ضعف الشيء مثله، بمعنى أنك تكرر مرتين فيكون ضعفًا كدرهم بدرهمين مُضَاعَفَةًيعني مزيدة على الضعف الأول، فمثلًا درهم بدرهمين
وبعد سنة نجعله بثلاثة دراهم، وبعد سنة نجعله بأربعة دراهم، هذا هو فعل الجاهلية،
رِبا الجاهلية، يستدين الرجل من الشخص، فإذا حلّ الأجل قال: إما أن تُوفي، وإما أن
تُرْبِي، إذا أوفى برئت ذمته، إذا لم يُوفِ يُربِي بمعنى أنه يزيد، فيقول مثلًا:
إذا حلّ وقدره ألف، يقول: إما أن توفيني الألف وإلا فهو عليك إلى السنة القادمة
بألفين، فإذا جاءت السنة القادمة ولم يوفِ قال: إما أن توفي وإما أن تُربِي، فإن
أوفى برئت ذمته وإن لم يوفِ قال: نجعله للثالثة لكن يكون بثلاثة آلاف، هذه أضعاف
مضاعفة، هذه أضعاف مضاعفة، ولا شك أنها ظلم عظيم؛ لأنه إذا حلّ الديْن على الإنسان
وليس عنده شيء فالواجب؟ الواجب إنظاره، كما قال الله تعالى: وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ [البقرة: ٢٨٠] وقال الله تعالى: لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا مَا آتَاهَا [الطلاق: ٧] فالممتنع عن الوفاء ليس بآثم مع العجز،
والمطالِب بالوفاء مع العجز آثم؛ لأن الله أوجب الإنظار.
إذن صورة المسألة أَضْعَافًا مُضَاعَفَةًأنه إذا حلّ الأجل قال الدائن: إما أن
توفي وإما أن تُربِي، فلعجزه يُربِي، إذا حلّ الأجل الثاني قيل له كما قيل في
الأول، فيكون عاجزًا فيُربِي ثانية وثالثة ورابعة حتى يكون الألف إلى مئة ألف، هذا
أضعاف مضاعفة، ولا شك أن هذا ظلم عظيم؛ لأنه لا يمكن لأحد أن يُربِي إلا لأحد
أمرين: إما أنه عاجز، وإما أنه كاسب أكثر مما جُعِلَ عليه من الربا؛ بمعنى أنه
يقول: أنا لا أوفي لكن مئة ألف أكسب بها في السنة ثلاث مئة ألف. ولا يهمني أن يزيد
عليَّ مثلًا مئة ألف ربًا لأني سأكسب، أما أن يكون الإنسان قادرًا وليس له فائدة من
بقاء الدين في ذمته فإنه لا يمكن أن يفعل.
قوله: أَضْعَافًا مُضَاعَفَةًفيها قراءة: {مُضَعَّفَةً} {أَضْعَافًا مُضَعَّفَةً}
والمعنى واحد.
وقوله: أَضْعَافًا مُضَاعَفَةًليس له مفهوم، ليس له مفهوم؛ لأنه جاء
على وفق العادة الغالبة، وما جاء على وفق العادة الغالبة فإنه لا مفهوم له، هذه
قاعدة من قواعد أصول الفقه: أن القيد إذا كان من أجل أنه الأمر الغالب فإنه لا
مفهوم له. وله أمثلة منها قوله تعالى: وَرَبَائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسَائِكُمُ اللَّاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ [النساء: ٢٣] فإن قوله: اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْقيد
على وفق العادة والغالب، ولهذا تحرم الربيبة وإن لم تكن في حَجره.
ومنه قوله
تعالى: وَلَا تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ عَلَى الْبِغَاءِ إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّنًا [النور: ٣٣] فإن هذا لا يدل على أن الأمة إذا امتنعت
من الزنا لأن الرجل الذي طُلِب منها أن تزاني به لا يعجبها، هل نقول في هذه الحال:
لنا أن نكرهها على ذلك؟! يعني رجل عنده فتاتان، فتاة أجبرها على الزنا وأبت تحصنًا،
تريد تحصين فرجها، هذه بنص الآية أنه لا يجوز إكراهها؛ لأنها تريد التحصّن، الفتاة
الثانية طُلِب منها أن تزني بالرجل قالت: والله الرجل هذا خِلْقته قبيحة، وطلبت أن
يكون الرجل الذي يُطْلَب منها أن تزني به جميلًا، فهل يكرهها على القبيح؟! هي
امتنعت لا تريد التحصن، لكن تريد رجلًا جميلًا، فهل له أن يكرهها في هذه الحال؟
طالب: ليس له هذا.
الشيخ:
لماذا؟ الآية يقول الله عز وجل: إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّنًاوهذه لم تُرد التحصن، ولهذا طلبت أن يُطلَب لها رجل جميل فتزني
به، فماذا نقول؟ نقول: لأن هذا هو الغالب فلا مفهوم له، لا مفهوم له، واضح؟
إذن
قوله: أَضْعَافًا مُضَاعَفَةًهذا بناء على الغالب وهو
الربا المعروف في الجاهلية الذي قاعدته وأساسه أن يقول الدائن: إما أن تُوفي وإما
أن تُربِي.
أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً وَاتَّقُوا اللَّهَنهى عن أكل الربا أضعافًا مضاعفة، ثم أمر بالتقوى، وهذا من باب
التوكيد، يعني أن أَكْلَكم مجانب للتقوى، وتقوى الله سبحانه وتعالى هي اتخاذ وقايةٍ
من عذابه بفعل أوامره واجتناب نواهيه، وقد قيل في تعريفها:
| خَلِّ الذُّنُـــــــوبَ صَغِيرَهَـــــــــــــــــــا | وَكَبِيرَهَــــــــــــــــــا ذَاكَ التُّقَـــــــــــــــــــــــــى |
| وَاعْمَلْ كَمَاشٍ فَــــــــوْقَ أَرْضِ | الشَّوْكِ يَحْـــــذَرُ مَا يَـــــــــــــــــــــــــــرَى |
| لَا تَحْقِـــــــــــــــــــرَنَّ صَغِيــــــــــــــــــــــــــــرَةً | إِنَّ الْجِبَــــــــــــــالَ مِــــنَ الْحَصَـــــــــــــا |
ولكن ما ذكرناه أعم، وهي أن التقوى أن يتخذ الإنسان وقاية من عذاب الله بفعل أوامره واجتناب نواهيه.
لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَلعل هنا للتعليل؛ لأن الكلام صادر من الله، والترجّي في حق الله مستحيل؛ لأن الترجّي طلب ما فيه مشقة، والله سبحانه وتعالى لا يشق عليه شيء، كل شيء عليه هيِّن، فتكون لعل للتعليل، يعني من أجل أن تفلحوا، وما هو الفلاح؟ الفلاح قال أهل العلم: إنه كلمة جامعة لحصول المطلوب وزوال المكروه، فهي من أجمع الكلمات، فالفلاح حصول المطلوب وزوال المكروه، فمن حصل له المكروه فهو ناقص الفلاح، ومن زال عنه المكروه ولكن لم يحصل مطلوبه فهو ناقص الفلاح، ومن لم يحصل مطلوبه ولم ينجُ من مرهوبه فلا فلاح عنده، ومن حصل له المطلوب ونجا من المكروب فهو المفلح، إذن تقوى الله عز وجل من أسباب الفلاح، وكل واحد من الناس ينشد الفلاح، كل واحد يحب أن ينال مطلوبَه وأن ينجو من مرهوبه، فأين نجد هذا؟ نجده في تقوى الله عز وجل؛ في القيام بطاعته واجتناب نهيه، وهو أمر يسير على مَن يسرّه الله عليه، افعل ما أُمِرْتَ به واترك ما نُهِيتَ عنه وبذلك يحصل لك الفلاح.
في هذه الآية من الفوائد؛ أولًا: تعظيم شأن الربا وخطره، وجهه: أنه صُدِّر الخطاب في شأنه بالنداء.
ومن فوائدها: أن اجتناب الربا من مقتضيات الإيمان، وأن كل مؤمن صادق الإيمان فلا بد أن يتجنب أيش؟ أكل الربا.
ومن فوائدها: أن أكل الربا مُنَقِّص للإيمان، أن أكل الربا يُنَقِّص الإيمان، وهذا أمر لا شك فيه عند أهل السنة والجماعة؛ أن أكل الربا ينقص الإيمان؛ لأنه كبيرة من كبائر الذنوب، وفعل الكبائر عند أهل السنة يُنَقِّص الإيمان، وعند الخوارج أيش؟ يُخرِج من الإيمان ويُدخِل الكفر، وعند المعتزلة يُخرِج من الإيمان ولا يُدخِل في الكفر؛ لأنهم يقولون: إن فاعل الكبيرة لا مؤمن ولا كافر، فهو خارج من الإيمان غير داخل في الكفر، وعند المرجئة مؤمن كامل الإيمان، لو أكل الربا ليلًا ونهارًا فهو مؤمن كامل الإيمان، لكن نحن نقول: هو مؤمن ناقص الإيمان.
ومن فوائد هذه الآية الكريمة: تحريم أكل الربا؛ لقوله: لَا تَأْكُلُوا الرِّبَاوالأصل في النهي التحريم لا سيما وأنه أُكِّد بقوله: وَاتَّقُوا اللَّهَ.
وهل يقاس على الأكل بقية الإتلافات بالشرب واللباس وبناء المساكن وما أشبهها؟
طلبة: نعم.
الشيخ: الجواب: نعم، لكن عبّر بالأكل؛ لأنه أخص وجوه الانتفاع، أخص وجوه الانتفاع هو الأكل، وغيره مثله.
من فوائد هذه الآية: أن الربا لا يحرم إلا إذا كان أضعافًا مضاعفة.
الطالب: شيخ، لا (...).
الشيخ: لا، موجود: لَا تَأْكُلُوا الرِّبَا أَضْعَافًا مُضَاعَفَةًأما ضعف واحد فيجوز؟
الطالب: لا يجوز.
طالب: إذا كان (...).
الشيخ: لماذا؟ لأن هذا بناء على الواقع الغالب، وما كان كذلك فإنه لا مفهوم له، ولهذا قال النبي عليه الصلاة والسلام في الحديث اللي أشرنا إليه أولًا قال: «مَنْ زَادَ أَوِ اسْتَزَادَ فَقَدْ أَرْبَى» أي وقع في الربا مع أنه ما أكل أضعافًا مضاعفة، وقال في أخذ صاع بصاعين من التمر قال: «عَيْنُ الرِّبَا، لَا تَفْعَلْ، رُدَّهُ» واضح يا جماعة؟ إذن هذا القيد لا مفهوم له، خلافًا لمن قال: إنه قيد شرطي، وأن الربا لا يحرم إلا إذا كان في هذه الصورة، وأجازوا الربا إذا كان ليس فيه ظلم، وإنما هو استثماري تزداد به أموال الدولة، وينشط به الاقتصاد، فإن من العلماء ولا سيما المتأخرون من زعم ذلك، ولكنه زعم باطل، الربا محرّم بأي نوع من أنواعه، وسواء كان أضعافًا مضاعفة أو ضعفًا واحدًا أو دون الضعف: «مَنْ زَادَ أَوِ اسْتَزَادَ فَقَدْ أَرْبَى» والصاع بالصاعين وصفه النبي عليه الصلاة والسلام بأنه عين الربا، وليس فيه ظلم، وليس فيه أضعاف مضاعفة، ومع ذلك سماه ربًا، بل عين الربا، سماه عين الربا.
من فوائد هذه الآية: أنه يجوز أن أبيع عليك سلعة تُوفيني بها بأكثر من ثمنها ويبقى ثمنها في ذمتك، يعني لما حل الأجل وهو عشرة آلاف ريال قلت: أنا أبيع عليك سلعة تساوي عشرة آلاف ريال باثني عشر ألفًا ثم توفيني بقيمتها، هل يجوز؟
طالب: لا يجوز.
الشيخ: أنتم فاهمين الصورة زين ولَّا لا؟
طلبة: ما هي واضحة.
الشيخ: حلّ لزيد على عمرو عشرة آلاف ريال، فقال عمرو: ليس عندي شيء، قال له زيد: أنا أبيع عليك سيارة بعشرة آلاف ريال وتوفيني، سيارة تساوي عشرة آلاف ريال أبيعها عليك باثني عشر ألفًا وتوفيني؟
طلبة: ما يجوز.
الشيخ: هو ما قال العشرة بأخليها اثني عشر، قال: أبيع عليك السيارة تساوي عشرة باثني عشر ألفًا إلى سنة، ثم بِعها وأعطني قيمتها عشرة آلاف ريال.
طلبة: لا يجوز؟
الشيخ: لا يجوز، لا يجوز لأيش؟
الطلبة: تحايل.
الشيخ: لو قلت: سنجعل العشرة اثني عشر هذا حرام واضح، لكن أنا ما قلت هكذا، قلت: أبيع عليك سيارة باثني عشر ألفًا إلى سنة وهي تساوي عشرة لتوفيني بها.
طالب: على طريقة الحيلة.
الشيخ: هذا لا يجوز لأنه حيلة، ومع الأسف أن بعض المسلمين اليوم يفعلون هذا، فيكونون سواء مع اليهود في التحيُّل على محارم الله، ويكونون سواء مع اليهود في أكل الربا؛ لأن هؤلاء أكلوا الربا وتحيّلوا على أكله، فيزداد الربا قبحًا إلى قبحه؛ لأنه بعد أن كان صريحًا ربما تؤنّبك نفسك عليه في يوم من الدهر صار خداعًا زيّنه لك الشيطان، والذي يفعل هذا يعتقد أنه لا شيء فيه، ولا شك أن هذا أخبث مما لو قال: سنجعل العشرة اثني عشر إلى سنة، هذا لا شك أنه حرام لكن الحيلة الأولى أخبث؛ لأنها تضمنت مع مفسدة الربا الخداع لله عز وجل، والله سبحانه وتعالى لا يخفى عليه شيء: «إِنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ، وَإِنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى» ليش تعطيه السيارة؟ ويش الفائدة منها؟ هو أخذ السيارة وعلى طول للمعرض باعها هو لا يريدها، وأنت لم تبعها عليه إلا لأنه ليوفيك بقيمتها وتبقى الزيادة التي في قيمة السيارة ربا أضعافًا مضاعفة.
طالب: هذه المسألة غير مسألة العينة يا شيخ؟
الشيخ: إي نعم، هذا غير مسألة العينة، مسألة العينة يبيع عليه السلعة بثمن مؤجّل، ثم يشتريها بأقل منها نقدًا، أما هذا دَيْن ثابت في ذمته تحيَّل عليه، قال: أبيع عليك هذه السيارة بعشرة من أجل تبيع وتاخد دراهمها وتوفيني، وبعد سنة أطالبك بقيمة السيارة: اثنا عشر.
طالب: والسيارة بسيارتين كذلك قد يجيء حيلة مثلًا واحد يبيع على الآخر سيارة في المعرض بخمس وثمانين من المعرض، يقول لك: في السنة الجاي تشتري في هذا المعرض ٨٥ اثنين سيارات اثنين؟
الشيخ: لا، سيارة بسيارة، أنا عندي سيارة جيدة من النوع الجيد، وأنت عندك سيارتان ليس نوعهما جيدًا فآخذ منك السيارتين بالسيارة.
الطالب: صورة أخرى، يعني واحد يبغى سيارة حتى يبيع ويستفيد من مبلغه، وقال: هاتني سيارة من معرض خمس وثمانين واحد، وفي السنة الجاي أعطيك من المعرض سيارتين؟
الشيخ: إي نعم، نعم، هذا لا بأس به؛ لأن النبي عليه الصلاة والسلام قال لعبد الله بن عمرو بن العاص: «اسْتَسْلِفْ عَلَى إِبِلِ الصَّدَقَةِ» فكان يأخذ البعير بالبعيرين والبعيرين بالثلاثة، تدري لماذا؟ لأنه ربما في العام القادم تكون قيمة السيارتين أقل من قيمة السيارة في العام الماضي، فالربا ما هو متحقق، ما هو متحقق، واضح؟
طالب: شيخ، نحن قلنا: إن الأوراق النقدية تأخذ عِلّة الذهب والفضة، كثير من الشباب يتساءلون عن الصرف في الأوراق النقدية بالقطع الحديدية سواء زادت أو قلّت، نريد تحقيق هذه المسألة؟
الشيخ: التحقيق عندنا هو أنه لا بأس بالزيادة، لكن لا بد أن تكون يدًا بيد.
طالب: الدليل يا شيخ.
الشيخ: الدليل: «إِذَا اخْتَلَفَتْ هَذِهِ الْأَصْنَافُ فَبِيعُوا كَيْفَ شِئْتُمْ» ، فمثلًا البر والشعير المقصود بهما الطعم فالمقصود واحد، لكن لما اختلف الجنس جاز التفاضل، هذه الأوراق النقدية والنقود المقصود بها واحد، لكن لما اختلف الجنس يجوز التفاضل.
الطالب: لكن الجنس واحد.
الشيخ: لا ما هو جنس واحد، هذا حديد وهذا ورق، والمنفعة مختلفة أيضًا.
***
طالب: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا الرِّبَا أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (١٣٠) وَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ (١٣١) وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (١٣٢) وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ (١٣٣) الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (١٣٤) وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ (١٣٥) [آل عمران: ١٣٠ - ١٣٥].الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله تبارك وتعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَأْكُلُوا الرِّبَا أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (١٣٠) وَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ (١٣١) وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَالآية الأولى تقدم الكلام عليها.
وقبل أن نبدأ بهذا الدرس نود أن نتحدث بنعمة الله سبحانه وتعالى على ما مَنَّ به علينا من إتمام الصيام والقيام، ونسأل الله سبحانه وتعالى أن يعيد أمثاله علينا وعلى المسلمين بخير وأمن وعمل صالح، إن الإنسان ينبغي له إذا عمل عملًا صالحًا أن يتذكر هذا العمل لا لِيمُنَّ به على ربه، ولكن ليشكر الله على توفيقه وعلى إحسانه حيث أعانه على هذا العمل الذي خَذَلَ عنه كثيرًا من الناس، كما قال الله تبارك وتعالى: وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ [الأنعام: ١١٦] فيحمد الله على هذه النعمة ويجدّد الشكر والعزيمة على فعل الخير، ويذكر أن الزمن الفائت والزمن المستقبَل كلاهما يحتاج إلى ملئه بالعمل الصالح؛ لأن هذه الأيام خزائن يودِع فيها الإنسان ما يودعه فيها من أجل أن ينتفع به في يوم لا ينفع فيه مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم.
وعلينا أيضًا أن نتحدث بنعمة الله سبحانه وتعالى أن جاء هذا الشهر بعد أن زالت تلك الفتن والظلمات التي أعشت الأبصار وأتعبت القلوب وأقلقت الراحة حتى صام الناس -ولله الحمد- شهرهم وقاموه وهم في حال طمأنينة وفرح بما أنعم الله به من زوال تلك الحروب.
وعلينا أيضًا أن نشكر الله سبحانه وتعالى، وأن نتحدث بنعمته حيث كان هذا الشهر المبارك شهر رمضان في أيام هي أحسن أيام السنة من حيث الطقس؛ لأنها أول فصل الربيع، فكان -ولله الحمد- مُيسرًا، ليس فيه حرٌّ مزعج ولا برد مؤلم، بل أداه الناس -ولله الحمد- براحة وطمأنينة، فأُذَكِّر نفسي وإياكم بنعم الله الكثيرة التي لا تحصى؛ لأن الإنسان كلما ذكر النعم ازداد محبة لله وطاعة له وتحدثًا بنعمه، ولنذكر أيضًا أن من بلاد المسلمين من يعيش في قلق في خوف في جوع في عُري، وهذه البلاد -ولله الحمد- تمر بها الأحداث العظيمة ومع ذلك لم تتأثر، فنحن -كما شاهدتم، ولله الحمد، في الأزمات- أسواقنا هي على ما هي عليه، وكل شيء على ما هو عليه، وهذه من نعمة الله سبحانه وتعالى، ونسأل الله تعالى أن يزيدنا وإياكم من فضله ويرزقنا شكر نعمته.
أما درسنا اليوم فهو تفسير كلام الله سبحانه وتعالى الذي ينبغي لنا أن نعتني به؛ لأن أفضل موضوع هو موضوع التفسير؛ لأنه شرح لكلام الله، وإذا كنا نحرص على أن نشرح كلام الحجّاوي في زاد المستقنع أو نشرح كلام فلان وفلان في كتبهم فالواجب علينا أن نعتني بكتاب الله أكثر وأكثر؛ لأنه كلام الله عز وجل، فإذا اعتنى به الإنسان حصّل بذلك خيرًا كثيرًا في العلم وفي الدين وفي الأخلاق وفي كل شيء.
ولا تظنوا أن درس التفسير سهل؛ لأنه مثلًا تأتي فيه آيات متكررة؛ لأن كل آية تجد فيها معنى غير المعنى الذي في الآيات الأخرى، ثم هو خير للإنسان، كل حرف منه بعشر حسنات.
يقول الله عز وجل: وَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَاتَّقُوا اللَّهَوَاتَّقُوا النَّارَ، اتَّقُوا اللَّهَعز وجل سبق الكلام عليها بأن معناها فعل الأوامر وترك النواهي، لكن تَعَبُّدًا لله؛ تفعل الأوامر تَعَبُّدًا لله، وتترك النواهي تَعَبُّدًا لله وتذللًا له.
أما قوله: وَاتَّقُوا النَّارَفهي تقوى من نوع آخر؛ وهي أن تتخذ ما يقيك منها كما تتخذ ما يقيك من الحر في الدنيا؛ لقوله تعالى: وَجَعَلَ لَكُمْ سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ وَسَرَابِيلَ تَقِيكُمْ بَأْسَكُمْ [النحل: ٨١] فليس تقوانا للنار تقوى عبادة وتذلل كتقوانا لله، فاللفظ واحد والمعنى مختلف، فتقوى النَّارَ معناه أن نتخذ حجابًا دونها حتى لا يصيبنا لفحها، هذا هو تقوى النار، وليست كتقوى الله التي هي تقوى تذلل وعبادة.
اتَّقُوا النَّارَ الَّتِي أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَهذه النار ورد في الكتاب والسنة من أوصافها وأوصاف عذابها ما تنخلع له القلوب، وبَسْطُ هذا معروف.
الَّتِي أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَالَّتِي أُعِدَّتْأي: هُيِّئَت لهم، والمعدّ لها هو الله عز وجل. وقوله: لِلْكَافِرِينَأصل الكفر في اللغة الستْر، ومنه: الكُفُرَّى الذي نسميه (الكافور)؛ وهو وعاء طلع النخل، هذا أصله في اللغة، أما في الشرع فإنه جحْد الإنسان لنعمة الله عز وجل، وأعظمه الكُفر الْمُخرج عن الملة، وهناك كفر دونه كما ذُكِر عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال: كُفْرٌ دُونَ كُفرٍ .
وقوله: لِلْكَافِرِينَيعني الكافرين بما يجب الإيمان به، وأركان الإيمان وأصوله الستة بيَّنها الرسول صلى الله عليه وسلم في قوله: «أَنْ تُؤْمِنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْقَدَرِ خَيْرِهِ وَشَرِّهِ» .
في هذه الآية من الفوائد: وجوب اتخاذ ما يقي من النار؛ لقوله: وَاتَّقُوا النَّارَوالأصل في الأمر الوجوب.
ومن فوائدها: أن النار موجودة، موجودة الآن، من أين تؤخذ؟ من قوله: أُعِدَّتْ.
ومن فوائدها: أن أهل النار هم الكافرون؛ لقوله: أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَأما الفُسَّاق الذين يُعذَّبون بالنار على قدر أعمالهم، ثم يُخرَجون منها فإن النار لم تُعدَّ لهم، حتى إن بعض العلماء قال: إن النار ناران: نار الكافرين، ونار العصاة، ولكن ظاهر النصوص خلاف ذلك، وأن النار واحدة، لكن عذابها يُخفّف ويُثَقَّل بحسب عمل الإنسان.
ثم قال: وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَالجملة هنا معطوفة على ما سبق.
قوله: أَطِيعُوا اللَّهَالطاعة: هي موافقة الأمر، موافقة الأمر فعلًا للمأمور وتركًا للمحظور، فمن ترك مأمورًا به فليس بطائع، ومن فعل منهيًّا عنه فليس بطائع، وأصلها من الطَّوْع وهو الانقياد، ومنه قولهم: هذه ناقة طَوْع أي: منقادة لقائدها لا تستعصي عليه.
أَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَالرسول هنا فيه (أل)، فهل هي للجنس أو للعهد؟
طالب: للعهد.
الشيخ: هي للعهد؛ لأن هذا الخطاب موجّه لهذه الأمة، وهذه الأمة رسولها واحد وهو محمد صلى الله عليه وسلم، فتكون (أل) هنا للعهد، والأخ يبين لنا أي أنواع العهد؟ إي نعم، أي أنواع العهد في قوله: أَطِيعُوا الرَّسُولَ؟
طالب: العهد الذهني.
الشيخ: العهد الذهني، وذلك أن العهد ثلاثة أنواع: ذِهني، وذِكْري، وحضوري، فإن كانت (أل) تشير إلى شيء مذكور فهو ذكري مثل قوله تعالى: كَمَا أَرْسَلْنَا إِلَى فِرْعَوْنَ رَسُولًا (١٥) فَعَصَى فِرْعَوْنُ الرَّسُولَ [المزمل: ١٥، ١٦].
وإن كانت تشير إلى شيء حاضر فهي للعهد الحضوري، مثل قوله تعالى: الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ [المائدة: ٣]. وهكذا كل (أل) تأتي بعد اسم الإشارة، فإن كل (أل) تأتي بعد اسم الإشارة فهي للعهد الحضوري، مثل: هذا الرجل، هذا الإنسان، وما أشبه.
والثالث: العهد الذهني الذي يكون معلومًا بالذهن، فهنا الرسول هو محمد صلى الله عليه وسلم وهو معهود ذهنًا.
وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ(لعل) هنا للتعليل وليست للترجّي، و(لعل) تأتي كما مر علينا كثيرًا تأتي للتعليل وللإشفاق وللترجّي، وتأتي للتمني أحيانًا، والفرق بين التمنّي والترجي: أن الترجي فيما يُرجى حصوله، والتمني فيما لا يُرجى حصوله، إما لعُسره وإما لتعذّره، وهنا للتعليل؛ يعني إذا أطعتم الله والرسول حصلت لكم الرحمة: لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَوالرحمة يكون بها حصول المطلوب وزوال المكروه، وإذا قُرِنَت بالمغفرة صارت المغفرةُ لزوال المكروه، والرحمةُ لحصول المطلوب، أي: لعلكم تكونون في رحمة الله التي بها النجاة وحصول الثواب والأجر الكثير.
في هذه الآية من الفوائد؛ أولًا: وجوب طاعة الله ورسوله، تؤخذ يا أخ؟
طالب: من قوله تعالى: وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ.
الشيخ: ما وجه الأخذ أَخْذِها من ذلك؟
طالب: قوله: وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ.
الشيخ: إي، لكن ما وجه الأخذ؟
الطالب: الآية تأمر بطاعة الله والرسول.
الشيخ: والأصل في الأمر؟
الطالب: الوجوب.
الشيخ: الأصل في الأمر الوجوب.
ومن فوائدها: جواز اقتران اسم الرسول باسم الله في الأمر الذي يكون مشتركًا بينهما؛ لقوله: أَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَأما الأمر الذي لا يكون مشتركًا بينهما وهو الأمر الكوني القَدَري فهذا لا يُذكَر الرسول مع الله إلا بحرف يدل على الترتيب، وبهذا نعرف الفرق بين إسناد الشيء الشرعي إلى الله ورسوله وبين إسناد الكوني إلى الله ورسوله، فإسناد الشيء الشرعي يجوز بالواو، وأما الكوني فلا يجوز إلا بـ(ثم) الدالة على الترتيب والمهلة.
فإذا قلت في أمر شرعي: الله ورسوله أعلم، فهذا صحيح وجائز، وقد أقره النبي صلى الله عليه وسلم نفسه، فإنه في حديث زيد بن خالد الجهني: أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى بهم صلاة الصبح على إثر سماء كانت من الليل، فقال: «هَلْ تَدْرُونَ مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ؟» قالوا: الله ورسوله أعلم . فأقرهم؛ لأن المراد هنا العلم الشرعي، لكن في المسائل الكونية لما قال له رجل: ما شاء الله وشئتَ، أنكر عليه وقال: «أَجَعَلْتَنِي لِلَّهِ نِدًّا؟! بَلْ مَا شَاءَ اللَّهُ وَحْدَهُ» .
من فوائد هذه الآية: أن طاعة الله ورسوله سبب للرحمة؛ لقوله: لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَولكن هل المراد الرحمة العامة أو الخاصة؟
طالب: الخاصة.
الشيخ: المراد الخاصة؛ لأن العامة حاصلة لنا على كل حال حتى الكفار لهم رحمة من الله، لكنها رحمة عامة، فالمراد بالرحمة هنا الرحمة الخاصة التي بها سعادة الدنيا والآخرة.
ثم قال تعالى: وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُإلى آخره.
سَارِعُواولم يقل: أسرعوا؛ لأن المفاعلة تكون من اثنين في الغالب، المعنى أنه لِيَسْبِقْ بعضكم بعضًا أو ليسابق بعضكم بعضًا إلى هذا الأمر: المغفرة والجنة، وهذا كقوله تعالى: سَابِقُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ [الحديد: ٢١].
سَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْالمغفرة: ستر الذنب والتجاوز عنه، وليست هي مجرد التجاوز عن الذنب؛ لأن أصلها من (الْمِغْفَر)، والمغفر ما يوضع على الرأس حال الحرب يتَوقَّى به السهام، وهو مفيد فائدتين وهما: الستر والوقاية، ويدل لهذا قوله تعالى حينما يحاسب عبده في الآخرة ويقرّ العبد بذنوبه فيقول: «قَدْ سَتَرْتُهَا عَلَيْكَ فِي الدُّنْيَا وَأَنَا أَغْفِرُهَا لَكَ الْيَوْمَ» فالمغفرة إذن أيش؟ ستر الذنب والتجاوز عنه، فمن ستر الله عليه ذنبه في الدنيا فقد غفر له، ولكن لا تتم المغفرة إلا بالتجاوز عن الذنب وعدم العقوبة عليه، وإلا فإن الستر نوع من المغفرة بلا شك، فإن الإنسان لو فُضِح بذنبه -والعياذ بالله- لم يكن هذا مغفرة، لكن إذا سُتِر عليه فإن هذا فيه مهلة أن يجعل الله تعالى الأمر بينه وبين عبده لعله يتوب ولا يُعلَم بذنبه.
إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْوكيف نسارع إلى المغفرة؟ المسارعة إلى المغفرة هي المسارعة إلى فعل أسباب المغفرة، المسارعة إلى فعل أسباب المغفرة، وأسباب المغفرة إما استغفار، وإما عمل صالح؛ فالاستغفار أن يقول: اللهم اغفر لي، أستغفر الله، وما أشبه ذلك، وإما عمل صالح؛ لأن من الأعمال الصالحة ما يُكفّر الله به الخطايا مثل: الصلوات الخمس، الجمعة إلى الجمعة، رمضان إلى رمضان، العمرة إلى العمرة، العمل الصالح يُذهِب العمل السيئ، فإذن المسارعة إلى المغفرة هي المسارعة إلى أسباب المغفرة، إما بالاستغفار وهو طلب المغفرة، وإما بالأعمال الصالحة التي تُذهب السيئات.
وقوله: وَجَنَّةٍ عَرْضُهَامغفرة وجنة؛ لأن الإنسان لا تتم سعادته إلا بأمرين: زوال المكروه، وحصول المطلوب، ففي أي شيء يكون زوال المكروه من هذه الآية؟ بالمغفرة.
الشيخ: حصول المطلوب؟
الطالب: بالجنة.
الشيخ: بالجنة، جَنَّةٍ عَرْضُهَا. وقوله: وَجَنَّةٍ عَرْضُهَاالجنة هنا هي الدار التي أعدها الله عز وجل لأوليائه، أعدها الله للمتقين، والمتقون المؤمنون هم أولياء الله، هذه هي الجنة، أما الجنة في قوله تعالى: كَمَثَلِ جَنَّةٍ بِرَبْوَةٍ أَصَابَهَا وَابِلٌ [البقرة: ٢٦٥] فهي البستان، ففرْق، جنة الدنيا هي البساتين، جنة الآخرة هي الدار التي أعدها الله عز وجل لأوليائه، فيها ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر، ولا يمكن للإنسان أن يتصوّر ما في الجنة من النعيم، أما جنات الدنيا فكل إنسان يتصور ذلك، كل إنسان يمكن أن يتصور جنة فلان أو فلان؛ يعني بستانه على صفة كذا وكذا، لكن جنة الآخرة فيها ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر.
وقوله: عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُفي الآية الثانية: عَرْضُهَا كَعَرْضِ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ [الحديد: ٢١] والفرق بينهما: أن التشبيه هنا بليغ، وأما التشبيه هناك فليس ببليغ، يعني من حيث الاصطلاح وإلا كل القرآن بليغ؛ لأنهم يقولون: التشبيه مؤكَّد غير مؤكد، وبليغ غير بليغ، إذا ذُكرت أداة التشبيه فهو غير بليغ، فإذا حُذِفت أداة التشبيه ووجه الشبه صار بليغًا، هنا حُذِفت أداة التشبيه ووجه الشبه، أما إذا ذُكِرت أداة التشبيه فإنه يسمى تشبيهًا مرسلًا، وإذا ذُكِر وجه الشبه صار مرسلًا غير مؤكد، أظنكم تعرفون هذا في البلاغة؟
طالب: نعم.
الشيخ: ما يخالف. نقول: فلان كالبحر كرمًا، وإن شئت فقل: في الكرم، هذا التشبيه فيه كل الأركان الأربعة؛ لأن التشبيه له أركان أربعة مثل القياس: مشبَّه، مشبَّه به، أداة تشبيه، وجه الشبه، فإذا قلت: فلان كالبحر كرمًا، أو في الكرم لا بأس، فهنا التشبيه ذُكِرت فيه الأركان الأربعة، باعتبار ذِكْر أداة التشبيه يُسمى مرسلًا، وباعتبار ذكر وجه الشبه يسمى غير بليغ؛ يعني أن هذا أدنى أنواع التشبيه، فلان إذا ذُكِر المشبّه والمشبّه به وأداة التشبيه ووجه الشبه، فهذا أدنى أنواع التشبيه، إذا حُذفت أداة التشبيه وذُكِر وجه الشبه صار مؤكدًا، لكنه غير بليغ؛ لأنك إذا قلت: فلان بحر، أكدت أنه بحر، في الكرم، نقصته شوي، فإذا حذفت أداة التشبيه ووجه الشبه صار تشبيهًا بليغًا، إذا قلت: فلان بحر، فإذا قلت: رأيت بحرًا يعطي الدراهم بلا عدّ، صار هذا أبلغ من الأول، أبلغ، ويسمى هذا استعارة، معروف عندكم. على كل حال عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُهذا التشبيه ما نوعه؟
الطلبة: بليغ.
الشيخ: بليغ؛ لأنه حذفت منه أداة التشبيه ووجه الشبه فيكون بليغًا. عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُوأيش معنى عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ؟ يعني كعرض السماء والأرض، لكن هل يلزم من هذا أن تكون مالئة للسماء والأرض؟ أو أنها كعرض السماء والأرض وإن كانت هي في محلّ آخر؟
طالب: الثاني.
الشيخ: الثاني، ولذلك شكَّك بعض العلماء في الأحاديث التي فيها أن رجلًا من اليهود سأل النبي صلى الله عليه وسلم قال: عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ، كيف تكون عرضها السماوات والأرض؟ أين السماوات والأرض إذا كانت هي عرضها عرض السماوات والأرض؟ فقال الرسول: «أَيْنَ يَكُونُ اللَّيْلُ إِذَا جَاءَ النَّهَارُ؟» . فهذا الحديث في رفعه نظر، لماذا؟ لأن الآية لا تدل على أن الجنة ملأت السماوات والأرض وصارت في محلهما، بل تدل على أن عرضها عرض السماوات والأرض وإن كانت هي فوقهم، ولذلك نقول: إن الجنة فوق السماوات والأرض كلها، كما ثبت ذلك عن النبي عليه الصلاة والسلام: «إِذَا سَأَلْتُمُ اللَّهَ فَاسْأَلُوهُ الْفِرْدَوْسَ، فَإِنَّهُ أَعْلَى الْجَنَّةِ، وَمِنْهُ تُفَجَّرُ أَنْهَارُ الْجَنَّةِ، وَفَوْقَهَا، أَوْ: وَفَوْقُهَا -رُوِيَ بِالْوَجْهَيْنِ- عَرْشُ الرَّحْمَنِ» . وهذا يدل على أن الجنة فوق السماوات، وأما النار فهي في أسفل السافلين، وعلى هذا فلا يكون في الآية إشكال إطلاقًا. ويحتمل أن نقول: إن هذا اليهودي أراد أن يُلَبِّس ويُشَبِّه في القرآن ويتبع ما تشابه، وإن النبي صلى الله عليه وسلم -إذا صح الحديث- أجابه على وجه يُبْهَت فيه ولا يتكلم، وعلى مقتضى أيش؟ على مقتضى عقله، فقال: «أَيْنَ اللَّيْلُ إِذَا جَاءَ النَّهَارُ؟». وعلى كل حال فإن معنى الآية الكريمة أن هذه الجنة عرضها عرض السماوات والأرض، وطولها؟ قال بعض أهل العلم: إنه إذا كان عرضها السماوات والأرض فطولها أعظم وأعظم؛ لأن العادة أن العرض؟
طالب: أقصر.
الشيخ: دون الطول، ولكن الصحيح أن عرضها واحد، ليس لها عرض وطول؛ وذلك لأنها مستديرة وليست مربعة، وإذا كانت كذلك فإن عرضها يكون طولها، هذا هو الصحيح الذي صحّحه جماعة من أهل العلم.
عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَالجملة في أُعِدَّتْهل هي في محل جر صفة لجنة، أم في محل نصب حالًا من الجنة؟
طالب: صفة للجنة.
الشيخ: يعني في محل جر؟
الطالب: نعم.
الشيخ: صفة للجنة، هل يجوز أن تكون في محل نصب حالًا؟
الطالب: نعم.
الشيخ: لماذا؟ مع أن الجنة نكرة.
طالب: لأنها وصفت الجنة وُصِفَت عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ.
الشيخ: والنكرة إذا وُصِفت جاز أن تأتي منها الحال.
وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَمن الذي أعدها؟
طلبة: الله سبحانه وتعالى.
الشيخ: أعدها الله عز وجل، وقد بيَّن الله ذلك في آيات أخرى مثل قوله تعالى: وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهَارُ [التوبة: ١٠٠] فالْمُعِد هو الله، ولكنه ذُكِر بصيغة المجهول ليوافق قوله فيما سبق: أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ. المتقون هم الذين اتخذوا وقاية من عذاب الله بفعل أوامره واجتناب نواهيه.
ثم ذكر الله من صفاتهم فقال: الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (١٣٤) وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةًإلى آخره [آل عمران: ١٣٤، ١٣٥].
هذه أوصافهم، أولًا: الوصف الأول: الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِوحينئذٍ قد يسأل سائل: كيف بدأ بالإنفاق دون ذكر الصلاة مثلًا، والصلاة أهم من الإنفاق؟ لأنه لما نهى عن أكل الربا أضعافًا مضاعفة بدأ بضده، ضد أكل الربا وهو الإنفاق، وهذا كقوله: وَمَا آتَيْتُمْ مِنْ رِبًا لِيَرْبُوَ فِي أَمْوَالِ النَّاسِ فَلَا يَرْبُو عِنْدَ اللَّهِ وَمَا آتَيْتُمْ مِنْ زَكَاةٍ تُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُضْعِفُونَ [الروم: ٣٩] فإنه لما قال: لَا تَأْكُلُوا الرِّبَا أَضْعَافًا مُضَاعَفَةًبدأ بذكر الإنفاق في صفات المتقين؛ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِينفقون ماذا؟ حُذِف المفعول ليكون دالًّا على العموم، أي: ينفقون كل ما يمكن إنفاقه من أعيان ومنافع وجاه وغير ذلك، فإن الإنسان قد ينفق أعيانًا كالثياب، ودراهم كالنقود مثلًا، وكذلك قد يُنفق منافع؛ بأن يُعير شخصًا ما ينتفع به هذا المستعير، وجاهًا بأن يتوسط لشخص أو يشفع له، فالإنفاق هنا عام: الَّذِينَ يُنْفِقُونَ، وفِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِالسَّرَّاءِ: ما يَسُرّ، والضَّرَّاءِ: ما يَضُرّ، يعني في حال الرخاء وفي حال الشدة ينفقون، ولم يبين على مَن ينفقون، ولكن الله قد بيَّن في سورة البقرة قال: يَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ قُلْ مَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ خَيْرٍ فَلِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ [البقرة: ٢١٥]. فينفق في جهات الخير لا في جهات الشر؛ لأنه لو أنفق في جهات الشر لخرج عن وصف المتقين، والله سبحانه وتعالى ذكر الإنفاق هنا وصفًا لمن؟ للمتقين، فلا بد أن يكون إنفاقهم فيما يُرضِي الله.
إذا قال قائل: فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ، أما في السراء والسعة والرخاء فالإنفاق وجيه، وأما في الضراء فكيف يكون الإنفاق؟ فالجواب: أنه يجب أن نعلم أن الإنفاق ليس خاصًّا بالإنفاق على البعيد عنك، بل هو عام يشمل حتى الإنفاق على ابنك وبنتك وأمك وأبيك وزوجتك بل ونفسك، حتى الإنفاق على النفس يؤجَر الإنسان عليه ويكون صدقة، قال النبي عليه الصلاة والسلام لسعد بن أبي وقاص رضي الله عنه كلمة جامعة نافعة مانعة، قال: «وَاعْلَمْ أَنَّكَ لَنْ تُنْفِقَ نَفَقَةً تَبْتَغِي بِهَا وَجْهَ اللَّهِ إِلَّا أُجِرْتَ عَلَيْهَا حَتَّى مَا تَجْعَلُهُ فِي فَمِ امْرَأَتِكَ». أو: «فِي فِي امْرَأَتِكَ» . إذن نقول في الضراء: هل يمكن الإنفاق في الضراء؟ الجواب: نعم، ينفق، قد يكون الإنسان في أشد العسر وينفِق على أهله وزوجته بل وعلى نفسه.
قال: وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَالكَظْم معناه: المنع مع ألم وتأثّر، الكظم يعني يكظم بألم وشدة وتأثر، والغيظ قيل: إنه أشد الغضب، أشد الغضب؛ يعني أنهم إذا غضبوا وثاروا حبَسوا غيظهم، ومعلوم أن من أشد ما يكون على الإنسان أن يحبس غيظه، ويعرف ذلك مَن يكون سريع الغضب، فإنه إذا أراد أن يكظم الغيظ يجد شدة عظيمة كأن أحدًا يصرعه صَرَعًا، ولهذا قال النبي عليه الصلاة والسلام: «مَنْ تَعُدُّونَ الصُّرَعَةَ فِيكُمْ؟» قالوا: الذي لا يُصرَع -والصَّرَع معناه الطرح- قال: «إِنَّمَا الصُّرَعَةُ مَنْ يَمْلِكُ نَفْسَهُ عِنْدَ الْغَضَبِ» . هذا هو الصرعة الذي إذا ثارت نفسه ملكها؛ ولهذا قال: الْكَاظِمِينَ الْغَيْظَيعني إذا فعل بهم إنسان ما يغيظهم فإنهم يكظمون على شدة ومعاناة وألم، ويدل على أن الكظم فيه شدة ومعاناة قولُ النبي صلى الله عليه وسلم: «إِذَا تَثَاءَبَ أَحَدُكُمْ فَلْيَكْظِمْ مَا اسْتَطَاعَ» . ولهذا يجد بعض الناس إذا أراد التثاؤب يجد شدة عظيمة في منع فتح فمه، مع أن المشروع أن تكظم وألا تفتح الفم، وقد ذكر بعض العلماء شيئًا يُيَسِّر لك الكظم، قال: إذا أصابك التثاؤب فعضَّ شفتك السفلى. عَضَّ شفتك السفلى إذا عضَضْتها لم يمكن فتح الفم، بس أخشى أنه يُكَوِّر الإنسان ويقطعها، على كل حال هذه لا شك أنها فيها علاج. إذن الكظم معناه الحبس لكن بشدة ومعاناة، والغيظ أشد الغضب، وإذا كانوا يكظمون الغيظ وهو أشد الغضب فما بالك بما دونه، ولكن الحالة العليا هي كظم الغيظ.
طالب: شيخ، أحسن الله إليك، أقول: ذكرنا في قول الله عز وجل: الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِأنه ترَك الصلاة؛ لأنه لما ذكر الربا بدأ بهذا، أقول: أحسن الله إليك ما يكون هذا يعني بدأ بهذا وما بعده؛ لأن هذا فيما يتعلق بحقوق الناس، فلو تأملنا مثلًا الإنفاق في السراء والضراء والكاظمين الغيظ والعافين عن الناس والله يحب المحسنين كل هذا مما يتعلق بالناس.
الشيخ: وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً.
الطالب: ذَكَرُوا اللَّهَ.
الشيخ: أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ [آل عمران: ١٣٥].
طالب: إي، يعني هذا فيما يتعلق بالناس بعضهم البعض، أما الصلاة؟
الشيخ: إي نعم، نعم هذا فيما يتعلق بالناس، والربا ظلم للناس، وهذه الأشياء إحسان إلى الناس.
طالب: أحسن الله إليك، هل يمكن الجمع بين الله ورسوله في ضمير واحد في أمر شرعي؟
الشيخ: يمكن، فقد ورد عن النبي عليه الصلاة والسلام أنه قال: «مَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ رَشَدَ، وَمَنْ يَعْصِهِمَا فَقَدْ غَوَى» . ورد عن النبي عليه الصلاة والسلام، لكنه قاله خطيب من الخطباء فقال: «بِئْسَ خَطِيبُ الْقَوْمِ أَنْتَ»
الطالب: يعني ذمه؟
الشيخ: ذمه لأن المقام يقتضي أن يُفَصّل؛ لأنك ربما تتكلم بهذا عند أناس ولا يفهمون تسوية الرسول بالله، لكن عند قوم آخرين قد يفهمون، والخُطبة يجب فيها مراعاة حال المخاطَب، فلهذا ذمه الرسول عليه الصلاة والسلام لأجل هذا.
طالب: أحسن الله إليك يا شيخ، ذكرنا أن المغفرة هي ستر الذنب والتجاوز عنه، المجاهِر بالذنب هل يتجاوز الله عنه؟
الشيخ: إذا استغفر غفر الله له.
الطالب: وهو مجاهر؟
الشيخ: إي نعم، لكن إذا استغفر هل يمكن أن يفعل الذنب؟ إذا استغفر ما هو فاعل الذنب، الذي يقول: اللهم اغفر لي، أو أستغفر الله، ثم يفعل الذنب فإن حاله كحال المستهزئ بالله عز وجل، أليس كذلك؟ كما لو قلت لشخص مثلًا: أريد أن تسمح لي أنا والله أسُبّك فاسمح لي: يا فاسق، يا سارق، يا ظالم، يا مرابي، أنت تطلب منه السماح ولكن تصفه بأوصاف العيب، يعد هذا استهزاء وسخرية، ولهذا لا تجد إنسانًا يستغفر الله حقًّا إلا وهو تارك للمعاصي.
طالب: شيخ، بارك الله فيك، استدارة الجنة الدليل على استدارة الجنة؟ مستديرة وليست بالطول؟
الشيخ: إي نعم، قال العلماء: دليل ذلك أنه قال: «فَإِنَّهُ وَسَطُ الْجَنْةِ» . ولا يمكن أن يكون وسط الشيء إلا وأطرافه متساوية؛ لأنه لو كان الطول أطول ما صار وسط، صار جانب الطول أوسع.
طالب: الشيء المربع يمكن يكون له وسط.
الشيخ: إي نعم، المربع يمكن.
الطالب: يتساوى من جميع (...).
الشيخ: يمكن له وسط.
طالب آخر: لا، لا، ما يتساوى.
الشيخ: كيف؟
الطالب: هو يضيف: يتساوى، أقول: لا، لا يتساوى من جميع الجهات.
الشيخ: إي، يتساوى بس في الطول والعرض لكن الزوايا ما تتساوى، الأركان ما تتساوى.
طالب: شيخ، لما ذكر الله تعالى حكم الربا أعقبه بـ: وَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَما هي الحكمة من ذكر هذه الآية بعد ذكر الربا؟
الشيخ: ما هو بواضح؟ مر علينا في سورة البقرة: وَمَنْ عَادَ فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ [البقرة: ٢٧٥] يعني أن الربا من أسباب دخول النار، وهذه فائدة ينبغي أن تُذكر في الفوائد.
طالب: معنى ذلك أنه كافر يا شيخ؟
الشيخ: لا، ما هو كافر كفرًا مخرج عن الملة، لكن لا شك أنه نوع من الكفر.
طالب: وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَيدخل فيه حتى لو كان كظم غيظه وهو لا يقدر على إنفاذ الغيظ؟ رجل ضعيف؟
الشيخ: إي، لا، هذا لا يُمدح في الحقيقة، هذا عاجز كالعافي عن شخص وهو لا يقدر على الانتقام منه ما يُمدح هذا عليه.
الطالب: عامة في الآية، الآية عامة؟
الشيخ: إي، لكن الآية في سياق المدح، فمتى يكون مدحًا؟ إذا كان قادرًا على التنفيذ، أما إنسان عاجز والله يقول: أنا لو أقدر لفعلت وفعلت.
طالب: شيخ، أحسن الله إليك، الجنة التي أُخرِج منها آدم هي الجنة المذكورة في الآية؟
الشيخ: الجنة التي أُخرِج منها آدم فيها خلاف بين العلماء، منهم من قال: إنها جنة الخلد، ومنهم من قال: إنها جنة الدنيا، ولكن الأقرب أنها جنة الخلد، ولا يعارض هذا أن من دخل الجنة فإنه لا يخرج منها، بل هذا مخصوص، أخرجه الله لحكمة أرادها، كما أن الرسول دخلها لما عُرِج به دخل الجنة ومع ذلك خرج منها.
طالب: جنة الفردوس يا شيخ وجنة عدن وجنة الخلد، هل هذه نقول: أنواع جنّات أو درجات؟
الشيخ: لا، هذه أوصاف، أوصاف لموصوف واحد إلا الفردوس فالرسول بيَّن بأنه أعلى الجنة، ولكنها أوصاف، هي جنة الخلد وجنة العدن وجنة المأوى.
طالب: نحن قلنا يا شيخ: إن المغفرة هي ستر الذنب والتجاوز عنه، ولكن الله سبحانه وتعالى يقول: وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ [التوبة: ١٠٥] فما الموقف من ذلك؟
الشيخ: أيش؟
الطالب: هذه الآية يا شيخ كأن السؤال يوم القيامة سيكون على رؤوس الأشهاد، فما يتحقق ستر الذنب؟ ومن ثَم إن المغفرة هي ستر الذنب والتجاوز عنه.
الشيخ: نعم، صحيح.
الطالب: لكن الآية يا شيخ؟
الشيخ: أيّ آية؟
الطالب: وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ؟
الشيخ: ويش الإشكال؟
الطالب: الإشكال كأنه معارضة؟
الشيخ: أبدًا ما فيه معارضة، إذا غفر الله للإنسان ما اطّلع عليه أحد، لكن هؤلاء المنافقون، المنافقون سَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ، أما الله عز وجل فيراه في كل حال ولا شك، أما الرسول والمؤمنون فإما أن يروه بأعينهم وإما أن يروه بإطلاع الله لهم كما قال الله: يَسْتَخْفُونَ مِنَ النَّاسِ وَلَا يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللَّهِ وَهُوَ مَعَهُمْ إِذْ يُبَيِّتُونَ مَا لَا يَرْضَى مِنَ الْقَوْلِ [النساء: ١٠٨] فقد يُطْلِع الله عز وجل الرسول صلى الله عليه وسلم والمؤمنين على أعمال المنافقين، وهم لم يروه.
طالب: شيخ، أحسن الله إليك. الآيات يا شيخ في سياق غزوة أحد يعني ما هي المناسبة ذكر الربا عقب غزوة أحد؟
الشيخ: إي نعم، والله لعل المناسبة -والله أعلم- أنه لما ذكر غزوة أحد وهي في المدينة، وفيها كثير من اليهود الذين يتعاملون بالربا ناسب أن يذكر بعد ذلك -أو في أثناء ذلك- مسألة الربا التي كانت هي من شأن اليهود، والمنافقون أيضًا حصل منهم في غزوة أحُد أنهم رجعوا، كل ذلك حرصًا على الدنيا، والمنافق لا يُبالي أن يتعامل بالربا؛ لأنه لا يخاف الآخرة. والله أعلم.
طالب: شيخ، أحسن الله إليك، أصحاب المعاصي اليوم إذا نصحته يقول: أسأل الله أن يتوب عليَّ، وهو في نفسه مرتكِب المعصية، إما حالق لحيته أو يشرب دخان أو مسبل ثوبه، فهذا يكون مستهزئ، أو تقول له: أنت مستهزئ الآن؟
الشيخ: نعم، يصح أن نقول له: يا أخي، هذا سخرية، كيف أنت مُصرّ على المعصية وتقول: اللهم اهدني؟! إذا كنت تريد الهداية فاسعَ لها، لو أن شخصًا قال: أسأل الله أن يرزقني ولدًا صالحًا ولكن لم يتزوج، ويش يكون هذا؟
طالب: هذا مستهزئ.
الشيخ: هل يمكن يوجد ولد بلا زوجة؟! ما يمكن، أيضًا لا يمكن يوجد توبة من الله إلا إذا تاب الإنسان: ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا [التوبة: ١١٨] فلا بد من أن تُحَقِّق هذه التوبة إما بعمل صالح يمحو الذنب، وإما بالاستغفار من هذا الذنب.
طالب: يا شيخ: وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَمن صفات.. يعني عطف على (الذين) وهو ليس صلة للذين، صلته: الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ؟
الشيخ: نعم، حرف عطف، هذا من باب عطف الصفات مثلًا: الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى (٢) وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدَى (٣) [الأعلى: ٢، ٣].
***
طالب: الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (١٣٤) وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ (١٣٥) أُولَئِكَ جَزَاؤُهُمْ مَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَجَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ (١٣٦) [آل عمران: ١٣٤ - ١٣٦].الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله تعالى: وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ. قوله تعالى: وَسَارِعُوا.
الشيخ: قوله تعالى: وَسَارِعُوافيها قراءة أخرى ما هي؟
طالب: وسارعوا؟
الشيخ: إِلَى مَغْفِرَةٍ.
الطالب: ما ذكرناه.
الشيخ: ما ذكرناه؟
الطالب: إي نعم.
طالب آخر: بدون واو: {سَارِعُوا}.
الشيخ: بدون الواو، بدون الواو.
طلبة: ما ذكرناه.
الشيخ: طيب وده منين جابه؟! على كل حال هي قراءة: {لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (١٣٢) سَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ} بدون واو، مر علينا بعد مثلها في البقرة: إِنَّ اللَّهَ وَاسِعٌ عَلِيمٌ (١١٥) وَقَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ [البقرة: ١١٥، ١١٦] فيها حذف الواو: {قَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا}. وهذا يعتبر نادرًا في الحقيقة؛ لأن الغالب أن القراءات لا تختلف في الكلمات فضلًا عن الحروف، أما هذه ففيها إسقاط حرف العطف. معنى المسارعة؟
طالب: المسارعة المبادرة.
الشيخ: هل لهذه الآية نظير في القرآن؟
طالب: قوله تعالى: {سَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ}.
الشيخ: لا.
طالب: قوله سبحانه وتعالى: سَابِقُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ [الحديد: ٢١].
الشيخ: في هذه الآية دليل على أن الجنة موجودة؟
طالب: قوله: وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ.
الشيخ: هذا يدل على أنها موجودة، لا.
طالب: قوله تعالى: أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ.
الشيخ: قوله تعالى: أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ؛ لأن الإعداد بمعنى التهيئة. أورد يهودي على النبي صلى الله عليه وسلم -إن صح الحديث- إشكالًا في هذه الآية؟
طالب: كما سمعت قول الله تعالى: وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُقال: أين تكون السماوات والأرض؟
الشيخ: لا، أين تكون النار؟ أين تكون النار؟ فماذا كان جواب الرسول؟
طالب: كان جواب النبي صلى الله عليه وسلم: «أَيْنَ يَكُونُ اللَّيْلُ إِذَا جَاءَ النَّهَارُ؟».
الشيخ: إذا جاء النهار، طيب هل هذا الإيراد واجب؟
طالب: كيف واجب؟
الشيخ: بمعنى أنه وارد على الآية أو غير وارد؟
الطالب: لا، ليس واردًا.
الشيخ: لماذا؟
الطالب: لأنه الآية تُشَبِّه جنة عرضها كعرض السماوات والأرض، فيدل على أن الجنة مكانها منفصل عن مكان النار، يعني يا شيخ أنا أقصد أن الآية.
الشيخ: أنا أقصد هل هذا اليهودي الذي أورد هذا، هل إيراده صحيح أو من باب التلبيس والتشبيه والتشكيك؟
الطالب: الإيراد نعم، صحيح.
الشيخ: صحيح.
الطالب: لأنه قال: عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُفكأنه أخذ مسافتها.
طالب: أقول: يا شيخ، لا يلزم من ذلك أن تكون الجنة مالئة للسماء والأرض.
الشيخ: يعني معناها أن الله لم يقل: ملؤها السماوات والأرض، أو: ملء لسماوات والأرض، قال: عَرْضُهَا، وكما أني لو شبهت مثلًا بيتًا ببيت، قلت: هذا البيت عرض بيت فلان، هل يلزم أن يكون بيتي قد ملأ بيت فلان؟ لا. طيب إذا قلنا بذلك فهل هذه عِلّة توجب ضعف الحديث؟ لأن مثل هذا الإيراد لا يورده إلا إنسان مُلبِّس، أو نقول: إن الرسول قال: «أَيْنَ النَّهَارُ إِذَا كَانَ اللَّيْلُ؟» من باب قطع النزاع؟
طالب: لعلّه الأول.
الشيخ: إي نعم، بعض العلماء أعلَّ الحديث بهذا، وقال: إن الآية لا تدل على إيراد هذا اليهودي، ولكن لو سلّمنا جدلًا أن الحديث صحيح، فلماذا؟
طالب: قطعًا للنزاع، الرسول عليه الصلاة والسلام خاطب هذا اليهودي بقدر عقله أو إيراده.
الشيخ: فقال له: «أَيْنَ اللَّيْلُ إِذَا جَاءَ النَّهَارُ؟». ونظير ذلك محاجة إبراهيم.
الطالب: عندما خرجت الشمس فقال: هَذَا رَبِّي [الأنعام: ٧٦].
الشيخ: لا، حين قال: رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ قَالَ أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ قَالَ إِبْرَاهِيمُ فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ [البقرة: ٢٥٨] ولا ذهب يعالجه في أنه لا يحيي ولا يميت، بل عدل إلى شيء يقطع النزاع ولا يمكنه أن يجادل.
قوله تعالى: الْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ، ويش معنى الكاظمين؟
طالب: الكاتمين الغيظ.
الشيخ: الكاتمين، والغيظ ما هو؟
الطالب: شدة الغضب.
الشيخ: شدة الغضب؛ لأن الغضب ثوران الدم أو فوران الدم يريد أن يخرج فيكتمه الإنسان على مضض. كذا؟
طيب قوله تعالى: وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَيعني الذين يكظمون أشد الغضب، وإذا كانوا يكظمون أشد الغضب فأسهل الغضب من باب أولى؛ لأن كظم الغضب ليس بالأمر الهيّن على النفوس لا سيما عند الإنسان العصبي، فإنه من أشد ما يكون، ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم: «مَا تَعُدُّونَ الصُّرَعَةَ فِيكُمْ؟». قالوا: الذي لا يُصرع، قال: «إِنَّمَا الصُّرَعَةُ الَّذِي يَمْلِكُ نَفْسَهُ عِنْدَ الْغَضَبِ» . وفي رواية أخرى: «لَيْسَ الشَّدِيدُ بِالصُّرَعَةِ، إِنَّمَا الشَّدِيدُ الَّذِي يَمْلِكُ نَفْسَهُ عِنْدَ الْغَضَبِ» . وصدق النبي عليه الصلاة والسلام، كم من إنسان لا يملك نفسه عند الغضب، فتجده مثلًا يكسر ماله، يُطلّق زوجته، ربما يلطم نفسه، وربما يُسقط نفسه من علو، المهم أن الغضب شديد، جمرة يلقيها الشيطان في قلب ابن آدم حتى لا يدري ما يقول، ولهذا كان أصح أقوال أهل العلم أن من غضب غضبًا لا يملك نفسه به فإنه لا عبرة بقوله أيًّا كان، سواء كان طلاقًا أو خلعًا أو لعنًا أو قذفًا أو غير ذلك فإنه لا عبرة به؛ لأنه ليس له قصد، وبعض الناس -نسأل الله العافية- إذا غضب تغيب عنه الدنيا، لا يرى مَن أمامه أبدًا، ولا يسمع قول من يتكلم، ربما يتكلم بكلام مكروه، ويصيحون به وهو لا يسمعهم من شدة غضبه، ولهذا نقول: إن الغضب ثلاثة أقسام: أول، وغاية، ووسط، بداية وغاية ووسط، البداية لا تؤثر؛ لأن كل إنسان يغضب. والغاية لا حكم لها، لا حكم لها بمعنى أن كل ما صدر عن الغاضب فإنه لا حكم له، وذكر ابن القيم رحمه الله في كتابه: إغاثة اللهفان في عدم وقوع طلاق الغضبان: أن ذلك بالاتفاق.
والثالث: الوسط، هذا محل خلاف بين العلماء، والصحيح أنه لا حكم لقوله وأن طلاقه لا يقع.
قال: وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِالعفو: ترْك المؤاخذة على الذنب، والمعنى: هم الذين إذا أساء إليهم أحد قابلوا إساءته بالعفو، وخير من ذلك أن يقابلوه بالإحسان، لكن بشرط أن يكون لديهم قدرة على الانتقام، أما من عفا لعدم القدرة على الانتقام فهذا عفو العاجز الذي لا يحمد عليه، بل يكون عفوه هذا عجزًا مذمومًا، ولهذا قال الله سبحانه وتعالى: إِنْ تُبْدُوا خَيْرًا أَوْ تُخْفُوهُ أَوْ تَعْفُوا عَنْ سُوءٍ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ عَفُوًّا قَدِيرًا [النساء: ١٤٩] فأنتم إن عفوتم عن السوء قد تعفون عن قُدرة وقد تعفون عن عجز، أما الله عز وجل فإنه يعفو عن قدرة، وهذا هو محلّ المدح، أما مجرد العفو ليس بمدح حتى يكون عفوًا عن قدرة، فترك المؤاخذة على الذنب عفو وهو محمود، وخير منه أيش؟ الإحسان، ولكن يشترط في الأمرين أن يكون ذلك عن قدرة لا عن عجز، أما عن العجز فإنه مذمة، ولهذا قال الشاعر يذم قبيلته:
| لَكِنَّ قَوْمِي وَإِنْ كَانُوا ذَوِي حَسَبٍ | لَيْسُوا مِنَ الشَّرِّ فِي شَيْءٍ وَإِنْ هَانَا |
| يَجْزُونَ مِنْ ظُلْمِ أَهْلِ الظُّلْمِ مَغْفِـــــــــرَةً | وَمِنْ إِسَاءَةِ أَهْلِ السُّوءِ إِحْسَانَـــــــــــــا |
لماذا؟
الطلبة: لضعفهم.
الشيخ: لضعفهم وعجزهم، ولهذا قال:
| فَلَيْتَ لِي بِهِمُ قَوْمًا إِذَا رَكِبُوا | شَنُّوا الْإِغَارَةَ فُرْسَانًا وَرُكْبَانَا |
فالحاصل أن قوله: الْعَافِينَ عَنِ النَّاسِيعني الذين لا يؤاخذون الناس بما أساؤوا به إليهم، بل ربما يحسنون إليهم ولكن أيش؟ عن قدرة، أما العفو عن عجز فليس بعفو في الحقيقة، بل هو عجز لا يُمدح عليه الإنسان، قال: وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ.
وقوله: عَنِ النَّاسِعام شامل، ولكنه ليس على عمومه بالاتفاق، فإن الإساءة إذا كانت في حق الله فهي لله وليس لأحد أن يعفوَ عنها، فلو زنى رجل بمحرَم رجل وأراد أن يعفوَ عنه، قلنا: لا يمكن، الحق ليس إليك، والله عز وجل يقول: الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ وَلَا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ [النور: ٢]، أما إذا كان حقًّا للإنسان ليس فيه شائبة حق لله فهذا يُنظر فيه، ليس على عمومه بل يُنظر فيه، إن اقتضت المصلحة العفو فالعفو خير، وإن اقتضت المصلحة المؤاخذة فالمؤاخذة خير، وإن لم تقتضِ المصلحة لا هذا ولا هذا بأن تساوى الأمران فالعفو خير؛ لقوله تعالى: وَأَنْ تَعْفُوا أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى [البقرة: ٢٣٧] والدليل على هذا أن الله سبحانه وتعالى قال: فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ [الشورى: ٤٠] فعُلم منه أن من عفا بدون إصلاح فلا أجر له، بل قد يأثم على عفوه، مثال ذلك: رجل اعتدى عليه شخص شِرّير، كلما عفا الناس عنه ازداد شرًّا، فهنا العفو خير ولَّا المؤاخذة خير؟
طلبة: المؤاخذة خير.
الشيخ: المؤاخذة خير، بل قد تجد إنسانًا آخر اعتدى على شخص لكنه رجل معروف بالاستقامة -أعني المعتدِي- رجل معروف بالاستقامة وعدم الاعتداء، لكن بدَرَتْ منه بادرة فحصلت منه الإساءة، فهنا أيش؟
الطلبة: العفو.
الشيخ: العفو أولى، ولا سيما إذا جاء هذا المعتدي يعتذر ويتعهد ألا يعود أو ما أشبه ذلك.
الثالث: رجل اعتدى على آخر وهو شرير، لكنه لم يبلغ في الشر غايته؛ يعني أحيانًا وأحيانًا، فهنا أيش؟
الطلبة: العفو.
الشيخ: العفو أفضل؛ لأنه يتساوى الأمران، فالعفو هنا أفضل.
وقوله: الْعَافِينَ عَنِ النَّاسِيشمل حتى عن الكفار إذا لم يكونوا حربيين، فإن الإنسان إذا عفا عنهم فيما يتعلق بحقه الخاص، وكان في العفو إصلاح فإنه يدخل تحت الآية الكريمة.
قال: وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَوالله يحب المحسنين: يعني الذين يحسنون إلى الناس، وهل المراد بذلك المحسنين فيما سبق أو المحسنين فيما يُستقبل؟ بمعنى: هل إن قوله: وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَعائد على قوله: لِلْمُتَّقِينَ (١٣٣) الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِوأن هؤلاء من المحسنين، أو أنه لما ذكر العفو -وهو إسقاط الإنسان حقه عن المؤاخذة- ذكر حالًا أخرى أكمل منها وهي الإحسان فقال: وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَيعني فإذا أحسنوا مع العفو كان ذلك سببًا لمحبة الله.
طالب: الآخر، الثاني.
الشيخ: الثاني له وجه، والأول أعم؛ لأننا إذا قلنا: (المتقين) هل هم محسنون؟ نعم، لا شك أن المتقي محسن إذا كان كما وصف النبي عليه الصلاة والسلام: «يَعْبُدُ اللَّهَ كَأَنَّهُ يَرَاهُ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ يَرَاهُ فَإِنَّهُ يَرَاهُ» . والَّذِينَ يُنْفِقُونَالإنفاق؟
طلبة: إحسان.
الشيخ: إحسان. كظم الغيظ؟
طلبة: إحسان.
الشيخ: إحسان. العفو عن الناس؟
طلبة: إحسان.
الشيخ: إحسان، فيكون هذا أشمل، فعليه نقول: هذه الجملة فيها الترغيب والحث على فعل الخصال السابقة وأنها من الإحسان، وإذا فعل الإنسان خصلة أعلى مما سبق كانت داخلة في هذا من باب أولى؛ يعني كما لو عفا وأحسن فإننا نقول: هذه خصلة زائدة على مجرد العفو فتكون أولى بالدخول في قوله: وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ.
في هذه الآية، وأخذنا أظن الآية الأولى فوائدها.
طالب: لا ما أخذناها.
الشيخ: ما أخذناها نعم، في هذه الآية وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْإلى آخره، فيها: الأمر بالمسارعة إلى المغفرة والجنة، وهل الأمر للوجوب؟
نقول: أما فيما يجب فواجب، وفيما لا يجب ليس بواجب، ولكن الإنسان يُؤمر بأن يسارع.
وفيه دليل على أنه لا ينبغي للإنسان أن يُؤثِر غيره بالقربات؛ أن يُؤثِر غيره بالقربات؛ لأنه إذا آثر غيره بالقربات فهذا يعني التأخر، ومن أمثلة ذلك: أن يؤثر غيره بمكانه الفاضل في الصف، بأن يتأخر عن مكانه في الصف الأول لرجل آخر، فإن هذا خلاف المسارعة إلى الخيرات، صح؟
طالب: صحيح.
الشيخ: صحيح، ولكن إذا ترتّب على إيثار غيره بهذا المكان مصلحة أكبر من مصلحة التقدم لم يكن إيثاره من باب التأخّر عن الخيرات؛ لأنه تنازل عن فضيلة إلى فضيلة أعلى، فلا يكون هذا إيثارًا في الحقيقة يدل على زهد الإنسان بفعل الخير، بل هو إيثار فيه انتقال من خير إلى ما هو خير منه، وقد مر علينا أظن الإيثار بالقُرَب أنه ينقسم إلى؟
طالب: ثلاثة أقسام.
الشيخ: الأول: الإيثار بالواجب، فهذا محرم.
الثاني: الإيثار بالمستحب، فهذا مكروه.
والثالث: الإيثار بالمباح. ولكن لا يأتي هذا التقسيم بالنسبة للقُرَب؛ لأن القُرَب ما تكون مباحة، القُرَب من باب المشروع فِعله، فهو إذن قسمان -الإيثار بالقرب-: إيثار بواجب؛ فهو حرام، إيثار بمستحب؛ فهو مكروه، مثال الإيثار بالواجب؟
طالب: أن يعطي إنسانًا مالًا وهو في حاجة لهذا المال.
الشيخ: كيف؟
الطالب: أن يعطي إنسانًا مالًا وهو في حاجة لهذا المال.
الشيخ: أن يعطي شخصًا مالًا وهو في حاجة لهذا المال؟
الطالب: لا يا شيخ، يعني يحج هو بحاجة، يعني ما حج مثلًا.
الشيخ: يعنى عنده مال لا يكفي إلا لحج رجل واحد فيعطي غيره ليحج به ويدع نفسه. صحيح المثال؟
طلبة: صحيح.
الشيخ: صحيح، الإيثار بالمستحب؟
طالب: تقدم في الصف في الصلاة.
الشيخ: أن يؤثره بالمكان الفاضل في الصف. إي نعم.
طالب: قسم ثالث، إيثار ضرورة، كأن يشوفه يكون عطشان جدًّا وعنده ماء، فهنا واجب؟
الشيخ: لا، ما هو واجب؛ لأنه ما فيه إيثار هذا؛ لأن صاحب الماء إن كان عطشان فيشرب هو، ولا يجب عليه أن يؤثر غيره، وإن كان غير عطشان فيجب عليه أن ينقذ هذا.
من فوائد الآية الكريمة: ما ذُكِر من أن التخلية قبل التحلية؛ لأنه قال: إِلَى مَغْفِرَةٍوَجَنَّةٍفبالمغفرة الزحزحة عن النار التي أوجبتها الذنوب، وبالجنة دخول الجنة: فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ [آل عمران: ١٨٥].
ومن فوائدها؛ الآية الكريمة: أن المغفرة لا تكون إلا من الله: إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْلأن مغفرة غير الله لا تفيد، إنما تفيد في حق الإنسان الخاص، إذا سمح عنك وغفر لك فهذا يفيد، كما قال تعالى: وَإِنْ تَعْفُوا وَتَصْفَحُوا وَتَغْفِرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ [التغابن: ١٤].
ومن فوائد هذه الآية الكريمة: بيان سعة الجنة؛ لقوله: عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ.
ومن فوائدها: أن الجنة موجودة الآن؛ لقوله: أُعِدَّتْوالإعداد: التهيئة، وقد تضافرت النصوص الكثيرة على أن الجنة موجودة الآن.
ومن فوائدها: أن أصحاب الجنة هم المتقون؛ لقوله: لِلْمُتَّقِينَكما قال في النار: أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ، فالمتقون هم أهل الجنة.
ومن فوائد الآية الثانية التي بعدها: فضيلة الإنفاق على كل حال؛ لقوله: الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ.
فإن قال قائل: إذا كان الإنسان في ضرورة هو وعائلته فهل ينفق؟ نقول: لا، لا يُنفِق على أجنبي، بل ينفق على نفسه وعائلته وهو داخل في الآية؛ لأن إنفاقه على نفسه وعلى أهله صدقة.
ومن فوائدها: الثناء على من أنفق في السراء والضراء؛ وذلك لأن الإنفاق في السراء ليس بغريب، كل إنسان يهون عليه أن ينفق إذا كان في سراء، لكن الإنفاق في الضراء هو الذي يدل على أن الإنسان ينفق طلبًا للأجر لا زهدًا في المال..





