تفسير سورة آل عمران - 43
عدد الزيارات 3371

عناصر المادة :
تفسير الآيتين (138-139)
تفسير الآية (140)

فَمِنْهُمْ مَنْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِ حَاصِبًا وَمِنْهُمْ مَنْ أَخَذَتْهُ الصَّيْحَةُ وَمِنْهُمْ مَنْ خَسَفْنَا بِهِ الْأَرْضَ وَمِنْهُمْ مَنْ أَغْرَقْنَا وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ [العنكبوت: ٤٠] الذين أرسل الله إليهم حاصبًا مثل قوم لوط: إِنَّا أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ حَاصِبًا إِلَّا آلَ لُوطٍ نَجَّيْنَاهُمْ بِسَحَرٍ [القمر: ٣٤]، وَمِنْهُمْ مَنْ أَخَذَتْهُ الصَّيْحَةُكقوم صالح؛ ثمود، وَمِنْهُمْ مَنْ خَسَفْنَا بِهِ الْأَرْضَكقارون، وَمِنْهُمْ مَنْ أَغْرَقْنَاكفرعون وقوم نوح، أغرقهم الله عز وجل، حسب ما تقتضيه الحكمة، والعقول قاصرة غالبًا عن معرفة تناسب العقوبة والعمل، أعطوا بالكم، أقول: إن العقول قاصرة غالبًا عن معرفة التناسب بين العقوبة وبين العمل، وأقول: غالبًا؛ لأنها أحيانًا قد تعرف المناسبة؛ فمثلًا نحن نعرف مناسبة إهلاك عاد بالريح هو أنهم كانوا يقولون: مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً [فصلت: ١٥] فأراد الله عز وجل أن يريهم أنه يهلكهم بما هو من ألطف الأشياء وهو الريح؛ الهواء، الهواء لطيف، ومع ذلك دمر الله به هذه الأمة التي تفخر بقوتها.
في آل فرعون كان فرعون يعتز بالأنهار التي تجري من تحته ويقول لقومه: يَا قَوْمِ أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهَذِهِ الْأَنْهَارُ تَجْرِي مِنْ تَحْتِي أَفَلَا تُبْصِرُونَ (٥١) أَمْ أَنَا خَيْرٌ مِنْ هَذَا الَّذِي هُوَ مَهِينٌ وَلَا يَكَادُ يُبِينُ [الزخرف: ٥١، ٥٢] فأهلكه الله عز وجل بجنس ما افتخر به وهو الماء، والباقي أنا لا أستطيع أن أحدد التناسب بين العمل وبين العقوبة، لكن قوله تعالى: فَكُلًّا أَخَذْنَا بِذَنْبِهِيدل على أن العقوبة تناسب العمل، ومن الأمثال المشهورة عند الناس (كما تدين تدان).
في هذه الآية من الفوائد العظيمة: أن الله سبحانه وتعالى قد أهلك أممًا قبل هذه الأمة؛ لقوله: سُنَنٌ [آل عمران: ١٣٧] و(سنن) جمع؛ جمع كثرة ولّا جمع قلة؟
الطلبة: كثرة.
الشيخ: أو قلة؟ (سنن) قلة أوكثرة؟
الطلبة: كثرة.
الشيخ: كثرة، قلة، الأمران جميعًا، لا هذا ولا هذا، القسمة أربعة الآن، أنا أقرأ عليكم بيتًا لابن مالك وانظروا، قال ابن مالك رحمه الله:

أَفْعِلَةٌ أَفْعُلُ ثُمَّ فِعْلَهْ ثُمَّتَ أَفْعَالٌ جُمُوعُ قِلَّهْ
ماذا تكون (سُنن)؟
الطلبة: كثرة.
الشيخ: جمع كثرة، قولًا واحدًا، يعني أن جمع القلة محصور بهذه الأوزان الأربعة فقط:
أَفْعِلَةٌ أَفْعُلُ ثُمَّ فِعْلَهْ ثُمَّتَ أَفْعَالٌ جُمُوعُ قِلَّهْ
ومن فوائد هذه الآية: تسلية هذه الأمة من وجه، وتحذيرها من وجه آخر، تسليتها من وجه وتحذيرها من وجه آخر؛ تسليتها بأن الله سبحانه وتعالى قد عاقب من قبلها، فعقوبته لها في أُحُد من سنن الله عز وجل؛ لأنه لا شك أن ما حصل في أُحُد عقوبة: حَتَّى إِذَا فَشِلْتُمْ وَتَنَازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ وَعَصَيْتُمْ مِنْ بَعْدِ مَا أَرَاكُمْ مَا تُحِبُّونَ [آل عمران: ١٥٢]، وفيها أيضًا تحذير من جهة أخرى عن عقوبة أشد؛ لأن الأمم السابقة أُهْلِكوا ودُمِّرُوا عن آخرهم.
من فوائد هذه الآية الكريمة: إثبات القياس، إثبات القياس كيف؟ لأن المقصود بقوله: فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِالنظر والاعتبار، وأن يُقاس ما حضر على ما مضى وسبق.
ومن فوائد الآية الكريمة: الأمر بالسير في الأرض، ولكن هل هو على إطلاقه أو من أجل الاعتبار فقط؟ لننظر: فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا، إذن السير في الأرض لغير غرض شرعي مذموم، كما قاله شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله وغيره من أهل العلم؛ لأن السير في الأرض من غير غرض شرعي فيه إتعاب النفس وتعريضها للهلاك، وإضاعة المال، وإضاعة الوقت، أما إذا كان لغرض شرعي فهو على حسب هذا الغرض، وعلى هذا فإن السير في الأرض ينقسم إلى أقسام؛ قسم: لأغراض محرمة، وهذا لا شك في تحريمه، قسم آخر: لأغراض مشروعة مطلوبة، وهذا لا شك في طلبه، وقسم ثالث: لمجرد الفرجة والنزهة، فهذا يُنظر فيه؛ الأصل فيه الإباحة، ولكن إن توصل به الإنسان إلى محرم كان حرامًا، وإن توصل به إلى مشروع كان مشروعًا؛ فمثال الأول - السير في الأرض من أجل الحرام - ما يفعله بعض الناس المترَفون الذين يسيحون في أرض الكفر وأرض المجون من أجل أن يحصلوا على مآربهم التي لا يستطيعون أن يحصلوا عليها في بلادهم، وهذا لا شك في أنه حرام؛ لأن السفر لهذا الغرض حرام، ونفس هذا الغرض أيضًا حرام، وإضاعة المال فيه حرام، فهو مركّب، حرام مركب ظلمات بعضها فوق بعض - والعياذ بالله - .
والثاني: الذي يكون مشروعًا؛ مثل السير في الأرض لطلب الرزق الواجب، كإنسان ليس عنده ما يقوته وأهله فسار في الأرض من أجل الحصول على هذا الرزق، وكذلك أيضًا السير في الأرض لطلب العلم، وقد كان السلف رحمهم الله يسيرون في الأرض لطلب العلم مسيرة شهر من أجل مسألة واحدة، يرحلون ارتحالًا في الأرض من أجل مسألة واحدة، والسفر في ذلك الوقت ليس كالسفر في وقتنا هذا، فيه مشقة وفيه أخطار كبيرة، أما السفر الذي لا لهذا ولا لهذا فمثل سفر بعض الناس للاستجمام والنزهة في أيام الإجازة، إجازات الأعياد وما أشبهها، هذا نقول ليس فيه بأس في الأصل، لكن قد يكون مفضيًا إلى خير فيكون خيرًا؛ كما لو كان في هذا السير صلة رحم أو بر والدين أو ما أشبه ذلك فإنه يكون في هذه الحال أمرًا مطلوبًا.
السير في الأرض التي هلك أهلها هل هو من الأمور المطلوبة؟ نقول: نعم إذا كان المقصود بهذا الاتعاظ، أما إذا كان المقصود بهذا التفرج على قوة القوم وما أشبه ذلك فإنه لا يجوز؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم لما مر بديار ثمود في ذهابه إلى تبوك مر مسرعًا مقنعًا رأسه عليه الصلاة والسلام خائفًا، وقال عليه الصلاة والسلام: «لَا تَدْخُلُوا عَلَى هَؤُلَاءِ الْقَوْمِ إِلَّا وَأَنْتُمْ بَاكُونَ، فَإِنْ لَمْ تَكُونُوا بَاكِينَ فَلَا تَدْخُلُوهَا» ، وهذا خلاف ما يفعله بعض الناس الذين ماتت قلوبهم، يذهبون إلى ديار ثمود من أجل الاطلاع على مآثرهم وآثارهم وقدرتهم، فإن هذا لا شك أنه حرام؛ لأن الرسول نهى، قال: «لَا تَدْخُلُوا عَلَى هَؤُلَاءِ الْقَوْمِ إِلَّا أَنْ تَكُونُوا بَاكِينَ، فَإِنْ لَمْ تَكُونُوا بَاكِينَ فَلَا تَدْخُلُوا عَلَيْهِمْ».
من فوائد هذه الآية الكريمة: أن عاقبة المكذب لله ورسله عاقبته وخيمة؛ لقوله: فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ.
تفسير الآيتين (138-139)
00:10:58

ثم قال الله تعالى: هَذَا بَيَانٌ لِلنَّاسِ وَهُدًى وَمَوْعِظَةٌ لِلْمُتَّقِينَ [آل عمران: ١٣٨]، هذا المشار إليه هل هو القرآن أو ما ذكر من قوله: وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْإلى آخره [آل عمران: ١٣٣]؟
في هذا قولان للمفسرين؛ منهم من قال: إنه عائد للقرآن؛ لجريان ذلك كثيرًا في كتاب الله، كقوله تبارك وتعالى: وَهَذَا ذِكْرٌ مُبَارَكٌ أَنْزَلْنَاهُ [الأنبياء: ٥٠] وما أشبه ذلك من الآيات التي فيها الإشارة التي تعود إلى القرآن نفسه، فيكون هذا - أي القرآن- بيانًا للناس.
ومنهم من قال: إنه عائد إلى أقرب مذكور، إلى ما ذُكِر؛ لأن اسم الإشارة والضمير كلاهما يعودان على أقرب مذكور، ولكن الأولى الأول؛ أن يكون عائدًا إلى القرآن كله، ومنه هذه الآية؛ لأن هذه الآية من القرآن، فإذا جعلنا هذا يعود على القرآن كله صارت من ضمنه ما ذكر في قوله: وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍإلى آخره.
وقوله: بَيَانٌ لِلنَّاسِ، بَيَانٌمصدر، بل اسم مصدر (بَيَّن، يُبَيِّن)، المصدر (تبيينًا)، مثل بدّل يبدّل تبديلًا، ولكن البيان اسم مصدر، مثل كلّم يكلّم تكليمًا، واسم المصدر كلام، وقوله: هَذَا بَيَانٌإذا قلنا إنه اسم مصدر فقد عبر باسم المصدر الذي هو البيان عن الموصوف بالبيان، وهذا من باب المبالغة أن يجعل الموصوف هو الصفة نفسها، حطوا بالكم، إذا عبرنا بالصفة عن الموصوف فهذا من باب المبالغة كأننا سلبنا اتصافه بها حتى جعلناه هو نفس الصفة، ولهذا يقولون: إن قول القائل: فلان عدل، أبلغ من قولهم: فلان ذو عدل، كأنه جعل هذا الموصوف هو الصفة، إذن فالقرآن ليس فيه البيان، بل هو نفسه البيان، هَذَا بَيَانٌ لِلنَّاسِمَن الناس؟ كل الناس، كل من قرأ القرآن تبين له ما دل عليه القرآن؛ ولكن هل كل من بان له ذلك يهتدي؟ لا، ولهذا قال: وَهُدًى وَمَوْعِظَةٌ لِلْمُتَّقِينَهدى بمعنى دلالة يستدل به المتقي، مَوْعِظَةٌبمعنى امتثال؛ لأن الموعظة هي تليين القلوب بذكر ما يُخاف منه، أو ذكر ما يُرغب فيه، فهو هُدًىيعني دلالة، مَوْعِظَةٌيعني امتثالًا.
فوصف الله القرآن بثلاثة أوصاف: وصف عام، ووصفان خاصان؛ الوصف العام هو: بيان للناس، والخاصان: هدى وموعظة؛ فإنه لا يهتدي به إلا المتقون، ولا يتعظ به إلا المتقون، أما من ليس كذلك فهو عليهم عمى - والعياذ بالله - عليهم عمى، ولا يزدادون به اتعاظًا، بل يقول الله عز وجل: وَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَتْهُمْ رِجْسًا إِلَى رِجْسِهِمْ، أي نجاسة إلى نجاستهم، وَمَاتُوا وَهُمْ كَافِرُونَ [التوبة: ١٢٥]، فسبحان الله كلام واحد يكون له هذا التأثير المتباين؛ في قوم هدى وموعظة، وعلى قوم عمى ورجس؛ لأن القلوب بمنزلة الأراضي، الأراضي منها أرض طيبة تقبل الماء وتنبت الكلأ وينتفع بها الناس، ومنها أرض صلبة لا تشرب الماء ولكن تحفظ الماء فينتفع به الناس، ومنها أرض سبخة قيعان تشرب الماء ولكنها لا تنبت، فيزيدها الماء ضررًا؛ لأنها إذا كانت يابسة أمكن السير عليها، وإذا كانت رطبة لا يمكن السير عليها تكون زلقًا ودحرًا، ومع ذلك لا ينتفع بها الناس لا بماء تحبسه ولا بنبات تخرجه، فهكذا القرآن، القرآن بالنسبة للناس منهم من ينتفع به ويزداد هدى وتقوى، ومنهم من لا ينتفع به بل لا يزداد إلا عمى وضلالة؛ لأنه كلما كذب بآية ازداد إثمًا وعقوبة.
وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ [آل عمران: ١٣٩]، (لا) هذه ناهية، والفعل بعدها مجزوم بها بحذف النون (تهنوا)، وأصله (تهنون)، فحذفت النون من أجل الجزم، وَلَا تَهِنُواالخطاب لهذه الأمة وعلى رأسها نبينا صلى الله عليه وسلم وأصحابه، والوهن الضعف، يعني لا تضعفوا، كما قال الله تعالى: وَلَا تَهِنُوا فِي ابْتِغَاءِ الْقَوْمِ [النساء: ١٠٤] لا تضعفوا وتجبنوا، وَلَا تَحْزَنُواعلى ما أصابكم، وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ، فذكر الله سبحانه وتعالى حال إقدامهم وحال إدبارهم؛ حال إقدامهم نهاهم عن الضعف، وهذا يعطيهم قوة وإقدامًا، وحال إدبارهم نهاهم عن الحزن، وهذا يعطيهم إعراضًا عما وراءهم وعدم التفات إليه، ومعلوم أن الحزن يكون فيما يسوء، والحزن على ما مضى لا يفيد الإنسان بل يفتر عزيمته ويقلق راحته ولا يستفيد منه بشيء، فلهذا نهاهم النبي عليه الصلاة والسلام عما يعوقهم حال الإقبال وعما يعوقهم حال الإدبار، كيف ذلك؟ أقول لَا تَهِنُواهذا ما يعوق حال الإقبال والإقدام، فنهاهم عن الضعف، يعني أَقْدِموا لا تجبنوا لا تتأخروا، لَا تَحْزَنُواعما يكون سببًا لتوقفهم في حال الإدبار؛ لأن الإنسان إذا حزن على ما مضى بقي قلقًا لا يحسن التصرف، فنهاهم عن هذا وهذا.
ثم قال: وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ، وقد اختلف المفسرون في الواو هنا هل هي حال أو استئنافية، ماذا ترون؟ إذا قلنا إنها حال صار هذا النهي منحطًّا على الأمة ما دامت هي العليا، يعني فإذا انخفضت فلها أن تهن ولها أن تحزن؛ لأنها ضعيفة، لا يمكنها أن تتقدم ولا يمكنها أن تتسلى عما مضى؛ لأنها تتسلى بأي شيء؟ أعرفتم إذا جعلناها حالًا ماذا يترتب عليه؟ إذا جعلناها الواو استئنافية، ولا تهنوا ولا تحزنوا فأنتم الأعلون صار فيها تشجيع للأمة بأن لا يضعفوا ولا يحزنوا لأنهم هم الأعلون، حتى لو أصيبوا بما يصابون به فيما تقتضيه حكمة الله بمداولة الأيام بين الناس فإن العاقبة لهم، وعلى هذا فيكون هذا الوجه الثاني أقرب إلى الصواب وإن كان الوجه الأول محتملًا.
وقوله: وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَفيه إشكال من جهة الإعراب؛ لأن المعروف أن واو الجماعة يُضَمّ ما قبلها، فيقال: مسلمُون، ولا يقال: مسلمَون، وهنا قال: وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَولم يقل: وأنتم الأعلُون؟
طالب: الواو حُذِف الذي مضموم قبله، لأنه أصله أعلَوُون وبعده حُذف الواو، وبعد بُدل الواو الأول بالألف والألف حُذف لالتقاء الساكنين واللام مفتوحة فيدل على حذف الواو، لهذا يكون أعلَوْن.
الشيخ: سمعتم؟ يقول: إن (الأعلَوْن) أصلها (الأعلى)، حُذفت الألف لالتقاء الساكنين، فالألف ساكنة والواو ساكنة، إذا حذفت الألف لالتقاء الساكنين يجب أن تبقى الحركة التي قبلها على ما هي عليه، والحركة اللي قبلها ما هي؟ فتحة؛ لأنك لو ضممتها لم يتبين أن هناك ألفًا محذوفة، لو ضممت اللام (الأعلُون) ما تبين أن هناك ألفًا محذوفة، فلا بد من إبقاء الفتحة لتكون دالة على الألف المحذوفة لالتقاء الساكنين، إذن زال الإشكال، كذا ؟ وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ.
طالب: قوله تعالى: فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِفيه بعض الناس يستدل بهذه الآية على جمع آثار السابقين، وينفق الأموال على الآثار ويسافر (...)؟
الشيخ: يقول إن قوله تعالى: فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِيستدل به بعض الذين مغرمون بجمع الآثار، فيأخذون القطعة الأثرية التي لا تساوي قرشًا بدراهم كثيرة، فهل يدخل في ذلك؟ الجواب: لا، لا يدخل فيه، حتى إن هؤلاء الذي يجمعون الآثار لا يقصدون بها الاعتبار وأن عاقبة من كانوا على هذا الوجه الدمار والهلاك، لكنها أشياء تميل إليها نفوسهم، كما أنّا سمعنا ونسمع كثيرًا أن من الناس من يجمع (...) أو طوابع البريد حتى إنه يشترى الطابع اللي بخمسة قروش يمكن بخمسين ريال.
الطالب: ملايين الجنيهات الإسترلينية إذا اختلف الطابع عن.. الكامل يعني، ستين مليون جنيه إسترليني يا شيخ.
الشيخ: لا حول ولا قوة إلا بالله؛ طيب على كل حال، اللي نرى أن هذه إن كان فيها مصلحة شرعية فلا بأس، وإلا فإن تركها أولى.
طالب: شيخ، أحسن الله إليك، ما الفرق بين السياحة والسير؟
الشيخ: لا فرق بينهما.
الطالب: السياحة هي السير؟
الشيخ: إيه، السياحة في الأرض يعني السير فيها.
الطالب: يعني ما فيها تقييد بأربعة أشهر إذا كانت هي نفسها؟
الشيخ: لا لا، كما أقول سيروا في الأرض أربعة أشهر
الطالب: شيخ، أحسن الله إليك، من سار في الأرض لغرض شرعي كعلاج مثلًا لكن صاحبه أمر محرم هل يُمنع من السير؟
الشيخ: إذا كان لا يمكن أن يسير للعلاج إلا بارتكاب هذا المحرم صار هذا حرامًا، وذلك لأن العلاج بالمحرم حرام، العلاج بالمحرم حرام؛ لأن ارتكاب المحرم ضرر محقق، والشفاء من المرض مصلحة متوقعة غير متيقنة، ولولا هذا لقلنا: إن من احتاج إلى أكل لحم الخنزير للعلاج جاز له أن يأكله مع أنه لا يجوز، وهذا هو الفرق بين جواز أكل لحم الخنزير للجوع وأكل لحم الخنزير للاستشفاء، فالثاني حرام والأول جائز؛ لأن أكل اللحم عند الجوع يفيد قطعًا، فإنه يدفع الجوع ويسد رمق الإنسان، لكن علاجه بالمحرم قد ينجح وقد لا ينجح، فهو يرتكب مفسدة محققة لتوقع مصلحة موهومة، وإن شئت فقل راجحة أيضًا، لكن ليس الراجح كالمتيقَّن، ولهذا جاء في الحديث: «إِنَّ اللهَ لَمْ يَجْعَلْ شِفَاءَكُمْ فِيمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ» ، وهذا حق، لكن لو فرض أن بعض الأدوية فيها شيء من لحم الخنزير إلا أنه لا يؤثر لا طعمًا ولا رائحة فهل يجوز أو لا؟
طالب: يجوز.
الشيخ: يجوز؟
طالب: هل يعرف أن هذه الأدوية فيها لحم الخنزير؟ ما يجوز.
الشيخ: إي يعرف، يعرف، لكنه جزء يسير لا يؤثر، ما يجوز أبدًا في أي حال من الأحوال؟
طالب: يجوز.
طالب: ما يؤكل هذا الدواء، يستعمل كصمامات للقلب، يوضع فقط ما يؤكل.
الشيخ: إي نعم، قصدك النجس يعني.
الطالب: هذا اللي نعرفه بالنسبة للخنزير، يستعمل منه للعلاج فقط يعني أنسجة للصمام بس توضع وضع، لا تؤكل يعني، يعني ما فيه دواء يوضع فيه أكل.
الشيخ: أنا ضربته مثلًا، ولنفرض أن دواء فيه كحول، دعونا من لحم الخنزير، لكن هذه الكحول لا يظهر أثرها ولا طعمها، فهل تجوز؟ نقول: نعم، ونستدل لهذا بقول النبي عليه الصلاة والسلام: «إِنَّ الْمَاءَ طَهُورٌ لَا يُنَجِّسُهُ شَيْءٌ إِلَّا مَا غَلَبَ عَلَى طَعْمِهِ وَلَوْنِهِ وَرِيحِهِ» ، وإن كان هذا الاستثناء ضعيفًا لكنه متفق عليه، متفق بين العلماء على حكمه أن الماء طهور لا ينجسه إلا ما غيّر ريحه، فإذا كان الماء لا ينجس ويجوز تتوضأ به وتشربه فكذلك غيره، لكن استعمال لحم الخنزير أو شحم الخنزير على وجه لا يتعدى، يعني لا يأكله الإنسان، هل هو جائز؟ نقول: نعم يجوز، فلو فُرِض أن شخصًا وُصِف له أن يدّهن بشحم الخنزير وادهن به، ولكنه إذا أراد الصلاة سوف يغسله، فإن ذلك جائز، وقد نص على هذا شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله في كتاب الفتاوى وهو صحيح، لأنه ما يضر، مثل دهن السفن بالشحم النجس وما أشبهه.

***

أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله سبحانه وتعالى: قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ سُنَنٌ فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِما المراد بالسنن هنا؟
طالب: السنن يعني الذي اتخذ الله (...) الرسول صلى الله عليه وسلم.
الشيخ: السنن يعني مثل صلاة التطوع وصيام التطوع.
طالب: الأمم السابقة.
الشيخ: الأمم السابقة، يعني السنن تطلق على الأمم، هذا رأي، الرأي الثاني؟
طلبة: الطريق.
الشيخ: الطرق، يعني مضت طرق الله عز وجل في المكذِّبين للرسل.
قوله: سِيرُوا فِي الْأَرْضِهل المراد سير القدم أو القلب؟
طالب: كليهما.
الشيخ: نعم كلاهما؛ سير القلب وسير القدم، طيب هل يؤخذ من هذه الآية أنه ينبغي للإنسان قراءة التاريخ؟
الطالب: نعم.
الشيخ: نعم؛ لأن قراءة التاريخ سير في الأرض في الحقيقة، طيب قوله: سِيرُوا فِي الْأَرْضِ، (في) هنا بمعنى؟
طالب: بمعنى (على).
الشيخ: بمعنى (على) ولا تكون (في) للظرفية؟
الطالب: للظرفية لكن أجمع المفسرون على أنها بمعنى (على)؛ لأنه لا يمكن السير في داخل الأرض.
الشيخ: يعني إذن هي للظرفية في الأصل، وتأتي لغير الظرفية بحسب السياق.
ما تقول في قوله صلى الله عليه وسلم: «دَخَلَتِ النَّارَ امْرَأَةٌ فِي هِرَّةٍ حَبَسَتْهَا»؟
الطالب: من أجل.
الشيخ: للسببية؟
طالب: نعم.
طالب: تختلف حسب السياق.
الشيخ: تمام.
قوله تعالى: فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَأين مفعول (انظروا)؟
طالب: جملة (كيف كان).
الشيخ: جملة (كيف)، وأين خبر (كان)؟
الطالب: خبر (كان) مقدم عليها.
الشيخ: أين هو؟
الطالب: كيف.
الشيخ: (كيف) مقدم، وهل التقديم هنا واجب أو جائز؟
الطالب: واجب.
الشيخ: واجب، لماذا؟
الطالب: لأن (كيف) اسم استفهام، وأسماء الاستفهام لها الصدارة.
الشيخ: نعم، صحيح، (كيف) خبرها مقدم وجوبًا؛ لأنه اسم استفهام، والاستفهام له صدر الكلام.
قوله تعالى: هَذَا بَيَانٌ لِلنَّاسِ، (هذا) المشار إليه؟
طالب: القرآن.
الشيخ: القرآن؛ فيها رأي آخر؟
طالب: هناك رأي آخر أن الكلام الذي سبق هو بيان، والرأي الأول أنه القرآن بشكل عام.
الشيخ: القرآن عمومًا؛ وأيهما أولى؟
الطالب: الأقرب القرآن.
الشيخ: الأولى أن نقول: القرآن؛ لأنه أعم، كلما كان أعم فهو أولى؛ لأنه أشمل، طيب لماذا فرق بقوله: بَيَانٌ لِلنَّاسِ وَهُدًى وَمَوْعِظَةٌ لِلْمُتَّقِينَ؟
طالب: لأن البيان وصف عام فهو للمؤمن ولغير المؤمن، ولكن الله سبحانه وتعالى من يهديه يكون له هدى وموعظة، ومن لا يهديه يكون له بيانًا.
الشيخ: إيه، يعني لأنه بيان للجميع، ولكن لا يهتدي به ويتعظ به إلا المتقون.
هنا أطلق البيان هَذَا بَيَانٌ لِلنَّاسِ، إذا قلنا إنه القرآن في أي شيء يكون البيان، هل هو في كل شيء ولّا في مسائل العبادات فقط؟
طالب: في جميع الأشياء في القصص وفي الأحكام وفي العقائد.
الشيخ: في كل شيء، هل عندك دليل من القرآن على أنه عام في كل شيء؟
الطالب: نعم.
طالب: قوله تعالى: وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ [النحل: ٨٩].
الشيخ: قوله تعالى: وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍواضح.
طيب، قال الله تعالى: هَذَا بَيَانٌ لِلنَّاسِ وَهُدًى وَمَوْعِظَةٌ لِلْمُتَّقِينَ.
يستفاد من هذه الآية الكريمة: أن القرآن بيان للناس في كل شيء؛ فهو عام من حيث التبيين، عام من حيث المبيَّن له، المبين له نأخذ العموم من قوله: لِلنَّاسِ، والتبيين من كونه حذف المتعلَّق، وحذْف المتعلق يدل على العموم، هذا بيان للناس في كل شيء، ويؤيد هذا الآية التي ذكرناها آنفًا وهي قوله تعالى: وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ.
من فوائدها: أن القرآن صالح للهداية من المؤمن والكافر؛ كقوله: لِلنَّاسِفهو يشمل المؤمن والكافر.
من فوائدها أيضًا: أنه علم لكن للمتقين، يعني لا ينتفع به إلا المتقون؛ لقوله: وَهُدًى وَمَوْعِظَةٌ لِلْمُتَّقِينَ.
ومن فوائدها أيضًا: أن من لم يتعظ بالقرآن فليتهم نفسه، من أين تؤخذ؟ من قوله: لِلْمُتَّقِينَ، فإذا لم تتعظ بالقرآن فاتهم نفسك؛ فإن فيك بلاءً، كما أن من لم تنهه صلاته عن الفحشاء والمنكر فليتهم نفسه، فإن صلاته قاصرة؛ لأن الذي أخبر بأن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر هو الله عز وجل، وخبره صدق مطابق للواقع، فإذا علم الإنسان من واقع نفسه أن صلاته لا تنهاه عن الفحشاء والمنكر فليتهم نفسه؛ لأن خبر الله لا يُتهم، ولهذا قال بعض السلف: من لم تنهه صلاته عن الفحشاء والمنكر فإنها لا تزيده من الله إلا بُعدًا. نسأل الله العافية ونسأل الله أن يعيننا.
هنا إذا لم تتعظ بالقرآن فاتهم نفسك بأنك غير متقي؛ لأن المتقي لا بد أن يتعظ بالقرآن.
ومن فوائد هذه الآية الكريمة: فضيلة التقوى، وأنها سبب للاهتداء والاتعاظ بالقرآن.
ومن فوائدها: أنه كلما ازداد الإنسان تقوى ازداد هدى وموعظة، وجهه؟ أن الحكم المعلق بوصف يقوى بقوته ويضعف بضعفه، فإذا كان الهدى والموعظة معلق بالتقوى فإنه لا بد أن يزداد ويقوى بالتقوى، ويضعف وينقص بعدم التقوى، واضح؟
ثم قال الله تعالى: وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ.
في هذه الآية: نهي المؤمنين عن الوهن، وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَالإنسان في الحقيقة بين زمنين: زمن ماض وزمن مستقبل، فإذا فاته الخير أو حصل له الشر في الزمن الماضي فحاله الحزن، يحزن على ما مضى، في المستقبل إذا ضعف وجبن فاته من الخير بقدر ضعفه وجبنه، ولهذا قال: لَا تَهِنُوايعني عن العمل في المستقبل، وَلَا تَحْزَنُواعما جرى عليكم في الماضي، فما جرى عليكم في الماضي لا تحزنوا؛ لأنكم أنتم الأعلون، ومن كان الأعلى فستكون العاقبة له، ما كان مستقبلًا لا تضعفوا فيه ولا تجبنوا فيه؛ لأن العاقبة لكم حيث إنكم أنتم الأعلون.
وقوله: لَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَذكرنا أن هذه الجملة تصلح أن تكون حالية، يعني: والحال أنكم أنتم الأعلون؛ لأن الأعلى لا يليق به أن يضعف أو يحزن، وذكرنا أنه يحتمل أن تكون استئنافية يقرر الله فيها علو المؤمنين، وإذا تقرر علوهم فإن حالهم تقتضي أيش؟ أن لا يهنوا ولا يحزنوا، والمعنيان متلازمان؛ لأن من اعتقد أنه الأعلى فسوف لا يجبن ولا يحزن، وأما من كانت حاله العلو فإنه كذلك لن يضعف ولن يحزن.
وقوله: إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَهذه شرط، شرط للعلو، يعني: أنتم الأعلون في حال كونكم مؤمنين، والإيمان كما تعلمون أخص من الإسلام؛ لأن الإسلام يقع من المنافق ومن ضعيف الإيمان، والإيمان لا يكون إلا من كامل الإيمان، من المؤمن حقًّا، ولهذا قال الله تعالى: قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا، شوف الأعراب البادية تقول: آمنّا، قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا، لماذا؟ قال: وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ [الحجرات: ١٤] حتى الآن لم يدخل الإيمان في القلب، عندكم إسلام لكن ليس عندكم إيمان، إلا أن الإيمان قريب منكم؛ لأن قوله: (لما)، حرف نفي يدل على قرب المنفي، يعني أن الإيمان قريبًا ما يدخل قلوبكم أما الآن فلا.
إذن نحن نقول: هذه الأمة هي العليا بشرط، أيش؟ بشرط الإيمان، أما إذا لم يكن لديها إيمان فليس لها عهد عند الله بنصر؛ لأن العهد الموثّق بين الله وبين عباده في النصر هو أن يكون النصر متبادلًا: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ [محمد: ٧]، وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ [الحج: ٤٠]، أما إذا لم يكن منا نصر لله عز وجل فإن نصر الله قد يتخلف، يعني ليس بمضمون.
طيب إذن أنتم الأعلون إن كنتم مؤمنين، علامة الإيمان أو علامات الإيمان كثيرة، منها: أن لا يخاف الإنسان في تنفيذ حكم الله أحدًا من الخلق، أن لا يخاف الإنسان في تنفيذ حكم الله أحدًا من الخلق، فإن خاف أحدًا من الخلق فليس بمؤمن، ودليل ذلك قوله تعالى: إِنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ فَلَا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ [آل عمران: ١٧٥]، يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُيعني يوقع الخوف على أوليائه؟
طالب: لا.
الشيخ: إيه، ولهذا نقول: إن قوله: أَوْلِيَاءَهُمفعول ثاني لـ(يخوف)، والمفعول الأول محذوف، وتقدير الكلام: يخوفكم أولياءه يعني يوقع الخوف في قلوبكم من أوليائه، واضح؟ قال تعالى: فَلَا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ، الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ، فماذا قالوا؟ قالوا: حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ [آل عمران: ١٧٣]، فإذا خوّف الإنسان أولياءه وهم الكفار فإنه لا يجوز لنا أن نخافهم، لا يجوز أن نخافهم، بل نفعل ما أمرنا الله به، ولكن أمْر الله سبحانه وتعالى لنا بقتال الكفار إنما يكون حين يكون لدينا قوة نستطيع أن نقاتلهم بها، أما أن نقاتلهم بسلاح دون سلاحهم وأقل من سلاحهم بكثير فإن هذا يعتبر تهورًا، ولهذا لم يؤمر المؤمنون بالجهاد إلا حين صار لهم شوكة وقوة، فأما إذا لم يكن فلا، لكن هذا يستلزم أنه يجب علينا أن نتسلح لقتالهم حتى يكون الدين لله، والخطاب هنا في إيجاب التسلح لولاة الأمر لا لأفراد الناس؛ لأن أفراد الناس لا يستطيعون القيام بهذا، لكن ولاة الأمور من المسلمين يجب عليهم أن يكوّنوا جيشًا عرمرمًا مسلحًا بأحدث الأسلحة من أجل أن يقاتل الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ [التوبة: ٢٩]، لكن مع الأسف أننا اليوم فقدنا حتى السلاح الدعوي، حتى الدعوة لدين الإسلام لا نجد أحدًا يدعو كما ينبغي، بينما نجد النصارى على قدم وساق في الدعوة إلى ما هم عليه من الباطل، يبذلون الأموال الكثيرة، ويغرّرون بأنفسهم في المجاهيل، في الطرقات، في البراري، يحمل القسيس منهم كسرة خبز وجرة ماء ويضرب الفلوات من أجل أن يدعو واحدًا من المسلمين إلى أن يكون نصرانيًّا، أما نحن فمع الأسف الشديد أننا لا نحمل هذه القوة المعنوية في نفوسنا مع أننا نحن إذا دعونا إلى الحق فإن ديننا ولله الحمد إذا عُرض عرضًا صحيحًا في الدعوة وعرضًا صحيحًا في التطبيق فإن ذلك كفيل بأن يدخل الناس في دين الله أفواجًا، أما إذا كنا ندعو إلى الصدق مثلًا ونحن من أكذب عباد الله أيش هذا؟ هذه دعوة؟
الطلبة: لا.
الشيخ: ليش؟ كيف تدعو إلى الصدق وأنت تكذب؟ إذا كنا ندعو للوفاء بالعهد ونحن من أغدر الناس، نعم هذا تلاعب، إذا كنا ندعو لحفظ الأمانة ونحن من أخون الناس ليس هذا بصحيح، إذا كان ديننا ينهى عن الربا ومنا من يرابي، كيف الدعوة؟ أين الدعوة؟ إذا لم تمثل الدعوة بحال الداعي تطبيقًا تامًّا بقدر المستطاع فإنه سينقص من قبول الناس بمقدار ما نقص من أيش؟ من تطبيقه؛ ولهذا نقول: إن الله شرط قال: َأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ، وصدق الله ورسوله، هل الأمة الإسلامية اليوم هي العليا؟
الطلبة: لا.
الشيخ: لا؟ تعرفون كلمة (لا) ويش معناها؟ هل الأمة الإسلامية اليوم هي العليا؟ لا؛ ليش؟ لأن الإيمان ناقص، واشتراط أن تكون الأمة العليا اشتراط الإيمان، فإذا لم يوجد الإيمان فسنتأخر، وسيكون من سوانا ممن لديه قوة مادية هو الأعلى، أنا أقول لكم: إن الإنسان إذا كان عنده إيمان وفعل ما يجب عليه من الاستعداد المادي كما فعل الرسول وأصحابه عليه الصلاة والسلام فسيُنصرون على عدوهم بقوة لا طاقة لهم ولا لعدوهم بها، لكن بشرط أن يبذلوا الجهد بالسلاحين: سلاح الإيمان والسلاح المادي بقدر المستطاع، وإذا شئتم مثلًا على ذلك فانظروا إلى غزوة الخندق، غزوة الخندق اجتمع على رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو في المدينة عشرة آلاف مقاتل من مختلف العرب، وبأقوى السلاح، ومعهم القوة العظيمة التي لا تقابلها قوة المسلمين من حيث القوة المادية، ففعل المسلمون كل ما يستطيعون من الدفاع عن أنفسهم إلى حد أنهم حفروا خندقًا، قاموا بالواجب، ولكن مع ذلك حوصروا نحوًا من شهر، فما الذي حصل؟ أتى الله عز وجل بقوة لا قِبَل للكفار فيها ولا للمسلمين أيضًا، ليس لهم فيها حول، ما هي؟ الريح، ريح شديدة باردة، وهي الريح الشرقية التي قال عنها النبي صلى الله عليه وسلم: «نُصِرْتُ بِالصَّبَا وَأُهْلِكَتْ عَادٌ بِالدَّبُورِ» ، ريح شديدة باردة، وجنود من الملائكة تلقي الرعب في قلوب هؤلاء حتى رحلوا بين غروب الشمس وشروقها، كانت الريح تكفؤ قدورهم وتهدم خيامهم وتقلقهم إقلاقًا عظيمًا، حتى إن أبا سفيان وكان قائد الجيش في ذاك الوقت كان يتصلّى على النار مع أن النار غير مستقرة من شدة الهواء، وكان حذيفة بن اليمان قريبًا منه يقول: لو شئت لرميته بالسهم حتى يموت، لكن النبي صلى الله عليه وسلم قال له: «لَا تُحْدِثْ شَيْئًا» ، شوف لو كان من هؤلاء الشباب كان هذا جابه الله ورماه، لكن امتثال أمر النبي عليه الصلاة والسلام الذي هو الحكمة منعه، وإلا كان قتله سهلًا، فقال أبو سفيان: لينظر كل واحد منكم جليسه من هو. خاف أن يكون أحد من الناس من غير الجيش، يقول حذيفة: فأمسكت بيد رجل قريب مني وقلت: من أنت؟ ، هذا من ذكائه، لماذا؟ لئلا يسبق ذاك ويقول لحذيفة: من أنت؟ فالمهم على كل حال إني أقول: إن المسلمين إذا بذلوا ما يستطيعون من القوة المعنوية وهي الإيمان، والقوة المادية وهي ما أُمِر أن يعدوه للكفار فإنهم سيُنصرون بقوة لا قبل لهؤلاء بها، عرفتم؟
سمع رجل شخصًا يقول: وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ (٤٠) الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ [الحج: ٤٠، ٤١] فقال له: هذه الأوصاف الأربعة: أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ، هذه الأوصاف كيف تقابل القنابل الذرية والهيدروجينية والكيماوية وغير ذلك؟ ماذا نجيب؟ ختم الآية: وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ، من الذي يملك عواقب الأمور؟ من الذي يملك عواقب الأمور؟ الله عز وجل، ولهذا قدّم الخبر: وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ، إذا كان الذي يملك عاقبة الأمور هو الله فما أيسر هذه الأسلحة على الله عز وجل! قادر سبحانه وتعالى على أن يزلزل أرضهم بهم وبسلاحهم، رجفة تفنيهم عن آخرهم، أليس كذلك؟ فيضانات تدمرهم، رياح تحملهم مثلما حملت قوم هود، فيجب على الإنسان أن يعلم أنه إذا بذل ما يجب بذله من الإيمان والقوة المادية حسب ما أمر أنه سينتصر مهما كان، لكن مع الأسف إن اليقين عندنا ضعيف، بل الإيمان ضعيف، فقد فقدنا الإيمان والعمل الصالح والحكمة وتأخرنا هذا التأخر، واضح يا جماعة؟
إذنْ أَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَمتى؟ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ.
الفوائد: ينهى الله سبحانه وتعالى عباده المؤمنين عن الوهن عن العمل في المستقبل، وعن الحزن على ما مضى؛ لأن هذا في الحقيقة كما أنه خلاف الشرع فهو خلاف العقل، وجهه؟ أن الحزن على ما فات لا يرد الفائت، أليس كذلك؟ لو تحزن ليلًا ونهارًا على ما مضى لم تغير شيئًا، اللي مضى وقع كما هو لن يتغير، ولهذا كان من الحزم أن لا يحزن الإنسان على شيء مضى، بل يقول: قدّر الله وما شاء فعل، كذلك الضعف عن المستقبل والوهن والخور كما أنه خلاف الشرع فهو خلاف العقل؛ لأن العقل يقتضي أن تقابل الأمور بجد وحزم، وفي الحديث: «الْكَيِّسُ مَنْ دَانَ نَفْسَهُ وَعَمِلَ لِمَا بَعْدَ الْمَوْتِ وَالْعَاجِزُ مَنْ أَتْبَعَ نَفْسَهُ هَوَاهَا وَتَمَنَّى عَلَى اللهِ الْأَمَانِيَّ» .
من فوائد هذه الآية: أنه ينبغي للإنسان في غير أعمال الحرب والجهاد أن يكون قوي العزيمة، لا يضعف ولا يجبن، وكم من إنسان ضعف وجبن ففاته خير كثير، ولو أقدم لحصل على خير كثير؛ لأن المستقبل لا تدري ما النتيجة فيه.
ومن فوائد هذه الآية: أن هذه الأمة هي العليا بشرط أن تؤمن؛ لقوله: وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ.
ومن فوائدها: التلميح بالتوبيخ إذا حصل الوهن أو الحزن، لا سيما إذا قلنا: إن الواو هنا واو الحال، يعني: كيف يليق بكم أن تهنوا وتحزنوا وأنتم الأعلون؛ لأن الأعلى لا يليق به أن يهن أو أن يحزن.
ومن فوائد هذه الآية: أنه كلما ازداد إيمان الأمة ازدادت علوًّا، من أين تؤخذ؟ لأنه رتب العلو على الإيمان، والمرتب على الشيء يزيد بزيادته وينقص بنقصه، وهذه الآية قريب منها قوله تعالى: هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ [التوبة: ٣٣]، يظهره يعني؟ يبيّنه ويعليه، ومنه قولهم: ظهر على الجبل، يعني: علا عليه، ومنه ظهْر الحيوان وهو أعلى الحيوان، إذن لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِيعليه، فإذا أردت أن تعلو على البشر فخذ بهذا الدين؛ لأن هذا الدين لا بد أن يكون هو الدين العالي على كل شيء.
تفسير الآية (140)
00:57:49

ثم قال تعالى مسليًا الصحابة رضي الله عنهم بقوله: إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ [آل عمران: ١٤٠] إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌوفيها قراءة: {قُرْحٌ} في الموضعين: {فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قُرْحٌ مِثْلُهُ} فقيل: معناهما واحد، وأن القَرح والقُرح هو الجرح، وقيل: إن القُرح الجرح، والقَرح ألم الجرح، والقولان وإن قلنا باختلافهما متلازمان؛ لأن القَرح من لازم الجرح الذي هو القُرح، فالإنسان المقروح لا بد أن يكون متألمًا، يعني إن يمسسكم جراح وألم فقد مس القوم قَرح مثله يعني جراح وألم؛ قال الله تعالى في نفس سياق الآيات: أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّى هَذَا قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ [آل عمران: ١٦٥]، فإذا كان أصابتكم مصيبة فقد أصبتم مثليها في أُحُد، قُتِل منكم سبعون، لكن في بدر قُتل من عدوكم سبعون وأُسِر سبعون، ضِعف، هنا يقول: فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ، وفي هذا تسلية للمؤمنين؛ لأن الإنسان إذا علم أن عدوه أصابه مثل ما أصابه فإنه تهون عليه المصيبة، تقول الخنساء وهي ترثي أخاها صخرًا:
وَلَوْلَا كَثْرَةُ الْبَاكِينَ حَوْلِـــــــــــــــي عَلَى إِخْوَانِهِمْ لَقَتَلْتُ نَفْسِي
وَمَا يَبْكُونَ مِثْلَ أَخِي وَلَكِنْ أُسَلِّي النَّفْسَ عَنْهُ بِالتَّأَسِّــــــــي
وإلى هذا أشار الله في القرآن فقال: وَلَنْ يَنْفَعَكُمُ الْيَوْمَ إِذْ ظَلَمْتُمْ أَنَّكُمْ فِي الْعَذَابِ مُشْتَرِكُونَ [الزخرف: ٣٩]، فاشتراككم في العذاب لم ينفعكم ولم يخفف عنكم الألم، لكن الله عز وجل يقول للمؤمنين إن كنتم قد أُصِبْتُم بقَرح فقد أصيب عدوكم بقرح مثله، بل في آية أخرى يقول الله عز وجل: وَلَا تَهِنُوا فِي ابْتِغَاءِ الْقَوْمِ [النساء: ١٠٤] شوف التسلية أعظم، وَلَا تَهِنُوا فِي ابْتِغَاءِ الْقَوْمِأي في طلبهم، يعني لا تضعفوا في طلبهم، اطلبوهم اقتلوهم، إِنْ تَكُونُوا تَأْلَمُونَ فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَمَا تَأْلَمُونَ [النساء: ١٠٤] صدق الله، أليس كذلك؟ ويش بعد؟ وَتَرْجُونَهذه نكتة وَتَرْجُونَ مِنَ اللَّهِ مَا لَا يَرْجُونَ [النساء: ١٠٤] هذه الفائدة العظيمة، هم لا يرجون شيئًا، إنما يريدون علوًّا واستكبارًا، خرجوا من ديارهم بطرًا ورئاء الناس، وأنتم ترجون أيش؟ ترجون الجنة، ترجون الشهادة، ولهذا قال: تَرْجُونَ مِنَ اللَّهِ مَا لَا يَرْجُونَ، والصحابة ماذا قالوا لأبي سفيان في أُحُد لما قال: يوم بيوم بدر والحرب سجال، يعني مرة لنا ومرة علينا، قالوا: لا سواء، قتلانا في الجنة وقتلاكم في النار - والعياذ بالله - إذن فالمؤمنون لا يظنون أن عدوهم لا يصيبه ألم، لا يصيبه قرح، يصيبه، لا يهولهم دعايته الكاذبة أنه سيفعل ويفعل ويفعل، لا، لا يهولهم، إذا قُتِل منهم واحد ذاقوا ألم هذا المقتول كما أنه لو قُتِل منا واحد فإنّا ذقنا ألمه، لكن نحن نرجو من الله ما لا يرجون، ولهذا قال: إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُهذه بهذه.
ثم قال: وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ، تِلْكَاسم إشارة، يعني: هذه الأيام نداولها بين الناس، يعني نجعلها دولًا، تارة يُدال هذا على هذا، وتارة يدال هذا على ذاك، وانظر إلى قوله: نُدَاوِلُهَاحيث أتت بصيغة نون العظمة إشارة إلى أن الله عز وجل لكمال سلطانه وكبريائه يديل الناس بعضهم على بعض، فتارة تكون الأيام لهؤلاء، وتارة تكون الأيام لهؤلاء، فالله عز وجل هو الذي بيده الأمر، حتى إن الدولة تكون في بعض الأحيان لأعدائه على أوليائه لحكم يريدها، بيّنها بقوله: وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُواإلى آخرها.
طالب: بالنسبة لجهاد الكفار الآن في زماننا هذا لأن أي دولة يعني نقول مثلًا السعودية ومثلًا السنغال هذه الدول يعني إذا مثلًا الحكومة في الدولة يعني تريد تجاهد الكفار الدول الأخرى يعارضوهم لماذا تتعب نفسك (...) إذا كان أمة واحدة مثلًا دولة يكون جميع المسلمين رئيسهم واحد كان ممكن يكون يتفقوا في الجهاد، لكن الآن اتفاقهم في الجهاد صعب جدًّا؟
الشيخ: هو عندك أمة إسلامية الآن على حسب ما يريد الله منها؟ أسألك الآن: هل عندك أمة على حسب ما يريد الله منها؟
الطالب: إلا من رحم.
الشيخ: أجب، ذكرت المستثنى دون المستثنى منه.
الطالب: أما بالنسبة للحكام لا.
الشيخ: لا، حتى بالنسبة للشعوب، ألم تعلم أنه يوجد أناس ينتسبون إلى الإسلام في بلاد أخرى ويقولون عن علماء السعودية ما يقولون؟ إذن الخلاف ما هو بس الحكام فقط، حتى بين العلماء، حتى بين المبادئ، الآن الذي يدعو للتوحيد يسمى وهابيًّا متشددًا متصلبًا متعنتًا متنطعًا، طيب وين الأمة الإسلامية؟ يعني يُخشى أن الأمة الإسلامية تقوم الحرب بينها، هذه مشكلة، المسألة تحتاج إلى علاج من الجذور، ويا حبذا أن يجتمع علماء المسلمين بنية صادقة وإخلاص ونصح لله ولكتابه ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم ويدرسوا أوضاع المسلمين.
الطالب: ويجعلوا الرئيس واحدًا بس.
طالب آخر: أحسن الله إليك، نجد يا شيخ أن الجهاد قد مات في قلوب الناس، فإن العوام لا يدرون أن الجهاد كتب على هذه الأمة بأنه فرض، قلما يسمعون عن الجهاد، كأنه قصص خيالية؛ لأننا يا شيخ نشاهد العلماء لا يحيون بالناس وكذلك لا يطالبون بفريضة الجهاد كما يطالبون بالفرائض الأخرى، فلماذا يعني هذا الابتعاد الشديد عن الجهاد وعن تبيينه..؟
الشيخ: هو لا شك أنه يجب أن يبين أن الكفار أعداء لنا، وأنه يجب أن نستعد لهم وأن نخشى شرهم، وأنهم أحيانًا يدسون السم بالعسل، بل كثيرًا، لكن مع الأسف ما عندنا هذا الروح، يعني أحكام الجهاد التي كتب عنها الفقهاء رحمهم الله كتابات، كتب مؤلفة، ما يعرفها عامة طلبة العلم ما يعرفونها، ولولا أزمة الخليج، أزمة الخليج بدأ الناس يتلمسون شيئًا من الجهاد مسألة ولّا مسألتين، إي نعم.
الطالب: يا شيخ، العلماء لماذا يطالبون يعني مثل..
الشيخ: والله أنا أقول: أسأل الله يصلح بطوننا قبل، بطون فيها عفون، نسأل الله السلامة.
طالب: عفا الله عنك يا شيخ، ذكرنا أنه من التهور وإلقاء النفس في التهلكة أن نواجه أعداءنا وليس لنا قوة مثل قوتهم، كيف نجمع يا شيخ بين هذا وبين أننا نعد لهم مع أننا لن نستطيع أن نصل إلى ما وصلوا إليه من التقنية؟
الشيخ: بس نحن أصلًا ما فكّرنا بهذا، يعني حتى الآن أنا أقول حتى بعض الدول العربية التي تكوّن جيوشًا وأسلحة ما أظن أنه يطرأ على بالها أنها تكون هذه لجهاد الكفار.
طالب: ما فيه شك.
الشيخ: ما فيه شك، فإذن الأساس من أصله خربان، أنت الآن لو بنيت جدارًا من طين على بركة، بركة ماء، يصمد للسقف الذي يبنى عليه الجدار؟ لا، يمكنك ما تعرف الطين والماء، يسقط؟ إي نعم، تحتاج إلى نية، لو تسأل كثيرًا من قادة العرب الآن أو إن شئت وقادة المسلمين لماذا تكوّن جيشًا، قال: أخاف من جيراني، أو يخاف من شعبه أن يثوروا عليه، وهو يريد أن يبقى على الحكم.
طالب: ماذا نفعل؟ نيأس ونستسلم على هذا؟
الشيخ: لا، ما نيأس، الحمد لله، الآن فيه تفتح، وفي حرب الخليج هذه فيه ناس الحمد لله من السعوديين ومن غير السعوديين أبناء الخليج نسمع عنهم أنهم لا يركبون إلا باسم الله، ولا يقاتلون إلا باسم الله، وأنهم يصلّون قبل أن يركبوا الطائرات مثلًا أو قبل أن يركبوا المراكب، كل هذا طيب، فيه صحوة جيدة الآن.
طالب: شيخ، أحسن الله إليك، القرآن نزل بلغة العرب، والله سبحانه وتعالى يقول: هَذَا بَيَانٌ لِلنَّاسِ، كافة الناس، بالنسبة للأعاجم الذين هم غير العرب أيش الوجوه (...) تكون لهم بيان؟
الشيخ: الجواب على هذا وهو إشكال في محله يقال: كيف كان القرآن وهو عربي بيانًا للناس كلهم وفيهم العجم الذين لا يعرفون لغة العرب؟ نقول: لأن هؤلاء سيقيض لهم من يبلغهم إياه، ولهذا كثير من العلماء المسلمين الآن الذين لهم قدم صدق في العلم والدين كثير منهم عجم، إن شئتم فاعجبوا أن المرجع الوحيد لأكثر الناس في اللغة العربية كان الذي ألفه أعجمي الفيروزآبادي القاموس المحيط، القاموس المحيط مرجع غالب الناس الآن في اللغة إليه، في النحو مَن إمام البصريين؟ سيبويه، سيبويه في اللغة الأعجمية: رائحة التفاح، صح؟ إي نعم، فالحاصل إن - الحمد لله- العجم بلغهم القرآن، بواسطة، ما هو لازم أنهم يأخذون من القرآن نفسه، وبعضهم تعرّب وصار لسانه عربيًّا.
طالب: جزاكم الله خير، ذكرنا في سياق الآيات أنه ينبغي للمسلمين ألا يقاتلوا حتى يستعدوا بقوة الإيمان والقوة المادية، بينما سمعنا أن الجهاد في أفغانستان بدأ من قلة قليلة، يعني أربعة أشخاص حققوا نتائج باهرة جدًّا، كيف هذا الأمر؟
الشيخ: إي نعم، ما فيه مشكلة؛ لأن هؤلاء تعرف من قتال الأفغان عندهم استعداد وقوة؛ لأن طبيعة بلادهم صالحة لحرب العصابات، وهم بدؤوا هكذا، فبدؤوا يأخذون شيئًا فشيئًا، وفي رؤوس الجبال قمم الجبال وفي المغارات وفي الأشجار وغيرها، وحصلوا على خير كثير.
طالب: ألا تكون منطلق يا شيخ في الجهاد لعامة الأمة؟
الشيخ: ما أكثر المنطلَقات، لكن نسأل الله أن يسهل المنطلِق، منطلَق بفتح اللام واجد، لكن بكسر اللام مكسور الجناح، إن شاء الله، يكون إن شاء الله.
طالب: شيخ، يقول النبي صلى الله عليه وسلم إذا ثبت: «لَنْ يُغْلَبَ اثْنَا عَشَرَ أَلْفًا مِنْ قِلَّةٍ» ، فكيف يا شيخ موقفنا من هذا الحديث ونحن الآن عندنا الجيش السعودي أكثر من الضعف بكثير، وعنده من الآليات الحربية أكثر من اثني عشر ألفًا، فكيف هذا؟
الشيخ: إيه، لكن معناها، لكنها قد تُغلب من غير قلة، قد تغلب من جهة أخرى، مثل ما ذكرنا، الجدار من الطين مُقام على بركة ماء.
طالب: ذكرت يا شيخ إن الآن بحمد الله وهذا سمعناه (...)؟
الشيخ: طيب، ما يخالف لكن كم؟ لو قدّرنا أنهم أربعين، خمسين، مئة (...).

***

طالب: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (١٣٩) إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَدَاءَ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ (١٤0) لِيُمَحِّصَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَمْحَقَ الْكَافِرِينَ (١٤١) أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ (١٤٢) وَلَقَدْ كُنْتُمْ تَمَنَّوْنَ الْمَوْتَ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَلْقَوْهُ فَقَدْ رَأَيْتُمُوهُ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ (١٤٣) وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئًا وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ (١٤٤) وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ كِتَابًا مُؤَجَّلًا وَمَنْ يُرِدْ ثَوَابَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا وَمَنْ يُرِدْ ثَوَابَ الْآخِرَةِ نُؤْتِهِ مِنْهَا وَسَنَجْزِي الشَّاكِرِينَ [آل عمران: ١٣٩ - ١٤٥].
الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله عز وجل: إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَدَاءَ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ.
سبق لنا أن المراد بقوله تعالى: إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُأن المراد به التسلية، أي أنه إذا كنتم أُصِبْتُم في أُحُد فإن القوم قد أُصِيبوا بقرح مثله، في نفس الغزوة أيضًا قُتل من المشركين من قتل وهُزموا لولا أن الله سبحانه تعالى أراد بحكمته أن يخالف بعض الجند مع النبي صلى الله عليه وسلم الموقف الذي أمرهم به النبي صلى الله عليه وسلم فحصل فيما بعد أن كان خلاف المراد.
قال الله تعالى: وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ، تِلْكَ الْأَيَّامُالمشار إليه هنا بعيد ولكنه في الحقيقة قريب؛ لأن الأيام هي الزمن فهي قريبة، لكن لما كانت الأيام منها ما هو بعيد ومنها ما هو قريب غلب جانب البعد: تِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِأي: نجعلها بينهم دولًا، فمرة تكون الدولة لهؤلاء على هؤلاء، ومرة تكون الدولة لهؤلاء على هؤلاء، ففي بدر كانت الدولة على المشركين، وفي أُحُد كانت الدولة على المؤمنين، فهذا مرة وهذا مرة؛ لحكم عظيمة بيّنها الله سبحانه وتعالى فيما بعد.
وقوله: نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِيشمل مداولتها بين أمة وأمة، ويشمل كذلك مداولتها في الإنسان الواحد، فالإنسان يجد يومًا سرورًا ويجد يومًا آخر حزنًا، كما قال الشاعر:
فَيَوْمٌ عَلَيْنَا وَيَوْمٌ لَنَا وَيَوْمٌ نُسَاءُ وَيَوْمٌ نُسَرْ
فالدنيا هكذا لا تبقى على حال واحدة، ولهذا يقال: دوام الحال من المحال، فالأيام دُوَل.
وقوله: وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا منكم، الواو هنا حرف عطف، فما هو المعطوف عليه؟ هل هي الجملة التي سبقت: وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ؟ نقول: لا؛ لأن وَلِيَعْلَمَتعليل للجملة التي قبلها وهي: وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ، والعلة غير المعلول، ولا يصح عطفها عليه؛ لأن العلة هي السبب في وجود المعلول، إذن فهناك شيء معطوف عليه فيقدر بما يناسب الحال، فالذي يناسب هنا أن نقول: إن التقدير: ليتبين بذلك تمام سلطان الله عز وجل، نداولها بين الناس؛ ليتبين بذلك تمام سلطان الله، وأن الله عز وجل هو الذي له الحكم، يحكم في عباده بما يشاء، فيخذل أقوامًا وينصر آخرين، ويأتي بالعسر ويأتي باليسر حتى يتبين بهذا تمام سلطانه سبحانه وتعالى، حتى المخلوقات بعضها فيها خير وبعضها فيها شر، كل هذا ليظهر للناس تمام السلطان للعلي الكبير سبحانه، وَلِيَعْلَمَإذن فالواو هنا حرف عطف، والمعطوف عليه؟
طالب: ليتبين تمام سلطان الله عز وجل.
الشيخ: محذوف تقديره: ليتبين بذلك تمام سلطان الله.
وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُواعلمَ وجود، وعلمًا يترتب عليه الجزاء، وإنما قلنا ذلك لأن الله تعالى قد علم الذين آمنوا قبل أن يؤمنوا، فإن علم الله بالأشياء علم أزلي قديم، يعلم سبحانه وتعالى ما كان وما يكون إلى يوم القيامة، لكن يعلمه علم وجود أي يعلمه موجودًا، أما العلم السابق فإنه يعلمه أنه سيوجد، وهناك فرق بين علمه الشيء موجودًا حال وجوده وبين علمه الشيء بأنه سيوجد، هذا واحد، الثاني: يعلمه علمًا يترتب عليه الجزاء، وذلك حين يوجد الإيمان أو يُفقد، أما علم الله السابق فإنه لا يترتب عليه الجزاء، وذلك لأن المؤمن لم يكن موجودًا بعد حتى يجازى أو لا يجازى، وبهذا يزول الإشكال الوارد على مثل هذه الجملة، ويحصل به الجواب عن الإشكال، وهو أن يقال: إن الله تعالى قد علم الذين آمنوا من قبل، فإنه سبحانه وتعالى كتب في اللوح المحفوظ مقادير كل شيء إلى يوم القيامة، وقد علم المؤمن من غيره من قبل، فكيف يقول: وَلِيَعْلَمَ؟ ما الجواب؟ أن نقول: ليعلم علم وجود، أي بأن الشيء وُجِد، وتعلق العلم بالموجود غير تعلقه بالمعدوم الذي سيوجد، أليس كذلك؟ الثاني: أن يعلمه علمًا يترتب عليه الجزاء؛ لأن علمه السابق بأنه سيوجد لا يترتب عليه الجزاء.
وقوله: وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُواكيف ذلك؟ لأن المؤمن يرضى بهذه المداولة؛ بمداولة الله الأيامَ بين الناس، يرضى بها رضًا تامًّا؛ إن أصابته ضراء صبر، وإن أصابته سراء شكر، ويعلم أن ذلك بتقدير الله فيرضى ويسلم، غير المؤمن بالعكس؛ إن أصيب بسراء أَشِرَ وبطر، وإن أصيب بضراء ضجر وتسخط، يقول الله سبحانه وتعالى: وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ [الحج: ١١] أي على طرف، فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌوالفتنة هنا المراد بها ضد الخير، وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انْقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ خَسِرَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةَ، وكم من إنسان ارتد لأنه أصيب بمصيبة والعياذ بالله.
إذن وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُواكيف كان هذا العلم؟ نقول: لأن المؤمن يرضى بمداولة الله الأيام بين العباد، إن أصابته ضراء أيش؟ صبر، أو سراء شكر، غير المؤمن بالعكس؛ لا يرضى بقضاء الله وقدره، يقول: لَوْ أَطَاعُونَا مَا قُتِلُوا [آل عمران: ١٦٨]، لَوْ كَانُوا عِنْدَنَا مَا مَاتُوا وَمَا قُتِلُوا [آل عمران: ١٥٦]، وما أشبه ذلك، هذه واحدة، الحكمة الثانية: أقول الثانية أو الثالثة؟
طالب: الثانية.
طالب آخر: الثالثة.
الشيخ: الثالثة: ألم نقل: إن قوله: وَلِيَعْلَمَمعطوف على مقدر، التقدير: ليتبين تمام سلطانه وليعلم.
إذن الحكمة الثالثة: قال: وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَدَاءَ، انظر إلى هذا التعبير، لم يقل: وليوجَد، بل قال: وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَدَاءَ، فهؤلاء الشهداء اتخذهم الله واصطفاهم لنفسه جل وعلا، ولولا مثل هذه الهزيمة لم يكونوا شهداء، ولكن من أجل أن يتخذ منكم شهداء، أي يتخذ منكم أناسًا قُتِلُوا في سبيل الله، وكم من شهيد اتخذهم في غزوة أُحُد؟
طالب: سبعون.
الشيخ: سبعون رجلًا، لولا هذا لم يكن هناك شهداء، وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَدَاءَ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ، قوله: وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَأولًا: من هم الظالمون؟ الظالمون هم الذين نقصوا حق الله وحق عباده؛ لأن الأصل في الظلم النقص، الأصل أن معنى الظلم النقص؛ لقوله تعالى: كِلْتَا الْجَنَّتَيْنِ آتَتْ أُكُلَهَا وَلَمْ تَظْلِمْ مِنْهُ شَيْئًا [الكهف: ٣٣] أي: لم تنقص، فالظالم هو الذي نقص في حق الله وحق عباده، بل وحق نفسه وَمَا ظَلَمُونَا وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ [البقرة: ٥٧]، فالظالم لا يحبه الله، لكن إن كان ظلمه ظلم كفر فلا حظ له في محبة الله، وإن كان ظلمه دون ذلك فله من محبة الله بقدر ما معه من العدل، ومن كراهة الله بقدر ما معه من الظلم.
قوله: لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَقد يبدو غريبًا على القارئ مناسبة هذه الجملة بما قبلها: وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَدَاءَ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ، كيف هذا؟ فيقال: الجواب من وجهين؛ الوجه الأول: أن المراد به؛ بقوله: وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَبيان أن الذين تخلفوا عن غزوة أحد وهم مقدار ثلث الجيش لم يكن منهم شهيد؛ لأنهم نجوا بأنفسهم، فلكونهم ظلمة لم يتخذ الله منهم شهداء، فيكون ذلك تنديدًا بمن؟
الطلبة: بالذين فروا.
الشيخ: بمن يا جماعة، ما فيه فرار، بالذين تخلفوا ورجعوا من أثناء الطريق وهم عبد الله بن أبي ومن تبعه من المنافقين، فكأنه قال: اتخذ منكم أيها الصفوة شهداء، ولم يتخذ من أولئك الذين نكصوا على أعقابهم؛ لأن هؤلاء ظلمة والله لا يحبهم، هذه واحدة، الوجه الثاني: أن الذين قُتِلوا في أحد قُتِلوا على أيدي المشركين، والمشركون هم الظالمون كما قال تعالى: إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ [لقمان: ١٣]، فهل انتصار الظالمين في أُحُد واستشهاد من استشهد من المسلمين في أحد لأن الله يحب الظالمين ويكره المؤمنين؟ لا، إذن وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَلئلا يظن ظانّ أن انتصار المشركين في تلك الغزوة من محبة الله لهم، فبيّن الله عز وجل أنه لا يحب الظالمين، أعرفتم يا جماعة؟ إذن الجواب من وجهين.
نرجع الآن إلى فوائد الآية الكريمة: إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ [آل عمران: ١٤٠]
من فوائد هذه الآية: بيان رأفة الله سبحانه وتعالى برسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه بهذه التسلية العظيمة إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ.
ومن فوائدها أيضًا: أنه ينبغي للإنسان أن يعزي المصاب بمثل هذا، بمثل هذه التعزية، فيقول مثلًا: يا أخي لست أول من أصيب، كم من أناس أصيبوا بمثل هذه المصيبة أو أكثر، ويقول له مثلًا: قدّر أن المصيبة أعظم من هذا؛ لأن كل شيء ممكن، فإذا أصبت بفقد ألف فقدّر أنك أصبت بفقد كم؟ ألفين؛ لأن هذا ممكن، فإذا قدّرت أنك أصبت بفقد ألفين والمفقود ألف هان عليك فقد الألف، إذن فالله علّمنا كيف نعزي المصاب بأن نسليه بذكر النظائر أو بذكر ما هو أعظم.
من فوائد هذه الآية: أن الله سبحانه وتعالى جعل هذه الدنيا دولًا تتقلب؛ لئلا يركن الإنسان إليها؛ لأن الدنيا لو كانت دائمًا راحة ونعمة ركن الإنسان إليها ونسي الآخرة، ولو كانت دائمًا محنة ونقمة لكانت عذابًا مستمرًّا، ولكن الله جعلها دولًا يُدال فيها الناس بعضهم على بعض وتتداول الأحداث على الإنسان ما بين خير وشر.
ومن فوائد هذه الآية: تمام سلطان الله سبحانه وتعالى في خلقه، وأن له التدبير المطلق، بناء على أيش؟ بناء على المقدر الذي قدرناه؛ ليظهر بذلك أو ليتبين بذلك تمام سلطان الله.
ومن فوائدها: أن الله سبحانه وتعالى قد يمتحن العبد ليعلم إيمانه من عدمه، بماذا؟ يمتحنه بأنواع من الامتحانات، تارة بالمصائب وتارة بالمعائب، فهنا ابتلاء بماذا؟ بالمصائب، وإذا يسّر الله للإنسان أسباب المعصية فهذا ابتلاء بتيسير المعائب، مثل قوله تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَيَبْلُوَنَّكُمُ اللَّهُ بِشَيْءٍ مِنَ الصَّيْدِ تَنَالُهُ أَيْدِيكُمْ وَرِمَاحُكُمْ لِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَخَافُهُ بِالْغَيْبِ [المائدة: ٩٤].