تفسير سورة آل عمران - 45
عدد الزيارات 3049

عناصر المادة :
تفسير الآية (146)
تفسير الآية (147)
تفسير الآية (148)

هذا الكتاب يُكتب في عدة كتب: يُكتب في ليلة القدر بأنه سيموت في اليوم الفلاني في الساعة الفلانية من الشهر الفلاني؛ وهذه كتابة سنوية، ويكتب أيضًا إذا كان الإنسان في بطن أمه حين يبعث إليه الملَك ويؤمر بكتب رزقه وأجله وعمله وشقي أو سعيد، ويكتب في اللوح المحفوظ قبل خلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة، فهذه كتب لا تتغير كِتَابًا مُؤَجَّلًا [آل عمران: ١٤٥] لا يزيد ولا ينقص.
وَمَنْ يُرِدْ ثَوَابَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا، (من) شرطية، وفعل الشرط يُرِدْ، ونُؤْتِهِجواب الشرط، وفي كل من فعل الشرط وجوابه حذف، أما في فعل الشرط فالحذف من وسط الكلمة، وأما في جوابه فالحذف من آخر الكلمة؛ لأن قوله: يُرِدْأصلها: يريد، فحذفت الياء؛ لالتقاء الساكنين، ونُؤْتِهِأصلها: نؤتيه، فحذفت الياء للجازم؛ لأن الفعل المعتل يُجزم بحذف حرف العلة.
مَنْ يُرِدْ ثَوَابَ الدُّنْيَاأي: من يرد الجزاء في الدنيا من الدنيا فإن الله تعالى يؤتيه منها، نُؤْتِهِأي: نعطه، مِنْهَاوليس نعطيه كل الدنيا، فالإنسان قد يريد شيئًا كثيرًا من الدنيا ولكن لا يحصل له وإنما يؤتى منها، مَنْ يُرِدْ ثَوَابَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا، مثلًا من يرد القصور والأموال الكثيرة، والزوجات، والمراكب الأثيرة وما أشبه ذلك، من يرد هذا يؤته الله منها؛ لأن من يرد هذا لا بد أن يسعى له، أليس كذلك؟ فإذا كان لا بد أن يسعى له فالغالب أن السعي التام يُحصل به الموجَد، ولهذا قال: نُؤْتِهِ مِنْهَافيقدر الله الأسباب لحصول ما أراده من الدنيا.
وقوله: نُؤْتِهِ مِنْهَاواضح في أن الله لا يؤتيه كل الدنيا وإنما يؤتى منها، وهذا يحتمل أن يكون عائدًا إلى ما أراده، بمعنى أن الله لا يعطيه كل ما يريد، ويحتمل أن يكون عائدًا إلى الدنيا من حيث هي على سبيل العموم فيعطيه الله كل ما أراد، وعلى كل تقدير فهذه الآية مقيدة بآية الإسراء وهي قوله تعالى: مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ [الإسراء: ١٨] يعني الدنيا، عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاءُ لِمَنْ نُرِيدُ، ولم يقل: عجلنا له ما يريد، قال: مَا نَشَاءُ، وهذا يؤيده الواقع؛ فإن كثيرًا من الناس يريدون الدنيا ويسعون لها بأيديهم وأرجلهم وألسنتهم وأعينهم وآنافهم ولكن لا يحصّلونها، أليس كذلك؟ لأن الله قيد هذا العموم اللي هنا، قيده في سورة الإسراء بقوله: عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاءُلا ما يشاء هو، مَا نَشَاءُ لِمَنْ نُرِيدُفقيّد المعجَّل والمعجَّل له مَا نَشَاءُ لِمَنْ نُرِيدُ، هنا هذا الإطلاق يقيد بذلك.
وَمَنْ يُرِدْ ثَوَابَ الْآخِرَةِ نُؤْتِهِ مِنْهَا، مَنْ يُرِدْ ثَوَابَ الْآخِرَةِ نُؤْتِهِ مِنْهَاولا نعطه الآخرة كلها؛ لأن الآخرة درجات يختلف فيها الناس، ولا يمكن أن يعطى الإنسان جميع درجات الناس، ولكن يعطى من الآخرة، ولهذا قال: نُؤْتِهِ مِنْهَاولكنها تختلف عن عطية الدنيا، كما قال الله تعالى: بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا (١٦) وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَى [الأعلى: ١٦، ١٧]، فعطية الآخرة ليست كعطية الدنيا بل هي أعظم، ولهذا قال في آية الإسراء: وَمَنْ أَرَادَ الْآخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ كَانَ سَعْيُهُمْ مَشْكُورًا [الإسراء: ١٩]، وهنا قال: وَسَنَجْزِي الشَّاكِرِينَ، فدل ذلك على أن من أراد الآخرة فهو من الشاكرين، وسيجزي الله الشاكرين عز وجل بفضله الواسع، من أتى بحسنة أعطي عشر حسنات إلى سبع مئة ضعف إلى أضعاف كثيرة، الآن يتطهر الإنسان في بيته فيسبغ الوضوء، فسيئاته تكفر عنه في آخر قطرة من قطرات الماء، فإذا تشهّد فتحت له أبواب الجنة الثمانية يدخل من أيها شاء، إذا خرج من بيته بعد هذا التطهر يريد المسجد لا يخرجه إلا الصلاة لم يخطُ خطوة واحدة إلا رفع الله له بها درجة وحط عنه بها خطيئة، هذا أيضًا ثواب كثير، كل خطوة لك فيها فائدتان؛ الأولى: رفع الدرجة، والثانية: حط الخطيئة، ثواب كثير عظيم في عمل قليل، فإذا دخل المسجد وصلى لم تزل الملائكة تصلي عليه ما دام في مصلاه، تقول: اللهم صلِّ عليه، اللهم اغفر له، اللهم ارحمه، دعاء من الملائكة سخرهم الله عز وجل، فأنت ترى أن من أراد الآخرة فهو من الشاكرين، وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ [آل عمران: ١٤٤]، سيجزيهم على شكرهم أكثر بأضعاف مضاعفة من أعمالهم.
في هذه الآية الكريمة من الفوائد: أن آجال الأنفس محددة؛ لقوله: كِتَابًا مُؤَجَّلًا.
ثانيًا: تسلية أصحاب الرسول صلى الله عليه وسلم حين قيل لهم: إن محمدًا قد قُتِل، فأصابهم ما أصابهم من الغم، فقال الله لهم لا يمكن أن يُقتل محمد قبل أجله وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ كِتَابًا مُؤَجَّلًا، إن كان الله قد أنهى أجله فإنه ينتهي، وإن لم ينته أجله بقي إلى الأجل المحدد، فلماذا تجزعون، لماذا تجزعون إذا قيل إن محمدًا قد مات أو قد قُتل، وهذا شيء مؤجل عند الله عز وجل وبإذنه، وما كان مؤجلًا عند الله وبإذنه فإن الإنسان يجب عليه أن يستسلم له ويصبر عليه ويرضى به.
ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات أن كل شيء حتى الموت مخلوق لله؛ لقوله: إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِوما كان صادرًا عن إذن فهو مخلوق، ويدل لهذا قوله تعالى: الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ [الملك: ٢].
ومن فوائد الآية: أنه لا يمكن أن يتقدم الإنسان أو يتأخر عن الأجل الذي قدّره الله له؛ لقوله: كِتَابًا مُؤَجَّلًا، ويؤيد هذا آيات، منها قوله تعالى: إِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ [النحل: ٦١]، ومنها: وَلَنْ يُؤَخِّرَ اللَّهُ نَفْسًا إِذَا جَاءَ أَجَلُهَا [المنافقون: ١١].
فإن قال قائل: يشكل على هذا قول النبي صلى الله عليه وسلم: «مَنْ أَرَادَ أَنْ يُبْسَطَ لَهُ فِي رِزْقِهِ وَيُنْسَأَ لَهُ فِي أَثَرِهِ فَلْيَصِلْ رَحِمَهُ» ، فإن هذا يفيد بأن الإنسان إذا وصل رحمه زيد في عمره؟
فالجواب عن ذلك أن يقال: هذا - أعني مد الأجل - كبسط الرزق، والحديث يقول: «أَنْ يُبْسَطَ لَهُ فِي رِزْقِهِ وَيُنْسَأَ لَهُ فِي أَثَرِهِ»، والرزق مكتوب أو لا؟ مكتوب؛ فقد بيّن الرسول أن الرزق يُبسط ويوسع إذا وصل الإنسان رحمه، فكذلك الأجل يمدد إذا وصل الإنسان رحمه، ولا فرق، وهذا كقولنا: من أراد أن يولد له فليتزوج، صحيح هذا أو لا؟ صحيح، ولا يعدو الحديث: «مَنْ أَحَبَّ أَنْ يُبْسَطَ لَهُ فِي رِزْقِهِ وَيُنْسَأَ لَهُ فِي أَثَرِهِ» لا يعدو أن يكون بيانًا لسبب طول العمر، وليس معناه أن الإنسان له عمران، عمر عند قطيعة الرحم وعمر عند صلة الرحم؛ لأن المعلوم عند الله والمكتوب عنده إيش؟ عمر واحد، عمر واحد مقرون بسبب، ما هو السبب؟ صلة الرحم، فإذا وصل الإنسان رحمه علمنا أن له عمرًا واحدًا زائدًا مقرونًا بإيش؟ بالسبب، كقولنا أيضًا، يوضح ذلك أنك تقول: إذا أكل الجائع سلم من الموت، صح أو لا؟ فهذا الإنسان على آخر رمق في الحياة أتينا له بطعام فأكل وعاش، هل نقول إنه كان له عمران؟ مع أننا لو تأخرنا عن إسعافه بالطعام لمدة دقيقة واحدة لمات، فهذا لا نقول: له عمران، نقول: له عمر واحد، لكن سبب اندفاع الموت عنه الذي حصل من الجوع إيش؟ هذا الطعام، سببه هذا الطعام؛ فالمسألة ليس فيها إشكال، إذا تأملها الإنسان وجد أن سبب زيادة العمر الذي هو صلة الرحم كغيره من الأسباب التي يحث الشارع عليها، أيضًا نقول: من أراد الجنة فليعمل عملًا صالحًا وهو مؤمن بالله، هل نقول: إن الإنسان له حالان؛ حال يكفر وحال يؤمن؟ أو نقول: هذا قد قدّره الله بقضائه السابق أن يكون مؤمنًا من أهل الجنة؟ الجواب الثاني ولّا الأول؟ الثاني، هكذا الذي وصل رحمه نقول: هذا من الأول لم يكن له إلا عمر واحد مبني على سبب وهو صلة الرحم، إذن فالمراد من الحديث حث الناس على صلة الرحم التي هي سبب لطول العمر.
ومن فوائد هذه الآية: الرد على الجبرية؛ لقوله: مَنْ يُرِدْ، حيث أثبت للإنسان إرادة، والجبرية يقولون: إن الإنسان ليس له إرادة، وأنه يفعل بدون اختيار ولا إرادة، ولكن كل النصوص السمعية والعقلية ترد على قولهم.
ومن فوائد الآية الكريمة: أن الناس لهم مشارب ولكل مسلك؛ لقوله: وَمَنْ يُرِدْ ثَوَابَ الدُّنْيَاوَمَنْ يُرِدْ ثَوَابَ الْآخِرَةِ، وهو كذلك.
ومنها: أن الإخبار عن الشيء أو عن وقوع الشيء لا يدل على حِله؛ فقوله: وَمَنْ يُرِدْ ثَوَابَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا وَمَنْ يُرِدْ ثَوَابَ الْآخِرَةِ نُؤْتِهِ مِنْهَا، لا يدل على حِل إرادة الإنسان الدنيا بعمله، لا يدل عليه، إنما هو خبر عن أمر وقع، والحِل والحرمة يؤخذ من دليل آخر من الشرع، ومن ثم يتبين خطأ من قال: إنه لا يشترط للمرأة محرم في السفر؛ لأن الرسول أخبر أن الظعينة تخرج من صنعاء إلى عدن لا تخشى إلا الله ولا تخاف على نفسها ؛ لأن هذا إخبار عن إيش؟ عن الواقع، وليس إقرارًا له شرعًا، ألم يقل الرسول صلى الله عليه وسلم: «لَتَتَّبِعُنَّ سَنَنَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ»؟ قالوا: اليهود والنصارى؟ قال: «فَمَنْ؟» ، بلى قال ذلك، هل يعني هذا أنه يجوز أن نتبع سنن اليهود والنصارى لأن الرسول أخبر بأننا سنتبعها؟ أبدًا؛ فالإخبار عن الشيء وقوعًا لا يدل عن جوازه شرعًا، يؤخذ جوازه أو عدم جوازه من أدلة أخرى.
من فوائد هذه الآية: أن الإنسان قد يريد بعمله أن يُمدح عند الناس، وهذا لا يكون له من عمله إلا ما ناله من الدنيا فقط - نسأل الله السلامة - يعني مثلًا إنسان يصلي ليقال: مجتهد في العبادة، يقرأ ليقال: قارئ، يتصدق ليقال إيش؟ كريم، يقاتل ليقال: شجاع، وما أشبه ذلك، هذا الذي يريد بعمله الصالح هذه الأمور الدنيوية - لأن كل هذه من أمور الدنيا - ليس له حظ في الآخرة، ليس له حظ، مَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الْآخِرَةِ نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ وَمَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا وَمَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ نَصِيبٍ [الشورى: ٢٠].
ومن فوائد الآية الكريمة: إيثار إرادة الآخرة على الدنيا؛ لقوله: وَسَنَجْزِي الشَّاكِرِينَ؛ فإن هذا يدل على أن من أراد الآخرة فإنه من الشاكرين الذين يجزيهم الله عز وجل.
ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات الجزاء على العمل، وهذا - أعني الجزاء عن العمل - دائر بين أمرين؛ بين عدل وفضل، ويمتنع الأمر الثالث وهو الظلم بالنسبة لله عز وجل، والذين يجازون العمال على أعمالهم ينقسمون في جزائهم إلى ثلاثة أقسام، وآدم يبينها لنا؟
طالب: عدل، وفضل، وظلم.
الشيخ: نعم، عدل، وفضل، وظلم، الذين يجازون العمال، ولهذا نجد الآن العمال عند كفلائهم من الكفلاء من يظلمهم، ومنهم من يعطيهم حقهم كاملًا، ومنهم من يزيد، أما بالنسبة لجزاء الله سبحانه وتعالى فإن الظلم ممتنع، ممتنع على الله لا عجزًا عنه ولكن لكمال عدله سبحانه وتعالى وَسَنَجْزِي الشَّاكِرِينَ.
من فوائد الآية أيضًا: الحث على الشكر؛ لأن الإخبار بأن الله يجزي الشاكرين يراد به أيش؟ الحث على الشكر، والشكر قال العلماء: إنه يتعلق بالقلب واللسان والجوارح؛ فبالقلب بحيث يشعر الإنسان بنفسه أن هذه النعمة من الله عز وجل لا من حوله وقوته، أي لا من حول الإنسان وقوته ولكنها بفضل الله، باللسان: يشكر الله، يعني يتحدث بنعمة الله، بلسان الحال وبلسان المقال، فلسان المقال أن يقول: أحمد الله الذي فضلني على كثير ممن خلق تفضيلًا، أحمد الله الذي أعطاني الولد، أحمد الله الذي أعطاني المال، أحمد الله الذي يسّر لي بيتًا، وما أشبه ذلك، وبلسان الحال أن يظهر أثر النعمة على العبد، فإن الله يحب من عبده إذا أنعم عليه نعمة أن يُرى أثر نعمته عليه، وعلى هذا فإذا آتى الله الإنسان مالًا وخرج إلى الناس بالثياب الخلقة أو بثياب الخيش أو ما أشبه ذلك هل يعد شاكرًا؟
طلبة: لا.
الشيخ: لا، أليس هذا زهدًا؟
طلبة: لا.
الشيخ: ليس بزهد، هذا من رآه قال: هذا فقير ما أنعم الله عليه بشيء، فيكون هذا المظهر منبئًا عن أيش؟ عن أن الله لم ينعم على هذا الشخص.
طيب، بالفعل وهو الثالث: أن يقوم الإنسان بطاعة الله، إذا أنعم الله عليه بمال يتصدق منه، بعلم ينشره، بجاه يتوسط للناس ويشفع لهم، وما أشبه ذلك، هذا من الشكر بالفعل، وعلى هذا يقول الشاعر في كون الشكر يتعلق بالقلب واللسان والجوارح، أنشدناكم بيتًا فيما مضى؟
طالب: يقول:

أَفَادَتْكُمُ النَّعْمَاءُ مِنِّي ثَلَاثَةً يَدِي وَلِسَانِي وَالضَّمِيرَ الْمُحَجَّبَا
الشيخ: أحسنت
أَفَادَتْكُمُ النَّعْمَاءُ مِنِّي ثَلَاثَةً يَدِي وَلِسَانِي وَالضَّمِيرَ الْمُحَجَّبَا
وابن القيم ذكر أن الله يسّر له شيخ الإسلام ابن تيمية وأخبر أنه لا يستطيع أن يجزيه بأيش؟ بيده ولا لسانه، مرّت علينا هذه في النونية.
تفسير الآية (146)
00:22:51

ثم قال الله سبحانه وتعالى: وَكَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ [آل عمران: ١٤٦] إلى آخره.
أولًا: القراءات في هذه الآية كما يلي: وَكَأَيِّنْهذه واحدة، والثانية: {وَكَائِنْ مِنْ نَبِيٍّ} الثاني (نبي) فيها قراءتان: نَبِيو{نَبِيء} بالهمزة، الثالث: قَاتَلَفيها قراءتان: {قُتِلَ} و قَاتَلَوالذي معنا مصحف: قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ.
كَأَيِّنْالصحيح أنها كلمة غير مركبة، يعني بسيطة، البسيطة يعني عند النحويين يعنون بها غير المركب، فإذا قالوا: هذه كلمة بسيطة، يعني غير مركبة من كلمتين، فالصحيح أن كَأَيِّنْكلمة بسيطة غير مركبة، وقال بعضهم: إنها مركبة من الكاف؛ كاف التشبيه و(أي) الاستفهامية، ولكن الصحيح خلاف ذلك، الصحيح أنها كلمة بسيطة نطق بها العرب هكذا كما نطقوا بِـ(كَم)؛ وأن معنى كَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّمعناها: كم من نبي؛ فهي إذن للتكثير، وهي مبنية على السكون كَأَيِّنْ، أو {كائن} على اللغتين هي مبنية على سكون النون، أما محلها من الإعراب فهي مبتدأ، والجملة التي بعدها خبره.
وقوله: منْ نَبِيٍّجار ومجرور مميز لـ كَأَيِّنْ؛ مميز لـ(كأي)؛ لأن (كأي) من الألفاظ المبهمة، كَأَيِّنْمن الألفاظ المبهمة، والألفاظ المبهمة تحتاج إلى تمييز، من ذلك مثلًا ألفاظ العدد من الأشياء المبهمة، عندي عشرون؛ عشرون أيش؟ مبهمة تحتاج إلى تمييز، عشرون رجلًا، عشرون كتابًا، عشرون بيتًا، عشرون سيارة، وما أشبهها، كَأَيِّنْمن الألفاظ المبهمة التي تحتاج إلى تمييز، وتمييزها يأتي بعدها مجرورًا بـ(من) كَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ.
وقوله: قَاتَلَ مَعَهُيعني كثير من الأنبياء، هذا معنى كَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّكثير من الأنبياء، هذا معنى الكلمة.
وقوله: قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌكلمة قَاتَلَأو {قُتِل} اختلف المفسرون فيها؛ فبعضهم وقف عليها وقال في قراءته: {وَكَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ قُتِل} أو كَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ قَاتَلَ، ثم استأنف فقال: مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ، وتكون جملة مَعَهُ رِبِّيُّونَجملة مكوَّنة من مبتدأ وخبر؛ رِبِّيُّونَمبتدأ، ومَعَهُخبر مقدم، والجملة في موضع نصب على الحال من الضمير في {قُتِلَ} أو قَاتَلَ، يعني: قُتِلَ والحال أن معه ربيين كثيرًا، أو قاتل.
وقيل: إن قوله: وَكَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّجملة مستقلة يوقف عليها ثم يُستأنف فيقال: قُتِلَ معه ربيون كثير، يعني وكأين من نبي وُجِدَ وأُرسل وبُعث وأُيِّد بالآيات واتبعه الناس فقُتِل معه وفي صحبته ربيون كثير، وعلى هذا القول تكون رِبِّيُّونَأيش؟ نائب فاعل على قراءة {قُتِل} وفاعل على قراءة قَاتَلَ، ويكون: النبي هنا مقتولًا أو سالمًا على هذا التقدير الثاني؟
طلبة: سالمًا.
الشيخ: يكون سالمًا، أما على الأول فيكون مقتولًا.
طالب: بارك الله فيك يا شيخ، يذكر المؤرخون أن ثلاثة ملكوا الدنيا منهم ذو القرنين وغيره، ونحن قلنا إن الله سبحانه وتعالى ما يعطي لعباده إلا شيء يسير أو يعني شيئًا..؟
الشيخ: لا يعطيهم الدنيا كلها.
الطالب: وهذه المقالة.
الشيخ: هذا صحيح؛ لأن ذا القرنين ما ملك الدنيا كلها، ولكن يقال أنه من الذين ملكوا الدنيا حسب ما اطلع عليه الناس في ذلك الوقت، فإنه لم يصل إلى أمريكا، ما تجاوز البحر المحيط.
طالب: شيخ، هل فسّر أحد زيادة العمر بغير هذا التفسير؟
الشيخ: إي نعم، بعضهم ظنًّا منهم أنه ليس المراد امتداد الأجل، قالوا: إن المراد بذلك بركة العمر، يعني يبارَك له في عمره، أو يُنسأ له في أجله، أي يعني أن ذِكْره بعد موته يطول، والإنسان إذا ذُكِر بعد موته فكأنه حي، قال الله تعالى: أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ [الأنعام: ١٢٢]، المتنبي يقول:
ذِكْرُ الْفَتَى عُمْرُهُ الثَّانِي وَحَاجَتُهُ مَا قَاتَهُ......................
فيكون المراد بذلك أنه يُذكر بعد موته بخير، فهذه ثلاثة آراء: إما أن يكون المراد بذلك ذكره بعد وفاته بالخير، وإما أن يكون المراد بذلك البركة في عمره، والصحيح أنها الزيادة الفعلية في عمره، وأن المكتوب عند الله المعلوم عنده هو أن هذا الرجل سوف يصل رحمه ويمتد عمره.
طالب: شيخ، ذكر شيخ الإسلام أنه يقال للملك: يكتب له عند الملك أجلان، إن وصل رحمه فهو الثاني الأكبر، وإن لم يصل فالأصغر، هل عليه دليل؟
الشيخ: ليس عليه دليل، ليس عليه دليل إلا أن يدخله أحد في قوله تعالى: يَمْحُو اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ [الرعد: ٣٩]، ولكن مع ذلك لو ثبت هذا لكان هذا في كل شيء حتى في بسط الرزق، وحتى في النكاح الزواج، وحتى في المال وحتى في الجنة أيضًا.
الطالب: يقال للملك: اكتب له أجلان يعني؟
الشيخ: يعني لو صح هذا، لو صح لا ننكر شيء يحتمل هذا وهذا، يكون الملك قد قيل له ذلك، لكن هذا يحتاج إلى دليل.
طالب: شيخ أحسن الله إليك، إذا كان الإنسان يُكتب له كل شيء بحسب ما يفعله، المؤمن إذا دخل الجنة يقال له: «هَذَا مَقْعَدُكَ فِي الْجَنَّةِ، وَهَذَا مَقْعَدُكَ فِي النَّارِ لَوْ أَنَّكَ عَصَيْتَ اللهَ» ، فيعني هل يكون لكل إنسان مقعد خاص في الجنة ومقعد خاص في النار بحسب عمله أو أنه..؟
الشيخ: إي نعم، معلوم، وهو يُذَكَّر بهذا لأجل يعرف قدر نعمة الله عليه، يقال: هذا مقعدك، يعني لو كنت كافرًا، وهذا مقعدك حين كنت مؤمنًا، وقد حصل له، مثل ما لو قلت لشخص أكرمته: هذا مقامك أو هذا مكانك لو لم تكن بهذا الخلق النبيل.
طالب: لكن يا شيخ، الله علم بما يفعله، نقول: مثل العمر؟
الشيخ: نعم، الله علم لكن الإنسان ما علم، فيقال: هذا مقعدك لو عصيت الله؛ لأجل يفرح ويعرف فضل نعمة الله عليه.
طالب: يا شيخ، جزاكم الله خير، (...) ثلاث احتمالات: «يُنْسَأَ لَهُ فِي أَجَلِهِ» ، وذكرتم قاعدة سابقة: إذا كانت الآية تحتمل معاني ولا تعارض بينها أنا نحملها عليها، ثلاثة يعني نطلق المعنى؟
الشيخ: لا، بس هنا ما يحتمل المعنيين الآخرين، ما يحتملهما، لكن قد يجازى الإنسان ببركته بأن يبارك له في عمره جزاء لعمله، وهذا حتى في غير صلة الرحم، وقد يُذكر الإنسان بعد موته، كما نشاهد الآن ممن يُذكرون بعد موتهم من أهل العلم.
الطالب: (...).
الشيخ: لا، المعنى الأول هو الظاهر، (...).
طالب: أحسن الله إليك، (كأي) تأتي بمعنى (كم)؟
الشيخ: كم.
الطالب: فيكون تفسيرًا لها؟
الشيخ: تكون تكثيرية.
الطالب: أليس التفسير هنا بمعنى (كم)؟
الشيخ: نعم يصح.
الطالب: فسرناها بمعنى كثير.
الشيخ: إيه، و(كم) بمعنى كثير، وَكَمْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا [الأعراف: ٤].
طالب: عفا الله عنك، هل يدخل في هذه الآية أن الله عز وجل أهلك بعض الأمم كما فعل ببني إسرائيل ثم أحياهم بعد موتهم؟
الشيخ: مثل من؟
الطالب: مثل بني إسرائيل الذين قالوا ..
الشيخ: مثل من؟ بني إسرائيل (...) من يعقوب إلى يوم القيامة.
الطالب: الذين قالوا لموسى: أرنا الله جهرة، فأخذتهم الصاعقة وهم ينظرون؟
الشيخ: طيب، نعم هؤلاء أُحْيُوا لأن موسى دعا الله عز وجل، دعا الله سبحانه وتعالى أن يحييهم (...) من قومه رَبِّ لَوْ شِئْتَ أَهْلَكْتَهُمْ مِنْ قَبْلُ وَإِيَّايَ [الأعراف: ١٥٥].
الطالب: بس كُتب لهم كتاب (...)؟
الشيخ: كُتب لهم موت ثم حياة من الأصل، لكن هذه الحياة ليست بفعلهم ولا بعملهم، إنما هي من أجل دعاء موسى عليه الصلاة والسلام استجاب الله له.
طالب: بس قد يتعارض مع حديث ..؟
الشيخ: لا، ما يتعارض؛ لأن هذا مكتوب عند الله هكذا، هذه الحال التي وقعت مكتوبة عند الله هكذا، هم أُمِيتُوا عقوبة لهم على فعلهم حين قالوا: أرنا الله جهرة، وهم يسمعون كلام الله، فقالوا: لن نؤمن لك حتى نرى الله جهرة، وهذا ليس إليهم، فعوقبوا بالموت، صُعِقُوا، ثم إن موسى عليه الصلاة والسلام دعا ربه فأحياهم.
طالب: أليس في حديث والد جابر الذي قال أنه كلمه الله كفاحًا، قال: «إِنِّي قَضَيْتُ أَنَّهُمْ إِلَيْهَا لَا يُرْجَعُونَ» يعني يتعارض معها؟
الشيخ: ما يتعارض - بارك الله فيك - ما يتعارض.
الطالب: كيف يا شيخ؟
الشيخ: والسبب في هذا كما قلت لك: إن هؤلاء أُحْيُوا لا لأجل أن يُنَعَّموا، لكن من أجل درء المفسدة التي تكون على موسى، وهات أيضًا هات كل الآية التي تشير إليه كلها جاءت لسبب الَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَهُمْ أُلُوفٌ حَذَرَ الْمَوْتِ [البقرة: ٢٤٣] أماتهم الله لأجل أن يعرفوا أنه لا مفرّ من الله إلا إليه، والذي مر على قرية أكرمه الله بأن أماته ثم بعثه، قضية معينة.

***

أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله تبارك وتعالى: وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ كِتَابًا مُؤَجَّلًاما المراد بهذه الآية؟
طالب: المراد (...) أي امتنع غاية الامتناع ..
الشيخ: لا ما هو معناها، قصدي ما الغرض منها؟
طالب: تسلية لصحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم حين أُشِيع أن النبي صلى الله عليه وسلم قد قتل، فالله عز وجل قال أنه لن يموت إلا بعد أن ينتهي أجله.
الشيخ: أحسنت بارك الله فيك.
قوله عز وجل: إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِالمراد بالإذن هنا؟
طالب: إذن كوني يا شيخ.
الشيخ: الإذن الكوني، إذَن على حسب ما يفهم من كلامك أن الإذن ينقسم إلى كوني وغير كوني، ما هو الثاني؟
الطالب: إذْن شرعي.
الشيخ: إذن شرعي، ما الفرق بينهما؟
الطالب: الإذن الكوني لا بد أن يقع.
الشيخ: نعم، يعني ما أذن الله به كونًا فلا بد أن يقع بخلاف؟
الطالب: الإذن الشرعي.
الشيخ: هذا واحد، ما فيه فرق ثاني؟
طالب: الإذن الكوني قد يكون محبوبًا إلى الله عز وجل وقد لا يكون محبوبًا.
الشيخ: نعم.
الطالب: وأما الشرعي فهو محبوب إلى الله عز وجل.
الشيخ: فلا يأذن الله إلا بما يحب، تمام.
طالب: أن الإذن الكوني والشرعي يجتمعان في حق المطيع و..
الشيخ: لا، ما هي مهمة، هذه نسبة، طيب، هل لك أن تأتي بمثال للإذن الشرعي؟
طالب: شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ [الشورى: ٢١].
الشيخ: نعم هذا في النفي.
الطالب: أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ.
الشيخ: هذا في النفي، والإثبات؟
طالب: والإثبات وَأَذَانٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى النَّاسِ [التوبة: ٣].
الشيخ: لا.
الطالب: (...) الإذن الشرعي.
الشيخ: إي، هذا الذي ذكرت نفي الإذن الشرعي، فنريد إثبات الإذن الشرعي.
طالب: قول الله تعالى: قُلْ آللَّهُ أَذِنَ لَكُمْ أَمْ عَلَى اللَّهِ تَفْتَرُونَ [يونس: ٥٩].
الشيخ: قُلْ آللَّهُ أَذِنَ لَكُمْ أَمْ عَلَى اللَّهِ تَفْتَرُونَأحسنت، الإذن الكوني مثل؟
طالب: قول أخو يوسف: فَلَنْ أَبْرَحَ الْأَرْضَ حَتَّى يَأْذَنَ لِي أَبِي أَوْ يَحْكُمَ اللَّهُ لِي [يوسف: ٨٠].
الشيخ: لا هذا الحكم الكوني، نحن نريد الإذن الكوني.
طالب: وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ.
الشيخ: وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ، هذا إذن كوني، صحيح.
قوله: وَمَنْ يُرِدْ ثَوَابَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا، هل هذه الآية على إطلاقها أم مقيدة؟
طالب: مقيدة.
الشيخ: مقيدة بماذا؟
الطالب: مقيدة بمشيئة الله، فلا يعطى الدنيا كلها إذا كان طالبها، إنما يعطى ما أراد الله؛ لقوله تعالى: نُؤْتِهِ مِنْهَا.
الشيخ: إيه، هذا ظاهر الآية أن الذي يريد ثواب الدنيا لا بد أن يؤتيه الله تعالى منها؛ لأن جواب الشرط واقع إذا وُجِد فعل الشرط.
الطالب: يعطيه منها ولا يعطيه كلها.
الشيخ: نعم.
طالب: مقيدة بأن لا يأخذ ثواب الدنيا كلها وإنما بعضها.
الشيخ: هذا معروف من اللفظ نُؤْتِهِ مِنْهَا، لكن هل هو يؤتى من الدنيا ولو بعضًا إذا أراد ثواب الدنيا ولّا قد يُحرم من الدنيا كلها؟
الطالب: يؤتى منها (...).
طالب: مقيدة بآية الإسراء.
الشيخ: وهي؟
الطالب: مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ [هود: ١٥].
الشيخ: ما هي (...).
طالب: قوله تعالى في سورة الإسراء: مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاءُ لِمَنْ نُرِيدُ [الإسراء: ١٨].
الشيخ: أحسنت، مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاءُلا ما يريد هو، لِمَنْ نُرِيدُ، أحسنت، طيب قوله: وَسَنَجْزِي الشَّاكِرِينَخُتمت بها الآية إشارةً؟
طالب: إشارة إلى أن من يرد ثواب الآخرة فهو من الشاكرين.
الشيخ: نعم، وسيعطَى أكثر مما أراد؛ لأن الله قال: وَسَنَجْزِي الشَّاكِرِينَ، أحسنت.
قال الله تعالى: وَكَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ قَاتَلَذكرنا فيها قَاتَلَقراءتان.
طالب: قَاتَلَو{قُتِل}.
الشيخ: قَاتَلَو{قُتِل} أحسنت.
الشيخ: قوله: قَاتَلَأو {قُتِل} والفرق بينهما ظاهر.
بسم الله الرحمن الرحيم: وَكَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ قَاتَلَأي: قاتل أعداءه ولم يُقتل، وكأين من نبي قُتِل ولو لم يقاتِل، فقوله: {قُتِل} يعني سواء في مقاتلة أو في غير مقاتلة، وقوله: قَاتَلَأي: سواء قُتل أم لم يُقتل، يعني: ما أكثر الأنبياء الذين قاتلوا، وما أكثر الأنبياء - على القراءة الثانية - الذين قُتِلُوا.
وقوله: مَعَهُ رِبِّيُّونَ، (مع) ظرف وهي خبر مقدم، ورِبِّيُّونَمبتدأ مؤخر، على تقدير أن الضمير في قَاتَلَأو {قُتِل} يعود على النبي، وَكَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ {قُتِل} أو قَاتَلَ، لكن فيه وجه آخر يقول: إن رِبِّيُّونَفاعل قَاتَلَ، أو نائب الفاعل على قراءة {قُتِل}، وبناء على هذا يختلف الإعراب، فتكون (مع) ظرف مكان متعلقة بـقَاتَلَ، أو بـ{قُتِل}، ويكون رِبِّيُّونَفاعل على قراءة قَاتَلَ، ونائب فاعل على قراءة {قُتِل}، وعلى هذا التقدير يكون القتال أو القتل واقعًا على الربيين وليس على أيش؟ على النبي، ويختلف الحكم بالنسبة للصحابة، فإذا كان قَاتَلَأو {قُتِل} فيه ضمير يعود على نَبِيٍّصار فيه تسلية للصحابة، تسلية للصحابة أن الأنبياء قد قُتِلوا قبل محمد وقاتَلوا، وعلى الاحتمال الثاني؛ أن رِبِّيُّونَفاعل أو نائب فاعل يكون فيها إشارة إلى أن الصحابة لم يكن الابتلاء بالقتال أو القتل خاصًّا فيهم، بل هو سابق في الأمم المتقدمين، فيكون المراد من الآية شيء من التوبيخ واللوم للصحابة الذين جزعوا لما أصابهم في أُحُد، ولهذا قال: فَمَا وَهَنُوا لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَمَا ضَعُفُواإلى آخره، واضح يا جماعة الآن؟ هذا من حيث تركيب الجملة.
أما من حيث الإفراد فقوله: مِنْ نَبِيٍّ، المراد بالنبي من أوحي إليه بالشرع ولم يؤمر بتبليغه، ولكن لم ترد كلمة (نبي) في القرآن إلا مرادًا بها الرسول؛ لأن النبي الذي لم يكلَّف بالرسالة لم يُذكر في القرآن بلفظ نبي، ليس في القرآن لفظ (نبي) إلا ويراد به الرسول، إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَوْحَيْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ [النساء: ١٦٣] إلى آخره، ونوح من المعلوم أنه من الرسل، بل هو من أولي العزم من الرسل؛ وعلى هذا فالقاعدة؟
طالب: أن النبي من أوحي إليه بشرع ولم يؤمر بتبليغه.
الشيخ: هذا القاعدة، الجماعة يخالفونك.
الطالب: القاعدة أن ما ذُكِر عن النبي في القرآن يعتبر رسل.
الشيخ: على كل حال النبي عند أهل العلم من أوحي إليه بشرع ولم يؤمر بتبليغه، والرسول من أوحي إليه بشرع وأُمِر بتبليغه، ولهذا سمي الرسول رسولًا من الرسالة، ولكن كل ما ذُكِر في القرآن من الأنبياء فهو رسول.
أشكل على بعض الناس قال: كيف يوحى إليه بالشرع ولا يؤمر بالتبليغ؟ ولكن هذا في الحقيقة ليس محل إشكال؛ لأنه يمكن الجواب عنه بأنه أوحي إليه بالشرع ليتعبد به، ويكون هذا من باب التذكير له إذا كان نبيًّا بعد الرسل، ومن باب البيان له إذا كان نبيًّا لم يُسبق بالرسل، مثال الثاني: آدم، فإن آدم نبي ولم يُسبق برسل، ومثال الأول: ما وُجد من أنبياء بني إسرائيل الذين ليس لهم أتباع ولم يؤمروا بالتبليغ، فيكون إنباء الله لهم من باب التفضل عليهم بذكر الشريعة السابقة وإحيائها، وإن كانوا لم يُلزموا أن يبلّغوا الناس، وبهذا يزول الإشكال فيمكن أن الله ينبّئ أحدًا ولا يأمره ولا يكلفه بالإبلاغ.
وقوله: قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ، قَاتَلَأو {قُتِل}، المقاتلة مفاعلة تقتضي وجود مدافعة بالقتل من الجانبين، وهي أعم من القتل، ولهذا قد تجوز المقاتلة ولا يجوز القتل، فالذين لا يؤذّنون، لو وجدنا قرية لا يؤذنون مثلًا، فإنه يجب قتالهم ولكن لا يجوز قتلُهم، يعني أننا إذا قدرنا على المعين ما نقتله، ولكن نقاتلهم حتى يؤذّنوا مثلًا، لو وجدنا قرية لا يصلون العيد فإنه يجب علينا قتالهم حتى يصلوا العيد، ولكن لا يجوز قتلهم، فالقتل أخص من القتال، بمعنى أنه يمكن أن يجوز القتال لقوم ولا يجوز قتلهم، ومن ذلك على رأي بعض العلماء الرجل الذي يريد المرور بين يديك أو بينك وبين سُترتك فتدافعه فيأبى، فقد قال النبي عليه الصلاة والسلام: «فَإِنْ أَبَى فَلْيُقَاتِلْهُ» ، ولكن لا يجوز أن يقتله، والفرق ظاهر؛ لأننا لو قلنا: إنه يجوز أن يقتله لجاز لهذا المصلي أن يضرب هذا الذي أراد المرور في مكان مُميت ويسقط ميتًا، ولكن هذا ليس بجائز، وإنما يقاتله مقاتلة دفاع، فإذا اندفع كفّ عنه.
وقوله: رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ، رِبِّيُّونَقال بعضهم: إن الربيين نسبة إلى الرب، ولكن كُسرت الراء؛ لأنها تغيرت عند النسب، وكم من حركة تغيرت عند النسب، مثلًا بنو أمية نقول فيهم: الأُمويين أو الأَمويين؟ الأَمويين، فيختلف الحرف عند وجود النسبة، فالرِّبيون أصلها رَبيون من الرَّب أو من التربية، وهي مفتوحة الراء، ولكنها لما تحولت إلى نسبة كُسرت الراء، وعلى هذا فالرِّبيون هم الذين قاموا بعبادة الرَّب فنالوا منه سبحانه وتعالى تربية خاصة، ونظير ذلك قول العلماء: هذا عالم رَباني، نسبة إلى أيش؟ إلى الرَّب والتربية، وقيل: إنها مضافة إلى (رِبَّة) بالكسر، يعني منسوبة إلى (رِبّة) وهي الطائفة، فيكون المعنى: معه طوائف كثيرون، رِبِّيُّونَ كَثِيرٌأي: طوائف كثيرون، وعلى كل حال فالله تعالى يبين أن كثيرًا من الأنبياء قاتلوا أو قُتِلُوا ومعهم رِبيون كثير، أو كثير من الأنبياء قاتل معه رِبيون أو قُتِل معه رِبيون.
وقوله: كَثِيرٌصفة لـرِبِّيُّونَ، وهي لا تقتضي الأكثر، لا تقتضي الأكثر، يعني مثلًا إذا كان عندنا مئة وسلِم منهم خمسون نقول: هؤلاء كثير، سلم منهم عشرون نقول: هذا كثير، سلِم منهم ستون نقول: هذا كثير، لكن ما قبل الخمسين لا نقول فيها أكثر، وإنما نقول: أكثر، فيما تجاوز النصف، المهم أن كَثِيرٌهنا يعني طوائف كثيرة قاتلوا أو قُتِلُوا.
فَمَا وَهَنُوا لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِأي ما جبنوا من أجل ما أصابهم في سبيل الله؛ بل لم يزدهم ما أصابهم في سبيل الله إلا شجاعة وإقدامًا؛ لأن عندهم من الإيمان ما يدفعهم إلى ما يصيبهم في سبيل الله، كما أن من طبيعة البشر أن الإنسان إذا اعتُدِي عليه احتمى، احتمى أو حَمِي وزاد إقدامًا، فكذلك هؤلاء ما جبُنوا لما أصابهم ما أصابهم في سبيل الله.
وقوله: فِي سَبِيلِ اللَّهِأي: في طريقه وشريعته؛ لأنهم مؤمنون بأن كل ما أصابهم فهو على خير، ولما دَمِيت أصبع النبي صلى الله عليه وسلم في إحدى الغزوات قال:
«هَلْ أَنْتِ إِلَّا إِصْبَعٌ دَمِيتِ وَفِي سَبِيلِ اللهِ مَا لَقِيتِ»
وَمَا ضَعُفُواأي: ما ضعفت عزيمتهم، حتى لو قُتل الكثير منهم فإنها لا تضعف عزيمتهم، خلافًا لمن كان عنده جبن فإنه تضعف عزيمته إذا قُتل أحد من قومه.
وَمَا اسْتَكَانُوامن الاستكانة وهي الذل، أي: ما ذلّوا لعدوهم مع أنه قُتل منهم كثير، لكن كانوا على عزة؛ لأن الذي يعلم أن من قُتل من قومه فهو في سبيل الله لا يهتم؛ إذ إنه مؤمن بأنه لو قُتل هو لكان مقتولًا في سبيل الله، فلا يذل لأعداء الله.
وَمَا اسْتَكَانُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ: يحب الصابرين الذين يصبرون على كل ما يجب الصبر عليه، والصبر يقولون: إنه ثلاثة أقسام.
طالب: صبر على طاعة الله، وصبر عن معصية الله، وصبر على أقدار الله المؤلمة.
الشيخ: نعم، هذا هو، صبر على طاعة الله، يعني أن الإنسان يصبر نفسه على الطاعة ولا يضجر منها ولا يدعها، صبر عن معصية الله؛ يصبر الإنسان نفسَه عن المعصية فلا يقدم عليها، صبر على أقدار الله المؤلمة فلا يتسخط لما يقضيه الله عليه من الأشياء المؤلمة.
في هذه الآية الكريمة فوائد:
من فوائد الآية الكريمة: أن الله سبحانه وتعالى له عناية خاصة بهذه الأمة، حيث يسليهم بما حصل للأمم السابقة؛ لقوله: {وَكَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ قُتِل} على قراءة الوقف.
ومن فوائدها: أن الجهاد مشروع في غير هذه الأمة؛ لقوله: قَاتَلَ، والقتال من الأنبياء وأتباعهم لا يكون إلا عن جهاد، وهو كذلك.
ومن فوائد هذه الآية الكريمة: الثناء على من سبق ممن يستحق الثناء، ولهذا قال: فَمَا وَهَنُواإلى آخره.
ومن فوائدها: أن من طرق التشجيع على الشيء والإغراء به أن يُذكر للإنسان سلف يقتدي به ويتشجع للحاق به؛ لقوله: فَمَا وَهَنُوا لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِإلى آخره.
ومن فوائد هذه الآية الكريمة: الإشارة إلى انحطاط مرتبة الذين يذلّون لأعداء الله، من أين تؤخذ؟ من قوله: وَمَا اسْتَكَانُوا، وذلك أن الإنسان المؤمن يجب أن يكون أشم كالطود العظيم بالنسبة لأعداء الله، حتى إنه يجوز للإنسان الخيلاء وجر الثوب في مقابلة الأعداء، كما قال النبي عليه الصلاة والسلام: «إِنَّهَا لَمِشْيَةٌ يُبْغِضُهَا اللهُ إِلَّا فِي هَذَا الْمَوْطِنِ» ، حتى إن بعض العلماء قال: يجوز للجيش الإسلامي أن يصبغ بالسواد رأسه ولحيته أمام الأعداء من أجل إرهابهم؛ لأنهم يظنون أن المقابل لهم شباب، على كل حال سواء قلنا بهذا القول أم لم نقل ينبغي للإنسان أن لا يذل أمام عدوه، بل أن يُظهر العزة له بالقول وبالفعل؛ لأن إذلال الكافرين محبوب إلى الله، قال الله تبارك وتعالى في وصف النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه: مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ [الفتح: ٢٩]، وقال الله تعالى: وَلَا يَطَئُونَ مَوْطِئًا يَغِيظُ الْكُفَّارَ وَلَا يَنَالُونَ مِنْ عَدُوٍّ نَيْلًا إِلَّا كُتِبَ لَهُمْ بِهِ عَمَلٌ صَالِحٌ [التوبة: ١٢٠] فكل شيء تغيظ به الكفار فهو قربة لك عند الله، كل شيء تنال به الكفار من أذى أو قتل أو غير ذلك فإنه قربة يقربك إلى الله عز وجل، إلا إذا كان بيننا وبينهم عهد فإن الواجب الوفاء في عهدهم؛ لقول الله تعالى: فَمَا اسْتَقَامُوا لَكُمْ فَاسْتَقِيمُوا لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ [التوبة: ٧].
ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات المحبة لله؛ لقوله: وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ، والمحبة صفة من صفات الله تعالى المتعلقة بمشيئته، فهي من الصفات الفعلية؛ لأنها تتعلق بالمشيئة، ووجه كونها تتعلق بالمشيئة أنها مربوطة بسبب، وكل صفة مربوطة أو معلقة بسبب فإنها من الصفات الفعلية، وبناء على هذه القاعدة المفيدة نقول: الرضا؟
طلبة: من الصفات الفعلية.
الشيخ: فعلية لأيش؟
طلبة: مربوط بسبب.
الشيخ: إي، مربوط بسبب، الفرح، الضحك، وهكذا، كل صفة معلقة بسبب أو مربوطة به فإنها من الصفات الفعلية، وهل الله يُحَب؟ نعم يُحَب، ولا ألذ للإنسان من محبة الله من كونه يحب الله عز وجل، ولذلك إذا قمت تصلي وأنت صافي القلب بعيدًا عن الدنيا مقبلًا على الله تجد في هذه الصلاة محبة لله ولذة عظيمة تنسيك الدنيا كلها؛ لأنك لا تجد شيئًا ألذ من محبة الله سبحانه وتعالى، ومر علينا كثيرًا - ولا حاجة إلى التكرار- أن أهل التعطيل ينكرون حقيقة المحبة، ويقولون: إن المراد بالمحبة أيش؟ الإثابة أو إرادة الإثابة، يعني الشيء المخلوق المنفصل عن الله وهو الثواب أو الإرادة، فمعنى يُحِبُّ الصَّابِرِينَ- على قولهم- أي: يثيبهم أو يريد أن يثيبهم.
ومن فوائد الآية الكريمة: الحث على الصبر؛ لقوله: وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ؛ لأننا لا نعلم فائدة أجلّ وأعظم من الحث على الصبر في مثل هذا التعبير.
ثم قال الله تعالى: وَمَا كَانَ قَوْلَهُمْ إِلَّا أَنْ قَالُوا رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَإِسْرَافَنَا فِي أَمْرِنَا [آل عمران: ١٤٧].
طالب: قراءة رِبِّيُّونَالقراءة الثانية؟
الشيخ: نعم، ما هو قراءة، قلنا: إنها مشتقة من الرَّب أو من الرِّبة فقط، أما القراءة ما فيها إلا قراءة واحدة، لكن قَاتَلَهي اللي فيها قراءتان.
طالب: ما تجي من (...) رِبّ ربانيون؟
الشيخ: لا ما جاءت ما جاءت.
تفسير الآية (147)
01:03:07

ثم قال تعالى: وَمَا كَانَ قَوْلَهُمْ إِلَّا أَنْ قَالُوا رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَاإلى آخره، فنسأل لماذا صار اسم (كان) منصوبًا؟
طالب: لأن بطل عملها كان.
الشيخ: فإذا بطل عملها نُصِب اسمها! يقتضي إذا بطل عملها أن يُرفع على المبتدأ؛ لأن الأصل أنه مرفوع؟
الطالب: ما هو اسمها هذا خبرها.
الشيخ: وَمَا كَانَ قَوْلَهُمْ.
الطالب: هذه تامة.
الشيخ: وإذا كانت تامة وجب نصب اسمها!
الطالب: لا، هنا يا شيخ ناقصة.
الشيخ: ناقصة، طيب إذا كانت ناقصة فهي ترفع المبتدأ وتنصب الخبر.
الطالب: الله أعلم.
الشيخ: الله أعلم، جزاك الله خيرًا.
طالب: خبر كان مقدم هذا (قولَهم).
الشيخ: خبر كان مقدم؟
الطالب: إي نعم.
الشيخ: وين اسمها؟
الطالب: المصدر المؤول أَنْ قَالُوا.
الشيخ: (أن) وما دخلت عليه في تأويل مصدر؟ إيه إذن وما كان قولَهم إلا قولُهم ربنا اغفر لنا ذنوبنا، واضح؟ هل يجوز أن يقدم خبر (كان) على اسمها؟
طالب: يجوز.
الشيخ: يجوز أن يقدم خبر كان على اسمها، عندك شاهد لذلك؟
الطالب: نعم، قوله: وَمَا كَانَ قَوْلَهُمْ.
الشيخ: أنا قلت: عندك شاهد، معناه أن اللي معنا هو الأصل، نبغي شاهدًا له؟
الطالب: (...).
الشيخ: إي نعم.
طالب: قول ابن مالك:
................. ......كَكَانَ سَيِّدًا عُمَرْ
الشيخ: هذا ما هو شاهد؛ لأن علماء النحو ما يُستشهد بأقوالهم.
طالب: (...) لكن الأصل يا شيخ (...).
الشيخ: (...) إذا جاءنا شاهد من كلام العرب أو من القرآن الكريم أو من نبي.
طالب: قوله: كَانَ بِعِبَادِهِ خَبِيرًا [الإسراء: ٣٠] بِعِبَادِهِجار ومجرور خبر، خَبِيرًا..
الشيخ: لا، الخبير ما هو الخبر، ما يستقيم.
طالب: (...) أصلهما المبتدأ والخبر، والمبتدأ والخبر يجوز تقديم الخبر فيه على المبتدأ.
الشيخ: بس مو شاهد.
طالب: قوله: وَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلَّا أَنْ قَالُوا [الأعراف: ٨٢].
الشيخ: إِلَّا أَنْ قَالُوايكفي، طيب، هذا قُدِّم الاسم على الخبر.
طالب: وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ [الروم: ٤٧].
الشيخ: نعم وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ، هذا في القرآن، في اللغة العربية:
................. فَلَيْسَ سَوَاءً عَالِمٌ وَجَهُولُ
طالب: شيخ أحسن الله إليك، ذكرنا أن سبب الكسر في رِبِّيُّونَهو النسبة.
الشيخ: إنه بالنسب تغير بالنسب.
طالب: إيه، أحسن الله إليك، ما يعكر على هذا قول الله عز وجل: وَلَكِنْ كُونُوا رَبَّانِيِّينَ بِمَا كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ [آل عمران: ٧٩] هنا (...) معناها (...)؟
الشيخ: إي نعم بس مختلفة، وَلَكِنْ كُونُوا رَبَّانِيِّينَهنا المراد بها علماء ربانيون، أما هذه المراد بهم المجاهدون نسبة إلى التربية.
الطالب: لكن علماء ربانيين أليسوا منسوبين إلى التربية كالمجاهدين؟
الشيخ: وإلى الرب أيضًا، وإلى الرب، لكن ليس المراد المجاهدين.
الطالب: لكن هل هذا يؤثر؟
الشيخ: ربما هذا التأثير، ولّا اللي ذكرت لا شك أنها تَرِد على هذا.
طالب: شيخ أحسن الله إليكم، بالنسبة للذين أجازوا لأصحاب الجيش أن يصبغوا لحاهم بالسواد ألا يكون هذا استحسانًا في مقابل نص لم يجز (...)؟
الشيخ: ويش تقولون في هذا؟ يقول: الذين أجازوا صبغ الشيب بالسواد في قتال الأعداء أليس هذا استحسانًا في مقابلة النص؟
طالب: عندنا نص (...).
الشيخ: ما هو؟
الطالب: «إِنَّ هَذِهِ لَمِشْيَةٌ يُبْغِضُهَا اللهُ».
الشيخ: الخيلاء؟ إيه.
طالب: هذا نص.
الشيخ: أيهم؟
الطالب: قول الرسول: «هَذِهِ مِشْيَةٌ» هذا نص.
الشيخ: إيه لا بأس، الخيلاء لا بأس جائزة في الحرب، لكن صبغ الشيب بالسواد؟
طالب: (...) العلة يا شيخ.
طالب: الظاهر يا شيخ أحسن الله إليك أن الاستصحاب فعلًا في مقابلة النص فلا يصح هذا القول؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن تغيير الشيب بالسواد.
الشيخ: نعم الأقرب عندي هو هذا، أنه استحسان في مقابلة النص، وكم من شيخ كان أشد بأسًا من الشاب، إي نعم.
طالب: شيخ، أحسن الله إليك، بالنسبة لـ وَكَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ(...)؟
الشيخ: هذا تمنعه الآية.
الطالب: أقصد (...).
الشيخ: إيه (...) إحنا نقول: ما دام الآية فيها احتمال فأين الدليل على أنه ما من نبي أُمِر بالجهاد فقُتِل؟ قد يُقتل وهو مأمور بالجهاد.
طالب: عفا الله عنكم، فيه أنبياء ما أُمِرُوا بالتبليغ ولما هذه فيها أُمِروا بالتبليغ (...)، عندي مشكلة، قال الله سبحانه وتعالى: كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ [آل عمران: ١١٠] وقال الرسول صلى الله عليه وسلم (...) الأمة على التبليغ.
الشيخ: أيش هو السؤال؟
الطالب: السؤال أن الأمة هذه أمة محمد صلى الله عليه وسلم (...) أمروا بتبليغ (...)؟
الشيخ: إي نعم؛ لأن العلماء في هذه الأمة هم ورثة النبي عليه الصلاة والسلام، ولهذا قال تعالى: وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ [الأحزاب: ٤٠] ولم يقل: وخاتم الرسل، إشارة إلى أنه ما فيه نبي في هذه الأمة.

***

أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله وتعالى: وَمَا كَانَ قَوْلَهُمْ إِلَّا أَنْ قَالُوا رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَإِسْرَافَنَا فِي أَمْرِنَا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ.
لما ذكر الله سبحانه تعالى حسن فعل هؤلاء الرِّبيون الذين قاتلوا مع الأنبياء وقُتِلوا، وأنهم ما وهنوا لما أصابهم في سبيل الله وما ضعفوا وما استكانوا، وهذا حُسْن فِعل، ذَكَر حُسن قولهم فقال: وَمَا كَانَ قَوْلَهُمْ إِلَّا أَنْ قَالُوا، وهذه الجملة مفيدة للحصر، يعني حصرت أقوالهم عند هذه المصائب أنهم سألوا الله المغفرة، مغفرة الذنوب والإسراف، وسألوه الثبات، وذلك لأن ما أصابهم إنما أصابهم بالذنوب كما قال الله تعالى: أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّى هَذَا قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ [آل عمران: ١٦٥]، إذن علاقة هذه الآية بما قبلها أنه لما ذكر حسن فعالهم ذكر حسن مقالهم.
قوله: وَمَا كَانَ قَوْلَهُمْ إِلَّا أَنْ قَالُوامن حيث الإعراب يقول المعربون: إن (قول) خبر (كان) مقدمًا، و(أن) وما دخلت عليه في أَنْ قَالُوااسمها مؤخرًا، وعلى هذا فهو من باب تقديم خبر (كان)؛ وخبر (كان) يكون جائز التقديم وواجب التقديم وممتنع التقديم حسب السياق، فإذا كان الخبر مما له الصدارة كاسم الاستفهام مثلًا واسم الشرط كان واجب التقديم، كما تقول: أين كان زيد؟ وإذا كان في الاسم ضمير يعود على الخبر فقد يكون واجب التقديم أيضًا، والأصل هو جواز التقديم والتأخير، هذا الأصل، لكن قد يجب التقديم أحيانًا وقد يؤخر، فهنا قدمه جوازًا أو وجوبًا؟
طلبة: جوازًا.
الشيخ: على كل حال بحسب التلاوة هو وجوبًا؛ لأنه لا يجوز أن نغير كلام الله، لكن لو كان في غير القرآن لكان جوازًا، وَمَا كَانَ قَوْلَهُمْيعني عند حدوث القتل، إِلَّا أَنْ قَالُوا رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا، إِلَّا أَنْ قَالُواالضمير يعود على الباقين منهم الذين لم يُقْتَلوا؛ لأن الذين قُتِلوا لا يمكن أن يقولوا هذا، رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا، رَبَّنَايعني: يا ربنا؛ فهو منادى حذفت منه ياء النداء تخفيفًا، وتيمنًا بالبداءة باسم الله، فحذف ياء النداء هنا له وجهان؛ الأول: التخفيف، والثاني: أيش؟ التيمن بالبداءة باسم الله، إِلَّا أَنْ قَالُوا رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا، رَبَّنَانادوا الله تعالى عند الدعاء باسم الربوبية؛ لأن الربوبية هي التي فيها التصرف، وإجابة الدعاء من باب الربوبية أو الألوهية؟ من باب الربوبية، تتوسل باسم الله الذي يناسب ما يطلبونه وهو إجابة الدعاء، إِلَّا أَنْ قَالُوا رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا، اغْفِرْيعني: استر وتجاوز؛ لأنه مأخوذ من المغفر وهو ما يقي به المقاتل رأسه من السهام، وفيه - أي في المغفر- الستر والوقاية، ولهذا لو أن الله سبحانه وتعالى هتك ستر المذنب لم تكن المغفرة التامة، ولو عذّبه به وأخفاه عن الناس لم تكن المغفرة التامة؛ فإذا ستره وعفا عنه صارت المغفرة تامة، رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَاأصل الذَّنوب يطلق على معان متعددة منها النصيب، كما قال تعالى: فَإِنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا ذَنُوبًا مِثْلَ ذَنُوبِ أَصْحَابِهِمْ [الذاريات: ٥٩] أي: نصيبًا، ومنه سمي ذَنوب الماء أي الدلو؛ لأنه شيء مقدر من الماء، ويطلق الذَّنب على الإثم؛ لأنه نصيب العامل، فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ (٧) وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ [الزلزلة: ٧، ٨] فهذه المادة الذال والنون والباء تدور حول هذا المعنى.
ذُنُوبَنَا وَإِسْرَافَنَا فِي أَمْرِنَا، الإسراف مجاوزة الحد، ومجاوزة الحد هي إما في غلو وإما في تقصير؛ أما مجاوزة الحد في الغلو فظاهر، وأما في التقصير فلأن المطلوب من المكلف أن لا يتعدى حدود الله تجاوزًا ولا يقربها أيضًا، فإذا كان الإنسان فاعلًا للمحرم فهو مسرف؛ لأنه تجاوز حد العبودية؛ إذ مقتضى العبودية أن يكون مجتنبًا لما حرم الله، وإذا فرط في الواجب كان مسرفًا أيضًا فيما تقتضيه العبودية؛ لأن مقتضى العبودية أن يكون قائمًا بالواجب، فالإنسان قد يسرف في الواجب وفي المحرم وفي المباح أيضًا، كما لو أسرف في الإنفاق على نفسه وعلى أهله فإنه داخل في الإسراف.
وقوله: وَإِسْرَافَنَا فِي أَمْرِنَاالمراد بالأمر هنا الشأن، أي: في شأننا، وهو مفرد مضاف فيعم جميع الأمور.
وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَاثبت أقدامنا متى؟ عند ملاقاة الأعداء، وعند حلول الشبهات، وعند ورود الشهوات، فالإنسان محتاج إلى أن يثبته الله في مواطن القتال؛ إذ لو لم يثبته الله أيش؟ لفرّ، محتاج إلى أن يثبته الله عند الشبهات؛ إذ لو لم يثبته الله لزاغ، محتاج إلى أن يثبته الله عند الشهوات؛ إذ لو لم يثبته الله لهلك، وكثير من الناس ينزلقون عند وجود الشبهات، فتجده ذا يقين ولكنه إذا وردت عليه أدنى شبهة تأثر؛ لأنه لم يُثَبَّت، كثير من الناس أيضًا يكون عنده علم ويقين وليس عنده شك ولكن الشهوة قد تغلبه قد تغلبه فلا يثبّت، فتثبيت الأقدام في كل موضع يمكن أن تزلّ فيه، فيدخل في ذلك كما قلت تثبيت الأقدام عند القتال كما هو سياق الآيات، وتثبيت الأقدام عند الشبهات، وتثبيت الأقدام عند الشهوات.
وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ، انْصُرْنَايعني اجعل النصر لنا وهو الغلبة، عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَيعني الكافرين بالله، فيدخل في ذلك أن ينصرك الله عز وجل على نفسك؛ لأن نفسك إن لم ينصرك الله عليها فإنها تأمرك بالسوء، وَمَا أُبَرِّئُ نَفْسِي إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ [يوسف: ٥٣] ، وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا [الأحزاب: ٧٢]، فإذا لم ينصرك الله عليها أهلكتك، وإذا نصرك الله عليها وجعل الغلبة للنفس المطمئنة سلمت منها، ويدخل في النصر على القوم الكافرين النصر على الشيطان، فإن الشيطان كافر، قال الله تعالى: إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَى وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ [البقرة: ٣٤]، ويدخل في ذلك النصر على كفار الإنس، وذلك حين قتالهم، فإن الإنسان إذا لم ينصره الله عليهم فإنه لا ناصر له، كما قال الله تعالى: إِنْ يَنْصُرْكُمُ اللَّهُ فَلَا غَالِبَ لَكُمْ وَإِنْ يَخْذُلْكُمْ فَمَنْ ذَا الَّذِي يَنْصُرُكُمْ مِنْ بَعْدِهِ [آل عمران: ١٦٠].
في هذه الآية من الفوائد: أن هؤلاء الربيين الذين قاتلوا مع النبي كملت منهم الأفعال والأقوال؛ الأفعال: ما استكانوا ما ضعفوا ما وهنوا، فَمَا وَهَنُوا لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَمَا ضَعُفُوا وَمَا اسْتَكَانُوا، الأقوال: أنهم لجؤوا إلى الله عز وجل بسؤال المغفرة، مغفرة الذنوب والإسراف في الأمر؛ لأنهم يعلمون أن ما أصابهم إنما هو بسبب الذنوب.
ومن فوائد هذه الآية: أنه ينبغي للإنسان أن يدعو الله تعالى بهذا الدعاء لا سيما عند ملاقاة الكفار حتى ينتصر عليهم: رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَإِسْرَافَنَا فِي أَمْرِنَا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ.
ومن فوائد هذه الآية: أن الإنسان مفتقر إلى مغفرة الله؛ لقوله: رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا، ولو كان غنيًّا عنها ما سألها، ولكنه مفتقر إليها غاية الافتقار، حتى إن النبي عليه الصلاة والسلام لما حدث أصحابه أَنَّهُ «لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ أَحَدٌ بِعَمَلِهِ»، قالوا: ولا أنت؟ قال: «وَلَا أَنَا إِلَّا أَنْ يَتَغَمَّدَنِي اللهُ بِرَحْمَتِهِ» .
ومن فوائدها أيضًا: أن الإنسان لا يخلو من الإسراف على نفسه، لا يخلو من الإسراف؛ إما في غلو وإما في تقصير، وجه ذلك أن سؤالهم الله أن يغفر لهم الإسراف يدل على وجود هذا الشيء، يدل على وجوده، وأنت إذا تأملت نفسك وجدت أنك لن تخلو من الإسراف.
ومن فوائد هذه الآية: أن الإنسان مفتقر إلى إثبات القدم أو إلى تثبيت القدم من الله عز وجل؛ لقوله: وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا، وقد ذكرنا أن هذا يشمل ثلاثة مواطن: عند مواجهة الأعداء، وعند الشبهات، وعند الشهوات.
ومن فوائدها أيضًا: أن الله إذا لم ينصرك على عدوك فإنك لن تنتصر؛ لقوله: وَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ، فإن قلت: هل هذا يعارض أمر الله عز وجل باتخاذ ما نستطيع أو بإعداد ما نستطيع للأعداء من القوة؟ فالجواب: لا؛ لأنك إذا سألت الله شيئًا فإن المطلوب منك أن تسعى في حصوله وإيجاده، ولهذا لو سألت الله الجنة فالمطلوب منك أن تعمل لها، لا أن تقول: اللهم إني أسألك الجنة وتترك العمل، كذلك إذا سألنا الله أن ينصرنا على القوم الكافرين فإن علينا أن نفعل من الأسباب ما نستطيع، سواء كانت هذه الأسباب معنوية أو مادية.
تفسير الآية (148)
01:24:05

ثم قال الله تعالى مبينًا ما ترتب على حسن حالهم ومقالهم قال: فَآتَاهُمُ اللَّهُ ثَوَابَ الدُّنْيَا وَحُسْنَ ثَوَابِ الْآخِرَةِ [آل عمران: ١٤٨]، آتَاهُمُبمعنى؟
طالب: أعطاهم.
الشيخ: وأتاهم؟
الطالب: جاءهم.
الشيخ: جاءهم، (أتى) بغير مد بمعنى جاء، و(آتى) بالمد بمعنى أعطى، وهنا المراد الثاني: فَآتَاهُمُ اللَّهُ ثَوَابَ الدُّنْيَا، آتَاهُمُأي: أعطاهم الله، و(آتى) تنصب مفعولين ليس أصلهما المبتدأ والخبر؛ لأنها من باب أيش؟ (كسا) و(أعطى)، آتَاهُمُ اللَّهُ ثَوَابَ الدُّنْيَاالمفعول الأول هنا الهاء في (آتاهم)، والثاني: ثواب، آتَاهُمُ اللَّهُ ثَوَابَ الدُّنْيَاأي جزاءها، وذلك بالنصر على أعدائهم والغنيمة فيمن تحل له الغنيمة، ومعروف أنها لا تحل غنيمة إلا لهذه الأمة، لكن المراد النصر على الأعداء والعزة والغلبة عليهم.
وَحُسْنَ ثَوَابِ الْآخِرَةِولم يقل: ثواب الآخرة، بل قال: حُسنه؛ لأن ثواب الآخرة الحسنة بعشر أمثالها إلى سبع مئة ضعف إلى أضعاف كثيرة، وليس ثواب مكافأة فقط؛ إذ لو كان ثواب مكافأة فقط لكانت الحسنة أيش؟ بمثلها، لكنه ثواب حُسن وفضل، ولهذا قال: وَحُسْنَ ثَوَابِ الْآخِرَةِهذا وجه، الوجه الثاني: أنه لم يعبر عن ثواب الدنيا بالحُسن؛ لأن الدنيا مهما كانت فهي دار شقاء وعناء وكدر، لا يمكن أن يخلو صفوها من كدر، ولهذا لم يقل: حُسن ثواب الدنيا؛ إذ إنه في الحقيقة ليس له حُسن، وهو وإن كان حَسنًا فهو حسن نسبي وإلا ففيه حُسن لا شك، رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً [البقرة: ٢٠١]، لكنه أمر نسبي، حتى المنعمون بالنعمة تجدهم أحيانًا يأتيهم ما ينغّص هذه النعمة.
يقول: وَحُسْنَ ثَوَابِ الْآخِرَةِيعني يوم القيامة، وذلك برفعة الدرجات في جنات النعيم والنجاة من دركات الجحيم.
وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَيعني أنهم هم محسنون فأحبهم الله عز وجل، وكان من مقتضى محبته لهم هذا الثواب الحاصل في الدنيا وفي الآخرة، وقوله: يُحِبُّالمحبة صفة من صفات الله حقيقية، فهو يحب عز وجل حقيقة، وليس محبته بمعنى الثواب أو الجزاء كما قاله بعض أهل التحريف الذين ينكرون من الصفات ما ينكرون، ومنها المحبة فإنهم ينكرونها، ويقولون: إن الله لا يحب بل ولا يُحَب، وتعليلهم أن الحب لا يكون إلا بين أيش؟ متجانسين؛ مخلوق ومخلوق، ولكن نقول لهم: هذا باطل، فالحب قد يكون بين شيئين متباعدين، ومنه قول الرسول صلى الله عليه وسلم: «أُحُدٌ جَبَلٌ يُحِبُّنَا وَنُحِبُّهُ» ، وهو جماد، ومن الأشياء المحسوسة الملموسة أن الإنسان يحب أثاثه وأمتعته ورواحله وسياراته ودوره، يحبها محبة ظاهرة ملموسة محسوسة، وهي ليست من جنسه، بل هي من جنس آخر، بل هي أيضًا دونه؛ لأنها ملكه، فهذا التعليل الذين نفوا به صفة المحبة لله تعليل باطل.
وقوله: يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَالمحسنين في عبادة الله أو إلى عباد الله؟
طلبة: يشمل.
الشيخ: نعم يشمل، يشمل المحسنين في عبادة الله والمحسنين إلى عباد الله، أما المحسنون في عبادة الله فقد بيّن الرسول صلى الله عليه وسلم كيف يكون الإحسان، فقال حين سأله جبريل عن الإحسان قال: «أَنْ تَعْبُدَ اللهَ كَأَنَّكَ تَرَاهُ، فَإِنْ لَمْ تَكُنْ تَرَاهُ فَإِنَّهُ يَرَاكَ» ، يعني أن تعبد الله تعالى طلبًا مع اليقين التام، فإن لم تصل إلى هذه الدرجة فلا أقل من الدرجة الثانية وهي أن تعبد الله هربًا، تعبده كأنه يراك فتهرب من عقابه لتقوم بطاعته، فالإحسان في الحقيقة يشير فيه الرسول صلى الله عليه وسلم إلى أنه نوعان: إحسان بطلب، وإحسان بهرب؛ الأول: أن تعبد الله كأنك تراه فتطلبه وترغب الوصول إليه، والثاني: كأنه يراك فتخافه وتخشاه وتعظمه، والأول أكمل من الثاني، هذا هو القول الراجح في معنى الحديث، وإن كان بعضهم يقول: إنه مرتبة واحدة وأن المعنى: إن لم تكن تراه فإنه يراك، قريب من المعنى الأول، فالجملتان قريبتان من الترادف؛ ولكن الصواب ما قلناه أولًا.
وإذا كان يحب المحسنين فإنه يترتب على محبة الله سبحانه وتعالى أشياء كثيرة، منها ما يكون في الدنيا ومنها ما يكون في الآخرة؛ فمما يكون في الدنيا أن الله إذا أحب الإنسان سدد أعماله وخطواته وأقواله وأفعاله، كما جاء في الحديث الصحيح: «مَنْ عَادَى لِي وَلِيًّا فَقَدْ آذَنْتُهُ بِالْحَرْبِ، وَمَا تَقَرَّبَ إِلَيَّ عَبْدِي بِشَيْءٍ أَحَبَّ إِلَيَّ مِمَّا افْتَرَضْتُهُ عَلَيْهِ، وَلَا يَزَالُ عَبْدِي يَتَقَرَّبُ إِلَيَّ بِالنَّوَافِلِ حَتَّى أُحِبَّهُ، فَإِذَا أَحْبَبْتُهُ كُنْتُ سَمْعَهُ الَّذِي يَسْمَعُ بِهِ، وَبَصَرَهُ الَّذِي يُبْصِرُ بِهِ، وَيَدَهُ الَّتِي يَبْطِشُ بِهَا، وَرِجْلَهُ الَّتِي يَمْشِي بِهَا، وَلَئِنْ سَأَلَنِي لَأُعْطِيَنَّهُ، وَلَئِنِ اسْتَعَاذَنِي لَأُعِيذَنَّهُ» ، هذا من فوائد محبة الله.
ومن فوائد محبة الله عز وجل: تيسير فعل الطاعة وترك المعصية، وذلك لأن الإنسان إذا أحب شيئًا طلب الوصول إليه، فإذا كان يحب المال طلب الوصول إلى المال بالبيع والشراء والتأجير وغير ذلك.