ومن فوائدها، من فوائد هذه الآية: تمام سلطان الله
سبحانه وتعالى في خلقه، وأن له التدبير المطلق، بناء على أيش؟ بناء على المقدَّر
الذي قدرناه، ليظهر بذلك أو ليتبين بذلك تمام سلطان الله.
ومن فوائدها: أن الله سبحانه وتعالى قد يمتحن العبد ليعلم
إيمانه من عدمه، بماذا؟ يمتحنه بأنواع من الامتحانات، تارة بالمصائب، وتارة
بالمعائب، فهنا ابتلاء بماذا؟ بالمصائب، وإذا يسر الله للإنسان أسباب المعصية فهذا
ابتلاء بتيسير المعائب، مثل قوله تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَيَبْلُوَنَّكُمُ اللَّهُ بِشَيْءٍ مِنَ الصَّيْدِ تَنَالُهُ أَيْدِيكُمْ وَرِمَاحُكُمْ لِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَخَافُهُ بِالْغَيْبِ [المائدة: ٩٤].
ما تقول في هذه الآية؟ هذا الابتلاء ما هو؟
طالب: ابتلاء حتى يعني يعلم من يتعدى حدود الله سبحانه
وتعالى.
الشيخ: إذن ويش القصة؟
الطالب: قصة يعني قوله سبحانه وتعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَيَبْلُوَنَّكُمُ اللَّهُ بِشَيْءٍ مِنَ الصَّيْدِ تَنَالُهُ أَيْدِيكُمْ وَرِمَاحُكُمْ لِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَخَافُهُ بِالْغَيْبِ فَمَنِ اعْتَدَى بَعْدَ ذَلِكَ فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ [المائدة: ٩٤].
الشيخ: ويش القصة؟
الطالب: يعني حرم على المؤمنين الصيد وهم حُرُم.
الشيخ: صح، حرم الله الصيد على المؤمنين وهم حرم، فابتلاهم بصيد
تناله أيديهم ورماحهم، يعني يمسك الإنسان الصيد بيده وبرمحه ما يحتاج إلى سهم لِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَخَافُهُ بِالْغَيْبِ.
من فوائد هذه الآية: أن علم الله سبحانه وتعالى على قسمين،
علمه بالأشياء على قسمين: علم بأنها ستوجد وهذا أزلي، وعلم بأنها وُجدت وهذا يكون
عند الوجود، ولهذا قال: وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا [آل عمران: ١٤٠].
ومن فوائد هذه
الآية: أن الله تعالى قد يقدر المكروه لحكم بالغة كثيرة، لقوله: لِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَدَاءَ [آل عمران: ١٤٠].
ومن فوائدها:
فضيلة الشهادة. من أين تؤخذ؟ من قوله: وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْفكأنه سبحانه اصطفى هؤلاء الشهداء واتخذهم لنفسه.
ومن فوائد هذه الآية: فضيلة شهداء أحد؛ لأن قوله: وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَدَاءَأول من يدخل فيها شهداء أحد
رضي الله عنهم.
ومن فوائدها: إثبات المحبة لله؛ أن
الله يحب. وجه ذلك أن نفيها عن الظالمين يدل على ثبوتها لضدهم؛ لأنها لو انتفت عن
هؤلاء وهؤلاء لم يكن في نفيها عن الظالمين فائدة.
ولهذا استدل الشافعي رحمه الله
وغيره من أهل العلم على ثبوت رؤية المؤمنين لربهم في الآخرة بقوله تعالى: كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ [المطففين: ١٥] يعني الفجار. قال: فلما حجب هؤلاء عن رؤيته في السخط دل على رؤية
الآخرين في حال الرضا.
وهذا لا شك استدلال جيد، فهنا نقول: لما نفى المحبة عن
الظالمين دل على ثبوتها لمن؟ لمن كان ضدهم؛ لأنها لو كانت منتفية عن هؤلاء وهؤلاء
لم يكن لتخصيص الظالمين فائدة.
المحبة يعني كون الله يحب الشخص هل فيها نقص
بالنسبة لله؟
لا، ولهذا كان أهل السنة السلف يثبتون أن الله تعالى يحب، يثبتون
أن الله يُحِب وأنه يُحَب أيضًا، كما قال تعالى: فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ [المائدة: ٥٤].
ومحبة الله سبحانه وتعالى إذا وُفق العبد لها لا يعادلها شيء ولا يماثلها
لذة، يجد الإنسان في محبة الله لذة لا توصف أبدًا، حتى إن بعض السلف يقول: لو يعلم
الملوك وأبناء الملوك ما نحن فيه لجالدونا عليه بالسيوف. الله أكبر! الملوك هم في
قمة النعيم الدنيوي، أليس كذلك؟ وأبناؤهم كذلك، لكن أحباب الله وأولياء الله أعظم
منهم في هذا النعيم، يقول: لو يعلم الملوك وأبناء الملوك ما نحن فيه يعني من اللذة
والسرور لجالدونا عليه بالسيوف.
ويدل لهذا قوله تعالى: مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً [النحل: ٩٧]. إذن نقول: من مذهب أهل السنة والجماعة
إثبات المحبة لله، أن الله يُحِب وأنه يُحَب.
هل من الناس من أنكر محبة
الله؟
نعم، من الناس من أنكر محبة الله، لكنه ليس إنكار تكذيب بل إنكار تأويل،
فقالوا: المراد بالمحبة الإرادة أو الثواب، فمعنى (يحب) أي يريد أن يثيبهم أو أيش؟
أو يثيبهم، معنى (يحبهم) يعني يثيبهم، وهؤلاء هم الأشاعرة ومن كان أشد منهم في
التعطيل، الأشاعرة يقولون: حرام عليك أن تقول: إن الله يحب، حرام عليك. طيب الله
يقول: يحب؟ قال: معنى (يحب) يعني: يريد أن يثيبهم، أو معناه يثيبهم. وقد مر علينا
مثل هذا كثيرًا وبيّنّا بطلان مذهبهم، وأن ما ذهبوا إليه يعتبر تحريفًا لكتاب الله
وليس تأويلًا له.
من فوائد الآية الكريمة: التحذير
من الظلم، وجهه: لقوله: لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ [آل عمران: ٥٧] وكل إنسان يهرب هروبه من الأسد من كل فعل يؤدي إلى عدم محبة الله له،
ففي هذا تحذير من الظلم.
والظلم أقسام؛ إما في حق الله، وإما في حق الآدمي،
والظلم في حق الآدمي إما في المال وإما في النفس وإما في العرض، أنواع، لكن كل ظلم
فإن الله لا يحبه.
من فوائد الآية الكريمة: أن محبة
الله قد تتبعض، بمعنى أنه يحب هذا أقوى من هذا، ويكره هذا أقوى من هذا، وجهه: أن
الحكم إذا عُلق بوصف فإنه يزداد بزيادته ويقوى بقوته، وينقص بنقصه ويضعف بضعفه،
فإذا كان انتفاء المحبة من أجل الظلم فكلما كان الإنسان أظلم كان أبعد عن محبة الله
عز وجل.
ثم ذكر الله فائدة أخرى كم تكون؟ وَلِيُمَحِّصَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا [آل عمران: ١٤١].
الطلبة: الرابعة.
الشيخ: الرابعة. قال: وَلِيُمَحِّصَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا(يمحص) بمعنى: ينقي، (يمحص) أي: ينقي، وهل المراد تنقيتهم من غيرهم بحيث يتبين المؤمن النقي الصافي الإيمان، أو تنقيتهم من الذنوب بما أصابهم من القرح، أو الأمران جميعًا؟ الأمران جميعًا؛ لأنا لدينا قاعدة سبقت وهي: أن اللفظ إذا كان يحتمل معنيين لا ينافي أحدهما الآخر، فإنه يُحمل عليهما جميعًا.
إذن فهو يمحصهم: ينقيهم من الذنوب بما أصابهم من القرح، وينقيهم أيضًا باعتبار الخلاصة، يعني يتبين بذلك خلاصة المؤمنين ممن في إيمانهم شيء من الشك أو الكفر، وهذا أمر ظاهر، وهو كما أشار الله في قوله: وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا [آل عمران: ١٤٠].
إذن من الحكمة فيما حصل للمسلمين من القرح أن الله يمحص مَن؟ الذين آمنوا، ينقيهم من الذنوب بما أصابهم من هذه المصيبة، وينقيهم ببيان الخُلَّص أهل الصفوة.
الخامسة: قال: وَيَمْحَقَ الْكَافِرِينَ [آل عمران: ١٤١] يمحق الكافرين، سبحان الله! إذا نصرهم يكون سببًا لمحقهم؟ نعم، يكون سببًا لمحقهم؛ لأنهم إذا انتصروا علوا واستكبروا وانتفخوا في أنفسهم، وظنوا أن لهم السيطرة دائمًا، فحينئذ يعيدون الكَرة مرة أخرى بقتال المسلمين، وبذلك يكون محقهم، هذا هو وجه الآية، وقال بعض أهل العلم: يمحق الكافرين: يهلكهم بما جنوه على المسلمين من القرح، فجعل المحق يعني العذاب والهلاك في الآخرة، ولكن المعنى الأول أوجه؛ أنه يمحقهم محقًا حسيًّا؛ وذلك لأنهم إذا انتصروا في هذه المرة حاولوا أن يعيدوا الكرة مرة ثانية؛ لأجل أيش؟ الأجل لانتصار مرة أخرى، وبذلك يكون محقهم والقضاء عليهم.
وقوله: الْكَافِرِينَمأخوذ من الكفر، وأصل الكفر في اللغة الستر، ومنه سُمي الكُفُرَّى، يعني وِعاء طَلْع النخل؛ لأنه يستر ما كان فيه.
إذن ذكر الله في هاتين الآيتين لمس القرح كم فائدة؟ خمس فوائد.
ثم قال: أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ [آل عمران: ١٤٢] (أم) هنا منقطعة، فتكون بمعنى (بل) وهمزة الاستفهام، أي: بل أحسبتم أن تدخلوا الجنة. وقولهم: (منقطعة) احترازًا من المتصلة، فما هو الفرق بينهما: بين المتصلة والمنفصلة، يجيب عنه الأخ، نعم، ما الفرق بين (أم) المنقطعة و(أم) المتصلة؟
الطالب: المتصلة تكون عاطفة.
الشيخ: وهذه عاطفة.
الطالب: (...) الجملة الثانية..
الشيخ: وهذه عاطفة.
الطالب: أي كل ما تعلق بها (...) ابتداء كلام جديد.
طالب آخر: المتصلة هو الذي يكون وقوع أحد الأمرين متيقِّنًا، وبعضه يذكر المتصلة مثل القول يعني هذا ولّا هذا، ويذكر بعضه بعد الاستفهام حقيقة أو لفظًا، ويليه مع الهمز، أحد الأمرين، هذا شروطه.
طالب آخر: الفرق بينهما من وجه: أولًا هذه المنقطعة بمعنى (بل) والهمزة، والمتصلة بمعنى (أو). الثاني..
الشيخ: نعم، المنقطعة بمعنى (بل) والهمزة، وهاديك بمعنى (أو).
الطالب: المتصلة يذكر معها المعادل.
الشيخ: (أم) المتصلة يذكر معها المعادل، و(أم) المنقطعة ليس لها معادل.
وهذا معنى ما قال الأخ (هداية الله)، يعني الفرق إذن يتضح بالمثال، قال الله تعالى: سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ [البقرة: ٦] ويش نقول في هذه؟
الطلبة: متصلة.
الشيخ: متصلة؛ لأنه ذُكر فيها معادل، ولأنها بمعنى (أو). طيب أَمْ تَأْمُرُهُمْ أَحْلَامُهُمْ بِهَذَا أَمْ هُمْ قَوْمٌ طَاغُونَ [الطور: ٣٢]؟
الطالب: منقطعة.
الشيخ: انتبهوا أَمْ تَأْمُرُهُمْ أَحْلَامُهُمْ بِهَذَا أَمْ هُمْ قَوْمٌ طَاغُونَ.
طلبة: منقطعة.
طلبة آخرون: بمعنى (بل).
الشيخ: بمعنى (بل)؛ نعم لأن أمر أحلامهم -يعني عقولهم- بهذا ليس معادلًا لكونهم طغاةً، بل قال: أم تأمرهم أحلامهم بهذا أم لم تأمرهم؟ الجواب: لم تأمرهم ولكنهم قوم طاغون.
طيب هنا: أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَمتصلة أم منقطعة؟
الطلبة: منقطعة.
الشيخ: منقطعة؛ لأنه لم يذكر المعادل، ولأنها بمعنى (بل) والهمزة.
أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَأي: أظننتم أن تدخلوا الجنة، والاستفهام هنا للتوبيخ، يعني هل تظنون أن تدخلوا الجنة بلا اختبار، ولهذا قال: وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ [آل عمران: ١٤٢]، وَلَمَّا يَعْلَمِ، الجنة هي مأوى المتقين ودار الخلد -جعلنا الله وإياكم من أهلها- وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُلما يعلم، (لما) هنا جازمة، والدليل على جزمها أن الفعل جُزم بعدها، ونسأل الأخ هل الفعل بعدها مجزوم؟
طالب: وَلَمَّا يَعْلَمِنعم مجزوم.
الشيخ: مجزوم، الفعل وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُكسر، يَعْلَمِ اللَّهُ، كيف تقول: مجزوم؟
طالب: كسر لالتقاء الساكنين.
الشيخ: يعني حرك بالكسر
الطالب: لالتقاء الساكنين.
الشيخ: وأصله؟
الطالب: وأصله: ولما يعلمْ.
الشيخ: ولما يعلمْ، لكن لما كان ما بعده ساكنًا كسر؛ لأنه على القاعدة التي أشار إليها ابن مالك في الكافية:
| إِنْ سَاكِنَانِ الْتَقَيَا اكْسِرْ مَا سَبَقْ | وَإِنْ يَكُنْ لَيْنًا فَحَذْفَهُ اسْتَحَقْ |
قوله: لَمَّا يَعْلَمِ(لما) قلنا: إنها جازمة، بدليل أن الفعل جُزم بعدها، لكنه حُرك بالكسر لالتقاء الساكنين.
هل تأتي (لما) غير جازمة؟ نريد أن نستذكر ما مضى، هل تأتي (لما) غير جازمة؟
طالب: زيادة.
الشيخ: زيادة؟
الطالب: يجي (لما) شرطية ولما (زيادة) (...).
طالب: الظاهر تأتي يا شيخ.
الشيخ: تأتي أيش؟
الطالب: تأتي غير جازمة.
الشيخ: لكن تأتي لأي معنى؟
الطالب: يعني المعنى الذي تأتي له..
الشيخ: تأتي جازمة، انتهينا منها، وتأتي؟
الطالب: وأحفظ مثال.. تأتي شرطية.
الشيخ: تأتي شرطية، مثل؟
الطالب: لما قام زيد قام عمرو.
الشيخ: وَأَنَّهُ لَمَّا قَامَ عَبْدُ اللَّهِ يَدْعُوهُ كَادُوا يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَدًا [الجن: ١٩]، هذه واحدة.
طالب: تأتي ظرفية.
الشيخ: ظرفية، بمعنى؟
الطالب: بمعنى (حين).
الشيخ: مثل؟
الطالب: فَلَمَّا قَضَيْنَا عَلَيْهِ الْمَوْتَ مَا دَلَّهُمْ عَلَى مَوْتِهِ [سبأ: ١٤].
الشيخ: هذه شرطية.
طالب: قوله تعالى: فَمَا أَغْنَتْ عَنْهُمْ آلِهَتُهُمُ الَّتِي يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ لَمَّا جَاءَ أَمْرُ رَبِّكَ [هود: ١٠١].
الشيخ: نعم، فَمَا أَغْنَتْ عَنْهُمْ آلِهَتُهُمُ الَّتِي يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ لَمَّا جَاءَ أَمْرُ رَبِّكَأي حين جاء أمر ربك، هذه ثلاثة.
طالب: بمعنى (إلا) استثنائية.
الشيخ: بمعنى (إلا) استثنائية.
الطالب: إِنْ كُلُّ نَفْسٍ لَمَّا عَلَيْهَا حَافِظٌ [الطارق: ٤].
الشيخ: إِنْ كُلُّ نَفْسٍ لَمَّا عَلَيْهَا حَافِظٌأي: إلا عليها حافظ، أربعة معانٍ.
طالب: شيخ، أحسن الله إليك، في قوله سبحانه تعالى: وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَدَاءَما نأخذ من هذه يا شيخ قاعدة عامة: أن الله سبحانه وتعالى لا يتخذ كل الناس شهداء، وإنما يتخذ من به صفات الإيمان والتقى، هم الذين يتخذهم شهداء؟
الشيخ: هذا يحتمل إذا قلنا: (من) للتبعيض، أما إذا قلنا: إنها بيانية فلا يتعين.
الطالب: يعني قد يتخذ شهداء من غير..
الشيخ: عقلًا جائز، لكنه واقع لم يكن؛ لأن كثيرًا من المسلمين ماتوا على غير الشهادة.
طالب: خاصة في الجهاد؟
الشيخ: إي نعم، حتى في الجهاد، كثير من المسلمين لم يحصل لهم الشهادة.
الطالب: ما نأخذها قاعدة عامة؟
الشيخ: لا، ما نأخذها قاعدة عامة؛ لأنه ما دام أن (مِن) تحتمل أن تكون بيانية، ما نجزم بأنها للتبعيض.
طالب: القاعدة –يا شيخ- في الاستدلال بمفهوم بعض الآيات في إثبات الصفات مثل: وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ [آل عمران: ١٤٠] (...) لأن هذه قد يدل عليها نصوص أخرى، لكن فيه آيات ما يدل عليها نصوص أخرى: إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ [لقمان: ١٨] (...)؟
الشيخ: إي، يحب من انتفى عنه ذلك.
الطالب: إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ [لقمان: ١٨]، غير المختال وغير الفخور هل نقول: يحبه الله.
الشيخ: نعم، يحب من انتفت عنه هاتان الصفتان.
الطالب: يمكن يكون متصفًا بغير هذه الصفة؟
الشيخ: نعم، يمكن يتصف بصفة أخرى توجب كراهته، وبصفة أخرى توجب محبته، لكن نفي المحبة عن المختال الفخور يدل على ثبوت المحبة لغيره، أو لضده أحسن.
الطالب: لكن يا شيخ على الضد قد يكون في الصفات؟
الشيخ: إي نعم، لكن يتصف بصفات توجب بغضه، لكن كما قلنا: البغض والمحبة يتبعض، يحب الله الشخص من وجه ويكرهه من وجه آخر، ما يمنع.
طالب: شيخ، بعض الناس إذا أصابتهم مصيبة استدل بهذه الآية: وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ [آل عمران: ١٤٠] هل الاستدلال بمثل هذا (...)؟
الشيخ: أيش تقولون يا جماعة؟ صحيح؟
الطلبة: صحيح.
الشيخ: إي نعم، صحيح.
طالب: أحسن الله إليك، هل يؤخذ من هذا أنه إذا حصل قتال مثلًا بين طائفتين أنه لا بد دائمًا أن المنتصرة هي التي يحبها الله؟
الشيخ: إي نعم؛ لأن الله تعالى قد يبتلي الأخرى بهذه البلوى امتحانًا، لكن لا يجوز أبدًا أن نظن أن الله سبحانه وتعالى يديل الباطل على الحق إدالة مستقلة.
طالب: بارك الله فيك، إذا كان هناك فريقين كرة قدم وانتصر فريق على الآخر، فاستدل أحدهم قال: وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِفهل هذا استهزاء بكلام الله عز وجل؟
الشيخ: ماذا تقولون؟ يقول: انتصر فريق في كرة القدم على فريق آخر، وفي اليوم الثاني بالعكس، فهل نقول: نستدل بالآية: وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ؟
الطلبة: نعم.
الشيخ: إي نعم، يمكن، انتصار الأولين بأمر الله وقدره، وانتصار الآخرين أيضا بأمر الله وقدره.
***
أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله تبارك وتعالى: وَلِيُمَحِّصَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَمْحَقَ الْكَافِرِينَ [آل عمران: ١٤١].هذه هي الحكمة الرابعة من حكم مداولة الأيام بين الناس، وما جرى للنبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه في أحد، الرابعة: وَلِيُمَحِّصَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا.
يستفاد من هذه الآية الكريمة: أن الله سبحانه وتعالى قد يبتلي المؤمن من أجل تمحيصه، وقد ذكرنا أن التمحيص من وجهين:
الوجه الأول: بيان من إيمانه صادق يصبر على الضراء، ومن إيمانه متهزهز لا يصبر.
الوجه الثاني: أن هذه المصائب فيها تمحيص للمؤمنين بتكفير السيئات.
ومن فوائدها، الفائدة الخامسة: محق الكافرين، فيستفاد من هذا فائدة، وهي: أن النعمة قد تكون سببًا للنقمة، فإن انتصار الكفار يوجب فرحهم وبطرهم حتى إذا بطروا محقوا.
ومن فوائدها: أن الكافر مآله المحق؛ لقوله: وَيَمْحَقَ الْكَافِرِينَ، وهذا كقوله: إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ [الأنعام: ٢١] إِنَّ اللَّهَ لَا يُصْلِحُ عَمَلَ الْمُفْسِدِينَ [يونس: ٨١] وأمثال ذلك كثير.
ومنها: أن الله سبحانه وتعالى له التدبير الكامل في عباده؛ لقوله: يُمَحِّصَوَيَمْحَقَفإن هذا الفعل كان فيه خير للمؤمنين وشر للكافرين.
ثم قال تعالى: أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ(أم) هنا منقطعة بمعنى (بل) وهمزة الاستفهام، والمراد بالاستفهام هنا التوبيخ، يعني: أتظنون أن تدخلوا الجنة ولم يحصل ما ذُكر. وقوله: حَسِبْتُمْأي ظننتم، فالحسبان هنا بمعنى الظن: أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ، وهي دار المتقين التي أعدها الله سبحانه وتعالى لهم، وفيها ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر. وكل مؤمن بها لا بد أن يسعى لها ويرجو دخولها.
وقوله: وَلَمَّا يَعْلَمِالواو هنا حالية، يعني: والحال أن الله لا يعلم الذين جاهدوا منكم.
و(لما) تأتي على أربعة أوجه في اللغة العربية، وقد ذكرناها فيما سبق، وهي هنا حرف نفي وجزم، ويفرق بينها وبين (لم) بأن مدخولها مترقب الحصول؛ كقوله تعالى: بَلْ لَمَّا يَذُوقُوا عَذَابِ [ص: ٨] أي: لم يذوقوه ولكنه قريب، وهنا قال: وَلَمَّا يَعْلَمِأي أن الله لم يعلم ولكن علمهم بذلك قريب.
وقوله: وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُواأي بذلوا جهدهم في إعلاء كلمته بالقتال في سبيله، والعلم هنا ليس كالعلم الأزلي، فإن علم الله عز وجل نوعان: أزلي سابق لا يترتب عليه ثواب ولا عقاب، وعلم بما حصل بعد حصوله، وهذا هو الذي يترتب عليه الثواب والعقاب، ويسميه بعض العلماء علم ظهور، أي يعلمه ظاهرًا بعد أن لم يكن، فالمراد بالعلم هنا أيش؟ علم الشيء بعد كونه ووجوده؛ لأنه هو العلم الذي يترتب عليه الثواب والعقاب.
وقوله: وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْقلنا: الذين بذلوا جهدهم وطاقتهم في إعلاء كلمته، وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ(يعلم) معطوفة على (يعلم) السابقة، ولهذا جاءت مجزومة لكنها حركت بالكسر لالتقاء الساكنين، يَعْلَمَ الصَّابِرِينَأي الذين يصبرون على ما أصابهم، عندكم بالفتح؟ أنا ظننتها بالكسرة: وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَهي بس مشكولة عندكم؟ لا بالفتح، نعم وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَكان فيها قراءة بالكسر، بالجزم عندك؟
طالب: قوله: وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَالعامة على فتح الميم، وفيها تخريجان، أشهرهما.
الشيخ: بعده، بعد هذه، والثاني؟
الطالب: هذه تمنوا.
الشيخ: لا (...) قال: العامة، ضد العامة؟
الطالب: العامة على فتح الميم، وفيها تخريجان:
أشهرهما أن الفعل منصوب، ثم النصب بـ(أن) مقدرة بعد الواو المقتضية للجمع، فهي كقولك: لا تأكل السمك وتشرب اللبن، أي لا تجمع بينهما، وهو مذهب البصريين، أو بواو الصرف، وهو مذهب الكوفيين، يعنون أنه كان من حق هذا الفعل أن يعرب بإعراب ما قبله.
والثاني: أن فتحة لالتقاء الساكنين، والفعل مجزوم، فلما وقع بعده ساكن آخر احتيج إلى تحريك آخره، فكانت الفتحة أولى لأنها أخف، والإتباع بحركة اللام، كقراءة: {وَلَمَّا يَعْلَمَ اللَّهُ} بفتح الميم. والأول هو الوجه، وقرأ الحسن وابن يعمر وغيرهما بكسر الميم عطفًا على (يعلم) المجزوم بـ(لما)، وقرأ عبد الوارث عن ابن عمرو وابن العلاء: {وَيَعْلَمُ} بالرفع.
الشيخ: لكن القراءة ليست سبعية، القراءتان الأخريان ليست سبعية، إذن وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَبالفتح، وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَيعلم بالفتح، وهنا فيها ثلاثة أوجه في الإعراب: الوجه الأول: أن الواو واو المعية، كقولهم: (لا تأكل السمك وتشرب اللبن)، ولنقف على هذا المثال لننظر اختلاف المعنى باختلاف اللفظ، تقول: (لا تأكل السمك وتشربَ اللبن) فيكون لها معنى، وتقول: (لا تأكل السمك وتشربِ اللبن)، فيكون لها معنًى آخر غير الأول، وتقول: (لا تأكل السمك وتشربُ اللبن)، فيكون لها معنى غير الأول والثاني. فما معناها على وجه الأول؟
طالب: واو المعية.
الشيخ: إيه ويش معناها (لا تأكل السمك وتشربَ اللبن)؟
الطالب: يعني السمك مع اللبن.
الشيخ: يعني لا تجمع بينهما، فإن أكلت السمك على انفراد وشربت اللبن على انفراد فلا بأس. إذن يكون السمك واللبن مباحين، لكن المحرم الجمع بينهما.
طيب على الضم: (لا تأكل السمك وتشربُ اللبن)؟
الطالب: فيه النهي عن أكل السمك وجواز شرب اللبن.
الشيخ: إي نعم، وإباحة شرب اللبن. على الجزم؟
الطالب: على الجزم أي: لا تأكل السمك ولا تشرب اللبن.
الشيخ: يعني؟
الطالب: يعني كل واحد ما في..
الشيخ: كل واحد ممنوع، سواء جميعًا أو على انفراد.
وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَيعني مع علمه بالصابرين، والصبر هنا في هذا المقام يشمل الصبر بأنواعه الثلاثة؛ وذلك لأن الجهاد فيه صبر على طاعة الله، وفيه صبر عن معصية الله، وفيه صبر على الأقدار المؤلمة، أليس كذلك؟ ففيه الصبر على طاعة الله؛ لأن الإنسان يصبر نفسه ويحبسها، قال الله تعالى: كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ [البقرة: ٢١٦] فلا بد من أن يصبر الإنسان نفسه ويحبسها حتى يخرج في الجهاد، فيه صبر عن معصية الله، عن الفرار حين يتلاقى الصفان، فإن هذا يحتاج إلى صبر وتحمل؛ لأن صبر الإنسان قبل الدخول في المعركة قد يكون محتملًا، لكن بعد الدخول وإذا رأى السيوف أمام وجهه فإنه قد يفر، ولهذا قال الله تعالى: وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلَّا مُتَحَرِّفًا لِقِتَالٍ أَوْ مُتَحَيِّزًا إِلَى فِئَةٍ فَقَدْ بَاءَ بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ [الأنفال: ١٦]. صبر على أقدار الله المؤلمة؛ لأن الجهاد لا يخلو من جراح ومن تعب ومن عناء ومشقة، ففيها أنواع الصبر الثلاثة: وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ.
في هذه الآية الكريمة من الفوائد: أن التمني رأس مال المفاليس، يعني كون الإنسان يتمنى بدون أن يفعل السبب هذا خسران، رأس مال المفلس الذي لن يحصل شيئًا؛ لقوله: أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْإلى آخره [آل عمران: ١٤٢].
وفيه من فوائدها: أن الجنة لا تدرَك بالتمني، كما قال بعض السلف؛ الحسن البصري رحمه الله: ليس الإيمان بالتمني ولا بالتحلي -ليس بالتمني بالقلب ولا بالتحلي بالمظهر- وإنما الإيمان ما وقر في القلب وصدقته الأعمال .
ومن فوائدها: أن الجنة غالية رخيصة، غالية لكون ثمنها غاليًا، لأنه بذل النفوس في طاعة الله، والجهاد لإعلاء كلمته، رخيصة لأن هذا الأمر على من سهله الله يسير جدًّا، ولهذا تجد الموفق يسابق إلى أن يكون ممن يكتب اسمه في الجهاد حتى يخرج فيجاهد في سبيل الله.
ومن فوائدها: أن الله سبحانه وتعالى يمتحن العبد بما يدل على صبره أو ضجره؛ لقوله: وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ.
ومن فوائدها: أن جزاء الله، سواء كان عقوبة أو مثوبة لا بد أن يسبقه ما يمتحن فيه العبد؛ لقوله: وَلَمَّا يَعْلَمِفلا بد من امتحان أولًا ليُنظر.
ومنها: أن علم الله عز وجل الأزلي لا يترتب عليه الثواب والعقاب، وإنما يترتب الثواب والعقاب على علم الله المقرون بالفعل الذي يكون علمًا بالشيء بعد وجوده.
ومن فوائدها: أن الجهاد سبب لدخول الجنة؛ لقوله: وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ، ولا فرق بين الجهاد بالسلاح والجهاد بالعلم، كلاهما جهاد، بل قد تحتاج الأمة الإسلامية إلى جهاد العلم أكثر مما تحتاج إلى جهاد السلاح، وقد يكون بالعكس، وقد يستويان، ولكنه لا بد من وجودهما في الأمة الإسلامية، لا بد من وجود علماء، لا بد من وجود طلبة العلم، لا بد من وجود مسلحين يقاتلون الكفار بالسلاح؛ لأن الجهاد لا ينزل علمه إلى يوم القيامة، لا بد أن يكون قائمًا.
ومن فوائد هذه الآية: أن الصبر سبب لدخول الجنة أيضًا؛ لقوله: وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ. واعلم أن الجزاء يكون على قدر العمل، فإذا كان ثواب الجهاد الجنة، وكذلك ثواب الصبر الجنة، دل على عظم مرتبتهما في دين الله عز وجل.
ومن فوائدها: أن الصبر درجة عالية، لكنه يحتاج إلى مصبور عليه؛ لأن الصبر على ما يلائم الطبيعة ليس بصبر، ولهذا لا يقال للإنسان الذي وقف تحت الدش يصب عليه ماء باردًا في اليوم الحار لا يقال: إنه صابر، ليش؟ هذا يلائم طبيعته، هذا يلائم الطبيعة، الصبر لا بد له من شيء يعانيه الإنسان لا يلائم الطبيعة.
***
ثم قال الله تعالى: وَلَقَدْ كُنْتُمْ تَمَنَّوْنَ الْمَوْتَ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَلْقَوْهُ فَقَدْ رَأَيْتُمُوهُ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ [آل عمران: ١٤٣]
وَلَقَدْ كُنْتُمْأكد الله هذه الجملة لإقامة الحجة عليهم: لَقَدْ كُنْتُمْفالجملة هنا مؤكدة بكم مؤكد؟ بثلاثة: بالقسم المقدر، وباللام الواقعة في جوابه، وبـ(قد)، كنتم فيما مضى تَمَنَّوْنَ الْمَوْتَ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَلْقَوْهُوكانوا يتمنون الموت لا الموت على الفراش، ولكنهم يتمنون الموت في سبيل الله، وذلك أنه كما يعلم الكثير من الناس تخلف عن بدر جماعات كثيرة من الصحابة، فإن غزوة بدر لم يكن الخروج فيها للغزوة ولكن لأخذ العير، ولهذا لم يخرج من أهل المدينة كلهم إلا ثلاث مئة وبضعة عشر رجلًا، على أنهم يريدون العير، ولكن الله جمع بينهم وبين عدوهم على غير ميعاد، فاستشهد من استشهد من المسلمين نحو ثلاثة عشر رجلًا، وتمنى الذين لم يدركوا هذه الغزوة أن قد خرجوا فيها، ولا سيما الشباب منهم.
ولهذا لما استشارهم النبي عليه الصلاة والسلام في غزوة أحد: أيخرج إلى العدو أم يبقى في المدينة؟ كلهم قالوا: لا، نخرج، ولا سيما الذين تخلفوا في بدر، ماذا كانوا يتمنون بذلك؟ الشهادة كما استشهد إخوانهم في بدر، فهم كانوا يتمنون الموت، يقولون: يا ليتنا خرجنا، يا ليتنا قتلنا في بدر، يتمنون الموت، والتمني هو أن الإنسان يطلب تقديرًا ما يصعب حصوله، هذا التمني، أن يتمنى تقديرًا -يعني في قلبه- ما يصعب حصوله، سواء كان يصعب ثم يحصل أو يصعب ولا يحصل، ولهذا يقع التمني على الأشياء المستحيلة، كقول الشاعر:
| أَلَا لَيْتَ الشَّبَابَ يَعُودُ يَوْمًا | فَأُخْبِرَهُ بِمَا فَعَلَ الْمَشِيبُ |
وهل يعود؟ لا يمكن أن يعود. ويكون في الشيء الذي فيه العسر ولكنه قليل، إذن يتمنون الموت يعني في نفوسهم، يتمنون أنهم كانوا مع أهل بدر استشهدوا فقتلوا في سبيل الله.
مِنْ قَبْلِ أَنْ تَلْقَوْهُ فَقَدْ رَأَيْتُمُوهُيعني فقد حصل لكم ما تمنونه، الذي أنتم تمنونه حصل لكم وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَيعني رأيتموه وأنتم على أشد ما يكون إحساسًا. وتأمَّل قوله: وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَهل هي مؤكدة أو مؤسسة؟
أكثر المفسرين على أنها مؤكدة، قال: لأن من رأى فقد نظر، ولكنها في الحقيقة مؤسسة؛ لأن الإنسان قد يرى ولكن لا يحقق ما رأى، قد يرى الشيء وهو غافل عنه، لكن إذا رآه وهو ينظر إليه تمامًا قد ركز فهذا نظر خاص، أخص من النظر العام، نحملها على ذلك لأن الأصل في الكلام التأسيس؛ لأن التوكيد نوع زيادة، التوكيد نوع من الزيادة ليس فيه إلا توكيد ما مضى، وقد لا يحتاج إليه، لكن التأسيس هو الأصل.
إذن يقول الله عز وجل: كُنْتُمْ تَمَنَّوْنَ الْمَوْتَ مِنْ قَبْلِويقيم على ذلك الشهادة بالتوكيد: لَقَدْ كُنْتُمْ تَمَنَّوْنَ الْمَوْتَ، فَقَدْ رَأَيْتُمُوهُ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَفلماذا يحصل منكم هذا التخاذل، نعم ولهذا قال: فَقَدْ رَأَيْتُمُوهُأي الموت، نعم، رأيتموه أي الموت، رأوا من استشهد في غزوة أحد، رأوه بأعينهم.
وذهب بعض المفسرين إلى أن المراد رأوه أي رأوا أسبابه، وهو القتال؛ لأن من لم يقتل لم يرَ الموت. ولكن هذا التفسير فيه نظر؛ لأن رؤية الموت يراها الإنسان في نفسه وفي غيره، فَقَدْ رَأَيْتُمُوهُيعني فيما بينكم وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ.
في هذه الآية من المشاكل النحوية قوله: تَمَنَّوْنَحيث إن صورته صورة الماضي ولكنه صيغ بصيغة المضارع؟ فيه إشكال لأن تمنى ماضي.
طالب: حذفت التاء.
الشيخ: أيهم؟
الطالب: تاء المضارعة: ولقد كنتم تتمنون الموت.
الشيخ: أحسنت، أصلها: تتمنون الموت.
نريد أن تأتي لنا بمثال آخر في القرآن؟
الطالب: كثير، إذا اجتمعا تاءان حذف واحدة منه (...) للثقل.
الشيخ: أنا أريد واحدًا، مثال واحد في القرآن يشهد لهذا؟
الطالب: تَذَكَّرُونَ.
الشيخ: لَعَلَّكُمْ.
الطالب: إي نعم لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ.
الشيخ: لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَصح، أي: تتذكرون. فَأَنْذَرْتُكُمْ نَارًا تَلَظَّى [الليل: ١٤] أي: تتلظى، وهو كثير كما قال الأخ.
في هذه الآية من الفوائد:
أولًا: إقامة الحجة على من كانوا يتمنون الموت وقد رأوه ومع ذلك حصل منهم التخاذل؛ لقوله: وَلَقَدْ كُنْتُمْ تَمَنَّوْنَ الْمَوْتَ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَلْقَوْهُ فَقَدْ رَأَيْتُمُوهُيعني فها أنتم الآن رأيتموه، فما موقفكم؟
وفيه: أنه لا ينبغي للإنسان أن يتمنى المكروه؛ لأنه إذا تمناه ووقع ربما ينكص ولا يصبر، وقد قال النبي عليه الصلاة والسلام: «لَا تَتَمَنَّوْا لِقَاءَ الْعَدُوِّ وَاسْأَلُوا اللهَ الْعَافِيَةَ، فَإِذَا لَقِيتُمُوهُمْ فَاصْبِرُوا؛ فَإِنَّ الْجَنَّةَ تَحْتَ ظِلَالِ السُّيُوفِ» وهكذا الإنسان قد يشعر بنفسه أنه يقوى على الشيء ولكن يعجز عنه، وقد ذكروا أن سحنون صاحب مالك رحمه الله كان من العبّاد، فقال يومًا من الأيام كلامًا معناه: يا رب، إني صابر فكيفما شئت فامتحني. شوف بني آدم فقير مسكين، يعني أصبر على كل بلاء فامتحني يا رب. فأصيب بعسر البول، صار لا يبول إلا بمشقة شديدة، قالوا: فكان يدور على مدارس الصبيان، المدارس التي فيها الصبيان الصغار فيقول: ادعوا لعمكم الكذاب، ادعوا لعمكم الكذاب، وذهب إلى الصبيان لأنهم أقرب إلى الإجابة لطهارة قلوبهم وسلامتها ولا ذنوب عليهم، الكذاب لأنه قال: إني أصبر فكيفما شئت فامتحني، ولم يصبر، وهكذا الإنسان ينبغي له أن يسأل الله العافية، لكن إذا ابتلي فليصبر.
ومن فوائد هذه الآية: أنه لا بأس أن يوبخ الإنسان من تحدى واتخذ لمكانه مكانًا عاليًا إذا وجده قد تخاذل في هذا المكان، مثل لو كان رجل من الناس يزعم أنه صبور وأنه جلد وما أشبه ذلك، فإذا ألمت به الأمور صار جبانًا هلوعًا لا يتحمل فيُذكره، أظن أحد الشعراء كان يقول في شعره:
| الْخَيْلُ وَاللَّيْلُ وَالْبَيْدَاءُ تَعْرِفُنِي | وَالسَّيْفُ وَالرُّمْحُ وَالْقِرْطَاسُ وَالْقَلَمُ |
شجاعة وعلم، كتابة كل شيء، فحصلت غزوة وكان فيها هذا الشاعر، فأراد أن ينهزم ويولي الدبر، وإذا حوله أناس قد حفظوا هذا البيت من شعره، فقالوا ما لك يا فلان وأنت تقول:
| الْخَيْلُ وَاللَّيْلُ وَالْبَيْدَاءُ تَعْرِفُنِي | وَالسَّيْفُ وَالرُّمْحُ وَالْقِرْطَاسُ وَالْقَلَمُ |
فعتب على نفسه ورجع، وأظنه إن لم أكن نسيت أنه قُتل.
فالإنسان قبل أن يصاب بالبلاء قد يشعر من نفسه أنه قوي يصبر، لكن يعجز، فإذا ذكرت أحدًا بشيء كان يفتخر به ويقول: أنا أفعل وأنا أقول وأنا أصبر، فهذا لا بأس به. ولكن هل هذا محمود إذا كان الأمر ضارًّا أو يُنظر للمصلحة؟ يُنظرللمصلحة، قد يكون المسكين يفتخر بما لا فخر فيه، فإذا وقع فيه وأراد أن يتأخر عنه ثم أغريته يقع في ضرر، فالمسألة يرجع فيها إلى المصلحة.
ومن فوائد هذه الآية: جواز التأكيد على رأي من يرى أن قوله: قَدْ رَأَيْتُمُوهُ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَفيها توكيد، أي جواز تأكيد اللفظ إذا دعت الحاجة إليه، وكان ذلك مقتضى البلاغة، بل قد يكون مطلوبًا كما في هذه الآية، فهذه الآية على قول بأن قوله: وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَتوكيد وأنها لم تأتِ بمعنى جديد، أما على القول الراجح الذي رجحنا بأنها أتت بمعنى جديد، فإننا لا نأخذ هذه الفائدة من هذه الآية، لكن نأخذها من آية أخرى، مثل: وَمَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الدِّينِ (١٧) ثُمَّ مَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الدِّينِ [الانفطار: ١٧، ١٨]، كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ (٣) ثُمَّ كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ [التكاثر: ٣، ٤]، أَوْلَى لَكَ فَأَوْلَى (٣٤) ثُمَّ أَوْلَى لَكَ فَأَوْلَى [القيامة: ٣٤، ٣٥] كثير في القرآن، تأكيدات للأهمية.
طالب: شيخنا، في الآية: لَقَدْ كُنْتُمْ تَمَنَّوْنَ الْمَوْتَ [آل عمران: ١٤٣] الرسول عليه الصلاة والسلام نهى عن تمني الموت ، فكيف نجمع بينهما؟
الشيخ: إي نعم، هذه الواقعة سؤال يحتاج إلى التنبيه عليه، هم كانوا يتمنون الموت ذكرنا في التفسير يتمنون أيش؟
الطلبة: الشهادة.
الشيخ: الشهادة، الموت في سبيل الله، ما هو الموت المطلق، لكن يؤخذ منه أنه يجوز أن يتمنى الإنسان الشهادة، يجوز أن يتمنى الشهادة وهو كذلك، بل لو قيل بمشروعية هذا لم يكن بعيدًا، وقد قال عمر رضي الله عنه: اللهم ارزقني الشهادة في سبيلك والموت في بلد رسولك رضي الله عنه، فكان الناس يقولون: كيف هذا الدعاء وكيف يجاب؟ المدينة بلد إسلامي، ولكنه رضي الله عنه أجاب الله دعاءه، قُتل ظلمًا وهو يصلي، ولم يُقتل لأنه عمر بن الخطاب، قتل لأنه قائم بأمر الله، منفذ لشريعة الله، قتله مجوسي مضاد للمسلمين، حرب على المسلمين، فقُتل في مدينة الرسول عليه الصلاة والسلام، فمات فيها.
فتمني الموت جائز، لكن ذكر بعض المتأخرين أنه لا يجوز أن تتمنى الشهادة، قال: لأن تمنيك الشهادة يستلزم أن الأعداء يغلبون المسلمين. فتأملوا هذا الكلام هل هو حق أو باطل.
وهنا قال: وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ [آل عمران: ١٤٤] محمد يعني محمد بن عبد الله بن عبد المطلب القرشي الهاشمي خاتم الأنبياء، وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُهذا هو محط الفائدة، أما كونه رسولًا فهذا أمر معلوم، لكن محط الفائدة قوله: قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ، توطئة لما بعده، وهو قوله: أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ [آل عمران: ١٤٤] يعني أن رسول الله صلى الله عليه وسلم رسول قد خلت من قبله الرسل، فماتوا من قبله، ومنهم من قتل، كما قال تعالى: وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ الْحَقِّ [البقرة: ٦١]، فإذا كان كذلك فهل أقوامهم لما ماتت أنبياؤهم أو قتلوا هل تركوا أديانهم؟
الجواب: لا، لم يتركوا الأديان؛ وذلك لأن الأمم إنما تعبد الله وتتبع الرسل، والرسل لا تنقطع رسالتهم بموتهم، بل رسالتهم باقية ما بقيت الرسالة حتى تأتي رسالة تنسخها، أما رسالة النبي صلى الله عليه وسلم فإنه لا ناسخ لها؛ لأنها آخر الرسالات، وهذه الآية نزلت حينما صاح الشيطان في يوم أحد، صاح الشيطان يقول: إن محمدًا قد قُتل. فلما قال هذا فت ذلك في أعضاد الصحابة رضي الله عنهم:
أولًا: لأن موت النبي صلى الله عليه وسلم مصيبة عظيمة تحزن القلب وتضعف النفس.
وثانيًا: لأن محمدًا صلى الله عليه وسلم كان قائدهم، وإذا مات القائد فإنه لا شك سيكون له أثر على الذين يقتادون بقيادته.
فلما شاع الخبر بأن محمدًا صلى الله عليه وسلم قُتل حصل ما حصل على المسلمين، فأصابهم غم بغم، وصار عند بعضهم بعض الشيء، ولكن الله عز وجل وبخهم فقال: وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ، فإذا كان كذلك فهل الرسل الذين سبقوا وماتوا أو قتلوا هل ارتد أقوامهم من بعدهم؟ لا، ولكن بقيت الرسالات وبقي الأتباع، وهنا قال: أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ، الهمزة هنا للاستفهام التوبيخي، يعني: أفتنقلبون على أعقابكم إن مات أو قتل؟ هذا لا يليق بكم ولا ينبغي لكم، بل ما دامت شريعته باقية فاتباعه باقٍ، ولا يليق بأي مؤمن أن يرتد على عقبه إذا مات الرسول صلى الله عليه وسلم.
وقوله: أَفَإِنْ مَاتَفيها همزة الاستفهام، ومِن بعدها فاء العطف، وقد مر علينا أن مثل هذا التركيب.
طالب: (...).
الشيخ: إي نعم، لكن مثل هذا التركيب يجوز فيه من حيث الإعراب، أقول: مثل هذا التركيب ما الذي يجوز من حيث الإعراب؟
الطالب (...).
الشيخ: يجوز إعرابها على وجهين، الوجه الأول؟
الطالب: تكون الهمزة قبل الفاء.
الشيخ: هي الهمزة الآن قبل الفاء أَفَإِنْ مَاتَ؟
الطالب: أو تكون بعد الفاء.
الشيخ: ما هو واضح؟
الطالب: أن تكون عاطفة.
الشيخ: أن تكون الهمزة للاستفهام في مكانها، والفاء التي بعدها أو حرف العطف الذي بعدها؟
الطالب: (...).
الشيخ: حرف العطف الذي بعدها يكون هذا إذا جعلنا الهمزة في مكانها لم تغير فحرف العطف الذي بعدها؟
الطالب: يقدر محذوف.
الشيخ: يكون عاطفًا على؟
الطالب: على شيء محذوف.
الشيخ: شيء محذوف، وما تقدير هذا الشيء المحذوف؟
الطالب: بما يناسب المقام.
الشيخ: بما يناسب المقام، هذا وجه، الوجه الثاني؟
الطالب: أن نجعلها على ما هي عليه.
الشيخ: أن نجعل الهمزة في مكانها.
الطالب: يعني الإعراب نقول: إن الهمزة قدمت للصدارة.
الشيخ: إي، لكن هل هذا مكانها الأصلي أو لا على هذا الوجه الثاني؟
الطالب: لا تكون مكانها الأصلي.
الشيخ: أن يكون مكان الهمزة بعد حرف العطف، ولكن قدمت من أجل الصدارة، وبناءً على هذا الوجه؟
الطالب: لا يحتاج إلى تقدير.
الشيخ: يكون العاطف عاطفًا على ما سبق، يعني على الشيء المذكور السابق.
قال الله تعالى: أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ [آل عمران: ١٤٤] هذه جملة شرطية، إِنْ مَاتَفعل الشرط، وانْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْجواب الشرط، ولكن محل التوبيخ هو جواب الشرط في الحقيقة؛ لأنه يوبخهم على انقلابهم على تقدير أن يكون مات أو قتل، أي أتنقلبون على أعقابكم إن مات أو قتل، لا يليق بكم.
وقوله: إِنْ مَاتَأي بغير فعل بشرأَوْ قُتِلَبفعل البشر.
وقوله: انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْأي رجعتم على الوراء. والأعقاب: جمع عقب، وهو العرقوب، والمنقلب على عقبيه يكون ماشيًا على غير هدى، كالذي يمشي مكبًّا على وجهه، وقد قال الله تعالى: أَفَمَنْ يَمْشِي مُكِبًّا عَلَى وَجْهِهِ أَهْدَى أَمَّنْ يَمْشِي سَوِيًّا عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ [الملك: ٢٢]. والانقلاب على العقبين أعظم وأبلغ؛ لأن الانقلاب على العقب يمشي الإنسان فيه على غير الهيئة المعتادة، على أنه يحتمل أن يكون المراد بالانقلاب على العقب أي أنه يسقط على قفاه ولا يستطيع أن يتقدم أو يستقيم.
وقوله: وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئًا [آل عمران: ١٤٤] هنا قال: مَنْ يَنْقَلِبْفعدل بالجملة إلى العموم دون أن يقول: وإن انقلبتم على أعقابكم فلن تضروا الله شيئًا، من أجل أن يكون الحكم عامًّا شاملًا، فقوله: مَنْ يَنْقَلِبْهذه (من) شرطية تعم كل منقلب على عقبيه، والفعل هنا بعدها مجزوم، (...) أما جواب الشرط فهو؟
طالب: وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئًا.
الشيخ: فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئًاالمعروف أن جواب الشرط يكون مجزومًا وهنا منصوب.
الطالب: (...).
الشيخ: فَلَنْ يَضُرَّ، والمعروف أن جواب الشرط يقع مجزومًا؟
الطالب: (لن) أداة نصب، سبقت الفعل المضارع، بتقدير (...).
الشيخ: إي نعم، نقول: لأنه لما دخلت عليه (لن) صار جواب الشرط جملة، ولماذا اقترنت بالفاء؟
لماذا قرنت بالفاء: فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ؟
الطالب: من أجل العطف.
الشيخ: لا.
الطالب: سبقت بـ(لن).
الشيخ: لأنها صدرت؛ لأن جواب الشرط صدر بـ(لن). اقرأ البيت الضابط في هذا؟
الطالب:
| اسْمِيَّةٌ طَلَبِيَّةٌ وَبِجَامِدٍ | وَبِمَا وَبِقَدْ وَبِلَنْ وَبِالتَّنْفِيسِ |
الشيخ: فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئًا(شيئًا) نكرة في سياق النفي فتعم، يعني أن الذي ينقلب على عقبيه ويرتد عن الإيمان لن يضر الله؛ لأن الله سبحانه وتعالى لن ينتفع بطاعة الطائعين، ولن يتضرر بمعصية العاصين، ولهذا قال: مَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِفيرجع بعد أن كان مسلمًا فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئًاوإنما يضر في الحقيقة نفسه.
وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ [آل عمران: ١٤٤] السين للتنفيس، وهي تحول الفعل المضارع من كونه صالحًا للحال والاستقبال (...) كونه للاستقبال، و(سوف) مثلها، إلا أن (سوف) تدل على المهلة، والسين تدل على الفورية.
وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَأي سيكافئهم، والشاكرون هم الذين قاموا بشكر نعمة الله، وقد مر علينا أن الشكر هو القيام بطاعة المُنعم بالقلب واللسان والجوارح، فالاعتراف بالقلب أن النعم من الله شكر، والثناء على الله بها باللسان شكر، والقيام بالطاعة بما يناسب تلك النعمة شكر، فشكر العلم مثلًا العمل به ونشره، شكر المال صرفه في طاعة الله، شكر القوة البدنية استعمال البدن في طاعة الله، وهلم جرًّا.
واعلم أن بين الشكر والحمد عمومًا وخصوصًا وجهيا، أي أن أحدهما أعم من الآخر من وجه، فباعتبار أن الحمد يكون لكمال المحمود ولإنعام المحمود يكون أعم من الشكر، وباعتبار أن الحمد يكون باللسان يكون أخص من الشكر، الشكر باعتبار كونه متعلقًا بالقلب واللسان والجوارح أعم من الحمد، وباعتبار أنه في مقابلة نعمة أخص من الحمد، يقول الشاعر:
| أَفَادَتْكُمُ النَّعْمَاءُ مِنِّي ثَلَاثَةً | يَدِي وَلِسَانِي وَالضَّمِيرَ الْمُحَجَّبَا |
وبهذا التقرير نعرف أنه ليس بين الحمد وبين الشكر ترادف بل هما متباينان، يتفقان في ما إذا حمَِد الله سبحانه تعالى على نعمته، كما لو أكل أوشرب فقال الحمد لله، فهذا يعتبر شكرًا وحمدًا، ويختلفان فيما إذا حمد الله على كماله فهنا لا يكون هذا من باب الشكر، وإذا شكر الله بجوارحه فليس هذا من باب الحمد.
قال: وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ [آل عمران: ١٤٤] بماذا يجزيهم؟ بين الله سبحانه وتعالى هذا المجمل في قوله: مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلَا يُجْزَى إِلَّا مِثْلَهَا [الأنعام: ١٦٠] مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَاهذا الجزاء، وصح عن النبي صلى الله عليه وسلم أن الله يضاعف الحسنة إلى عشر حسنات إلى سبع مئة ضعف .
نأخذ الفوائد:
في هذه الآية: بيان أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بشر يلحقه الموت كما يلحق جميع الرسل؛ لقوله: وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَإلى آخره [آل عمران: ١٤٤].
وفيها أيضا: أن النبي صلى الله عليه وسلم ليس ربًّا فيُدعى، ولا إلهًا فيعبد؛ لقوله: إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ.
ومن فوائدها: أنه ينبغي عرض الدليل بذكر النظائر ليقتنع الإنسان بما سمع؛ لقوله: قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُفإن من سمع هذا اقتنع وقال: ما دام الرسل السابقون قد ماتوا أو قتلوا فإن ذلك يكون تسلية له.
ومن فوائد هذه الآية: إثبات أن محمدًا صلى الله عليه وسلم خاتم الرسل؛ لقوله: قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُو(أل) هنا للعموم، ولم يقل: قد خلت من قبله رسل، بل قال: الرُّسُلُوإذا كان الرسل كلهم قد خلوا من قبله لزم من ذلك أن يكون هو آخرهم.
ومن فوائد هذه الآية: جواز موت الرسول عليه الصلاة والسلام وقتله؛ لقوله: أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ.
فإن قال قائل: يشكِل على هذا أن الله قال في الشهداء: وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ [آل عمران: ١٦٩]، وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتٌ بَلْ أَحْيَاءٌ وَلَكِنْ لَا تَشْعُرُونَ [البقرة: ١٥٤]، فإذا كان هذا في الشهداء فكيف يكون الرسول صلى الله عليه وسلم ميتًا مع أنه أفضل من الشهداء؟
والجواب عن ذلك أن نقول: إن الحياة حياتان: حياة دنيوية جسدية وهي حياة الدنيا، وحياة برزخية ليست كحياة الدنيا فهذه هي التي تثبت لمن؟ للشهداء، والأنبياء أفضل من الشهداء، حيث حرم الله على الأرض أن تأكل أجسادهم، وأما الشهداء فقد تأكل الأرض أجسادهم، فالأنبياء أجسادهم باقية وحياتهم البرزخية أكمل من حياة الشهداء بلا شك.
من فوائد هذه الآية: الرد على من توهم أو زعم أن الرسول صلى الله عليه وسلم حي في قبره؛ لقوله: أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَونحن نعلم بالضرورة من النقل المتواتر أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يقتل، أليس كذلك؟ فإنه ما قتل بسيف ولا برمح، مات على فراشه، ولكن ثبت عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: «مَا زَالَتْ أُكْلَةُ خَيْبَرَ تُعَاوِدُنِي، وَهَذَا أَوَانُ انْقِطَاعِ الْأَبْهَرِ مِنِّي» .
الأبهر: عرق في الإبهام إذا انقطع مات الإنسان، فهذا يدل على أن أكله الشاة المسمومة في خيبر كان له أثر في موته، ولهذا قال بعض التابعين، وأظنه الزهري، قال: إن النبي صلى الله عليه وسلم كان شهيدًا؛ لأن اليهود قتلوه ، ولكن الله تعالى أمد في عمره حتى تأخر، وهذا ليس ببعيد، هذا ليس ببعيد لأن أكلة خيبر كما ثبت عن النبي عليه الصلاة والسلام: «مَا زَالَ أَثَرُهَا فِي لَهَوَاتِي» يشاف في لهاته أثر السم، السم كان شديدًا، ولهذا مات بعض الصحابة، واحد من الصحابة الذين أكلوا معه مات، لكن الرسول عليه الصلاة والسلام لم يبلع اللحم الذي أكل.
من فوائد هذه الآية: أن الارتداد عن الإسلام انقلاب على العقب، ولا يخفى علينا ماذا يكون أثر الانقلاب على العقب،انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْوهو كذلك؛ لأن الذي على الإسلام يمشي على برهان ونور، يمشي على صراط مستقيم.
ومن فوائد الآية: الرد على الملحدين الذين يقولون: إن الإسلام رجعية ورجوع إلى الوراء، فإننا نقول لهم: أنتم الرجعيون، أنتم الذين انقلبتم على أعقابكم، أما من تمسك بالإسلام فإنه التقدمي؛ لأن الإسلام يحث على التقدم لكل فضيلة: سَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ [آل عمران: ١٣٣]، اسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ [البقرة: ١٤٨]، سَابِقُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ [الحديد: ٢١]، والآيات كلها تدل على أن الإسلام يأمر بالتقدم، لكن ليس التقدم إلى الكفر الذي قال الله عن زعيمه: يَقْدُمُ قَوْمَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَأَوْرَدَهُمُ النَّارَ [هود: ٩٨]، ولكنه التقدم إلى جنة عرضها السماوات والأرض أعدت للمتقين، المهم أن هذه الآية فيها رد على من أيش؟ على الملحدين الذين زعموا أن التمسك بالإسلام رجعية، فنقول لهم: إن التمسك بالإسلام هو التقدم، والتخلف عن الإسلام هو الرجعية.
ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن الله عز وجل غني عن طاعة الطائعين؛ لقوله: وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئًا.
ومن فوائد الآية: انتفاء الضرر عن الله، وأنه لن يضره شيء، ولكن إذا قال قائل: أليس الله تعالى قد قال في كتابه: إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ [الأحزاب: ٥٧]؟ وفي الحديث القدسي: «يُؤْذِينِي ابْنُ آدَمَ، يَسُبُّ الدَّهْرَ» فأثبت الأذية لله؟
فالجواب: أنه لا يلزم من الأذية الضرر، فالله تعالى قد يتأذى ولكن لا يتضرر، وأضرب لك مثلا: لو أن شخصا جلس إلى جنبك وقد أكل بصلًا أو شرب دخانًا، ألست تتأذى برائحته؟
الطلبة: بلى.
الشيخ: بلى، ولكن هل تتضرر؟ لا تتضرر، إذا رأيت شيئًا مكروهًا فإنك تتأذى ولكن لا تتضرر، إذن لا يلزم من كون الله تعالى (...) يتضرر.
من فوائد الآية الكريمة: الحث على الشكر؛ لقوله: وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ، ووجهه أن الجزاء أضيف إلى الله، فدل على عظمه؛ لأن الثواب من العظيم عظيم، ولهذا كانت الحسنة بعشر أمثالها إلى سبع مئة ضعف إلى أضعاف كثيرة.
ومن فوائد الآية الكريمة: جواز الإطلاق في الكلام إذا جاء مفسرًا في موضع آخر؛ لقوله: وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ؛ فإن هذه الآية مجملة، لم يبين الله تعالى كيف هذا الجزاء، ولكنه قد بُيّن في نصوص أخرى، والشريعة يفسر بعضها بعضًا، ويقيد بعضها بعضًا، و يخصص بعضها بعضًا، وما تجده مجملًا في مكان تجده مبينًا في مكان آخر، وهذا من تمام الشريعة؛ لأن الشيء إذا أتاك مجملًا فإن نفسك تتطلع إلى بيان هذا المجمل، فتحرص وتبحث وتقارن بين الأدلة وتقرن بعضها إلى بعض حتى يتبين لك الأمر، وحتى تكون ملمًّا في كل وقت بجميع النصوص.
ومن فوائد الآية الكريمة: أن الخلق لو كانوا كلهم على الردة فإن الله تعالى لن يتضرر بذلك؛ لقوله: فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئًاوهذا عام، يشمل أي ضرر كان، سواء كان من فرد أو من جماعة.
طالب: (...) حياة برزخية (...) ربما يوردون علينا يقولون: إن الحياة البرزخية يشترك فيها جميع الأموات، سواء كان شهيدًا أو غير شهيد؟
الشيخ: لا، أبدًا، الغير الشهيد ما يحيا هذه الحياة.
الطالب: (...).
الشيخ: لا، ما هذه الحياة؛ لأنه في البرزخ غاية ما ورد أنه ترد إليه روحه من أجل الرد على الملكين فقط، لكن أولئك أحياء دائمًا حتى يبعثون.
طالب: قلنا: إنه نستدل بقوله سبحانه وتعالى: وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ [آل عمران: ١٤٤] أنه خاتم الأنبياء (...) الرسل والآية التي ورد فيها: مَا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ [المائدة: ٧٥]؟
الشيخ: مَا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌنعم هذا صحيح، هذا يدل على العموم، ولهذا ليس بين محمد وعيسى أحد من الرسل، فإذا جاءت الآية الأولى عامة في عيسى تكون هذه الآية مخَصِّصة لها، يعني قد خلت من قبله الرسل إلا محمد.
طالب: (...) النبي صلى الله عليه وسلم له السيادة المطلقة في الدنيا على جميع الناس، فيا شيخ فهل نقول: إن فلانًا سيد الشهداء (...)؟
الشيخ: إي نعم على رأي الزهري.
الطالب: قلنا: هذا القول يتعارض مع حديث أن (...) سيد الشهداء؟
الشيخ: لا، ما يتعارض، يعني سيد الشهداء من التابعين الذين تبعوا الرسل، أقول: سيد الشهداء من الذين تبعوا الرسل، يعني من الأمم، أما الرسول فينفرد.
طالب: قلنا: إن الأبهر عرق في الإبهام إذا انقطع مات الإنسان، السارق إذا سرق وقطعوا يده ما يموت؟
الشيخ: طيب، إذا قطعوا يده يجب أن تحسم، ولهذا قالوا: يجب أن يكون هناك زيت يغلى، من حين ما تقطع يده تغمس في هذا الزيت من أجل أن يقف الدم، لو ترك لنزف ومات.
الطالب: لكن المراد إذا قطع حتى لو مثلًا سكر الدم؟
الشيخ: لا، لو سكر ما يموت معروف.
طالب: (...) الشكر لله بدلا من الحمد لله؟
الشيخ: صحيح، ما فيها شيء.
الطالب: ما يقال: الحمد أفضل (...).
الشيخ: أنت قلت: هل يجوز أن يقول: الشكر لله ولّا لا؟ نقول: لا بأس.
الطالب: (...)؟
الشيخ: أفضل أيش؟
الطالب: الحمد لله (...).
الشيخ: حسب الحال، أقول: حسب الحال، الحديث: «إِنَّ اللهَ لَيَرْضَى عَنِ الْعَبْدِ يَأْكُلُ الْأُكْلَةَ فَيَحْمَدُهُ عَلَيْهَا» ، ويكون هنا حمدًا، وهو شكر في نفس الوقت.
***
طالب: وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ كِتَابًا مُؤَجَّلًا وَمَنْ يُرِدْ ثَوَابَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا وَمَنْ يُرِدْ ثَوَابَ الْآخِرَةِ نُؤْتِهِ مِنْهَا وَسَنَجْزِي الشَّاكِرِينَ (١٤٥) وَكَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ فَمَا وَهَنُوا لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَمَا ضَعُفُوا وَمَا اسْتَكَانُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ (١٤٦) وَمَا كَانَ قَوْلَهُمْ إِلَّا أَنْ قَالُوا رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَإِسْرَافَنَا فِي أَمْرِنَا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ [آل عمران: ١٤٥ - ١٤٧].
الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله تبارك وتعالى: وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ، مَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَأي يمتنع غاية الامتناع لأي نفس من الأنفس أن تموت إلا بإذن الله، مهما حاول الناس أن يميتوا أحدًا بدون إذن الله فإنهم لن يستطيعوا إلى ذلك سبيلًا، وإذا جاءت مَا كَانَفإنها للممتنع إما شرعًا وإما قدرًا، فهذه الآية: مَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِأي ما كان قدرًا لنفس أن تموت إلا بإذن الله.
وقوله: لِنَفْسٍنكرة في سياق النفي، فتعم كل نفس من الآدميين وغير الآدميين، لا يمكن لأي نفس أن تموت إلا بإذن الله.
وقوله: أَنْ تَمُوتَالموت هو مفارقة الحياة، ويحصل هذا بانفصال الروح عن الجسد انفصالًا تامًّا؛ وذلك لأن الروح تتصل بالبدن اتصالًا تامًّا، وتنفصل منه انفصالًا ناقصًا، وتنفصل منه انفصالًا تامًّا، فإذا كان الإنسان يقظًا فالاتصال تام، وإذا كان نائمًا فهو انفصال ناقص، وإذا مات الإنسان فهو انفصال تام، لكن هذا لا يمنع أن تعود إليه في قبره عودًا ليس على الوجه الذي هي عليه في الدنيا؛ لأن حياة البرزخ تخالف حياة الدنيا، فالإنسان في قبره تعاد إليه روحه ويجلس ويخاطب ويتكلم ويفهم، ولكن ليست هذه الحياة كحياة الدنيا؛ لأنها لو كانت حياة الدنيا لهلك فورًا؛ إذ إنه مغمور بالتراب الذي فوقه، وربما يكون غرقًا في ماء أو محترقًا بنار.
وقوله: أَنْ تَمُوتَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ(إذن) هنا يراد بها الإذن الكوني؛ لأن إذن الله تنقسم إلى قسمين: إذن كوني، وإذن شرعي.
فالإذن الشرعي ما قضى به شرعًا وأذن فيه شرعًا، وهو تحت المشيئة، قد يقع وقد لا يقع، فمثلًا يقول الله عز وجل: أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ [الشورى: ٢١] الإذن هنا شرعي وليس بكوني؛ لأن الله قد أذن به كونًا، لكنه لم يأذن به شرعًا، وكذلك قوله تعالى: قُلْ آللَّهُ أَذِنَ لَكُمْ أَمْ عَلَى اللَّهِ تَفْتَرُونَ [يونس: ٥٩] هنا الإذن شرعي، أما في مثل هذه الآية: إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِفهي إذن كوني، يعني لا يمكن أن تموت إلا إذا أذن الله بذلك كونًا.
وقوله: إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِأي بقضائه وقدره.
كِتَابًا مُؤَجَّلًاكتابًا هذه مصدر مؤكد للجملة التي قبله، أي أن الموت مكتوب كتابًا مؤجلًا محددًا بحد معلوم، لا يتجاوزه ولا يقصر عنه، هذا الكتاب يُكتب في عدة كتب: يكتب في ليلة القدر بأنه سيموت في اليوم الفلاني في الساعة الفلانية من الشهر الفلاني، وهذه كتابة سنوية، ويكتب أيضًا إذا كان الإنسان في بطن أمه حين يبعث إليه الملك ويؤمر بكتب رزقه وأجله وعمله وشقي أو سعيد.





