين يديك ومن خلفك. فأشرق وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم .
الشيخ: أولًا: المهاجرون قالوا وأحسنوا مع أنهم سيقاتلون قومهم من قريش، ثم تكلم الأنصار، هذا الكلام العجيب الذي يدل على قوة الإيمان وعلى قوة امتثالهم لأمر النبي صلى الله عليه وسلم وحمايتهم له، وأنهم مهما فعل فهُمْ تبع له رضي الله عنهم، فهذا يا إخواني هو الذي يمثل الإسلام حقيقة والمسلمين حقيقة، إذا أمر الله ورسوله بأمر لم يكن لهم الخيرة من أمرهم، وهم تبع للرسول عليه الصلاة والسلام يفدونه بأنفسهم وأموالهم وأولادهم، وهكذا يجب علينا أن نفدي بقدر ما نستطيع كتاب ربنا وسنة نبينا صلى الله عليه وسلم؛ بأنفسنا وأموالنا وأولادنا؛ لأنها هي أغلى ما عندنا في الدنيا، لذلك أريد أن نأخذ من هذا عبرة وأن يكون لنا على بال حيث قالوا له هذا الكلام العظيم: لئن استعرضتَ بنا هذا البحر خضناه معك، مع أن خوض البحر هلاك، لكن هم سيتبعون النبي صلى الله عليه وسلم في كل شيء، رضي الله عنهم وأرضاهم، نعم.

***

الطالب: فأشرق وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم، وسُرَّ بما سمع من أصحابِه وقال: «سِيرُوا وأَبْشِروا؛ فَإِنَّ اللَّهَ قَدْ وَعَدَنِي إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ، وَإِنِّي قَدْ رَأَيْتُ مَصَارِعَ الْقَوْمِ» . فسار رسولُ الله صلى الله عليه وسلم إلى بدر، وخفض أبو سفيان فلحق..
الشيخ: «سِيرُواوأَبْشِرُوا» كأن النصر بيده عليه الصلاة والسلام، كأنه ممسكه؛ لأن الله تعالى هو الذي وعده: وَإِذْ يَعِدُكُمُ اللَّهُ إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ أَنَّهَا لَكُمْ [الأنفال: ٧] الطائفة الأولى: أبو سفيان والعير، والثانية: قريش، وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذَاتِ الشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ [الأنفال: ٧] وغير ذات الشوكة مَن؟ العير، وَيُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُحِقَّ الْحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ وَيَقْطَعَ دَابِرَ الْكَافِرِينَ [الأنفال: ٧] الحمد لله. نعم.
ثم يقول: « رَأَيْتُ مَصَارِعَ الْقَوْمِ» هذه أيضا بُشرى، أبشروا. أو « رَأَيْتُ مَصَارِعَ الْقَوْمِ» حقيقة؛ يعني علم اليقين وحق اليقين؛ لأن رؤيا النبي صلى الله عليه وسلم وحيٌ.

***

الطالب: فسار رسولُ الله صلى الله عليه وسلم إلى بدر، وخفض أبو سفيان فلحق بساحل البحر، ولما رأى أنه قد نجا وأحرز العير كتب إلى قريش أن ارجعوا؛ فإنكم إنما خرجتم لتُحرِزوا عِيركم. فأتاهم الخبر وهم بالجحفة، فهمُّوا بالرجوع، فقال أبو جهل: واللهِ لا نرجع حتى نقدم بدرًا فنقيم بها ونطعم مَن حضرنا مِن العرب وتخافنا العرب بعد ذلك، فأشار الأخنس بن شريق عليهم بالرجوع فعصوه، فرجع هو وبنو زُهرة، فلم يشهد بدرًا زُهري، فاغتبطت بنو زهرة بعدُ برأي الأخنس فلم يزل فيهم مطاعًا معظَّمًا، وأرادت بنو هاشم الرجوع، فاشتدَّ عليهم أبو جهل وقال: لا تفارقنا هذه العصابة حتى نرجع. فساروا، وسار رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى نزل عشيًّا أدنى ماءٍ من مياه بدر فقال: «أَشيرُوا عَلَىَّ في المَنْزِل». فقال الحباب بن المنذر: يا رسول الله؛ أنا عالم بها وبقُلُبها، إن رأيتَ أن نسيرَ إلى قُلُبٍ قد عرفناها، فهي كثيرة الماء، عذبة، فننزل عليها ونسبق القوم إليها ونُغوِّر ما سواها من المياه .
وسار المشركون سِراعًا يريدون الماء، وبعث عليًّا وسعدًا والزبير إلى بدر يلتمسون الخبر، فقدموا بعبدين لقريش ورسولُ الله صلى الله عليه وسلم قائم يُصلِّى، فسألهما أصحابُه: مَن أنتما؟ قالا: نحن سُقاةٌ لقريش. فكره ذلك أصحابه وودُّوا لو كانا لعير أبي سفيان، فلما سلَّم رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لهما: «أَخْبِرَانِي أَيْنَ قُرَيْشٌ؟». قالا: وراء هذا الكثيب. فقال: «كَمِ الْقَوْمُ؟». فقالا: لا علم لنا. فقال: «كَمْ يَنْحَرُونَ كُلَّ يَوْمٍ؟». قالا: يومًا عشرًا، ويومًا تسعًا. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «الْقَوْمُ مَا بَيْنَ تِسْعِ مِئَةٍ إِلَى الْأَلْفِ» . فأنزل الله عز وجل في تلك الليلة مطرًا واحدًا، فكان على المشركين وابلًا شديدًا منعهم من التقدم، وكان على المسلمين طَلًّا طهَّرهم به وأذهب عنهم رجس الشيطان، ووطَّأ به الأرضَ، وصلَّب به الرملَ، وثبَّتَ به الأقدام، ومهَّد به المنزل، وربط به على قلوبهم، فسبق رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه إلى الماء، فنزلوا عليه شطرَ الليل وصنعوا الحياض، ثم غوَّروا ما عداها من المياه، ونزل رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه على الحياض، وبُني لرسول الله صلى الله عليه وسلم عريش يكون فيها على تلٍّ يشرف على المعركة، ومشى في موضع المعركة، وجعل يشير بيده: «هَذَا مَصْرَعُ فُلَانٍ، وَهَذَا مَصْرَعُ فُلَانٍ، وَهَذَا مَصْرَعُ فُلَانٍ إن شاء الله» .