فمما يكون في الدنيا أن الله إذا أحب الإنسان سدّد أعماله وخطواته وأقواله
وأفعاله، كما جاء في الحديث الصحيح: «مَنْ عَادَى لِي وَلِيًّا
فَقَدْ آذَنْتُهُ بِالْحَرْبِ، وَمَا تَقَرَّبَ إِلَيَّ عَبْدِي بِشَيْءٍ أَحَبَّ
إِلَيَّ مِمَّا افْتَرَضْتُهُ عَلَيْهِ، وَلَا يَزَالُ عَبْدِي يَتَقَرَّبُ إِلَيَّ
بِالنَّوَافِلِ حَتَّى أُحِبَّهُ، فَإِذَا أَحْبَبْتُهُ كُنْتُ سَمْعَهُ الَّذِي
يَسْمَعُ بِهِ، وَبَصَرَهُ الَّذِي يُبْصِرُ بِهِ، وَيَدَهُ الَّتِي يَبْطِشُ
بِهَا، وَرِجْلَهُ الَّتِي يَمْشِي بِهَا، وَلَئِنْ سَأَلَنِي لَأُعْطِيَنَّهُ،
وَلَئِنْ اسْتَعَاذَنِي لَأُعِيذَنَّهُ» هذا من فوائد محبة الله.
ومن فوائد محبة الله عز وجل: تيسير فعل الطاعة وترك المعصية؛ وذلك لأن الإنسان
إذا أحب شيئًا طلب الوصول إليه، فإذا كان يحب المال طلب الوصول إلى المال بالبيع
والشراء والتأجير وغير ذلك، إذا أحب شخصًا طلب الوصول إليه بمصاحبته ومصادقته، إذا
أحب أيّ شيء فإنه يطلب أيش؟ الوصول إليه، فإذا أحب الله العبد أحبه العبد، فطلب
الوصول إليه.
ومن فوائد محبة الله للعبد: أن الله تعالى يلقي في قلوب العباد
محبته، كما قال الله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ وُدًّا [مريم: ٩٦]، وجاء في
الحديث: «أَنَّ اللَّهَ إِذَا أَحَبَّ عَبْدًا نَادَى
جِبْرِيلَ: إِنِّي أُحِبُّ فُلَانًا فَأَحِبَّهُ، فَيُحِبُّهُ جِبْرِيلُ، ثُمَّ
يُنَادِي فِي أَهْلِ السَّمَاءِ: إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ فُلَانًا فَأَحِبُّوهُ.
فَيُحِبُّهُ أَهْلُ السَّمَاءِ، ثُمَّ يُوضَعُ لَهُ الْقَبُولُ فِي الْأَرْضِ
فَيَكُونُ مَقْبُولًا عِنْدَ النَّاسِ» .
في هذه الآية الكريمة من الفوائد: أن الله سبحانه وتعالى
أثاب هؤلاء الذين أحسنوا في مقالهم وفِعالهم، بماذا؟ بثواب الدنيا وثواب
الآخرة.
ومن فوائدها: أن رحمة الله تعالى سبقت
غضبه، فهو يثيب الطائع ثوابين؛ ثواب في الدنيا، وثواب في الآخرة، بخلاف العقوبة فإن
الله تعالى لا يجمع بين عقوبتين، فإذا شرع عقوبة في الدنيا على ذنب فإنه لا يُعاقب
به في الآخرة كما جاء في الحديث أن: «الْحُدُود
كَفَّارَة» الحدود:
يعني العقوبات كحدّ الزنا والسرقة؛ أنها كفارة لأصحابها، وقال النبي عليه الصلاة
والسلام في المتلاعِنين قال لهما: «عَذَابُ الدُّنْيَا
أَهْوَنُ مِنْ عَذَابِ الْآخِرَةِ» ، بل إن الله تعالى
قال: وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ [الشورى: ٣٠]، فلن يجمع الله للإنسان
عقوبتين على معصية؛ عقوبة في الدنيا وعقوبة في الآخرة، لكن يجمع له بين ثوابين في
الطاعة؛ ثوابًا في الدنيا وثوابًا في الآخرة؛ لأن رحمة الله سبقت غضبه.
ومن فوائد هذه الآية: الإشارة إلى خِفة شأن الدنيا بالنسبة
للآخرة، من أين تؤخذ؟
طلبة: وَحُسْنَ ثَوَابِ.
الشيخ: من
قوله: ثَوَابَ الدُّنْيَا وَحُسْنَ ثَوَابِ الْآخِرَةِكأن الدنيا ليست بشيء حتى يكون فيها حسن كما قرّرنا، ففيه إشارة إلى أن العاقل
ينبغي له أن يعتني بماذا؟
طلبة: بالآخرة.
الشيخ: بثواب الآخرة الذي هو الحسن.
ومن
فوائد الآية: إثبات البعث والجزاء؛ لقوله: ثَوَابِ الْآخِرَةِ.
ومن فوائدها: إثبات المحبة
لله؛ وهي صفة حقيقية ثابتة لله على وجه اللائق به. طيب الرضا ثابت لله؟
الطلبة: نعم.
الشيخ: ثابت لله، الفرح
ثابت لله، العجب ثابت لله، وهكذا جميع الصفات التي جاءت في الكتاب والسنة يجب علينا
أن نؤمن بها على أنها حق على حقيقتها؛ لأن الله خاطبنا بالقرآن بلسان عربي مبين،
ولم يأتِ عن الصحابة ولا عن الأئمة أنهم حرّفوا هذه النصوص عن ظواهرها، وهذا يدل
على أنهم أقرّوا بها كما جاءت على ما هي عليه، وهذا مذهب السلف ومذهب أهل السّنة
والجماعة، وفيه الراحة والطمأنينة؛ لأن الإنسان إذا لاقى ربه وقد أثبت له الصفة
التي دل عليه القرآن والسنة فإنه يوافيه بحجة أو بغير حجة؟ يوافيه بحجة، لكن إذا
وافى ربه وقد حرف وقال معنى: يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَأي: يثيبهم ليس له حجة، ليس له حجة عند الله.
ونحن نتكلم دائمًا على أن الذين
أنكروا شيئًا من صفات الله بحجة عقلية أننا نجيبهم على سبيل الإجمال بأن
نقول:
أولًا: أن هذا خلاف لطريق السلف؛ لأن السلف لم يستدلوا بالعقل على إثبات
الصفات أو نفيها.
ثانيًا: أن العقل لا مجال له في باب صفات الله؛ لأن صفات الله
خبر محض، والأخبار المحضة ليس للعقول فيها مجال إطلاقًا.
ثم لو قال قائل: ألا
يمكن أن نقيس الغائب على الشاهد؟
قلنا: لا يمكن القياس؛ لأن الله نفى هذا
القياس ونهى عنه، نفاه ونهى عنه، فقال: لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ [الشورى: ١١] وقال: لَا تَضْرِبُوا لِلَّهِ الْأَمْثَالَ [النحل: ٧٤] أنا ربما أقيس شخصًا لم أعلم به على شخص أعلم به
وأشاهده، لكنني لا يمكن أن أقيس الخالق على المخلوق؛ لأن الله نفى ذلك، بل نهى عنه.
ثالثًا: أن نقول لهم: إن نفيكم لما نفيتم بحجّة أن العقل لا يدل عليه غير صحيح
في الاستدلال عند العقلاء، وذلك لأننا لو قدّرنا أن العقل لا يدل عليه فقد دل عليه
السمع، ونفي أو انتفاء الدليل المعين لا يستلزم انتفاء المدلول؛ يعني إذا قلنا: هذا
لا يدل على كذا قلنا: لكن عندنا دليل آخر، هبْ أن العقل لا يدل على ما نفيتم من
الصفات، لكن السمع دلّ عليه، وهذا كما أنه في الأمور المعقولات فهو أيضًا بالأمور
المحسوسات، لو قلت: إن هذا الطريق لا يؤدي إلى مكة، هل معناه أنه لا يمكن أن نصل
إلى مكة أو لا؟
يمكن أن نصل من طريق آخر، فهبْ أن العقل لا يدل على ثبوت ما
نفيتم فإننا نستدل عليه بأيش؟ بالسمع.
رابعًا: أن نقول: بل إن العقل يدل عليه
وأولى مما ذكرتم، يعني أنا نثبت ما نفيتم بدلالة العقل، نثبته بدلالة العقل إثباتًا
على وجه يكون أظهر مما ذكرتم، فمثلًا هم يقولون: إن الإرادة ثابتة لله دل عليها
العقل، والكلام هنا مع الأشعرية، يقولون: إن الإرادة ثابتة لله عز وجل؛ لأن العقل
دل عليها، عرفتم؟ ما هو دلالة العقل على الإرادة؟
الطلبة: التخصيص.
الشيخ: التخصيص؛
يعني كون السماء سماءً والأرض أرضًا هذا تخصيص، ما الذي خصص أن يكون السماء سماءً
والأرض أرضًا؟ الإرادة، أراد الله أن يكون السماء سماء فكانت، وأن تكون الأرض أرضًا
فكانت، إذن هذا دليل عقلي على ثبوت الإرادة لله.
نقول: أنتم نفيتم الرحمة ونحن
نستدل لها بالعقل، ألم تكن نِعم الله عليكم لا تُحصى؟ سيقولون؟
الطلبة: بلى.
الشيخ: بلى، لا تحصى،
إذن هل هي آثار رحمة ولا آثار غضب؟ آثار رحمة، ولهذا حتى العامة إذا جاء المطر
وانتشر الخصب يقول: هذه من رحمة الله، من رحمة الله أن الله أنزل علينا المطر
وانتشر الخصب، بل يقولون: مُطرنا بفضل الله ورحمته، فيثبتون الرحمة لله بدليل عقلي،
كذلك أيضًا الرضا يمكن أن نثبته بدليل العقل، إثابة الطائعين تدل على رضا الله عنهم
ولَّا على غضبه؟ لو غضب لانتقم، لكنه رضي فأثاب، فهذا دليل عقلي.
فصار الذين
ينكرون ما ينكرون من الصفات بحجة أن العقل لا يدل عليها محجوجين من أربعة أوجه
ذكرناها الآن؛ وهي أن هذا الاستدلال مخالف لطريق السلف، فالسلف لا يستدلون بإثبات
الصفات أو نفيها بالعقل وإنما بأيش؟ بالسمع.
ثانيًا: أنه لا مجال للعقل فيها،
وإذا ادعوا القياس قلنا: القياس ممنوع؛ لأن الله نفاه ونهى عنه.
طالب: نفي (...) العقل؟
الشيخ:
ثالثًا: يقولون: إن العقل لا يدل عليها، نقول: هبْ أن العقل لا يدل عليها
فقد دل عليها أيش؟ السمع، فوجب ثبوتها بالسمع؛ لأن انتفاء الدليل المعيّن الذي هو
العقل لا يستلزم انتفاء المدلول؛ إذ قد يثبت بدليل آخر.
رابعًا: أن نقول: إننا
لا نُسلّم لكم أن العقل لم يدل عليها بل العقل قد دل عليها، ثم نأتي بالمثال الذي
تتضح به الحجة.
من فوائد الآية الكريمة: الحثّ على
الإحسان؛ لأن الإحسان سبب لغاية، هي غاية كل إنسان؛ وهي محبة الله، فإذا كان سببًا
لهذه الغاية العظيمة كان مأمورًا به محثوثًا عليه.
ويدلكم على أن محبة الله هي
الغاية أن الله قال في كتابه: قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي [آل عمران: ٣١] أيش؟ يُحْبِبْكُمُ اللَّهُولم يقل: فاتبعوني تصدقوا فيما ادعيتم،
بل قال: يُحْبِبْكُمُ اللَّهُلأن الثمرة العظيمة هي أن
الله يحبك، مع أننا نضمن أن من أحب الله حقًّا فسيحبه الله؛ لأن الله يقول: «مَنْ أَتَانِي يَمْشِي أَتَيْتُهُ هَرْوَلَةً، وَمَنْ تَقَرَّبَ
إِلَيَّ شِبْرًا تَقَرَّبْتُ مِنْهُ ذِرَاعًا، وَمَنْ تَقَرَّبَ إِلَيَّ ذِرَاعًا
تَقَرَّبْتُ مِنْهُ بَاعًا» فإذا
كانت محبتك لله صادقة، فإن محبة الله لك مضمونة، لكن البلاء كلّ البلاء أن تدّعي
المحبة وليست محبتك صادقة، هذا البلاء، يكون قلبك مشغولًا بمحابّ أخرى: كمحبة
المال، محبة الأولاد، محبة القصور، محبة المراكب، محبة النساء، وهكذا، هذه المحاب
تُضايق محبة الله في القلب، إلا إذا كانت تابعة لمحبته، حطوا بالكم لهذا، يعني لا
تقولوا: أنت تسد علينا باب محبة ما جبلت النفوس على محبته، نقول: محبة هذه الأشياء
إذا كانت تابعة لمحبة الله صارت من محبة الله، لو أحبّ المال من أجل أن ينفقه في
سبيل الله كانت هذه المحبة تزاحم محبة الله أو لا؟
لا تزاحمها، بل تزيدها؛ لو
أحب النساء من أجل تكثير الأمة، ومن أجل تحصين فرجه، ومن أجل الفوائد التي رُتّبت
عليه؛ على النكاح، كان هذا من محبة الله، لكن لمجرد قضاء الوطر تجده يتعلق قلبه بكل
امرأة، ما يستقرّ على شيء، حينئذٍ يكون هناك مزاحمة فتضعف محبة الله سبحانه وتعالى
في القلب، المهم أن الشأن كلّ الشأن هو أن الله يحبك هذا هو المهم.
ومن فوائد هذه الآية الكريمة: إثبات الصفات الاختيارية لله
عز وجل؛ يعني التي تتعلق بأيش؟ بمشيئته، فإذا علّق الله الصفة على فعل علمنا أنها
من الصفات الاختيارية المتعلقة بمشيئته، كيف ذلك؟ لأن الإحسان فعل العبد، وفعل
العبد حادث أو أزلي؟ حادث، إذا كان الإحسان سببًا لمحبة الله وهو فعل العبد وهو
حادث لزم من ذلك ثبوت المحبة المعلقة بأيش؟ بالإحسان. واضح؟
والصفات الاختيارية
أيضًا أنكرها الأشاعرة ونحوهم، وقالوا: لا يمكن أن يقوم بالله صفات حادثة اختيارية،
لماذا؟ قالوا: لأننا لو أثبتنا لله صفات حادثة لزم قيام الحوادث به، والحوادث لا
تقوم إلا بحادث، والله عز وجل أزلي، أزلي أبدي.
فيقال: ويلكم، هذا كذب؛ أن
الحوادث لا تقوم إلا بحادث، أليس الله يقول: وَيَفْعَلُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ [إبراهيم: ٢٧]؟ والله يفعل ما يريد؟ يفعل ما يريد، أليس
الإنسان منا إرادته ليست تابعة لوجوده، بل للإنسان إرادات تتجدّد ولا يلزم أن يكون
هذا المريد لم يوجد إلا عند وجود أيش؟ الإرادة، بل هو سابق عليها، أليس كذلك؟ نحن
سابقون على إرادتنا؛ يعني أن الإنسان موجود قبل أن يريد، فلا يلزم تساوي الإرادة
مثلًا أو الأفعال الاختيارية مع الوجود، فالإنسان يفعل أفعالًا كثيرة متجددة لم تكن
معه حين وجوده، فكذلك الرب عز وجل يفعل ما يريد أفعالًا لم تكن معه سبحانه وتعالى
أزليّة بل هي حادثة، لكن قد تكون حادثة النوع وقد تكون حادثة الآحاد، ويكون نوعها
قديمًا أزليًّا، فالكلام مثلًا أيش؟
طلبة:
أزلي.
الشيخ: قديم أزلي، لم يزل الله سبحانه وتعالى
متكلمًا، لكن آحاده حادثة لا شك إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ [يس: ٨٢] ونحن نعلم أن مرادات الله
عز وجل تقع: كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ [الرحمن: ٢٩]
يُحيي ويميت ويعز ويذل ويرزق ويمنع، وكل هذه الأشياء بإرادة مقرونة بالقول: إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُومع ذلك لا يلزم منه أن يكون سبحانه وتعالى حادثًا، فتعليلهم هذا
النفي الذي سلكوه تعليل عليل، والله لو قلنا: إن الله لا يفعل، لو قام به فعل لزم
أن يكون حادثًا، كيف إذن هو عاجز عن الفعل؟! وهذا نقص ولَّا كمال؟
الطلبة: نقص.
الشيخ: نقص وأيّ نقص!
فانظر كيف كان أهل الباطل يفرّون مما يعتقدونه باطلًا فيقعون في شيء هو أبطل منه
وأشر منه، مع تطاولهم على تحريف النصوص وتعطيل الله عز وجل عما وصف به نفسه، فهم
مُحرِّفة مُعطِّلة واقعون في شر مما فروا منه.
طالب:
شيخ، جزاك الله خيرًا، المجاهدون في سبيل الله إذا نالوا من الغنيمة في الحديث
الصحيح: «أَنَّهُمْ تَعَجَّلُوا ثُلُثَيْ الْأَجْرِ»
ما أدري كيف
ذكروا الحديث هذا (...)؟
الشيخ: لا بد أن يكون هناك
سبب، قال النبي عليه الصلاة والسلام هذا من أجله فيحتاج إلى النظر في هذا الحديث
وسياقه.
الطالب: يعني ما يؤثّر هذا على الثواب
الأخروي؟
الشيخ: ما يؤثّر إذا خلصت النية أن يكون القصد
أن تكون كلمة الله هي العليا، لكن قد يكون بعض المجاهدين يُغلّب جانب الغنيمة، فمن
هنا ينقص الأجر كثيرًا حسب التغليب الذي قام في قلبه، فالحديث يحتاج إلى نظر في
سببه ربما يكون سببه يدل على أن لهم إرادة للدنيا.
طالب: ذكر الله عز وجل يا شيخ في بعض الآيات مثل من حارب الله عز
وجل قُطّاع الطرق في آخر الآية، رتّب عليه عذابين، ذلك ..؟
الشيخ: أيش لون؟
الطالب: ذكر الله عز
وجل في هذا لو جعل هذا محاربة الله وقُطّاع الطرق رتّب عليها عذابين في الدنيا
والآخرة؟
الشيخ: نعم، مثل؟
طالب: مثل قوله تعالى: إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُواالآية، ثم ذكر في النهاية: ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ [المائدة: ٣٣].
الشيخ: إي نعم، هذا الخزي صحيح أنه خزي
يخزون به في الدنيا، ولكن لعل هذا لعِظم أفعالهم صار لهم الحدّ في الدنيا والعذاب
في الآخرة، وإلا فقد ثبت في الصحيحين وغيرهما: «أَنَّ مَنْ
أَصَابَ شَيْئًا مِنْ هَذِهِ الذُّنُوبِ وَالْمَعَاصِي فَأُقِيمَ عَلَيْهِ فِي
الدُّنْيَا فَإِنَّهُ كَفَّارَةٌ لَهُ» ،
وسمعت الآية: وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ [الشورى: ٣٠] وأن الله لا
يجمع للإنسان عقوبتين، فإما أن يقال: هذا لشدة جرمهم وذنبهم، يُجمع لهم بين هذا
وهذا.
***
طالب: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا الَّذِينَ كَفَرُوا يَرُدُّوكُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ فَتَنْقَلِبُوا خَاسِرِينَ (١٤٩) بَلِ اللَّهُ مَوْلَاكُمْ وَهُوَ خَيْرُ النَّاصِرِينَ (١٥٠) سَنُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ بِمَا أَشْرَكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَمَأْوَاهُمُ النَّارُ وَبِئْسَ مَثْوَى الظَّالِمِينَ (١٥١) وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللَّهُ وَعْدَهُ إِذْ تَحُسُّونَهُمْ بِإِذْنِهِ حَتَّى إِذَا فَشِلْتُمْ وَتَنَازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ وَعَصَيْتُمْ مِنْ بَعْدِ مَا أَرَاكُمْ مَا تُحِبُّونَ مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الْآخِرَةَ ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ لِيَبْتَلِيَكُمْ وَلَقَدْ عَفَا عَنْكُمْ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ [آل عمران: ١٤٩ - ١٥٢].
الشيخ: الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين، أما بعد: قال الله عز وجل: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا الَّذِينَ كَفَرُوا يَرُدُّوكُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ فَتَنْقَلِبُوا خَاسِرِينَ.
صدر الله هذه الآية بالنداء، والتصدير بالنداء يدل على العناية بما سيوجّه للمخاطَب؛ وذلك لأن النداء يفيد التنبيه، ولا ينبّه الإنسان إلا لشيء مهتم به، فإذا وجّه الله الخطاب أو إذا صدّر الخطاب بالنداء فهو دليل على العناية به لأهميته.
ثم وُجّه إلى العباد باسم الإيمان: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواوالغرض من ذلك هو أولًا: الإغراء والتشجيع على قبول ما يُلقى؛ لأن الإيمان هو الذي يحمل الإنسان على قبول ما أمره الله به وعلى ترك ما نهى الله عنه، ولهذا قال ابن مسعود رضي الله عنه: إذا قال الله تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوافأرعها سمعك، فإما خير تُؤمر به وإما شرّ تنهى عنه .
ويفيد أيضًا فائدة ثانية: وهي أن قبول المذكور من مقتضيات الإيمان، كما أنك لو وجّهت إلى شخص كريم وقلت له: يا أيها الكريم، أعطِ الفقير وأعِن المحتاج، فإن هذا يدل على أن إعطاء الفقير وإعانة المحتاج من مقتضى كرمه، إذن قبول ما يأتي بعد هذا الخطاب يكون هذا من مقتضى الإيمان.
الفائدة الثالثة أو الغرض الثالث: أن عدم قبوله نقص في الإيمان؛ لأنه إذا وجّه الخطاب إلى إنسان بلفظ الإيمان، ولكن لم يمتثل فهذا نقص في إيمانه؛ لأن ما يأتي بعد النداء بـ: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواإما مأمور به، أو منهيّ عنه، أو مُخبَر به، فترك المأمور نقص في الإيمان، والوقوع في المحظور نقص في الإيمان، والتكذيب بالخبر نقص في الإيمان.
نستمع إلى هذا الخبر من الله عز وجل؛ خبر من هو عليم بكل شيء: إِنْ تُطِيعُوا الَّذِينَ كَفَرُواوإِنْهنا شرطية، وفعل الشرط: تُطِيعُواولكنه لم يُجزم، أهكذا نقول؟
طلبة: مجزوم.
الشيخ: مجزوم، بماذا؟
الطلبة: بحذف النون.
الشيخ: بحذف النون، والواو فاعل؛ لأنه من الأفعال الخمسة، وأما جواب الشرط فهو قوله: يَرُدُّوكُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْوهو مجزوم بحذف النون، والواو فاعل.
قوله: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا الَّذِينَ كَفَرُواإذن هناك أمر مُوجّه من الكفار إلى المؤمنين؛ لأن الطاعة تقابِل الأمر، أو نهي موجّه من الكافرين إلى المؤمنين، يأمرونهم بالفحشاء وينهونهم عن المعروف، فإن أطعتموهم في ذلك فالجواب: يَرُدُّوكُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ.
وقوله: إِنْ تُطِيعُوا الَّذِينَ كَفَرُواعامة، يشمل اليهود، والنصارى، والمشركين، والملاحدة الذين ليس لهم دين، ولا يتعبدون بشيء، أيّ واحد من الكفرة إذا أمرك بشيء فأطعته فإنه يردّك على أعقابك فتنقلب خاسرًا.
وقوله: إِنْ تُطِيعُوا الَّذِينَ كَفَرُواأي: فيما يُتعبّد به لله، أما في المسائل الأخرى كمسائل الصناعة مثلًا فإنه لا يدخل في الآية لا شك، لو أن مهندسًا من الكفار أمرك أن تصنع كذا لتكون النتيجة كذا فإنه لا يدخل في الآية، إنما يُقصد به ما يكون على سبيل أيش؟ على سبيل التعبّد؛ يأمرك بالفحشاء، شرب الخمر، بالسرقة، بسوء الأخلاق، أو ينهاك عن المعروف، ينهاك عن الصلاة، ينهاك عن الإخلاص لله، وما أشبه ذلك.
وقوله: يَرُدُّوكُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْالأعقاب جمع (عَقِب)، وهو مؤخّر القدم، ويقال له: (العرقوب)؛ يعني يجعلونكم تمشون على الخلف، ومعلوم أن الذي يمشي على الخلف سوف يقع في الحفر، ويطأ الشوك والحصى، وهذا قريب من قوله تعالى: أَفَمَنْ يَمْشِي مُكِبًّا عَلَى وَجْهِهِ أَهْدَى أَمَّنْ يَمْشِي سَوِيًّا عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ [الملك: ٢٢]، فهنا: يَرُدُّوكُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ.
فَتَنْقَلِبُوا خَاسِرِينَ(تنقلبوا) الانقلاب يقتضي التحوّل من حال إلى حال، ولهذا يقال: انقلب في فراشه من الجنب الأيمن إلى الجنب الأيسر؛ إذن هناك تحوّل من حال إلى أخرى إذا أطعنا هؤلاء الكفار (تنقلبوا).
وقوله: خَاسِرِينَهذه حال، حال من الواو في قوله: (تنقلبوا). أي: تكونوا في خسارة بعد أن كنتم في ربح؛ لأن الإيمان ربح كما قال تعالى: وَالْعَصْرِ (١) إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ [العصر: ١، ٢] أيّ إنسان؟ كلّ، ولهذا (أل) هنا للعموم؛ أي: إن كل إنسان لفي خسر إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ [العصر: ٣] الذين اتصفوا بهذه الصفات الأربعة هم الرابحون ومن سواهم فهو خاسر، خاسر أيش؟ خاسر عصره، وهذه الحكمة من أن الله أقسم بالعصر دون غيره؛ لأن العصر هو خزائن الأعمال، فإذا لم يقم الإنسان بهذه الصفات الأربع خسر عصره، وكان عمره خسارة.
تَنْقَلِبُوا خَاسِرِينَلأنكم تحوّلتم مِن أيش؟ من الإسلام إلى الكفر، وفي آية أخرى سبقت: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا فَرِيقًا مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ يَرُدُّوكُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ كَافِرِينَ [آل عمران: ١٠٠] فهنا قال: الَّذِينَ كَفَرُواوهناك قال: فَرِيقًا مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَلأن الذين أوتوا الكتاب بعضهم فيه خير كما قال تعالى: لَيْسُوا سَوَاءً مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أُمَّةٌ قَائِمَةٌ [آل عمران: ١١٣]. وهذا من بلاغة القرآن، لما قال: إِنْ تُطِيعُوا فَرِيقًا مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَقال: يَرُدُّوكُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ كَافِرِينَفريقًا منهم، أما الكفار، فكل الكافرين يريدون منا أن أيش؟ أن نكفُر، وأن ننقلب على أعقابنا خاسرين.
ثم قال الله تعالى: بَلِ اللَّهُ مَوْلَاكُمْ(بل) هنا للإضراب الانتقالي أو الإبطالي؟
طالب: الانتقالي.
الشيخ: لا، الإبطالي، لكنه إبطال شيء مقدّر؛ لأن طاعتنا للكفار تكون لرجاء أو خوف؛ لرجاء أو خوف؛ يعني نحن إذا أطعنا الكفار، فإما أن نُطيعهم رجاءً، وإما أن نطيعهم خوفًا رجاء أن ينصروننا، أن يمدوننا بالمال وما أشبه ذلك، خوفًا من أن يسطوا علينا، وأن يحاربونا ويقاتلونا، هنا حسن الإضراب تمامًا فقال: بَلِ اللَّهُ مَوْلَاكُمْيعني لا تطيعوهم وتتولونهم فإن لكم من هو خير من ولايتهم وهو الله، ولهذا يُعتبر هذا الإضراب إضرابًا إبطاليًّا لشيء مُقدّر، إن تطيعوا الذين كفروا من أجل أن يكونوا لكم أولياء فإنكم سوف يردونكم على أعقابكم فتنقلبون خاسرين.
ثم قال: بَلِ اللَّهُ مَوْلَاكُمْإذا كان هو الله مولانا سبحانه وتعالى فإننا لا يهمنا أحد من الخلق، ما دمنا نؤمن بأن الله مولانا بما معنا من الأوصاف التي نستحق بها الولاية؛ لأنه ليس كل إنسان يقول: إِنَّ وَلِيِّيَ اللَّهُ [الأعراف: ١٩٦] يكون الله وليّه، لكن إذا كان الله مولانا بما معنا من الأوصاف التي نستحق بها الولاية فإننا لن يهمونا أبدًا مهما كانوا من القوة، ومهما كانوا من الصناعة (...) من المال فإنهم لن يهمونا؛ لأن معنا مَن؟
طالب: الله عز وجل.
الشيخ: الله عز وجل، من يقول للشيء: كن فيكون، ولكن الله عز وجل يأمرنا أن نقاتل بأيدينا، فإذا أعيتنا القدرة مع القيام بما يجب حينئذٍ جاءنا نصر من الله لا قِبل للبشر به، وهذه حقيقة يجب أن نفهمها، نحن مأمورون بأن نُعدّ العدة، وأن نقاتل، لكن إذا جاءنا ما لا طاقة لنا به حينئذٍ يأتي نصر من الله ليس لنا به طاقة ولا لغيرنا، وله شواهد في التاريخ، لهذا القول الذي قلته شواهد في التاريخ؛ فموسى عليه الصلاة والسلام لما خرج من مصر وكان فرعون قد جمَع له جميع أهل المدائن، كل المدن جمعهم من أجل القضاء على موسى وقومه، وقال: إِنَّ هَؤُلَاءِ لَشِرْذِمَةٌ قَلِيلُونَ [الشعراء: ٥٤] ليُخفّف شأنهم عند قومه حتى يستعدّوا ويهموا بالقضاء عليهم، وصلوا إلى البحر، هل للإنسان طاقة بالبحر؟
طلبة: لا.
الشيخ: لا، ليس له طاقة، ولهذا قال قومه: إِنَّا لَمُدْرَكُونَ [الشعراء: ٦١]؛ لأن البحر أمامهم وفرعون وجنوده خلفهم كيف يفتكّون؟ قال: كَلَّا إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ [الشعراء: ٦٢] فأمره الله عز وجل أن يضرب البحر فضربه مرة واحدة بعصا، عصا تُحمل باليد، مرة واحدة فقط، فانفلق اثني عشر طريقًا يبسًا بلحظة، هذه الأرض الرطبة التي هي وحل وطين صارت بلحظة يبسًا، وهذا الماء السيّال صار كل فرق منه كالطود العظيم كالجبل؛ جبال واقفة ليست سيّالة، حتى إن بعض العلماء يقول: إن الله جعل في هذه الكتل المائية جعل فيها فُرجًا حتى ينظر بنو إسرائيل بعضهم إلى بعض؛ لأن الإنسان في وسط الماء، المياه على يمينه ويساره ويخشى أن أصحابه قد غرقوا، فجعل الله لهم فُرجًا في هذه الأطواد ينظر بعضهم إلى بعض بلحظة، هذه لا طاقة للبشر بها، لكن من كان الله مولاه فهو منصور، خرجوا من البحر ناجين، ثم دخل فرعون وقومه، فلما دخلوا في البحر وتكاملوا داخلين أمر الله البحر أن ينطبق بلحظة فانطبق، بلحظة أغرقهم، وكان فرعون قد أرعب بني إسرائيل فأخرجه الله عز وجل لهم جسدًا ينظرون إليه: فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ آيَةً [يونس: ٩٢] فاطمأنّوا أنه هلك.
وفيما يُذكر من تاريخ هذه الأمة أن العلاء بن الحضرمي لما وصل إلى البحرين وجد البحر أمامه، وليس معه سفن، فدعا الله عز وجل فعبَر الماء على أقدامه، والخيول والإبل كلها تمشي على الماء كأنما تمشي على صفاة؛ يعني الحجر ، هذه ليس لنا بها طاقة.
وكذلك أيضًا ما يُذكر عن سعد بن أبي وقاص عند فتح المدائن أنه وصل إلى دجلة وهي تقذف زبدًا من قوة الجريان، والفرس عبروها بسفنهم وجسورهم وكسّروا الجسور وأغرقوا السفن، ولم يبقَ للمسلمين شيء يَعبرون به، فقال سعد بن أبي وقاص لسلمان الفارسي: أعطنا مِن يعني من آرائك؛ لأنه رضي الله عنه كان ذا رأي في الحرب، وهو الذي أشار بالخندق على المدينة في عام الأحزاب، فقال: والله لا أرى حيلة في هذا، البحر بين أيدينا وليس معنا سفن ولا جسور، ولكن دعني أنظر في القوم إن كانوا على ما ينبغي وهم أهل للنصرة فليس بنو إسرائيل بأوْلى منا من النصرة، والله عز وجل قد فلق البحر لهم وعبروا، فذهب فوجد القوم فرسانًا في النهار ورهبانًا في الليل، في الليل ركوعًا وسجودًا وفي النهار يصلحون معدّات الحرب ويستعدون، فرجع إليه بعد ثلاث، وقال: إني وجدت القوم على أحسن ما يرام، ولكن توكّل على الله، فنادى سعد بالرحيل، وأنه سوف ينفذ البحر، وقال: إني مكبّر ثلاثًا، فإذا كبّرت الثالثة فخوضوا البحر باسم الله، ففعلوا، فيقال: -سبحان الله- إنهم عبروا كلهم بخيلهم ورجلهم وإبلهم، حتى إنه بعض المؤرّخين ذكر أن الخيل إذا تعبت أنشأ الله لها ربوة تقف عليها وتستريح، هذا نصر ليس لنا به طاقة، لكن من الله عز وجل.
ولهذا قال هنا: لا تراؤوا الكافرين، ولا تطيعوهم استجلابًا للنصر أو خوفًا منهم؛ لأن لكم وليًّا أعظم منهم عز وجل وهو الله: بَلِ اللَّهُ مَوْلَاكُمْ وَهُوَ خَيْرُ النَّاصِرِينَهو خير الناصرين: يعني خير من ينصر، بل هو خير الناصرين وأعظم الناصرين وأقدرهم وأقواهم عز وجل: إِنْ يَنْصُرْكُمُ اللَّهُ فَلَا غَالِبَ لَكُمْ وَإِنْ يَخْذُلْكُمْ فَمَنْ ذَا الَّذِي يَنْصُرُكُمْ مِنْ بَعْدِهِ [آل عمران: ١٦٠] لا أحد.
إذن الإضراب هنا من أحسن ما يكون في هذا الموضع: بَلِ اللَّهُ مَوْلَاكُمْ وَهُوَ خَيْرُ النَّاصِرِينَأي: خير من ينصر.
في هذه الآيات فوائد:
أولًا: فضيلة الإيمان؛ حيث يُوجّه الخطاب للناس بوصف الإيمان في مقام الإرشاد والتنبيه، وأن الإيمان مُقتضٍ للامتثال.
ومن فوائدها: أنه لا يجوز لنا أن نطيع الكافرين؛ لأن طاعتهم وسيلة إلى الكفر: إِنْ تُطِيعُوا الَّذِينَ كَفَرُوا يَرُدُّوكُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ فَتَنْقَلِبُوا خَاسِرِينَ [آل عمران: ١٤٩].
ومنها: وجوب الحذَر من الكفّار، وجوب الحذر، وأنهم لا يمكن أن يدبروا أمرًا فيه مصلحة للمسلمين والإسلام أبدًا، لا يمكن، مستحيل، حتى الحلفاء الذين يكون بينهم وبين المسلمين حِلْف لا يمكن أن يحالفوا المسلمين إلا أيش؟ لمصلحتهم قطعًا، فخزاعة كان بينها وبين الرسول عليه الصلاة والسلام حلف في صلح الحديبية، لكن لمصلحتهم.
ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن طاعة الكفار نتيجتها الحتمية الكفر؛ لقوله: يَرُدُّوكُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ فَتَنْقَلِبُوا خَاسِرِينَكيف ذلك؟ الكفار يأخذوننا شيئًا فشيئًا، يريدون علينا أشياء نطيعهم فيها، ويقفون عند هذا الحد؟! لا، ما يقفون يدخلون أشياء، حتى ننقلب على أعقابنا.
وليس معنى ذلك يعني أن نسجد لهم ونركع لهم، لا، إذا خرج الإنسان من دينه كفى، ولهذا يُذكر عن بعض رؤسائهم أنه قال: نحن نسعى للتنصير لا من أجل أن نُخرج المسلم من دينه إلى النصرانية؛ لأن دين النصرانية معروف، بعيد عن الفطرة، وأعني بدين النصرانية الذي هم عليه الآن، أما ما جاء به المسيح فهو حق، لكن ما جاء به المسيح قد انتهى ونُسخ بالدين الإسلامي.
يقول: نحن لا نريد أن نخرج المسلم من دينه إلى النصرانية، لكن يكفينا أحد أمرين؛ إما أن نخرجه من دينه إلى لا دين، ويكون بهيميًّا ليس همه إلا بطنه وفرجه ومتعه، وإما أن نشكّكه في الدين، نشكّكه، ومعلوم أن الإيمان لا يصح مع الشك، الإيمان يقين، إذا كان عند الإنسان أدنى تردّد فليس بمؤمن، لا بد من إيمان، لا إيمان مع التردد، فهم يقولون: يكفي هذا، يكفي أن نخرجه إلى أن يكون بهيميًّا أو مترددًا شاكًّا حائرًا، هذه نتيجة كفرية.
ومن فوائد هذه الآية: أن الكفر خسارة؛ لقوله: فَتَنْقَلِبُوا خَاسِرِينَ، وإذا كان الكفر خسارة فالإيمان ربح، ولهذا لا نجد أحدًا أربح من المؤمن في هذه الدنيا حتى لو كان فقيرًا، ولو كان وحيدًا ليس عنده أموال ولا بنون فإنه أربح من الكافر؛ لأن الكافر قد خسر الدنيا والآخرة، لم يستفد من دنياه، الحقيقة أن الكافر لم يستفد من دنياه، وإنما يعيش كما تعيش البهائم، كما قاله أعلم العالمين، قال: وَالَّذِينَ كَفَرُوا يَتَمَتَّعُونَ وَيَأْكُلُونَ كَمَا تَأْكُلُ الْأَنْعَامُ [محمد: ١٢] سبحان الله! مثال منطبق تمامًا: يَتَمَتَّعُونَ وَيَأْكُلُونَ كَمَا تَأْكُلُ الْأَنْعَامُ وَالنَّارُ مَثْوًى لَهُمْ [محمد: ١٢] نتيجة سيئة: النَّارُ مَثْوًى لَهُمْيخرجون من الدنيا -والعياذ بالله- التي نُعّموا فيها إلى نار جهنم، وحينئذٍ يكون خروجهم أشد وأصعب بخلاف المؤمن أسأل الله أن يجعلني وإياكم منهم.
المؤمنين يخرج من الدنيا ونكدها وتنغيصها إلى دار النعيم، كما قال تعالى: الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ طَيِّبِينَ يَقُولُونَ سَلَامٌ عَلَيْكُمُ [النحل: ٣٢] عند موتهم ادْخُلُوا الْجَنَّةَ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ.
وهذه الآية تدل على نعيم القبر؛ لأنه قال: ادْخُلُوا الْجَنَّةَالآن من موتكم، وقد ثبت في الحديث الصحيح: «أَنَّهُ يُفْسَحُ لَهُ فِي قَبْرِهِ مَدَّ الْبَصَرِ، وَيُفْتَحُ لَهُ بَابٌ إِلَى الْجَنَّةِ، وَيَأْتِيهِ مِنْ رَوْحِهَا وَنَعِيمِهَا» كما هو معروف.
ومن فوائد هذه الآية: الحذر الشديد أو التحذير الشديد من طاعة الكفار وولايتهم، ومع الأسف الشديد أننا نحن اليوم قد هان علينا الولاء والبراء، الولاء والبراء الذي يجب أن يكون من المؤمن، وهو الذي به يذوق حلاوة الإيمان مفقود إلا ممن شاء الله، كان الناس أدركناهم إذا ذُكر النصراني اقشعرّ جلده، يقشعر جلده، أعوذ بالله نصراني أو يهودي، الآن يقال: إن بعض الناس من المسلمين يصف النصراني بالأُخوة، أخونا فلان، كيف أخونا فلان؟! إبراهيم عليه الصلاة والسلام ماذا قال هو وقومه؟
الطلبة: إِنَّا بُرَآءُ مِنْكُمْ..
الشيخ: إِنَّا بُرَآءُ مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِشوف تبرّؤوا منهم قبل أن يتبرؤوا من الأصنام: إِنَّا بُرَآءُ مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَدًاإلى متى؟ حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ [الممتحنة: ٤]، والله عز وجل يقول: قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ [الممتحنة: ٤] هذه الأسوة الحسنة أن نتبرأ من الكافرين، أن نبغضهم، أن نعتقد أنهم أعداء مهما ألانوا لنا القول وزخرفوا لنا، فهم أعداؤنا، والله لن تعود هذه العداوة ولاية أبدًا إلى يوم القيامة.
إذن يجب علينا أن نحذر، وهنا نوجّه الخطاب إلى ولاة الأمور وإلى عامة الناس بالتحذير من الكفار وولايتهم، وننصحهم بأن يتخذوهم أعداء، أعداء حقيقيين كما هو الواقع، كذلك أيضًا الرعية يجب عليهم أن يبتعدوا عن الكفار ولا سيما في هذه الجزيرة؛ لأن هذه الجزيرة لها شأن خاص في إبعاد الكفار عنها، قال النبي عليه الصلاة والسلام في مرض موته عند فراقه الدنيا يوصي أمته يقول: «أَخْرِجُوا الْمُشْرِكِينَ مِنْ جَزِيرَةِ الْعَرَبِ» ، ويقول: «لَأُخْرِجَنَّ الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى مِنْ جَزِيرَةِ الْعَرَبِ حَتَّى لَا أَدَعَ إِلَّا مُسْلِمًا» فالأول في الصحيحين، والثاني في مسلم، ويقول فيما صح عنه أيضًا: «أَخْرِجُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى مِنْ جَزِيرَةِ الْعَرَبِ» .
وننصح إخواننا العامة بأن يأخذوا بعين الاعتبار هذه الوصية من الرسول عليه الصلاة والسلام، وأن لا يحضروا لهذه البلاد أحدًا من اليهود أو النصارى أو غيرهم من الكفار إلا للضرورة القصوى في حدود معينة، يعني بمعنى: أن لا يحضروهم على سبيل الاستيطان المؤبّد، بل يحضرونهم عند الضرورة وبقدر الضرورة، مدة معينة لا على سبيل الاستيطان المؤبّد.
ومن فوائد هاتين الآيتين: إثبات الولاية لله تعالى، إثبات ولاية الله للمؤمنين؛ لأنه قال: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا، ثم قال: بَلِ اللَّهُ مَوْلَاكُمْوهذه الولاية خاصة؛ لأن ولاية الله للخلق نوعان:
عامة لكل أحد، وهذه معناها تولّي الأمور، تولّي الأمور سواء بنصر أو بخذلان، انتبه، هذه ولاية عامة، معناها أيش؟ تولي الأمور بنصر أو خذلان أو غير ذلك، المهم متولّي الخلق هو الله عز وجل، هذه ولاية عامة، ومنها قوله تعالى: حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا وَهُمْ لَا يُفَرِّطُونَ (٦١) ثُمَّ رُدُّوا إِلَى اللَّهِ مَوْلَاهُمُ الْحَقِّ [الأنعام: ٦١، ٦٢].
أما الولاية الخاصة: فهي خاصة بالمؤمنين: اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ [البقرة: ٢٥٧]، وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُؤْمِنِينَ [آل عمران: ٦٨] وهو عز وجل وليّ المتقين، فالولاية هذه خاصة، ومعناها أو مقتضاها: أن الله سبحانه وتعالى يتولّى هذا الذي استحقها باللطف والعناية يوفّقه، ويفسّر هذا حديث أبي هريرة رضي الله عنه: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال فيما يرويه عن ربه: «مَنْ عَادَى لِي وَلِيًّا فَقَدْ آذَنْتُهُ بِالْحَرْبِ، وَمَا تَقَرَّبَ إِلَيَّ عَبْدِي بِشَيْءٍ أَحَبَّ إِلَيَّ مِمَّا افْتَرَضْتُهُ عَلَيْهِ، وَلَا يَزَالُ عَبْدِي يَتَقَرَّبُ إِلَيَّ بِالنَّوَافِلِ حَتَّى أُحِبَّهُ، فَإِذَا أَحْبَبْتُهُ كُنْتُ سَمْعَهُ الَّذِي يَسْمَعُ بِهِ، وَبَصَرَهُ الَّذِي يُبْصِرُ بِهِ، وَيَدَهُ الَّتِي يَبْطِشُ بِهَا، وَرِجْلَهُ الَّتِي يَمْشِي بِهَا» . يعني أن الله يُسدّده في جميع تصرفاته؛ إذن هذه ولاية خاصة تختص بمن يستحقها من المؤمنين المتقين.
هنا: بَلِ اللَّهُ مَوْلَاكُمْما المراد بها العامة أو الخاصة؟
الطلبة: الخاصة.
الشيخ: الخاصة.
ومن فوائد هذه الآية: أن الله عز وجل ناصر لأوليائه؛ لقوله: وَهُوَ خَيْرُ النَّاصِرِينَوهذه من ولايته.
فإن قال قائل: كيف نجيب عما أخبر الله بكتابه أن من الناس من قتل الأنبياء بغير حق؟ كيف نجيب عن ذلك؟
فالجواب عن هذا من أحد وجهين:
الوجه الأول: أن المراد بالنصر أو الوعد بالنصر لمن أمر بالجهاد، فإن الله ينصره؛ لأن الله لا يكلّفه بشيء إلا والعاقبة له فيه، وأما الذين قُتلوا من الأنبياء فإنهم لم يُؤمروا بالجهاد.
والوجه الثاني: أن نقول: إن النصر نوعان: نصر شخص: بمعنى أن الإنسان يُدركه بشخصه، ونصر معنوي: بمعنى أن الله ينصر من جاء بهذا ولو بعد موته، ولهذا تجدون الأئمة؛ أئمة المسلمين تجدون أقوالهم كأنهم أحياء بيننا، أليس كذلك؟ الأئمة أقوالهم حية فكأنهم أحياء، أنت إذا أخذت كتابًا لعالم من العلماء وقرأته وانتفعت به فكأنما درّسك هذا العالم، إذن هذا نصر ولَّا لا؟ هذا نصر؛ نصر لمبدئه وهدفه ودعوته، هذا نصر.
فيه وجه ثالث أيضًا: أن نوزّع النصر على الزمن، فنقول: إن النصر قد يكون في الدنيا، وقد يكون في الآخرة، والذين قُتلوا من الأنبياء سوف يكون نصرهم في الآخرة عندما يختصمون مع أقوامهم؛ لأنكم لاحظوا يا إخوان أن أهل الحق وأهل الباطل يوم القيامة يختصمون عند الله، يختصمون فيقضي بينهم فيما هم فيه يختلفون، أنتم لا تظنوا أن الخلاف الذي يقع بين أهل الحق وأهل الباطل ينتهي بالدنيا، لا، سوف يحكم الله بينهم يوم القيامة وينصر أهل الحق لَنْ تَنْفَعَكُمْ أَرْحَامُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَفْصِلُ بَيْنَكُمْ [الممتحنة: ٣]، ثُمَّ إِلَيْنَا مَرْجِعُكُمْ فَنُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ [يونس: ٢٣].
المهم على كل حال آيات متعددة تدل على هذا: إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ (٣٠) ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عِنْدَ رَبِّكُمْ تَخْتَصِمُونَ [الزمر: ٣٠، ٣١]، إذن إذا حكم الله لأهل الحق على أهل الباطل يوم القيامة فهذا نصر ولَّا لا؟ نصر، فصار الجواب على هذه الآية؟ من ثلاثة أوجه؛ إما أن نقول: إن الذين وُعدوا بالنصر هم الذين أُمروا بالجهاد، أو نقول: إن النصر نوعان؛ نصر لشخص منصور يُدركه في حياته، ونصر لدعوته وما جاء به، وهذا يكون ولو بعد وفاته، أو نقول: إن المراد بالنصر هو النصر يوم القيامة عندما يختصمون عند الله عز وجل، قال الله تعالى: إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ [غافر: ٥١].
طالب: شيخ، أحسن الله إليك؛ يعني تصديقًا له سبحانه وتعالى: إِنْ تُطِيعُوا فَرِيقًا مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَنحن جاعلوه لو رددناه إلى قوله سبحانه وتعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ [المائدة: ٥١] المقام نقول: يهودي أو نقول: نصراني؟
الشيخ: لا، الآية صريحة: فَرِيقًا مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَلأن بعض أهل الكتاب معهم (...)، لكن ما هم كلهم، ثم أهل الكتاب في الحقيقية بالوقت الحاضر ما فيهم (...)؛ لأن اللي فيهم مودّة للذين آمنوا هم أقرب الناس مودة هم الذي إذا سمعوا ما أُنزل إلى الرسول ترى أعينهم تفيض من الدمع مما عرفوا من الحق، حيث.. قريبين من المؤمنين، أدنى دعوة يتأثّرون فيها ويدخلون في الإسلام، لكن نصارى اليوم كيهود الأمس معاندون ضد الإسلام، ولا يريدون أن تقوم للإسلام قائمة.
الطالب: العداوة على العموم؛ يعني ما فيه اليهود والنصارى؟
الشيخ: في الوقت الحاضر، هذا هو الظاهر، ولهذا لا تجد نصرانيًّا عنده علم إلا لا يستطيع أن يؤمن، لكن جُهّال النصارى يمكن يؤمنون، لو كان هناك دعاة حقيقة من المسلمين لكان كثير من النصارى يدخلون في الإسلام الجهّال منهم، لكن اللي عندهم علم، الله أعلم، القلوب بيد الله، لكن بعيد أن يدخلوا في الإسلام.
طالب: ذكر بعض المفسرين أن بني إسرائيل أو أن فرعون وقومه لما تبعوا موسى بقي منهم عدد لم يدخلوا البحر فأنزل الله ملائكة فقذفوا بهم في البحر، هل هذا صحيح؟
الشيخ: الله أعلم، لكن يجب أن نعلم أن ما لم يكن في القرآن، وصحيح السنة من الأخبار فإنه لا يُصدّق ولا يُكذّب؛ لأن الله قال: أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَبَأُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ وَالَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ لَا يَعْلَمُهُمْ إِلَّا اللَّهُ [إبراهيم: ٩]، إذن ما نتلقّى أخبارهم إلا من الله عز وجل؛ إما من كتابه أو من صحيح السنة، وما عدا ذلك فإنه يُتوقّف فيه.
الطالب: كذلك العدد يا شيخ، ما قيّدهم بأعداد.
الشيخ: أبدًا ما نعلم عددهم، هذا كله ما نعلمه.
طالب: شيخ، توجيه الخطاب إلى الرسول صلى الله عليه وسلم خاصة والصحابة؛ يعني بعض الناس..
الشيخ: أيش؟
الطالب: توجيه الخطاب إلى الرسول عليه الصلاة والسلام..
الشيخ: وين هو؟
الطالب: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا.
الشيخ: والله مشكل، هل هذا خاص بالرسول والصحابة؟
الطالب: أوحي للرسول صلى الله عليه وسلم.
الشيخ: إي معلوم، كل القرآن موحى إليه، لكن هل الخطابات اللي في القرآن والنداءات اللي في القرآن للرسول وأصحابه فقط؟
الطالب: وإلى العامة.
الشيخ: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواهذا وصف ممكن إلى يوم القيامة.
طالب: لكن أقصد يا شيخ هل حصل شيء من هذا في عهد النبي صلى الله عليه وسلم من الصحابة أو لها سبب نزول؟
الشيخ: أبدًا، ما أعلم أن أحدًا إلا الذين ارتدوا، ولكن الذين ارتدوا من العرب ما هم على شأن الكفّار.
طالب: شيخ، أحسن الله إليك يقولون عن فرعون إنه ما زال محنّطًا إلى الآن، ما زال محنّطًا بجسده.
الشيخ: الله أعلم، يقولون: اللي في الأهرام أنها أجسادهم، والله أعلم.
الطالب: هل هذا يكون تصديقًا لما ذكره الله في القرآن؟
الشيخ: أبدًا؛ لأن قوله: لِمَنْ خَلْفَكَليس معناها لمن خلفك إلى يوم القيامة، يكفي أن بني إسرائيل يشاهدونه ويتيقنون أن الرجل مات؛ لأنه مرهبهم؛ كان يُقتّل أبناءهم ويستحيي نساءهم، جبروت مستبدّ، ومثل هذا لا يمكن الإنسان يقتنع ويطمئن على أنه مات إلا بمشاهدته؛ لأن الشيطان يأتي ويقول: لا، يمكن أنه حي، يمكن أنه سبح في طرف البحر ونجا.
طالب: شيخ، يوم القيامة يختصم الناس بين يدي الله ويقضى بينهم، هل هذه الخصومة بين فرقة المؤمنين والكافرين، أو بين أي خصومة حتى لو بين المؤمن والمؤمن؟
الشيخ: ظاهر كلام العلماء أنه عام حتى بين أهل السنة وأهل البدعة، كما مر علينا أظن في أيش؟
طالب: النونية.
الشيخ: في النونية، مر علينا أنه عام.
الطالب: حتى بين المؤمنين والكفار؟
الشيخ: حتى بين.. أما أصحاب الحقوق لا شك أن الله بيقضي بينهم، الذي له حق على أخيه هذا أمر معلوم، لكن حتى في الأمور الشرعية إذا اختلفوا فيها وكان بعضهم مثلًا معاندًا فالله يحكم بينهم، أما من كان الخلاف بينهم ناشئًا عن اجتهاد فلا أظن أن يكون بينهم خصومة؛ لأن حقيقة الأمر أن سبيلهم واحد؛ كلهم يريدون الحق.
الطالب: لكن الحق واحد؟
الشيخ: إي نعم، لكن كل واحد منهم يعتبر مأجورًا: إن أصاب فله أجران، وإن أخطأ فله أجر واحد.
الطالب: شيخ، في المسألة المعينة الاجتهادية الحق فيها واحد.
الشيخ: ما فيه شك.
الطالب: هناك خلاف؟
الشيخ: لكن كل واحد منهم على حق فيما ذهب إليه؛ لأنه اجتهد فحكم بما يراه أنه حق.
الطالب: لكن ما يبيّن؟
الشيخ: لا لا، يوم القيامة ما يختصمون.
طالب: شيخ، هُوَ خَيْرُ النَّاصِرِينَهناك ناصر ولكن ليس.. هذا من أعم الأحوال (...).
الشيخ: إي نعم، هذه من الفوائد أيضًا: أنه يوجد من ينصر غير الله عز وجل؛ يعني يوجد أحد ينصر غير الله، وهذا صحيح: وَإِنِ اسْتَنْصَرُوكُمْ فِي الدِّينِ فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ إِلَّا عَلَى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ [الأنفال: ٧٢]، لكن الله هو خير الناصرين مثل ما أنه يوجد خالق غير الله، لكن الله أحسن الخالقين، كما ذكرنا لكم -فيما سبق- أن الخلق المضاف لغير الله ليس هو الخلق المضاف لله؛ لأن الخلق المضاف لله هو إبداع، والخلق المضاف لغير الله ما هو إلا تحويل وتغيير الشيء من شيء إلى شيء؛ من صورة إلى صورة مثلًا.
طالب: شيخ، الطاعة يا شيخ عامة هنا؟
الشيخ: أيش؟
الطالب: الطاعة للكافرين عامة هنا؟
الشيخ: عامة؟
طالب: شيخ، في الصناعات؟
الشيخ: لا، إحنا قلنا، قيدناها، ماذا قلنا؟
طلبة: التعبّدية.
الشيخ: في الأمور التعبّدية، أما المسائل الصناعية هذه أو أسباب الرزق، أو كيف تحرث الأرض ما تدخل في الآية.
***
طالب: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم سَنُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ بِمَا أَشْرَكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَمَأْوَاهُمُ النَّارُ وَبِئْسَ مَثْوَى الظَّالِمِينَ (١٥١) وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللَّهُ وَعْدَهُ إِذْ تَحُسُّونَهُمْ بِإِذْنِهِ حَتَّى إِذَا فَشِلْتُمْ وَتَنَازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ وَعَصَيْتُمْ مِنْ بَعْدِ مَا أَرَاكُمْ مَا تُحِبُّونَ مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الْآخِرَةَ ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ لِيَبْتَلِيَكُمْ وَلَقَدْ عَفَا عَنْكُمْ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ (١٥٢) [آل عمران: ١٥١، ١٥٢].الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، سبق في الآيات الماضية التحذير من طاعة الكفار، في أيّ آية؟
طالب: في قوله تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا الَّذِينَ كَفَرُوا يَرُدُّوكُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ فَتَنْقَلِبُوا خَاسِرِينَ.
الشيخ: طيب وجه التحذير؟
الطالب: (...).
الشيخ: الارتداد على العقب والانقلاب بالخسارة، هل يشمل هذا أي طاعة كانت؟
طالب: نحن استثنينا منها (...) قلنا: إن هذا المطيع إنما هو فيما يتعبّد به لله عز وجل، أما ما كان منه صناعة ونحوها فلا يدخل في الآية.
الشيخ: فلا يدخل في الآية؟
الطالب: لا ما يدخل.
الشيخ: لا يدخل في الآية. وسبق لنا قول الله: فَآتَاهُمُ اللَّهُ ثَوَابَ الدُّنْيَا وَحُسْنَ ثَوَابِ الْآخِرَةِلماذا عبّر عن الدنيا بالثواب، وعن الآخرة بحسن الثواب؟
طالب: لأن ثواب الآخرة إما أن يجازي الله العبد الحسنة بمثلها، وإما..
الشيخ: الحسنة بمثلها؟!
طالب: لا، ثواب السيئة بمثلها، أما الحسنة فتضاعف إلى عشر أمثالها إلى سبع مئة ضعف، فذكر الله عز وجل هذا الثواب الحسن إشارة إلى أنه سيجزيهم بهذا، وأن جزاءهم ليس جزاء مكافأة إنما هو جزاء فضل وإحسان.
الشيخ: إي نعم.
طالب: أن الدنيا ليس لها حسن أصلًا، وأن الآخرة هو حسن الثواب.
الشيخ: إي؛ لأن ثواب الدنيا مهما بلغ فهو ناقص بخلاف ثواب الآخرة، وهنا قال: حُسْنَ ثَوَابِ الْآخِرَةِوفيه إشارة -كما قلنا- إلى تكفير سيئاتهم بما صنعوا. مر علينا في الآيات السابقة إثبات المحبة لله؟
طالب: من قوله: وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ.
الشيخ: يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ، وما هي محبة الله؟ هل هي ثوابه أم ماذا؟ محبة الله هي ثوابه؟
طالب: هي صفة تليق بالله سبحانه وتعالى.
الشيخ: والثواب مِن؟
الطالب: من أسباب المحبة.
الشيخ: من أسبابها ولا من آثارها؟
الطالب: من آثارها.
الشيخ: من آثار المحبة، طيب، هل أحد من الناس خالَف في هذا؟
طالب: إي نعم، خالف الجهمية والمعتزلة.
الشيخ: والأشاعرة أيضًا، فنفوا حقيقة المحبة، بماذا فسّروها؟
طالب: بموجبها يعني..
الشيخ: بموجِبها ولّا موجَبها؟
الطالب: بالذي توجِب.
الشيخ: أقول: بالموجِب ولَّا بالموجَب؟
الطالب: بالموجَب.
الشيخ: بالموجَب.
الطالب: يعني بما ينتج عنها.
الشيخ: لا لا، الكلمة التي قلت تحتاج إلى تحليل، هل نقول: بالموجَب ولا بالموجِب؟
الطالب: بالموجَب.
الشيخ: بالموجَب، المحبة الآن لها سبب، السبب يُسمى (مُوجِب)، ولها ثواب يسمى (مُوجَب)، فمثلًا اتباع الرسول صلى الله عليه وسلم نقول: موجِب لمحبة الله، قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ [آل عمران: ٣١]، والثواب على المحبة (موجَب)، فالموجِب هو السبب، والمقتضي هو السبب، والموجَب هو الأثر والمقتضَى هو الأثر. لماذا فسروا المحبة بأثرها؛ أي بالثواب؟
طالب: لأن وقوع المحبة ميل الإنسان إلى ما..
الشيخ: إلى ما يجلب له.
الطالب: يعني مصلحة أو يتبع أمره، والله سبحانه منزّه.
الشيخ: هذه واحدة، وغير؟
الطالب: والمحبة قالوا: عرض.
الشيخ: عرض؟
الطالب: إي نعم؛ لأن المحبة لا تقوم إلا بالجسم، أو لا تقوم إلا..
طالب آخر: قالوا: إن المحبة لا تكون إلا بين المتجانسين.
الشيخ: أحسنت، لا تكون إلا بين المتجانسين، ولا مجانسة بين الخالق والمخلوق أحسنت، بماذا نرد على هذا التعليل؟
يقولون: المحبة لا تكون إلا بين شيئين متجانسين؛ رجل ورجل، أنثى وأنثى، رجل وأنثى، لا تكون بين شيئين متباينين غاية التباين، فلا تكون بين الخالق والمخلوق.
طالب: نرد عليه؟
الشيخ: نرد عليه.
الطالب: نرد عليه بأن الإنسان يحب مثلًا التفاح وهذا ليس مثلًا (...)، إذا كان المحبة خاصة بين المتجانسين فكيف يحب الإنسان التفاح؟!
الشيخ: وأنت تحب التفاح؟!
الطالب: تفاح وعنب وغيره!!
الشيخ: صحيح، لكن هل هناك دليل من السُّنة على إثبات المحبة بين شيئين غير متجانسين؟
الطالب: نعم، عن النخلة؟
الشيخ: عن النخلة؟ ما ذكروا هذا.
طالب: جبل أُحُد.
الشيخ: عن جبل أحد، طيب، كذا؟ وكذلك أقرّ أبا طلحة لما قال: أَحَبُّ مَالِي إِلَيَّ بَيْرُحَاءُ ، واضح؟
فدعواهم أنه لا يكون المحبة إلا بين متجانسين، هذه دعوى باطلة يكذبها الحس والواقع. مر علينا إثبات الولاية لله، وذكرنا أنها تنقسم؟
طالب: إلى ولاية خاصة وولاية عامة.
الشيخ: مثال الخاصة؟
الطالب: الخاصة: وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُؤْمِنِينَ.
الشيخ: نعم، اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا [البقرة: ٢٥٧] هذه خاصة، والعامة؟
الطالب: والعامة يعني أنه الله يعني مولى كل الناس.
الشيخ: يتولّى أمور كل الخلق، ودليله؟ دليل أو مثال لها؟
الطالب: دليله نفي الولاية الخاصة عنهم.
الشيخ: لا، لا، دليل ثبوت الولاية العامة؟
الطالب: قوله تعالى: ثُمَّ رُدُّوا إِلَى اللَّهِ مَوْلَاهُمُ الْحَقِّ [الأنعام: ٦٢].
الشيخ: إي حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا وَهُمْ لَا يُفَرِّطُونَ (٦١) ثُمَّ رُدُّوا إِلَى اللَّهِ مَوْلَاهُمُ [الأنعام: ٦١، ٦٢] هذا عام.
وفيه آية جمعت بين الأمرين في قوله: ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ مَوْلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَأَنَّ الْكَافِرِينَ لَا مَوْلَى لَهُمْ [محمد: ١١] فأثبتت الخاصة، ونفتها عن الذين كفروا.
ثم قال الله تعالى: سَنُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ بِمَا أَشْرَكُوا بِاللَّهِإلى آخره.
سَنُلْقِيالفاعل هو الله عز وجل، وعبّر عن نفسه تعالى بفعل يقتضي الجمع مُريدًا بذلك التعظيم؛ أي: سنلقي نحن، ولا يمكن أن يُراد به إلا ذلك؛ لأن الله واحد ليس متعددًا، فلا يمكن أن يكون معه أحد، بخلاف غيره فإنك إذا قلت لشخص: سنأتيك، يحتمل أنك أردت التعظيم، ويحتمل أنك أردت الجمع، لكن بالنسبة لله عز وجل لا يمكن أن يُراد الجمع الذي هو التعدّد، وإنما يراد به التعظيم، ويدل لهذا قوله تعالى في سورة الأنفال: إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الْمَلَائِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا سَأُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ [الأنفال: ١٢] فالله سبحانه وتعالى هو الْمُلقي، لكنه يذكر نفسه تعالى أحيانًا بصيغة الإفراد؛ لأنه واحد، وأحيانًا بصيغة الجمع؛ لأنه عظيم.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: ويحتمل أنه يذكر نفسه بصيغة الجمع لما له من الجنود العظيمة التي لا يعلمها إلا هو، فيكون هذا إشارة إلى أنه ذو عظمة وسلطان وجنود تفعل ما يأمر به جل وعلا.
وقوله: سَنُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَالسين تدخل على الفعل المضارع وتفيد أمرين:
الأول: القرب، والثاني: التحقق، فهي تفيد التحقيق من وجه، وتفيد القرب من وجه آخر، بخلاف (سوف) فإنها تفيد التحقيق وتفيد الإمهال، ولهذا يكون (سوف) للتسويف، و(السين) للتنفيس؛ أي: القرب.
سَنُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَفيها قراءتان: {الرُّعُبَ} والرُّعْبَوهذا يوجد في اللغة العربية كثيرًا؛ يعني التسكين للتخفيف، والحركة على الأصل، مثل: النهْر والنهَر، هذه: الرُّعْبَو{الرُّعُبَ} والمعنى واحد، والرُّعْب: أشد الخوف، وإنما ذكر الله عز وجل أنه يلقي الرعب في القلب؛ لأن القلب إذا دخله الرعب فإنه لا يُمكن أن يثبت البدن، لو ثبت البدن أو حاول الإنسان الثبات فإن قلبه من الرعب سوف يحمله عن الأرض حملًا ويفرّ، ولا يمكن أن يبقى، ولهذا نجد بني النضير لما ألقى الله في قلوبهم الرعب ماذا صنعوا؟ صار الواحد منهم ينجو بنفسه، حتى إنهم كانوا من شدة خوفهم يحملون يعني الأمتعة ويكسّرون البيوت، يعني ما يقلعون الأبواب على تؤدة وطمأنينة من شدة الرعب الذي أصابهم، والرعب أقوى سلاح يكون على العدو، فإذا ألقى الله الرعب في قلب العدو فإنه لن يبقى.
سَنُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ بِمَا أَشْرَكُوا بِاللَّهِ
(الباء) هنا للسببية؛ أي بسبب شركهم بالله، و(ما) يسميها العلماء مصدرية أي: بشركهم، وعلامة ما المصدرية أن يصح تحويل ما بعدها إلى مصدر، إذا صح تحويل ما بعدها إلى مصدر فهي مصدرية، وقد ذكروا أن لـ(ما) عدة معانٍ، ذكروا لها معاني عشرة، مجموعة أو مشارًا إليها في بيت من الشعر محفوظ عندكم إلا أن تكونوا قد نسيتموه؟
طالب:
| سَتَفْهَمُ شَرْطَ الْوَصْلِ فَاعْجَبْ لِنُكْرِهَا | بِكَفٍّ وَنَفْيٍ زِيدَ تَعْظِيمُ مَصْدَرِ |
| سَتَفْهَمُ شَرْطَ الْوَصْلِ فَاعْجَبْ لِنُكْرِهَا | بِكَفٍّ وَنَفْيٍ زِيدَ تَعْظِيمُ مَصْدَرِ |
الأخير هو المثال الذي معنا: بِمَا أَشْرَكُوا. بِمَا أَشْرَكُوا بِاللَّهِأي: بشركهم بالله؛ حيث جعلوا لله تعالى شركاء، ولكن هؤلاء الشركاء الذين جعلوهم مع الله إنما جعلوهم شركاء في العبادة لا في الربوبية، ولهذا كان شِرك العرب شركًا في الألوهية لا في الربوبية وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ خَلَقَهُنَّ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ [الزخرف: ٩]، وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ [الزخرف: ٨٧]، قُلْ لِمَنِ الْأَرْضُ وَمَنْ فِيهَا إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٨٤) سَيَقُولُونَ لِلَّهِ [المؤمنون: ٨٤، ٨٥]، فهم يُقرّون بأن الله هو الخالق، وأن ما في الكون ملكه، لا يُنكرون هذا، لكنهم يشركون في العبادة، فيعبدون مع الله غيره، ومع ذلك يدّعون أنهم يعبدون هذه الأصنام لتكون شفعاء لهم عند الله، فهم يقرّون أيضًا أنها دون مرتبة الله لكن يعبدونها وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ، يعني يقولون: مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى [الزمر: ٣].
يقول: بِمَا أَشْرَكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا(ما) تحتمل أن تكون اسمًا موصولًا؛ أي: الذي لم ينزل به سلطانًا، وتحتمل أن تكون نكرة موصوفة، أي: شيئًا لم يُنَزِّل به سلطانًا، والمعنى لا يختلف على التقديرين.
وقوله: مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِفيها قراءتان: يُنَزِّلْو{يُنْزِلْ} أي: بالتشديد والتخفيف.
وقوله: سُلْطَانًاأي: حُجّة وبرهانًا، فيجعلون لله شركاء لم ينزل الله بهم سلطانًا، أي: ليس لهم بهم حُجّة.
وقوله: مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًاالقيد هنا لبيان الواقع وليس للاحتراز، لبيان الواقع؛ أي: أن واقع هؤلاء الشركاء أنه لا سلطان لشركهم ولا دليل، وليس المعنى أنهم يشركون ما لم ينزل به، ولو أشركوا ما نزل به لكانوا على صواب، لا؛ لأنه لا يمكن أن يأتي سلطان -أي حجة- على أن الله له أيش؟ شركاء.
فإذا قال قائل: ما الفائدة من ذكر هذا الوصف الذي يُبيّن الواقع؟
قلنا: الفائدة في ذلك: إقامة الحُجّة على أنه ليس لهم دليل في إشراكهم به، ليس لهم دليل؛ لأنهم بنوا على غير سلطان وعلى غير حُجّة، فإذا كان كذلك فالغرض من هذا التنفير عن هذا الإشراك، عكس ذلك أن يأتي وصف لبيان الواقع من أجل الحث والإغراء على لزوم الحكم كقوله تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ [الأنفال: ٢٤] فإن الرسول صلى الله عليه وسلم لا يدعو الخلق إلى ما يميتهم وإنما يدعوهم إلى ما يحييهم، فالقيد إذن لبيان الواقع، ولكن جيء به للحث والإغراء على إجابة دعوته، كما أن القيد الذي في الآية هذه: مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًالبيان بطلان هذا الإشراك، وأنه ليس له دليل.
قال: مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًاواعلم أن السلطان ما كان له سلطة، فالدليل يُسمى سلطانًا، والأمير على القوم يسمى سلطانًا، وولاية الرجل على أهله سلطان، وهكذا كل ما كان له سلطة فإنه يسمى سلطانًا.
قد يكون السلطان بمعنى القدرة على الشيء مثل قوله تعالى: لَا تَنْفُذُونَ إِلَّا بِسُلْطَانٍ [الرحمن: ٣٣] أي: بقدرة، ولا قدرة لكم على نفوذ أقطار السماوات والأرض.
قال: وَمَأْوَاهُمُ النَّارُ وَبِئْسَ مَثْوَى الظَّالِمِينَمَأْوَاهُمُأي: مرجعهم النار، فهم -والعياذ بالله- مغلوبون في الدنيا وفي الآخرة؛ في الدنيا يُلقي الله في قلوبهم الرعب، فلا يقرّون ولا يستقرّون، في الآخرة مأواهم النار، والنار هي الدار التي أعدّها الله عز وجل لأعدائهم يعذبهم بها، وهي موجودة الآن، عرضت على النبي صلى الله عليه وسلم في صلاة الكسوف حتى إنه تأخّر مخافة أن يصيبه من وهجها عليه الصلاة والسلام، ورأى فيها من يُعذّب .
وَبِئْسَ مَثْوَى الظَّالِمِينَ(بئس): فعل جامد لإنشاء الذم ويقابله (نِعْمَ)، وهذا الفعل يحتاج إلى فاعل وإلى مخصوص، فما فاعله؟ مثوى، وما المخصوص؟ محذوف، والتقدير: هي أو النار، وبئس مثوى الظالمين النار.
وقوله: مَثْوَىالمثوى: المستقَرّ الذي يثوي إليه الإنسان ويستقرّ فيه كالمسكن مثلًا.
في هذه الآية الكريمة عدة فوائد:
الفائدة الأولى: إثبات الأفعال الاختيارية لله؛ لقوله: سَنُلْقِي.
ثانيًا: أن من كمال الله عز وجل تجدّد أفعاله التي تكون تابعة لإرادته وحكمته؛ لأن إلقاء الرعب في قلوب هؤلاء حادث أو قديم؟
طلبة: حادث؟
الشيخ: حادث، كيف؟
طالب: مستقبل.
الشيخ: لأنه سنلقي في المستقبل، ثم هؤلاء متى وُجدوا؟ هل هم أزليون؟ هم حادثون، وقلوبهم حادثة، والرعب الذي يلقى فيها حادث، وبه نرد على من أنكروا أفعال الله الاختيارية، وقالوا: إن الله سبحانه وتعالى ليس له أفعال حادثة، زعمًا منهم أن الفعل الحادث لا يقوم إلا بحادث، فيلزم من هذا إنكار صفة القِدم عن الله، هذا على زعمهم، ونحن نقول: هذه دعوى باطلة، من يقول: إن الفعل الحادث لا يقوم إلا بحادث؟ نحن نشاهد أفعالًا لنا لم تكن قديمة كقِدمنا، أليس كذلك؟ فالإنسان يتعشى اليوم غير عشائه بالأمس، فهذا فعل حادِث في محدَث، فلا يلزم أن يكون الفعل مقارنًا للفاعل أبدًا لوجود الفاعل؛ إذن نقول: في هذه الآية ردّ على هؤلاء الذين ينكرون قيام الأفعال الاختيارية بالله عز وجل.
ومن فوائد هذه الآية: بيان عظمة الله، بيان عظمة الله من أين تؤخذ؟
طالب: عظمة الله يعني (...).
الشيخ: بيان عظمة الله.
الطالب: سَنُلْقِي.
الشيخ: من قوله: سَنُلْقِيفإن هذه الصيغة تدل على العظمة أو التعدّد، والتعدّد في حق الله محال، فتعيّن أن تكون للتعظيم.
من فوائد هذه الآية الكريمة: أن محل الإرادة والتدبير للبدن هو القلب؛ لقوله: سَنُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَوليس المحل هو الدماغ كما هو مشهور عند فلاسفة اليوم، فإن الدماغ في الحقيقة لا يدبِّر، الدماغ يتصوّر، ثم يرسل الصورة إلى القلب، والقلب يحكم، الدماغ بمنزلة ما يسمونه بالسكرتير، يجهّز الأوراق ويصلّحها، ثم يرسلها إلى الملك ويقول: ماذا تأمر؟ والدليل على هذا..





