تفسير سورة آل عمران - 49
عدد الزيارات 2599

عناصر المادة :
تفسير الآيات (157-159)

الفائدة الثانية: أن ما يأتي بعدها من مقتضيات الإيمان.
الفائدة الثالثة: أن مخالفة ذلك نقص في الإيمان؛ لأنه إذا كان قبوله والإتيان به من مقتضيات الإيمان كان مخالفته من نواقص الإيمان.
أما بدء الخطاب بالنداء فإنه يفيد التنبيه والعناية بما يُذكر؛ ولهذا قال ابن مسعود: إِذَا سَمِعْتَ اللَّهَ يَقُولُ: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوافَأَرْعِهَا سَمْعَكَ؛ فَإِمَّا خَيْرٌ تُؤْمَرُ بِهِ، وَإِمَّا شَرٌّ تُنْهَى عَنْهُ .
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا. آمَنُواالإيمان شرعًا هو الإقرار المتضمِّن للقبول والإذعان، فالإقرار المجرد لا يسمى شرعًا إيمانًا، بل لا بد من قبول وإذعان، قبول ضد الرفض، والإذعان ضد الاستكبار.
يقول: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ كَفَرُوايعني مثل الذين كفروا.
ثم قال: وَقَالُوا لِإِخْوَانِهِمْوهذا لا شك أنه من جملة كفرهم؛ لأنه دال على ضعف الإيمان.
وقوله: وَقَالُوا لِإِخْوَانِهِمْقال بعض المفسرين: إخوانهم في النسب. وقال بعض المفسرين: إخوانهم في الكفر. والثاني أقرب، أي قالوا في شأن إخوانهم إذا ضربوا في الأرض.
طالب: إذا كان العدو أقوى قوة عدة وليس عددًا فهل يجوز الفرار؟
الشيخ: أما الآية الكريمة يقول الله عز وجل: إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ [الأنفال: ٦٥]، الْآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفًا فَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ أَلْفٌ يَغْلِبُوا أَلْفَيْنِ بِإِذْنِ اللَّهِ [الأنفال: ٦٦] فظاهر الآية الكريمة أن المعتبَر العدد، لكن الأمر -كما قلت- أنه إذا كان العدو أقوى عُدَدًا فإن كثرة العدد أمام هذا السلاح الفتاك لا يعد شيئًا، والظاهر أنه يُلحَق به، إذا كان عندهم من القوة أكثر مما عندنا مرتين، فإن ذلك يبيح الفرار.
طالب: شيخ، إذا كان الشخص يعرف أنه إذا وقف أمام العدو إذا كانوا مثليه أو مثله وحده فقط، وعرف أنه سيُمكِّن العدو من قتله هو؟
الشيخ: كيف سيمكِّن؟
الطالب: يعني مثلًا الْتقى المؤمن والكافر، المؤمن عنده مثلًا إمكانية، والمؤمن يعرف أنه سيُقتل إذا قاتله، قلنا: إن الأفضل أنه يواجهه إذا كان مثله فقط أي في العدد.
الشيخ: إذا كان عندهم من القوة أكثر مما عندنا بكثير فهنا يظهر -والله أعلم- أنه يجوز الفرار.
طالب: أحسن الله إليك شيخ، إذا كانت الفئة المنحاز إليها بعيدة ليست في الجبهة، أو ربما يعني يكونون ينحازون إلى بلد إسلامي ليتقووا به، فهل هذا جائز؟
الشيخ: هذا فيه موضع خلاف بين العلماء، فمنهم من يقول: إن المراد بـ (الفئة): المشارِكة في هذا الجهاد. وهذا في الغالب يقتضي أن تكون قريبة، ومنهم من قال: إن الفئة عامة المسلمين. وعلى هذا فمن التحيز أن يتحيز إلى بلد إسلامي ولو بعُد، فالمسألة فيها خلاف بين العلماء.
وينبغي هنا أن يقال: إنه يُنظر لكل قضية بعينها، قد تكون الفئة التي ينحاز إليها وهي ممن شارك في هذا الاقتتال، قد تكون غير مدافعة ولا تستطيع أن تحميهم، فهنا يتحيزون ولو إلى بلد بعيد.
طالب: شيخ، قول الله تعالى: وَحِفْظًا مِنْ كُلِّ شَيْطَانٍ مَارِدٍ [الصافات: ٧] ما عندنا أن الشيطان مأخوذة من (شطن).
الشيخ: نعم، كيف؟
الطالب: أقول: نُوِّنَت شَيْطَانٍ مَارِدٍ، ما عندنا أنها مأخوذة من شطن؟
الشيخ: بلى، وهذا الذي رجحناه.
طالب: شيخ، وَقَالُوا لِإِخْوَانِهِمْهذا عطف على..
الشيخ: كَفَرُوا.
الطالب: على كَفَرُوا. والخطاب يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَكُونُوالجميع المؤمنين ولَّا لطائفة (...)؟
الشيخ: لا، عام.
الطالب: عام لجميع المسلمين، لا تكونوا كـ..
الشيخ: كهؤلاء الكفار، يعني لا تتشبهوا بهم في مثل هذا الاعتراض على القدر؛ لأن هؤلاء المعترضون على القدر.
الطالب: يعني هذا للكفار.
الشيخ: الَّذِينَ كَفَرُوا، معترضون على القدر.
طالب: قلنا يا شيخ: اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطَانُ بِبَعْضِ مَا كَسَبُواأي من المعاصي، يعني الإنسان إذا فعل معصية وتاب منها هل يُلحق بالآية؟
الشيخ: لا، إذا تاب تاب الله عليه، لكن قد يعتريه بعض المصائب امتحانًا، مثلما أن المصائب تأتي المؤمن الذي يعني يقل منه المعاصي أو لا توجد منه معصية.
طالب: إذا حوصر المجاهد الأفضل أن يستسلم ولَّا يقاوم ويُقتل؟
الشيخ: هذا يُنظر للمصلحة، إذا كان يمكن أن يقاوم مثل ينتظر مددًا مثلًا فليقاوم، إذا كان لا يمكن فليستسلم ويفرج الله له.

***

طالب: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ كَفَرُوا وَقَالُوا لِإِخْوَانِهِمْ إِذَا ضَرَبُوا فِي الْأَرْضِ أَوْ كَانُوا غُزًّى لَوْ كَانُوا عِنْدَنَا مَا مَاتُوا وَمَا قُتِلُوا لِيَجْعَلَ اللَّهُ ذَلِكَ حَسْرَةً فِي قُلُوبِهِمْ وَاللَّهُ يُحْيِي وَيُمِيتُ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (١٥٦) وَلَئِنْ قُتِلْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوْ مُتُّمْ لَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَحْمَةٌ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ (١٥٧) وَلَئِنْ مُتُّمْ أَوْ قُتِلْتُمْ لَإِلَى اللَّهِ تُحْشَرُونَ (١٥٨) فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ (١٥٩) إِنْ يَنْصُرْكُمُ اللَّهُ فَلَا غَالِبَ لَكُمْ وَإِنْ يَخْذُلْكُمْ فَمَنْ ذَا الَّذِي يَنْصُرُكُمْ مِنْ بَعْدِهِ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ [آل عمران: ١٥٦، ١٦٠].
الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله تبارك وتعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ كَفَرُوا وَقَالُوا لِإِخْوَانِهِمْ إِذَا ضَرَبُوا فِي الْأَرْضِ أَوْ كَانُوا غُزًّى لَوْ كَانُوا عِنْدَنَا مَا مَاتُوا وَمَا قُتِلُوا لِيَجْعَلَ اللَّهُ ذَلِكَ حَسْرَةً فِي قُلُوبِهِمْإلى آخره.
سبق الكلام على أول هذه الآية، وبيّنّا أن هؤلاء يقولون لإخوانهم في الكفر أو في النسب: إِذَا ضَرَبُواأي الإخوان، فِي الْأَرْضِأي سافروا فيها لتجارة أو غيرها.
أَوْ كَانُوا غُزًّىالضمير في (كانوا) أيضًا يعود على الإخوان، غُزًّىجمع غازٍ، على وزن فُعَّل، وأنشدنا في هذا قول ابن مالك رحمه الله:
وفُعَّلٌ لِفَاعِلٍ وَفَاعِلَهْ وَصْفَيْنِ نَحْوُ عَاذِلٍ وَعَاذِلَهْ

عاذل: عُذَّل، عاذلة: عُذَّل.
لَوْ كَانُوا عِنْدَنَايعني لم يضربوا في الأرض مَا مَاتُوا، ولو كانوا عندنا لم يغزوا مَا قُتِلُوا. فقوله: لَوْ كَانُوا عِنْدَنَا مَا مَاتُوا وَمَا قُتِلُواهذا فيه ما يسمى عند البلاغيين لفًّا ونشرًا؟
طالب: مشتت.
طالب آخر: غير مرتب.
طالب آخر: مشوش.
الشيخ: كيف مشوش! مرتب يا جماعة. مَا مَاتُوامقابل: إِذَا ضَرَبُوا، وَمَا قُتِلُوامقابل أَوْ كَانُوا غُزًّى، وإِذَا ضَرَبُواقبل أَوْ كَانُوا غُزًّى، فهو مرتب.
إذن لو كانوا عندنا لم يضربوا في الأرض ما ماتوا، لو كانوا عندنا لم يغزوا ما قُتلوا.
يقول هؤلاء: لو أنهم لم يسافروا ما ماتوا، لو أنهم لم يغزوا ما قُتلوا، هكذا يقولون، ولكن الله يقول سبحانه تعالى: لِيَجْعَلَ اللَّهُ ذَلِكَ حَسْرَةً فِي قُلُوبِهِمْ، لِيَجْعَلَ اللَّهُ ذَلِكَأي ما وقع، أو ذَلِكَأي القول الذي قالوه، يحتمل المعنيين، ولكن الثاني أقرب، أي ليجعل الله هذا القول الذي قالوه، وهو لا يغني عنهم شيئًا، يجعله الله حسرة في قلوبهم، حسرة: يعني تَحَسُّرًا وندمًا، يستحسر به القلب ولا ينبسط ولا يفرح، وإلا فإن هذا القول لا يغني شيئًا.
واللام في قوله: لِيَجْعَلَسبق أن قلنا: إنها للعاقبة، وبينا أن اللام الداخلة على الفعل في مثل هذا التركيب تكون: إما للعاقبة، وإما للتعليل، وإما زائدة، فقوله تعالى: إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ [الأحزاب: ٣٣] هذه؟
طالب: زائدة.
الشيخ: زائدة. يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ [الصف: ٨] اللام؟
طلبة: للتعليل.
طلبة آخرون: زائدة.
الشيخ: زائدة، ودليل هذا أن في الآية الثانية: يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِئُوا [التوبة: ٣٢].
فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَنًا [القصص: ٨]؟
الطلبة: للعاقبة.
الشيخ: للعاقبة؛ لأنهم ما التقطوه لهذا، لو ظنوا أنه يكون عدوًّا وحزنًا لقتلوه.
هذه الآية: لِيَجْعَلَ اللَّهُ ذَلِكَ حَسْرَةً فِي قُلُوبِهِمْأيضًا للعاقبة، لو أنهم ظنوا أن هذا حسرة وأنه لا فائدة منه إلا التحسر والندم وتكرار المصيبة؛ ما قالوا هذا، ولكن الواقع أنه يكون حسرة في قلوبهم، وإلا فإنه لا يغني شيئًا، لماذا؟ لأن الأمر بيد الله؛ ولهذا قال: وَاللَّهُ يُحْيِي وَيُمِيتُ: الإحياء والإماتة بيد الله عز وجل، فإذا قدَّر الله إماتة شخص على سبب من الأسباب يسَّر له هذا السبب، وصار هو نفسه يفعل ذلك السبب. إذا قدر الله تعالى موت إنسان على سبب، أو صار غيره يتسبب له، فالإحياء والإماتة بإذن الله عز وجل.
وَاللَّهُ يُحْيِي وَيُمِيتُ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌيعني: ومِن جملة ما هو بصير به عملُهم. والبصير هنا يحتمل بصر الرؤية ويحتمل بصر العلم، يحتمل المعنيين جميعًا، فهو بصير بما نعمل بمعنى: عليم، بصر العلم. بصير بما نعمل بمعنى: راءٍ ما نعمل، وهذا بصر الرؤية.
فإذا قال قائل: هل تثبتون لله بصر رؤية؟
قلنا: نعم، قال النبي عليه الصلاة والسلام: «حِجَابُهُ النُّورُ -أَيِ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ- لَوْ كَشَفَهُ لَأَحْرَقَتْ سُبُحَاتُ وَجْهِهِ مَا انْتَهَى إِلَيْهِ بَصَرُهُ مِنْ خَلْقِهِ» هذا إثبات البصر لله، أما بصر العلم فواضح كثير.
إذن في هذه الآية إثبات إحاطة علم الله عز وجل بكل ما نعمل؛ لقوله: {بِمَا يَعْمَلُونَ}، و(ما) هنا؟
طالب: اسم موصول بمعنى (الذي).
الشيخ: واسم الموصول يفيد؟ اسم الموصول يا إخواننا يفيد العموم، كلما جاءك اسم موصول فإنه للعموم، ولو كان واحدًا، قال الله تعالى: وَالَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ أُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ [الزمر: ٣٣] شوف مفرد عاد عليه الإشارة والضمير أيش؟ جمعًا؛ لأنه عام، فاسم الموصول وإن كان لفظه لفظ المفرد يكون للعموم، عرفت؟ خذ معك هذه الفائدة: كل اسم موصول فهو للعموم.
{بِمَا يَعْمَلُونَ بَصِيرٌ} فيها القراءة الثانية: بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌفهل في الآية التفات؟
طلبة: بالتاء
الشيخ: هل في الآية التفات؟ بِمَا تَعْمَلُونَأو {بِمَا يَعْمَلُونَ}؟
الطلبة: بِمَا تَعْمَلُونَ.
الشيخ: فكِّروا. المهم السؤال هل فيها التفات أو لا؟
الطلبة: فيها التفات.
الشيخ: على قراءة التاء فيها التفات؟
هي الواقع ليس فيها التفات في الحقيقة؛ لأنه إذا قال: بِمَا تَعْمَلُونَفالخطاب في أول الآية موجه للمؤمنين: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَكُونُوامخاطب، لا تكونوا فإن كنتم فالله بما تعملون بصير. إذن لا التفات، إذا جعلنا: {بِمَا يَعْمَلُونَ} عائدًا لـ الَّذِينَ كَفَرُوا وَقَالُوا لِإِخْوَانِهِمْأيضًا فليس فيه التفات، فالحقيقة أنه ليس في الآية التفات، سواء جاءت بالتاء أو بالياء؛ لأنها إن جاءت بالتاء فقد رُوعي فيها صدر الآية: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ كَفَرُوا... وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ، هذا إذا كانت بالتاء، وإن كانت بالياء فقد رُوعي فيها آخر الآية.
 في هذه الآية فوائد كثيرة:
منها: تعلية شأن المؤمنين بإيمانهم؛ من قوله: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا؛ لأن المخاطب لا ينادَى إلا بأحب الأوصاف إليه، ولهذا لو ناديت أحدًا بأقبح الأوصاف لسابّك وشاتمك، ففيه تعلية شأن المؤمنين بإيمانهم.
ومنها: فضيلة الإيمان وأنه مقتضٍ لكل الأخلاق الفاضلة.
ومنها: الإشارة إلى النهي عن التشبه بالكفار؛ لقوله: لَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ كَفَرُوا. والتشبه بالكفار اختلف فيه العلماء، فذهب أصحاب الإمام أحمد رحمهم الله في المشهور عنهم إلى أن التشبه بالكفار مكروه، والمكروه عند الفقهاء كراهة تنزيه، أي يثاب تاركه امتثالًا ولا يعاقب فاعله، لكنّ قولهم هذا ضعيف، والصواب أن التشبه بالكفار حرام، لمّا ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله حديث: «مَنْ تَشَبَّهَ بِقَوْمٍ فَهُوَ مِنْهُمْ» في كتابه القيم الذي أشير به على كل طالب علم وهو اقتضاء الصراط المستقيم لمخالفة أصحاب الجحيم؛ قال لما ذكر هذا الحديث، قال: وأقل أحوال هذا الحديث التحريم، أقل أحواله التحريم، وإن كان ظاهره يقتضي كفر المتشبِّه بهم. لأن قوله: «مَنْ تَشَبَّهَ بِقَوْمٍ فَهُوَ مِنْهُمْ» ظاهره أنه كافر، فالاقتصار على الكراهة التي يراد بها كراهة التنزيه عند الفقهاء فيه نظر ظاهر، المهم أن في هذه الآية الإشارة إلى النهي عن التشبه بماذا؟ بالكفار، لا سيما إذا كان الفعل نفسه محرَّمًا، فإن قولهم هذا فيه اعتراض على القدر كما سيتبين إن شاء الله.
فإن قال قائل: ما هو ضابط التشبه؟ وهل يشترط فيه القصد؟
فالجواب: أن ضابط التشبه أن يأتي بما يختص بالكفار من لباس أو تحلية جسم أو غيره، بحيث أن يقول من رآه: هذا من الكفار؛ لأنه لا يمكن أن يقول: هذا من الكفار إلا إذا كان الشيء مختصًّا بهم، أما إذا كان عامًّا فإنه لا يمكن أن يقال: من الكفار، فمثلًا البنطلون -الذي يسمى البنطلون عند الناس- في بعض البلاد الإسلامية هو لباس الناس، أليس كذلك؟ هل نقول: إن البنطلون تشبه؟ لا، لماذا؟ لأنه ليس خاصًّا بالكفار، ترى الإنسان ولا تقول: هذا كافر؛ لأنه ممكن يكون كافرًا وممكن يكون مسلمًا. طيب لو لبس البنطلون من كانت عادتهم لباس القُمُص هل يكون تشبهًا؟ لا، لكنه يكون شهرة، وثوب الشهرة منهي عنه. انتبهوا للأحكام ومآخذها وعللها؛ لأن هذا مهم لطالب العلم؛ أن يعرف المآخذ والعلل.
طيب هل يشترط في التشبه القصد أو لا يشترط؟ لا يشترط؛ لأن الإنسان لو قصد التشبه لكان الخطر عظيمًا؛ لأنه لا يقصد التشبه بهم إلا من مُلِئَ قلبه أو كاد يُملأ بمحبتهم وتعظيمهم، بل التشبه حاصل بصورة التشبه، سواء قصد أم لم يقصد. هذا نقوله باعتبار الشخص نفسه، أما باعتبار إنكارنا عليه فإننا ننكر عليه مطلقًا؛ لأننا لو سكتنا عن الإنكار عليه لأمكن كل واحد أن يقول: إنني لم أقصد التشبه، فنحن نقول: الإنكار على المتشبه مطلقًا، سواء قصد أم لم يقصد، لكن الكلام على المتشبه نفسه: هل يشترط لكونه متشبهًا أن يقصد التشبه؟ الجواب: لا، إذا حصلت صورة التشبه فقد تشبه سواء قصد أم لم يقصد.
التشبه في الأمور الدينية للكفار أعظم بكثير من التشبه في الأمور العادية؛ لأن التشبه بهم في الأمور الدينية يعني تعظيم الباطل لذاته، لا لكونه من خصائصهم.
ولهذا ذكر ابن القيم رحمه الله في أحكام أهل الذمة أنه حرام بالاتفاق، وقال: هذا إن سلِم فاعله من الكفر فقد أتى محرمًا لا شك فيه؛ لأن التشبه بهم في الأمور الدينية يعني تعظيم دينهم، ودينهم منسوخ بدين محمد صلى الله عليه وسلم بإجماع المسلمين، ومن زعم أن اليهود أو النصارى أو غيرهم على دين صحيح مقبول عند الله فهو كافر، يُعَلَّم حتى يرجع؛ لأن الله يقول عز وجل: وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ [آل عمران: ٨٥] ويقول: إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ [آل عمران: ١٩].
وصح عن النبي عليه الصلاة والسلام فيما أخرجه مسلم من حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ لَا يَسْمَعُ بِي أَحَدٌ مِنْ هَذِهِ الْأُمَّةِ يَهُودِيٌّ وَلَا نَصْرَانِيٌّ ثُمَّ لَا يُؤْمِنُ بِمَا جِئْتُ بِهِ إِلَّا كَانَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ» ، وإذا قيل: أصحاب النار فهم أصحابها الذين لا يخرجون منها وهم الكفار.
من فوائد هذه الآية الكريمة: أن الندم على ما وقع لا يرفع الواقع ؛ لأن الله قال: وَاللَّهُ يُحْيِي وَيُمِيتُ.
ومن فوائدها: أن هذا الدين رحمة؛ لأن نهي الله عن الندم على ما مضى مصلحة للإنسان؛ لأنه يطمئن قلبه ولا يتحسر ولا يحزن، فإنه يقول لنفسه: هذا الأمر لا بد أن يقع كما وقع، فلا حاجة أن تقول: لو أني فعلت ما حصل، لا حاجة، إنما تقول: (لو أني فعلت) في أمر تكون فرطتَ فيه، أما شيء لم يكن بتفريطك فهذا لا يحل لك أن تتندم عليه.
ومن فوائد هذه الآية: أنه لو أن شخصًا سافر ثم صار عليه حادث، فقال أهله: لو أنه ما سافر كان أسلم له، كان ما يحصل عليه حادث، نقول: هذا من قول الكفار: قالوا لإخوانهم إذا ضربوا في الأرض: لو كانوا عندنا ما ماتوا، هذا قول الكفار، المؤمن لا يقول هكذا، المؤمن يقول: ما شاء الله كان، وما لم يشأ لم يكن، ويقول: وَكُلُّ شَيْءٍ عِنْدَهُ بِمِقْدَارٍ [الرعد: ٨]، ويقول: لِكُلِّ أَجَلٍ كِتَابٌ [الرعد: ٣٨]، وما أشبه ذلك من الآيات الدالة على أن الأمر بيد الله، ولا يمكن أن يتغير المقدور عما وقع أبدًا.
من فوائد هذه الآية الكريمة: أن هؤلاء المعترضين على القدر يكون اعتراضهم حسرة في قلوبهم، ولا ينسون المصيبة، وتجد الشيطان يلعب بهم: ليته ما راح، ليته ما غزا، ليته ما فعل، يلعب به، ولهذا قال النبي عليه الصلاة والسلام مشيرًا إلى هذا المعنى: «الْمُؤْمِنُ الْقَوِيُّ خَيْرٌ وَأَحَبُّ إِلَى اللَّهِ مِنَ الْمُؤْمِنِ الضَّعِيفِ» القوي في أيش؟ القوي في بدنه، يحمل الحجر الكبير ولا يبالي، ولكن صلاته ضعيفة.
وفيه مؤمن ما يحمل إلا عشر كيلو أو شبهه، ولكنه يتهجد بالليل، ويصوم ما شاء الله، ويصلي الواجبات. الأول قوي، الأول يأخذ الثاني ويضرب به إلى فوق.
إذن المؤمن القوي في إيمانه؛ لأن القوي وصف عائد على ما سبق؛ على المؤمن، والمؤمن مشتق منين؟ من الإيمان.
إذن المؤمن القوي في إيمانه ولا بد، ما هو المؤمن القوي في بدنه، لو قال: البدين القوي، قلنا: معناه: القوي في بدنه، ولو قال: الرجل القوي، قلنا: في رجولته، لكن قال: المؤمن القوي؛ أي في إيمانه. قوة البدن لا تُمدح إلا إذا كان فيها زيادة قوة الإيمان لتمدح. كثرة المال لا تُمدح إلا إذا كان فيها زيادة في الإيمان، يقول الرسول صلى الله عليه وسلم: «الْمُؤْمِنُ الْقَوِيُّ خَيْرٌ وَأَحَبُّ إِلَى اللَّهِ مِنَ الْمُؤْمِنِ الضَّعِيفِ».
ولما كان هذا الكلام من الصادق المصدوق قد يؤدي إلى انحطاط رتبة المؤمن الضعيف، قال: «وَفِي كُلٍّ خَيْرٌ» جبرًا لما يتوهم من نقص الضعيف «وَفِي كُلٍّ خَيْرٌ».
وهذا الأدب من الرسول عليه الصلاة والسلام هو مما أدبه الله به، قال الله عز وجل: لَا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُولَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقَاتَلُواوأيش بعده؟ وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى [الحديد: ١٠] وقال: لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ عَلَى الْقَاعِدِينَ دَرَجَةً وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى [النساء: ٩٥].
النبي عليه الصلاة والسلام قال: «الْمُؤْمِنُ الْقَوِيُّ خَيْرٌ وَأَحَبُّ إِلَى اللَّهِ مِنَ الْمُؤْمِنِ الضَّعِيفِ، وَفِي كُلٍّ خَيْرٌ» ثم قال: «احْرِصْ عَلَى مَا يَنْفَعُكَ، وَاسْتَعِنْ بِاللَّهِ، وَلَا تَعْجَزْ» ، احرص واستعن ولا تعجز، يعني لا تكسلوا، وتضعف عن إتمام العمل «وَإِنْ أَصَابَكَ شَيْءٌ» بعد الحرص والاستعانة بالله والقوة في العمل «إِنْ أَصَابَكَ شَيْءٌ فَلَا تَقُلْ: لَوْ أَنِّي فَعَلْتُ لَكَانَ كَذَا وَكَذَا، فَإِنَّ لَوْ تَفْتَحُ عَمَلَ الشَّيْطَانِ» .
إذن من قال: (لو) معترضًا على القدر فقد شابه الكفار، وقد فتح على نفسه باب عمل الشيطان.
ومن فوائد هذه الآية الكريمة: الرد على القدرية، قوله: لِيَجْعَلَ اللَّهُ ذَلِكَ حَسْرَةً فِي قُلُوبِهِمْيعني أن الله قدَّر أن يقولوا هذا القول ليجعله حسرة في قلوبهم.
ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات أن الإحياء والإماتة بيد الله: وَاللَّهُ يُحْيِي وَيُمِيتُوهذا أيضًا مؤجل، الإحياء والإماتة مؤجلة بأجل لا يزيد ولا ينقص أبدًا، لا يزيد ولا ينقص: لِكُلِّ أَجَلٍ كِتَابٌ [الرعد: ٣٨].
ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات عموم علم الله عز وجل بكل ما نعمل؛ لقوله: وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَأو: {بِمَا يَعْمَلُونَ بَصِيرٌ}.
ويترتب على هذه الفائدة فائدة مسلكية ينتفع بها الإنسان في سلوكه وعمله، وهي: أنه إذا آمن بأن الله بصير بما يعمل لزم من ذلك أن يستقيم على أمره، أنت عندما تريد أن تفعل معصية اذكر هذه الآية؛ أن الله بصير بعملك، إذا أردت أن تعمل طاعة اذكر هذه؛ أن الله بصير بعملك، فأحسِن الطاعة، فهذه تفيد الإنسان في سيره إلى الله عز وجل، إذا آمن بأن الله بصير بما يعمل حسُنَ سيره إلى الله، واستعان بذلك على إحسان العبادات وعلى ترك المحرمات.
من فوائد الآية: الرد على الجبرية؟
الطلبة: بِمَا تَعْمَلُونَ.
الشيخ: حيث أضاف العمل إليهم، والجبرية لا يضيفون العمل إلى الإنسان، يقولون: إن الإنسان مجبر على عمله، فالإنسان اللي يقول بيده هكذا اختيارًا كالإنسان الذي فيه رعشة، كلاهما سواء لا يستطيعان أن يمنعا أنفسهما.
إذا قال قائل: وَاللَّهُ يُحْيِي وَيُمِيتُ، قال مارد لإبراهيم: أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ [البقرة: ٢٥٨]، أيش نقول؟ نقول: لست أنت الذي تحيي وتميت، أنت تفعل سبب الحياة والموت، وأيضًا لست تفعل سبب الحياة الناشئة، تفعل سبب بقاء الحياة وإلا فالحياة من الله أولًا. الإماتة أيضًا لست أنت الذي تميت وإنما تفعل سبب الموت، ولو شاء الله ألا يموت من جرحته جرحًا موحيًا لم يمت، ولكن إبراهيم عدل عن مناظرته في هذا إلى شيء لا يمكنه أن يجادل فيه، وهو: قال له: إِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ [البقرة: ٢٥٨] وأيش يقول؟ ما يقول شيئًا: فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ [البقرة: ٢٥٨].
وقد ذكرنا حين تكلمنا على هذه الآية أنه ينبغي للمناظر إذا عرف من مناظره الذي يجادله أنه إنما يريد الجدل، فليأت بالحجة الدامغة قبل أن ينازع في حججه؛ من أجل إسكات الخصم وإفحامه وقطع المنازعة، أما لو قال إبراهيم مثلًا: أنت لا تحيي ولا تميت ولكن تبقي الحياة، أو تفعل سبب الموت، صار فيه جدال، وصار سامع القصة يحتاج إلى تصور بعيد، لكن إذا قطع عليه المناظرة: إِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِلو يجتمع هو وكل المردة ما استطاعوا أن يأتوا بها أبدًا.
تفسير الآيات (157-159)
00:35:26

ثم قال تعالى: {وَلَئِنْ قُتِلْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوْ مِتُّمْ} عندكم كذا؟ {أَوْ مِتُّمْ}؟
الطلبة: أَوْ مُتُّمْ.
الشيخ: فيها قراءتان: أَوْ مُتُّمْ{أَوْ مِتُّمْ} بالكسر، لَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَحْمَةٌ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ{خَيْرٌ مِمَّا تَجْمَعُونَ} قراءتان، إذن ففي الآية هذه كلمتان فيهما قراءتان، الأولى قال: {مِتُّمْ} مأخوذة من مات يمات، وإذا أُخذت من مات يموت كيف نقول؟ مُتُّمْبضم الميم. أو من مات يمات؟
الطلبة: {مِتُّمْ}.
الشيخ: {مِتُّمْ} مات يمات، يعني كلها لغة عربية، تقول: (مات الرجل، يمات الرجل)، (مات الرجل، يموت الرجل)، (مات) كـ(يخاف)، وأصلها: مَوِتَ يَمْوَتُ، هذا أصلها، كخاف يخاف أصلها: خَوِفَ يَخْوَفُ، إذن هي من باب: فرِح يفرَح. خوِف يَخْوَف، فيقال فيها: خَوف يَخْوَفُ، نقول فيها أيش: {مِتُّمْ} كما تقول: خِفتم.
الثاني يقول: خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ {خَيْرٌ مِمَّا تَجْمَعُونَ} هل في الآية التفات؟
طالب: نعم، القراءة الثانية.
الشيخ: أيهم الياء ولّا التاء؟
الطالب: الياء.
الشيخ: الياء فيها التفات، وعلى قراءة التاء لا؛ لأن الآية كلها للخطاب.
وفي الآية أيضًا من جهة اللغة العربية: {وَلَئِنْ قُتِلْتُمْ}...{أَوْ مِتُّمْ لَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ}. اجتمع في الجملة قسَمٌ وشرط، أيهما السابق؟
طالب: القسم يا شيخ وَلَئِنْ.
الشيخ: أيهما السابق؟
الطالب: الواو، واو القسم.
الشيخ: وإذا تقدم القسم فأيهما يحذف جوابه: الشرط أو القسم؟
الطالب: القسم.
الشيخ: القسم؟
طالب: جواب المتأخر على الشرط.
الشيخ: جواب المتأخر، الشرط أو القسم، قال ابن مالك:
وَاحْذِفْ لَدَى اجْتِمَاعِ شَرْطٍ وَقَسَمْ جَوَابَ مَا أَخَّرْتَ فَهْوَ مُلْتَزَمْ

(واحذف لدى اجتماع شرط وقسم) يعني عند اجتماع الشرط والقسم في الجملة، احذف (جواب ما أخرت فهو ملتزم).
هنا المتقدم أيش؟ القسم، إذن الذي يحذف جواب الشرط وهو كذلك، الآن في الآية هو كذلك، ولهذا جاء الجواب: لَمَغْفِرَةٌ، جاء الجواب جواب قسم لَمَغْفِرَةٌ، فاللام هنا واقعة في جواب القسم، واللام في لَئِنْمُوَطِّئة للقسم، وجواب الشرط محذوف.
فإن قال قائل: كيف يُحذف وهو ركن في الجملة؟ قلنا: لأنه وُجد ما يسد مسده، وهو جواب القسم.
يقول الله عز وجل: وَلَئِنْ قُتِلْتُمْ}الخطاب للمؤمنين، وَلَئِنْ قُتِلْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِأي: في الجهاد في سبيله، ويحتمل أن يكون أعم من ذلك، بمعنى: قُتلتم في سبيل الله في الجهاد، أو قُتلتم في سبيل الله في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، أو قُتلتم في سبيل الله في الدعوة إليه، أو قُتلتم في سبيل الله في بيان الحق، كل هذا داخل في سبيل الله. الجهاد جهاد الكفار، الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، الدعوة إلى الله، بيان الحق؛ لأن الجامع بينها أن هذا قُتِل وهو يدافع عن أيش؟ عن دين الله عز وجل، فالذي يُقتل في سبيل الله يقول الله عز وجل: لَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَحْمَةٌ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَخير من الدنيا وما فيها.
وقوله سبحانه وتعالى: {أَوْ مِتُّمْ} هل نقول: إن المعنى: أو مِتم في سبيل الله، فيكون المراد به من مات في الجهاد، أو مِتم مطلَقًا؟
الظاهر الثاني؛ لأن الله عز وجل لو أراد الأول لقال: ولئن قُتلتم أو مِتم في سبيل الله، فلما أخر (مِتم) عن القيد عُلم أنه غير مراد في الجملة الثانية.
ولهذا يقول العلماء: إن الوصف أو الشرط إذا تعقَّب جملًا عاد إلى الكل، وإن توسط جملًا فهو للأول، فهو لما سبقه. ما هي القاعدة؟ كل قيد بشرط أو صفة أو استثناء أو غيره -كل قيد- إذا تعقَّب جملًا -أي صار في آخرها- فهو عائد على الكل، وإن توسط عاد على ما سبقه فقط دون ما تأخر عنه، إلا ما دل عليه الدليل.
وعلى هذا نطبق قول الله عز وجل: وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ (٤) إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ [النور: ٤، ٥]، هذه الآية فيها قيد بالاستثناء تعقَّب الجمل الثلاثة، فهل يعود إلى الثلاث؟ نقول: أما الأولى فلا يعود إليها بالإجماع، وأما الثالثة فيعود إليها بالإجماع، وأما الوسطى ففيه خلاف. 
وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ، الجملة الأولى: فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً، الثانية: وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا، الثالثة: وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ (٤) إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌالاستثناء لا يعود إلى الأولى بالاتفاق، فلو أن القاذف تاب فإن حق المقذوف لا يسقط، يُجلد ثمانين جلدة ولو تاب، وإذا تاب القاذف زال عنه وصف الفسق بالاتفاق. وإذا تاب القاذف فهل تُقبل شهادته أو لا؟
في هذا خلاف؛ منهم من قال: تُقبل، ومنهم من قال: لا تُقبل.
يقول عز وجل: وَلَئِنْ قُتِلْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوْ مُتُّمْ لَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَحْمَةٌ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَالمغفرة فيها النجاة من المكروه، والرحمة فيها حصول المطلوب.
وقوله: خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَأي مما يجمعون من الدنيا كلها، قال الله تعالى: قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ [يونس: ٥٨].
طالب: في التشبه، لو كان الشيء مشتهرًا بين المسلمين، يعني يفعله طائفة من المسلمين ليس مختصًّا بالكفار، ولكن يفعله الشخص ليس لأن المسلمين يفعلونه ولكن لأن الكفار يفعلونه يعنى يقلدهم في الصفة.. في الأكل مثلًا، لا يأكل هذا لأن المسلمين يأكلونه بل يأكله لأن أهل أوربا يأكلونه أو كذا؟
الشيخ: لا، لكن الظاهر ما يعتبر من التشبه.
الطالب: أو اللباس، بعض الألبسة؟
الشيخ: يعني هذا ما يتصل بنفس الإنسان، الأكل والآلات وشبهها، لو قال واحد: أنا باذبح بسكاكين من سكاكين الكفار، لكن ليس في قلبي تعظيمهم، فلا بأس، وأما قول الرسول صلى الله عليه وسلم: «وَأَمَّا الظُّفُرُ فَمُدَى الْحَبَشَةِ» فليست العلة أنه مدى الحبشة، لكن العلة أن إطالة الظفر من فعل الحبشة من أجل أن ينحروا به. الحبش يغذون أظفارهم حتى تكون كالسكاكين، وبدل من أن يحمل السكين في جيبه يقول: السكين جاهز في الأصبع. لأن هذا لو أن الناس اعتادوه خرجوا عن الفطرة التي هي تقليم أيش؟
الطلبة: الأظافر.
الشيخ: تقليم الأظفار، إي نعم.
طالب: في بعض البلدان أكثر العلماء يلبسون ثيابًا تشبه ثياب الأساقفة والرهبان، فيكون هذا من التشبه بهم؟
الشيخ: الظاهر أنه من التشبه، ما دام الإنسان إذا رآهم قال: هؤلاء من الأساقفة فهو تشبه. مع أن المسألة ربما يقال: إن السبق في هذا اللباس للمسلمين.
الطالب: لماذا لا يلبسون لباس أهل البلد؟
الشيخ: لكن ما تظن أن هذا اللباس سابق للمسلمين أنه خاص بالعلماء؟
الطالب: لا يا شيخ، الأساقفة سابقين.
الشيخ: سابقين؟ مشكلة هذه، هذه ما هي مضاهاة للنصارى.
الطالب: ولكن يا شيخ هم لا يعلمون ولا يقصدون؟
الشيخ: إي لكن معروف، يعني من عرف لباس الأساقفة قال: هذا أسقف.
الطالب: هم يقلدون العلماء من قبلهم، وما يعلمون أنهم يتشبهون؟
الشيخ: نحن قلنا: إن التشبه لا يُشترط فيه القصد.
طالب: أقول -أحسن الله إليك يا شيخ-: بعض النساء عندهم قصات معينة ويفعلها الكفار، لكن هم ما قصدوا التشبه، بل عادة؟
الشيخ: أبدًا، ما دام أن هذا لم ينتشر بين المسلمين ويكن من لباسهم أو من هيئاتهم فهو تشبه حرام.
الطالب: ما قصدوا؟
الشيخ: ولو ما قصدوا؛ لأن الذي يقصد التشبه قلت لك: إن هذا خطر؛ لأنه لن يقصد التشبه إلا وفي قلبه تعظيم لهم ومحبة لهم.
طالب: اشترطتم يا شيخ المغفرة والرحمة على مجرد الميت؟
الشيخ: أيش؟
الطالب: وَلَئِنْ قُتِلْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوْ مُتُّمْ.
الشيخ: يعني معناه أن من مات -وعلى كل حال ما بعد وصلناها- لكن معنى من مات فإنه لن تفوته المغفرة، ثم هو إذا مات انتقل إلى خير مما كان عليه، يعني هؤلاء الذين يموتون في سبيل الله ينتقلون إلى ما هو أفضل، ولهذا يتمنون أن يعودوا إلى الدنيا لا ليعيشوا فيها ولكن ليُقتلوا مرة ثانية في سبيل الله، كذلك الموت، الله المستعان، كررنا عليكم مرارا: وَلَلْآخِرَةُ خَيْرٌ لَكَ مِنَ الْأُولَى [الضحى: ٤]، بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا (١٦) وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَى [الأعلى: ١٦، ١٧] أتظن أن المؤمن إذا مات يندم على أنه مات من أجل فوات محبوب له؟ لا، من أجل العمل، يتمنى أنه باقٍ ليزداد عمله، لا ليتمتع بالدنيا؛ لأنه ينتقل إلى دار أفضل، ما دام -نسأل الله أن يجعلني وإياكم منهم- ما دام يُفسح له في قبره مد بصره ويأتيه من نعيم الجنة وروحها، هذا ما له نظير في الدنيا.
طالب: في قول الله عز وجل: وَلَئِنْ قُتِلْتُمْ...أَوْ مُتُّمْ لَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِنريد توضيح القسم من أداة القسم والمقسوم؟
الشيخ: (والله لئن) هذا أداة القسم، (والله لئن).
طالب: وَقَالُواللماضي، وإِذَا ضَرَبُواللمستقبل، ما فيه إشكال؟
الشيخ: إي، وعلى كل حال فيه شيء من الإشكال، ما هو الإشكال اللي يمكن أن يرد؟ وَقَالُواإِذَا ضَرَبُوا، بعض العلماء قال: إن (إذا) هنا لا يراد بها الاستقبال، إنها سُلِبت الدلالة عن المستقبل، وإن المراد بها مجرد الظرف، وإنه يشبه قول: وقالوا إذ ضربوا في الأرض، وقالوا لإخوانهم إذ ضربوا في الأرض أو كانوا غزى. قالوا: والدلالة على المعنى قد تُسلب الكلمة كما في قوله تعالى: وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا [النساء: ٩٦] هل المعنى: كان في الأزل ثم لم يكن الآن غفورًا رحيمًا؟ لا، سُلبت الدلالة على الزمان، كذلك (إذا) هنا سُلِبت الدلالة على المستقبل وصار المراد بها مجرد الزمان فقط.

***

طالب: فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ (١٥٩) [آل عمران: ١٥٩].
الشيخ: بسم الله الرحمن الرحيم، هذا يسأل يقول عن الذين يُعَلِّقون على مصاحف المسجد؟
اللي يحب يعلق القراءات يشتري مصحف ويعلق عليه، هذا طيب، المصحف هذا معلق عليه القراءات، أما المسجد ما يجوز؛ لأنه ربما يأخذه عوام ما يعرفون، ثم هذا يُجَرِّئ الناس على تعليقات غير صحيح، لذلك انتبهوا ممنوع، التعليق على مصاحف المسجد ممنوع، أفهمتم يا جماعة؟ لأن أولًا: ما هي لنا حتى نعلق عليها، والثاني: اللي يقرؤه ناس ما يعرفون، عامة، أخشى من هذا.
أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله تعالى: وَلَئِنْ قُتِلْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوْ مِتُّمْ لَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَحْمَةٌ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ.
وَلَئِنْ قُتِلْتُمْهذه العبارة تكون في القرآن الكريم كثيرًا، أي أنه يجتمع قسم وشرط، القسم مستفاد من اللام في وَلَئِنْ؛ لأن اللام هنا موطئة للقسم، أما الشرط فهو بـ (إن)، وإذا اجتمع شرط وقسم فإنه يُحذف جواب المتأخر، ويكون الجواب المذكور للمتقدم؛ لسبقه، قال ابن مالك في الألفية:
وَاحْذِفْ لَدَى اجْتِمَاعِ شَرْطٍ وَقَسَمْ جَوَابَ مَا أَخَّرْتَ فَهْوَ مُلْتَزَمْ

في هذه الآية: وَلَئِنْ قُتِلْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوْ مُتُّمْ لَمَغْفِرَةٌالجواب: لَمَغْفِرَةٌجواب قسم؛ لأنه اقترن باللام.
في هذه الآية في قوله: {أَوْ مِتُّمْ} قراءتان: قراءة بكسر الميم، وقراءة بضم الميم، أما ضم الميم فهي من مات يموت، وهذه قاعدة تنفعكم: إذا أُسند الفعل الماضي إلى ضمير الرفع فإنه على حسب المضارع، فمثلًا إذا كان المضارع مضموم العين فإن هذا يكون أيضًا مضمومًا: قام يقوم، تقول: قُمت، باع يبيع: بِعت، خاف: خِفت، لماذا؟ لأن أصله خوف يخوف مكسور، فتقول: خِفت، مات يمات: مِت، مات يموت مُت، إذن مُتُّمْمن مات يموت، {مِتُّمْ} من مات يمات، هاتان قراءتان.
فيه أيضًا في قوله: خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَفيها قراءتان يَجْمَعُونَ: قراءة بالتاء: {تَجْمَعُونَ} وقراءة بالياء. هذا الكلام عن القراءات والكلام عن الإعراب.
يقول الله عز وجل مبينًا ومسليًا لعباده المؤمنين: إنهم إذا خرجوا من ديارهم وقُتلوا أو ماتوا فإنَّ ما يُقبِلون عليه خير مما يرحلون عنه، وهذا متصل بما قبله: لَوْ كَانُوا عِنْدَنَا مَا مَاتُوا وَمَا قُتِلُواإلى آخره. يعني يقول: لو متم أو قُتلتم فإن هذا ليس حسرة، هذا خير، وَلَئِنْ قُتِلْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِأي في الجهاد في سبيل الله، ويحتمل أن يكون المعنى أعم من الجهاد في سبيل الله بالسلاح ليشمل الجهاد في سبيل الله بالدعوة إلى الله عز وجل والعلم، فمن قُتل لكونه داعية فإنه مقتول في سبيل الله؛ لأنه كالمجاهد بسلاحه.
وقوله: {أَوْ مِتُّمْ} يعني دون أن تُقتلوا في سبيل الله، لَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَحْمَةٌ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَمن الدنيا كلها، لَمَغْفِرَةٌلمن؟ لكم: مِنَ اللَّهِ وَرَحْمَةٌلكم أيضًا.
والفرق بين المغفرة والرحمة: أن المغفرة بها زوال المكروه، والرحمة بها حصول المطلوب؛ أي أنكم يحصل لكم مطلوبكم وتنجون من مرهوبكم، والمغفرة هي ستر الذنب والتجاوز عنه، والرحمة صفة من صفات الله عز وجل لكنها تقتضي الإحسان إلى المرحوم والإنعام عليه.
وفي قوله: لَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِإضافة المغفرة إلى الله تدل على عظمة هذه المغفرة؛ وذلك لأن الشيء يعظم بعظم باذله، فمثلًا إذا قلت: أعطاني الملك عطية، وقلت: أعطاني الصعلوك عطية، الصعلوك من هو؟ الفقير. ماذا يتصور الناس إذا قلت: أعطاني الملك عطية؟ أنها كثيرة. أعطاني الصعلوك عطية؟ أنها خمس وعشرون هللة، قليلة، فالشيء يَعْظُم بحسب ما أيش؟ ما يضاف إليه، فلهذا قال: مَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِأي ابتداؤها منه، فهو الذي يبتدئ بها عز وجل ويتفضل بها.
وَرَحْمَةٌيعني: منه خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَأو {خَيْرٌ مِمَّا تَجْمَعُونَ} من الدنيا كلها.
في هذه الآية الكريمة من الفوائد: أن من قُتل في سبيل الله أو مات من المؤمنين فقد انتقل إلى خير من الدنيا كلها؛ لقوله: خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ.
ومن فوائدها: منة الله عز وجل على عباده بتسليتهم في الأمور التي يهمهم فواتها، فالإنسان يهمه فوات الدنيا، كلٌّ يحب أن يبقى في الدنيا، فإذا جاءت التسلية من الله وقيل: إنك إذا مِت أو قُتلت انتقلت إلى ما هو خير، فإن الإنسان يتسلى بهذا، ويقول: الحمد لله أنني إذا انتقلت إلى الآخرة فأنا أنتقل إلى خير من الدنيا.
ومن فوائد الآية الكريمة: الجمع بين المغفرة والرحمة ليكمل للإنسان سعادته؛ إذ إن بالمغفرة زوال المكروه، وبالرحمة حصول المطلوب.
ومن فوائد هذه الآية الكريمة: جواز إيقاع التفضيل بين شيئين بينهما بُعْدٌ تام؛ لأنك إذا نسبت ما في الدنيا للآخرة فليس بشيء، قال النبي عليه الصلاة والسلام: «لَمَوْضِعُ سَوْطِ أَحَدِكُمْ فِي الْجَنَّةِ خَيْرٌ مِنَ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا» وأبين من ذلك قوله تعالى: آللَّهُ خَيْرٌ أَمَّا يُشْرِكُونَ [النمل: ٥٩].
ثم قال الله تعالى: {وَلَئِنْ مِتُّمْ أَوْ قُتِلْتُمْ لَإِلَى اللَّهِ تُحْشَرُونَ} نقول في: {لَئِنْ مِتُّمْ} من حيث الإعراب ما قلنا في الآية التي قبلها، أي أنه اجتمع فيها قسم وشرط فحُذف جواب الشرط، ونقول: في {مِتُّمْ} قراءتان كما في الآية التي قبلها، بكسر الميم على أنها من مات يمات، وبضم الميم على أنها من مات يموت.
يقول عز وجل: إن متم أو قتلتم فإن مرجعكم إلى الله، مهما طالت بكم الأيام أو قصرت المرجع إلى الله، وإذا كان المرجع إلى الله فإن الإنسان سوف يبقى مطمئنًّا؛ إذ إن من كان مرجعه إلى الله عز وجل فإنه لا يخاف ظلمًا ولا هضمًا، بل إنه إذا كان مؤمنًا فإنه يستبشر، كيف ذلك؟ لقول الله تعالى: وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ مُلَاقُوهُ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ [البقرة: ٢٢٣] ولما حدَّث النبي عليه الصلاة والسلام عائشة فقال: «مَنْ أَحَبَّ لِقَاءَ اللَّهِ أَحَبَّ اللَّهُ لِقَاءَهُ، وَمَنْ كَرِهَ لِقَاءَ اللَّهِ كَرِهَ اللَّهُ لِقَاءَهُ». قالت: يا رسول الله، كلنا يكره الموت -ولقاء الله يكون بالموت- قال: «لَيْسَ الْأَمْرُ كَذَلِكَ، وَلَكِنَّ الْمُؤْمِنَ إِذَا حَضَرَهُ الْأَجَلُ فَبُشِّرَ بِالْجَنَّةِ اشْتَاقَ إِلَى رَبِّهِ وَأَحَبَّ لِقَاءَ اللَّهِ، وَالْكَافِرُ -وَالْعِيَاذُ بِاللَّهِ- إِذَا حَضَرَهُ الْأَجَلُ بُشِّرَ بِالنَّارِ فَكَرِهَ لِقَاءَ اللَّهَ فَكَرِهَ اللَّهُ لِقَاءَهُ» .
ففي هذه الآية: أن المرجع إلى الله عز وجل مهما طالت بالإنسان الحياة، وعلى أي صفة كان موته، سواء كان بقتل أو بغيره، فالمرجع إلى الله.
ومن فوائدها: زيادة التسلية للمؤمنين؛ لأن المؤمن إذا علم أن مرجعه إلى الله فإنه سوف يطمئن، وسوف يستبشر وينشرح صدره بذلك.
ومن فوائدها: إثبات لقاء الله عز وجل؛ لقوله: لَإِلَى اللَّهِ تُحْشَرُونَ.
ومن فوائدها أيضًا: إثبات الحشر يوم القيامة، فإن الناس يقومون من قبورهم ويحشرون إلى الله عز وجل ليجازيهم.
ثم قال تعالى: فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ.
أولًا الإعراب: الفاء عاطفة، والباء حرف جر، و(ما) زائدة، ولكنها زائدة لفظًا زائدة معنى، أي تفيد زيادة المعنى. وقد كره بعض العلماء أن تقول: زائدة أو أن تقول عن حرف في القرآن: إنه زائد، قال: لأن القرآن لا زيادة فيه، ولكن نقول: إن المراد بقولنا: زائدة أي من حيث الإعراب، لا من حيث المعنى.
وقوله: فَبِمَا رَحْمَةٍإذا جعلنا (ما) زائدة تكون: رَحْمَةٍمجرورة بالباء، وهذا في القرآن كثير، ومنه قوله تعالى: فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ [النساء: ١٥٥] أي: فبنقضهم ميثاقهم، ومنها قوله تعالى: قَالَ عَمَّا قَلِيلٍ لَيُصْبِحُنَّ نَادِمِينَ [المؤمنون: ٤٠] أي: عن قليل.
وقوله: فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْالجار والمجرور متعلق بـ (لنت)، بالفعل في: لِنْتَ.
وقوله: وَلَوْ كُنْتَ(لو) هذه شرطية، وفعل الشرط: كُنْتَوجوابه: لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ، والباقي ليس فيه مشكل.
يقول الله عز وجل مخاطبًا نبيه صلى الله عليه وسلم ومبينًا نعمته عليه وعلى أمته، يقول: فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْأي: فبسبب رحمة الله لك ولأمتك أنك لين لهم لِنْتَ لَهُمْأي: كنت لينًا؛ لينًا في مقالك، لينًا في جلوسك، لينًا في مقابلتك، في كل أحوالك، فالرسول عليه الصلاة والسلام من أسهل الناس خلقًا وأكرمهم نزلًا، وقد قال الله عنه، وكفى به قولًا: وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ [القلم: ٤].
وقوله: فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِأسند الرحمة إلى الله عز وجل؛ لأنه المتفضل بها، ولأن إسنادها إليه يفيد عظمتها وأنها رحمة عظيمة، وقوله: لِنْتَ لَهُمْالضمير يعود على الصحابة رضي الله عنهم وعلى من بعدهم أيضًا؛ لأن التشريع الذي يقع في عهد الصحابة تشريع لهم وللأمة إلى يوم القيامة.
كونه رحمة له واضح، كونه رحمة لهم واضح أيضًا، من أجل أن يألفوه ويستأنسوا به وتتسهل معاملته إياهم؛ ولهذا كان النبيُّ عليه الصلاة والسلام لا يخيَّر بين شيئين إلا اختار أيسرهما ما لم يكن إثمًا .
قال الله عز وجل: وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَهذه عطف على قوله: لِنْتَ لَهُمْاللين يقابله الشدة، الشدة تكون في الهيئة، في القول، في القلب. قال: وَلَوْ كُنْتَ فَظًّاالفظ: الجافي الشديد في مقاله، تجده جافيًا ما يهتم بأحد، يقابل الناس يصعر خده لهم، لا يهتم بأحد، جاف على اسمه. أيضًا في قوله تجده عنيفًا شديدًا لا يلين، الغلظ هذا في القلب، تجد قلبه قاسيًا لا يرحم ولا ينزل الناس منازلهم، ولا ينظر إلى الأحوال المقترنة بالأفعال، أحيانًا تكون هناك أحوال تقترن بفعل الشخص يُعذر بفعله من أجلها، فتجد غليظ القلب -والعياذ بالله- يعامل الناس معاملة واحدة، لا ينظر إلى أحوالهم ولا ينظر إلى ظروفهم كما يقولون، وإنما تجده غليظ القلب قاسيًا لا يلين.
ومن أعظم ما يدل على ذلك ما يبدر من بعض الناس في معاملة الصغار، تجده في معاملة الصغار عنيفًا، يريد من الصغير أن يكون أدبه كأدب الكبير، وهذا لا شك أنه خطأ عظيم، وهذا من غلظ القلب، ولما رأى الأقرع بن حابس النبي صلى الله عليه وسلم يُقَبِّل الحسن أوالحسين قال: تُقبِّلون أولادكم؟! قال: «نَعَمْ». قال: إن لي عشرة من الولد ما قبَّلتهم، قال: «أَوَأَمْلِكُ لَكَ أَنْ نَزَعَ اللَّهُ الرَّحْمَةَ مِنْ قَلْبِكَ» . فالإنسان ينبغي له أن يكون رحيمًا، وأن يكون لين القلب.
قال الله تعالى: وَلَوْ كُنْتَ فَظًّاالفظ ماذا قلنا فيه؟ الجافي الشديد القول.
غليظ القلب: القاسي القلب الذي لا يلين قلبه لأي سبب من الأسباب.
يقول: لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَانفضوا أي: تفرقوا وخرجوا، ومنه قوله تعالى: وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْوًا انْفَضُّوا إِلَيْهَا [الجمعة: ١١] أي تفرقوا إليها وخرجوا.
وقوله: لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَولم يقل: منك؛ لأن مِنْ حَوْلِكَأبلغ من قوله: منك، يعني: انفضوا وبعُدوا حتى لا يقربون إلى مكان قريب منك، انْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَيعني: يبعُدون حتى عما قارب مكانك.
يقول عز وجل: فَاعْفُ عَنْهُمْهذا تفريع على قوله: فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ، فَاعْفُ عَنْهُمْإذا قصروا في حقك. والعفو هو التسامح وعدم المؤاخذة، وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْفي حق الله عز وجل إذا قصروا فيه.
فالصحابة قد يقصرون في حق الرسول عليه الصلاة والسلام، وقد يقصرون في حق الله، أما في حق الرسول فقال: اعْفُ عَنْهُمْوما أكثر ما يحصل من جفاة الأعراب أو غيرهم من الكلام المسيء إلى رسول الله عليه الصلاة والسلام، ولكنه يصبر ويتحمل ويعفو عنهم، إلى حد أن رجلًا من الأنصار قال له لما حكم له في خصومة بينه وبين الزبير بن العوّام قال له رجل من الأنصار: أنْ كان ابن عمَّتِك يا رسولَ الله؟ هذا اتهام فظيع. الزبير بن العوام أمه صفية بنت عبد المطلب عمة الرسول عليه الصلاة والسلام، فقال هذا الرجل الأنصاري -عفا الله عنه- قال: أن كان ابن عمتك يا رسول الله؟
وقال له رجل وهو يقسم فيئًا قال: إنّ هذا لقسمةٌ ما أُريدَ بها وجه الله. وقال له: اعدل . كل هذه الكلمات كان النبي عليه الصلاة والسلام يصبر ويحتسب الأجر من الله ويعفو، حتى أحيانًا يأتيه من زوجاته ما يأتيه مما يحصل من الغيرة بين النساء وهو يعفو عنهم.
قال: وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْيعني: ما أخطؤوا فيه من حق الله، يعني: اسأل الله أن يغفر لهم، كما قال تعالى: وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ [محمد: ١٩].
وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِالضمير يعود في: شَاوِرْهُمْيعني لأصحابك، شاور أصحابك في الأمر. والمشورة هي استطلاع الرأي بحيث يُعرَض الشيء على المستشار ليستطلع رأيه، ويُنظر ما رأيه فيه، و«الْمُسْتَشَارُ مُؤْتَمَنٌ»، يجب عليه أن يؤدي الأمانة على الوجه الذي يرى أنه أصلح لمستشيره.
وقوله عز وجل: فِي الْأَمْرِكلمة الأمر -أولًا- المراد بها واحد الأمور، لا واحد الأوامر؛ لأن الأوامر ما يستشير فيها أحدًا، الأوامر يأمر بها، شرْع، لكن فِي الْأَمْرِأي في الشأن، وهو مفرد محلى بـ(أل)، فهل (أل) هذه للعموم أي شاوره في كل أمر، أو هو عام أريد به الخاص، أي: شاوره في الأمر الذي يكون مشتركًا أو يشتبه عليك وجهه، أم ماذا؟
الثاني لا شك، الثاني بلا شك؛ لأنه لا يمكن أن الرسول عليه الصلاة والسلام يأمره الله بأن يشاورهم في كل شيء، إنما يشاورهم في الأمر العام المشترك، بدليل قوله تعالى: وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ [الشورى: ٣٨] أمرهم الذي يجمعهم جميعًا شورى بينهم، أما الأمر الخاص فإنه تُطْلَب الاستشارة عند اشتباه الأمر، كما فعل النبي عليه الصلاة والسلام حين استشار علي بن أبي طالب وأسامة بن زيد في شأن عائشة، لما حصلت قصة الإفك وكثر القول فيها والقيل استشار النبي عليه الصلاة والسلام أسامة بن زيد وعلي بن أبي طالب في شأنها، وغير هذا من الأمور الخاصة التي قد تشكل على الرسول عليه الصلاة والسلام فيستشير فيها.
إذن: شَاوِرْهُمْاستطلِع رأيهم، فِي الْأَمْرِأي في الأمر المشترك، أو في الأمر الخاص أيش؟ إذا اشتبه عليك الأمر؛ وذلك لأن الشورى يحصل فيها فوائد نذكرها إن شاء الله في الفوائد.
فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِإذا عزمت: أي صممت على الفعل. بعد المشورة أو قبل المشورة؟
الظاهر بعد المشورة؛ لأن الفاء تدل على أن ما بعدها مفرَّع على ما قبلها، أي: فإذا عزمت بعد الاستشارة واستطلاع الرأي فلا تعتمد على مشورتهم، اعتمد على من؟ على الله: فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ، فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِفهنا أُمِرَ بالأسباب والاعتماد على الله عز وجل. الأسباب هي المشورة، والاعتماد على الله هو التوكل عليه.
فما معنى التوكل؟ معنى التوكل: هو الاعتماد على الله عز وجل، الاعتماد على الله في جلب المنافع ودفع المضار مع الثقة بالله، وشعور النفس بأن الإنسان محتاج إلى الله عز وجل.
قال تعالى: إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَلما أمره بالتوكل بيَّن الثمرة العظيمة من هذا التوكل، وله ثمرات كثيرة، منها هذه الثمرة التي ذكر الله: إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَعلى مَن؟ عليه، إن الله يحب المتوكلين عليه.
في هذه الآية فوائد كثيرة:
أولًا: بيان رحمة الله عز وجل بنبيه صلى الله عليه وسلم وبأمته، بماذا؟
طالب: فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ.
الشيخ: بماذا الرحمة؟ ما أقول: أين الدليل؟
طالب: (...) صلى الله عليه وسلم بصحابته.
الشيخ: إي نعم، هذا محل الرحمة، لكن بماذا كانت هذه الرحمة؟
الطالب: هذه الرحمة كانت بأن الصحابة لما عصوا أمر الرسول صلى الله عليه وسلم في الغزوة غزوة أحد فأمره الله سبحانه وتعالى أن يلين لهم.
الشيخ: لا، هذا خبر بأنه لين، ما هو أمر.
طالب: توجيه الله سبحانه تعالى لرسوله حتى يرفق بأصحابه.
طالب آخر: جعل الرسول لينًا لهم.
الشيخ: صح، الرحمة من جعل الرسول صلى الله عليه وسلم لينًا لهم، بجعله لينًا لهم، هذه رحمة به وبهم.
ومن فوائدها: أنه ينبغي لمن له سيادة في قومه أن يكون لينًا؛ ليتعرض لرحمة الله عز وجل. دليل ذلك ظاهر أن الرسول هو سيد قومه بل سيد الأمة جميعًا، فألانه الله لهم.
ومن فوائد الآية الكريمة: أن اللين أولى بكثير من الفظاظة والشدة؛ لأن الله جعله من الرحمة، ولكن الفقهاء رحمهم الله لما ذكروا ما ينبغي للقاضي أن يتأدب به قالوا: ينبغي أن يكون لينًا من غير ضعف؛ لأن بعض الناس قد يكون لينًا ويكون بسبب لينه ضعيفًا، ما يكون حازمًا، وهذا نقص في اللين، لكن ينبغي أن يكون لينًا مع الحزم والقوة في مواضعها؛ لأن القوة في مواضعها حكمة، فاللين إن ضاعت به الحكمة فهو مذموم، وإن اجتمع مع الحكمة فهو محمود.
ومن فوائد هذه الآية الكريمة: بيان مضار الفظاظة والغلظة، وأن من أعظم مضارها نفور الناس عن الإنسان إذا كان فظًّا غليظًا غليظ القلب؛ لقوله تعالى لرسوله: وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَهذا مع أنهم يرجون من قربهم من الرسول عليه الصلاة والسلام ما يرجون، فكيف إذا كان الإنسان لا يُرجى منه ما يُرجى من الرسول؟ إذا كان فظًّا غليظ القلب فالظاهر أنه لا يكفي أن ينفضوا من حوله، فربما رموه بالحجارة؛ لأن الصحابة يرجون من الرسول الخير بقربهم منه، فإذا قُدِّر أنه فظ غليظ القلب ينفضون من حوله، فمن سواه من باب أولى.
ومن فوائد هذه الآية الكريمة: الإشارة إلى أنه ينبغي للإنسان أن يستعمل مع الناس كل ما يجلبهم إليه. وجهه أن الله جعل؟
طالب: جعل معهم الأسباب المؤدية للقلوب.
الشيخ: نعم أنه جعل الفظاظة والغلظة سببًا للتنفير على سبيل الذم، لا على سبيل المدح. فينبغي للإنسان أن يستعمل في معاملة الناس كل ما يقربهم إليه، بشرط ألا يضيع شيئًا من الواجبات.
ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن الإنسان قد يُعذر في الابتعاد عن أهل الخير إذا كانوا جفاة غلاظ القلوب؛ لقوله تعالى: لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَويعني بهم مَن؟ الصحابة. ويعني المنفض عنه الرسول، فإذا كان الصحابة لا يلامون على الانفضاض من الرسول لو كان فظًّا غليظ القلب فما بالك بمن دونه بمراحل، فلهذا إذا كان الإنسان فظًّا غليظًا ولم ير الناس حوله لا يلومنَّ إلا نفسه، ونحن نرى الآن أن الإنسان ربما يكون كافرًا، فإذا كان يعامل الناس باللين والرفق والبشاشة والسماحة ربما يفضلونه على مسلم فظ غليظ القلب.
ومن فوائد الآية الكريمة: أنه ينبغي للإنسان أن يعفو عن حقه في معاملة إخوانه؛ لقوله: فَاعْفُ عَنْهُمْ، ولكن هذه الآية مقيدة بما إذا كان العفو إصلاحًا، قيدها قولُه تعالى: فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ [الشورى: ٤٠]، أما إذا كان في العفو زيادة إفساد وطغيان فإن هذه مصلحة تضمنت مفسدة أعظم، مثل لو كان الجاني معروفًا بالشر والفساد، فهل الأولى أن نعفو عنه أو أن نؤاخذه بالذنب؟
الأولى أن نؤاخذه بالذنب. ولهذا ينبغي في حوادث السيارات ألا يتعجل الإنسان بالعفو عمن تسبب للحادث، بل ينظر؛ إذا كان من الرجال المتهورين الذين إذا عفونا عنه اليوم أحدث حادثًا غدًا، فهنا الأولى ألا نعفو، أما إذا علمنا أن الرجل شديد الحرص على سلامة الأنفس والأموال، ولكن هذا أمر قُدِّر ونعلم أنه سوف يتحرز غاية التحرز في المستقبل، فإن الأولى في هذا العفو، إذن فالعفو مقيد بماذا؟ بالإصلاح فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ.
وهل العفو واجب؟
ليس بواجب؛ لأن الله يقول: وَلَمَنِ انْتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ فَأُولَئِكَ مَا عَلَيْهِمْ مِنْ سَبِيلٍ [الشورى: ٤١] فمن انتصر لنفسه بعد أن ظُلِم فليس عليه سبيل، لكن الأفضل أن يعفو إذا كان في العفو إصلاح.
ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن التفريط في حق النبي عليه الصلاة والسلام قد يكون ذنبًا؛ لأن الله لما أمر نبيه بالعفو عن حقه الخاص قال: وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْوهو كذلك، فإن الرسول عليه الصلاة والسلام ليس كغيره؛ لأن له حقاًّ، حق الإسلام، وحق الرسالة، ولأنه أعظم الناس حقوقًا علينا، فالاعتداء في حقه أشد من غيره، يُكسِب الإثم؛ ولهذا قال: اعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ. اللي غير الرسول صلى الله عليه وسلم إذا عفا الإنسان عن حقه الخاص انتهى، لكن الرسول عليه الصلاة والسلام لما كان الأمر الذي يتعلق به متعلقًا بحق الله عز وجل قال: وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ. ولهذا لو سب أحد شخصًا من الناس لم يَكْفُر، ولو سب النبي صلى الله عليه وسلم كفر؛ لعظم حقه.
ومن فوائد الآية الكريمة: الأمر بالمشاورة، مشاورة المسلمين في شؤونهم، فيما يتعلق بالشؤون.
نقف على هذا وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ.
طالب: (...) بين قوله تعالى: وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِيعني أن هذا سبب للانفضاض من حول الرسول، وبين ما كان عليه الرسول صلى الله عليه وسلم من الهيبة، كانوا يهابونه الصحابة، يهابونه أن يكلموه في بعض الأمور؟
الشيخ: الهيبة هذه شيء في القلب يقع، لكن الْمَهيب ليس فيه شيء من هذا، ولهذا من صفاته أنه من رآه بداهةً هابه، ومن خالطه أحبه، فهو عليه الصلاة والسلام يُهاب إجلالًا وتعظيمًا، لا من أجل أنه هو نفسه فظ غليظ القلب.
طالب: أحسن الله إليك، أقول: أحيانًا في العفو يضطر الإنسان يا شيخ أن -أقول- يتجافى ويغض الطرف عن مسألة الإصلاح، مثل أن يكون الجاني مثلا فقيرًا، فإذا مثلًا اعتدى في حادث سيارة أو ما شابه ذلك يضطر الإنسان أنه يغض الطرف عن مسألة هل العفو سيكون فيه إصلاح أو لا؛ نظرًا لأن هذا الشخص فقير؟ فمثلًا لو قال، يعني لو قال مثلًا: سألزمه حتى يتأدب ويصلح ولا يعتدي على الناس يعني حده إلى شيء صعب جدًّا تجده فقيرًا ما يملك..
الشيخ: على كل حال ما يخالف، هو الأمر بيده، إذا رأى أن المسألة ستكون فيها ضرر عليه يعفو فيما بعد.
طالب: قول الله عز وجل: لَإِلَى اللَّهِ تُحْشَرُونَاللام للتوكيد؟
الشيخ: اللام واقعة في جواب القسم؛ لأن المحذوف هو جواب الشرط.
الطالب: العفو المراد به في الآية هنا فَاعْفُ عَنْهُمْفإن الله (...) أمر (...) العفو المطلق؟
الشيخ: ما ذكرنا نحن أن من انتصر لنفسه فليس عليه سبيل؟
الطالب: يعني يكون في الآية واجبًا؟
الشيخ: لا، ليس بواجب.
الطالب: في قوله تعالى: فَاعْفُ عَنْهُمْ.
الشيخ: إي نعم، ليس بواجب.
الطالب: (...).
الشيخ: اللي صرفه هو كما قلنا الآية الثانية: فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ (٤٠) وَلَمَنِ انْتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ فَأُولَئِكَ مَا عَلَيْهِمْ مِنْ سَبِيلٍ [الشورى: ٤٠، ٤١].
طالب: أولًا: ما معنى تفسير (...). ثانيًا: ما معنى تفريع في قوله: فَاعْفُ عَنْهُمْ؟ تفريع (...)؟
الشيخ: التفريع معناه أنه فلكونك لينًا اعف عنهم.
طالب: فيه بعض أفراد الناس يستشيرون مثلًا أحد القضاة في بيته أو أحد العلماء بفعل فعله يوجب الحد، هل إقرار هذا يوجب للقاضي مثلا أن يقيم عليه الحد؟
الشيخ: لا، ما ينبغي.
الطالب: السبب؟
الشيخ: السبب أنه ما هو بمجلس حكم، جاء يستشيره يقول: إنه فعل ذنبًا فماذا أصنع؟ يقول: تب إلى الله واستغفره.
طالب: بالنسبة للموت والقتل في الآية الثانية ما هو غير الموت والقتل في الآية الأولى؟
الشيخ: كيف؟
الطالب: الموت والقتل في الآية الثانية مختلف عن الأولى؟
الشيخ: في الثانية أعم؛ لأنه لم يقيده في سبيل الله.
الطالب: الخطاب في السياقين، يكون الخطابين للمؤمنين وغيرهم.
الشيخ: إي نعم يمكن، مع أنه كما قلنا لكم: إن الظاهر أن الخطاب للمؤمنين وأنهم إذا حشروا إلى الله فالله مولاهم، وكما قال تعالى: وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ [البقرة: ٢٢٣].
طالب: الدعاة إلى البدعة هل الحكمة دعوتهم باللين أم بالغلظة؟
الشيخ: إذا أمكن دعوتهم باللين فهو أولى، لكن إذا أصروا واستكبروا استكبارًا فحينئذ نعاملهم بما يستحقون، ولكن ليس الأمر إلينا، يعني مثلًا لو قال: أنا أريد أن أضرب هذا المبتدع، نعم، أو أرجمه بالحجارة، أو أغلق عليه بيته، نقول: هذا ليس إليك.