فإن الدماغ في الحقيقة لا يدبر، الدماغ يتصور ثم يرسل الصورة إلى القلب، والقلب
يحكم، الدماغ بمنزلة ما يسمونه بـ (السكرتير) يجهز الأوراق ويصلحها ثم يرسلها إلى
الملك ويقول: ماذا تأمر؟
والدليل على هذا قوله تبارك وتعالى: أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا أَوْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ [الحج: ٤٦] نص واضح أن العقل يكون بالقلب وأن محل هذا القلب هو الصدر، وبهذا نرد على من
قالوا: إن المراد بقوله: قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا [الحج: ٤٦] القلوب المعنوية وهي الدماغ؛ نقول: كيف الله يقول: وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ [الحج: ٤٦]؟ نص صريح.
ثم السنة أيدت هذا فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «أَلَا وَإِنَّ فِي الْجَسَدِ مُضْغَةً إِذَا صَلُحَتْ صَلُحَ
الْجَسَدُ كُلُّهُ، وَإِذَا فَسَدَتْ فَسَدَ الْجَسَدُ كُلُّهُ، أَلَا وَهِيَ
الْقَلُبُ» فالتدبير
للقلب والتصور للدماغ.
قال الإمام أحمد رحمه الله: العقل بالقلب وله اتصال
بالدماغ، واتصاله هو ما ذكرنا أن الدماغ يتصور ثم يرسل إلى القلب، والقلب يأمر
بواسطة الدماغ، والدماغ يحرك الأعصاب؛ وبهذا التقرير يتبين لنا أن ما جاء به القرآن
والسنة في هذه المسألة لا يخالف ما كان معروفًا عند الأطباء اليوم.
من فوائد الآية الكريمة: أن إلقاء الرعب في قلب الأعداء من
أكبر النصر؛ لقوله: وَهُوَ خَيْرُ النَّاصِرِينَ [آل عمران: ١٥٠]، ثم قال أيش؟ سَنُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ [آل عمران: ١٥١]، فالرعب من أقوى أسباب النصر وهو أمر
معروف.
هذا الرعب هل هو خاص في عهد الرسول عليه الصلاة والسلام أو يشمل ما يحصل
لأعداء أتباعه إلى يوم القيامة؟ الثاني هو الثابت؛ ولهذا قال النبي عليه الصلاة
والسلام فيما صح عنه: «نُصِرْتُ بِالرُّعْبِ مَسِيرَةَ
شَهْرٍ» .
ومن فوائد هذه الآية: إثبات الأسباب؛ لقوله: بِمَا أَشْرَكُوالأن الباء للسببية، وإثبات الأسباب هو الحق،
والأسباب إما شرعية وإما حسية، وإنكارها سفه في العقل وضلال في الدين؛ لأن النصوص
قد تكاثرت وتجمعت على إثبات الأسباب؛ دخول الجنة لا يحصل إلا بسبب، والنجاة من
النار لا يحصل إلا بسبب، الولد لا يحصل إلا بسبب، الرزق لا يحصل إلا بسبب، كل شيء
لا بد له من سبب؛ فإنكار الأسباب ضلال في الدين وسفه في العقل.
ومن العجب أن
الأشاعرة ومن نحا نحوهم في هذا الباب يقولون: إن الله تعالى يوجد الأشياء بلا
واسطة، وتقع الأشياء بتدبيره مباشرة بلا واسطة. لأنهم يقولون: لو أثبتنا الواسطة
وجعلنا لها تأثيرًا لكان هذا نوعًا من الشرك بالله؛ فمثلا يقولون: لا أثر للسكين في
قطع اللحم، ولا أثر للحجر في كسر الزجاجة، كيف؟ يعني إنسان أتى بلحم وجعل يقطعه
بالسكين، يقول: لا أثر للسكين في قطع اللحم، من القاطع؟ الله.
إنسان رمى زجاجة
بحجر فانكسرت، لا أثر للحجر في كسر الزجاجة، من اللي كسرها؟ الله، لأنك لو قلت: إن
السكين قطعت اللحم أشركت بالله، لو قلت: إن الحجر كسر الزجاجة أشركت بالله؛ إذنْ
الأسباب لا تؤثر.
كيف ما تؤثر، نحن نشاهد هذا؟ قالوا: هذا خلقه الله عندها لا
بها، سبحان الله ! لو أتيت بعصا ما هو سكين وأردت تقطع اللحم؟ ما يقطع.
لو أرسلت
ريشة على زجاجة ولصقت بها من شدة حَذْفِك إياها، تكسرها؟ لا تكسرها؛ إذنْ لا يمكن
أن ننكر هذا الشيء، هذا سفه في العقل.
لكننا نقول: هذه الأسباب لا يوجد بها
المسبب بذاتها، وإنما يوجد بما أودع الله فيها من القوى التي خلقها الله عز وجل،
واضح؟ من ذلك الرعب يُلْقَى في قلوب الذين كفروا، لسبب ولَّا لغير سبب؟ بسبب، وهو
الإشراك.
من فوائد هذه الآية الكريمة: أنه إذا كان
الرعب يُلْقَى في قلوب الذين كفروا لإشراكهم؛ فإن الأمن يلقى في قلوب الذين آمنوا
لتوحيدهم، أليس كذلك؟ لأن ما ثبت للشيء ثبت ضده لضده؛ فإذا ثبت الرعب للكفار بسبب
إشراكهم ثبت الأمن للمؤمنين بتوحيدهم، ويدل لهذا قوله تعالى: الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ [الأنعام: ٨٢] والظلم الشرك كما فسره
النبي عليه الصلاة والسلام؛ لَمَّا نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ
قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَيُّنَا لَمْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ؟ قال: «إِنَّمَا
ذَلِكُمُ الشِّرْكُ، أَلَمْ تَسْمَعُوا إِلَى قَوْلِ الرَّجُلِ الصَّالِحِ:
إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ [لقمان: ١٣]» ،
إذنْ كلما كان الإنسان أشد إيمانًا بالله وأشدَّ توحيدًا له كان أشد أمنًا
واستقرارًا، وهذا شيء مجرب؛ لأن من كان أشد إيمانًا وتوحيدًا لله كان أقوى توكُّلًا
عليه، ومن أقوى أسباب الأمن ومصابرة الأعداء أيش؟ التوكل على الله عز وجل، حتى إن
من الناس من يقوم توكله على الله مقام الدواء في الشفاء؛ كما قرر شيخ الإسلام رحمه
الله وهو واقع، بعض الناس يكون عنده قوة توكل على الله ويشفى بدون علاج، بسبب قوة
توكله على الله، وقد أشار إلى هذا شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله حينما ذكر أن
الدواء بالمحرم ليس ضروريًّا حتى يقال: إن الدواء بالمحرم جائز للضرورة. قال: هذا
ليس بضروري. لماذا؟ لأن المريض قد يُشْفَى بدواء آخر، وقد يشفى بالقراءة، قال: وقد
يشفى بقوة التوكل على الله، وقد مرض أبو بكر رضي الله عنه فقيل
له: ألا ندعو لك الطبيب؟ قال: إنه قد رآني، وقال: إني أفعل ما أريد. ،
من يعني به؟ الله عز وجل.
فالحاصل أن نقول: إن الإنسان كلما قوى إيمانه بالله
وقوي توحيده ازداد أمنًا وطمأنينة واستقرارًا وهذا أمر مشاهد مدرك بحس.
ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أنه لا دليل لأحد على شركه؛
لقوله: مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا.
ومن فوائدها: النداء والإعلان عن سفه هؤلاء المشركين لكونهم
أشركوا بالله ما لم ينزل به سلطانًا، لو كان لهم دليل لعذروا، لكن لا دليل لهم،
وهذا نداء عليهم وإعلان بسفههم.
ومن فوائد هذه
الآية: إثبات الجزاء؛ لقوله: وَمَأْوَاهُمُ النَّارُ.
ومن فوائدها: إثبات أن النار
مأوى الكافرين الذين أشركوا بالله، فنحن نشهد بأن كل كافر مشرك فمأواه النار، ولكن
هل نشهد بهذا لعين الشخص؟
طلبة: لا.
الشيخ: لا نشهد له، ولكننا نقول: إننا نعامله في الدنيا معاملة
الكافر، فمثلًا لو مات زعيم من زعماء الكفرة كزعيم الروس أو زعيم أمريكا أو ما أشبه
ذلك، نحكم بأنه كافر، وأن كل كافر في النار ونحكم بأنه كافر فلا نصلي عليه ولا
نكفنه ولا ندفنه مع المسلمين ولا ندعو له بالرحمة، لكن مسألة الجزاء هذا ندخله في
العموم نقول: كل كافر فإنه في النار.
ومن فوائد الآية
الكريمة: ذم النار، ومثواها -والعياذ بالله- لقوله تعالى: وَبِئْسَ مَثْوَى الظَّالِمِينَ، وصدق الله عز وجل فإن أبأس
دار وأقبح دار وأخبث دار هي النار، ولهذا استحقت هذا الوصف من الله عز وجل وهو
قوله: وَبِئْسَ مَثْوَى الظَّالِمِينَ.
طالب: شيخ، أحسن الله إليك، بعض الدكاتره يا شيخ (...) الصناعية
قالوا: أن العقل في الدماغ وأن القلب الصناعي ما يعقل؟
الشيخ: القلب الصناعي لا بد أنه يدخله مثلًا العروق ويحصل منه
حركة، هذه الحركة يمكن أن نفسرها بأنها أمر من القلب يصدر، سواء (...) بشيء ثابت
بِخِلْقة الله عز وجل أو بالصناعة.
طالب: شيخ أحسن الله
إليك ! لو مات أحد قادة الكفار اليوم لماذا لا نقول: إنه في النار مع العلم أن الله
عز وجل يقول: وَلَوْ تَرَى إِذْ يَتَوَفَّى الَّذِينَ كَفَرُوا الْمَلَائِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ [الأنفال: ٥٠]؟
الشيخ: صحيح، لكن هذا عام.
الطالب: لكن هو مات على الكفر الآن يقول: إن الله ثالث ثلاثة
ومشرك (...)، لماذا لا نقول: إن هذا يدخل النار؟
الشيخ: ما نقول، المعين غير العموم، الآن لو مات واحد من الناس
من المسلمين، ومات على شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، هل نشهد له
بالجنة؟
الطالب: لا ما نشهد له بالجنة، لكن هذا -أحسن
الله إليك- فيه احتمال أنه يعذب وفيه احتمال أنه يغفر له، لكن الكافر حتمًا أنه
سيدخل النار؟
الشيخ: لا، ما هو في الجنة، ولو بعد
تعذيب.
الطالب: هو سيدخل الجنة، كل مسلم سيدخل الجنة،
حتمًا.
الشيخ: بس كل مسلم، أحسنت، نقول أيضًا: كل كافر
سيدخل النار، ولهذا قال: من عقيدة أهل السنة والجماعة أنا لا نشهد لمعين بجنة ولا
نار إلا من شهد له رسول الله صلى الله عليه وسلم. وزاد شيخ الإسلام رحمه الله: أو
اتفقت الأمة على الثناء عليه، كالأئمة الأربعة مثلًا نشهد لهم بالجنة، لا لأن
الرسول شهد لهم، ولكن لأن الأمة أثنت عليهم، وقد قال الله تعالى: وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ [البقرة: ١٤٣]، ولما مرت جنازة من عند
الرسول عليه الصلاة والسلام وهو جالس في أصحابه فأَثْنَوا عليها خَيْرًا قال:
«وَجَبَتْ». ثم مرت أخرى فَأَثْنَوْا عليها شَرًّا قال: «وَجَبَتْ». قالوا: وما
وجبت؟ قال: «أَمَّا الْأَوَّلُ فَوَجَبَتْ لَهُ الْجَنَّةُ، وَأَمَّا الثَّانِي
فَوَجَبَتْ لَهُ النَّارُ، أَنْتُمْ شُهَدَاءُ اللَّهِ فِي الْأَرْضِ» .
طالب: شيخ، الحديث الذي ذكر فيه النبي صلى الله عليه وسلم قال:
حيثما مررت على قبر كافر فبشره بالنار، هذا ما يدل على جواز تبشير الكفار بأعيانهم
إذا ظهر؟
الشيخ: بس، وهذا لفظ الحديث ولَّا عيَّن؟
طالب: أذكر هذا لفظ الحديث.
الشيخ: لا، حرر لفظ هذا الحديث ونشوف.
طالب: شيخ -أحسن الله إليك- المسلم ما نشهد له بالجنة؛ لأنه قد
يكون كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: «يَعْمَلُ فِيمَا
يُرَى لِلنَّاسِ»، فأما الكافر يعني كافر..؟
الشيخ: البخاري روى الحديث: «إِنَّ
الرَّجُلَ لَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ النَّارِ فِيمَا يَبْدُو لِلنَّاسِ، وَهُوَ
مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ، وَإِنَّ الرَّجُلَ لَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ الْجَنَّةِ
فِيمَا يَبْدُو لِلنَّاسِ وَهُوَ مِنْ أَهْلِ النَّارِ» كلهم
قال.
الطالب: يا شيخ (...) التوحيد يا شيخ.
الشيخ: ما نشهد لأحد معين، لكن يكفي أن نقول: الأصل في هذا أنه
من أهل النار، الأصل في هذا الذي مات على الكفر أنه من أهل النار، هذا هو الأصل،
لكن هل نجزم بالأصل؟ يجوز أنه في آخر لحظة من حياته ألقى الله في قلبه
الإيمان.
طالب: شيخ، هل ينفعهم هذا (...)؟
الشيخ: إي نعم، نعم، إذا كان قد تاب ولم يحضره الموت فالله يتوب
عليه، ما ندري، على كل حال لاحظوا يا إخوان؛ شهادتنا له بالنار لا توجب له النار،
وعدم شهادتنا له بالنار لا تمنع عنه النار، إذن ما فائدتنا أن نلزم أنفسنا بالشهادة
لهذا الشخص المعين بالنار؟ ويش الفائدة؟
طالب: هذا -يا
شيخ- الحديث ما يختص بالمسلمين، يعني يمكن أن المسلم يعمل بعمل أهل النار فيما يبدو
للناس..
الشيخ: ما قال: المسلم.
«إِنَّ الرَّجُلَ لَيَعْمَلُ..».
طالب: يختص
بالمسلم هذا؟
الشيخ: لا، ما تخصص.
***
الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله وتعالى: وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللَّهُ وَعْدَهُ إِذْ تَحُسُّونَهُمْ بِإِذْنِهِ حَتَّى إِذَا فَشِلْتُمْ. إلى آخره.
سبق لنا في الدرس الماضي ما يدل على إثبات الأسباب، من أين؟
طالب: من قوله تعالى: سَنُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ بِمَا أَشْرَكُوا بِاللَّهِ
الشيخ: سَنُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ بِمَا أَشْرَكُوا بِاللَّهِطيب. هل تعرف خلافًا للعلماء في تأثير الأسباب؟
طالب: البعض يقول: إن الأسباب لازمة للأمور لا بد أن (...)الأسباب، والبعض يقول: لا، الأسباب ما لها دخل في الأمور.
الشيخ: هذان قولان، الثالث؟
الطالب: الثالث: يقولون: لا نقول (...) أن له تأثيرا (...).
الشيخ: لا لا.
طالب: أن لها تأثيرا لكن ليس بذاتها ولكن بما (...) الله فيها.
الشيخ: نعم، إن لها تأثيرًا، لكن بتقدير الله عز وجل وليس بذاتها، تمام.
قوله: مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًاهل يدل على أن هناك شركًا أنزل الله به سلطانًا؟
طالب: هذه الآية نص على أن كل أنواع الشرك لا سلطان لها.
الشيخ: إذن فالقيد لبيان؟
الطالب: أن كل شرك ليس له سلطان.
الشيخ: إي، لكن يسمي العلماء مثل هذا القيد؟
طالب: لبيان الواقع.
الشيخ: لبيان الواقع؛ أن كل شرك لا يمكن به أن يكون سلطان.
قال الله تعالى: وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللَّهُ وَعْدَهُوهذه الجملة مؤكدة بثلاثة مؤكدات:
المؤكد الأول: القسم المقدر لأن التقدير: والله لقد.
والثاني: اللام.
والثالث: قد. فهذه ثلاثة مؤكدات في هذه الجملة.
صَدَقَكُمُ اللَّهُ وَعْدَهُأي: أنجزه لكم.
وقوله: وَعْدَهُمنصوب بنزع الخافض؛ أي: صدقكم الله في وعده، أي: فيما وعدكم به من النصر؛ يقال: صدَقه ويقال: صدَّقه، وبينهما فرق؛ فإذا قيل: صدَقه يعني أخبره بالصدق، وإذا قيل: صدَّقه أي: قال: إنما أخبرتَ به صدق، فالتصديق من المخاطب للمتكلم، والصدق من المتكلم للمخاطب؛ فمعنى قوله تعالى: صَدَقَكُمُ اللَّهُ وَعْدَهُأي: أنجز لكم الوعد فصار ما أخبركم به صدقًا.
قالوا: و(وعده) منصوب بنزع الخافض، والتقدير: في وعده، والنصب بنزع الخافض مطرد مع أنَّ وأنْ، وأما في غير هذا الموضع فليس بمطرد؛ قال ابن مالك في الألفية:
| ..وَفِي أَنَّ وَأَنْ يَطَّرِدُ | مَعْ أَمْنِ لَبْسٍ كَعَجِبْتُ أَنْ يَدُوا |
يعني: نزع الخافض يطرد مع أنَّ وأنْ بشرط أن يؤمن اللبس.
وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللَّهُ وَعْدَهُأي: ما وعدكم به من النصر، ثم بَيَّن موضع هذا الصدق فقال: إِذْ تَحُسُّونَهُمْ بِإِذْنِهِفـ(إِذْ) هنا ظرف متعلق بـ(صدق)، أي: صدقكم وعده حين حسستموهم بإذنه.
وقوله: إِذْ تَحُسُّونَهُمْ بِإِذْنِهِمضارع عبر به عن شيء ماض على تقدير حكاية الحال؛ لأن القاعدة: أن يعبر عن الماضي بصيغة أيش؟ الماضي، فيقال: قام زيد، لكنه هنا عبر عن الماضي بصيغة الحاضر لحكاية الحال، لتقريب تصور الماضي في الذهن؛ لأن الماضي قد انقضى فربما يكون الإنسان ناسيًا له، فإذا صيغ بصيغة المضارع صار الماضي كأنه أيش؟ كأنه حاضر، وهذا ما يعبر عنه النحويون بـ(حكاية الحال)، حكاية الحال الماضي كأنها الآن واقعة من أجل أن يكون ذلك أقرب لحضورها في الذهن.
وقوله: تَحُسُّونَهُمْ بِإِذْنِهِالحس: القتل أو أشد القتل، الحس: يعني القتل أو أشده؛ تَحُسُّونَهُمْ بِإِذْنِهِأي: تقتلونهم أشد قتلة بإذن الله الكوني والشرعي؛ بإذنه الكوني؛ لأنه قد وقع، وكل شيء قد وقع فإن الله قد أذن به كونًا، وبإذنه الشرعي لأن الله تعالى قد شرع لنا أن نقاتل الكفار، فيكون قتلنا لهم مأذونًا فيه شرعًا، إذن في هذه الآية اجتمع الإذنان أيش؟ الكوني والشرعي.
وقوله: إِذْ تَحُسُّونَهُمْ بِإِذْنِهِأي: تقتلونهم بإذنه، هذا نصر.
فإن قال قائل: وهل قُتِلَ أحد من الكفار في يوم أحد؟
فالجواب: نعم، قتل منهم أكثر من تسعة رجال، وانهزموا وفروا حتى رئي النساء ينطلقن يصعدن في الجبل مذعورات كاشفات الرؤوس حاسرات السيقان؛ لأنهن قد هربن حيث أيقن بالأسر، وكانت الغلبة والعزة في أول النهار للمسلمين.
ثم قال: حَتَّى إِذَا فَشِلْتُمْ وَتَنَازَعْتُمْإلى آخره؛ (حتى): قيل: إنها ابتدائية، وقيل: إنها للغاية، أي صدقكم وعده إذ تحسونهم بإذنه إلى أن فشلتم، وعلى هذا فتكون (إذا) غير شرطية يعني حتى وقت فشلكم، هذا وجه؛ معروف (حتى) للغاية، وإِذَا فَشِلْتُمْأي: حتى حين فشلتم؛ أي: أن صدق الوعد والحس استمر إلى أيش؟ إلى أن فشلتم فَشِلْتُمْ وَتَنَازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ وَعَصَيْتُمْ مِنْ بَعْدِ مَا أَرَاكُمْ مَا تُحِبُّونَ.
والوجه الثاني: أن (حتى) ابتدائية، فالجملة مستأنفة، وتكون (إذا) على هذا الوجه شرطية، وجوابها يذكر إن شاء الله.
حَتَّى إِذَا فَشِلْتُمْ(الفشل) معناه: الجبن والخور؛ أي: حتى إذا جبنتم وخرتم وعجزتم عن الانتصار.
وَتَنَازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِالمنازعة: المخاصمة والاختلاف.
وقوله: فِي الْأَمْرِهل المراد بالأمر الشأن أو المراد بالأمر واحد الأوامر؟
على القول الأول يكون الأمر واحد الأمور، وعلى الثاني يكون الأمر واحد الأوامر؛ المعنى: وَتَنَازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِأي: في الشأن، أي: في شأنكم، أو في الأمر أي أمر الرسول عليه الصلاة والسلام، ويكون الخطاب موجهًا إلى الرماة وكانوا خمسين رجلًا أمَّر عليهم النبي صلى الله عليه وسلم عبدَ اللهِ بن جبير، وقال لهم: «لَا تَبْرَحُوا مَكَانَكُمْ» ؛ ابقوا في الجبل سواء كانت لنا أو علينا، ولما رأوا المسلمين قد انتصروا وانهزم المشركون، وصار المسلمون يجمعون الغنائم، أرادوا النزول من الجبل، فنازعهم أميرهم وقال لهم: امكثوا اثبتوا. ولكنهم أصروا على النزول فنزل منهم أكثرهم، إذن يكون الأمر هنا واحد الأوامر، أي: تنازعتم في أمر الرسول صلى الله عليه وسلم فمنكم من قال: نبقى امتثالًا لأمره، ومنكم من نزل اغتنامًا لكسب الغنيمة، أعرفتم الآن؟
والمعنيان متلازمان؛ لأنه لما اختلفوا في أمر الرسول تنازعوا في شأنهم تنازعوا في شأنهم؛ أي: في أمرهم.
وَعَصَيْتُمْ مِنْ بَعْدِ مَا أَرَاكُمْ مَا تُحِبُّونَوعصيتم مَنْ؟ عصيتم الرسول، لكن لم يذكر المفعول به كراهة لذكره حيث إنه يكون أشد وقعًا وتوبيخًا، وكأن الله عز وجل أراد أن يوبخهم بطريق لين، قال: عَصَيْتُمْ، ما قال: الرسول، قال: عَصَيْتُمْلأن هذا أهون مما لو صرح به، وقيل: وعصيتم الرسول، فإذا قيل: عصيتم الرسول صار أشد وقعًا في التوبيخ.
وقوله: مِنْ بَعْدِ مَا أَرَاكُمْ(أراكم) مَنِ الفاعل؟ الله، يعني: من بعد ما أراكم رؤيا عين: مَا تُحِبُّونَمن النصر وهزيمة أعدائكم.
بقي علينا أن نقول: أين جواب الشرط على الوجه الثاني في (إذا): إِذَا فَشِلْتُمْ وَتَنَازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ وَعَصَيْتُمْ مِنْ بَعْدِ مَا أَرَاكُمْ مَا تُحِبُّونَ؟
قال بعضهم: إن جواب الشرط: تَنَازَعْتُمْحتى إذا فشلتم تنازعتم في الأمر وعصيتم، وعلى هذا تكون الواو زائدة.
وقال بعضهم: جواب الشرط: عَصَيْتُمْأي: حتى إذا فشلتم وتنازعتم في الأمر عصيتم من بعد ما أراكم ما تحبون، وقال بعضهم: جواب الشرط محذوف تقديره: انقسمتم قسمين منكم من يريد الدنيا ومنكم من يريد الآخرة، هذه ثلاثة أقوال، وقال بعضهم: محذوف تقديره: فاتكم النصر، حتى إذا فشلتم وتنازعتم في الأمر وعصيتم إلى آخره؛ فاتكم النصر.
وقال بعضهم: الجواب محذوف قطعًا، والقول بأن الواو زائدة في: تَنَازَعْتُمْوأنه هو جواب الشرط، أو في عصيتم وأنه جواب الشرط قول ضعيف؛ لأن الحرف هنا حرف جاء لمعنى، يفوت بفواته ما جاء من أجله، فالجواب إذن محذوف، وفائدة حذفه أن يذهب الذهن كل مذهب في تقديره، وكل شيء يقدَّر جوابًا لإذا لا ينافي المقدر الآخر فإنه صالح، وعلى هذا ممكن أن نقول: وَعَصَيْتُمْ مِنْ بَعْدِ مَا أَرَاكُمْ مَا تُحِبُّونَفاتكم ما تحبون، أو فاتكم النصر، أو خذلتم، أو انقسمتم إلى قسمين، المهم أن كل هذه الاحتمالات صحيحة ولا تتنافى، فقد فاتهم النصر وانقسموا إلى قسمين وخذلوا، ولكن هذا من بلاغة القرآن؛ الحذف من أجل أن يكون أشمل وأكثر للمعنى.
ثم قال الله تعالى: مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الْآخِرَةَ(من) هنا تبعيضية؛ أي: بعضكم؛ بعضكم يريد الدنيا والبعض الآخر يريد الآخرة؛ فالذين نزلوا لجمع الغنائم ظاهر عليهم أنهم يريدون الدنيا، والذين ثبتوا ظاهر عليهم أنهم يريدون الآخرة، وهذا على سبيل المثال وإلا فالأمثلة كثيرة في الذين يريدون الدنيا والذين يريدون الآخرة، حتى في طلب العلم من الناس من يريد الدنيا ومن الناس من يريد الآخرة، من الناس من يريد الجاه والرفعة والسيادة لأن:
| الْعِلْم يَرْفَعُ بَيْتًا لَا عِمَادَ لَهُ | وَالْجَهْلُ يَهْدِمُ بَيْتَ الْعِزِّ وَالشَّرَفِ |
ومنهم من يريد الآخرة، أن يحفظ شريعة الله، وأن يعلم عباد الله، وأن يتعبد لله على بصيرة وما أشبه ذلك، فهذا حال الناس كلهم منهم من يريد الدنيا ومنهم من يريد الآخرة.
***
الشيخ: أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم، قال الله تبارك وتعالى: وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللَّهُ وَعْدَهُ إِذْ تَحُسُّونَهُمْ بِإِذْنِهِهذه الجملة قلنا: إنها مؤكدة بمؤكدات؟
طالب: (...) واو القسم المحذوف، واللام، وقد.
الشيخ: أحسنت، قوله: إِذْ تَحُسُّونَهُمْويش معنى الحس؟
الطالب: الحس هو القتل أو أشد القتل.
الشيخ: نعم، قوله تعالى: حَتَّى إِذَا فَشِلْتُمْمعنى فشلتم؟ فَشِلْتُمْأيش معناها؟
طالب: تنازعتم.
الشيخ: كيف؟
الطالب: جبنتم.
الشيخ: جبنتم، إي نعم. أين جواب (إذا) في قوله: حَتَّى إِذَا فَشِلْتُمْ؟
طالب: فيها أقوال يا شيخ؛ قيل: إنه: تَنَازَعْتُمْوالواو زائدة، وقيل: إنه: عَصَيْتُمْوعلى هذا أيضًا الواو زائدة، وقيل: انقسمتم إلى قسمين: منكم من يريد الدنيا ومنكم من يريد الآخرة، وقيل: فاتكم النصر، وقيل: هو محذوف على كل حال، وإنما حذف لأجل أن يذهب الذهن فيه كل مذهب.
الشيخ: ويقدر كل تقدير.
الطالب: وهذا هو الراجح.
الشيخ: نعم، أحسنت.
قوله تعالى: مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ(مَنْ) هنا؟
طالب: تبعيضية.
الشيخ: تبعيضية؛ يعني: بعضكم يريد الدنيا وبعضكم يريد الآخرة.
ما مثال الذي يريدون الدنيا؟
طالب: الذي يريدون الدنيا هؤلاء الرماة الذين نزلوا من مكانهم..
الشيخ: الذين نزلوا من المكان الذي جعلهم الرسول صلى الله عليه وسلم فيه من أجل الغنائم. قوله: ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْالهاء تعود على من؟
..يقول الله عز وجل: ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْثم أي بعد أن صدقكم الله وعده بِحَسِّهم أي بقتلهم صرفكم عنهم؛ يعني: بعد أن فشلتم وتنازعتم في الأمر وعصيتم صرفكم عنهم، وتأمل قوله: صَرَفَكُمْفإن الصرف يقتضي إقبالًا شديدًا يعانى فيه المقبل حتى يصرف، كما تقول: صرفت الدابة عن العلف وما أشبه ذلك، فيفيد بأن المسلمين كانوا مقبلين جدًّا على هؤلاء الأعداء لكن صرفوا عنهم مع شدة رغبتهم في القضاء عليهم؛ لأنه كان لهم النصر في أول الأمر لكن صُرِفوا عنه.
وقوله: لِيَبْتَلِيَكُمْأي: ليختبركم هل تعرفون قدر الطاعة لله ورسوله، ويتبين من يقدر هذا الأمر أو لا يقدره، والابتلاء في الأصل الاختبار والامتحان، ويكون في الخير ويكون في الشر؛ قال الله تعالى: وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً [الأنبياء: ٣٥]: وقال سليمان لما رأى عرش بلقيس حاضرًا عنده مستقرًا عنده قال: هَذَا مِنْ فَضْلِ رَبِّي لِيَبْلُوَنِي أَأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ [النمل: ٤٠] فالخير ابتلاء والشر ابتلاء، الشر يُبْتَلَى به الإنسان ليصبر، والخير يبتلى به لأيش؟ ليشكر، فكله ابتلاء؛ ولهذا قال: لِيَبْتَلِيَكُمْ.
وَلَقَدْ عَفَا عَنْكُمْهذه الجملة أيضًا مؤكدة بثلاثة مؤكدات: القسم المقدر لأن الأصل: ولقد أي: والله لقد، واللام، وقد؛ وإنما أكدت الجملة هنا والجملة هناك في قوله: وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ؛ لأنه قد يتبادر من الوقائع خلاف ذلك، فمثلًا الجملة الأولى: وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللَّهُ وَعْدَهُقد يتبادر من كون الهزيمة في آخر الأمر على المسلمين أن الله لم يصدقهم وعده، فأكد ذلك بقوله: وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللَّهُ وَعْدَهُ إِذْ تَحُسُّونَهُمْ بِإِذْنِهِوهذا نصر.
والثانية: لما ابتلوا بهذه البلوى قد يتبادر إلى الذهن بأن الله سوف يعاقبهم على معصيتهم وتنازعهم وجبنهم فقال: وَلَقَدْ عَفَا عَنْكُمْفكان التأكيد هنا وفي أول الآية في غاية ما يكون من البلاغة؛ لأن المقام يقتضي أيش؟ يقتضي التأكيد.
وقوله: وَلَقَدْ عَفَا عَنْكُمْالعفو بمعنى التجاوز، ويكون محمودًا ويكون مذمومًا، إذا كان مع القدرة فهو محمود، وعفو الله بلا شك مع القدرة، لأن الله قادر على أن ينتقم عز وجل، لكنه يعفو مع القدرة كما قال الله تعالى: فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ عَفُوًّا قَدِيرًا [النساء: ١٤٩]، ويكون مذمومًا إذا كان مصدره العجز، إذا كان مصدره العجز فهو مذموم لا يحمد عليه الإنسان؛ لأن هذا يدل على ضعفه وعدم أخذه لنفسه بالحق.
وقوله: وَلَقَدْ عَفَا عَنْكُمْيشمل كل من وقعت منهم المخالفة، وهذا من فضل الله عليهم.
ويجدر بنا هنا أن نذكر قصة عجيبة: جاء رجل من الخوارج إلى عبد الله بن عمر رضي الله عنه وهو مستظل في الكعبة، فوقف عليه بعد أن سأل عنه، فقال: من هذا؟ قالوا: هذا عبد الله بن عمر. فوقف عليه -وكان خارجيًّا- فسأله عن أمير المؤمنين عثمان؛ قال له: أما علمت أن عثمان بن عفان تخلف عن غزوة بدر؟ قال: بلى، تخلف. قال: أما علمت أنه فرَّ يوم أحد؟ قال: بلى، فر. قال: أما علمت أنه لم يبايع بيعة الرضوان؟ قال: بلى. قال الخارجي: الله أكبر، كبر يعني على أنه انتصر؛ لأنه إنما سأل هذه الأسئلة الثلاثة ليقدح في عثمان رضي الله عنه، فكبر الخارجي، لما كبر قال له: أما وقد فعلت فسأحدثك؛ أما تخلفه في غزوة بدر فإن النبي صلى الله عليه وسلم أمره أن يبقى ليمرض ابنته -ابنة الرسول صلى الله عليه وسلم كانت مريضة، رقية زوجة عثمان- فتخلف ليمرضها بأمر النبي صلى الله عليه وسلم، وضرب له النبي صلى الله عليه وسلم بسهمه وأجره، إذن هل يلام على هذا؟ لا يلام، تخلف بأمر الرسول ليمرض بنت الرسول، والرسول صلى الله عليه وسلم ضرب له بسهمه وأجره.
وأما فراره في أحد فإن الله تعالى قال: وَلَقَدْ عَفَا عَنْكُمْ، بعد العفو هل يبقى أثر الذنب؟ لا.
وأما تخلفه عن بيعة الرضوان فإنه لا يوجد أحد من بطون قريش أعز من البطن الذي منه عثمان لأن بطنه قوي في قريش، فلم ير النبي صلى الله عليه وسلم أَحَدًا أحق بأن يبعثه إلى قريش من عثمان فبعثه إلى قريش ليفاوضهم، لأن له مكانة، ثم إن الرسول صلى الله عليه وسلم لما بايع المؤمنين تحت الشجرة أخذ بيده الكريمة ووضعها على اليد الأخرى وقال: «هَذِهِ عَنْ يَدِ عُثْمَانَ» -الله أكبر- فكانت يد النبي عليه الصلاة والسلام خيرًا من يد عثمان لعثمان، أليس كذلك؟
سبحان الله من حصل له هذه؟ منقبة عظيمة، ثم قال: اذهب بها إلى قومك -أو كلمة نحوها-. يعني: أنت جئت تريد أن تقدح في أمير المؤمنين، وصار الآن القدح -ولله الحمد- مدحًا، فمثل هذه المسائل ينبغي للإنسان أنه ينتبه لبعض الناس، بعض الناس ربما يسأل سؤالًا ظاهره الاسترشاد، ولكن يكون معناه النقد، فإذا جاء به على هذا الوجه ألقم الناقد حجرًا، وصار هذا من فهمه.
يقال: إن واحدًا من الناس سأل أحد العلماء (...).
فليكن حذرًا، وعلى كل حال كل مقام له مقال؛ ليس المعنى أن نسيء الظن في كل واحد، لكن كل مقام له مقال، ابن عمر رضي الله عنه فهم من هذا الخارجي أنه يريد الطعن والقدح في عثمان فأجابه.
وَلَقَدْ عَفَا عَنْكُمْ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَوَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ: ذو بمعنى صاحب، أي: صاحب فضل، عَلَى الْمُؤْمِنِينَيعني وأنتم منهم، وأنتم منهم، ولذلك عفا عنكم، وهنا في الجملة إظهار في موضع الإضمار، إذ مقتضى السياق أن يقول: والله ذو فضل عليكم، وفائدته -أي فائدة الإظهار في مقام الإضمار- تقدمت لنا، وقلنا: إن فيه ثلاث فوائد، الإظهار في موضع الإضمار فيه ثلاث فوائد؟
طالب: تعليق الحكم على الوصف المذكور (...).
الشيخ: لا.
طالب: الفائدة الأولى: التنبيه، لأن الكلام إذا كان على نسق واحد ربما يمل السمع، فإذا تغير انتبه من هذا الكلام.
الشيخ: هذا في الالتفات.
الطالب: الفائدة الأولى أن نقول: إن هذا هو العلة في الحكم لأنهم مؤمنون (...).
الشيخ: الفائدة الأولى أولًا: التسجيل على محل الإضمار أو على مرجع الضمير بأنه من أهل هذا الوصف، يعني إثبات هذا الوصف لمرجع الضمير، فمثلًا: والله ذو فضل عليكم، إذا قال: على المؤمنين بدل (عليكم) أفاد بأنهم هم أيش؟ مؤمنون، هذه واحدة.
ثانيًا: العموم؛ لأنه لو قال: والله ذو فضل عليكم اختص الفضل بمرجع الضمير، فإذا قال: عَلَى الْمُؤْمِنِينَشملهم وغيرهم.
الفائدة الثالثة ما أشار إليه الأخوان وهي: العلة، علة الحكم، الحكم كون الله ذا فضل، والعلة الإيمان، هنا في هذه الآية الأخيرة هذه تختلف باختلاف السياق، هذه فائدة الإظهار في موضع الإضمار.
أما هنا فهنا مناسبة لفظية، في الإظهار هنا في موضع الإضمار مناسبة لفظية وهي: تناسب رؤوس الآيات، لأنه لو قال: والله ذو فضل عليكم لم تتناسب مع ما بعدها ومع ما قبلها.
وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَفي هذه الآية الكريمة عدة فوائد:
أولًا: أن الله سبحانه وتعالى قد نصر المؤمنين في أحد كما نصرهم في بدر، ودليله قوله تعالى: وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللَّهُ وَعْدَهُ إِذْ تَحُسُّونَهُمْ بِإِذْنِهِ.
ثانيًا: أن من البلاغة أن يُؤَكَّد الخبر إذا كان الحال تقتضي ذلك، من أين يؤخذ؟ من قوله: وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللَّهُ وَعْدَهُحيث كان فيه قسم وتوكيد باللام وقد.
الفائدة الثالثة: شدة عزيمة الصحابة رضي الله عنهم في طلب العدو؛ لأنه قال: إِذْ تَحُسُّونَهُمْ بِإِذْنِهِوالحس القتل أو أشده؛ يعني: كأنه يسمع له صوت عند القتل، وهكذا ينبغي للمسلمين أن يأتوا أعداءهم الحربِيِّين على شدة وغلظة كما قال الله تعالى: وَلَا تَهِنُوا فِي ابْتِغَاءِ الْقَوْمِ [النساء: ١٠٤] يعني: لا تضعفوا في طلبهم إِنْ تَكُونُوا تَأْلَمُونَ فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَمَا تَأْلَمُونَشوف تعزية للصحابة: لَا تَهِنُوا فِي ابْتِغَاءِ الْقَوْمِ إِنْ تَكُونُوا تَأْلَمُونَ فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَمَا تَأْلَمُونَوتزيدون عليهم: وَتَرْجُونَ مِنَ اللَّهِ مَا لَا يَرْجُونَ.
ومن فوائد هذه الآية: أن النزاع والمعصية سبب لفوات كمال النصر؛ لأنه كان في أول الأمر انتصروا وقتلوا المشركين، لكن لما حدث هذا المانع امتنع أو انتفى كمال النصر.
ومن فوائدها: أن مثل هذا الأمر النزاع والمعصية سبب للخذلان، من أين تؤخذ؟ من واقع الأمر؛ لأن قوله: حَتَّى إِذَا فَشِلْتُمْقلنا: إن جواب الشرط محذوف، والمعنى أنكم خسرتم هذا النصر وخذلتم، ومن قرأ الغزوة تبين له ما حصل للصحابة من الأمور العظيمة التي ستأتي إن شاء الله عند قوله: فَأَثَابَكُمْ غَمًّا بِغَمٍّ.
ومن فوائد الآية الكريمة: أن المعصية بعد النعمة أشد من المعصية قبل النعمة؛ لقوله: وَعَصَيْتُمْ مِنْ بَعْدِ مَا أَرَاكُمْ مَا تُحِبُّونَوإلا لكان يقول: وعصيتم فقط، لكن كون المعصية تقع بعد أن أراهم الله ما يحبون هذه أعظم، أعظم مما إذا لم يكن الله أراهم ما يحبون.
ومن فوائد الآية الكريمة: الحث على اجتماع الكلمة، وجهه؟ أن النزاع سبب للخذلان، فيكون الاتفاق سبب للنصر، وهو كذلك؛ الاجتماع اجتماع الناس على كلمة واحدة لا شك أنه سبب للنصر، ولهذا ينبغي لطلبة العلم والعلماء أن لا يظهر خلافهم أمام العامة ونزاعهم، الآراء لا بد أن تكون، لكن كون كل واحد منهم يعيب على الآخر أن خالفه هذا خطر عظيم جدًّا؛ لأن العامة ترى بعد هذا النزاع أن لا تثق بواحد منهم، على أن العامة أيضًا سوف يتفرقون ويكون هذا مع هذا، وهذا مع هذا، فالنزاع لا شك أنه سبب للخذلان والفشل وتمزق الأمة.
ومن فوائد الآية الكريمة: أن المدار كله على ما في القلب؛ لقوله: مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الْآخِرَةَوكأن هذا -والله أعلم- فيه إشارة إلى أن سبب الجبن والنزاع والمعصية سوء النية من بعض من كان فيهم؛ لأنه يمكن أن نجعل قوله: مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيَاأن نجعلها جملة استئنافية تعليلية لما حصل، ولا شك أن المدار كله على ما في القلب وأنه متى كان القلب صالحًا صلح العمل ومتى كان فاسدًا فسد العمل.
ومن فوائد الآية: أنه قد يكون في خير القرون من يعاب عليه الفعل؛ لقوله: مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيَاولكن الصحابة رضي الله عنهم بخاصة لهم من الفضائل والسوابق والصحبة وما حصل من الآفات وغيرها ما يُكَفِّر ما حصل منهم، ولهذا للصحابة مزية على غيرهم، يعني المكفرات العامة لكل أحد مثل: «مَا يُصِيبُ الْمُؤْمِنَ مِنْ هَمٍّ وَلَا غَمٍّ وَلَا أَذًى حَتَّى الشَّوْكَةَ يُشَاكُهَا إِلَّا كَفَّرَ اللَّهُ بِهَا عَنْهُ» هذه عامة لكل أحد، لكن للصحابة أشياء خاصة توجب محو ما حصل منهم من السيئات؛ ويدلك لهذا أن من أعظم المصائب وأكبر المعايب التجسس لحساب المشركين، ووقعت من حاطب رضي الله عنه، ولما استأذن عمر النبي صلى الله عليه وسلم في قتله قال له النبي صلى الله عليه وسلم: «أَمَا عَلِمْتَ أَنَّ اللَّهَ قَدِ اطَّلَعَ إِلَى أَهْلِ بَدْرٍ وَقَالَ: اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ فَقَدْ غَفَرْتُ لَكُمْ» مع أن هذه مصيبة عظيمة، التجسس لحساب الكفار يوجب القتل ولو كان الإنسان مسلمًا؛ لأن هذا من السعي في الأرض فسادًا، ولهذا لم يقل الرسول صلى الله عليه وسلم: لا تقتله، لأنه مسلم. بل قال: لا تقتله، لأنه شهد بدرًا، وقد قال الله تعالى: «اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ فَقَدْ غَفَرْتُ لَكُمْ». ولهذا كان القول الصحيح الذي لا شك فيه أن الجاسوس يقتل ولو كان مسلمًا، لو كان يصلي ليلًا ونهارًا فإنه يقتل. طيب
من فوائد هذه الآية الكريمة: إثبات الأسباب؛ لقوله: ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ لِيَبْتَلِيَكُمْفإن سبب صرف الله هؤلاء عن الكفار ما حصل منهم من الفشل والتنازع والمعصية.
ومن فوائد هذه الآية الكريمة: إثبات الحكمة في أفعال الله، فيكون في هذا رد على من؟ على الجهمية ونحوهم ممن ينكرون حكمة الله عز وجل ويقولون: إن الله يفعل لا لحكمة، ولكن لمجرد مشيئة، ونحن نؤمن بأن الله سبحانه وتعالى لا يفعل شيئًا ولا يشرع شيئًا إلا لحكمة، لكن مِنَ الحِكَمِ ما هو معلوم للبشر ومنه ما هو مجهول لا تبلغه العقول.
ومن فوائد هذه الآية: أن ما حصل من المؤمنين من التنازع والفشل والمعصية وإرادة الدنيا كله محاه الله عز وجل، من أين يؤخذ؟ من قوله: وَلَقَدْ عَفَا عَنْكُمْعفا عنكم، إذن لا أثر له، وكما سمعتم في قصة الخارجي الذي جاء إلى عبد الله بن عمر رضي الله عنهما.
ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات الفضل لله عز وجل عليهم وعلى غيرهم من المؤمنين، عرفتم؟ لقوله: وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ.
فإن قال قائل: وهل لله فضل على غير المؤمنين؟
فالجواب: نعم، له فضل على الناس: إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ [البقرة: ٢٤٣]، واللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعَالَمِينَ [البقرة: ٢٥١] على كل أحد، لكن الفضل نوعان: فضل خاص وفضل عام؛ فالخاص للمؤمنين، والعام للجميع، وإلا فكل أحد قد تفضل الله عليه بالصحة والعافية والطعام والشراب واللباس والأزواج والبنين وغير ذلك، لكن الفضل الخاص الذي يتصل بفضل الآخرة هذا للمؤمنين فقط، عرفتم يا إخوان؟ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ.
ثم قال الله تعالى: إِذْ تُصْعِدُونَ وَلَا تَلْوُونَ عَلَى أَحَدٍ وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ فِي أُخْرَاكُمْإِذْ: هذه ظرف، والظرف لا بد له من متعلق، فما متعلق إِذْ؟
متعلق إِذْعلى أرجح الأقوال محذوف، التقدير: اذكروا إذ تصعدون، هذا أحسن ما قيل فيها، ولَّا بعضهم قال: إنها متعلقة بما قبلها ولقد عفا عنكم حين تصعدون، وبعضهم قال: ثم صرفكم عنهم حين تصعدون، ولكن الأقرب أن المتعلق محذوف، التقدير: اذكروا إذ تصعدون حتى تكون هذه الحال دائمًا على أذهانكم.
وقوله: تُصْعِدُونَبضم التاء، وهي غير تَصعدون بفتحها، لأن الصعود الرقي إلى أعلى؛ كما قال تعالى: إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ [فاطر: ١٠] وأما الإصعاد فهو السير هربًا في أرض مستوية، يقال: أَصْعَدَ أي: ذهب هاربًا أو مسرعًا في الأرض، وهذا هو الذي حصل للصحابة رضي الله عنهم، ومنهم من صعد الجبل، لكن المراد بقوله: إِذْ تُصْعِدُونَأي: أيش؟ تهربون سراعًا في أرض مستوية، لماذا؟ لأن أصعد مأخوذ من الصعيد، والصعيد: وجه الأرض، كما قال تعالى: فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا [النساء: ٤٣].
قال: إِذْ تُصْعِدُونَ وَلَا تَلْوُونَ عَلَى أَحَدٍأي: لا تعكُفون أو تلتفتون إلى أحد، ولم يقل: ولم تلتفتوا؛ لأن اللَّيَّ أبلغ، اللَّيُّ: الانعطاف على الشيء، هم لا يلوون على أحد هربًا خوفًا من قتل الكفار إياهم، فكانوا لا يلوون أحد هربوا، وتصور المشهد كيف كان، حوالي سبع مئة نفر من خيار المؤمنين يهربون، لا يبقى مع الرسول عليه الصلاة والسلام إلا نفر قليل.
وانظر أيضًا قال: وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ فِي أُخْرَاكُمْالرسول صلى الله عليه وسلم في أخريات القوم هو الذي يلي الأعداء في الأخر، يدعوكم؛ يا عباد الله، كروا، ارجعوا. ولكن لشدة الأمر لا يلوون على أحد، وهذه قضية عظيمة، ولكن الله سبحانه تعالى قد عفا عنهم، قد عفا عنهم ولم يؤاخذهم بما جرى.
وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ فِي أُخْرَاكُمْأُخْرَاكُمْيعني: الآخر منكم؛ لأن من عادة النبي صلوات الله وسلامه عليه أن يكون في أُخْرَيَاتِ القوم، ليس كالملوك يأخذ الصدر، بل هو كالراعي يكون في الآخر يتفقد الرعية، إنسان يحتاج، إنسان تتخلف بعيره، يتخلف فرسه فيساعده، كما في قصة جابر رضي الله عنه، جابر لما رجعوا في سيرهم كان على جمل قد أعيا -ويش معنى أعيا؟ تعب ما يمشي- قال: فلحقني النبي عليه الصلاة والسلام، شوف هذا جمل تعبان بيصير في آخر الناس. ويقول: لحقني النبي -معناه أنه وراه أيضًا، وراء هذا الجمل التعبان- فلحقني فدعا للجمل وضربه، ضرب الجمل ضربًا عاديًّا ودعا له، فسار سيرًا لم يسر مثله قط، الجمل -سبحان الله- هو بالأول تعبان ما يمشي إلا قليلًا، حتى كان جابر يرده في خطامه يسبق القوم، آية من آيات الله وآيات الرسول عليه الصلاة والسلام، ثم قال له: «بِعْنِيهِ»، الرسول صلى الله عليه وسلم طلب من جابر أن يبيعه عليه، «بِعْنِيهِ بِأُوقِيَّةٍ»، الأوقية كم؟ أربعون درهمًا أو خمسون درهمًا، ولكنه أبى، قال: ما أبيعه. شوف بالأول بيسيبه، يتركه والآن يساوم ها النبي عليه الصلاة والسلام (...) يبيع عليه، قال: «بِعْنِيهِ»، فبعته، باعه على النبي صلى الله عليه وسلم، لكنه استثنى أن يحمله إلى المدينة، فأعطاه النبي صلى الله عليه وسلم شرطه، ثم لما وصل المدينة وأتى إلى النبي صلى الله عليه وسلم عند باب المسجد قال له: «صَلَّيْتَ؟». قال: لا. قال: «ادْخُلْ فَصَلِّ رَكْعَتَيْنِ»؛ لأن السنة للمسافر إذا قدم بلده أن يبدأ قبل كل شيء بالمسجد يصلي فيه ركعتين، ثبت هذا من فعل الرسول وأمره عليه الصلاة والسلام، وهذه سنة تفوت كثيرًا من الناس، ثم أعطاه الدراهم، وجابر يريد أن يعطيه الجمل، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «أَتُرَانِي مَاكَسْتُكَ لِآخُذَ جَمَلَكَ، خُذْ جَمَلَكَ وَدَرَاهِمَكَ، فَهُوَ لَكَ» ، هذا غاية ما يكون من الكرم، والنبي عليه الصلاة والسلام لم يقصد أن يتصدق عليه، بعض العلماء رحمهم الله قالوا: إن الرسول صلى الله عليه وسلم أراد أن يتصدق عليه بثمن الجمل ففعل هذه الحيلة، هذا خطأ غلط، لكن الرسول عليه الصلاة والسلام أراد أن يعرف كيف كان غلاء هذا الجمل في قلب جابر بعد أن كان عنده رخيصًا يريد أن يسيبه فطلب منه البيع، وإلا فالذي يظهر من قوله: «أَتُرَانِي مَاكَسْتُكَ لِآخُذَ جَمَلَكَ» أن الرسول صلى الله عليه وسلم لم يرد الشراء من الأصل، ولكنه أراد أن يعلم ما عند جابر رضي الله عنه.
طالب: شيخ -أحسن الله إليك- قال الله عز وجل: حَتَّى إِذَا فَشِلْتُمْ وَتَنَازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ وَعَصَيْتُمْ، ثم قال: ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْو(ثم) -حسب ما هو معلوم لديك- أنها للترتيب مع التراخي، وهم قد فشلوا من قبل وعصوا؟
الشيخ: لا، الصرف بعد العصيان.
الطالب: إي: هم لما فشلوا وعصوا وكذا انصرفوا.
الشيخ: صرفهم الله.
الطالب: صرفهم الله، ثم قال: ثم صرفكم الله يعني نحن قلنا: إن هذا الصرف كان عن إقبال شديد، فكيف يكون الصرف بعد إقبال شديد مع أنهم..؟
الشيخ: إي، هم أقبلوا شديدًا ما هو على النظام اللي أمرهم الرسول، أقبلوا شديدًا من أجل القضاء على المشركين، ما هو عن الذين عصوا فقط، الكلام عن الجميع.
الطالب: يعني بعضهم كان مقبلًا؟
الشيخ: ما فيه شك، الصحابة -قبل أن ينزل هؤلاء- مقبلون يجمعون الغنائم، وهؤلاء هاربون، الكفار هربوا حتى إن النساء شوهدن يصعدن الجبال وسوقهن بارزة قد رفعن ثيابهن.
الطالب: يعني على هذا تكون حَتَّى إِذَا فَشِلْتُمْ وَتَنَازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ وَعَصَيْتُمْهذه في رماة الجبل؟
الشيخ: نعم، في رماة الجبل، وصَرَفَكُمْللعموم.
طالب: (ثم) في قوله تعالى: ثُمَّ صَرَفَكُمْللعطف، عطف على أيش؟ ثُمَّ صَرَفَكُمْ؟
الشيخ: إِذْ تَحُسُّونَهُمْ بِإِذْنِهِالظاهر أنها معطوفة على تَحُسُّونَهُمْثم صرفكم.
الطالب: وفي كتاب الجمل (...) ثم عطف على الجواب، على جواب الشرط (...).
الشيخ: يصلح، أقول: يجوز.
الطالب: فيكون هذا جوابًا للشرط.
الشيخ: لا، يكون هذا ما هو جواب الشرط، جواب الشرط محذوف وهذا من جملته.
الطالب: يعني من جملته.
الشيخ: إي نعم
طالب: ما الفرق بين العفو والغفور؟
الشيخ: العفو إذا لم يكن مقرونًا بالمغفرة تدخل فيه المغفرة؛ لأنه عفو عن المجازات، وأما إذا قيل: عفو غفور صار العفو عن ترك الواجبات، والمغفرة لفعل المحرمات.
طالب: شيخ، العفو قلنا: قسمين مذموم ومحمود، القسم المذموم اللي هو عن غير قدرة (...) قسمين: كالرجل مثلا يعفو عن حقه حتى يوم القيامة، (...) مع كونه لا يستطيع؟
الشيخ: هذا قد يدخل في القسم الأول؛ لأنه يوم القيامة قادر سيعطى حقه كاملًا.
طالب: شيخ، بالنسبة لقوله تعالى: وَعَصَيْتُمْقلنا: إن التوبيخ علشان يكون بطريقة لينة لم يذكر المفعول الله سبحانه وتعالى؛ وَعَصَيْتُمْ، ما يقال يا شيخ: إنه (وَعَصَيْتُمْ) أمر الرسول (...) خاصة إذا قلنا: إن الأمر هنا واحد الأمور؟
الشيخ: ما فيه أمر هنا، ما فيه أمر لا واحد أمور ولا واحد أوامر.
الطالب: نازعوا الأمير.
الشيخ: لا، تنازعوا فيما بينهم وعصوا الرسول عليه الصلاة والسلام أو عصوا الله أيضًا؛ لأن من عصى الرسول فقد عصى الله.
طالب: اللي خالف الأمر من الصحابة قليل، والذنب عم الجميع؟!
الشيخ: لأنه قال: عَصَيْتُمْواللي عصوا أقل من خمسين؟
الجواب: أننا كررنا أن فعل الجماعة من طائفة قد ينسب إلى جميع الطائفة، حتى إن بني إسرائيل يلومهم الله عز وجل على شيء فعله أسلافهم؛ لأنهم طائفة واحدة: وَإِذْ قُلْتُمْ يَا مُوسَىيخاطب اللي في عهد الرسول عليه الصلاة والسلام: وَإِذْ قُلْتُمْ يَا مُوسَى لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ [البقرة: ٥٥] (...).
الشيخ: ما هي؟
الطالب: بدون واو (سارعوا).
الشيخ: بدون واو (سارعوا).
هل يرد هذا على قول أهل العلم: إن من أنكر حرفًا من القرآن فهو كافر؟
الطالب: لا يرد.
الشيخ: لا يرد، لماذا؟
الطالب: قول أهل العلم محمول على إذا ما لم يرد به النص.
الشيخ: نعم، إذا ما لم يكن قراءة، وعلى هذا لو قرأ الإنسان: وأطيعوا الله والرسول لعلكم ترحمون سارعوا إلى مغفرة
الطالب: فإن هذا يجوز.
الشيخ: فلا بأس لأنه قراءة، تمام.
***
الشيخ: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين.
قال الله تبارك وتعالى: إِذْ تُصْعِدُونَ وَلَا تَلْوُونَ عَلَى أَحَدٍما معنى تُصْعِدُونَ؟
طالب: يعني: تسيرون في الأرض هربًا.
الشيخ: نعم، وما الفرق بينها وبين: تَصعدون؟
الطالب: تَصعدون بمعنى: ترقوا إلى الأعلى، يعني ترقى إلى الأعلى.
الشيخ: يعني: تصعد الجبل مثلًا، تصعد شيئًا مرتفعًا. والمراد الأول؟
الطالب: نعم، المراد هو الأول.(...).
الشيخ: نعم أحسنت، قوله تعالى: وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ فِي أُخْرَاكُمْالجملة في موضع؟
طالب: حال.
الشيخ: لكن في موضع أيش؟ الحال لها موضع من الإعراب.
طالب: موضع نصب.
الشيخ: في موضع نصب على الحال، قوله تعالى: يَدْعُوكُمْ فِي أُخْرَاكُمْ؟
طالب: أي: في آخركم.
الشيخ: بماذا يدعوهم؟
الطالب: يدعوهم؛ ليعودوا إليه لأنهم هربوا رضي الله عنهم.
الشيخ: ليعودوا إليه، يقول: «إِلَيَّ يَا عِبَادَ اللَّهِ، إِلَيَّ عِبَادَ اللَّهِ» .
وغَمًّا: هو الثواب الذي أعطاهم الله، فهو المفعول الثاني لأثابكم.
والثواب: هو المجازاة على العمل إن خيرًا فخير وإن شرًّا فشر، حتى الإثابة على الشر تسمَّى ثوابًا؛ يعني: حتى الجزاء على الشر يسمى ثوابًا؛ قال الله تعالى: هَلْ ثُوِّبَ الْكُفَّارُ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ [المطففين: ٣٦]، لكن إذا قُرِنَ الثواب بالعقاب صار العقاب الجزاء على السيئات، وصار الثواب الجزاء على الحسنات، وأمثال هذا في اللغة كثير، تكون الكلمة لها معنى إذا أُفْرِدَت ولها معنى إذا قُرِنَت بغيرها.
وقوله: أَثَابَكُمْ غَمًّا بِغَمٍّغَمًّا: مفعول ثان لأثابكم.
بِغَمٍّ(الباء) هنا قيل: إنها للمصاحبة، وقيل: إنها للبدل، وقيل: إنها بمعنى على، ولكل وجهة نظر؛ فأما الذين قالوا: للمصاحبة فقالوا: إن معناها أثابكم غمًّا مصحوبًا بغمٍّ، يعني مقترنا به لم يفصل بينهما فاصل، غموم متتابعة.
والذين قالوا: إنها بمعنى على قالوا: أصابكم غمًّا على غم، ولا يلزم أن تكون متتابعًا.
والذين قالوا: إنها للبدل والعوض يقولون: معناها أصابكم غمًّا بغم بدلًا عن الغم الذي حصل منكم.
وإذا تأملنا وجدنا أن الآية الكريمة تحتمل كل المعاني الثلاثة كما سيتبين إن شاء الله من تفسير الغم ما هو، والقاعدة في التفسير أن الآية إذا كانت تحتمل أكثر من معنى وليس بينهما منافاة فإنها تحمل على ما تحتمله من المعاني؛ لأن هذا هو بلاغة القرآن، فما هي الغموم التي أصابتهم؟
نحن نعرف أن المسلمين في أحد أصيبوا بمصائب عظيمة؛ أولًا: كان النصر لهم في أول النهار ثم كان عليهم في آخر النهار، وهذا لا شك أنه يُحْدِثُ غمًّا عظيمًا؛ لأنه بعد أن تفرح النفوس بالنصر ثم تنتكس يكون هذا أشد عليها مما لو كانت الانتكاسة لم تسبق بنصر، أليس كذلك؟
طلبة: بلى.
الشيخ: ثانيًا: قتل منهم شهداء، قتل منهم شهداء من شجعانهم مثل حمزة بن عبد المطلب رضي الله عنه، وهذا لا شك أنه يفت في أعضادهم.
ثالثًا: تأخر ثلث الجيش تقريبًا من أثناء الطريق، وهم المنافقون الذين انخزل بهم عبد الله بن أُبَيٍ المنافقُ.
رابعًا: أُشِيع أن النبي صلى الله عليه وسلم قُتِل، وماذا تكون نفوس المؤمنين إذا أشيع أن إمامهم وقائدهم صلى الله عليه وسلم قد قتل؟ نعم تكون عظيمة تضيق عليهم الأرض بما رحبت.
خامسًا: أن الرسول عليه الصلاة والسلام أصيب يوم أحد كُسِرَت رَبَاعِيَتُه وشُجَّ وجهه وأصابه من الضعف والوهن ما لم يصبه من قبل، فالغموم كثيرة.
وهذه الغموم إذا قلنا: إن الباء بدلية يكون معناها أنكم أصابكم غم بسبب ما أصبتم الرسول صلى الله عليه وسلم به من الغم؛ لأن نزولهم من الجبل الذي جعلهم النبي صلى الله عليه وسلم فيه لا شك أنه يحزن الرسول عليه الصلاة والسلام، قائد مرتب للجيش أمرهم بأن لا يدعوا المكان مهما كان الأمر ثم يخالفون.
طاعة النبي عليه الصلاة والسلام في هذا الباب واجبة من وجهين:
أولًا: أنه شرع، إن أمره شرع -عليه الصلاة والسلام-.
وثانيًا: من جهة أنه ولي الأمر، قائد، مخالفة القائد ولو لم يكن رسولًا تعتبر شديدة في نفسه، فكما أنه حصل للنبي صلى الله عليه وسلم منهم غم أصابهم الله بغموم، واضح؟
أما على القول: بأنها للمصاحبة فالأمر ظاهر؛ لأنها غموم متلاحقة في غزوة واحدة، وأما كونه غمًّا على غم فكذلك أيضًا، كلما فاء غم أتى غم آخر؛ ولهذا قال: فَأَثَابَكُمْ غَمًّا بِغَمٍّ لِكَيْلَا تَحْزَنُوا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلَا مَا أَصَابَكُمْاللام هنا للتعليل والمعلل قوله: فَأَثَابَكُمْأي: أثابكم غمًّا بغم من أجل أن لا تحزنوا على ما فاتكم ولا ما أصابكم، كيف ذلك؟
لأن الغم الأكبر ينسي الغم الأصغر، فمثلًا إذا فاتهم النصر هذا غم، غم بلا شك، لكن إذا قتل نبيهم عليه الصلاة والسلام هذا أشد، فلما أشيع أنه قتل نسوا الغم الأول ولم يحزنوا عليه؛ لأنهم أصيبوا، فإذا جاء الفرج وتَبَيَّن أن الرسول عليه الصلاة والسلام قد بقي زالت الغشاوة كلها، واضح؟
فيكون هذا من لطف الله بهم أنه يصيبهم بمصائب تنسيهم المصائب الأولى ثم بعد ذلك تنفرج، وهذا من حسن ربوبية الله عز وجل وعنايته بالصحابة والنبي صلى الله عليه وسلم؛ ولهذا قال: لِكَيْلَا تَحْزَنُوا عَلَى مَا فَاتَكُمْمن أين؟ من النصر والغنيمة.
وَلَا مَا أَصَابَكُمْمن الخذلان وفقد الغنيمة، فهذه من حكمة الله عز وجل، هذا هو الصواب في معنى الآية الذي لا تحتمل غيره.
وأما قول الجلالين رحمه الله: إن (لا) زائدة هنا، والمعنى: لكي تحزنوا على ما فاتكم وما أصابكم، فهذا قول بعيد جدًّا، بل إن الله عز وجل يحب من المؤمنين أن لا يحزنوا ويسليهم إذا وجدت أسباب الحزن؛ قال الله تعالى: إِنَّمَا النَّجْوَى مِنَ الشَّيْطَانِ لِيَحْزُنَ الَّذِينَ آمَنُوا وَلَيْسَ بِضَارِّهِمْ شَيْئًا إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ [المجادلة: ١٠] هذه تسلية، فيكف يأمرهم الله أو فكيف يفعل الله شيئًا من أجل أن يحزنوا؟! هذا بعيد جدًّا، لكن المعنى اللي ذكرناه أظنه واضحًا جدًّا؛ أن هذه الغموم التي أصابتهم من أجل أن ينسي بعضها بعضًا فلا يحزنوا على ما أصابهم ولا ما فاتهم، وحينئذ إذا انكشف الكل صار له طعم لذيذ في النفوس.
يقول عز وجل: وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَخَبِيرٌمأخوذ من الخُبْر وهو العلم ببواطن الأمور، ومنه سمي الزارع خبيرًا؛ لأنه يدفن الحب ويخفيه، فالأصل أن هذه المادة تدل على الخفا، فالخبير هو العليم ببواطن الأمور، والعليم ببواطن الأمور عليم بظواهر الأمور من باب أولى.
وقوله: خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَبِمَاأي: بالذي تَعْمَلُونَمن خير وشر، فعل، قول، وسوسة في النفوس، لكن هنا قال: بِمَا تَعْمَلُونَلأن المراد بالخِبرة هنا: ما يترتب عليها من الحساب، فهي جملة خبرية تفيد التهديد؛ لأن الله عز وجل لا يحاسب إلا على العمل، أما حديث النفس فلا يحاسب عليه، لو حدث الإنسان نفسه بفعل المعاصي أو ترك الواجبات ثم لم ينفذ فإنه لا يحاسب، ولهذا قال: خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ.
من فوائد هذه الآية الكريمة: تذكير المؤمنين بما جرى منهم من المخالفة؛ حيث قال: إِذْ تُصْعِدُونَ وَلَا تَلْوُونَ عَلَىهذا على القول بأن إِذْأيش؟ متعلقة بمحذوف تقديره: اذكر، أما على القول بأنها متعلقة بـ(عفا) فيستفاد منها تذكير المؤمنين بنعمة الله عليهم في عفوه عنهم حين أيش؟ أصْعَدوا.
ومن فوائد هذه الآية الكريمة: التوبيخ اللطيف في قوله: وَلَا تَلْوُونَ عَلَى أَحَدٍ وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ فِي أُخْرَاكُمْفإن الشجاعة تمنع أن يقع من الإنسان مثل هذه الحال يهرب ولا يلوي على أحد والرسول يدعوه يقول: «إِلَيَّ يَا عِبَادَ الله» ، ففيها توبيخ أيش؟ توبيخ لطيف للصحابة مما جرى منهم.
ومن فوائد هذه الآية: حسن رعاية النبي صلى الله عليه وسلم لأمته في قيادته العظيمة، حيث يكون في أخريات القوم، وهذا شأنه صلوات الله وسلامه عليه أن يكون في أخريات القوم من أجل أن يتفقدهم، إنسان يتأخر، إنسان يحتاج، يتفقدهم، وليس كالملوك الذين يتقدمون الناس بل هو يتأخر، وقصة جمل جابر ليست ببعيدة؛ حيث كان النبي عليه الصلاة والسلام في أخريات القوم فلحق جابرًا وكان معه جمل قد أعيا فلحقه النبي عليه الصلاة والسلام وضربه ودعا له ومشى الجمل، مما يدل على أن من أهداف النبي عليه الصلاة والسلام للتأخر مثل هذه الحال.
ومن فوائد هذه الآية: أنه ينبغي للقائد أن يكون ذا شجاعة في قيادته، بحيث يثبت ويدعو إلى الثبات، من أين تؤخذ؟ وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْيَدْعُوكُمْ؛لأنه لو لم يثبت وهرب معهم لم يكن صالحًا للقيادة.
ومن فوائد الآية: إثبات رسالة النبي صلى الله عليه وسلم في قوله: وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ.
ومن فوائدها: حكمة الله عز وجل وعدله في إثابته عباده؛ لقوله: فَأَثَابَكُمْ غَمًّا بِغَمٍّوالعدل ظاهر جدًّا إذا جعلنا الباء للبدل، والحكمة ظاهرة إذا جعلناها للمصاحبة أو بمعنى على؛ لأن هذه الغموم التي يتلو بعضها بعضا يخفف بعضها بعضا.
ومن فوائد الآية: إثبات الحكمة، إثبات حكمة الله عز وجل في أفعاله، من قوله: لِكَيْلَافإن اللام هنا للتعليل.





