تفسير سورة آل عمران - 48
عدد الزيارات 1801

عناصر المادة :
تفسير الآية (155)
تفسير الآية (156)

ومن فوائد هذه الآية: أنه ينبغي للقائد أن يكون ذا شجاعة في قيادته، بحيث يثبت ويدعو إلى الثبات، من أين تؤخذ؟ وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ [آل عمران: ١٥٣]؛ لأنه لو لم يثبت وهرب معهم لم يكن صالحًا للقيادة.
ومن فوائد الآية: إثبات رسالة النبي صلى الله عليه وسلم في قوله: وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ.
ومن فوائدها: حكمة الله عز وجل وعدْله في إثابته عباده؛ لقوله: فَأَثَابَكُمْ غَمًّا بِغَمٍّ [آل عمران: ١٥٣] والعدل ظاهر جدًّا إذا جعلنا الباء للبدل، والحكمة ظاهرة إذا جعلناها للمصاحبة أو بمعنى (على)؛ لأن هذه الغموم التي يتلو بعضها بعضًا يخفّف بعضها بعضًا.
ومن فوائد الآية: إثبات الحكمة؛ إثبات حكمة الله عز وجل في أفعاله، من قوله: لِكَيْلَافإن اللام هنا للتعليل.
وهذه المسألة أعني إثبات الحكمة لله في أفعاله وأحكامه الشرعية ينفيها مَن؟ الجهمية، ينفونها، بل والأشعرية أيضًا ينفونها، ويقولون: إن أفعال الله لا تُعلّل؛ لأنها لو عُلِّلت لكان يفعل لغرض؛ ولأنها لو علّلت لصح أن يتوجّه السؤال إليه عنها فيقال: لِمَ فعلتَ؟ والله سبحانه وتعالى لا يُسأل عما يفعل وهم يسألون، وقد بينا -فيما سبق- أن نفي العلة أو نفي الحكمة في أفعال الله يُعد تنقُّصًا لله عز وجل؛ لأنه إذا انتفت الحكمة في أحكامه الشرعية أو القدريّة صارت أحكامه عبثًا ولَعِبًا، وقد أبطل الله تعالى ذلك في عدة آيات أشدّها قوله تعالى: وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا بَاطِلًا ذَلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنَ النَّارِ [ص: ٢٧].
ومن فوائد الآية الكريمة: أن الله عز وجل يحب من عباده أن لا يحزنوا؛ لأنه قدر الغم بالغم من أجل أيش؟ أن لا يحزنوا، وذلك لأن الحزن يحدث للإنسان انقباضًا، انقباضًا ربما يمنعه عن كثير من المصالح، وربما يُحدث له عُقدًا نفسية، والإنسان ينبغي أن يعوِّد نفسه على انشراح الصدر وانبساط النفس بقدر ما يستطيع؛ لأنه لا شك أن الإنسان إذا كان صدره منشرحًا ونفسه منبسطة أنه يكون مستريحًا قابلًا للتفهّم والتفهيم، وإذا كان محزونًا تجده لا يحب أن يكلّمه أحد فضلًا عن أن يكون له تفهيم أو فهم.
ومن فوائد الآية: التربية العظيمة للعباد؛ وهي أن لا يحزنوا على ما فاتهم، إذا فاتك خير تظنه خيرًا لنفسك فقل: قَدَرُ الله وما شاء فعل، وكذلك إذا أصابك ما تكره قل: قَدَرُ الله وما شاء فعل، واعلم أن الحزن لا يرد الفائت أبدًا، وإنما يزيد الإنسان بلاءً.
ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات علم الله عز وجل الواسع لكل معلوم؛ لقوله: وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ [آل عمران: ١٥٣].
ومن فوائدها: وجوب الحذَر من المخالفة؛ مخالفة الله عز وجل، وجهه: أنه إذا كان خبيرًا بعملنا فإن ذلك يوجب لنا أن لا نخالفه؛ لأننا إن خالفناه عَلِم، إذا خالفناه علم، وإذا عَلِم فسوف يحاسبنا.
ومن فوائد الآية: الردّ على الجبريّة، من قوله: تَعْمَلُونَووجه ذلك: أنه أضاف العمل إليهم، والجبرية يقولون: إن الإنسان لا يعمل، لا يفعل شيئًا باختياره.
ومن فوائدها: الردّ على غُلَاة القدرية، من قوله: خَبِيرٌ؛ لأن غلاة القدرة يُنكرون علم الله بفعل العبد، ويقولون: إن الله عز وجل لا يعلم أفعال العبد، لكن إذا فعلها عَلِم بها.
ثم قال عز وجل: ثُمَّ أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ بَعْدِ الْغَمِّ أَمَنَةً نُعَاسًا [آل عمران: ١٥٤]. ثُمَّللترتيب بمهلة، أَنْزَلَمَن؟ الله عز وجل.
أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ بَعْدِ الْغَمِّالمراد بالغمّ هنا جنس الغم، فيشمل الغمّ بعد الغم، كل الغموم السابقة: مِنْ بَعْدِ الْغَمِّ أَمَنَةً نُعَاسًاأَمَنَةًيجوز في إعرابها وجهان:
الوجه الأول: أن تكون مفعولًا لأجله.
والثاني: أن تكون مفعولًا به لـأَنْزَلَ، فعلى الوجه الأول يكون: نُعَاسًامفعول أَنْزَلَ، وعلى الثاني يكون: نُعَاسًابدلًا أو عطف بيان من أَمَنَةً.
وأَمَنَةًبمعنى (أمْن)؛ يعني أنزل عليكم من بعد الغم أمنًا، أمنة وأمن بمعنى واحد، ما هذا الأمن؟ قال: نُعَاسًاوالنعاس مُقدّمة النوم، وهو دليل على طمأنينة القلب؛ لأن الخائف ينعس ولّا لا؟
طالب: لا ينعس.
الشيخ: ويش يفعل؟
الطالب: يموت في اليوم ألف موتة.
الشيخ: لا حول ولا قوة إلا بالله! نعم، الخائف لا يمكن أن ينعس؛ لأن قلبه يرجف، مضطرب، لكن الآمِن المطمئن ينعس، ولهذا قال: نُعَاسًا.
يَغْشَى طَائِفَةً مِنْكُمْ [آل عمران: ١٥٤]، وفي قراءة: {تَغْشَى طَائِفَة مِنْكُمْ} فإذا كانت القراءة: {تَغْشَى} فالضمير يعود على أَمَنَةً، وإذا كانت القراءة: يَغْشَىفالضمير يعود على نُعَاسًا.
يَغْشَى طَائِفَةً مِنْكُمْأي: يصيب طائفة، والغشيان في الأصل التغطية، ومنه قوله تعالى: وَعَلَى أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ [البقرة: ٧] وقوله: يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ [الأعراف: ٥٤] لكن قد يُراد به مجرد الإصابة، وقد يُراد به مع الإصابة أنه إذا غشيهم يعني شملهم جميعًا: يَغْشَى طَائِفَةً مِنْكُمْالخطاب للمؤمنين.
وَطَائِفَةٌ قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أَنْفُسُهُمْ [آل عمران: ١٥٤] يعني فلم يغشهم النعاس، لماذا؟ لأن أنفسهم قد أهمّتهم أوقعتهم في الهمّ، أوقعتهم في الهم؛ لأنهم يقولون: ما ندري ما يكون؟! ويُخَمِّسون ويُسَدّسون، والذي هكذا حاله لا يأتيه النوم ولا يقربه النعاس، ولهذا قال: قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أَنْفُسُهُمْ. وطوى ذِكر ترْك عدم النعاس، طوى ذكره؛ لأنه يُعلم من حالهم، فإذا كانت قد أهمّتهم أنفسهم فإنه لا يمكن أن ينعسوا.
يقول: قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أَنْفُسُهُمْ يَظُنُّونَ بِاللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ [آل عمران: ١٥٤] جملة يَظُنُّونَيجوز أن تكون خبرًا ثانيًا لقوله: وَطَائِفَةٌ.
أين الخبر الأول؟ جملة: قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أَنْفُسُهُمْيعني وطائفة أهمّتهم أنفسهم، وكذلك يظنون بالله غير الحق، ويجوز أن يكون يَظُنُّونَفي موضع نصب على الحال من الضمير في أَهَمَّتْهُمْ؛ يعني أهمتهم حال كونهم يظنون بالله غير الحق؛ يعني يظنون بالله سبحانه وتعالى ظنًّا غير ظن الحق، فما هو هذا الظن؟ يظنون أشياء كثيرة، يقولون مثلًا: هل لنا من الأمر من شيء؟
طالب: ليس سمع فيه (...).
الشيخ: أيش؟
الطالب: يتحرك مع الأذن.
الشيخ: أهمتهم، الهاء؟
الطالب: أنفسهم.
الشيخ: الهاء اللي بعد التاء. يَظُنُّونَ بِاللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ ظَنَّ الْجَاهِلِيَّةِ [آل عمران: ١٥٤]، يظنون مثلًا أن الرسول عليه الصلاة والسلام قُتل حقيقة، وأنه لا نصر للإسلام بعد هذه الهزيمة، وأن الدولة ستكون للكافرين، وما أشبه ذلك من الظنون الفاسدة، ولا شك أن هذا ظن مبنيّ على الجهل، ولهذا قال: غَيْرَ الْحَقِّ ظَنَّ الْجَاهِلِيَّةِ، فبدأ ببطلان هذا الظن أولًا، ثم بيّن أنه صادر عن جهل، ولهذا قال: ظَنَّ الْجَاهِلِيَّةِأي: ظن أهل الجهل؛ لأن من عرف الله عز وجل بأسمائه وصفاته وأحكامه لا يمكن أبدًا أن يظن به هذا الظن؛ أن الله يديل الباطل على الحق، وأن الله لا ينصر رسوله، لا يظن هذا الظن إلا من لا يعرف الله عز وجل، ولهذا قال: يَظُنُّونَ بِاللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ ظَنَّ الْجَاهِلِيَّةِ يَقُولُونَ هَلْ لَنَا مِنَ الْأَمْرِ مِنْ شَيْءٍ [آل عمران: ١٥٤].
جملة: يَقُولُونَيصح أن تكون خبرًا ثانيًا أو ثالثًا؟ ثالثًا لطائفة، ويصح أن تكون حالًا من يَظُنُّونَمن الواو في يَظُنُّونَيظنون حال كونهم قائلين.
وقوله: يَقُولُونَبألسنتهم أو بقلوبهم؟
طلبة: بقلوبهم.
طلبة آخرون: يحتمل.
الشيخ: نعم، يَحتمل الأمرين، يَحتمل أنهم يقولون في أنفسهم، ويحتمل أنهم يقولون بألسنتهم؛ يعني يقول بعضهم لبعض: هل لنا من الأمر من شيء؟ وأيهما أقرب؟
طالب: الثاني.
الشيخ: ما هو الثاني؟
طالب: شيخنا، الثاني أقوى، وهو أنهم يقولون بألسنتهم، يقول بعضهم لبعض.
الشيخ: نعم، ما وجه قوّته عندك؟
الطالب: وجه قوّته أنه منتشر بينهم؛ يعني أنهم يريدون أن ينشروا هذا فيما بينهم، فأراد الله أن يفضحهم، وأن يبيّن لحديث أحد الصحابة -أظنه طلحة- لما قال: إني كنت أنعس كما في الآية، فسمعت صوت أحدهم وما أتبعه وشيء، وكذا يقول هذا القول، يقول: ما لنا من الأمر من شيء.
الشيخ: إي نعم، طيب هذا، لكن هناك دليل من الآية؟
الطالب: قوله: يُخْفُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ مَا لَا يُبْدُونَ لَكَ [آل عمران: ١٥٤].
الشيخ: لا.
طالب: يقولون: الأصل فيها أنه يكون باللسان.
الشيخ: نعم، أحسنت، الأصل في القول إذا أُطلق فهو قول اللسان، وإذا كان قول النفس لا بد أن يُقيّد، كما قال الله تعالى: وَيَقُولُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ لَوْلَا يُعَذِّبُنَا اللَّهُ بِمَا نَقُولُ [المجادلة: ٨] واضح؟ أجيبوا؟
طلبة: نعم.
الشيخ: فإذن تكون الآية دالّة على أن هذا القول صادر منهم بألسنتهم. واضح؟
إذا قال قائل: أنتم تقولون: إن القول إذا أُطلق فهو قول اللسان، فكيف تجيبون عن قوله تعالى: يَقُولُونَ بِأَلْسِنَتِهِمْ مَا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ [الفتح: ١١]؟
طالب: من باب التأكيد.
الشيخ: من باب التأكيد، وليقابل قوله: مَا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ.
يَقُولُونَ هَلْ لَنَا مِنَ الْأَمْرِ مِنْ شَيْءٍهَلْهنا للاستفهام، لكن هل المراد بالاستفهام الإنكار كأنهم يقولون: هل نحن رُوجعنا؟ هل شاوَرونا؟ أو أنهم ينفون أن يكون الاستفهام للنفي؟ يعني يقول: ليس لنا من الأمر شيء، ننظر ما الذي يؤيّده سياق الآية: يَقُولُونَ هَلْ لَنَا مِنَ الْأَمْرِ مِنْ شَيْءٍ قُلْ إِنَّ الْأَمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ [آل عمران: ١٥٤]؟ هل يؤيد أن (هل) بمعنى (ما)، أو أن هل بمعنى الإنكار؟ أي أنهم يُنكرون أنه لم يُرجع إليهم بشيء؟
طلبة: الثاني.
الشيخ: سياق الآية يدل على الثاني، وأن هؤلاء أخذوا على القيادة في هذه الغزوة، أخذوا عليها أنها لم تراجعهم، وقالوا: هل لنا من الأمر من شيء؟ فقال الله عز وجل: قُلْ إِنَّ الْأَمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ. ويؤيد هذا أيضًا قوله: يَقُولُونَ لَوْ كَانَ لَنَا مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ مَا قُتِلْنَا هَاهُنَا [آل عمران: ١٥٤]؛ يعني لو كان لنا من الأمر شيء ما حصلت هذه الهزيمة، إلى آخر الآيات، فالظاهر أن الاستفهام هنا ليس للنفي كما ذهب إليه بعض المفسرين، ولكن معناه الإنكار، الإنكار على القيادة أنها لم تراجعهم في هذا الأمر.
يقولون: هَلْ لَنَا مِنَ الْأَمْرِ مِنْ شَيْءٍالأمر هنا واحد (الأمور) أو واحد (الأوامر)؟
طلبة: الأول.
طالب: واحد (الأمور).
الشيخ: الأول؛ يعني هل لنا من أمور الحرب شيء؟ ليس لنا، ما وجّه إلينا شيء من أمر الحرب، فكأنهم يريدون أن يتنصّلوا مما حصل، ويقول: لأنا ما رُوجعنا ولا رُجع إلينا ولا أُخذ رأينا.
قال الله عز وجل: قُلْ إِنَّ الْأَمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِفيها قراءتان: {كُلُّهُ} وكُلَّهُأيهما أرجح؟
طالب: الظاهر {كُلُّهُ} لأنه خبر.
الشيخ: لا، الخبر لله لا شك.
الطالب: الظاهر كُلَّهُ؛ لأنه تأكيد الأمر.
طالب آخر: النصب يا شيخ.
الشيخ: النصب؟
الطالب: إي نعم، الأمر كله لله.
الشيخ: نعم، هو كما قال: توكيد.
الطالب: لا، ليس توكيدًا، وإنما نعم توكيد.
الشيخ: أنا أقول: كلاهما راجح؛ لأنهما قراءتان سبعيّتان، فإذا كانت: كُلَّهُصارت (كُلَّ) منصوبة على التوكيد؛ توكيد الأمر إِنَّ الْأَمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِوعلى قراءة الرفع تكون الْأَمْرَاسم (إنّ)، و(كُلُّ) مبتدأ، و(لله) خبر، والجملة من المبتدأ والخبر خبر (إنّ).
على كل حال: الْأَمْرَهنا: الْأَمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِيشمل الأمر الكوني والأمر الشرعي، فالأمر لله عز وجل كلّه، هو الذي يتصرّف في عباده كما يشاء حسب ما تقتضيه الحكمة، سواء كان هذا الأمر كونيًّا وهو الذي يقول الله فيه: كن فيكون، أو شرعيًّا وهو الأمر الموجّه لمن؟ للعباد، افعلوا أو لا تفعلوا، كُلّه لله كما أن الحكم كلّه لله.
قال الله تعالى: يُخْفُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ مَا لَا يُبْدُونَ لَكَ [آل عمران: ١٥٤]. يُخْفُونَ فِي أَنْفُسِهِمْأي: يُضمرون في نفوسهم ما لا يبدونه للرسول صلى الله عليه وسلم، ولكن الله يعلمه، وهذا يُعدّ لا شك مما جرى من الصحابة رضي الله عنهم، وهو أمر لو تركوه لكان أفضل، لو كانوا يُصرّحون للرسول عليه الصلاة والسلام ويصارحونه لكان خيرًا من كونهم يتكلمون فيما بينهم ويخفونه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهذا ليس لجميع الصحابة، لمن؟ لطائفة.
طالب: المنافقون.
الشيخ: لا، لطائفة منهم؛ لأن المنافقين كلهم رجعوا قبل أن يصلوا إلى أُحُد، إن بقي فقد بقي ناس قليلون، لكن ظاهر الآية حيث قال: يَغْشَى طَائِفَةً مِنْكُمْ وَطَائِفَةٌ قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أَنْفُسُهُمْ [آل عمران: ١٥٤] أن هذه الطائفة من المؤمنين، مع أنه ربما يقول لي قائل: بل إن الآية تدل على أن هذه الطائفة ليست من المؤمنين؛ لأنه قال: يَغْشَى طَائِفَةً مِنْكُمْ وَطَائِفَةٌ قَدْ أَهَمَّتْهُمْولم يقل: وطائفة منكم، لكن الذي يُرَجّح الأول: التقسيم؛ لأنه قال: يَغْشَى طَائِفَةًوَطَائِفَةٌ قَدْ أَهَمَّتْهُمْوالمفسرون مختلفون في ذلك على قولين:
القول الأول: أن هذه الطائفة طائفة من المنافقين.
والقول الثاني: أنها طائفة من المؤمنين لكنهم ضعاف الإيمان.
طالب: شيخ، في قوله: وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ فِي أُخْرَاكُمْ [آل عمران: ١٥٣] يعني هل كان في مقدمة الجيش ولَّا.. ؟
الشيخ: كيف؟
الطالب: يعني لما قابلهم كان أقرب للمسلمين من المشركين؟
الشيخ: الرسول إي نعم؟
طالب: ما في القرآن يا شيخنا، لكن قد..
الشيخ: لا لا، بعد أن فرّوا صار في المؤخّرة.
الطالب: رجع يعني؟
الشيخ: لا، هو مكانه، الآن تصوّر الآن أنهم الآن في منطقة فهربوا منها، والرسول باقٍ ويش صار؟ صار في أخراهم.
طالب: شيخ، وَطَائِفَةٌ قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أَنْفُسُهُمْ [آل عمران: ١٥٤] يقال: إنهم لم يصبهم النعاس؛ لأنهم أهمّوا أنفسهم لم يهمّوا الرسول صلى الله عليه وسلم، وطوى هذا لم يذكره.
الشيخ: كيف؟
الطالب: يعني طائفة يغشيهم النعاس، والطائفة الثانية أهمتهم أنفسهم لم يغشهم النعاس؛ لأنهم ما اهتمّوا بأمره صلى الله عليه وسلم وبأمر..
الشيخ: هم نعم، صريح الآية: قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أَنْفُسُهُمْ؛ يعني أنهم أنانيّون.
الطالب: يعني عقاب لهم؛ لأنهم لم يهمّوا الرسول صلى الله عليه وسلم لم يصبهم النعاس؛ لأن النعاس أمْن ونصر من الله تعالى.
الشيخ: النعاس يدل لا شك، يدل على طمأنينة القلب وارتفاع الخوف عنهم.
الطالب: يلزم لهم.
الشيخ: والذي قد أهمته نفسه فإنه لن ينعس.
الطالب: يعني المقصد يا شيخ أن هذا لما لم يهمه الإسلام ويهمه صلى الله عليه وسلم جازاهم في الدنيا بأن..
الشيخ: لا، ما يحتاج منهم مجازاة، هذا شيء واقع، كل إنسان يهمّه نفسه في مثل هذه المواطن لا يمكن أن ينام ولا يقربه النوم.
طالب: شيخ، أحسن الله إليك، في قول الله عز وجل: ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ [آل عمران: ١٥٢] قلنا: إن الصرف يقتضي أن الصحابة كانوا مُقبلين إقبالًا شديدًا على الكفّار، أحسن الله إليك، أقول: ما الحكمة في أن الله صرفهم؛ يعني عن قتال الكفار مع أن قتل المسلم للكفار محبوب لله عز وجل؟
الشيخ: أيش؟
الطالب: أقول: ما الحكمة في صرف الله لهم مع أن قتلهم الكفار محبوب لله عز وجل؟
الشيخ: لحكمة.
الطالب: إي، ما هي؟
الشيخ: الحكمة حتى يكون هذا تربية لهم؛ لأن سبب ذلك أنهم تركوا المكان كما قال الله: حَتَّى إذا فَشِلْتُمْجبنتم وَتَنَازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ وَعَصَيْتُمْ مِنْ بَعْدِ مَا أَرَاكُمْ مَا تُحِبُّونَ [آل عمران: ١٥٢] كل هذه الثلاثة من أسباب الخذلان.
طالب: شيخ، نصب الفعل في قوله تعالى: لِكَيْلَا تَحْزَنُواهل هو باللام ولَّا بـ(كي)؟
الشيخ: ماذا تقولون؟
طلبة: ما سمعنا يا شيخ.
الشيخ: يسأل يقول: نصب الفعل: لِكَيْلَا تَحْزَنُواهل هو بـ(كي) ولَّا باللام؟
طالب: شيخ، فيه خلاف بين البصريين والكوفيين؛ بعضهم يقدّر (أن) مضمرة، وبعضهم يقول: نصب بـ(كي)، عند البصريين باللام، وعند الكوفيين بـ(كي).
الشيخ: يقولون: إذا ذُكرت اللام و(كي) فالنصب بـ(كي)، وإذا ذُكرت (كي) وحدها أو اللام وحدها فالكوفيون يقولون: إن الحرف هو الناصب، والبصريون يقولون: (أن) مضمرة، يعني إذا اجتمعا صار النصب لـ(كي) مباشرة. واضح؟
طالب: قوله تعالى: لِكَيْلَا تَحْزَنُوا عَلَى مَا فَاتَكُمْ [آل عمران: ١٥٣] إحنا قلنا: إن يعني المصيبة سبب المصيبة الأخرى، ألا يكون هذا يا شيخ يعني يدلّ على أن قوله تعالى: غَمًّا بِغَمٍّبأن الباء للمصاحبة بمعنى أن الغم هذا سببه؟
الشيخ: إي نعم، ما يمنع أن يكون هذا وما يمنع أيضًا أن سببه غمهم للرسول بمخالفة أمره، يكون لما خالفوا الأمر حصل الغم، ثم حصل غمّ، ثم حصل غمّ.
طالب: شيخ، ذكر بعض المفسرين أن هناك فرقًا بين الأمَنة والأمْن، وهو أن الأمَنة هو أمن مؤقّت يكون بعده خوف كما في الآية، والأمن يكون أمنًا مطَّردا كما في قوله تعالى: أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ [الأنعام: ٨٢] في الجنة؟
الشيخ: لا، ما هو بصحيح؛ لأن الأمن مصدر، والمصدر هو مُطلق يشمل القليل والكثير، أما: أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُفهي فيها (أل) الدالة على الكمال والاستغراق، لكن لو قلت: (أمِن أمنًا) ما يدل على أنه دائم، أو (أمَنة) ما يدل على أنها دائمة، فالظاهر القول الثاني: لا فرق، ولهذا فسّره كثير من المفسرين قال: أمَنة يعني أمنًا.

***

طالب: ثُمَّ أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ بَعْدِ الْغَمِّ أَمَنَةً نُعَاسًا يَغْشَى طَائِفَةً مِنْكُمْ وَطَائِفَةٌ قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أَنْفُسُهُمْ يَظُنُّونَ بِاللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ ظَنَّ الْجَاهِلِيَّةِ يَقُولُونَ هَلْ لَنَا مِنَ الْأَمْرِ مِنْ شَيْءٍ قُلْ إِنَّ الْأَمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ يُخْفُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ مَا لَا يُبْدُونَ لَكَ يَقُولُونَ لَوْ كَانَ لَنَا مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ مَا قُتِلْنَا هَاهُنَا قُلْ لَوْ كُنْتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ لَبَرَزَ الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقَتْلُ إِلَى مَضَاجِعِهِمْ وَلِيَبْتَلِيَ اللَّهُ مَا فِي صُدُورِكُمْ وَلِيُمَحِّصَ مَا فِي قُلُوبِكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ (١٥٤) إِنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْا مِنْكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ إِنَّمَا اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطَانُ بِبَعْضِ مَا كَسَبُوا وَلَقَدْ عَفَا اللَّهُ عَنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ (١٥٥) [آل عمران: ١٥٤، ١٥٥].
الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، وقفنا في تفسير الآية على قوله تبارك وتعالى: يَقُولُونَ لَوْ كَانَ لَنَا مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ مَا قُتِلْنَا هَاهُنَا.
قوله: يُخْفُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ مَا لَا يُبْدُونَ لَكَ يَقُولُونَجملة: يَقُولُونَتفسير للذي يخفونه، والقول هنا قول باللسان؛ لأن القول إذا أُطلق فهو قول اللسان، واضح؟
يَقُولُونَ لَوْ كَانَ لَنَا مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ مَا قُتِلْنَا هَاهُنَا.
قول الله تعالى: إِذْ تُصْعِدُونَ وَلَا تَلْوُونَ عَلَى أَحَدٍ وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ فِي أُخْرَاكُمْ فَأَثَابَكُمْ غَمًّا بِغَمٍّ [آل عمران: ١٥٣] نأخذ من هنا قال: فَأَثَابَكُمْ غَمًّا بِغَمٍّما معنى الإثابة هنا؟
طالب: الإثابة هنا بمعنى الجزاء.
الشيخ: بمعنى الجزاء، يعني جازاكم. هل يطلق الثواب على الجزاء بالعقوبة؟
طالب: نعم، يُطلق قال الله تعالى: هَلْ ثُوِّبَ الْكُفَّارُ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ [المطففين: ٣٦].
الشيخ: يُطلق لقوله تعالى: هَلْ ثُوِّبَ الْكُفَّارُ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ. وإذا جُمع الثواب والعقاب؟
طالب: كان الثواب على الإثابة على الخير.
الشيخ: صار الثواب على الحسنات، والعقاب على السيئات.
قوله تعالى: أَثَابَكُمْ غَمًّا بِغَمٍّالباء؟
طالب: الباء ثلاثة: إما للمصاحبة، وإما للبدل؛ يعني بمعنى العِوض، وإما بمعنى (على)، وكلّه يصلح هنا.
الشيخ: كله يصلح هنا، على القول بأنها للمصاحبة ما معناها؟
الطالب: يعني غمّ ملاحق بغمّ.
الشيخ: نعم، متصل بغمّ.
الطالب: يعني غموم كثير.
الشيخ: أحسنت، إذن ليس المراد غمين فقط؟
الطالب: نعم.
الشيخ: اذكر مثالًا لغمّين من ذلك؟
طالب: تخلّف ثلث الجيش عند مسيره إلى معركة أُحُد.
الشيخ: وغيره؟
الطالب: وإشاعة أن الرسول الله صلى الله عليه وسلم قُتل، وإصابة رسول الله.
الشيخ: إصابة الرسول صلى الله عليه وسلم.
الطالب: وذلك عندما كان لهم النصر في أول المعركة انقلبت الدائرة عليهم.
الشيخ: فوات النصر يعني؟
الطالب: إي نعم، هذه ثلاثة.
الشيخ: نبغي رابعة.
طالب: ما حصل للنبي صلى الله عليه وسلم عندما شُجّ وجهه وكسرت رباعيته.
طالب آخر: ذكرها.
الشيخ: قالها.
الطالب: وقد قتل حمزة وكثير من الشهداء.
الشيخ: إي نعم، قتل عدد من رجالات المسلمين.
طالب: وانخذال ثلث الجيش؛ المنافقون.
الشيخ: هذا (...) قبل الإصعاد، إحنا ذكرناه لكنه قبل الإصعاد.
طالب: مخالفتهم للنبي صلى الله عليه وسلم.
الشيخ: مخالفتهم الرسول هذا ما.. فيه غم؟
طالب: صارت خمسة، ذكرنا خمسة.
الشيخ: يا أخي، باقي واحدة.
الطالب: هذه هي يا شيخ.
الشيخ: هي الخامسة هذه؟
طلبة: الخامسة إي نعم.
الشيخ: إي، طيب ممكن أن نقول: إن الخامسة ظهور المشركين عليهم؛ لأنه فاتهم النصر والمشركون ما انهزموا، ظهروا عليهم وصعدوا على الجبل، وقاموا يتكلمون، يقول أبو سفيان: أفيكم محمد؟ أفيكم ابن أبي قحافة؟ أفيكم عمر؟ حتى افتخر بصنمه وقال: اعلُ هبل ، هذا من الغم لا شك، إذن الغموم كثيرة.
قوله تعالى: لِكَيْلَا تَحْزَنُوا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلَا مَا أَصَابَكُمْ، لِكَيْلَا تَحْزَنُوااللام؟
طالب: لام التعليل.
الشيخ: اللام للتعليل، وكي هنا؟
الطالب: مصدرية.
الشيخ: ولا تصلح للتعليل؟
الطالب: أن.
الشيخ: في هذا السياق؟
الطالب: لا لا.
الشيخ: لا تصلح.
الطالب: ما تصلح.
الشيخ: ماذا تقولون؟
طلبة: صحيح؟
الشيخ: طيب، هل هي الناصبة بنفسها أو على تقدير (أن)؟
طالب: لا، هي بنفسها.
الشيخ: لماذا؟
الطالب: يعني إذا سبقتها لام الجر تتعين أن هي مصدرية.
الشيخ: تتعين أن تكون مصدرية فتنصب بنفسها، تمام. هذا التعليل: لِكَيْلَا تَحْزَنُواما مناسبته لما قبله؟
طالب: نعم، إذا قيل: لا تحزنوا؛ يعني إذا حزنوا تعيّن عدم الحزن.
الشيخ: إي؛ لأنه قال: أثابكم لكي لا تحزنوا.
الطالب: نعم؛ لأن الحزن والغم هذا لا يفيد شيئًا مما فات.
الشيخ: كيف؟ لِكَيْلَا تَحْزَنُوا؟
الطالب: نعم، لأنهم إذا أتتهم المصائب الواحدة تلو الأخرى فإن الكبيرة تخفّف الصغيرة، فمثلًا: مقتل النبي عليه الصلاة والسلام كان أكبر المصائب عليهم عندما اكتشفوا أنه لم يقتل خفّف وقع الهزيمة في نفوسهم.
الشيخ: ما سبق من الغم، إذن المعنى أن كل غمّ يُنسي؟
الطالب: الغم الأقل منه.
الشيخ: ما هو دونه، وعلى هذا قول الشاعر:
لَعَلَّ عَتْبَكَ مَحْمُودٌ عَوَاقِبُهُ وَرُبَّمَا صَحَّتِ الْأَبْدَانُ بِالْعِلَلِ

قوله: لِكَيْلَا تَحْزَنُوا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلَا مَا أَصَابَكُمْما الذي فاتهم وما الذي أصابهم؟
طالب: الذي فاتهم النصر.
الشيخ: والغنائم.
الطالب: والغنائم، والذي أصابهم الهزيمة والخذلان.
الشيخ: تمام. قوله تعالى: وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ [آل عمران: ١٥٣] ما معنى خبير؟
طالب: الخبير أي: يعلم (...).
الشيخ: إي نعم.
طالب: الخبير هو العالم ببواطن الأمور.
الشيخ: هو العالم ببواطن الأمور، نعم، وعِلمه ببواطن الأمور يستلزم علمه بظواهرها من باب أولى.
ما هي الفائدة من ختم الآية بهذا الاسم؟
طالب: ختم الآية يعني بهذا الاسم.
الشيخ: بقوله: وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ؟
الطالب: إي، لأن خبر الله عز وجل بحالهم هو الذي يترتّب عليه العقاب والحساب، فهو كالتهديد لهم؛ يعني إذا كان الله خبيرًا بأقوالكم فهو الذي سيحاسبكم ويعاقبكم على ما تعملون به.
الشيخ: على ما حصل منكم؟
الطالب: نعم.
الشيخ: قال الله تعالى: ثُمَّ أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ بَعْدِ الْغَمِّ [آل عمران: ١٥٤].
يُخْفُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ مَا لَا يُبْدُونَ لَكَ [آل عمران: ١٥٤] يقولون -هذا ما يخفونه-: لَوْ كَانَ لَنَا مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ مَا قُتِلْنَا هَاهُنَاالأمر هنا واحد الأمور؛ يعني لو كان لنا من الشأن في هذه الغزوة شيء ورُدّ الأمر إلينا ما قُتلنا هاهنا؛ يعني ما خرجنا ولا قُتلنا، وذلك أن النبي عليه الصلاة والسلام استشار الصحابة حين الخروج إلى أُحُد هل يخرجوا أم لا؟ فأشار عليه الشبان بأن يخرج؛ لأنهم أو كثيرًا منهم لم يخرجوا في غزوة بدر، فأرادوا أن يُعوِّضوا عن تخلّفهم عن غزوة بدر بهذه الغزوة، وقال بعض الصحابة: بل نبقى يا رسول الله في المدينة فإن دخلوا علينا قاتلناهم من على السطوح، وكان رأي النبي صلى الله عليه وسلم يميل إلى هذا، ولكنه دخل بيته عليه الصلاة والسلام، ثم عزم على أن يخرج، ولبس لأمة الحرب وخرج، فكأنهم أرادوا أن يرجع عن عزيمته، وقالوا: استكرهنا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا له، فقال: «مَا كَانَ لِنَبِيٍّ لَبِسَ لَأمَةَ الْحَرْبِ أَنْ يَضَعَهَا حَتَّى يَفْتَحَ اللَّهُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ عَدُوُّهِ» هكذا أو نحوه، فخرج، فالذين قالوا: نبقى في المدينة هم الذين قالوا: لَوْ كَانَ لَنَا مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ مَا قُتِلْنَا هَاهُنَا، يعني لبقينا في المدينة ولم نُقتل.
قال الله عز وجل: قُلْ لَوْ كُنْتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ لَبَرَزَ الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقَتْلُ إِلَى مَضَاجِعِهِمْ [آل عمران: ١٥٤] قُلْ-يعني يا محمد- لهؤلاء الذين قالوا: لَوْ كَانَ لَنَا مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ مَا قُتِلْنَا هَاهُنَالَوْ كُنْتُمْ فِي بُيُوتِكُمْأي: بقيتم فيها ولم تخرجوا، ليس في مدينتكم فحسب بل في بيوتكم، في قعر البيت: لَبَرَزَ الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقَتْلُ إِلَى مَضَاجِعِهِمْشوف في البيوت فيه اختفاء، لبرز فيه ظهور؛ يعني أن اختفاءكم وبقاءكم في بيوتكم لا يمنع أن تبرزوا إلى مضاجعكم حيث كُتب عليكم القتل.
وقوله: فِي بُيُوتِكُمْفيها قراءتان سبعيتان: ضم الباء وكسرها،{فِي بُيُوتِكُمْ، {فِي بِيُوتِكُمْ}، وفي كُتِبَ عَلَيْهِمُثلاث قراءات: عَلَيْهِمُ الْقَتْلُ{عَلَيْهُمُ الْقَتْلُ} {عَلَيْهِمِ الْقَتْلُ} كسر الهاء والميم، وضم الهاء والميم، وكسر الهاء مع ضم الميم، ثلاث قراءات: {عَلَيْهِمِ الْقَتْلُ} {عَلَيْهُمُ الْقَتْلُ} عَلَيْهِمُ الْقَتْلُثلاث قراءات سبعيّات؛ يعني: لَوْ كُنْتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ لَبَرَزَوهذه (لو) شرطية، فعل الشرط: كُنْتُمْوجوابه: لَبَرَزَ.
وقد مر علينا أن (لو) تأتي شرطية، وتأتي للتمني، مثل قوله تعالى: وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ [القلم: ٩] يعني: ودّوا أن تدهنوا فتكون مصدرية.
يقول عز وجل: لَوْ كُنْتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ لَبَرَزَ الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقَتْلُ [آل عمران: ١٥٤] كُتب عليهم القتل كتابة قدرية لا كتابة شرعيّة، كذا؟ فهي كقوله تعالى: وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ [الأنبياء: ١٠٥] هذه كتابة قدرية، أما قوله تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ [البقرة: ١٨٣] فهي كتابة شرعية بمعنى (فُرض).
وقوله: إِلَى مَضَاجِعِهِمْأي: مكان الاضطجاع؛ لأن الميت يُضجع في قبره، ولكنه اضطجاع إلى أمد، إلى أن يُبعث يوم القيامة، فإن الاضطجاع في القبور ليس هو آخر شيء، ولما سمع أعرابي رجلًا يقرأ قول الله تعالى: أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ (١) حَتَّى زُرْتُمُ الْمَقَابِرَ (٢) [التكاثر: ١، ٢] قال: والله ما الزائر بمقيم، شوف كيف فهم الأعراب! والله ما الزائر بمقيم، فاستدل بهذه الآية على أنه لا بد من مفارقة لهذه المقابر، وذلك في البعث. وقوله: إِلَى مَضَاجِعِهِمْقلت: محل اضطجاعهم الذي يُدفنون فيه.
وَلِيَبْتَلِيَ اللَّهُ مَا فِي صُدُورِكُمْ [آل عمران: ١٥٤]. قوله: وَلِيَبْتَلِيَالواو حرف عطف، واللام لام التعليل، ولهذا يجب كسرها، ولا يجوز أن تسكّنها؛ يعني لا يجوز أن تقرأ: ولْيبتلي، بل يجب أن تقول: وَلِيَبْتَلِيَ؛ لأن لام التعليل مكسورة بكل حال، بخلاف لام الأمر فإن لام الأمر تُسكّن إذا وقعت بعد حرف العطف: الواو، والفاء، وثُمّ، قال الله تعالى: ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ [الحج: ٢٩] قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا [يونس: ٥٨]، أما لام التعليل فإنها مكسورة دائمًا، ولو بعد الواو، أو ثم، أو الفاء، يقول: وَلِيَبْتَلِيَ اللَّهُ.
الواو حرف عطف فأين المعطوف عليه؟ وليبتلي؟
طالب: مُقدّر.
الشيخ: مقدر، وأيش التقدير؟
الطالب: فعل ذلك؟
الشيخ: فعل ذلك؟
الطالب: فعل ما فعل ليتبيّن.
الشيخ: والواو حرف عطف، لا بد أن يكون معطوف عليه.
طالب: على كَتب.
الشيخ: كُتب لَبَرَزَ الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقَتْلُ إِلَى مَضَاجِعِهِمْ وَلِيَبْتَلِيَ اللَّهُ مَا فِي صُدُورِكُمْلا، ما يستقيم.
طالب: معنى الآية (...) لتعلموا كمال سلطانه.
الشيخ: لا بد أن يكون..
طالب: لتعلموا تمام علمه وليبتلي الله ما في صدوركم.
طالب آخر: أثابكم ذلك الغم.
الشيخ: هذا على كل حال بعيد؛ يعني بمعنى أن السياق بعيد، وإلا قد قيل به.
طالب: معطوفة على قوله: لِكَيْلَا تَحْزَنُوا عَلَى مَا فَاتَكُمْ [آل عمران: ١٥٣].
الشيخ: لا، بعيدة.
طالب: شيخ، الواو استئنافية.
الشيخ: لا، يقولون: إن المعطوف عليه مقدّر، التقدير: فعل ما فعل ليتبين لكم ما حصل بسبب عصيانكم وليبتلي، فالمقدّر الآن عِلّة ومعلول لأجل أن يصح عطف العِلّة الثانية على العِلّة التي حُذفت مع معلولها.
وقوله: لِيَبْتَلِيَ اللَّهُ مَا فِي صُدُورِكُمْيبتلي بمعنى (يختبر ويمتحن). ومَا فِي صُدُورِكُمْهي القلوب؛ لقول الله تعالى: فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ [الحج: ٤٦].
وَلِيُمَحِّصَ مَا فِي قُلُوبِكُمْ [آل عمران: ١٥٤] قوله: وَلِيُمَحِّصَمعطوفة على (يبتلي)، والتمحيص بمعنى (التخليص)، محصَّه أي: خلّصه، يُخلّص ما في قلوبكم من كل ما يكون فيه إرادات سيئة كقوله: مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الْآخِرَةَ [آل عمران: ١٥٢] أو فيه شيء من التسخّط على القدَر أو غير ذلك مما يُفسد ما في القلب.
وقوله: مَا فِي قُلُوبِكُمْإذا قال قائل: ذكرتم أن ما في الصدور هي القلوب، وأن التمحيص أيضًا للقلوب، فيكف كان ذلك؟
نقول: نعم؛ لأن الابتلاء غير التمحيص؛ الابتلاء اختبار، والتمحيص تنقية، ولهذا اختلف التعبير فقال: لِيَبْتَلِيَ اللَّهُ مَا فِي صُدُورِكُمْ وَلِيُمَحِّصَ مَا فِي قُلُوبِكُمْ، ولم يقل: ما في صدوركم بل قال: يمحص ما في قلوبكم من الأذى الذي يضركم في دينكم؛ لأن كراهة ما وقع أو إرادة ما لا ينبغي إرادته، أين تكون؟ تكون في القلب، ولهذا كان التمحيص على ما في القلب أو كان التمحيص لما في القلب لا للقلب نفسه، والابتلاء للقلب نفسه، يبتلي ما في صدوركم ويمحص ما في القلوب؛ يُنقي، فاختلف الموْرِد، المورد في الأول القلب، وفي الثاني ما في القلب.
وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِالجملة هذه استئنافية لبيان إحاطة علم الله بما في القلب وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ (١٦) إِذْ يَتَلَقَّى الْمُتَلَقِّيَانِ عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ قَعِيدٌ [ق: ١٦، ١٧]، وفائدة ختم الآية بها أنه لما بيّن أن الله تعالى قدّر ما قدر لهاتين الحكمتين؛ الابتلاء والتمحيص بيّن أنه بعد ذلك سيعلم ماذا يكون في القلب بعد هذا الابتلاء وهذا التمحيص.
نرجع الآن إلى بيان الفوائد؛ قال الله تعالى: ثُمَّ أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ بَعْدِ الْغَمِّ أَمَنَةً نُعَاسًا [آل عمران: ١٥٤].
من فوائد هذه الآية: أن الله عز وجل هو الذي يجلب للمرء النوم أو يرفعه عنه؛ لقوله: ثُمَّ أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ بَعْدِ الْغَمِّ أَمَنَةً نُعَاسًا، ولكن الله بحكمته جعل للنوم أسبابًا، فالإنسان مثلًا إذا اضطجع واسترخى أتاه النوم، وإذا انشغل قلبه واهتم لأمر ما فإنه لا يأتيه النوم، وهذا كغيره من الأشياء التي تكون بإرادة الله، ولكن لها سبب.
ومن فوائد هذه الآية: أنك إذا أَرِقت ولم يأتِك النوم في الليل فالجأ إلى الله عز وجل، الجأ إلى الله، واسأله أن يُذهِب عنك الأرق، وادعُ بما وردَت به السنة من دعاء الأرق المشهور.
ومن فوائد هذه الآية: أن النعاس قد يكون محمودًا ويعتبر من النِّعم؛ لقوله: أَمَنَةً نُعَاسًا، قال العلماء: النعاس في الحرب نِعمة، والنعاس في العلم؟
طالب: نقمة.
الشيخ: ما نقول: نقمة، لكن نقول: مذموم؛ يعني محمود في الحرب ونِعمة، أما في العلم فإنه مذموم، وكذلك أيضًا في الصلاة، ولكنه إذا غلب على الإنسان فإنه لا يؤاخذ به، إلا أن النبي صلى الله عليه وسلم أمَر الإنسانَ إذا أصابه النُّعاسُ في الصلاةِ أن يَضطجعَ وأن يستريحَ قال: فلعلَّه يذهب ليدعو لنفسه فيكون الأمر بالعكس.
من فوائد هذه الآية الكريمة: أن النعاس الذي أصابهم إنما أصاب المؤمنين الخلَّص؛ لقوله: يَغْشَى طَائِفَةً مِنْكُمْ وَطَائِفَةٌ قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أَنْفُسُهُمْ [آل عمران: ١٥٤].
ومن فوائد الآية: أنه قد يُوجد في الكُمَّل من المؤمنين شيء من العيوب كالأنانية، فإن قوله: قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أَنْفُسُهُمْيدل على أنانيته، وأنهم ليس لهم هَمّ إلا أنفسهم، والذي يليق بالمؤمن أن يكون همه في مثل هذه المواطن نُصرة الإسلام وعِزّة الإسلام، وأن يبيع نفسه لله.
ومن فوائد هذه الآية: أن الإنسان الذي لا يكون له همّ إلا نفسه في هذه المواطن قد يُبتلى -والعياذ بالله- بهذه البلوى العظيمة، وهي أن يظنوا بالله غير الحق: يَظُنُّونَ بِاللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ، وقد ذكر ابن القيم رحمه الله في زاد المعاد أنواعًا كثيرة من الظن بالله غير الحق؛ منها: أنهم ظنوا أن هذه الهزيمة لا انتصار بعدها، وهذا ظن سوء، كل من ظن أن الله يديل الباطل على الحق إدالة مستقرة فقد ظن بالله ظن السوء، ومن أراد أن يرجع إلى كلام ابن القيم في زاد المعاد فهو كلام جيد، لم يوجد لا في كتب التفسير ولا في كتب التاريخ.
ومن فوائد هذه الآية: ذمّ من ظن بالله غير الحق؛ لأن الله ذكر هذا في سياق ذم هؤلاء الذين ليس لهم هَمّ إلا أنفسهم، فإذا كان من ظن بالله غير الحق مذمومًا كان من ظن به ظن الحق محمودًا.
ومن فوائد الآية: أنه لا يظن أحد بالله ظن غير الحق إلا وهو جاهل؛ لقوله: ظَنَّ الْجَاهِلِيَّةِفكل من ظن بالله غير الحق فإنه -بلا شك- جاهل لم يقدر الله حق قدره.
ومن فوائد هذه الآية: أن هؤلاء أنكروا ما فعله الرسول عليه الصلاة والسلام من الخروج إلى أُحُد، لكنه على وجه خفي؛ لقولهم: هَلْ لَنَا مِنَ الْأَمْرِ مِنْ شَيْءٍلأنه على زعمهم لو كان لهم شيء من الأمر ما قُتلوا.
ومن فوائد هذه الآية: بيان أن الأمر كله لله؛ الأمر الشرعي والأمر الكوني، كله لله عز وجل، ليس لأحد مع الله أمر، فكل الأمر لله؛ لقوله: قُلْ إِنَّ الْأَمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ.
ومن فوائد هذه الآية: أنه يجب على الإنسان أن يُنكر المنكر بذكر الحق؛ لأن الله قال: قُلْ إِنَّ الْأَمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِوالأمر في قوله: قُلْأدنى أحواله أن يكون للاستحباب.
ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن النبي صلى الله عليه وسلم لا يعلم الغيب؛ لقوله: يُخْفُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ مَا لَا يُبْدُونَ لَكَ؛ لأنه لو كان يعلم الغيب لكان يعلم ما يُخفون وإن لم يبدوه، ولكن النبي صلى الله عليه وسلم لا يعلم الغيب، لا في حياته ولا بعد مماته، وإذا كان لا يعلم الغيب في حياته فعدم علمه الغيب في مماته من باب أوْلى، وقد صرّح الله بذلك حيث أمره أن يقول: قُلْ لَا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزَائِنُ اللَّهِ وَلَا أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلَا أَقُولُ لَكُمْ إِنِّي مَلَكٌأمره الله أن يعلن هذا، وقد أعلنه، أعلنه عليه الصلاة والسلام على الملأ، لم يكتم شيئًا مما أوحاه الله إليه، ومنه هذا.
ومن فوائد هذه الآية: التنديد بمن يعترضون على القدر؛ لقوله: يَقُولُونَ لَوْ كَانَ لَنَا مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ مَا قُتِلْنَا هَاهُنَاإلى آخره [آل عمران: ١٥٤].
ومن فوائد هذه الآية: أن (لو) بعد القَدَر لا تفيد شيئًا؛ لقوله: قُلْ لَوْ كُنْتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ لَبَرَزَ الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقَتْلُ إِلَى مَضَاجِعِهِمْ.
ومن فوائدها: أن قضاء الله لا مفرّ منه؛ لقوله: قُلْ لَوْ كُنْتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ لَبَرَزَ الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقَتْلُ إِلَى مَضَاجِعِهِمْ.
ومن فوائد هذه الآية: أنه قد يكون فيها إشارة إلى أن الشهداء يُدفنون في مكان استشهادهم؛ لقوله: لَبَرَزَ الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقَتْلُ إِلَى مَضَاجِعِهِمْأي: في أماكن قتلهم، وهذا إن لم تفده هذه الآية فقد استُفيد من السنة، فإن قومًا من الصحابة حملوا قتلاهم في أُحُد لدفنهم في المدينة فأمر النبي صلى الله عليه وسلم بردّهم إلى مصارعهم يُدفنون هناك، فدُفنوا في أُحُد.
ومن فوائد هذه الآية الكريمة: إثبات الحكمة في أفعال الله، من أين تؤخذ؟ وَلِيَبْتَلِيَ اللَّهُ مَا فِي صُدُورِكُمْوالنصوص في إثبات حكمة الله لا تُعدّ ولا تُحصى، بل حتى الأمور الكونية التي لا حصر لها كلها تفيد إثبات حكمة الله عز وجل.
ومن فوائد الآية الكريمة: أن العبرة والمدار على القلوب التي في الصدور؛ لقوله: وَلِيَبْتَلِيَ اللَّهُ مَا فِي صُدُورِكُمْ.
وقد بينّا فيما مضى أن أحكام الدنيا على الظواهر وأحكام الآخرة على البواطن، ودليل ذلك قوله تعالى: أَفَلَا يَعْلَمُ إذا بُعْثِرَ مَا فِي الْقُبُورِ (٩) وَحُصِّلَ مَا فِي الصُّدُورِ [العاديات: ٩، ١٠] وقوله تبارك وتعالى: إِنَّهُ عَلَى رَجْعِهِ لَقَادِرٌ (٨) يَوْمَ تُبْلَى السَّرَائِرُ (٩) [الطارق: ٨، ٩]، ولأن النبي صلى الله عليه وسلم كان لا يقتل المنافقين وهو يعلم ببعضهم ويقول: «لَا يَتَحَدَّثُ النَّاسُ أَنَّ مُحَمَّدًا يَقْتُلُ أَصْحَابَهُ» إجراءً لهم على أيش؟ على ظاهرهم؛ ولأنه لو رُجع إلى الباطن في أحكام الدنيا لسادت الفوضى بين الأمة؛ لأن كل إنسان قد يقتل الشخص أو يؤدّبه ويعزّره ويقول: إن قلبه منطوٍ على الكفر والنفاق، ويحصل في هذا من الشر ما لا يمكن أن تعيش الأمة به، ولكن الله بحكمته ورحمته جعل أحكام الدنيا على الظواهر.
ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن الله تعالى قد يَبتلي عباده بما ينقّي قلوبهم ويخلّصها من الشوائب؛ لقوله: وَلِيُمَحِّصَ مَا فِي قُلُوبِكُمْ، والتمحيص -كما قلنا- هو التنقية.
ومن فوائد هذه الآية: إثبات علم الله بما في القلوب؛ لقوله: وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ.
ويتفرع على هذه الفائدة: التحذير من إضمار ما لا يرضى به الله؛ لأنك إذا أضمرت ما لم يرضَ به الله فسوف يحاسبك عليه وإن كان لا يبدو للناس، فعلى المرء أن يحاسب نفسه دائمًا وينظر ما في قلبه، هل في قلبه الخير وإرادة ما يُرضي الله أو أن الأمر بالعكس؟ فليصحّح الوضع.
ثم قال تعالى: إِنَّ الَّذِينَ.
طالب: يَقُولُونَ لَوْ كَانَ لَنَا مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ مَا قُتِلْنَا هَاهُنَافالمراد من الأمر هنا واحد من الأوامر ولَّا واحد من الأمور؟
الشيخ: واحد الأمور.
الطالب: تأتي بمعنى الشأن؟
الشيخ: من الشأن؛ يعني لو كان النظر مشورة ورأي ما قُتلنا هاهنا.
طالب: شيخ، قول يعني المفسرين في قولهم في هؤلاء الذين يقولون، ويظنون هو أنهم بعض المؤمنين ولكن في إيمانهم لبس، والقول الثاني: هو أنهم منافقون، ما الراجح؟
الشيخ: الراجح الأول.
الطالب: أنهم مؤمنون.
الشيخ: الراجح الأول أنهم مؤمنون ضعفاء الإيمان؛ لأنه قال في أول الكلام: وَلَقَدْ عَفَا عَنْكُمْومثل هذا لا يكون للمنافقين.
طالب: شيخ، أحسن الله إليك، أقول: أحسن الله إليك يعني ما يرجّح أن الذين قالوا هذا الأمر أنهم ضعاف الإيمان أنهم هم الذين حضروا بدرًا، وأشاروا على النبي صلى الله عليه وسلم بالبقاء، وأهل بدر ما يمكن أن يصدر منهم نفاق؟
الشيخ: لا، هم الصحيح أنهم ضعفاء الإيمان، لكن الذين قالوا إنهم منافقون كأنهم استعظموا هذا أن يقع من المؤمنين.
الطالب: لكن إذا نظرنا إلى الذين قالوا هذا.
الشيخ: ما نستطيع أن نجزم بأن الذين قالوه هم أهل بدر، قد يكون هم أو غيرهم.
الطالب: لكن نحن بينا –أحسن الله إليك- في البداية بأن الذي حضروا بدرًا هم الذين أشاروا على النبي صلى الله عليه وسلم بالبقاء؟
الشيخ: نعم، هم الذين أشاروا صحيح، لكن هل أنهم لما رأوا القتال وعزم الرسول صلى الله عليه وسلم على ذلك هل يكون هكذا؟ قد لا يكون هذا.
على كل حال ما نجزم أنهم هم الذين حضروا بدرًا، قد يكون الذين حضروا بدرًا لما رأوا النبي صلى الله عليه وسلم عزم وصمّم؛ يعني استقامت نيتهم؛ لأن أهل بدر هم من أفضل الصحابة.
طالب: هل يجوز يا شيخ الحكم على الأشخاص بغلبة الظن؟
الشيخ: بأيش؟
الطالب: بغلبة الظن.
الشيخ: يقول العلماء: يحرم ظن السوء بمسلم ظاهره العدالة، فإذا لم يكن ظاهره العدالة ووُجدت قرائن فلا حرج؛ لأن الله يقول: اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ، ثم يقول: إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌولم يقل: اجتنبوا الظن كله، بل قال: كثيرًا منه، ولم يقل: إن الظن إثم، بل قال: إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ.
طالب: شيخ، في الحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إِنَّ اللَّهَ تَجَاوَزَ لِأُمَّتِي مَا حَدَّثَتْ بِهِ أَنْفُسَهَا مَا لَمْ تَعْمَلْ أَوْ تَتَكَلَّمْ» . قلنا: إن في الآية فائدة: هو أن الإنسان يحب عليه (...)؟
الشيخ: إي نعم؛ يعني مما يحاسب عليه؛ لأن حديث النفس ما يعتمده الإنسان.
الطالب: لكن (...) في نفس الوقت.
الشيخ: إي، لكن ما يعتمده، لو اعتمده صار عملًا، أما مجرد الحديث والهواجس، فتكون ما نفعل، ما هو بشيء.

***

طالب: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم إِنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْا مِنْكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ إِنَّمَا اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطَانُ بِبَعْضِ مَا كَسَبُوا وَلَقَدْ عَفَا اللَّهُ عَنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ (١٥٥) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ كَفَرُوا وَقَالُوا لِإِخْوَانِهِمْ إذا ضَرَبُوا فِي الْأَرْضِ أَوْ كَانُوا غُزًّى لَوْ كَانُوا عِنْدَنَا مَا مَاتُوا وَمَا قُتِلُوا لِيَجْعَلَ اللَّهُ ذَلِكَ حَسْرَةً فِي قُلُوبِهِمْ وَاللَّهُ يُحْيِي وَيُمِيتُ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (١٥٦) وَلَئِنْ قُتِلْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوْ مُتُّمْ لَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَحْمَةٌ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ (١٥٧) وَلَئِنْ مُتُّمْ أَوْ قُتِلْتُمْ لَإِلَى اللَّهِ تُحْشَرُونَ (١٥٨) [آل عمران: ١٥٥ - ١٥٨].
الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله تبارك وتعالى: إِنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْا مِنْكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ إِنَّمَا اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطَانُ بِبَعْضِ مَا كَسَبُوا وَلَقَدْ عَفَا اللَّهُ عَنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ.
يقول الله عز وجل: يَقُولُونَ هَلْ لَنَا مِنَ الْأَمْرِ مِنْ شَيْءٍ [آل عمران: ١٥٤] ما المراد بهذا الاستفهام؟
طالب: إنكاري، استفهام إنكاري.
الشيخ: ويش معنى الإنكاري؟
الطالب: يعني يقولون: لو كان لنا من الأمر شيء ما..
الشيخ: هَلْ لَنَا مِنَ الْأَمْرِ مِنْ شَيْءٍ قُلْ إِنَّ الْأَمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ [آل عمران: ١٥٤].
الطالب: نعم، هذا من كلامهم قُلْ إِنَّ الْأَمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ.
الشيخ: خلِّ هذه اللي قبلها هَلْ لَنَا مِنَ الْأَمْرِ مِنْ شَيْءٍما المراد بالاستفهام؟
الطالب: إنكاري؛ يعني ينكرون يقولون: ما لنا من الأمر شيء.
الشيخ: يعني نفي؟
الطالب: نفي نعم.
الشيخ: نفي، إذا كان نفيًا فكيف صحّ أن يُقال: قُلْ إِنَّ الْأَمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِلأنه إذا كان نفيًا فقد أقرّوا بأنه ليس لهم من الأمر شيء فيكون الأمر لله.
الطالب: يعني لا ينفوا، بس يقولون: (...) ما لنا من الأمر شيء، فقال الله سبحانه وتعالى: الْأَمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ.
الشيخ: لكن إذا جعلتها بمعنى النفي كان قوله: قُلْ إِنَّ الْأَمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِلا يصح أن يكون ردًّا عليهم؟
طالب: هذا إنكار، الاستفهام للإنكار، سببه.
الشيخ: لكن ويش معنى الإنكار هل معناه النفي كما قال؟
الطالب: لا، لا، ليس معناه النفي، إنما أنكروا أنه لم يُرجع إليهم فيردّ إليهم الأمر في شأن الحرب.
الشيخ: إي، يعني كأنما يريدون تبرئة أنفسهم.
ما المراد بالأمر في قوله: قُلْ إِنَّ الْأَمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِواحد الأوامر، أو واحد الأمور؟
طالب: الأمر هنا؟
الشيخ: إي، قُلْ إِنَّ الْأَمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِهل المراد الأمر اللي هو ضد النهي وهو واحد الأوامر أو المراد واحد الأمور؟
الطالب: واحد الأمور.
الشيخ: واحد الأمور؟ ما تقولون؟
طالب: المراد من الأمر عام قدريًّا كان أو كونيًّا.
الشيخ: يعني يشمل الأمور، واحد الأمور وواحد الأوامر؟
الطالب: نعم، عام.
الشيخ: لكن السياق يقتضي أن يكون واحد الأمور.
قوله: يُخْفُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ مَا لَا يُبْدُونَ لَكَما الذي يخفونه؟
طالب: يُخْفُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ مَا لَا يُبْدُونَ لَكَ.
الشيخ: نعم، ما الذي يخفونه؟
الطالب: يعني إنكارهم على القيادة.
الشيخ: كيف إنكار أيش؟
الطالب: الإنكار أنه لم يرد لهم من الأمر شيء ولم يأخذ رأيهم في الحرب.
الشيخ: ما في الآية بيان لهذا الشيء؟
طالب: قول الله عز وجل: يَقُولُونَ لَوْ كَانَ لَنَا مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ.
الشيخ: يَقُولُونَ لَوْ كَانَ لَنَا مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ مَا قُتِلْنَا هَاهُنَا. إذا كان هكذا فيكف صح أن يقال: إنه يُخفون في أنفسهم؟
طالب: يعني يخفون في أنفسهم المراد، لا أنهم يخفونه لا يبدونه، وإنما يكون بين هذه الطائفة مجموعة أنكرت على القيادة هذا الشيء، فهم يخفون هذا الأمر في أنفسهم؛ يعني في هذه الطائفة، ولا يظهرونه إلى النبي صلى الله عليه وسلم والطائفة الأخرى التي غشيهم النعاس.
الشيخ: يعني فيما بينهم؟
الطالب: فيما بينهم.
الشيخ: فيما بينهم، يخفونه فيما بينهم، ولكنهم يخاطب بها بعضهم بعضًا.
قول الله عز وجل: لَبَرَزَ الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقَتْلُما المراد بالكتابة هنا الشرعيّة أو الكونيّة؟
طالب: الكونيّة.
الشيخ: الكونيّة، أحسنت، طيب هل تستطيع أن تأتي بمثال للكتابة الكونيّة غير هذه الآية؟
طالب: شيخ، قول الله عز وجل: وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ [الأنبياء: ١٠٥].
الشيخ: نعم، أحسنت. قوله تعالى: وَلِيَبْتَلِيَ اللَّهُ مَا فِي صُدُورِكُمْ وَلِيُمَحِّصَ مَا فِي قُلُوبِكُمْما معنى يبتلي؟
طالب: الابتلاء هو الاختبار.
الشيخ: نعم، وكيف كان ابتلاءً، وبماذا يبتلون؟
الطالب: ابتلاهم الله بالهزيمة.
الشيخ: نعم، وما الذي يظهر بهذا الابتلاء، يظهر أيش؟
طالب: يظهر صدق المؤمن.
الشيخ: يظهر صدق المؤمن مِن؟
الطالب: من المنافق.
الشيخ: من المنافقين. وَلِيُمَحِّصَ مَا فِي قُلُوبِكُمْ؟
طالب: التمحيص للقلب؛ أي: يخلّصها.
الشيخ: ينقّيها مما فيها من الدَّغل والكراهة لما وقع وما أشبه ذلك، أحسنت.
تفسير الآية (155)
01:14:25

ثم قال الله عز وجل: إِنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْا مِنْكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ إِنَّمَا اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطَانُ بِبَعْضِ مَا كَسَبُوا.
أولًا: في الإعراب إِنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْا مِنْكُمْهذه جملة مؤكدة بـ(إن) والَّذِينَاسمها، اسم (إن). وقوله: إِنَّمَا اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطَانُهذه الجملة خبر (إن) إِنَّمَا اسْتَزَلَّهُمُ.
وقوله: وَلَقَدْ عَفَا اللَّهُ عَنْهُمْجملة مؤكدة بثلاثة مؤكدات؛ وهي: القَسَم، واللام، وقد.
يقول الله عز وجل مخبرًا عن هؤلاء الذين تولّوا يوم أُحُد وانهزموا يقول: إِنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْا مِنْكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِالجمعان مُثنّى (جَمْع)، والمراد بهم جمع الرسول عليه الصلاة والسلام، وجمْع المسلمين بقيادة النبي صلى الله عليه وسلم والكفار بقيادة أبي سفيان.
يقول: إِنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْا مِنْكُمْتَوَلَّوْايعني أدبروا وهربوا وهم أكثر الجيش، حتى إنه لم يبقَ مع النبي صلى الله عليه وسلم إلا نحو ثلاثة عشر رجلًا منهم: أبو بكر وعمر وعليّ رضي الله عنهم، هؤلاء الذين تولوا يوم التقى الجمعان؛ أي: تلاقوا وجهًا لوجه: إِنَّمَا اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطَانُ بِبَعْضِ مَا كَسَبُوااستزلّ: في الأصل طلب الزّلَّة؛ يعني إنما صدّهم الشيطان من أجل أن يطلب زلتهم، وقيل: إن استزل بمعنى (أزَلّ) يعني إنما أزلهم، والمراد بأزل أي: أوقعهم في الزلل، والزلل هو الخطأ والانحراف عن الصواب.
وقوله: إِنَّمَا اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطَانُ. الشَّيْطَانُاسم جنس، ولكل إنسان شيطان قرين له يأمره بالشر وينهاه عن الخير، والشيطان هنا يقولون: إنه مشتق من (شَطَن) إذا بعُد، لبعده عن رحمة الله، ومن أجل ذلك كان منصرفًا كما قال تعالى: وَحَفِظْنَاهَا مِنْ كُلِّ شَيْطَانٍ رَجِيمٍ [الحجر: ١٧]، وقال بعضهم: إنه من (شاط)، ولو كان كذلك لكان غير منصرف إذا قُصد به العلم؛ لأنه إذا كان من (شاط) صارت النون والألف زائدتين، وإذا كانت النون والألف زائدتين في علَم أو في وصف امتنع من الصرف.
إِنَّمَا اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطَانُ بِبَعْضِ مَا كَسَبُواالباء هنا للسببية؛ أي: ببعض الذي كسبوه، وما هو الذي يكون سببًا لإغواء الشيطان من المكاسب؟ هو المعاصي؛ أي: أن لديهم ذنوبًا كانت سابقة، ثم إن الشيطان استزلهم بها، أي: أوقعهم في الزلل بسبب هذه الذنوب؛ لأن الذنوب تكون سببًا للذنوب الأخرى، ولهذا قال بعض السلف: إن من علامة قبول الحسنةِ الحسنةَ بعدها، ومن علامة ردها السيئة بعدها. فالإنسان إذا أذنب ذنبًا فإنه إن لم يتُب فإن الشيطان يوقعه في ذنب آخر، وهكذا حتى يصبح قد أحاطت به خطيئته والعياذ بالله، ولهذا قال العلماء: إن المعاصي بريد الكفر؛ يعني تنتقل بالإنسان مرحلة بعد أخرى حتى يصل إلى قمة المعاصي؛ وهو الكفر.
ثم قال الله عز وجل لما بيّن خطأهم وأنهم هم السبب في هذا الخطأ قال: وَلَقَدْ عَفَا اللَّهُ عَنْهُمْوهذه كالتي سبَقت في قوله: ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ لِيَبْتَلِيَكُمْ وَلَقَدْ عَفَا عَنْكُمْفكرّر الله العفو مرتين. وَلَقَدْ عَفَا اللَّهُ عَنْهُمْأي: عن الذين تولوا، والعفو: ترك المؤاخذة على الذنب، ويكون في الغالب في ترك الواجبات؛ يعني أن الله يعفو عمن ترك الواجب، والمغفرة تكون في من فعل المحرّم.
وَلَقَدْ عَفَا اللَّهُ عَنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌالغفور من أسماء الله، والحليم من أسمائه، والغفور معناه ذو المغفرة؛ وهي ستر الذنب والتجاوز عنه؛ لأن أصلها من (المِغفر)، وهو ما يُلبس على الرأس يُتّقى به السهام، وهو جامع بين الستر والوقاية، أما الحِلم فهو التأني وعدم السرعة، ولهذا قال ابن القيم رحمه الله:
وَهوَ الْحَلِيمُ فَلَا يُعَاجِلُ عَبْدَهُ بِعُقُوبَةٍ لِيَتُوبَ مِنْ عِصْيَانِ

فمعنى الحليم معناه: الممهل للعباد، المتأنّي في عقوبتهم.
في هذه الآية من الفوائد: بيان سبب انهزام ما انهزم من الصحابة، وهو استِزلال الشيطان لهم، ثم بيان هذا السبب الذي بُنِي عليه هذا السبب؛ وهو بعض ما كسبوا من المعاصي.
فيتفرع على هذه الفائدة فائدتان:
الفائدة الأولى: أن كل ترْك للواجب أو فِعْل للمحرم فإنما هو من استِزلال الشيطان؛ لأنه هو الذي يأمر بالفحشاء وينهى عن المعروف؛ فكل ما حصل من تفريط في واجب أو وقوع في محرم فإنه من الشيطان.
والفائدة الثانية: أن الإنسان قد يُعاقَب بالمعصية لمعصية أخرى؛ أي: أنه تكون عقوبته أن يعصي الله مرة ثانية.
ويتفرع على هذا أيضا فائدة ثالثة: وهي أن العقوبة لا تختص بالألم البدني أو فوات الشهوات، قد تكون العقوبة بخذلان المرء عن الطاعات، ويُذكر عن الحسن البصري رحمه الله أنه قال: إن الرجل ليُحْرم قيام الليل بما فَعل من المعصية. أو: بالذنب يُصيبه ولا شك أن المعاصي سبب للخذلان، ويؤيد ما قلنا هذه الآية: إِنَّمَا اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطَانُ بِبَعْضِ مَا كَسَبُواوهي التي بنينا عليها هذه الفائدة، لكن يؤيّدها أيضًا قوله تعالى: فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ لَعَنَّاهُمْ [المائدة: ١٣] هذه عقوبة بدنية. وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً [المائدة: ١٣] عقوبة دينية يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ مِنْ بَعْدِ مَوَاضِعِهِ [المائدة: ٤١] أيضًا عقوبة دينية، وَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ [المائدة: ١٣] كذلك، فالمعاصي لها أسباب سيئة وعواقب وخيمة نسأل الله أن يعفو عنا وعنكم.
ومن فوائد هذه الآية الكريمة: تحريم الفِرار إذا التقى الجمعان، وجهه: أن الله بيّن أن هذا من استزلال الشيطان، وأنه عفا عنهم، ولولا أنهم مستحقّون للعقوبة لم يكن لقوله: وَلَقَدْ عَفَا عَنْهُمْفائدة.
يستثنى من ذلك -أي من تحريم الفرار عند التقاء الجمعان- يستثنى من ذلك مسائل:
أولًا: إذا كانوا أكثر من مِثليهم فلهم الفرار، ولكن الثبات أفضل.
الثاني: إذا كان متحرّفًا لقتال؛ يعني فرّ من أجل أن يأتي بأسلحة، أو يستحث قومًا على الجهاد، أو ذهب من أجل أن يفر عليهم أو يكرّ عليهم من جهة أخرى، المهم أنه متحرّف لقتال.
المسألة الثالثة: أَوْ مُتَحَيِّزًا إِلَى فِئَةٍ [الأنفال: ١٦] يعني أن الجبهة التي هو فيها ضعفت ففرّ من أجل أن يتحيّز إلى فئة أقوى، أو تكون الجبهتان ضعيفتين فتتحيز إحداهما إلى الأخرى، فهذا لا بأس به، وما عدا ذلك فإن الفرار يوم الزحف من كبائر الذنوب والعياذ بالله، كما قال تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إذا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا زَحْفًا فَلَا تُوَلُّوهُمُ الْأَدْبَارَ (١٥) وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلَّا مُتَحَرِّفًا لِقِتَالٍ أَوْ مُتَحَيِّزًا إِلَى فِئَةٍ فَقَدْ بَاءَ بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ (١٦) [الأنفال: ١٥، ١٦].
ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات أن للشيطان تأثيرًا على العبد حتى في أعماله الصالحة حتى في الجهاد؛ لقوله: إِنَّمَا اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطَانُ. ولكن بماذا تحصل العصمة من هذا الشيطان؟
تحصل العصمة بما ذكره الله عز وجل في قوله: وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ [الأعراف: ٢٠٠] هذه العصمة، كلما أحسست بشيء داخلي ينهاك عن معروف أو يأمرك بمنكر فقُل: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم.
ومن فوائد هذه الآية: الرد على الجبرية، من أين تؤخذ؟ من قوله: بِبَعْضِ مَا كَسَبُوا، ومن قوله: تَوَلَّوْا مِنْكُمْ.
ومن فوائدها: بيان أن الله عز وجل قد عفا عن هؤلاء؛ لقوله: وَلَقَدْ عَفَا اللَّهُ عَنْهُمْ.
ومن فوائدها: أنه ينبغي التأكيد من أجل زيادة طمأنينة المخاطَب؛ لأنه أكّد هذه الجملة الخبرية التي تفيد العفو عنهم، أكّدها بقسم ولام وقد من أجل أن تزداد طمأنينتهم في هذا العفو، وقد سبق أن قصصنا عليكم قصة الخارجي الذي جاء إلى مَن؟
طلبة: ابن عمر.
الشيخ: إلى عبد الله بن عمر رضي الله عنهما، وأراد أن يلمز عثمان بأنه تخلّف عن بدر، وفرّ يوم أُحُد، ولم يبايع بيعة رضوان، وأن ابن عمر أجابه بجواب مقنع، وقال: اذهب بها إلى قومك لأن الرجل جاء من أجل التشويش والتشويه لعثمان رضي الله عنه.
ومن فوائد هذه الآية الكريمة: بيان فضل الله على عباده، وإلا فإن الفرار الذي حصل من الصحابة عظيم، ولكن رحمة الله أوسع، فمن أجل سعة رحمة الله عفا الله عنهم.
ومن فوائدها: إثبات اسمين من أسماء الله وهما الغفور والحليم، وما تضمناه من صفة، الغفور تضمّن المغفرة، والحليم تضمّن الحِلم.
تفسير الآية (156)
01:28:34

ثم قال عز وجل: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ كَفَرُوا وَقَالُوا لِإِخْوَانِهِمْإلى آخره [آل عمران: ١٥٦].
فيها أولًا: ما يتعلق باللغة العربية قوله: وَقَالُوا لِإِخْوَانِهِمْاللام هل هي للتعدية؟ أي: تعدية القول أو لها معنى آخر؟
نقول: إن لها معنى آخر، وليست لتعدية القول؛ لأن إخوانهم قد ماتوا وقُتلوا فلا يمكن أن يُوجّه القول لهم، لكنها بمعنى (في)؛ أي قالوا: في إخوانهم، أو بمعنى (عن)؛ أي قالوا: عن إخوانهم.
أيضًا يقول: أَوْ كَانُوا غُزًّى [آل عمران: ١٥٦] غُزًّىجمع (غازي) على وزن (فُعَّل)، قال ابن مالك:
وَفُعَّلٌ لِفَاعِلٍ وَفَاعِلَهْ وَصْفَيْنِ نَحْوُ عَاذِلٍ وَعَاذِلَهْ

عاذِل يقال: عُذَّل، غازي يقال: غُزّى، ويقال أيضًا: غُزاة كقاضٍ وقُضاة، لكن هنا نجعل غُزًّى جمع (غازي)، فما وزنها الصرفي؟
طلبة: فاعل.. اسم فاعل..
الشيخ: وزنها؟
طالب: فُعَّل.
طالب آخر: فاعل.
الشيخ: غُزًّى ما هي غازي، غازي معروف أنها فاعل.
طلبة: فُعَّل.
الشيخ: فُعَّل، صح فُعَّل نعم. وكذلك أيضًا قوله: لِيَجْعَلَ اللَّهُ ذَلِكَ حَسْرَةً فِي قُلُوبِهِمْ [آل عمران: ١٥٦] اللام هل هي للتعليل أو للعاقبة؟
طالب: للعاقبة.
الشيخ: للعاقبة؛ يعني يقال هذا القول ليجعل الله هذا القول حسرة في قلوبهم.
يقول الله عز وجل: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواالخطاب أو النداء موجّه للمؤمنين: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواوفائدة توجيه النداء إلى المؤمنين بهذا الخطاب:
أولًا: الحث والإغراء على قبول ما يوجه إليهم وامتثاله؛ لأن وصف الإيمان يزيد الإنسان قوة وشجاعة كما لو قلت لشخص: يا أيها الرجل، افعل كذا وكذا؛ أي: لرجولتك افعل، وهذا سيعطيه قوة واندفاعًا في قبول ما توجه إليه.
الفائدة الثانية: أن ما يأتي بعدها من مقتضيات الإيمان.
الفائدة الثالثة: أن مخالفة ذلك نقص في الإيمان؛ لأنه إذا كان قبوله والإتيان به من مقتضيات الإيمان كان مخالفته من نواقص الإيمان، أما بدء الخطاب بالنداء فإنه يفيد التنبيه والعناية بما يُذكر، ولهذا قال ابن مسعود: إذا سمعتَ الله يقول: يا أيها الذين آمنوا فأرْعِها سمعَك؛ فإما خيرٌ تؤمر به وإما شرٌّ تُنهى عنه