تفسير سورة آل عمران - 39
عدد الزيارات 3830

عناصر المادة :
تفسير الآيات (123-128)

وثانيًا: أن مسألة كتابة القرآن بمقتضى القواعد المعاصرة والخروج عن خط عثمان رضي الله عنه فيه للعلماء ثلاثة أقوال:
القول الأول: أنه ممنوع أن يكتب شيء من القرآن بغير الرسم العثماني.
القول الثاني: أنه جائز مطلقًا؛ لأن الرسم العثماني لم يتعبد به، بدليل أنه لو قدر أن هناك رسمًا آخر سوى هذا لرسم به المصحف في الزمن الأول، فالرسم ليس متعبَّدًا به، أي شكل الحروف والكلمات ليس متعبدًا به، ودليل ذلك ما قلت؛ أنه لو كان الرسم في ذلك الوقت على غير هذه الصفة لرُسم المصحف به.
ولهذا أجمع العلماء على جواز تنقيط الحروف وإعرابها وتشكيلها، مع أنه فيما سبق ليس فيه نقط وليس فيه حركات.
والقول الثالث: التفصيل؛ بأنه إذا كتب لمتعلم فليكتب على حسب القواعد المألوفة عنده من أجل ألا يغير، وإن كُتب لعالم فيكتب على قواعد المصحف العثماني؛ لأن مثلًا لو كتبناه على قواعد الرسم العثماني لمتعلم لقرأ الزكاة: الزكوة، ولقرأ الصلاة؟
الطلبة: الصلوة.
الشيخ: الربا: الربو. نعم وهكذا.
فالمتعلم يُكتب له بحسب القاعدة التي يعرفها؛ حتى لا يغير في القرآن.
هذا القول وسط بين القولين، وعندي أنه من حيث النظر أن القول بالجواز مطلقًا أصح، لكن القول الوسط فيه نوع من احترام آراء العلماء رحمهم الله، وفيه تحصيل المقصود، فالطابع هنا كأنه لما لم يكن المقصود بذلك التلاوة، إنما هو الاستشهاد، كتبها على ما تقتضيه القواعد المعروفة.
طالب: قلتم في رد ابن عمر على الخارجي: إن النبي صلى الله عليه وسلم وضع يده الكريمة وقال: «هَذِهِ لِعُثْمَانَ» ، نسمع كثيرًا من يطلق هذه الكلمة على غير النبي صلى الله عليه وسلم، على الصحابة والتابعين، وعلى من يستحق ومن لا يستحق، هل هي خاصة بالنبي صلى الله عليه وسلم؟
الشيخ: أبدًا، كل إنسان معطاء فهو كريم، فيده كريمة، البخيل ليس بكريم، لو تكون يده كبر جسمه ما هو كريم.
طالب: هل وجد إطلاق عن الصحابة..؟
الشيخ: ما أدري، لكن اللغة العربية تقتضي هكذا «إِيَّاكَ وَكَرَائِمَ أَمْوالِهِمْ» وهي غنم أو إبل.
طالب: شيخ، بعضهم يا شيخ ممن يقرؤون في القرآن الآيات حينما تمر في الخطب أو في الكتب، يقولون قبلها: (بعد أعوذ بالله من الشيطان الرجيم) ثم يقرأ الآية، هل هذه يا شيخ مشروعة؟
الشيخ: لا، هذا غير مشروع، إذا كان الرسول عليه الصلاة والسلام لم يفعل ذلك وهو يتلو مثل هذه الآيات استشهادًا، فلا يكون مشروعًا.
الطالب: ينكر على قائله يا شيخ؟
الشيخ: يبين له، أما أنك تزجره تنهاه لا، تبين له، إي نعم.

***

الطالب: وذكر هذا بعينه فيما هو أعم من ذلك في السور المكية فقال: وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ [الشورى: ٣٠].
الشيخ: ما هي السور المكية؟ ما نزل قبل الهجرة فهو مكي، ولو نزل في غير مكة، وما نزل بعد الهجرة فهو مدني ولو نزل في مكة، وعلى هذا فقوله تعالى: الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا [المائدة: ٣] نزلت على الرسول صلى الله عليه وسلم وهو في عرفة وهي مدنية.

***

الطالب: فقال: وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ [الشورى: ٣٠] وقال: مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ [النساء: ٧٩] فالحسنة والسيئة هاهنا النعمة والمصيبة، فالنعمة من الله من بها عليك، والمصيبة إنما نشأت من قبل نفسك وعملك، فالأول فضله، والثاني عدله، والعبد يتقلب بين فضله وعدله، جار عليه فضله، ماض فيه حكمه، عدل فيه قضاؤه. وختم الآية الأولى بقوله: إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ [آل عمران: ١٦٥] بعد قوله: قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ [آل عمران: ١٦٥] إعلامًا لهم بعموم قدرته مع عدله، وأنه عادل قادر.
وفي ذلك إثبات القدر والسبب، فذكر السبب وأضافه إلى نفوسهم، وذكر عموم القدرة وأضافها إلى نفسه، فالأول ينفي الجبر، والثاني ينفي القول بإبطال القدر، فهو يشاكل قوله: لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ (٢٨) وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ [التكوير: ٢٨، ٢٩].

الشيخ: المؤلف رحمه الله يقول: الآيات المكية نزلت موافقة لما نزل في الآيات المدنية: وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ [الشورى: ٣٠] مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ [النساء: ٧٩] يعني: أنت السبب وإلا فهي كلها من الله، يقول: (فالحسنة والسيئة هاهنا النعمة والمصيبة) النعمة يعني الحسنة، والسيئة المصيبة، (فالنعمة من الله منّ بها عليك، والمصيبة إنما نشأت من قبل نفسك وعملك، فالأول) وهو النعمة (فضله، والثاني عدله) عدله لأنه جازاك بما عملت وهذا عدل.
يقول: (والعبد يتقلب بين فضله وعدله). فضل من؟ فضل الله، وعدله عدل الله.
(جار عليه فضله، ماض فيه حكمه، عدل فيه قضاؤه). يعني أن فضل الله جار عليه وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ [النحل: ٥٣].
(ماض فيه حكمه) كما قال الله تعالى: لَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ [القصص: ٨٨]، (عدل فيه قضاؤه) أي ما يقضيه عليه، فهو عدل ليس فيه جور، كما قال الله تعالى: وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا [الكهف: ٤٩].
(وختم الآية الأولى بقوله: إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌبعد قوله: قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ) يقول: (إعلامًا لهم بعموم قدرته مع عدله وأنه عادل قادر) القدرة أخذناها من قوله: إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ، والعدل من قوله: قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ، يعني ما ظلمناكم.
(إعلامًا لهم بعموم قدرته مع عدله وأنه عادل قادر، وفي ذلك إثبات القدر والسبب)، السبب في قوله: قل هو من عند أنفسكم، والقدر: إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ.
(وفي ذلك إثبات القدر والسبب، فذكر السبب وأضافه إلى نفوسهم، وذكر عموم القدرة وأضافها إلى نفسه) واضح؟ (فالأول ينفي الجبر، والثاني ينفي القول بإبطال القدَر) الأول ما هو؟ إثبات الأسباب، ينفي الجبر، والثاني: ينفي القول بإبطال القدر، الذين يقولون: إن الله عز وجل لا علاقة له في فعل العبد، وإن العبد مستقل بعمله، حتى إن غلاتهم يقولون: إن الله لا يعلم أفعال العباد حتى تقع منهم، (فهو يشاكل قوله: لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ) وهذا فيه نفي الجبر (وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ) فيه إثبات القدر.
طالب: والسبب في مصيبة أُحد هو ترك الجبل من بعض الصحابة، والمصيبة جاء على العموم، والسبب هذا الصحابة الذي ترك، والصحابة ما عند أنفسهم شيء؟
الشيخ: هذا إشكال جيد، فهمتموه؟ يعني يقول: إن العصيان في أحد حصل من الرماة، وهم خمسون رجلًا من سبع مئة رجل، ما هو من الجميع، فهمتم؟
الجواب على هذا: أن الأمة تعتبر جسدًا واحدًا، وشيئًا واحدًا، ألم تر أن الله يخاطب بني إسرائيل في عهد الرسول فيقول لهم: وَإِذْ نَجَّيْنَاكُمْ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ [البقرة: ٤٩]، ويقول: وَإِذْ قَتَلْتُمْ نَفْسًا فَادَّارَأْتُمْ فِيهَا [البقرة: ٧٢]، ويقول: وَإِذْ قُلْتُمْ يَا مُوسَى لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً [البقرة: ٥٥] مع أنهم ما قالوه، ولا أدركوا موسى، لكن الأمة الواحدة ينسب فعل الواحد منها إلى الجميع، ولهذا كان شؤم هذه المعصية من الرماة صار على الجميع.

***

الطالب: وفي ذكر قدرته هاهنا نكتة لطيفة، وهي أن هذا الأمر بيده وتحت قدرته، وأنه هو الذي لو شاء لصرفه عنكم، فلا تطلبوا كشف أمثاله من غيره، ولا تتكلوا على سواه، وكشف هذا المعنى وأوضحه كل الإيضاح بقوله: وَمَا أَصَابَكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ فَبِإِذْنِ اللَّهِ [آل عمران: ١٦٦] وهو الإذن الكوني القدري، لا الشرعي الديني؛ كقوله في السحر: وَمَا هُمْ بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ [البقرة: ١٠٢]. ثم أخبر عن حكمة هذا التقدير..
الشيخ: استفدنا من هذا البحث أن الإذن نوعان: شرعي وقدري، فالقدري ما يتعلق بالخلق والتكوين، والشرعي ما يتعلق بالتشريع؛ ففي قوله تعالى: أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ [الشورى: ٢١] هذا أيش؟
الطلبة: شرعي.
الشيخ: شرعي؟
الطلبة: نعم.
الشيخ: أو قدري؟
الطلبة: شرعي.
الشيخ: نعم؛ لأنه أذن به قدرًا، ولَّا لا؟ هل أذن به قدرًا؟ أذن به قدرًا؛ لأنه وقع: شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ، فقد أذن الله فيه قدرًا لكن لم يأذن به شرعًا.
قل آلله أذن لكم أم على الله تفترونهذا شرعي.
مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ [البقرة: ٢٥٥] كوني.
هنا أيضًا: وَمَا أَصَابَكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ فَبِإِذْنِ اللَّهِ [آل عمران: ١٦٦] هذا أيضًا كوني.
وَمَا هُمْ بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِكوني؛ لأن الله لا يأذن بالضرر بالسحر.

***

الطالب: ثم أخبر عن حكمة هذا التقدير، وهي أن يعلم المؤمنين من المنافقين علم عيان ورؤيةٍ، يتميز فيه أحد الفريقين من الآخر تمييزًا ظاهرًا، وكان من حكمة هذا التقدير تكلم المنافقين بما في نفوسهم، فسمعه المؤمنون وسمعوا رد الله عليهم وجوابه لهم، وعرفوا مؤدى النفاق وما يؤول إليه، وكيف يحرم صاحبه سعادة الدنيا والآخرة، فيعود عليه بفساد الدنيا والآخرة، فلله كم من حكمة في ضمن هذه القصة بالغة، ونعمة على المؤمنين سابغة، وكم فيها من تحذير وتخويف وإرشاد وتنبيه وتعريف بأسباب الخير والشر ومآلهما وعاقبتهما.
ثم عزّى نبيه وأولياءه عمن قُتل منهم في سبيله أحسن تعزية وألطفها، وأدعاها إلى الرضا بما قضاه لها، فقال: وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ (١٦٩) فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ مِنْ خَلْفِهِمْ أَلَّا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ [آل عمران: ١٦٩، ١٧٠] فجمع لهم إلى الحياة الدائمة منزلة القرب منه وأنهم عنده، وجريان الرزق المستمر عليهم، وفرحهم بما آتاهم من فضله، وهو فوق الرضا، بل هو كمال الرضا، واستبشارهم بإخوانهم الذين باجتماعهم بهم..

الشيخ: يعني من الفرح أعلى من الرضا، فالإنسان إذا فرح بالشيء يكون ذلك رضًا وزيادة، أليس كذلك؟ فأنت قد ترضى بالشيء لكن لا يظهر عليك أثره بالفرح، لكن إذا فرحت فهذا أكمل وأبلغ من الرضا.
ولهذا قال: فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ، في المؤمنين قال: رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ [المائدة: ١١٩] لكن في الذين قتلوا في سبيل الله قال: فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ.
طالب: الرضا بالمصيبة هل يلزم الفرحة؟
الشيخ: لا، ما يلزم؛ لأن الفرح أعلى من الرضا، والشيء إذا كان أدنى لا يلزم منه وجود الأعلى، لكن إذا وُجد الأعلى لزم وجود الأدنى.
طالب: شيخ، هل يؤخذ من قول المؤلف هنا: وأنزلهم منزلة القرب منه؛ أن منزلة القرب خاصة ليست عامة لكل أحد؟
الشيخ: لا ما يؤخذ؛ لأنه ما أراد تقسيم القرب، والمؤلف رحمه الله يرى أن القرب ينقسم إلى عموم وخصوص، بخلاف شيخه شيخ الإسلام ابن تيمية فإنه لا يرى القرب إلا خاصًّا فقط، ويقول: إن الله لا يقرب من الكافر أبدًا، إنما قربه من المؤمنين أو الداعين، أما قربه من الكافر فلا، بخلاف المعية، المعية مع كل أحد، حتى الكفار: مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ [المجادلة: ٧]، وَهُوَ مَعَهُمْ إِذْ يُبَيِّتُونَ مَا لَا يَرْضَى مِنَ الْقَوْلِ [النساء: ١٠٨]، وَكَانَ اللَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطًا [النساء: ١٠٨]، وأما القرب فلا يكون إلا للمؤمنين.
وأجاب عن قوله تعالى: وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْكُمْ وَلَكِنْ لَا تُبْصِرُونَ [الواقعة: ٨٥] بأن المراد بذلك قرب الملائكة، وكذلك قوله تعالى: وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ [ق: ١٦] قال: المراد بذلك قرب الملائكة الذين يكتبون، وقال: إن قوله: إِذْ يَتَلَقَّى [ق: ١٧] هذه مقيدة بقوله: أَقْرَبُ.
طالب: شيخ، المتعين؟
الشيخ: (متعين)!
طالب: الراجح؟
الشيخ: الراجح كلام شيخ الإسلام، كلام شيخ الإسلام أرجح.
طالب: أن القرب خاص وعام؟
الشيخ: أنه خاص فقط.

***

الطالب: واستبشارهم بإخوانهم الذين باجتماعهم بهم يتم سرورهم ونعيمهم، واستبشارهم بما يجدد لهم كل وقت من نعمته وكرامته، وذكرهم سبحانه في أثناء هذه المحنة بما هو من أعظم مننه ونعمه عليهم التي إن قابلوا بها كل محنة تنالهم وبلية تلاشت في جنب هذه المنة والنعمة، ولم يبق لها أثر البتة، وهي منته عليهم بإرسال رسول من أنفسهم إليهم يتلو عليهم آياته ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة، وينقذهم من الضلال الذي كانوا فيه قبل إرساله إلى الهدى، ومن الشقاء إلى الفلاح، ومن الظلمة إلى النور، ومن الجهل إلى العلم، فكل بلية ومحنة تنال العبد بعد حصول هذا الخير العظيم له أمر يسير جدًّا في جنب الخير الكثير، كما ينال الناس بأذى المطر في جنب ما يحصل لهم به من الخير، فأعلمهم أن سبب المصيبة من عند أنفسهم ليحذروا، وأنها بقضائه وقدره ليوحدوا ويتكلوا ولا يخافوا غيره، وأخبرهم بما لهم فيها من الحكم.
الشيخ: يجوز أن يكون الصواب: بما له فيها. لو كتبتم: لعلها.
الطالب: بما له فيها من الحكم لئلا يتهموه في قضائه وقدره، وليتعرف إليهم بأنواع أسمائه وصفاته، وسلاهم بما أعطاهم مما هم أجل قدرا وأعظم خطرا مما فاتهم من النصر والغنيمة، وعزاهم عن قتلاهم بما نالوه من ثوابه وكرامته لينافسوهم فيه ولا يحزنوا عليهم، فله الحمد كما هو أهله وكما ينبغي لكرم وجهه وعز جلاله.

***

لا يرى أنه عام وخاص، صرح به في كتابه الصواعق المرسلة.
طالب: (...).
الشيخ: لا أذكر.
الطالب: مر علينا البيت: (وقربه المختص بالداعي وعابده على الايمان).
الشيخ: إي نعم، ما هو صريح بهذا. الظاهر أنه قسمه، اللي يظهر لي أنه قسمه، اللي أذكره أنه قسمه.
طالب: في قوله تعالى: وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْكُمْقلنا: المقصود بها الملائكة، ألا يعطي هذا فرصة للمؤولة، قالوا: أنتم أولتم هذا بالملائكة؟
الشيخ: نعم، التأويل ليس ممنوعًا مطلقًا، التأويل الذي عليه دليل لا بأس به: فَلَوْلَا إِذَا بَلَغَتِ الْحُلْقُومَ (٨٣) وَأَنْتُمْ حِينَئِذٍ تَنْظُرُونَ (٨٤) وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْكُمْ وَلَكِنْ لَا تُبْصِرُونَ [الواقعة: ٨٣ - ٨٥] لا يمكن أن يكون الله أقرب منا إليه ونحن لا نبصره، لأن مقتضى هذا أن يكون في المكان الذي نحن فيه لكن لا نبصره.
طالب: أيضًا الملائكة لا نبصرهم وهم موجودون؟
الشيخ: لا، لكن تكون في المكان ولا نبصرها، يعني عدم الرؤية ليس لأنهم ليسوا في المكان، لكن لأننا لا نبصرهم، لكن لو قلنا: إن المراد الله، لزم من هذا أن يكون في المكان قريبًا من هذا المحتضر لكن لا نبصره. الذي يمنع أن الآية ظاهرها بل سياقها يدل على ذلك، على أن هذا الذي أقرب إليه منا حاضر لكن لا نبصره.
طالب: ما الفرق يا شيخ بين القرب والمعية، ما يمكن أن يقال هنا: قريب بعلمه أو..؟
الشيخ: يمكن، لكن القرب يقتضي رحمة وعطفًا، فكذلك المعية التي تقتضي الإحاطة.
طالب: القرب هنا يقتضي -يا شيخ- العلم به؟
الشيخ: معلوم يقتضي العلم، حتى المعية تقتضي العلم، لكن إذا قيل: الله قريب من الكافر أو مع الكافر، أيهم أبلغ في التكريم والتعظيم؟ القرب، والكافر لا يستحق أن يقرب منه، إذا كان الله قال: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلَا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ [التوبة: ٢٨] نهاهم عن قرب بيته، كيف يثبت لنفسه أنه قريب منهم؟
طالب: قريب من عذابهم.
الشيخ: لا، ما يصلح، ما يستقيم، أما المعية فهي أعم.

***

الطالب: فصل: ولما انقضت الحرب انكفأ المشركون، فظن المسلمون أنهم قصدوا المدينة لإحراز الذراريّ والأموال، فشق ذلك عليهم، فقال النبي صلى الله عليه وسلم لعلي بن أبي طالب رضي الله عنه:«اخْرُجْ فِي آثَارِ الْقَوْمِ فَانْظُرْ مَاذَا يَصْنَعُونَ وَمَاذَا يُرِيدُونَ، فَإِنْ هُمْ جَنَّبُوا الْخَيْلَ وَامْتَطَوُا الْإِبِلَ فَإِنَّهُمْ يُرِيدُونَ مَكَّةَ، وَإِنْ رَكِبُوا الْخَيْلَ وَسَاقُوا الْإِبِلَ فَإِنَّهُمْ يُرِيدُونَ الْمَدِينَةَ، فَوَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَئِنْ أَرَادُوهَا لَأَسِيرَنَّ إِلَيْهِمْ، ثُمَّ لَأُنَاجِزَنَّهُمْ فِيهَا».
قال علي: فخرجت في آثارهم أنظر ماذا يصنعون، فجنبوا الخيل وامتطوا الإبل، ووجهوا إلى مكة.
ولما عزموا على الرجوع إلى مكة أشرف على المسلمين أبو سفيان ثم نادهم: موعدكم الموسم ببدر. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «قُولُوا: نَعَمْ قَدْ فَعَلْنَا». قال أبو سفيان: فذلكم الموعد. ثم انصرف هو وأصحابه، فلما كان في بعض الطريق تلاوموا فيما بينهم وقال بعضهم لبعض: لم تصنعوا شيئًا، أصبتم شوكتهم وحدهم، ثم تركتموهم وقد بقي منهم رؤوس يجمعون لكم، فارجعوا حتى نستأصل شأفتهم.
فبلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم، فنادى في الناس وندبهم إلى المسير إلى لقاء عدوهم، وقال: «لَا يَخْرُجْ مَعَنَا إِلَّا مَنْ شَهِدَ الْقِتَالَ». فقال له عبد الله بن أبي: أركب معك؟ قال: «لَا». فاستجاب له المسلمون على ما بهم من القرح الشديد والخوف وقالوا: سمعًا وطاعةً.
واستأذنه جابر بن عبد الله وقال: يا رسول الله، إني أحب ألا تشهد مشهدًا إلا كنت معك، وإنما خلفني أبي على بناته، فأْذن لي أسير معك. فأَذن له، فسار رسول الله صلى الله عليه وسلم والمسلمون معه حتى بلغوا حمراء الأسد.
وأقبل معبد بن أبي معبد الخزاعي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأسلم، فأمره أن يلحق بأبي سفيان فيخذِّله، فلحقه بالروحاء ولم يعلم بإسلامه، فقال: ما وراءك يا معبد؟ فقال: محمد وأصحابه قد تحرقوا عليكم وخرجوا في جمع لم يخرجوا في مثله، وقد ندم من كان تخلف عنهم من أصحابهم، فقال: ما تقول؟ فقال: ما أُرَى أن ترتحل حتى يطلع أول الجيش من وراء هذه الأكمة. فقال أبو سفيان.
الشيخ: الظاهر أنها (ما أُرى)، أي: ما أظن.
الطالب: فقال: ما أُرى أن ترتحل حتى يطلع أول الجيش من وراء هذه الأكمة. فقال أبو سفيان: والله لقد أجمعنا الكرة عليهم لنستأصلهم. قال: فلا تفعل؛ فإني لك ناصح. فرجعوا على أعقابهم إلى مكة. ولقي أبو سفيان بعض المشركين يريد... .
الشيخ: معبد بن أبي معبد الخزاعي، كما تعرفون أن خزاعة كانت عيبة نصح لرسول الله صلى الله عليه وسلم، فخذّل عنه، خذّل عن الرسول عليه الصلاة والسلام، وفي هذا دليل على أن من أساليب الحرب التخذيل والإرجاف بالعدو، بأن يقال: عندنا عدد كثير، عندنا عدة عظيمة، عندنا شجعان، عندنا كذا، عندنا كذا، مما ينزل الرعب في قلوب الأعداء، فهذا الرجل -جزاه الله خيرا- خذل أبا سفيان عن رجوعه إلى النبي عليه الصلاة والسلام حتى رجع إلى مكة.
طالب: (...) حياة الشهداء، أرواحهم تكون في جوف طير خضر تطوف في الجنة (...) في البعث يا شيخ؟
الشيخ: ترجع الأرواح إلى أجسادها.
الطالب: ما تكون مخلدة الأرواح في الجنة؟
الشيخ: ترجع إلى أجسادها وتكون فيها ويحشر الناس على هذا.
الطالب: الحياة المقصود بها في الآية؟
الشيخ: حياة برزخية، ما هي حياة دنيوية جسدية، لا، حياة برزخية، الله أعلم بكيفيتها.
طالب: شيخ، المخذل والمرجف لو كان كذب كلامه (...) ليخوفهم؟
الشيخ: هو الأحسن أن يكون تورية، كما كان الرسول عليه الصلاة والسلام إذا أراد غزوة ورى بغيرها، لكن الكذب في الحرب رخص فيه كثير من أهل العلم.
طالب: وهل يدخل فيه قوله: «الْحَرْبُ خُدْعَةٌ» ؟
الشيخ: إي نعم.
طالب: قول الله سبحانه وتعالى: وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ(...) المقصود به الملائكة، أليس هذا تأويلًا؟
الشيخ: إي تأويل دل عليه اللفظ: إِذْ يَتَلَقَّى الْمُتَلَقِّيَانِ [ق: ١٧] لأنه قيد.
الطالب: والأول؟ الآية الأولى وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْكُمْ وَلَكِنْ لَا تُبْصِرُونَ [الواقعة: ٨٥]؟
الشيخ: أيضًا قُيدت، قوله: وَلَكِنْ لَا تُبْصِرُونَيدل على أنهم ملائكة؛ لأنهم هم الذين يمكن أن يكونوا قريبين من الميت ولا نبصرهم، أما الله -عز وجل- فوق السماء.

***

الطالب: فقال: هل لك أن تبلغ محمدًا رسالة وأوقر لك راحلتك زبيبًا إذا أتيت إلى مكة؟ قال: نعم. قال: أبلغ محمدًا أنا قد أجمعنا الكرة لنستأصله ونستأصل أصحابه. فلما بلغهم قوله قالوا: حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ (١٧٣) فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ وَاتَّبَعُوا رِضْوَانَ اللَّهِ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ [آل عمران: ١٧٣، ١٧٤].
الشيخ: إذن الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ [آل عمران: ١٧٣] من؟
الطلبة: أبو سفيان.
الشيخ: الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ؟
الطلبة: الرسول.. أصحاب النبي.. المؤمنين.
الشيخ: الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ؟ مَن الناس؟ معبد بن أبي معبد الخزاعي، إِنَّ النَّاسَمن؟ أبو سفيان وأصحابه.
وفي هذه الآية استعمال العام مرادًا به الخاص، وهو كثير في القرآن، قال الله تعالى عن ريح عاد: تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ بِأَمْرِ رَبِّهَا [الأحقاف: ٢٥] وهي لم تدمر كل شيء، بدليل قوله: فَأَصْبَحُوا لَا يُرَى إِلَّا مَسَاكِنُهُمْ [الأحقاف: ٢٥].
طالب: أحسن الله إليك، يقول هنا: (ولقي أبو سفيان بعض المشركين يريد المدينة فقال: هل لك أن تبلغ محمدًا...)، المخذل الآن هذا المشرك، المخذل ليس معبدًا؟
الشيخ: (ولقي أبو سفيان...) إي نعم، هو غير معبد بن أبي معبد، توهمنا في هذا، مع أن المعروف أنه هو لكن سبحان الله، السياق.. سياقه يدل على أنه مشرك، تراجع.
طالب: مشرك عند أبي سفيان.
الشيخ: على كل حال تراجع، تراجع إن شاء الله.

***

الطالب: فصل: وكانت وقعة أحد يوم السبت في سابع شوال سنة ثلاث كما تقدم، فرجع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المدينة فأقام بها بقية شوال وذا القعدة وذا الحجة والمحرم، فلما استهل هلال المحرم بلغه أن طلحة وسلمة ابني خويلد قد سارا في قومهما ومن أطاعهما يدعوان بني أسد بن خزيمة إلى حرب رسول الله صلى الله عليه وسلم، فبعث أبا سلمة وعقد له لواء، وبعث معه مئة وخمسين رجلًا من الأنصار والمهاجرين، فأصابوا إبلًا وشاء ولم يلقوا كيدًا، فانحدر أبو سلمة بذلك كله إلى المدينة .

***

الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم. قال الله تبارك وتعالى: وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ [آل عمران: ١٢٣] ..
قال الله تبارك وتعالى: هَا أَنْتُمْ أُولَاءِ تُحِبُّونَهُمْ وَلَا يُحِبُّونَكُمْ وَتُؤْمِنُونَ بِالْكِتَابِ كُلِّهِ [آل عمران: ١١٩].
من فوائد هذه الآية: بيان علم الله سبحانه وتعالى بما في القلوب؛ لقوله: تُحِبُّونَهُمْ وَلَا يُحِبُّونَكُمْ؛ لأن المحبة والكراهة من أعمال القلوب، ولا يطلع عليها إلا الله سبحانه وتعالى، لكن لها آثار تدل عليها.
ومن فوائدها: التحذير ممن يُهدي إليك أو يبدي لك أنه ناصح لك وقلبه كاره لك، لأن المقصود من هذا -من قوله: هَا أَنْتُمْ أُولَاءِ تُحِبُّونَهُمْإلى آخره- التحذير من هؤلاء، فلا تغتر بمن ظاهر حاله النصح، بل قس الأمور بالأفعال؛ لأن الأفعال هي التي تبين حقيقة الأمر، فكم من إنسان يقول لك قولًا وهو على خلاف ما يقول لك، ولكن الأفعال هي التي تبين.
ومن فوائدها: أن هذه الأمة الإسلامية تؤمن بجميع الكتب؛ لقوله: وَتُؤْمِنُونَ بِالْكِتَابِ كُلِّهِ، أما اليهود فيكفرون بالإنجيل ويكفرون بالقرآن، وأما النصارى فيكفرون بالقرآن، ومع ذلك هم كفار؛ لأن من كفر بكتاب مما أنزله الله فهو كافر بجميع الكتب.
وقد مر علينا تقرير هذا مرارًا، وأن من كفر ببعض الرسل دون بعض فقد كفر بالجميع، وكذلك أيضًا من كفر ببعض الكتب فقد كفر بالجميع، وكذلك من كفر ببعض الشريعة فقد كفر بالشريعة كلها؛ لأن الشريعة واحدة: أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ [البقرة: ٨٥].
ومن فوائد هذه الآية: أن هؤلاء يخادعون المؤمنين؛ لقوله: إِذَا لَقُوكُمْ قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا عَضُّوا عَلَيْكُمُ الْأَنَامِلَ مِنَ الْغَيْظِ [آل عمران: ١١٩].
ومن فوائدها: أن العبرة بالأفعال، لا بالأقوال؛ لقوله: إِذَا خَلَوْا عَضُّوا عَلَيْكُمُ الْأَنَامِلَ مِنَ الْغَيْظِيعني أنهم من شدة غيظهم يعضون أناملهم، كأنكم أنتم الذين بين أضراسهم ليمضغوكم مضغًا من شدة الغيظ والحنق، ولهذا تجد الناس حتى الآن إذا أراد شخص يتوعد إنسانًا أخذ أصبعه هكذا وقام يهز برأسه وهو عاض أصبعه؛ لشدة غيظه.
ومن فوائد هذه الآية: إثبات الأسباب؛ لقوله: مِنَ الْغَيْظِ؛ لأن (من) للسببية، أي بسبب الغيظ.
وإثبات الأسباب شيء معلوم ظاهر، ولو تأملت لوجدت أن كل مسبَّب له سبب قطعًا، وأن جميع الأشياء يجعل الله لها أسبابًا تحصل بها.
ومن فوائد هذه الآية: أنه ينبغي للمسلم أن يكون قويًّا صارمًا أمام أعدائه؛ لقوله: قُلْ مُوتُوا بِغَيْظِكُمْ [آل عمران: ١١٩].
ومن فوائدها: إثبات علم الله عز وجل لما في القلوب على وجه صريح؛ لقوله: إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ [آل عمران: ١١٩] ودلالة هذه الجملة على علم الله بما في القلوب دلالة مطابقة، ودلالة قوله: هَا أَنْتُمْ أُولَاءِ تُحِبُّونَهُمْ وَلَا يُحِبُّونَكُمْ [آل عمران: ١١٩] دلالة التزام.
ثم قال الله تعالى: إِنْ تَمْسَسْكُمْ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ [آل عمران: ١٢٠] إلى آخره.
من فوائد هذه الآية: أن العدو إذا أصاب عدوه حسنة ساءته، وإذا أصابه سيئة فرح بها.
وقد جعل الفقهاء رحمهم الله هذا ضابطًا في العداوة، حينما تكلموا في باب الشهادات على أن العدو لا تقبل شهادته على عدوه، قالوا في ضابط العدو: هو من سره مساءتك وساءه مسرتك. مأخوذ من هذه الآية.
ومن فوائد هذه الآية: بيان أن العدو مهما أظهر لك من الصداقة فإنه كاذب؛ لأن الذي يسوؤه حسنتك لا شك أنه ليس بصديق، والذي يفرح بمصيبتك لا شك أيضًا أنه ليس بصديق وإن تظاهر بالصداقة.
ومن فوائد الآية: بيان شدة عداوة هؤلاء للمؤمنين الذين اتخذوهم بطانة، فكيف تتخذونهم بطانة وهم يُساؤون بما يسركم ويُسرون بما يسوؤكم.
ومن فوائدها: التحذير من تولية اليهود والنصارى لأمور المسلمين القيادية؛ كأن يجعلوهم مدراء أو وزراء أو ما أشبه ذلك، لماذا؟
لأنهم لا يألون لنا خبالًا، ويُسرون بما يسوؤنا ويُساؤون بما يسرنا، فكيف نتخذهم بطانة نوليهم أمورنا القيادية من إدارة أو رئاسة أو غيرها.
ومن فوائدها: أن أعداءنا لا يألون جهدًا في الكيد لنا، ولكن نداوي هذا بالصبر والتقوى؛ بالصبر على أي شيء؟ الصبر على كل ما يجب الصبر عليه من أوامر نقوم بها أو نواهٍ نتركها أو سياسات نتبعها، ونكون ثابتين على مبدأ، ليس كل يوم لنا سياسة، بل نكون ثابتين على مبدأ معين نصبر عليه.
ومن فوائد هذه الآية: أن بالصبر والتقوى دفع الأعداء؛ لقوله: إِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لَا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ [آل عمران: ١٢٠]. وما فعلوه علنًا هل يضرنا لو صبرنا واتقينا؟
لا يضرنا من باب أولى؛ لأن الكيد الذي يكون بالمكر والخديعة إذا كان لا يضرنا مع الصبر والتقوى، فما كان ظاهرًا بينًا فهو من باب أولى.
ومن فوائد الآية: إحاطة الله سبحانه وتعالى بعمل هؤلاء. من أي ناحية؟ من حيث العلم فقط؟
في كل شيء: في العلم والتدبير وإحباط أعمالهم وتدميرهم وغير ذلك، فالله محيط بهم من كل وجه، ولكن قد يبتلي الله بهؤلاء الأعداء ويحصل من كيدهم ما يضر لفوائد كثيرة:
منها: أن ينال المسلمون الصبر على المؤذي، وأن يرجعوا إلى الله عز وجل فيقيموا الدين.
ومن فوائدها أيضًا: أن العدو يطغى ويرتفع ويعلو، فإذا بلغ القمة في العلو رمى به الله سبحانه وتعالى في السفل، فيكون نزوله من العلو إلى السفل أشد من نزوله أثناء الطريق، ولهذا الذي يسقط من السقف يكون أشد ممن لو سقط من أثناء الدرج، فالله سبحانه وتعالى قد يملي للظالم حتى يتمادى في ظلمه وطغيانه حتى إذا ظن أنه بلغ إلى القمة حط به إلى أسفل السافلين، فصار ذلك أشد وأعظم.
وقد نبه الله على ذلك في سورة آل عمران فقال: وَلِيُمَحِّصَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَمْحَقَ الْكَافِرِينَ [آل عمران: ١٤١] مع أنه في ذلك الوقت كان الظفر لمن؟ كان الظفر للمشركين في أحد، لكن جعل الله ذلك سببًا لمحقهم؛ لأنهم إذا شموا رائحة النصر ازدادوا في طغيانهم وقووا ثم تكون النكبة.
ومن فوائدها: أنه يجب على الإنسان أن ينتظر نصر الله عز وجل وأن يثق بوعده؛ لقوله: وَاللَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ [الأنفال: ٤٧] يعني: فلا تظنوا أن أمرهم هذا كائن بدون قدرة الله عليه، بل الله تعالى قادر عليه ومحيط به.
ثم قال عز وجل: وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ تُبَوِّئُ الْمُؤْمِنِينَ مَقَاعِدَ لِلْقِتَالِ [آل عمران: ١٢١] إلى آخره. من هنا إلى آخر الآيات حوالي خمسين آية كلها في غزوة أحد.
فمن فوائدها: أن الرسول عليه الصلاة والسلام خرج من المدينة في أول النهار؛ لقوله: وَإِذْ غَدَوْتَأي خرجت في الغدوة وهي أول النهار.
ومن فوائدها: حسن تدبير الرسول عليه الصلاة والسلام في الحرب؛ لقوله: تُبَوِّئُ الْمُؤْمِنِينَ مَقَاعِدَ لِلْقِتَالِ.
ومن فوائدها: أنه ينبغي للقائد أن يبوئ أمكنة المقاتلين، ويعرف كل واحد منهم مكانه وعمله حتى لا يحصل ازدواج يضر بالجيش، كل واحد يرتبه على حسب ما يليق به، ويقول: اجلس مكانك وهذا عملك واستمر عليه؛ لأن في النظام ولاسيما في مثل هذه المواقف فائدة كبيرة. النظام مطلوب حتى في أعمالك اليومية في نفسك، فكيف بمثل هذه الأعمال الكبيرة.
ومن فوائدها: شهادة الله سبحانه وتعالى للذين خرجوا في أحد بأنهم مؤمنون؛ لقوله: تُبَوِّئُ الْمُؤْمِنِينَ مَقَاعِدَ لِلْقِتَالِ؛ لأن المنافقين انخذلوا قبل أن يصلوا إلى مكان القتال، فقد رجعوا من أثناء السير.
ومن فوائد الآية: إثبات هذين الاسمين لله، وهما: السميع والعليم، فالسميع يتعلق بالأصوات، والعليم يتعلق بما هو أعم بما يدرَك بالسمع وما يدرك بالبصر وغير ذلك، فالعليم هو من أوسع الأسماء دلالة.
ثم قال: إِذْ هَمَّتْ طَائِفَتَانِ مِنْكُمْ أَنْ تَفْشَلَا وَاللَّهُ وَلِيُّهُمَا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ [آل عمران: ١٢٢]. في هذه الآية دليل على أن طائفتين من المؤمنين همتا بالفشل ولكن الله ثبتهما، همتا بالفشل أن يرجعا كما رجع المنافقون.
ومن فوائدها: أن الدعاية ولو كانت باطلة ربما تؤثر حتى على المؤمن.
ومن فوائدها: أن الله سبحانه وتعالى قد يلطف بالمؤمن حتى يثبته على الحق؛ لقوله: وَاللَّهُ وَلِيُّهُمَا.
ومن فوائدها: منة الله على هاتين الطائفتين، حيث إن الله كان وليًّا لهما، ولهذا فرحت الطائفتان بهذه الولاية؛ أن الله وليهما.
ومن فوائدها: وجوب التوكل على الله وأنه من مقتضى الإيمان؛ لقوله: وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ.
ومن فوائدها: أنه ينبغي للإنسان أن يتوكل على الله، لاسيما في هذه المواطن التي يشتد فيها الأمر على المسلم، بل على المؤمن، وألا ينظر إلى الأمور نظرًا ماديًّا؛ لأن وراء الأمور المادية -وراءها- ما هو أعظم منها، وهي قدرة الله سبحانه وتعالى التي تقضي على كل هذه الأمور المادية: إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ [يس: ٨٢].
ومن فوائد الآية: أنه كلما قوي الإيمان قوي التوكل على الله؛ لقوله: وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ، بناء على قاعدة معروفة، وهي أن ما علق على وصف يقوى بقوته ويضعف بضعفه.

***

تفسير الآيات (123-128)
00:48:57

ثم قال الله تعالى: وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ [آل عمران: ١٢٣]
يقول الله عز وجل مبينًا نعمته على النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه، بل وعلى الأمة جمعاء؛ لأن انتصار النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه انتصار لجميع الأمة إلى يوم القيامة، بل إن انتصار الرسل السابقين انتصار للمؤمنين إلى يوم القيامة، ولهذا صام النبي صلى الله عليه وسلم عاشوراء شكرًا لله على نعمته بإنقاذ موسى وقومه وإهلاك فرعون وقومه، وقال لليهود: «نَحْنُ أَوْلَى بِمُوسَى مِنْكُمْ» .
يقول عز وجل: وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍوالجملة هذه مؤكَّدة بأمور ثلاثة: الأول: القسم المقدَّر، والثاني: اللام، والثالث: قد؛ لأن التقدير: والله لقد نصركم الله.
والنصر هو أن يجعل الغلبة لهؤلاء على هؤلاء، فمن جعل الله لهم الغلبة فقد نصرهم.
وللنصر أسباب خمسة:
أولًا: الإخلاص لله؛ لقول الله تعالى: وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا [النور: ٥٥].
والثاني: إقامة الصلاة، والثالث: إيتاء الزكاة، والرابع: الأمر بالمعروف، والخامس: النهي عن المنكر؛ لقول الله تعالى: وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ (٤٠) الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ [الحج: ٤٠، ٤١] فالأسباب خمسة:
طالب: الإخلاص لله عز وجل، ودليله: وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْإلى آخر الآية.
الشيخ: نريد الشاهد، إلى قوله:
الطالب: يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا.
الطالب: الثانية: إقامة الصلاة، الثالثة: إيتاء الزكاة، الرابعة: الأمر بالمعروف، والخامسة: النهي عن المنكر، لقول الله تعالى: الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ [الحج: ٤١].
الشيخ: يقول الله عز وجل: وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍالباء هنا بمعنى (في)، فهي للظرفية، ولا غرابة أن تأتي الباء للظرفية؛ كما في قوله تبارك وتعالى: وَإِنَّكُمْ لَتَمُرُّونَ عَلَيْهِمْ مُصْبِحِينَ (١٣٧) وَبِاللَّيْلِ [الصافات: ١٣٧، ١٣٨] يعني: وفي الليل، فقوله: بِبَدْرٍأي في بدر.
وبدر مكان معروف، ولا يزال حتى الآن معروفًا بين مكة والمدينة.
وسبب هذه الغزوة أن النبي صلى الله عليه وسلم لما سمع بِعير لقريش قدمت من الشام ندب أصحابه إلى الخروج إليها لأخذها؛ لأن قريشًا أخرجوا النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه من ديارهم وأموالهم، وهم حرب على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فكانت أموالهم حِلًّا للرسول صلى الله عليه وسلم، فندب أصحابه أن يخرجوا إليهم، وخرجوا في عدد قليل وعدة ضعيفة، خرجوا نحو ثلاث مئة رجل وبضعة عشر رجلًا على سبعين بعيرًا وفرسين فقط يتعاقبونها، الرجلان على بعير، والثلاثة على بعير، على أنهم يريدون العير، ولكن أبا سفيان وهو أمير العير أخذها نحو الساحل -ساحل البحر- لا على الطريق المعروف، وأرسل صارخًا إلى أهل مكة يستنجدهم لحماية عيرهم، ثم لما نجا أرسل إليهم أنه نجا -نجت العير- ولكنهم كانوا قد تأهبوا للخروج لمحاربة النبي صلى الله عليه وسلم، فخرجوا بكبرائهم وزعمائهم على الوصف الذي ذكره الله عز وجل، خرجوا بَطَرًا وَرِئَاءَ النَّاسِ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ [الأنفال: ٤٧]، وقال لهم الشيطان: لَا غَالِبَ لَكُمُ الْيَوْمَ مِنَ النَّاسِ وَإِنِّي جَارٌ لَكُمْ [الأنفال: ٤٨] ولكنه خانهم: فَلَمَّا تَرَاءَتِ الْفِئَتَانِ نَكَصَ عَلَى عَقِبَيْهِ [الأنفال: ٤٨].
خرجوا ما بين ألف وتسع مئة ومعهم النساء؛ لأجل أن يشتد قتالهم خوفًا على نسائهم؛ لأنهم خرجوا بالنساء وجعلوهن بالخلف.
فحصلت المعركة بين النبي صلى الله عليه وسلم وبين هؤلاء المشركين، وكان النبي عليه الصلاة والسلام وأصحابه في قلة؛ قلة عَدَد وعُدَد، ولكن الله سبحانه وتعالى نصرهم؛ ولهذا قال: وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ. أذلة جمع ذليل؛ كـ(أعزة) جمع عزيز. طيب
أذلة من أي ناحية؟ من ناحية العَدد ومن ناحية العُدد، فثلاث مئة وبضعة عشر رجلًا بالنسبة لتسع مئة إلى ألف يعني أقل من الثلث، والذي معهم من العدة ليس بشيء، سبعون بعيرًا وفرسان، ولكن الله نصرهم سبحانه وتعالى.
قال: فَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ [آل عمران: ١٢٣] اتقوا الله، الفاء هذه للتفريع، يعني بهذا النصر الذي نصركم الله يجب عليكم أن تتقوا الله، وألا تجعلوا النصر سببًا للأشر والبطر كما يفعله من ليس عنده إيمان؛ إذا انتصر على عدوه جعل هذا سببًا للأشر والبطر، ودخل البلد وهو يغني ويطرب، نعم كما ذُكر عن بعض مذيعي العرب أيام حربهم مع اليهود، يقول: غدا تغني أم كلثوم في تل أبيب. سبحان الله! هذا جزاء النعمة؟!
أما الرسول عليه الصلاة والسلام فإنه دخل مكة عام الفتح -وهو من أعظم الانتصارات- مطأطئًا رأسه خاضعًا لله سبحانه وتعالى، وهكذا ينبغي، أن الإنسان إذا انتصر ألا يجعل هذا الانتصار سببًا للأشر والبطر، بل يجعله من نعمة الله سبحانه وتعالى، ويتقي الله، ولهذا قال: فَاتَّقُوا اللَّهَ.
التقوى: اتخاذ وقاية من عذاب الله، بماذا تكون الوقاية؟ ما هي الوقاية من عذاب الله؟ بماذا تكون الوقاية؟ يعني ما الذي يقيك من عذاب الله؟
طالب: بفعل الأوامر واجتناب النواهي.
الشيخ: نعم، فعل الأوامر واجتناب النواهي، فإذا سألنا سائل: ما هي التقوى؟ قلنا: هي فعل الأوامر وترك النواهي؛ لأنك إذا فعلت الأوامر وتركت النواهي فقد أخذت بالوقاية من عذاب الله سبحانه وتعالى.
وقوله: لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ(لعل) هنا للتعليل، أي: لأجل أن تنالوا شكر الله، فالتقوى هي الشكر لله، التقوى في الحقيقة: الشكر لله عز وجل، أي من أجل أن تنالوا الشكر، أي درجة الشاكرين.
وشكر النعمة يكون بأيش؟
طالب: الأعمال الصالحة واجتناب الأعمال السيئة.
الشيخ: نعم.
طالب: قال ابن القيم: شكر الله في ثلاثة أمور: الشكر بالقلب، وباللسان، وبأن تصرف في طاعة الله عز وجل.
الشيخ: يكون بالقلب واللسان والجوارح. الشكر يكون بالقلب واللسان والجوارح.
أما شكر القلب فأن تعتقد بأن هذه النعم من الله فضلًا منه ومنّة، وأنه ليس لك منها إلا فعل السبب الذي أُذن لك فيه، وأما حقيقتها فهي من الله، تؤمن بذلك، ولا تكن كما قال القائل: إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِنْدِي [القصص: ٧٨] بل قل: أوتيته بفضل الله ورحمته، حتى وإن كان من عملك.
أما إذا كان من فعل الله فهذا واضح أن كل إنسان ينسبه إلى الله، ومع ذلك من الناس من لا ينسب ما كان من فعل الله إلى الله، إذا حصل المطر قال: مُطرنا بنوء كذا وكذا، ولهذا قال زيد بن خالد الجهني رضي الله عنه: صلى بنا رسول الله صلى الله عليه وسلم في الحديبية على إثر سماء كانت من الليل -يعني على إثر مطر- فلما انصرف أقبل إلينا فقال: «هَلْ تَدْرُونَ مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ؟». قالوا: الله ورسوله أعلم. قال: قال: «أَصْبَحَ مِنْ عِبَادِي مُؤْمِنٌ بِي وَكَافِرٌ، فَأَمَّا مَنْ قَالَ: مُطِرْنَا بِفَضْلِ اللهِ وَرَحْمَتِهِ فَذَلِكَ مُؤْمِنٌ بِي كَافِرٌ بِالْكَوْكَبِ، وَأَمَّا مَنْ قَالَ: مُطِرْنَا بِنَوْءِ كَذَا وَكَذَا فَذَلِكَ كَافِرٌ بِي مُؤْمِنٌ بِالْكَوْكَبِ» . إذن لا بد أن تعتقد في قلبك أن النعمة ممن؟
طالب: من الله سبحانه.
الشيخ: من الله، وأن ما يحصل منك في جلب هذه النعمة ما هو إلا سبب مأذون فيه من الله عز وجل.
ثانيًا: اللسان، أن تثني بها على الله، لا أن تقولها فخرًا على عباد الله، بل تثني فتقول: الحمد لله الذي أعطاني كذا وكذا؛ لقول الله تعالى: وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ [الضحى: ١١].
ثالثًا: أن تعمل بجوارحك بطاعة الله، ولاسيما فيما يتعلق بهذه النعمة بخصوصها، فليس من الشكر إذا رزقك الله مالًا أن تشتري به دخانًا تشربه؛ لأن هذا استعانة بنعمة الله على معصية الله، أو أن تشتري به آلة لهو تتلهى بها، فإن هذا ليس من الشكر، بل من الشكر أن تجعل النعمة معينة لك على طاعة الله سبحانه وتعالى، وقد قال أحد الشعراء:
أَفَادَتْكُمُ النَّعْمَاءُ مِنِّي ثَلَاثَةً يَدِي وَلِسَانِي وَالضَّمِيرَ الْمُحَجَّبَا

يدي: هذه الجوارح، ولساني: القول، الثناء على الله بالنعمة، والضمير المحجبا: الاعتقاد.
فَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ.

***

ثم قال: إِذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ أَلَنْ يَكْفِيَكُمْ أَنْ يُمِدَّكُمْ رَبُّكُمْ بِثَلَاثَةِ آلَافٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُنْزَلِينَ (١٢٤) بَلَى إِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا وَيَأْتُوكُمْ مِنْ فَوْرِهِمْ هَذَا يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُمْ بِخَمْسَةِ آلَافٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُسَوِّمِينَ [آل عمران: ١٢٤، ١٢٥].
أولًا: في هذه الآية قوله0: مُنْزَلِينَفيها قراءة سبعية: {مُنَزَّلِينَ}، بتشديد الزاي. وقوله: مُسَوِّمِينَفيها قراءة سبعية أيضًا: {مُسَوَّمِينَ} بالبناء للمجهول.
يقول: إِذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَالخطاب للنبي صلى الله عليه وسلم، وهذا من الخطابات التي تختص برسول الله صلى الله عليه وسلم، وقد مر علينا أن الخطابات الموجهة لرسول الله صلى الله عليه وسلم تنقسم إلى ثلاثة أقسام:
الأول: ما دل الدليل على أنه خاص به.
والثاني: ما دل الدليل على أنه عام للأمة.
والثالث: ما لم يدل عليه الدليل؛ لا هذا ولا هذا.
فما دل الدليل على أنه خاص به فهو خاص به، مثل هذه الآية: إِذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ أَلَنْ يَكْفِيَكُمْ، وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ [الأحزاب: ٣٧] هذا خاص، أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ [الشرح: ١] هذا خاص، يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ [المائدة: ٦٧] هذا أيضًا خاص، وإن كان الأمة يجب عليها التبليغ من جهة أخرى.
الثاني: ما دل الدليل فيه على العموم؛ كقوله تعالى: يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ [الطلاق: ١]، هذا واضح أنه عام؛ لأنه قال: يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ، فوجه الخطاب أولًا للنبي صلى الله عليه وسلم ثم عَمَّم في الحكم فقال: إِذَا طَلَّقْتُمُ.
الثالث: ما لم يدل الدليل عليه لا هذا ولا هذا فهو عام، فهو عام بلا شك، حكمه عام، لكن هل الخطاب عام من حيث اللفظ أو لا؟
الذي يظهر أنه عام حتى من حيث اللفظ؛ وذلك لأن الخطاب للإمام خطاب لمن تبعه.
ولهذا لو قال الوزير مثلا للقائد: اذهب إلى الجهة الفلانية، كان ذلك خطابًا له ولمن كان تحت إمرته.
كذلك الخطاب إذا وُجه إلى الرسول عليه الصلاة والسلام ولم يدل الدليل على أنه خاص به فهو شامل له وللأمة جميعًا.
وقال بعض العلماء: إنه لا يشمل الأمة، وإن الخطاب له وحده، ولكن على الأمة الاتباع.
وأنتم إذا تأملتم وجدتم أن الخلاف قريب من اللفظ؛ لأنهم متفقون على أن الحكم عام، لكن هل الأمة تدخل في ضمن هذا الخطاب أو تدخل بخطاب آخر؛ لأنها مأمورة بالاتباع. هذا محل الخلاف، والحقيقة أنك إذا تأملته وجدت أنه قريب من الخلاف اللفظي.
طالب: شيخ بارك الله فيك، بعض الناس يكثر من الأشياء المباحة حتى يُخشى عليه الإسراف، فإذا نصحته قال: وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ؟
الشيخ: إي نعم، نقول له: وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ [الأنعام: ١٤١]، نحن لسنا نقول لك إذا كنت غنيًّا: فاخرج في ثياب الفقراء، ولا تأكل إلا ما يأكل الفقراء، نقول: كل ما يأكل الأغنياء والبس ما يلبس الأغنياء، لكن لا تسرف.
طالب: اقتتلت طائفتان من المسلمين، وكانت إحداهما تغنم ما تأخذ من الأخرى من سلاح، هل يحل للأخرى أن تغنم كذلك؟
الشيخ: ما فهمت.
الطالب: أموال المسلمين أليست لا تُغنم؟
الشيخ: لا تغنم؟
الطالب: أي في حال القتال.
الشيخ: ينظر في القتال ما هو، إذا كان لعصبية أو رئاسة فلا شك أنه ظلم ولا يجوز، ولا تحل به الأموال ولا النفوس، أما إذا كان بغيًا فيجب أن الباغي يقاتَل حتى يفيء عن بغيه، كما قال الله عز وجل.
الطالب: لكن يؤخذ سلاحه؟
الشيخ: معلوم يؤخذ سلاحه؛ لأننا لو قاتلناه وقدرنا على أخذ السلاح ولم نأخذه لارتد علينا به، فنأخذه، ثم هل يكون غنيمة أو لا فهذا ينبني على من نقاتل؛ إذا كان من نقاتله كافرا فهو غنيمة، وإذا كان غير كافر فهذا محل نظر.
طالب: شيخ، أحسن الله إليك، عدم ولاية الكفار في الأمور العامة ولَّا في الأمور الخاصة؟
الشيخ: لا، في الأمور القيادية، أما الأمور الغير القيادية، مثل بناء أو شبه ذلك، كعامل عندك؛ فهذا فليس فيه شيء، إلا في هذه الجزيرة العربية فإنه لا ينبغي أن يُجلب إليها الكفار؛ لأن النبي عليه الصلاة والسلام أمر بإخراجهم من جزيرة العرب، وقال: «وَيْلٌ لِلْعَرَبِ مِنْ شَرٍّ قَدِ اقْتَرَبَ، فُتِحَ الْيَوْمَ مِنْ رَدْمِ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ مِثْلُ هَذِهِ». فقالت زَيْنَبُ: يا رسولَ اللهِ، أَنَهْلِكُ وَفِينَا الصَّالِحُونَ؟ قال: «نَعَمْ، إِذَا كَثُرَ الْخَبَثُ» . والخبث هنا يشمل الخبث الشخصي والخبث العملي. فإذا كثر الخبث من المسلمين أوشك الله أن يهلكهم، وإذا كثر الخبث من الأشخاص غير المسلمين يعني بأن جاء كفار إلى البلد فهذا أيضا يوشك أن الله يأخذهم.
طالب: الأشياء التي ليست عندنا أو ليست لنا خبرة فيها وهم لهم خبرة فلا بد أن نعطيهم بعض القيادات حتى نتعلم منهم أو يساعدونا في شيء؟
الشيخ: هذه المسائل قد تكون عارضة، ما هي دائمة، ولهذا لسنا منهيين أن نتعلم منهم ما يعلموننا أو مثلا نأخذ من خبراتهم، هذه فيه فائدة لنا.
طالب: هل يجوز يا شيخ تولية بعض أهل الفرق الضالة الذين يحقدون على أهل السنة والجماعة مثل الرافضة وغيرهم في ولاية الأمور القيادية؟
الشيخ: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِنْ دُونِكُمْ لَا يَأْلُونَكُمْ خَبَالًا [آل عمران: ١١٨] من دونكم يعني من سواكم، كل إنسان نعرف أنه لا ينصح لنا فإنه لا يجوز أن نوليه.
طالب: قول الله تعالى وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ [الحج: ٤٠]، قوله الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ [الحج: ٤١] بعض الناس يقول يعني: إن ظاهر الآية: إن مكناهم في الأرض أقاموا، يعني بعد التمكين يقيمون؟
الشيخ: نعم هذا من أسباب النصر ما فيه شك، فإذا علم الله أن هؤلاء القوم من نيتهم أنهم إذا مُكنوا من الأرض أقاموا الصلاة هذا من أسباب النصر.
طالب: يعني ولو كان حالهم (...) من الحال التي قبل النصر؟
الشيخ: لأن الذي هذه إرادته قبل الانتصار فهو عليها بلا شك.
طالب: شيخ، جزاكم الله خيرًا، بالنسبة لقول الله تعالى: لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَبعضهم يا شيخ يقول: إن هذا أيضا (لعل) تحتمل الترجي لكن باعتبار المخاطبين؟
الشيخ: (...) لأنك .. للترجي باعتبار المخاطبين صرفتها عن ظاهرها.
الطالب: تبقى على أصلها (لعل) للترجي وتكون باعتبار المخاطب؟
الشيخ: لا، أبدًا، هي للتعليل، فهي للتعليل أقوى، يعني كون التقوى سببًا للشكر هذا أقوى بلا شك.
الطالب: يعني خطأ..
الشيخ: نعم هذا خطأ.
طالب: متى يكون إضافة المطر إلى الزمن جائزًا؟
الشيخ: إذا أضفت المطر إلى الزمن باعتباره ظرفًا له، لا سببًا له. يعني مثلا قلت: مطرنا في نوء كذا، يعني مطرنا مثلا في نوء الشولة، فهذا معناه، في نوء النعايم، اللي يسموه عندنا الشبط، هذه ما فيها بأس، ولهذا قال العلماء: يحرم أن يقول: مطرنا بنوء كذا، ويجوز أن يقول: مطرنا في نوء كذا. ولكن العامة عندنا يجعلون الباء بمعنى (في)، فيقولون: مطرنا في شباط، مطرنا في المربعانية، ويحطوا الباء: بالمربعانية، بالموسم. على أن الباء عندهم بمعنى (في)، والعبرة بالنية.
طالب: إِذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ(إذ) يتعلق بالنصر ولّا يتعلق بأحد.
الشيخ: هذه تنبني على أن هذا هل هو في بدر أو في أحد؟
الطالب: أظن في بدر، بعد (...).
الشيخ: فيها خلاف سنذكره إن شاء الله، بعض العلماء يقول: هذه في بدر وبعضهم يقول: في أُحد، فالذين قالوا: إنه في بدر قالوا: إن قوله: وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌهذه الآية معترضة في القصة؛ لأن قوله: وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ [آل عمران: ١٢١] بالاتفاق يراد به غزوة أحد.
طالب: إذا ولينا الكافر صارت عند نفسه عزة يتعزز بها على المسلمين ولا يعطيه حتى كل (...) لأنه حاقد، كيف نوليه؟
الشيخ: لا ما نوليه، إذا خفنا من هذا ما نوليه، إذا خفنا من هذا المحظور فلا نوليه.

***

الطالب: إِذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ أَلَنْ يَكْفِيَكُمْ أَنْ يُمِدَّكُمْ رَبُّكُمْ بِثَلَاثَةِ آلَافٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُنْزَلِينَ (١٢٤) بَلَى إِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا وَيَأْتُوكُمْ مِنْ فَوْرِهِمْ هَذَا يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُمْ بِخَمْسَةِ آلَافٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُسَوِّمِينَ (١٢٥) وَمَا جَعَلَهُ اللَّهُ إِلَّا بُشْرَى لَكُمْ وَلِتَطْمَئِنَّ قُلُوبُكُمْ بِهِ وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ (١٢٦) لِيَقْطَعَ طَرَفًا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَوْ يَكْبِتَهُمْ فَيَنْقَلِبُوا خَائِبِينَ (١٢٧) لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ [آل عمران: ١٢٤ - ١٢٨].
الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله تعالى: إِذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ أَلَنْ يَكْفِيَكُمْ أَنْ يُمِدَّكُمْ رَبُّكُمْإلى آخره.
قوله: إِذْهذه ظرف، والقاعدة في اللغة العربية أن الظرف والجار والمجرور لا بد له من متعلق؛ وذلك لأن الظرف والجار والمجرور يقعان موقع المفعول به، وما كان واقعًا موقع المفعول به فلا بد له من عامل يكون واقعًا عليه.
وقوله: إِذْ تَقُولُإذا قلنا: إنها تحتاج إلى متعلق فأين متعلقها؟ قيل: إن متعلقها قوله: وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ: ببدر نصركم إذ تقول للمؤمنين. ولكن هذا قول ضعيف.
والقول الثاني: أنها بدل من قوله: وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ تُبَوِّئُ الْمُؤْمِنِينَ مَقَاعِدَ لِلْقِتَالِوالتقدير: وإذ تقول للمؤمنين ألن يكفيكم، التقدير: إذ تقول للمؤمنين: إذ غدوت إذ تقول للمؤمنين، وهذا أقرب.
ثم إن قوله: إِذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَالخطاب فيه للنبي صلى الله عليه وسلم، وهذا من الخطاب الخاص به الذي لا يتعدى إلى الأمة.
وقوله: لِلْمُؤْمِنِينَيعني بهم الصحابة رضي الله عنهم، ووصفهم بالإيمان دون الصحبة لأنه -أعني الوصف بالإيمان- هو مناط النصر في كل وقت، حتى فيما بعد الصحابة، فإن الله ينصر الذين آمنوا.
أَلَنْ يَكْفِيَكُمْهذه مقول القول، أي: إذ تقول لهم هذا الكلام: أَلَنْ يَكْفِيَكُمْ أَنْ يُمِدَّكُمْ رَبُّكُمْ بِثَلَاثَةِ آلَافٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُنْزَلِينَ. قال أهل العلم: إن الصحابة رضي الله عنهم بلغهم أن المشركين صار بعضهم يمد بعضًا على قتال النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه، فقال لهم الرسول عليه الصلاة والسلام: ألن يكفيكم -أي يكون كافيًا لكم هذا الأمر- أن يمدكم ربكم بثلاثة آلاف من الملائكة منزلين.
بِثَلَاثَةِ آلَافٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِالملائكة هم عالم غيبي خلقهم الله تعالى من نور، ووجه لهم عبادات وأعمالًا يقومون بها لا يعصون الله فيها ويفعلون ما يؤمرون، فليس عندهم استكبار تكون به المعصية، وليس عندهم عجز يكون به تخلف الفعل، بل هم سامعون مطيعون قادرون على تنفيذ أمر الله، بخلاف البشر؛ فإنه يكون عندهم استكبار فيعصون الله، ويكون عندهم عجز فلا يقدرون على تنفيذ أمر الله، أما الملائكة فعندهم قوة لا يعجزون عن امتثال أمر الله، وعندهم انقياد تام فلا يعصون الله سبحانه وتعالى.
وقوله: بِثَلَاثَةِ آلَافٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُنْزَلِينَمنزلين من أي مكان؟ من السماء؛ لأن الأصل أن مكان الملائكة السماء، ولكن هناك ملائكة يكونون مع الإنسان كالكرام الكاتبين والحفظة الذين يتعاقبون على الإنسان ملائكة بالليل وملائكة بالنهار، وإلا فالأصل أنهم في السماء.
وقوله: مُنْزَلِينَفيها قراءتان: {مُنَزَّلِينَ} ومُنْزَلِينَ، فعلى قراءة التخفيف تكون من (أنزل)، وعلى قراءة التشديد تكون من (نزَّل)، والمعنى واحد، والذي ينزلهم هو الله سبحانه وتعالى؛ لأنهم ينزلون بأمره.
قال الله تعالى: بَلَىبلى هذه لإثبات، أو للتقرير تقرير الاستفهام: أَلَنْ يَكْفِيَكُمْ؟ بلى، يعني: يكفيكم أَنْ يُمِدَّكُمْ رَبُّكُمْ بِثَلَاثَةِ آلَافٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُنْزَلِينَ.
يقول: بلى، يعني يكفيكم هذا الإمداد، لكن بشرط: إن تصبروا وتتقوا ويأتوكم من فورهم هذا يمددكم ربكم بأكثر مما قلتَ لهم. فالنبي عليه الصلاة والسلام قال: ألن يكفيكم أن يمدكم بثلاثة، لكن إن صبرتم واتقيتم أمدكم الله بأكثر. ولهذا قال: يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُمْ بِخَمْسَةِ آلَافٍ.
فهاهنا شيئان: ثلاثة آلاف من الملائكة: هذا وعد به الرسول عليه الصلاة والسلام، خمسة آلاف من الملائكة: زائدة على الثلاثة هذا تكفل الله به، لكن بشرط الصبر والتقوى.
وقوله: وَيَأْتُوكُمْ مِنْ فَوْرِهِمْ هَذَا [آل عمران: ١٢٥] أي يأتوكم من الجهة التي جاؤُوكم منها في وقت مبادر؛ لأن الفور معناه المبادرة بالشيء، فالمعنى أنهم إذا باغتوكم وأتوكم من فورهم فإنه يمددكم بخمسة آلاف من الملائكة مسومين.
فالشروط إذن ثلاثة: الصبر، الثاني؟
الطلبة: التقوى.
الشيخ: والثالث: أن يأتوهم من فورهم هذا، فإن الله يمدهم بخمسة آلاف من الملائكة ليسوا منزلين فقط، بل مسوَّمين، أي معلَّمين علَم الجهاد وعلَم القتال، وهذا أبلغ من مجرد الإنزال، فالله سبحانه وتعالى تكفل بالزيادة، وهذا يعود إلى الكمية، وتكفل بالقوة والشجاعة، وهذا يعود إلى الكيفية.
وقوله: {مُسَوَّمِينَ} [آل عمران: ١٢٥] أي معلمين بعلامات القتال؛ لأن العادة أن الشجعان يجعلون لهم علامات فوق لأمة الحرب حتى يُعرف بها الشجاع من غيره.
هذا الإمداد اختلف أهل العلم هل هذا في بدر أو في أُحد؛ فإن كان في بدر ففيه إشكال، حيث إن الله تعالى ذكر أن الله أمدهم في بدر بألف من الملائكة فقال: إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُرْدِفِينَ [الأنفال: ٩] وهنا قال: ثلاثة آلاف وخمسة آلاف، لكن جمعوا بينهما بأنه لا مانع أن الله استجاب لهم فأمدهم بألف من الملائكة ثم زيد فيهم إلى ثلاثة آلاف، ثم زيد فيهم إلى خمسة آلاف إذا تمت الشروط.
وبناء على هذا القول يكون قوله: إِذْ تَقُولُمتعلق بـ(نَصَرَ).
والقول الثاني: أن هذه الآية في أحد وليست في بدر؛ لأن الذي في بدر كان الأمر فيها غير مشروط: إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُرْدِفِينَوهذه مشروطة، ولم يحصل الشرط فلم يحصل المشروط، أي أن المسلمين في غزوة أحد لم يحصل منهم الشرط الذي اشترطه الله، وهي التقوى والصبر؛ وذلك لأنهم حصل منهم تنازع وفشل ومعصية، فلم يكونوا على الحال التي يستحقون بها ما شرط الله لهم.
وهذا القول أصح وأقرب؛ أن يكون المراد بذلك غزوة أحد، وأنه لم يحصل الإمداد؛ لأن الإمداد كان مشروطًا بشرط لم يتحقق، وعلى هذا فلا يبقى إشكال بين الآيتين؛ لأن كل آية نزلت في غزوة.
ثم إنه يجب أن نعلم أن الذي وعدهم به الرسول عليه الصلاة والسلام غير الذي وعدهم الله به، فليس الكلام من متكلم واحد، بل من النبي صلى الله عليه وسلم ومن الله سبحانه وتعالى، فالرسول قال: أَلَنْ يَكْفِيَكُمْ أَنْ يُمِدَّكُمْوالله قال: بَلَى إِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا وَيَأْتُوكُمْ مِنْ فَوْرِهِمْ هَذَا يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُمْ بِخَمْسَةِ آلَافٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُسَوِّمِينَ.
ثم قال الله تعالى: وَمَا جَعَلَهُ اللَّهُ إِلَّا بُشْرَى لَكُمْ(جعلهُ) الضمير قيل: إنه يعود إلى الإمداد، أو إلى الوعد به بالشروط الثلاثة، وقيل: إنه يعود إلى قول الرسول عليه الصلاة والسلام: إِذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ، يعني أن الله لم يجعل قول الرسول عليه الصلاة والسلام إلا بشرى لكم، والبشرى هي الخبر بما يسر، وهذه لا شك أنها بشرى؛ إذ إن المقاتل إذا علم أن الله سبحانه وتعالى سيمده بالملائكة فإنه سوف ينشط ويقوى ويؤمل النصر، بخلاف ما إذا كان لم يحصل له هذا الشيء.
وقوله: إِلَّا بُشْرَى لَكُمْ [آل عمران: ١٢٦] ما نعلم هل تعرفون إعراب بشرى؟
طالب: مفعول ثان.
الشيخ: مفعول ثان لأيش؟
الطالب: لـ(جعل).
الشيخ: لـ(جعل) ولَّا منصوب على الاستثناء؟
طالب: مفعول لأجله يا مفعول ثان لـ(جعل)، إذا كان (جعل) بمعنى (صيّر) فمفعول ثان، إذا كان ما هو بمعنى (صير) بعد مفعول لأجله.
الشيخ: ما تصح استثناء؟
الطالب: لا.
الشيخ: لماذا؟
الطالب: ما هو مذكور المستثنى منه لأنه أداة حصر.
الشيخ: لأن العامل لم يستكمل معموله.
قال: وَلِتَطْمَئِنَّ قُلُوبُكُمْ بِهِ [آل عمران: ١٢٦] وَلِتَطْمَئِنَّ: الاطمئنان معناه الاستقرار وعدم القلق، ولا شك أن طمأنينة القلب فيها راحة للنفس، وفيها فتح للتفاؤل والأمل، وفيها ثبات على الأمر، بخلاف الإنسان الذي لم يطمئن قلبه، فتجده دائما في قلق وضيق، أما إذا اطمأن قلبه فإن ذلك مما يعينه على التحمل والثبات والصبر، ولهذا قال: وَلِتَطْمَئِنَّ قُلُوبُكُمْ بِهِ. في آية الأنفال يختلف السياق، هناك قال: وَمَا جَعَلَهُ اللَّهُ إِلَّا بُشْرَى وَلِتَطْمَئِنَّ بِهِ قُلُوبُكُمْ [الأنفال: ١٠] وحذف قوله: (لكم)، وقدم الجار والمجرور على الفاعل: وَلِتَطْمَئِنَّ بِهِ قُلُوبُكُمْفي سورة الأنفال، أما هنا وَلِتَطْمَئِنَّ قُلُوبُكُمْ بِهِ، وهذا مما يؤيد أن الآيتين ليستا في غزوة بدر، بل آية الأنفال في غزوة بدر، وهذه في غزوة أحد، ولم يحصل الإمداد لما عرفتم من تخلف الشرط.
ثم قال: وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِيعني حتى لو أُمددتم بالملائكة ثلاثة الآلاف أو خمسة الآلاف؛ فليس النصر بهم، ولكن النصر من عند الله، وهو الذي يهيئ أسباب النصر، فلا تعتمد على غير الله سبحانه وتعالى مما جعله الله تعالى سببا في النصر.
قال: إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِالعزيز يعني: ذو العزة، وعزة الله سبحانه وتعالى ثلاثة أنواع: عزة القدر، وعزة القهر، وعزة الامتناع، عزة القدر: يعني الشرف والسيادة والفضل، مثل أن تقول: هذا الشيء عزيز وجوده، يعني أنه منفرد بالصفات الكاملة عن غيره. عزة القهر...