ومن فوائدها: أن أصحاب الجنة هم المتقون؛ لقوله:
لِلْمُتَّقِينَ [آل عمران: ١٣٣]، كما قال في النار:
أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ [آل عمران: ١٣١]، فالمتقون هم
أهل الجنة.
ومن فوائد الآية الثانية اللي بعدها:
فضيلة الإنفاق على كل حال، لقوله: الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ [آل عمران: ١٣٤].
فإن قال قائل: إذا كان
الإنسان في ضرورة هو وعائلته فهل ينفق؟ نقول: لا، لا ينفق على أجنبي، بل ينفق على
نفسه وعائلته وهو داخل في الآية؛ لأن إنفاقه على نفسه وعلى أهله صدقة.
ومن فوائدها: الثناء على من أنفق في السراء والضراء، وذلك
لأن الإنفاق في السراء ليس بغريب، كل إنسان يهون عليه أن ينفق إذا كان في سراء، لكن
الإنفاق في الضراء هو الذي يدل على أن الإنسان ينفق طلبًا للأجر لا زهدًا في
المال.
ومن فوائدها: أنه ينبغي للإنسان أن يكظم
الغيظ؛ لأن ذلك من صفات أهل الجنة؛ لقوله: وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ [آل عمران: ١٣٤]، وقد ذكرنا أن لكظم الغيظ أسبابًا
منها؟
طالب: الوضوء يا شيخ.
الشيخ: الوضوء.
طالب: إن قائمًا
يجلس أيضًا.
الشيخ: هذه واحدة، الجلوس إن كان قائمًا،
الاضطجاع إن كان قاعدًا.
طالب: الاستعاذة من
الشيطان.
الشيخ: الاستعاذة بالله من الشيطان
الرجيم.
طالب: أن يصلي.
الشيخ: الصلاة.
طالب: مفارقة
المكان.
الشيخ: مفارقة المكان، كل هذه من أسباب كظم
الغيظ، ثم إن الإنسان إذا كظم الغيظ مرة بعد أخرى صار هذا طبيعة وسجية؛ لأنه يعتاد
غلبة نفسه، فيكون له ذلك طبيعة وسجية ولا يهمه، فإن قال قائل: هل يمدح من لا يبالي
بما أصابه من خير وشر؟ أو يمدح من كظم الغيظ عند وجود الشر؟
طلبة: الثاني.
الشيخ: الثاني؛ لأن
الأول الذي لا يبالي سواء وُجد ما يثيره أم لم يوجد، ومن قال له: تفضل يا رجل كمن
قال له: تفضل يا حمار!
هذا الذي لا يبالي بهذا ولا هذا ماذا نقول له؟! هذا
بليد، ولا يمدح على هذا أبدًا، لكن من يعرف الخير والشر ولكنه يكظم الغيظ عند وجود
الشر هذا هو الذي يمدح.
ومن فوائد الآية: الحث على
العفو عن الناس، لكنه كما ذكرنا مقيّد بما إذا كان أصلح.
ومن فوائدها: إثبات المحبة لله عز وجل، وأنه يحب، وهل المحبة
هنا صفة ثابتة لله، أو يُراد بها إرادة الإحسان أو الإحسان نفسه؟
الصحيح الأول:
أنها صفة لله عز وجل، وأن إرادة الإحسان أو الإثابة غير المحبة، فإن قال قائل:
المحبة لا تكون إلا بين متجانسين، ولا مجانسة بين الخالق والمخلوق؟
طلبة: غير صحيح.
طالب: هذا للبشر من
البشر ولكن ليس من الخالق.
طالب آخر: يا شيخ، يقال: هذا
غير صحيح أصلًا.
الشيخ: أصلًا هذا غير صحيح.
الطالب: لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «أُحُدٌ جَبَلٌ نُحِبُّهُ وَيُحِبُّنَا».
الشيخ: نعم، «يُحِبُّنَا
وَنُحِبُّهُ» ،
نقول: هذا غير صحيح، أصلًا لا يلزم من المحبة تجانس المتحابّين، الإنسان يحب بعض
السيارات اللي يركب، بعض البعير، الإبل، بعض الدُّور، يحبها محبة حقيقية بقلبه،
أليس كذلك؟ يكون عنده قلم مسايره ولا ينشف عليه، نظيف، يحبه، يجي القلم يؤذيه يشقق
الأوراق، تجده يكرهه ولّا لا؟ يكرهه، وربما كسره، فهذه الدعوى دعوى باطلة يكذبها
الحس والواقع أن المحبة لا تكون إلا بين متجانسين، إذا قالوا: إن المحبة هي ميل
الإنسان إلى ما يجلب له المنفعة أو يدفع عنه المضرّة، ماذا نقول؟
نقول: هذا
أيضًا غير صحيح، هذا غير صحيح، وهذا وإن قُدّر أنه لازم المحبة في المخلوق فليس
بلازم المحبة بالنسبة للخالق؛ لأن الله لا تنفعه طاعة الطائعين ولا تضره معصية
العاصين، واضح يا جماعة؟
فإن قالوا: العقل لا يدل عليها، فلا يجوز إثباتها؟
فالجواب عن هذا أولًا: أن العقل ليس دليلًا في إثبات صفات الله أو نفيها، فنحن نمنع
الاعتماد على العقل في إثبات الصفات أو نفيها، ونقول: من أين لكم أن المدار في
إثبات الصفات أو نفيها هو العقل؟! هذه واحدة.
ثانيًا: أن نقول: هب أن العقل لم
يدل عليها فإنه لا ينفيها؛ لأن دعواكم النفي في أنه لا يكون المحبة إلا بين
المتجانسين دعوى باطلة، والشرع قد أيش؟ قد أثبتها، وانتفاء الدليل المعيّن الذي هو
العقل -على زعمكم- لا يمنع انتفاء المدلول؛ لأن المدلول قد يثبت بدليل آخر غير ما
ذكرت، فهبْ أن العقل لم يدل عليه فقد دل عليه السمع؛ الكتاب والسنة، فوجب ثبوته؛
ثبوت المحبة. أيش بقي؟
رابعًا: أن نقول: إن العقل قد دل على ثبوت المحبة لله،
العقل دل على ثبوت المحبة لله، كيف ذلك؟ إثابة الطائعين يدل على أن الله أحبهم، إذ
لا يمكن أن يُثيب أحد -عقلًا- إلا وهو يحبه، فيكون إثابة الطائعين دليلًا عقليًّا
على ثبوت المحبة كما جعلتم أنتم التخصيص دليلًا عقليًّا على ثبوت أيش؟ الإرادة، ولا
فرق بينهما، بل إن إثابة الطائعين أدلّ على المحبة من دلالة التخصيص على الإرادة،
ولكن يجب أن نعلم أن محبة الله سبحانه وتعالى للإنسان ليست محبة لجماله أو لحسن
ثيابه أو ما أشبه ذلك، كما تكون بين المخلوقين، بل هي محبة لإيمانه وعمله، فكلما
كان الإنسان أقوى إيمانًا بالله وأكثر عبادة لله صار أحب إلى الله، ولهذا جاء في
الحديث: «إِنَّ اللَّهَ لَا يَنْظُرُ إِلَى صُوَرِكُمْ
وَأَجْسَامِكُمْ، وَإِنَّمَا يَنْظُرُ إِلَى قُلُوبِكُمْ وَأَعْمَالِكُمْ»
. فالمدار على القلب
والعمل، فكلما كان الإنسان أقوى إيمانًا بالله وأكثر عبادة له كان أحب إليه، ومن
ذلك الإحسان.
ومن فوائد الآية: الحثّ على الإحسان،
من أين أخذنا الحث عليه؟ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ [البقرة: ١٩٥] فإن كل إنسان يعلم أن الله يحب الإحسان فسوف
يُحسن، ويتقدم إلى الإحسان ويحرص عليه؛ لأن محبة الله للعبد هي غاية ما يريد، نسأل
الله أن يجعلنا وإياكم من أحبابه.
قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ [آل عمران: ٣١]،
الغاية أن الله يحبك حتى الذين قالوا: إنا نحب الله، قال: طيب، إن كنتم تحبون الله
فاتبعوني تحبون الله، ولّا لا؟ قال: يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ [آل عمران: ٣١] لأن الشأن كل الشأن أن يحبك الله لا أن تقول: إنني
أحب الله، هذا هو الشأن، نسأل الله أن يحبنا وإياكم.
طالب: بالنسبة قلنا: بالنسبة لـ.. مثلًا لما يكون واحد
غضب..
الشيخ: أيش؟
الطالب:
يعني يكون بالنسبة للغضب، يعني قلنا: إذا مثلًا طلّق زوجته أو ضرب أحد أخاه، إذا
مثلًا..
الشيخ: لا، الفعل يؤاخذ به، تبغى تضرب عباد
الله وتيجي تقول: أنا غضبان؟! لا، الفعل يؤاخذ به، لا، الكلام على القول اللي يصدر
من لسانه هذا لا حكم له، عرفت؟
طالب: بالنسبة، أحسن
الله إليك، بالنسبة للعلاقة بين قوله: الَّذِينَ يُنْفِقُونَهل يجوز الصدقة بجميع المال؟
الشيخ: أيش؟
الطالب: جواز الصدقة
بجميع المال؟
الشيخ: إي نعم، وهو كذلك، الصدقة بجميع
المال جائزة، هذا أبو بكر رضي الله عنه لما حثّ النبي عليه الصلاة والسلام على
الصدقة أتى بكل ماله، لكن لها شروط، يعني من يكون مثل أبي بكر في قوة التوكّل على
الله سبحانه وتعالى والثقة به؟! أما إنسان يتصدق بماله كله، ثم يروح يشحت الناس
بعياله، هذا ما هو بصحيح.
طالب: شيخ، قلنا: إن الجنة
موجودة الآن، ومن المعروف أن الأعمال الصالحة تُبنى بها الجنة كالذكر (...) يعني
تُبنى الآن ما زالت تبنى؟
الشيخ: لا، هي موجودة، لكنها
كما يروى عن النبي عليه الصلاة والسلام أن إبراهيم قال للنبي صلى الله عليه وسلم:
«أَبْلِغْ أُمَّتَكَ مِنِّي السَّلَامَ، وَأَخْبِرْهُمْ أَنَّ
الْجَنَّةَ قِيعَانٌ -قِيعَانٌ فَاضِيَةٌ- وَأَنَّ غِرَاسَهَا: سُبْحَانَ اللَّهِ،
وَالْحَمْدُ لِلَّهِ، وَلَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَاللَّهُ أَكْبَرُ»
،
هي أصلًا موجودة، الأرض الآن موجودة ويبنى فيها، يعمر فيها.
طالب: شيخ، بالنسبة إلى قوله تعالى: وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ [آل عمران: ١٣٤] نحن ذكرنا
القدرة بدون القدرة فالعذر ليس مقبولًا.
الشيخ:
نعم.
الطالب: ذكرنا مثلًا ضرب أحدًا وأخذ منه ما معه من
ماله، وهذا يكون (...) في حقه، وهذا ليس موجودًا (...).
الشيخ: كيف؟
الطالب: مثلًا واحد ضرب
الآخر.
الشيخ: زي وأخذنا..
الطالب: وأخذ ماله، وهذا الرجل..
الشيخ: المأخوذ منه، المضروب المأخوذ منه.
الطالب: قال (...): لا تأخذ.
الشيخ:
لا تؤاخذه.
الطالب: لا تؤاخذه (...)، يعني وعفا عنه..
الشيخ: هذه الحقيقة قد ترد علينا، يقول: إذا عفا
بالنسبة لحقه؛ يعني مثلًا قال: اللهم لا تعاقبه، هل يحمد هذا ولَّا لا؟
طلبة: يحمد.
الشيخ: يحمد؛ لأن
كلامنا عن الْعَافِينَ عَنِ النَّاسِأصله إذا اعتدى
عليك، فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ [البقرة: ١٩٤] فهذا الرجل إذا عفا عن
أخذه بحقه في الدنيا وهو عاجز ما يُحمد على هذا، أما في الآخرة فربما يحمد.
على
كل حال سؤال مهم هذا، يعني مثلًا إذا قلنا: العافين عن الناس مع القدرة هو الذي
يمدح عليه الإنسان، لكن نقول: إذا عفوت عن حقك في الآخرة؛ لأنك في الآخرة قادر،
أليس كذلك؟ تدخل في الموضوع أيضًا، حتى يمكن ما يحتاج استثناء، يعني ربما لا
نستثنيها أيضًا.
الطالب: ما وضحنا هذا، قبل ما وضح
هذا.
الشيخ: نعم، قبل قد يرد فيها إشكال، لكن ممكن أن
نقول: إن عفوه عنه في الآخرة يعني قوله: اللهم لا تؤاخذه بما فعل بي، هذا عفو مع
القدرة؛ لأنه في الآخرة قادر على أخذه منه، واضح؟
طالب:
أحسن الله إليك يا شيخ، قول النبي عليه الصلاة والسلام: «إِنَّ
اللَّهَ جَمِيلٌ يُحِبُّ الْجَمَالَ» ، ما يدل -أحسن
الله إليك- إلى أن الله عز وجل مع الأعمال الصالحة يحب الشخص لجمال هيئته؟
الشيخ: لا، يحب الجمال: التجمل، هذا المراد.
طالب: ما الفرق؟
الشيخ: الفرق أن
الصحابة لما سألوا قالوا: يا رسول الله، الرجل يحب أن يكون نعله حسنًا وثوبه حسنًا،
ما قالوا: يحب أن يكون وجهه جميلًا، قال: «إِنَّ اللّهَ
جَمِيلٌ يُحِبُّ الْجَمَالَ» يعني التجمل.
طالب:
لكن ذكرنا -أحسن الله إليك- بأن الله لا يحب في الشخص مثل المخلوقين لجمال ثيابه أو
كذا، والنعل والثوب أي كسوة الصحابة من الهيئة؟
الشيخ:
لا، هذا عمل صالح؛ لأن التجمل مأمور به، كون الإنسان يتجمل في نعله وفي ثوبه إذا
كان الله قد أنعم عليه هذا مأمور به، يحب الإنسان على التجمل.
***
طالب: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ (١٣٥) أُولَئِكَ جَزَاؤُهُمْ مَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَجَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ (١٣٦) [آل عمران: ١٣٥، ١٣٦].الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله تبارك وتعالى في بيان أوصاف المتقين الذين أُعدت لهم الجنة، قال في بيان أوصافهم: وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْإلى آخره، وقبل ذلك نتكلم على إثبات أو على استذكار ما سبق من فوائد الآيتين أو الآيات السابقة، يقول الله عز وجل: وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ [آل عمران: ١٣٤]، ذكرنا أن فيها دليلًا على؟ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَفيها دليل على أيش؟
طالب: وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَفيها دليل على أولًا: إثبات المحبة لله سبحانه وتعالى، وأن هذه مرتبة عالية.
الشيخ: إثبات المحبة من أين أخذناها؟
طالب: وَاللَّهُ يُحِبُّ.
الشيخ: يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَفأثبت المحبة، محبة الله عز وجل هل هي صفة من صفات الذات أو من صفات الفعل؟
طالب: من صفات الذات.
الشيخ: لو قال لك قائل: إنها من صفات الفعل؟
طالب: أيضًا من الصفات.
الشيخ: يعني إذن من صفات الذات والفعل، ما الفرق بينهما؟
الطالب: صفات الفعل يفعلها الله عز وجل متى شاء، أما صفات الذات ملازمة.
الشيخ: ومحبة الله هذه لازمة؟
طالب: لا، ليست لازمة.
الشيخ: إذن؟
طالب: صفة فعل.
الشيخ: صفة فعل، صفات الأفعال هي التي تتعلق بمشيئة الله إن شاء فعلها وإن شاء لم يفعلها، أنكر قوم المحبة، إثبات محبة الله، أن الله يحب، نعم ما حجتهم؟
طالب: أول الآية.
الشيخ: أقول: ما حجتهم على إنكار المحبة بالمعنى الحقيقي؟
طالب: قالوا: إن المحبة تقتضي رقة القلب وليونته.
الشيخ: أو الرحمة هذيك؟
طالب: وقالوا: إن المحبة تستوجب حسرة القلب.
طالب آخر: حجتهم أن العقل لم يدل عليها، هم يستدلون ما دل عليه العقل فقط.
الشيخ: إن العقل لا يدل عليها، لكن فيه أيضًا علّة عندهم غير علّة النفي هذه؟
طالب: قالوا: إن الحب التقى بين متجانسين.
الشيخ: المحبة لا تكون إلا بين متجانسين، فلا محبة بين الخالق والمخلوق؛ لأنها لا تكون بين متجانسين.
طالب: نقول لهم: هذه علّة باطلة.
الشيخ: لا ما نريد نرد عليهم، هل في علّة ثانية؟
طالب: قالوا: إن الحب..
الشيخ: العقل لا يدل عليها، هذه واحدة.
الطالب: ويقال: إن الإنسان لا يحب إلا ما يجلب للإنسان منفعة أو يدفع عنه مضرة فيميل إليه.
الشيخ: يعني أن الإنسان لا يحب إلا ما..
الطالب: إلا ما يجلب له منفعة أو يدفع عنه مضرة.
الشيخ: والله..
الطالب: والله يعني لا ينفعه شيء.
الشيخ: يعني لا يحتاج إلى نفع أحد ولا دفع مضرّته، فيه علة رابعة للعموم، يقولون: إن صفات الأفعال حادثة، والحادث لا يقوم إلا بحادث، فيجب نفيه، بماذا نرد عليهم؟ الأول: أن العقل لا يدل عليها، فبماذا نرد عليهم؟
طالب: نحن في الأمور الغيبية يجب أن نرجع إلى النص من الكتاب ومن السنة، أما إذا قلنا: بالعقل نقول: فإن العقول متناقضة.
الشيخ: يعني معناه أننا لا نقبل أن يكون العقل دليلًا للإثبات أو النفي في هذا الباب، كذا؟ هذه واحدة، ثاني؟
طالب: نقول: حتى إن العقل لم يدل عليها فقد دل عليها دليل آخر.
الشيخ: وهو؟
الطالب: وهو السمع.
الشيخ: السمع فوجب إثباته، الثالث؟
الطالب: قلنا: إن الله يحب، والدليل على ذلك أنه يثيب..
الشيخ: نقول: إن المحبة يدل عليها العقل، وما هو الدليل العقلي؟
الطالب: الدليل العقلي عليها أن الله يثيب الصالحين على أفعالهم.
الشيخ: إي نعم، ثواب العاملين يدل على أن الله يحبهم وإلا ما أثابهم.
طالب: وأيضًا أن قاعدتهم هذه غير صحيحة لا أصل لها أن الحب لا يقع إلا بين متجانسين لا أصل له.
الشيخ: هذا نرد عليهم التعليل الثاني، التعليل الثاني قولهم: إنه لا يقع، المحبة لا تكون إلا بين متجانسين غير صحيح، الدليل.
طالب: الواقع.
الشيخ: الدليل عندنا من الشرع ومن الواقع.
طالب: أن النبي صلى الله عليه وسلم لما صعد على أحد.
الشيخ: لما أقبل.
طالب: لما أقبل على أحد قال: «هُوَ جَبَلٌ يُحِبُّنَا وَنُحِبُّهُ» ، فوقع الحب بين غير المتجانسين.
الشيخ: هذه واحدة، والواقع؟
طالب: الواقع أن الإنسان يحب قلمه أو سيارته.
الشيخ: إي نعم، صحيح، مع أنها لا مجانسة بين هذا وهذا، التعليل الثالث؟
طالب: قولهم: إن المحبة تقتضي لرقابته
الشيخ: هذه الرحمة.
طالب: نقول: إن الإنسان ما يحب أحدًا إلا لحاجة، نقول: هذه محبة مخلوق، أما محبة الخالق فـ(...).
الشيخ: تمام، بقي أيضًا التعليل الرابع؟
طالب: قالوا: إن المحبة يعني تقتضي الحدوث؛ حادثة يعني، إذا أحب فهي حادث، والحادث لا يقوم إلا بحادث، وهذه علّة باطلة؛ لأنا نقول: إنّا نرى في المخلوقات من يحب أو يكره ويقوم بأفعال حادثة وهو قديم.
الشيخ: وهو سابق عليها.
الطالب: سابق عليها.
الشيخ: صح، تمام، المهم أن مذهب أهل السنة والجماعة أن كل ما وصف الله به نفسه فهو ثابت له على وجه الحقيقة، لكن بدون تمثيل ولا تكييف، ومن فوائد هذه الجملة: وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ؟
طالب: الحثّ على الإحسان.
الشيخ: الحثّ على الإحسان؛ لأن كل إنسان إذا علم أن الله يحب الإحسان فإنه سوف يحسن، هل يؤخذ من ذلك كراهة الله للمسيئين؟
الطالب: نعم؛ لأنه إذا يحب المحسنين لا يحب المسيئين.
الشيخ: وهل يلزم من انتفاء المحبة ثبوت البغض؟
الطالب: يعني عدم المحبة.
الشيخ: عدم المحبة، قد يكون إنسان لا يحب هذا الشخص ولا يكرهه.
الطالب: وأيضًا يستلزم الكراهة.
الشيخ: ما أعتقد، هل أنت الآن كل شخص لا تحبه فيعني أنك تكرهه؟ أو لا تحبه ولا تكرهه؟
الطالب: الله تبارك وتعالى إذا لا يحب أحدًا، من أعماله، يعني ما هو مقبول أعمال الغير.
طالب آخر: يعني يستكره.
طالب: شيخنا، أن إثبات ضد المحبة وهو البغض إنما هو صفة لله، والصفات عند أهل السنة لا تثبت باللوازم.
الشيخ: ويش تقولون؟ يعني بعض العلماء يأخذ من مثل هذه الآية أنه إذا أثبت المحبة للمحسن لزم من ذلك إثبات الكراهة للمسيء؛ لأن كل وصف يناسب الوصف الذي رتب عليه، فإذا كانت المحبة مرتبة على الإحسان لزم أن تكون الكراهة مرتبة على الإساءة، ولكن نحن نقول: إن الإنسان قد يتوقّف في هذه القاعدة؛ لأن بين المحبة والكراهة مرتبة، ولكننا إذا تأملنا الأدلة وجدنا الله يقول: وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ [آل عمران: ٥٧]، وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ [البقرة: ١٩٠] فهنا لا شك أن نفي المحبة ليس معناه أنه لا يحبهم ولا يكرههم، بل إن المراد بذلك أنه يكرههم، هذا هو المعنى، ولولا ذلك ما كانت مثل هذه الآيات وعيدًا على الظالم والمعتدي.
ثم قال تعالى: وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ [آل عمران: ١٣٥]، وَالَّذِينَالواو هذه حرف عطف، والأصل في المعطوف أن يكون مغايرًا للمعطوف عليه، ولكن المغايرة قد تكون في المعنى، وقد تكون في الصفة، وقد تكون في اللفظ، وقد تكون في الذات، فلا يلزم من المغايرة إذا قلنا: إن العطف يقتضي المغايرة أن يكون المغايرة بالذات، بل قد يكون التغاير في الصفة وفي اللفظ وفي المعنى، فإذا قلنا: قدم زيد وعمرو، فهنا العطف اقتضى المغايرة في الذات؛ لأن هذا غير هذا لا شك، وفي هذه الآية: وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةًالمغايرة بالصفة فهي كقوله تعالى: سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى (١) الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى (٢) وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدَى (٣) وَالَّذِي أَخْرَجَ الْمَرْعَى (٤) [الأعلى: ١ - ٤]، هل الذي قدّر فهدى والذي أخرج المرعى هو الله ولَّا غيره؟ هو الله، لكن هذا عطف صفة على صفة، التغاير في اللفظ مثل قول الشاعر:
| فَأَلْفَى قَوْلَهَا كَذِبًا وَمَيْنا | ...................... |
كذبًا ومينًا، المين هو الكذب، ولكنه عطفه عليه من باب عطف المترادفين، ولهذا لا يأتي في اللغة العربية (كذبًا وكذبًا)، إنما يأتي (كذبًا ومينًا)، لا بد من تغاير في اللفظ.
التغاير في المعنى قريب من التغاير في الصفة، فالذي معنا الآن: وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةًمن باب تغاير الصفة.
من صفاتهم أنهم إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْفَاحِشَةًهي ما يُستفحش شرعًا أو عرفًا مثل الزنا، فإن الزنا فاحشة شرعية وفاحشة عرفية، واضح؟ كذلك اللواط فاحشة شرعية وعرفية، قال لوط لقومه: أَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ [الأعراف: ٨٠]، كذلك نكاح ما نكح الآباء هو أيضًا فاحشة: وَلَا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَمَقْتًا [النساء: ٢٢] ولهذا نقول: الفاحشة كل ما يستفحش عقلًا أو شرعًا وعادة، ولكن في باب الثواب والعقاب المرجع إلى الشرع، ولهذا قال بعض العلماء: المراد بالفاحشة الكبيرة، المراد الكبيرة.
وقوله: أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْالمراد به ما دون الفاحشة؛ وهي الصغائر، وعلى هذا فالعطف بين قوله: فَاحِشَةًأَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْعطف بين متغايرين، وليس من باب عطف العام على الخاص، وإن كانت الفاحشة لا شك أنها داخلة في ظلم النفس، لكن المراد هنا التنويع: أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْوإذا كان المراد التنويع لزم أن يكون كل نوع سوى النوع الآخر.
وقوله: أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْقد يقول قائل: كيف يتصوّر أن الإنسان يظلم نفسه؟ الإنسان يدفع عن نفسه الظلم، فكيف يظلم نفسه؟!
والجواب على ذلك أن نقول: كل من خالف أمر الله بفعل محرّم أو ترك واجب فقد ظلم نفسه، قال الله تعالى: وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ [الطلاق: ١]، لماذا؟ لأن النفس عندك أمانة تجب عليك رعايتها، وقد أوصاك الله بها فقال: وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ [النساء: ٢٩].
وقال: إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتَابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ فَلَا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ [التوبة: ٣٦] فنهى الله عن قتل النفس وعن ظلم النفس؛ لأنها أمانة عندك.
وبالمناسبة قال العلماء: إن الله أرحم بك من أبيك وولدك ونفسك، الدليل؟ أما كونه أرحم بك من أبيك فإن الله قال: يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ [النساء: ١١]، فأوصى الآباء والأمهات بمن؟ بالأولاد، إذن فهو أرحم بهم من آبائهم وأمهاتهم، وأما بالعكس أن يكون أرحم بك من أبنائك فقال: وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ [العنكبوت: ٨]، وأما أرحم بك من نفسك فلأن الله قال: وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ [النساء: ٢٩]، وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ [البقرة: ١٩٥]، إذن نقول: وجه كون الإنسان ظالمًا نفسه أن نفسك عندك أمانة، فإذا فرطت في هذه الأمانة بأن أقحمت نفسك فيما حرم الله عليك، أو تأخّرت عما أوجب الله عليك فقد أيش؟ فقد ظلمت نفسك، ظلم النفس هو في نفس الواقع ظلم في حق الغير؛ لأن ظلم النفس إما في حق يتعلق بالله عز وجل، وإما في حق يتعلق بالمخلوق، فإن كان في حق الله فإنك ظالم في حق الله، وإن كان في حق المخلوق فإنك ظالم في حق المخلوق، قال النبي عليه الصلاة والسلام: «مَطْلُ الْغَنِيِّ ظُلْمٌ» وبهذا نعرف أن من ظلم نفسه فقد ظلم ثلاثة: ظلم نفسه، وظلم حق الله عز وجل، وظلم المخلوق؛ لأن كل هذه تتعلق بأوامر الله ونواهيه.
ذَكَرُوا اللَّهَبماذا يذكرون الله؟ باللسان أو بالجوارح أو بالقلب أو بالجميع؟
طلبة: بالجميع.
الشيخ: بالجميع، ذكروا الله بالجميع، أما ذكر الله بالقلب فإنهم إذا فعلوا فاحشة أو ظلموا أنفسهم ذكروا عظمة الله وما أعد للمخالفين من العقاب، وذكروا كذلك رحمة الله وما أعد للطائعين من الثواب، حطوا بالكم يا جماعة، هذا ذكر بالقلب، فإذا ذكروا الله بالمعنى الأول، ذكروا عظمته فخافوا من عقابه، استقاموا على دينه هربًا من عقابه، وإذا ذكروا الله بالمعنى الثاني وهو ذكر رحمته وثوابه فإنهم يستقيمون على شرعه طلبًا للوصول إليه، فذكر الأول من باب الهرب، والثاني من باب الطلب، والعبادة بمقتضى الطلب أو العابد بمقتضى الطلب أعلى حالًا من العابد بمقتضى الهرب، قالوا: لأن الطالب ناصح في غيبة المطلوب وفي حضوره، والهارب ناصح في حضور المخوف، لكن في غير حضوره لا يهتم، ويمكن أن يؤخذ هذا من قول الرسول صلى الله عليه وسلم: «أَنْ تَعْبُدَ اللَّهَ كَأَنَّكَ تَرَاهُ فَإِنْ لَمْ تَكُنْ تَرَاهُ فَإِنَّهُ يَرَاكَ» ، إذن ذكر القلب يكون على وجهين، الوجه الأول أيش؟ ذكر عظمة الله عز وجل وعقوبته فيستقيم على شرعه هربًا من عقوبته، والثاني: ذكر رحمة الله عز وجل وفضله ومنّته وثوابه العظيم، فيستقيم على شرعه أيش؟ طلبًا لثوابه ورجاء له.
ذكر الله باللسان يمكن أن يكون المراد به الذكر الخاص مثل: لا إله إلا الله، كما يُروى عن الشيطان أنه قال: أهلكتُ بني آدمَ بالمعاصي وأهلكُوني بِلا إلهَ إلا اللهُ والاستغفارِ. فذِكر الله لا شك أنه من أسباب مغفرة الذنوب، فيذكرون الله بألسنتهم يقول: لا إله إلا الله، فيقولون كلمة الإخلاص، وهذه إذا قالها الإنسان مخلصًا غفر الله له، وكذلك أيضًا ذكر الله باللسان بالاستغفار: اللهم اغفر لي، إذا فعلوا فاحشة أو ظلموا أنفسهم ذكروا الله بالاستغفار، اللهم اغفر لي، أو أستغفر الله أو ما أشبه ذلك.
الذكر بالفعل هو أنهم يفعلون ما يكفّر هذه الذنوب والخطايا، ومن ذلك الصدقة، فإن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «الصَّدَقَةُ تُطْفِئُ الْخَطِيئَةَ كَمَا يُطْفِئُ الْمَاءُ النَّارَ» ، وكذلك أيضًا الصلاة فإن الإنسان إذا توضّأ وأسبغ الوضوء، ثم صلّى ركعتين لا يحدّث فيهما نفسه غفر الله له ما تقدم من ذنبه، فصار الذكر يتناول..
طالب: الذكر يتناول أول شيء ذكر الله باللسان، أول شيء ذكر القلب وهو على نوعين.
الشيخ: بالقلب، والثاني؟
الطالب: باللسان.
الشيخ: والثالث؟
الطالب: بالجوارح.
الشيخ: والذكر بالقلب على وجهين.
ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ(الفاء) للترتيب والتعقيب؛ يعني فإذا ذكروا الله استغفروا لذنوبهم أي: طلبوا المغفرة من الله سبحانه وتعالى لذنوبهم، وتقدم لنا مرارًا أن المغفرة تعني ستر الذنب والتجاوز عنه، وقوله: لِذُنُوبِهِمْالذنوب هي المعاصي والآثام، فيسألون الله تعالى أن يغفر لهم هذه المعاصي والآثام، وإذا استغفر الإنسان ربه بِنيّة صادقة وافتقار إليه فإن الله تعالى يغفر له، ولهذا قال: وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ(من) هذه اسم استفهام وليست اسم شرط، والدليل على أنها اسم استفهام لا اسم شرط أن الفعل بعدها وقع أيش؟ مرفوعًا وَمَنْ يَغْفِرُ، ثم إن أداة الإثبات جاءت بعدها وهي (إلا)، وعلى هذا فنقول: (من) اسم استفهام بمعنى النفي، ويدل على أنها بمعنى النفي إتيان الإثبات بعدها وهي: إِلَّا اللَّهُ.
فإذا قال قائل: ما الفائدة من أن يأتي النفي بصيغة الاستفهام؟ فلماذا لم تكن الآية: ولا يغفر الذنوب إلا الله كما في حديث أبي بكر رضي الله عنه الذي علّمه النبي صلى الله عليه وسلم حيث قال: «اللَّهُمَّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي ظُلْمًا كَثِيرًا وَلَا يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا أَنْتَ» ؟
الشاهد نريد قوله: «وَلَا يَغْفِرُ الذُّنُوبَ»، وهذه الآية جاءت في قوله: وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ، فنقول: لأن النفي بصيغة الاستفهام أبلغ من النفي المجرد، لماذا؟ لأنه إذا جاء النفي بصيغة الاستفهام صار مشربًا بالتحدي، كأن المستفهم يقول: ائتِ لي بكذا وكذا، ائتِ لي بأحد يغفر الذنوب إلا الله عز وجل، فيكون الاستفهام هنا دالًّا على النفي مشربًا بالتحدي.
وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُإلا الله بالرفع مع أنه وقع بعد (إلا)؛ لأن الكلام مفرغ، ما معنى المفرغ؟ المفرغ هو الذي لم يذكر فيه المستثنى منه، هذا المفرغ، الاستثناء المفرغ هو الذي لا يذكر فيه المستثنى منه، واضح؟ فإذا قلت: ما قام إلا زيد، فهنا الاستثناء مفرغ، ليش؟ لم يذكر فيه المستثنى منه، وإذا قلت: ما قام أحد إلا زيد، فهذا غير مفرغ؛ لأنه ذكر المستثنى منه، وإذا قلت: ما رأيت إلا زيدًا، مفرغ ليش؟ لأنه لم يذكر المستثنى منه، وإذا قلت: ما رأيت أحدًا إلا زيدًا، فهذا غير مفرغ، هنا: وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ.
طلبة: مفرغ.
الشيخ: مفرغ؟ كيف؟ لو قال.. الذنوب الموجودة؟ ليست هي المستثنى منه، هي موجودة لكن الذنوب هنا واقع عليها الفعل، والغافر واقع منه الفعل.
وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُيعني لا أحد يغفر الذنوب إلا الله، لو تستغفر كل الخلق من ذنبك ما نفعوك، لو أنك مثلًا أتيت إلى كل اللي في المسجد وقلت: أستغفركم من الذنب الذي فعلت، هل ينفع مغفرتهم؟ لنفرض أن رجلًا أساء في المسجد إساءة محرّمة تؤذي المصلين، فجاء فقال: أيها المصلّون، أستغفركم مما فعلت، هل يمكن أن يغفروا له؟
طالب: نعم.
الشيخ: الذي يتعلق بهم يمكن أن يغفروا له ما يتعلق بهم، لكن أصل الذنب ما يمكن أن يغفروه له؛ لأن الله يقول: وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ.
قال: وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ [آل عمران: ١٣٥] قوله: وَلَمْ يُصِرُّوامعطوفة على قوله: ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْعلى قوله: فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ.
وَلَمْ يُصِرُّوامعطوفة على قوله: فَاسْتَغْفَرُوا.
وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوايُصِرُّواأي: يستمروا على ما فعلوا ويبقوا عليه؛ لأن طالب المغفرة لا يمكن أن يُصرّ، كيف تقول: اللهم اغفر لي وأنت مُصرّ على معصيتك؟ هذا سخرية واستهزاء، ولهذا قال: وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوافعلوا منين؟ من الفاحشة وظلم النفس، وَهُمْ يَعْلَمُونَ. قوله: وَهُمْ يَعْلَمُونَيحتمل أن تكون استثنائية. وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوايعني أتى بجملة مستأنفة، فقال: وهؤلاء يعلمون عظم الذنوب ويعلمون عظم من عصوه، ولذلك لا يصرّون على ما فعلوا، ويحتمل أن تكون الواو للحال؛ يعني ولم يصروا على ما فعلوا حال كونهم عالمين بأن الإصرار على الذنب لا تحصل معه المغفرة، أو وهم يعلمون بأن هذا ذنب، فإذا وقع منهم ذنب أصرّوا عليه فإنهم لا يعلمون أنه ذنب، والآية ما دامت تحتمل هذه الأوجه الثلاثة فإننا نقول على القاعدة أيش؟ أنها تُحمل على كلها، كل ما تحتمله الآية من معنى ولا تناقض بين المعاني فإنه يجب أن تُحمل عليها كلها، فإن كانت تتناقض أو تتعارض المعاني فإنه يُطْلب أيش؟ يُطلب المرجّح؛ لأنه لا يمكن أن يحمل الكلام على الشيء وضده فحينئذٍ نطلب المرجّح، هذه القاعدة.
هذه الآية فيها فوائد؛ من الفوائد: أن المتقي لا يكون معصومًا من فعل الفاحشة أو ظلم النفس؛ لأن الله لم يقُل: وهم لا يفعلون الفواحش أو يظلمون أنفسهم، بل قال: وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْإذن ففعل الفاحشة لا يخدش بالتقوى إذا استغفر الإنسان وتاب، وقد جاء في الحديث عن النبي عليه الصلاة والسلام أنه قال: «كُلُّ بَنِي آدَمَ خَطَّاءٌ، وَخَيْرُ الْخَطَّائِينَ التَّوَّابُونَ» ، وصح عنه أنه قال عليه الصلاة والسلام: «لَوْ لَمْ تُذْنِبُوا لَذَهَبَ اللَّهُ بِكُمْ وَلَجَاءَ بِقَوْمٍ يُذْنِبُونَ فَيَسْتَغْفِرُونَ اللَّهَ فَيَغْفِرُ لَهُمْ» .
إذن ليس الشأن في أن لا يفعل الإنسان معصية، كل إنسان لا بد أن يعصي، الشأن في أنه إذا فعل المعصية رجع إلى الله.
ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن الذنوب تنقسم إلى قسمين: فواحش ودونها؛ لقوله: وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ، و(أو) هنا للتنويع، وهذا متفق عليه بين العلماء أن الذنوب تنقسم إلى صغائر وكبائر، ولكن ما هو الضابط للكبائر والصغائر؟
بعض العلماء يقول: إن الكبائر معدودة، فجعل يعدّدها ويقول: الكبيرة الأولى، الكبيرة الثانية، الكبيرة العاشرة، إلى أن انتهى إلى ما بلغه علمه من الكبائر، وبعضهم يقول: إن الكبائر محدودة وليست معدودة، ومعنى محدودة يعني معلّقة بوصف لا بعدد، فقالوا مثلًا: ما فيه حد في الدنيا فهو كبيرة، مثل: الزنا، والسرقة، والقذف، كل ما فيه حدّ في الدنيا فهو كبيرة، كل ما رتبت عليه اللعنة فهو كبيرة مثل: «لَعَنَ اللَّهُ مَنْ آوَى مُحْدِثًا» ، «لَعَنَ اللَّهُ الرَّاشِي وَالْمُرْتَشِي» ، وما أشبهه، كل ما رتّب عليه غضب فهو كبيرة مثل؟
طلبة: وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ.
الشيخ: مثل قوله تعالى في القاتل: وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ [النساء: ٩٣]، ما رتّب عليه وعيد في الآخرة، بأن جاء النص من فعل كذا فهو في النار أو ما أشبه ذلك مثل: «مَا أَسْفَلَ مِنَ الْكَعْبَيْنِ فَفِي النَّارِ» ، ومنهم من قال، ورأيته لشيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: كل ما رُتّب عليه عقوبة خاصة، عقوبة خاصة دنيوية أو أخروية فهو كبيرة، وما جاء النهي عنه بدون ذكر عقوبة فهو صغيرة، فقال مثلًا: الغش من كبائر الذنوب؛ لأن الشارع جعل له عقوبة خاصة: «مَنْ غَشَّ فَلَيْسَ مِنَّا» . إيذاء الجار من كبائر الذنوب لقول النبي عليه الصلاة والسلام: «مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَلَا يُؤْذِ جَارَهُ» .
وهذا الذي حده رحمه الله يدخل فيه من الذنوب شيء كثير، ولكن لا شك أن ما قاله رحمه الله ليس معناه أن هذه الكبائر تكون على مرتبة واحدة، بل حتى الكبائر فيها ما هو أكبر وفيها ما هو أصغر كما في الحديث الصحيح: «أَلَا أُنَبِّئُكُمْ بِأَكْبَرِ الْكَبَائِرِ؟» . وعلى هذا فنقول: الذنوب تنقسم إلى صغائر وكبائر، تؤخذ من الآية هذه، ثم الكبائر تختلف مراتبها بحسب ما يترتب عليها من المفاسد والآثام.
ومن فوائد الآية الكريمة: أن الإنسان مؤتمن على نفسه.
طالب: حالق اللحية (...)؟
الشيخ: الإصرار عليها يجعلها كبيرة.
الطالب: لا..
الشيخ: لا، مرة واحدة ما..
الطالب: التشبّه باليهود والنصارى.
الشيخ: تكمّل إعراب المثال: قام: فعل ماضٍ مبني على..
الطالب: قام فعل ماضٍ مبني على الفتح.
الشيخ: زيد؟
الطالب: زيد: خبر.
الشيخ: ويش مسوي زيد الحين إذا قلت: قام زيد ويش مسوي؟ قائم إذن فاعل، فاعل مرفوع، وعلامة رفعه؟
الطالب: الفتحة.
الشيخ: الرفع يكون فتحة؟!
الطالب: قام زيد، بالضمة، مبني.
الشيخ: علامة رفعه ضمة ظاهرة في آخره.
لو قلت: قام زيدًا، يصلح؟
الطالب: لا.
الشيخ: ليش؟ لأنه فاعل، والفاعل لازم يصير مرفوع، تمام.
***
طالب: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم أُولَئِكَ جَزَاؤُهُمْ مَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَجَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ (١٣٦) قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ سُنَنٌ فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ (١٣٧) هَذَا بَيَانٌ لِلنَّاسِ وَهُدًى وَمَوْعِظَةٌ لِلْمُتَّقِينَ (١٣٨) وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (١٣٩) إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَدَاءَ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ (١٤٠) [آل عمران: ١٣٦ - ١٤٠].الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله سبحانه وتعالى: أُولَئِكَ جَزَاؤُهُمْ مَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَجَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ.
المشار إليهما من سبق من المتقين المتصفين بالأوصاف التي سمعتموها من قبل، ومنها أنهم إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ، وذكرنا تفسير الآية هذه وما يستفاد منها أو شيئًا مما يستفاد منها، فمن ذلك؛ من فوائدها: سرعة انتباه هؤلاء عند فعل الذنوب؛ لقوله: إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَفيبادرون بالتوبة، والمبادرة بالتوبة من صفات المتقين، وهل هي واجبة؟
الجواب: نعم، تجب المبادرة بالتوبة؛ لأن التوبة إذا نزل الأجل لا تُقبل، والإنسان لا يدري متى ينزل أجله، وعلى هذا فيجب أن يتوب الإنسان من ذنوبه فورًا بدون تأخير.
من فوائد الآية الكريمة: أن الذنوب تنقسم إلى قسمين: فواحش وما دونها.
من فوائد هذه الآية: أن ذكر الله عز وجل سبب للتوبة والرجوع إلى الله؛ لقوله: ذَكَرُوا اللَّهَوقد سبق لنا بيان وجوه هذا الذكر، ما هي؟
طالب: ذِكر بالقلب، وذِكر باللسان، وذِكر بالفعل.
الشيخ: بالجوارح؟ نعم.
من فوائد هذه الآية الكريمة: أنهم يبادرون بالتوبة، وسبق، استغفار هؤلاء المتقين لذنوبهم؛ لقوله: فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْفيؤخذ منه أو يتفرع على هذه الفائدة: عجز أولئك القوم الذين يقولون: إن الله غفور رحيم ولا يستغفرون الله، فإن بعض المذنبين إذا نهيته عن الذنب قال: الله غفور رحيم، ولكنه هو نفسه لا يستغفر، وإذا كان هؤلاء السادة يستغفرون ربهم، بل إذا كان الله أمر نبيه عليه الصلاة والسلام أن يستغفر، فما بالك بمن دونه، قال الله تعالى: وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ [غافر: ٥٥] وَاسْتَغْفِرِ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا [النساء: ١٠٦].
من فوائد الآية الكريمة أيضًا: أنه لا أحد يستطيع أن يغفر الذنوب إلا الله؛ لقوله: وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ.
ويتفرع عليها: أن لا تعتمد على أحد في مغفرة الذنوب أو طلب المغفرة، وإنما يكون اتجاهك إلى من؟ إلى الله عز وجل.
ومن فوائدها: أن هؤلاء السادة المتقين لا يُصرّون على ما فعلوا من الفاحشة أو ظلم النفس وهم يعلمون.
ومن فوائدها: أن الرجل إذا أذنب فاستغفر، ثم أذنب فاستغفر، ثم أذنب فاستغفر فإنه يغفر له وإن تكرّر الذنب منه؛ لأن الله قال هنا: وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُواولم يقل: ولم يعيدوا ما فعلوا، لم يصرّوا عليه وهم يعلمون، والإنسان إذا كان كلما أذنب استغفر فإنه يغفر له، كقوله تعالى: قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا [الزمر: ٥٣]، ولكن يجب أن لا يكون استغفاره بلسانه وقلبه منطوٍ على الرجوع، فإن كان كذلك فإن هذا الاستغفار لا يفيده، لكن يكون استغفاره حقيقة بقلبه ولسانه، والإنسان بشر ربما تغلبه نفسه في المستقبل فيفعل المعصية مع أنه قد استغفر منها، فنقول: مهما عملت ومهما تكرر منك الذنب ما دمت تستغفر فإن الله تعالى يغفر لك.
ومن فوائد هذه الآية الكريمة: توبيخ من أصرّ على الذنب وهو عالم به؛ لقوله: وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ. ولهذا قال العلماء: إن الإصرار على المعصية الصغيرة يجعلها كبيرة؛ لأن إصراره عليها يدل على تهاونه بمن عصاه.
ثم قال الله تعالى: أُولَئِكَ جَزَاؤُهُمْ مَغْفِرَةٌأولئك هنا إشارة وخطاب، الإشارة مأخوذة من قوله: (أولاء)، والخطاب من قوله: (أولئك) الكاف، ويجب أن نعلم من حيث اللغة العربية أن اسم الإشارة يكون بحسب المشار إليه، وأما كاف الخطاب فبحسب من؟ المخاطَب، ثم إذا كانت بحسب المخاطب فهل تبقى مفردة مفتوحة مبنيّة على الفتح؟ أو تكون بحسب المخاطب تذكيرًا وتأنيثًا وتثنية وجمعًا وإفرادًا؟ أو تكون بالفتح للمذكر مطلقًا ولو جمعًا أو مثنى؟ وبالكسر للمؤنث مطلقًا ولو جمعًا أو مثنى؟
في هذا ثلاث لغات للعرب:
اللغة الأولى: أنها لازمة للفتح باعتبار أن المخاطب اسم جنس، فإذا قلت: (ذلكَ) تخاطب اثنين فالمعنى أنك تخاطبهما باعتبار جنس الذكور، أو باعتبار جنس الشخص.
والثاني: أنها بالفتح للمذكر مطلقًا وبالكسر للمؤنث مطلقًا، ويش معنى الإطلاق؟ حال التثنية والجمع والإفراد.
والثالث؛ وهو الأفصح: أنها بحسب المخاطب مطلقًا، فإن كان مفردًا مذكرًا فهي بالفتح مفردة، إذا كان مثنى فهي بالتثنية، إذا كان جماعة ذكور فهي بالميم تقترن بالميم؛ جماعة إناث تقترن بالنون.
قَالَتْ فَذَلِكُنَّ [يوسف: ٣٢] لأنها تخاطب جماعة نسوة. ذَلِكُمَا مِمَّا عَلَّمَنِي رَبِّي [يوسف: ٣٧] يخاطب اثنين. ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ [البقرة: ٥٤] يخاطب جماعة ذكور، هذا هو الأفصح، فهنا يقول: أُولَئِكَ جَزَاؤُهُمْأولئك الخطاب لمن؟ لواحد؛ يعني أولئك أيها المخاطب، فالخطاب لواحد والإشارة لجمع؛ يعني أولئك المتقون أيها المخاطب جَزَاؤُهُمْأي: ثوابهم ومكافأتهم على عملهم مَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْيكون بها النجاة من النار وَجَنَّاتٌيكون بها حصول المطلوب في جنات النعيم. مَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْأي: عفو وتجاوز عن الذنوب وستر عن الخلق وَجَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُجَنَّاتٌ تَجْرِيجنات جمع؛ لأن الجنة درجات كثيرة، ومنازل متنوعة يختلف الناس فيها بحسب أعمالهم، وقد أخبر النبي عليه الصلاة والسلام أن أهل الجنة يتراءون الغرف كما نتراءى الكوكب الدري الغابر في الأفق، قالوا: يا رسول الله، تلك منازل الأنبياء لا ينالها غيرهم، قال: «بَلَى، وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ رِجَالٌ آمَنُوا بِاللَّهِ وَصَدَّقُوا الْمُرْسَلِينَ» . اللهم اجعلنا منهم، هذه المنازل يختلف الناس فيها، أهل الجنة يتراءونها مثل ما نرى الكوكب الدريّ المضيء الغابر في الأفق بعيد جدًّا ليس فوق مسامة الرؤوس بل هو بعيد، فهي درجات ولهذا تجمع، وأعلى ما فيها الفردوس؛ لأن فوقه عرش الله جل جلاله، وهو وسط الجنة وأعلى الجنة ومنه تفجر أنهار الجنة.
وَجَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُووصف الله بأنها جنات؛ لأن فيها من أنواع النعيم ما لا يخطر على البال، فهي دار لا يمكن أن يدرك الإنسان كنهها وحقيقتها؛ لأنها أعظم من أن تدركها مخيلتنا، قال الله تعالى: فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ [السجدة: ١٧]، وقال الله تعالى في الحديث القدسي: «أَعْدَدْتُ لِعِبَادِيَ الصَّالِحِينَ مَا لَا عَيْنٌ رَأَتْ، وَلَا أُذُنٌ سَمِعَتْ، وَلَا خَطَرَ عَلَى قَلْبِ بَشَرٍ» .
وقوله: تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُمن تحتها قال العلماء: أي: من تحت قصورها وأشجارها لا من تحت أرضها؛ لأنه لو كان من تحت أرضها لكانت في الأسفل في قعر، ولكنها تمشي على سطح أرض الجنة إلا أنها تحت القصور والأشجار تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ. وقد ورد في الحديث أن هذه الأنهار تجري بلا أخدود وبلا حفر، وفي ذلك يقول ابن القيم في النونية:
| أَنْهَارُهَا فِي غَيْرِ أُخْدُودٍ جَرَتْ | سُبْحَانَ مُمْسِكِهَا عَنِ الْفَيَضَانِ |
تجري على الأرض بدون أن يكون لها أخدود؛ يعني سواقي أو حفر، ومع هذا تجري حيث أراد الإنسان حيث أراد.
وقوله: الْأَنْهَارُجمع (نهر)، وقد بيّن الله تعالى في سورة القتال سورة محمد أنها أربعة أنواع: فِيهَا أَنْهَارٌ مِنْ مَاءٍ غَيْرِ آسِنٍ وَأَنْهَارٌ مِنْ لَبَنٍ لَمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ وَأَنْهَارٌ مِنْ خَمْرٍ لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ وَأَنْهَارٌ مِنْ عَسَلٍ مُصَفًّى [محمد: ١٥] أنهار من ماء غير آسن؛ يعني لا يقبل أن يكون آسنًا، بخلاف ماء الدنيا فإنه يكون آسنًا؛ أي: متغيرًا، فإنه إذا تأخّر وأبطأ تغير، أما ماء الجنة فلا يتغير.
وَأَنْهَارٌ مِنْ لَبَنٍ لَمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ [محمد: ١٥] بخلاف ألبان الدنيا فإنها تتغير إذا زادت عن المدة تغيرت وفسدت، وَأَنْهَارٌ مِنْ خَمْرٍ لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ [محمد: ١٥] لذة، وليس فيها غول ولا هم عنها ينزفون، لا توجع الرأس ولا تغتال العقول، وأشد ما يكون من اللذة. الرابع: وَأَنْهَارٌ مِنْ عَسَلٍ مُصَفًّى [محمد: ١٥] أنهار من العسل، ليس من عسل النحل الذي يكون نصفها أو أكثر شمعًا، ولكنه من عسل مُصفّى.
خَالِدِينَ فِيهَاأي: ماكثين فيها مكثًا طويلًا، وقد جاءت آيات أخرى تدل على أن هذا الخلود خلود تأبيد، وقد أجمع علماء أهل السنة على أنها -أي الجنة- مؤبدة بما فيها من النعيم.
وَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَالجملة هنا إنشائية للمدح والثناء، الثناء على أيش؟ على هذا الأجر العظيم، وأَجْرُ الْعَامِلِينَأي ثوابهم، وجعله ذو الفضل والإحسان أجرًا ليكون الإنسان مطمئنًّا على الحصول عليه إذا قدم العوض، وإلا فالمنة لمن؟ المنة لله عز وجل أولًا وآخرًا، لكن يمن علينا -والحمد لله- بالعمل، ثم يمن علينا ثانيًا بالجزاء، ويقول: هَلْ جَزَاءُ الْإِحْسَانِ إِلَّا الْإِحْسَانُ [الرحمن: ٦٠]، كأننا نحن محسنون استقلالًا وابتداءً، فإذا أحسنّا فجزاؤنا أن يحسن إلينا مع أنه والله هو الذي أحسن إلينا أولًا وآخرًا.
كذلك يقول: وَكَانَ سَعْيُكُمْ مَشْكُورًا [الإنسان: ٢٢]، إِنَّ هَذَا كَانَ لَكُمْ جَزَاءً وَكَانَ سَعْيُكُمْ مَشْكُورًاسبحان الله، يمنّ علينا بالسعي ويوفقنا له ويعيننا عليه، ثم يشكرنا عليه، هذا غاية الفضل والإحسان من الله عز وجل.
وَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَالذين يعملون لهذا الأجر العظيم. وقوله: وَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَنقول في إعرابها: إن (أجر): فاعل، والمخصوص محذوف تقديره: نعم أجر العاملين هو أو الجنة، كما قال الشاعر:
| نِعْمَتْ جَزَاءُ الْمُتَّقِينَ الْجَنَّهْ | فِيهَا الْأَمَانِي وَالْمُنَى وَالْمِنَّهْ |
في هذه الآية الكريمة من الفوائد: بيان جزاء المتقين، وأنه جزاء لا يدركه الإنسان بتصوره؛ لأنه أعظم مما يتصور.
وفيها: أن جزاءهم متضمن لحصول المطلوب ودرء المكروه، من أين يؤخذ؟ من قوله: مَغْفِرَةٌوجنة، فبالمغفرة درء المكروه، وبالجنة حصول المطلوب.
ومن فوائد هذه الآية: أن مغفرة الله عز وجل للمرء من أعظم الثواب، فلا تستغرب أن تكثر من سؤال المغفرة، كان النبي صلى الله عليه وسلم حينما نزلت عليه سورة النصر يُكثر أن يقول في ركوعه وسجوده: «سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ رَبَّنَا وَبِحَمْدِكَ، اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي» .
ومن فوائدها: بيان حال الجنات التي وعدها المتقون وما يصوره قوله: تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُمن النعيم العظيم.
ومن فوائدها: أن أهل الجنة خالدون فيها؛ لقوله: خَالِدِينَ فِيهَاوقد دلّت النصوص على أن هذا التخليد أبدي.
ومن فوائدها: عِظم هذا الأجر؛ لأن العظيم إذا أثنى على شيء دل على عظمه، والله تعالى أعظم شيء، وقد أثنى على هذا النعيم.
ومن فوائدها: بيان فضل الله عز وجل على عباده، حيث جعل هذا الجزاء أجرًا بمنزلة الأجر المحتّم الذي لا بد من أن يناله العبد، فإذا قال قائل: كيف تجمع بين هذه الآية وبين قوله صلى الله عليه وسلم: «لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ أَحَدٌ بِعَمَلِهِ» قالوا: ولا أنتَ يا رسولَ الله؟ قال: «وَلَا أَنَا إِلَّا أَنْ يَتَغَمَّدَنِي اللَّهُ بِرَحْمَتِهِ» . قال: «لَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ أَحَدٌ بِعَمَلِه». وظاهر الآية التي معنا أن هذه الجنة التي أُعدّت لهم أجر لهم، عوض عما قاموا به من العمل، والجواب عن هذا أن نقول: إن قول الرسول صلى الله عليه وسلم: «لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ أَحَدٌ بِعَمَلِهِ» أي: على سبيل المكافأة، أي أن الجزاء يكافئ العمل ويكون عوضًا عنه، وأما على أنه سبب من الأسباب ولكن الله بفضله جعله بمنزلة العوض فهذا ثابت، فأعمالنا سبب، ولو قُوبلت بنِعم الله لم تكن شيئًا، لو أنك جمعت نِعم الله عليك وقارنت بينها وبين عملك لكان العمل ما هو أقل ضئيلًا جدًّا، ولا ينسب لشيء، النفس لو أُصيب الإنسان بضيق في نفسه لكان يبذل كل ما يملك من أجل زوال هذه المحنة، كذلك البول، الغائط، السمع، البصر، إلى غير ذلك، نِعم كثيرة لا يقابلها العمل، وقد قال بعض الشعراء:
| إِذَا كَانَ شُكْرِي نِعْمَةَ اللَّهِ نِعْمَةً | عَلَيَّ لَهُ فِي مِثْلِهَا يَجِبُ الشُّكْرُ |
| فَكَيْفَ بُلُوغُ الشُّكْرِ إِلَّا بِفَضْلِهِ | وَإِنْ طَالَتِ الْأَيَّامُ وَاتَّصَلَ الْعُمْرُ |
صحيح هذا؟ لأنَّا نقول: إذا وفقت للشكر وشكرت الله فهي نعمة؛ لأن الله قال: وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ [سبأ: ١٣]، وما أكثر الذين كفروا نعمة الله، ثم إذا شكرت الله قلنا: إنها نعمة تحتاج أيضًا إلى شكر آخر، فإذا وفقت لشكر الشكر فهو نعمة ثالثة تحتاج إلى شكر، وهلم جرًّا، ولهذا قال:
| فَكَيْفَ بُلُوغُ الشُّكْرِ إِلَّا بِفَضْلِهِ | وَإِنْ طَالَتِ الْأَيَّامُ وَاتَّصَلَ الْعُمْرُ |
طالب: يا شيخ، بالنسبة لقوله: وَلَمْ يُصِرُّواأحيانًا الإنسان يتوب ويعزم أن لا يعود، وبعد فترة تراوده نفسه أن يعود، فهل تنتقض التوبة في هذه الحال؟
الشيخ: لا، ما تنتقض.
طالب: أصرّ على المعاودة؟
الشيخ: ما أصرّ، المصِرّ الذي يبقى على الذنب وكأنه ليس بذنب، أما الإنسان الذي يتوب، ثم تغلبه نفسه في المستقبل، ويفعل المعصية فهذا ليس بمُصرّ، ولهذا ورد عن النبي عليه الصلاة والسلام: «أَنَّ رَجُلًا أَذْنَبَ فَاسْتَغْفَرَ اللَّهَ، ثُمَّ أَذْنَبَ فَاسْتَغْفَرَ، ثُمَّ أَذْنَبَ فَاسْتَغْفَرَ، فَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى: عَلِمَ عَبْدِي أَنَّ لَهُ رَبًّا يَغْفِرُ الذَّنْبَ وَيَأْخُذُ بِهِ قَدْ غَفَرْتُ لِعَبْدِي فَلْيَعْمَلْ مَا شَاءَ» ، فكون الإنسان كلما أذنب استغفر، وكلما استغفر عاد فأذنب لا يبطل توبته الأولى.
طالب: ذكرنا في وَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَهذا شأن مدح، فكيف يكون خبرًا للجنة (...) ما المقصود؟
الشيخ: كيف يكون خبرًا؟
الطالب: يعني جملة إنشائية (...) وخبر.
الشيخ: أحسنت، لما كانت صيغتها صيغة الخبر صحت أن تكون خبر المبتدأ، هي صيغتها صيغة الخبر، نقول: (نِعْمَ) فعل ماضٍ، و(أجرُ) فاعل، لكن هي المقصود بها إنشاء المدح مثل (بئس).
طالب: شيخ، هذه الآية ما تؤيد الحديث: «لَا يَدْخُلُ أَحَدُكُمُ الْجَنَّةَ بِعَمَلِهِ» أنه قال الله سبحانه وتعالى صدّر الآية بالمغفرة قال: جَزَاؤُهُمْ مَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَجَنَّاتٌ، فيكون الأول يدخلهم يعني بمغفرته الجنة، ثم يجازيهم بهذه الأعمال برفعهم درجات.
الشيخ: ظاهر الآية أن الجنة هي الأجر؛ لأنه ما ذكر إلا جنات تجري من تحتها الأنهار فقط.
طالب: قلنا: إن الآية مثلًا ما فعلوه وهم يعلمون.
الشيخ: وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ.
طالب: يعني الجاهل لا ذنب له.
الشيخ: أيش؟
الطالب: الجاهل فعل ذنب وهو جاهل به؛ يعني ربنا ما يكتب له الذنب.
الشيخ: إي نعم، صحيح.
الطالب: وأخذنا القاعدة يا شيخ.
الشيخ: أخذنا القاعدة أن الجاهل لا يؤاخَذ بذنبه، وهو صحيح.
طالب: أحسن الله إليك، الله في القرآن امتدح الذين يستغفرون ولا يصرون على الذنوب، والذين يتركونها بالكلية.
الشيخ: أيش؟
الطالب: يمتدحهم على الاستغفار وعدم الإصرار عليها لا تركها بالكلية، والنبي صلى الله عليه وسلم يقول: «كُتِبَ عَلَى ابْنِ آدَمَ حَظُّهُ مِنَ الزِّنَا أَدْرَكَ ذَلِكَ لَا مَحَالَةَ» ، فهل دليل على أن المقدمات الكبيرة لا بد أن الإنسان يفعلها؟
الشيخ: ما هو على كل حال؛ يعني معناه أن الإنسان من حيث هو إنسان سيفعل هذا، وبقدرته أن يغض من بصره، لكن لا بد لبني آدم من الخطأ: «كُلُّ بَنِي آدَمَ خَطَّاءٌ، وَخَيْرُ الْخَطَّائِينَ التَّوَّابُونَ» ، «لَوْ لَمْ تُذْنِبُوا لَذَهَبَ اللَّهُ بِكُمْ وَلَجَاءَ بِقَوْمٍ يُذْنِبُونَ فَيَسْتَغْفِرُونَ اللَّهَ فَيَغْفِرُ لَهُمْ» .
طالب: الْمُصرّ على الصغيرة، قلنا: إن الإصرار على الصغيرة من الكبائر، مع أن الْمُصرّين على الصغائر يختلفون جدًّا منهم من يستهين بحرمات الله، ومنهم من يعتقد أنه ما هو بالأمر المحرم، كيف يكون يعني سواء؟
الشيخ: لا، ما هو بسواء، بارك الله فيك، حتى الكبائر ليست سواء، إذا قلنا: كبيرة معناها أنها في ضمن الكبائر لكن الكبائر تختلف، ليس شيء من الأعمال إلا يختلف، إن أتيت الأعمال الصالحة وجدتها تختلف، الكفر نفسه يختلف، أليس كذلك؟ الكبائر تختلف؛ أكبر الكبائر ووسط الكبائر، وأدون الصغائر، الصغائر أيضًا تختلف، النظر إلى المرأة بشهوة، مثلًا المرأة الأجنبية، من الصغائر، ومسّها من الصغائر، وأيهما أعظم؟ المس أعظم.
طالب: يا شيخ، أحسن الله إليك، من كان يفعل المعاصي فتاب عن بعضها ولم يتُب عن البعض، فهل يقبل الله توبته علمًا بأنه قد تاب عن بعض المعاصي الصغيرة وترك الكبيرة؟
الشيخ: أظن هذه مرت علينا.
مر علينا أن العلماء اختلفوا إذا تاب من ذنب وهو مُصرّ على آخر، فهل تقبل توبته من هذا الذنب أو لا؟ ذكرنا أن في هذا خلاف، منهم من قال: لا تقبل، ومنهم من قال: تقبل مطلقًا، ومنهم من قال: إن كان الذنب الذي هو مُصرّ عليه من جنس الذنب الذي تاب منه فإنها لا تقبل، وإن كان من غير جنسه قبلت؛ فمثلًا إذا تاب من غش الناس في البيع لكن غشهم في الإجارة، هذا الذنب جنس واحد، وإن اختلف محل الغش، المهم فيها ثلاثة أقوال للعلماء، والصحيح أنها تقبل، إذا تاب من ذنب ولو أصرّ على مثله أو على جنسه، ولكنه لا يستحق الوصف المطلق في مدح التوابين، يعني لا يدخل في مثل قوله تعالى: إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ [البقرة: ٢٢٢]، إنما يقال: هذه توبة مقيدة.
***
طالب: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ سُنَنٌ فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ (١٣٧) هَذَا بَيَانٌ لِلنَّاسِ وَهُدًى وَمَوْعِظَةٌ لِلْمُتَّقِينَ (١٣٨) وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (١٣٩) إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَدَاءَ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ (١٤٠) وَلِيُمَحِّصَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَمْحَقَ الْكَافِرِينَ (١٤١) [آل عمران: ١٣٧ - ١٤١].
الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله تبارك وتعالى: قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ سُنَنٌ فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ، قَدْ خَلَتْجملة محقّقة بـ(قد)؛ لأن قد إذا دخلت على الفعل الماضي تفيد التحقيق، وإذا دخلت على الفعل المضارع تفيد التقليل، وقد تفيد التحقيق بالقرائن، فقول القائل: قد يجود البخيل. هذه للتقليل، وقوله تعالى: قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الْمُعَوِّقِينَ مِنْكُمْ [الأحزاب: ١٨]، هذه تفيد التحقيق، أما إذا دخلت على الماضي فإنها تكون للتحقيق، كقول المقيم: قد قامت الصلاة.
قَدْ خَلَتْأي: مضت. مِنْ قَبْلِكُمْ سُنَنٌالخطاب لهذه الأمة، والسنن جمع (سُنّة) وهي الطريقة، والمراد بها سنن الله عز وجل في المكذبين حيث يأخذهم ويدمرهم، كما قال تعالى: أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ دَمَّرَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَلِلْكَافِرِينَ أَمْثَالُهَا [محمد: ١٠]، قال: دَمَّرَ اللَّهُ عَلَيْهِمْيعني أهلكهم وأبادهم، وَلِلْكَافِرِينَ أَمْثَالُهَامن هذه الأمة، إذن سنن جمع (سُنّة) وهي الطريقة، والمراد بها طريق الله تعالى في المكذبين للرسل حيث تكون عاقبتهم الهلاك والدمار.
وقوله: فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ(الفاء) هنا للترتيب وهي عاطفة، عطف جملة على جملة، و(سيروا) فعل أمر من السير وهو المشي، والمراد به هنا سير القلوب وسير الأقدام، أما سير القلوب فهو بالتفكّر، أن يتفكر الإنسان في الأمم السابقة، السابقة عليه زمنًا، وكذلك يتفكر في الأمم السابقة عليه مكانًا، كما قال تعالى: وَإِنَّكُمْ لَتَمُرُّونَ عَلَيْهِمْ مُصْبِحِينَ (١٣٧) وَبِاللَّيْلِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ [الصافات: ١٣٧، ١٣٨]، فالإنسان يسير بقلبه ويسير بقدمه، أما سيره بقلبه فهو أن يتفكر في عاقبة من مضى زمنًا، وفي عاقبة من مضى مكانًا، فمثلًا ديار ثمود موجودة الآن، يفكر الإنسان فيها زمنًا أو مكانًا؟ يفكر فيها مكانًا وزمانًا، فينظر كيف كان عاقبتهم، السير بالقدم قد يكون أشد وقعًا من السير بالقلب؛ لأن الإنسان يصل به إلى حق اليقين والمشاهدة بالعين، والسير بالقلب أعم وأشمل؛ لأن الإنسان يصل به إلى ما لا يمكنه الوصول إليه بالسير قدمًا، أليس كذلك؟
وقوله: سِيرُوا فِي الْأَرْضِ(في) للظرفية، ولكنها عند المفسرين هنا بمعنى (على)، أي: سيروا على الأرض؛ لأن السير في جوف الأرض غير ممكن وغير مفيد أيضًا، وإنما يفيد السير على ظاهر الأرض. وقوله: سِيرُوا فِي الْأَرْضِأي أرض من سبق، فـ(أل) هنا للعهد، للعهد المفهوم من قوله: قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ سُنَنٌأي: سيروا في أرضهم، وانظروا كيف كانت عاقبتهم.
وقوله: فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَانظروا بعين البصر أو بعين البصيرة أو بهما؟ بهما جميعًا، فإن وصل إلى مكان هؤلاء الأمم فالنظر يكون بعين البصر وبعين البصيرة، وإن لم يصل، ولكنه فكر في قلبه فالنظر يكون بعين البصيرة؛ لأن البصر لا يمكن أن يصل إليه وهو ينظر في قلبه. فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ، (انظروا) فعل أمر، وهي تنصب المفعول به، لكنها علقت عن العمل؛ لأنه وليها جملة استفهامية، والجملة الاستفهامية إذا وليت الفعل المتعدي علقته عن العمل، علقته يعني منعته، وعلى هذا فتكون الجملة في قوله: كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَفي محل نصب مفعول (انظروا).
أما إعراب كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَتفصيلًا، فإن كَيْفَاسم استفهام مبني على الفتح في محل نصب خبر (كان) مقدمًا، وتقديمه هنا واجب أو جائز؟ واجب؛ لأن الاستفهام له صدر الكلام، فإذا وقع خبرًا وجب تقديمه، إذا وقع الاستفهام خبرًا وجب أن يقدم، فهنا كيف اسم استفهام مبني على الفتح في محل نصب خبر كان، وعَاقِبَةُاسمها، وأما الْمُكَذِّبِينَفمعروف أنها مضاف إليه.
عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَأي: مآل أمرهم، عاقبة الشيء ما يعقبه ويؤول إليه الشيء، والمكذبين هنا المراد بهم المكذبين لله ورسله، فماذا كان عاقبتهم؟ كان عاقبتهم الهلاك والدمار، وعقوبتهم على حسب ذنوبهم، كما قال الله تعالى: فَكُلًّا أَخَذْنَا بِذَنْبِهِ فَمِنْهُمْ مَنْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِ حَاصِبًا وَمِنْهُمْ مَنْ أَخَذَتْهُ الصَّيْحَةُ وَمِنْهُمْ مَنْ خَسَفْنَا بِهِ الْأَرْضَ وَمِنْهُمْ مَنْ أَغْرَقْنَا [العنكبوت: ٤٠]، الذين أرسل الله إليهم حاصبًا مثل قوم لوط. إِنَّا أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ حَاصِبًا إِلَّا آلَ لُوطٍ نَجَّيْنَاهُمْ بِسَحَرٍ [القمر: ٣٤]، ومنهم من أخذته الصيحة كقوم صالح..





