تفسير سورة آل عمران - 50
عدد الزيارات 1826

عناصر المادة :
تفسير الآية (160)
تفسير الآية (161)

مع أننا كما قلنا لكم: إن الظاهر من خطاب المؤمنين وأنه يحث إلى الله، فالله مولاهم وكما قال تعالى: وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ [البقرة: ٢٢٣].
طالب: أحسنت -أحسن الله إليك- يا شيخ، الدعاة إلى البدعة، هل الحكمة دعوتهم باللين أم بالغلظة؟
الشيخ: إذا أمكن دعوتهم باللين فهو أولى، لكن إذا أصروا واستكبروا استكبارًا فحينئذ نعاملهم بما يستحقون، ولكن ليس الأمر إلينا، يعنى مثلًا لو قال: أنا أريد أن أضرب هذا المبتدع أو أرجمه بالحجارة أو أغلق عليه بيته. نقول: هذا ليس إليك.
طالب: الغلظة والشدة مثل العفو تُقَيَّد بالمصلحة؟
الشيخ: لا، بالنسبة للمؤمنين لا، عامة. لكن الكفار الأولى الغلظة عليهم: يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ [التوبة: ٧٣].
طالب: الغلظة والشدة لا تقيد بمصلحة بالنسبة للمؤمنين إطلاقًا؟
الشيخ: ما تقيد.
طالب: حتى لو اقترف الذنب مثلًا؟
الشيخ: إي، لو اقترف، لكن ينبغي لك عند اقترافه الذنب إذا وجب إقامة الحد عليه مثلًا أن تنوي بذلك إصلاحه، لا أن تنوي الانتقام منه.
طالب: شيخ، إذا كان للإنسان صديق جاف فهجر، ما يفهم قول الرسول صلى الله عليه وسلم «لَا يَحَلُّ لِمُسْلِمٍ أَنْ يَهْجُرَ أَخَاهُ فَوْقَ ثَلَاثٍ» .
الشيخ: إلا، يأثم.
طالب: (...) إن الإنسان قد يعذر بالابتعاد عن أهل الخير إذا كانوا (...).
الشيخ: إي، لكن تدري ما هو الهجر؟ الهجر معناه أن تمر به ولا تسلم عليه، أما أن تبتعد عنه ولا تقرب حوله هذا ما هو هجر، وإلا كان معناه اللازم أن ندور الناس في بيوتهم الآن ندورهم (...).
طالب: بالنسبة لهذا المبتدع يحق لنا أن نبين بدعته بشخصه؟
الشيخ: معلوم.
الطالب: بشخصه؟
الشيخ: إي نعم، إذا اقتضت الحال هذا، إذا عرفنا هذا الرجل يتجمع الناس عليه لا بد أن نَذْكُرَه بشخصه، كيف ننفر الناس عنه إلا بهذا؟
طالب: شيخ، قلت لنا: إن من الفوائد جواز التفضيل بين شيئين بينهما بعد (...) مع أن البيت هذا حقائق.

أَلَمْ تَرَ أَنَّ السَّيْفَ يَنْقُصُ قَدْرُهُ إِذَا قِيلَ إِنَّ السَّيْفَ أَمْضَى مِنَ الْعَصَا

يعني البيت هذا معناه خاطئ؟
الشيخ: لا، ما هو معناه خاطئ، لكن تقول: هل هذا خير أو كذا؟
أما هذا هو الصحيح؛ إنك إذا قلت: السيف أمضى من العصا، الناس ما يمكن يطرأ على بالهم أن السيف والعصا سواء؛ لأن هذا تحصيل حاصل، السيف أمضى من العصا تحصيل حاصل؛ واللي ما يعرف السيف يظن أنهما سواء.
طالب: قوله تعالى: فَاعْفُ عَنْهُمْ [آل عمران: ١٥٩] قلنا: إنه في حق النبي صلى الله عليه وسلم هل يؤخذ منه يا شيخ أن من سب النبي (...)؟
الشيخ: لا، قلنا: وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ [آل عمران: ١٥٩] اللي غير الرسول نقول: اعف عنه، ولا نحتاج أن نستغفر له. لكن سب الرسول عليه الصلاة والسلام حقه يتعلق به حقان؛ حقه الشخصي وحق الله عز وجل.
الطالب: يؤخذ من هذه الآية أنه لا بد أن يقتل؛ لأن الرسول ما يمكن أن يعفو عنه؟
الشيخ: هذه هو الصحيح، الصحيح أن سابَّ الرسول صلى الله عليه وسلم تصح توبته ويقتل، وأن ساب الله تصح توبته ولا يقتل.
طالب: هل يؤخذ من هذه الآية يا شيخ؟
الشيخ: ما هو.. يعني بعيد شوي.
طالب: الفرق بين (متم) و(قتلتم)؟
الشيخ: القتل بفعل آدمي، والموت أعم، لكن إذا ذكر القتل والموت؛ معناه: الموت: بلا قاتل، والقتل: بفعل الآدمي.
طالب: الكافر إذا سب الرسول عليه الصلاة والسلام؟
الشيخ: إذا سب الرسول وأسلم يقتل.
طالب: ولو ما أسلم؟
الشيخ: ولو ما أسلم، ولو لم يسلم، حتى لو سب الله يقتل؛ ولهذا قال العلماء: لو أن الذمي اللى بيننا وبينه عهد سب الله انتقض عهده وحل دمه وماله.
طالب:(...)
الشيخ: لا، بس الأمر ليس إلينا لكن يجب على ولاة الأمور أن يقتلوه.

***

طالب: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ (159) إِنْ يَنْصُرْكُمُ اللَّهُ فَلَا غَالِبَ لَكُمْ وَإِنْ يَخْذُلْكُمْ فَمَنْ ذَا الَّذِي يَنْصُرُكُمْ مِنْ بَعْدِهِ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ (160) وَمَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلَّ وَمَنْ يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ [آل عمران: ١٥٩ - ١٦١].
الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله تبارك وتعالى: وَلَئِنْ قُتِلْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوْ مُتُّمْ لَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَحْمَةٌ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ [آل عمران: ١٥٧] هذه الآية فيها قسم وشرط، فما الذي وُجِد من جوابهما؟ أجواب القسم أم جواب الشرط في الآية؟
طالب: جواب الشرط.
الشيخ: ناظر يا أخي.
الطالب: جواب القسم.
الشيخ: ما الذي أعلمك أنه جواب القسم؟
طالب: قول الناظم.
الشيخ: لا، ما قول الناظم، الناظم ما حضر درسنا، لا، ما الذي أعلمك الآن من الآية؟
طالب: (...) خَيْرٌيا شيخ.
الشيخ: خَيْرٌجواب.
الطالب: لا أَوْ مُتُّمْ لَمَغْفِرَةٌلَمَغْفِرَةٌ.
الشيخ: لَمَغْفِرَةٌما الذي أعلمك أن هذا جواب قسم لا جواب شرط؟
طالب: (...) القاعدة يا شيخ.
الشيخ: لا، قلت: هذه ينطبق عليه وفي علامة على أنه جواب القسم لا جواب الشرط.
الطالب: اللام.
الشيخ: اللام، ولو كان جواب شرط لكان بالفاء؛ لأن جواب الشرط إذا كان جملة اسمية يقرن بالفاء وجواب القسم باللام، واضح؟
من يحفظ لنا بيت ابن مالك في هذه القاعدة؟
طالب: وَاحْذِفْ لَدَى اجْتِمَاعِ شَرْطٍ أو قَسَمٍ.
الشيخ: لا، يا أخي؛ لأن (أو قسم) معناه أن كل واحد بحاله، لكن (وقسم) اجتماع هذا وهذا، يختلف المعنى اختلافًا ظاهرًا.
طالب:
وَاحْذِفْ لَدَى اجْتِمَاعِ شَرْطٍ وَقَسَمٍ جَوَابَ مَا أَخَّرْتَ فَهْوَ مُلْتَزَمٌ

الشيخ: تمام، صح، طيب في الآية الأولى يقول الله عز وجل: وَلَئِنْ قُتِلْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِوفي الثانية قال: وَلَئِنْ مُتُّمْ أَوْ قُتِلْتُمْ [آل عمران: ١٥٨] فما هو السبب؟
طالب: قراءتان.
الشيخ: لا لا ما أريد الكسر والضم بالميم، أريد: قدم القتل في الأولى والموت في الثانية؟
طالب: الثانية -يا شيخ- أعم من الأولى.
الشيخ: الثانية أعم؛ تشمل من مات في سبيل الله أو غير، والثانية مَنْ قُتِلَ في سبيل الله، فقدم القتل في سبيل الله؛ لأن القتل في سبيل الله أكثر من الموت، المجاهدون يموتون بالقتل أكثر مما يموتون بالموت، أليس كذلك؟ بخلاف الثانية.
في قوله: لَإِلَى اللَّهِ تُحْشَرُونَاستشكل بعض الطلبة: لَإِلَى اللَّهِ تُحْشَرُونَويش معناها؟ والجواب؟
طالب: حصر إِلَى اللَّهَ، يعني: مرجعكم.
الشيخ: لكن تركيب الآية لولا هذا، ويش التقدير؟
طالب: يعني: تحشرون إلى الله.
الشيخ: إي، تحشرون إلى الله لكنه قدم الجار والمجرور لإفادة الحصر.
قوله تعالى: فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْالأخ (الباء)؟
الطالب: الباء حرف جر.
الشيخ: و(ما)؟
طالب: و(ما) زائدة إعرابًا.
الشيخ: زائدة إعرابًا، ما فائدتها معنى؟
طالب: فائدتها التوكيد.
الشيخ: التوكيد، أحسنت.
العامل (الباء) هل تسلط على (ما) أو على ما بعدها؟
طالب: على ما بعدها.
الشيخ: على ما بعدها؟
الطالب: نعم.
الشيخ: تمام، صح.
أين متعلق فَبِمَا رَحْمَةٍ؟
طالب: لِنْتَ لَهُمْ.
الشيخ: الفعل: لِنْتَ، والخطاب لمن؟
طالب: للرسول صلى الله عليه وسلم.
الشيخ: للرسول. قال الله تعالى: فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْاعف عنهم بالنسبة لأيش؟
طالب: بالنسبة للنبي صلى الله عليه وسلم.
الشيخ: بالنسبة للنبي، كل الخطاب للرسول في هذا وهذا.
طالب: فَاعْفُ عَنْهُمْفي حقك، وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْفي حق الله.
الشيخ: أحسنت. ألا يمكن أن يشمل: اسْتَغْفِرْ لَهُمْفي حق الله وحقك أيضًا؟
الطالب: نعم.
الشيخ: يشمل؛ لأن الإساءة إلى الرسول الله صلى الله عليه وسلم معصية لله غير الإساءة إلى غيره من الناس، الإساءة إلى غيره من الناس حق محض للإنسان إذا سمح سقط.
قوله: وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِما المراد بالأمر؟
الطالب: المراد واحد الأمور، المقصود به الأمر العام الذي يهم المسلمين، أو خاص الذي يستشكل على النبي صلى الله عليه وسلم.
الشيخ: هل لك أن تعطينا مثالًا على أمر خاص استشار فيه الرسول عليه الصلاة والسلام؟
طالب: نعم، في حادث الإفك، استشار النبي صلى الله عليه وسلم أسامة بن زيد وعلي بن أبي طالب فيما يقول الناس.
الشيخ: في شأن عائشة. تمام. فيه استشارة في غير هذه استشار فيها أصحابه؟
طالب: استشار النبي عليه الصلاة والسلام خاصة؟
الشيخ: عامة.
طالب: عامة، استشارتهم في حفر الخندق لما أشار عليه بعض الصحابة بحفرالخندق.
الشيخ: من هو؟
الطالب: أشار عليه الصحابي سلمان الفارسي.
الشيخ: سلمان الفارسي، فيه أيضًا استشار الرسول في الخندق هل يعطي الأحزاب من تمر المدينة لينصرفوا، ولكن السعدين: سعد بن معاذ وسعد بن عبادة منعا ذلك؛ قالا: ما يمكن، على كل حال أمثلة كثيرة.
طالب: فيه استشارة أخرى أيضًا.
الشيخ: إيش؟
طالب: يوم الحديبية.
الشيخ: فيه أمثلة كثيرة. قوله: إِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِما الفائدة من هذه الجملة؟
طالب: قوله -يا شيخ- إِذَا عَزَمْتَأي: بعد المشورة فتوكل على الله، أي: بعد فعل الأسباب فتوكل على الله.
الشيخ: يعني: لا تعتمد على مشورتهم، وتظن أن مشورتهم يكون بها النصر.
أظن ما زلنا في الفوائد.
طالب: الأمر بالمشورة وقفنا عليه.
الشيخ: فوائد الشورى؛ قال الله عز وجل: فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِما الذي ذكرنا من فوائد: فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ؟
طالب: (...)
طالب: فيه ثلاثة فوائد أو أربعة.
الشيخ: ما هي؟
طالب: الإنسان يعفو عن حقه في معاملة إخوانه؛ لقوله: فَاعْفُ عَنْهُمْ.
والثانية: أن التفريط في حق النبي صلى الله عليه وسلم قد يكون ذنبًا؛ لأن الله لما أمر نبيه بالعفو عن حقه الخاص قال: وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ.
والثالثة: الأمر بالمشورة في شؤونه.
الشيخ: قد يكون ذنبًا يتعلق بحق الله.
من فوائد الآية الكريمة: الأمر بالشورى؛ لقوله: وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِوهذا الأمر قد يكون للوجوب وقد يكون للاستحباب حسب الأمر المشاوَر فيه وحسب الإشكال الواقع فيه؛ فالأمور الكبيرة -مع الإشكال الكبير- تكون المشاورة فيها واجبة، والأمور الصغيرة أو مع الإشكال اليسير تكون مشورة مستحبة.
فإذن الأمر هنا: شَاوِرْهُمْمشترك بين الوجوب والاستحباب حسب ما تقتضي الحال، والحكمة من الأمر بالمشاورة تتبين بفوائد المشاورة، فللمشاورة فوائد نعدها وإياكم، أنا أجيب وأنتم جيبوا أيضًا.
من فوائدها: ألا يستبد الرئيس أو ولي الأمر برأيه؛ هذه فائدة مهمة جدًّا.
ومن فائدتها: تعويد الأمة على النظر في شؤونهم حتى يتمرنوا ويمارسوا هذا الأمر.
ومن فوائدها: التواضع، ممن؟ ممن شَاوَر؛ لا شك أنه إذا شاور فهو متواضع.
ومن فوائدها: تنشيط الأمة، حيث ترى أنه يرجع إليها في الرأي، فتنشط وتعمل ما فيه الخير العام، بخلاف ما إذا استبد ولي الأمر في رأيه فإنه وإن كان صوابًا ربما تشمئز النفوس منه؛ فيقولون مثلا: لم يرجع إلينا، لم يشاورنا في هذا الأمر الكبير، وما أشبه ذلك.
ومن فوائدها أيضًا: أنه إذا اجتمعت الآراء مع حسن النية فإن الغالب أن الله يوفقهم للصواب، إذا اجتمعت الآراء مع حسن النية فإن الله يوفقهم للصواب.
ومن فوائدها: أن الإنسان ربما يرى في هذا الأمر مصلحة ويفوته ما يترتب عليه من مفسدة لا سيما إذا كان له هوى، فإن الهوى كما قيل: يعمي ويصم، أحيانًا يكون للإنسان هوًى فيرى المصلحة ولا يرى المفسدة في الشيء، فإذا حصل التشاور تبينت المصالح من المفاسد.
ومن فوائد المشورة: أن الأمة إذا اجتمعت على رأيها لم يكن للناس اعتراض، ومعلوم أن الذي يُشاوَر هم أهل الأمانة وأهل الحل والعقد والمعرفة، فإن ولي الأمر إذا أشكلت عليه مسألة شرعية فمن يشاوَر؟ علماء الشرع، أشكلت عليه مسألة سياسية يشاور علماء السياسة، أشكلت عليه مسألة اجتماعية يشاور علماء الاجتماع، أشكلت عليه مسألة جيولوجية يشاور علماء الجيولوجيا، مسألة طبية يشاور علماء الطب، ليس معناه أنه يجعل مستشارين دائمًا، قد يكونون في بعض المواضع أجهل من الحمير، لا، إنما يجعل المستشارين لكل حال ما يناسبها؛ لأن من شرط الاستشارة أن يكون المستشار ذا رأي، ذا رأي سديد وأمانة.
ومعلوم أنك لو استشرت عالمًا من العلماء في الشرع من أحسن العلماء في مسألة طبية، ماذا يقول؟ ما يقدر يقول شيئًا.
يقال: إن رجلًا جاء إلى شخص يدعي الطب فقال له: إني أحتاج إلى عملية، عملية في فتق، تعرفون الفتق؟ الفتق في البطن يعني ينشق البطن وتطلع الأمعاء، فقال له هذا الطبيب المتطبب: أنا أعرف أشق البطن، ولكن ما أعرف أخيطه. قال له: يا أخي هذا الذئب يعرف يشق البطن ولا يعرف يخيطه.
أقول: بعض الناس يمكن يدخل نفسه في أشياء لا يعرفها، وهذا خطأ، الواجب أن الإنسان يعرف نفسه، إذا سئل عن شيء ليس من اختصاصه يقول: هذا ليس إلي.
فمثلًا لو جاء يستشير ولي الأمر جاء يستشير عالمًا من علماء الشرع في مسألة طبية ما يصلح هذا، لكن جاء يستشير عالم في الجيولوجيا في مسألة اجتماعية يصلح؟
طلبة: ما يصلح.
الشيخ: لماذا؟ ليس من اختصاصه. إذن الاستشارة تكون في كل إنسان بحسبه، بما يناسبه؛ لأن المستشار مؤتمن.
من فوائد الشورى أيضًا: أنه إذا أخطأ الإمام أو ولي الأمر لم يُنْسَب الخطأ له، ينسب إلى من؟ إلى المستشارين؛ ولهذا يقول بعضهم في المشورة، يقول: إن الشورى سِتْرٌ لعيبك؛ إذا أخطأت قالوا: هذا من المستشارين، وإن أصبت مدحوني أنا وإياهم.
فيه فوائد أيضًا؟
الطالب: لله ورسوله.
الشيخ: أحسنت، أنها طاعة لله ورسوله؛ لأن الله أمر بها.
طالب: شيخ، فيها وجوب التشاور؛ لقوله: وَشَاوِرْهُمْ.
الشيخ: لا لا، دعني من حكمها نحن نتكلم عن فوائدها الآن.
طالب: أنها ربما تكون أدعى للنصح من قبل العلماء للأئمة؛ لأنه إذا علم أنه سيؤخذ بقوله ويعمل به.
الشيخ: ما قلناها؟ ذكرناها.
طالب: شيخ، تعويد الأمة على تحمل المسؤولية.
الشيخ: ذكرناها، جزاك الله خيرًا.
طالب: (...) أعداء الإسلام إذا رأوا المسلمين قد اجتمعوا على رأي واحد.
الشيخ: أحسنت، إغاظة أعداء الإسلام، إذا رأوا أن المسلمين يجتمعون على رأي واحد ويتفرقون عليه لا شك أن هذا يغيظهم.
طالب: اجتماع الكلمة، ووحدة الكلمة واجتماع الأمة.
الشيخ: ذكرنا معناها.
طالب: (...) خواطر المستشارين.
الشيخ: ذكرناها.
طالب: تحقيق الألفة والتماسك بين المؤمنين.
الشيخ: ذكرناها أو قريبا منها.
طالب: عظم الأمر المستشار فيه والاهتمام بشأنه.
الشيخ: هذا ما يدخل في فوائد الشورى، هذا موضوع الشورى أنها في الأمور العظيمة..
طالب: أنها سبب لجلب المودة والمحبة بين ولاة الأمر والرعية.
الشيخ: يعني: سبب لجلب المودة والمحبة أو تسبب الإلفة.
طالب: واحدة.
الشيخ: اختلاف تعبير يا أخي، هذا اختلاف تعبير.
طالب: صلة بين القائد والجنود.
الشيخ: (...) اختلاف تعبير يا جماعة.
الطالب: تأييد الله عز وجل لهم، لأن يد الله مع الجماعة.
الشيخ: ذكرناها.
طالب: المستشير قد يستفيد من المستشارين أمورًا لا يعلمها.
الشيخ: ذكرنا معناها تقريبًا.
طالب: أنها من صفات المؤمنين، عندما قال الله عز وجل وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ [الشورى: ٣٨].
الشيخ: طيب، هذا لا بأس، أن هذا من صفات المؤمنين.
طالب: القضاء على الخلاف.
الشيخ:ذكرنا معناها، الائتلاف هو القضاء على الخلاف.
طالب: تعدد البدائل(...).
الشيخ: ذكرنها؛ لأن كل واحد بيجيب رأي يتفقون على واحد الظاهر أنه انتهى ما عندكم إلا التكرار.
طالب: إظهار (...) الإنسان في التفكير، لا يصيب في كل مرة.
الشيخ: ما ذكرنا هذه؟
طلبة: ذكرناها.
الشيخ: الظاهر ذكرناها في أول شيء أن الإنسان يعرف قدر نفسه فيستشير. الظاهر أن نقف على هذا، هذا آخر واحد.
طالب: تقوية عزيمة المستشير.
الشيخ: نشوف هذا؛ هل تنطبق على ما سبق؟
تقوية عزيمة المستشير؛ بأنه إذا شاف هؤلاء قد وافقوه مثلًا تقوى عزيمته، فيكون هذا أدعى للقطع بالحكم ما يتردد، ربما لو صدَّره من تلقاء نفسه ربما يتردد أو يخشى أن أحدًا يعترض؛ فإذا كان باجتماع الشورى يعزم. من يقول: ذكرناها؟
طالب: ذكرناها؛ تنشيط عزيمة.
الشيخ: تنشيط إيه.
طالب: بالنسبة للأمة.
الشيخ: وولى الأمر ليس من الأمة؟
طالب: سماحة الشريعة والإسلام.
الشيخ: كيف؟
الطالب: تؤدي إلى اجتماع الأمة.
الشيخ: يعني: كمال الشريعة الإسلامية؟ ويش رأيكم؟ صحيح؟ وبالكمال يكون الكمال.
طيب السؤال الآن: هل الشورى واجبة أو لا؟
ذكرنا قبل قليل: إنها إما واجبة وإما مستحبة؛ في الأمور العظام يجب أن تكون، أو فيما إذا كبر الإشكال فهنا يجب أن يكون لا سيما إذا تعلقت بحق الغير.
أما إذا لم يكن كذلك فلا، ولهذا ذكر الله عز وجل حتى فطام الطفل: فَإِنْ أَرَادَا فِصَالًا عَنْ تَرَاضٍ مِنْهُمَا وَتَشَاوُرٍ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا [البقرة: ٢٣٣] فالأمور الهامة المتعلقة بالغير يستشار فيها.
ولكن هل معنى هذا أن النبي عليه الصلاة والسلام يُكوِّن مجلسًا للشورى يرجع إليهم؟ لا، شاورهم عند وجود سبب الاستشارة، لا أن يُكَوَّن مجلس يرجع إليه؛ لأنه إذا كُوِّنَ مجلس يرجع إليه ربما يبقى المجلس هذا دائمًا مع تغير أحوال أهله، ومع وجود أناس جدد خير منهم.
فإذا قلنا: إن ولي الأمر إذا نزلت به نازلة حينئذ يستشير من يرى أنه أهل للمشورة، يبقى ولي الأمر تتجدد له الرجال الذين يستشيرهم، ولا يبقى المجلس الاستشاري هذا يبقى رافعًا رأسه وإليه يرجع الأمر، ولا شك أن هذا هو طريق النبي عليه الصلاة والسلام، لكنه قد يكون لولي الأمر أصحاب خاصون يستشيرهم في الأمور، مثل أبي بكر وعمر كان النبي صلى الله عليه وسلم يرجع إلى رأيهما دائمًا ويستشيرهما، ويرى أن في رأيهما السداد والرشد، ولكن ليس في كل شيء، ليس في كل شيء يرجع إليهما، أحيانًا يستشير بقية الصحابة عمومًا.
المسألة الثانية قوله: وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِهل إذا صدر من المستشارين أمر هل هو ملزم أو كاشف للرأي؟
كاشف للرأي وليس بملزم؛ لأنه لو كان ملزمًا لكان الحكم بأيدي جماعة، والحكم بأيدي واحد، ولكن يجب على المستشير يجب أن يتبع ما يرى أنه أصلح، ولا يجوز أن ينتصر لرأيه لأنه رأيه، بل الواجب عليه لحق الله ولحق من ولاهم الله عليه أن يتبع ما هو أصلح حتى لو خالفوه والأصلح في رأيهم يجب عليه أن يتبعه، لكنه ليس بملزم، ليس بملزم بمعنى أننا لا نقول: إن هؤلاء لهم سلطة على الحاكم، لا، الحاكم له السلطة؛ ولهذا قال هنا: فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ، ولم يقل: فإذا أشاورا عليك فخذ به؛ إِذَا عَزَمْتَوهو قد يعزم على ما أشاروا به وقد يعزم على غيره.
من فوائد هذه الآية الكريمة: أنه يجب على الإنسان أن يكون اعتماده على الله عز وجل مع فعل الأسباب؛ لقوله: فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ.
ومن فوائد الآية الكريمة: أن النبي صلى الله عليه وسلم يعتريه ما يعتري البشر من التردد في الأمور؛ ووجه الدلالة أولًا في قوله: شَاوِرْهُمْ، وثانيًا في قوله: فَإِذَا عَزَمْتَفإن العزيمة قد يسبقها تردد كما هو الواقع.
ومن فوائد الآية الكريمة: أنه ينبغي للإنسان إذا عزم على الأمر أن لا يتردد؛ لأن التردد يحير الإنسان ويوقعه في القلق؛ ولهذا قال الشاعر:
إِذَا كُنْتَ ذَا رَأْيٍ فَكُنْ ذَا عَزِيمَةٍ فَإِنَّ فَسَادَ الرَّأْيِ أَنْ تَتَرَدَّدَا

وكثير من الناس يرى المصلحة في شيء ويعزم عليه ثم يتردد، فيكون مذبذبًا أحيانًا كذا وأحيانًا كذا.
ويؤثر عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه كلمة نافعة جدًّا وهي قوله: مَنْ بُورِكَ لَهُ فِي شَيْءٍ فَلْيَلْزَمْهُ كلمة عجيبة لو توزن بالذهب لوزنته، من بورك له في شيء فليلزمه؛ يعني إذا عمل الإنسان عملًا ورأى فيه البركة والثمرة فليلزمه.
ولنضرب لهذا مثلًا بحال طالب العلم؛ طالب العلم مثلًا شرع في كتاب دراسةً أو مراجعةً ووجد فيه خيرًا، وجد أنه يستفيد ينتفع، ماذا نقول له؟ الزم هذا، لا تقول: والله هذا كتاب مختصر قليل (...).
واحد طالب (...) وشاف فيه بركة وانتفع به، قال: ما يكفي هذا أبغى أطالع الإنصاف، ما يكفي أبغى أطالع المغني ما يكفي، أبغى أطالع المجموع ما يكفي، دور الفنون لابن عقيل؛ هذا ما يصلح له، إذا بارك الله في شيء فالزمه حتى لا يضيع عليك الوقت.
وهنا مسألة أيضًا ترد علي ويمكن عليكم؛ مثلًا يريد الإنسان أن يطالع مسألة في الفتاوى لشيخ الإسلام ابن تيمية، يراجع الفهرس علشان يقع عليها، ثم يلاحظ مسألة ثانية يروح (...)، يضيع عليه الوقت، يروح (...) الأصل اللي هو قاصد يروح، ربما يرجع بعدين يدور تعرض له مسألة ثانية ويقول: خلي نشوفه، ثم يضيع عليه الوقت.
ولهذا كان من حكمة الرسول عليه الصلاة والسلام أن يبدأ بالشيء الذي يريد؛ لما دعاه عتبان بن مالك رضي الله عنه ليصلي في مكان في بيته يتخذه مصلى، خرج النبي عليه الصلاة والسلام إليه ومعه بعض أصحابه، فلما دخل البيت قال: يا رسول الله قد صنعت لكم طعامًا قال: «أَرِنِي الْمَكَانَ الَّذِي تُرِيدُ أَنْ أُصَلِّيَ فِيهِ» قبل الطعام؛ لماذا؟ لأنه جاي لهذا الغرض.
ابدأ بالغرض الذي أنت أتيت إليه؛ فهذه مسألة ينبغي للإنسان أنه يجعلها على باله في تصرفاته في العلم، وحتى في الدنيا أيضًا؛ مثلا بعض الناس التجار يتعامل بالبز؛ تعرفون البز؟ القماش، ثم يسمع أن فيه واحد من الناس اشترى أرضًا وباعها وكسب فيها، قال: خلاص بطلنا نروح للأراضي؛ ثم يسمع أن واحد كسب بالسيارات، يقول: بطلنا ثم تضيع عليه الأمور، لا، فإذا كان قد وجد بركة في التجارة الأولى يستمر عليها لا يعود نفسه الانتقالات اللي ما فيها فائدة؛ هذه نأخذها من قوله: إِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِإذا كنت ذا عزيمة اعتمد على عزيمتك.
من فوائد الآية الكريمة: إثبات المحبة لله عز وجل، أن الله يحب؛ وهل محبة الله حقيقية؟ نعم، حقيقية.
لأن لدى أهل السنة والجماعة قاعدة أن كل ما وصف الله به نفسه فهو حقيقة، كل ما وصف الله به نفسه فهو حقيقة، لكن مذهبهم مبرأ من التمثيل والتكييف.
طيب، والتحريف والتعطيل؟ يكفي عنه أن نقول: إنه حقيقة؛ يعني إذا قلنا: إنه حقيقة معناه مبرأ من التحريف والتعطيل، يبقى التمثيل والتكييف أيضًا يتبرؤون من التكييف والتمثيل، لا يمثلون صفات الله بصفات خلقه ولا يكيفونه، فما هي محبة الله؟ أو ما هي المحبة مطلقًا؟
المحبة هي المحبة، لا يمكن أن تُعَرِّفَ المحبة بأوضح من لفظها؛ لأنا كما قلنا فيما سبق إيش؟ الانفعالات النفسية لا يمكن تحديدها بغير ألفاظها أبدًا، لو قال لك واحد: ويش معنى البغض؟ الكراهة، ويش معنى الكراهة؟ البغض. ويش معنى..؟ هذه ما يمكن تحديدها إلا بآثارها يمكن.
إذن من فوائد هذه الآية: إثبات المحبة لله؛ أي صفة المحبة.
وعلماء القبلة الذين ينتسبون للإسلام اختلفوا فيها على ثلاثة أقوال:
القول الأول: نفي حقيقتها عن الله وعن المخلوق؛ فيقولون: إن الله لا يحِب ولا يحَب -أعوذ بالله- لا يحِب ولا يحَب؛ عِلَّتهم: أن المحبة إنما تكون بين شيئين من جنس واحد، ومعلوم الفرق بين الخالق والمخلوق.
قول ثان: يقولون: إن الله يُحَب ولا يحِب.
والقول الثالث: إن الله يُحِب ويُحَب؛ قال الله عز وجل: فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ [المائدة: ٥٤] وفي القرآن الكريم كثير من الأوصاف علق الله بها المحبة: إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ [التوبة: ٤] إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ [البقرة: ٢٢٢] أمثلة كثيرة.
نحن نرى أن المحبة صفة حقيقية ثابتة لله، وأن من آثارها إيش؟ الثواب والرضى وغير ذلك مما يترتب عليه.
الذين ينكرونها يقولون: المراد بمحبة الله: الثواب، فيقول مثلًا: يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ [آل عمران: ١٥٩] يعني: يثيب المتوكلين. هذا خطأ.
من فوائد الآية الكريمة: فضيلة التوكل؛ ووجهه: أن الله علق المحبة عليه، وهذا يدل على فضيلته وعلى الحث عليه.
فإن قال قائل: هل التوكل خاص بالله؟
فالجواب: أما توكل العبادة الذي يعتمد الإنسان فيه على ربه، ويفوض الأمر إليه فهذا خاص بالله.
وأما توكل الاستنابة بمعنى أن الإنسان يُنِيب غيره عنه في شيء من الأشياء فهذا جائز.
والفرق بينهما ظاهر؛ الأول: التوكل على الله يقطع الإنسان العلائق مما سوى الله عز وجل حتى من نفسه، يفوض الأمر إلى الله تفويضًا كاملًا، لكن الاستنابة يرى أنه فوق الوكيل، ولا لا؟ أنا وكلت إنسانًا يشتري لي حاجة، أنا متوكل عليه أو غير متوكل؟ متوكل عليه، ولكن هل توكلي عليه كتوكلي على الله؟ أبدًا؛ لأن توكلي على الله تفويض إلى الله تفويضًا مطلقًا، وأعتقد أنه هو حسبي، لكن هذا الرجل توكلي عليه على أنه نائب عني لا على أني طريح بين يديه مفوض الأمر إليه، على أنه نائب عني، أستطيع أن أعزله أو لا؟ أستطيع أن أعزله، أستطيع أن أوبخه إذا خالف مرادي، ولا لا؟ أستطيع أن أحسبه إذا تسبب علي بضرر، بخلاف التوكل على الله.
الطالب: شيخ -أحسن الله إليك- ذكرنا أن ولي الأمر يستشير علماء الشرع في أمور الشرع، وعلماء السياسة في السياسة، والطب في الطب، وكذلك.
أقول: أحسن الله إليك، انفصال الطب والجيولوجيا وما شابهها عن علم الشرع واضح ما فيه إشكال، لكن كيف تفصل السياسة عن الشرع؟ مع أنها -أحسن الله إليك- الشرع جاء بالسياسة والشرع معًا لا سيما في هذا الزمان الذي لا يمكن أن يفصل بينهما أبدًا، هذا على أننا نرى اليوم أن أمور السياسة تسند إلى أناس فيهم ما فيه، فكيف أحسن الله إليك نميز هذا التمييز وفيه..؟
الشيخ: أقول لك: إن الشريعة سياسة، أتدري ما معنى السياسة؟ أصلها من (سَاسَ يَسُوسُ)، والسائس هو الذي يدبر الحيوان، كسائس الفيلة مثلًا، سائس الظباء، سائس الغنم، كل الشريعة سياسة، لكن هناك مسائل تخفى على علماء الشرع ما يعرفونها وهي سياسة شرعية، لكن لا يعرفونها؛ فمثلًا إذا أراد ولي الأمر أن ينصب مثلًا مفوضًا له، وهو ما يسمى بالسفير في بلد ما، لا بد أن يسأل أصحاب السياسة هل هذا البلد ممكن أن ننصب فيه فلانًا أو فلانًا أو فلانًا أو ما أشبه ذلك؟ هذا ما يعرفونه علماء الشرع، لكن كونه يجعل علاقات بينه وبين هذه الدولة مثلًا، أو كونه يعاهد عهدًا بينه وبين هذه الدولة هذه أمور شرعية، هذه أمور شرعية ترجع إلى علماء الشرع.
طالب: في مجلس الشورى يا شيخ عندما ذكرتم أنها ليست يعني صحيحة لكن بعض الدول تكون فيها مجلس شورى وتصدر فيها قرارات ويلزم الشعب فيها، فماذا يفعل الشعب؟
الشيخ: والله هذه ما أرى أنها موافقة للشورى التي أمر الله بها، الشورى التي أمر الله بها وطبقها النبي صلى الله عليه وسلم فعلًا هو أن الحاكم هو الحاكم لكن إذا وقعت عليه مسائل مشكلة يستشير فيها، أنت تعرف أن مجلس الشورى ربما يضم أناسًا ليسوا أهلًا لذلك، وتعرف أنه أيضًا مجلس الشورى يكون بالانتخاب، وما أكثر الضمائر التي تشترى بالانتخاب؛ يجيء واحد غني عنده كم مليون..
طالب: مليارات.
الشيخ: مليار، ويمر على ها القرى، كل واحد يعطيه عشرة ريالات، هم يصوتون بالآلاف له.
طالب: غير الريالات يا شيخ، يعدهم؟
الشيخ: أو يعدهم ويمنيهم وما يعدهم الشيطان إلا غرورًا.
طالب: يأثم يا شيخ، يأثم هذا المواطن متبع القرار.
الشيخ: كيف؟ معلوم اللي يشتري ضمائر الناس بقروش. والعوام هوام حط له طعم وتوافقك في الذي تبغي إلا ما شاء الله.
طالب: أحسن الله إليك، بالنسبة لمشورة ولي الأمر لعلماء الطب ولعلماء الجيولوجيا لماذا لا (...) بعلماء الشريعة؟
الشيخ: والله يا أخي، لو يعطون للأطباء حبوبًا للاستعمال، وتعرف أن الحبوب أكثر الأدوية باللغة الإنجليزية، وحطها مثلًا في الثلاجة مع حبوب أخرى، إذا جئت بكرة ما عرفت الحبوب، من يعرف ها الأمور إلا الأطباء؛ فمثلًا إذا قدرنا أن في دولة تريد أن تورد علينا أدوية يجي إلى علماء الشرع يقول: ويش تقول: يا فلان في الأدوية الفلانية. ولّا يروح لعلماء الطب؟
طالب: يا شيخ بس أقصد من بعد ما يقول علماء الطب (...) هذا الرأي يعرض على علماء الشريعة؟
الشيخ: لا لا، ما هو بلازم أبدًا ما هو بلازم، لكن في الأحكام الشرعية مثلًا، هل يجوز أن تكون المرأة طبيبة للرجال أو الرجل طبيب للنساء هذه مسألة شرعية، ما هي طبية.
طالب: يا شيخ (...) ليسوا أولياء أمور؟
الشيخ: أولياء أمور فيما يتعلق بشؤونهم واختصاصاتهم، لا، أما أنا إن كان من العلماء فأنا ما لي دخل في الطب أبدًا.
طالب: أحسن الله إليك، الشورى ما هي حكمها في الأفراد؟
الشيخ: الأفراد هذه ترجع إليك قد يكون مثلًا مسألة تشكل عليك ولكن ما ودك تطلع الناس عليها، ولكن إذا استشرت طيب. وهنا الاستخارة هل تقدم على الاستشارة ولَّا الاستشارة على الاستخارة؟
طالب: فيها خلاف.
طالب آخر: الاستشارة.
طالب آخر: الاستخارة.
الشيخ: فيه قولان؛ بعضهم يقول: استخر الله، وإذا رأيت بعد الاستخارة الميل إلى شيء ما لا تستشر أحدًا؛ لأنك فوضت الأمر إلى الله، وهداك الله لهذا الشيء، فلا تسأل أحدًا، لا تستشر أحد. ومنهم من يقول: إذا استخرت الله ولم يتبين لك الأمر فحينئذ استشر، ويكون الشَّوْر الذي أشار به أحد يكون هذا مما استخاره الله لك.
طالب: شيخ، ما يدل على أن الاستشارة مقدمة على الاستخارة قوله فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ [آل عمران: ١٥٩].
الشيخ: لا، هذه ما فيها استخارة، أنا قصدي بالاستخارة التي أمر بها الرسول عليه الصلاة والسلام، إذا هم الإنسان بالأمر وأشكل عليه أنه يصلي ركعتين.
طالب: بس هو هنا بين أن الإنسان لا ينسى التوكل.
الشيخ: لا، ما هي بمسألة الاستخارة نسأل عنها، صلاة الاستخارة هل هي قبل أو بعد؟ أما مثلًا إذا شاور في أمر من الأمور ولا صلى الاستخارة فهنا إذا عزم يتوكل على الله.
طالب: يا شيخ، هل يشترط في المستشار أن يكون عدلًا؟
الشيخ: ويش تقولون في هذا السؤال؟ هل يشترط في المستشار أن يكون عدلًا؟ ما أظن أحدًا يستشير من ليس بعدل، لأنه غير أمين.
طالب: (...).
الشيخ: لا يستشير لأنه يخشى منه.

***

تفسير الآية (160)
00:49:32

طالب:
إِنْ يَنْصُرْكُمُ اللَّهُ فَلَا غَالِبَ لَكُمْ وَإِنْ يَخْذُلْكُمْ فَمَنْ ذَا الَّذِي يَنْصُرُكُمْ مِنْ بَعْدِهِ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ (160) وَمَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلَّ وَمَنْ يَغْلُلْ}.
الشيخ: أعد لأن يأت جواب الشرط لازم تكون متصلة باللي قبلها.
الطالب: وَمَنْ يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ (161) أَفَمَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَ اللَّهِ كَمَنْ بَاءَ بِسَخَطٍ مِنَ اللَّهِ وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ [آل عمران: ١٦٠ - ١٦٢].
الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله تبارك وتعالى: إِنْ يَنْصُرْكُمُ اللَّهُ فَلَا غَالِبَ لَكُمْ.
هذه الجملة جملة شرطية، فعل الشرط فيها مضارع مجزوم: إِنْ يَنْصُرْكُمُ، وجواب الشرط فيها جملة اسمية مصدرة، مصدرة بلا، لماذا اقترنت الفاء فيها؟
طالب: (لا النافية).
الشيخ: النفي طيب مصدرة بـ(لا) ولّا بالنفي؟
طالب: بـ(لا النافية).
طالب آخر: (...).
فَلَا غَالِبَ لَكُمْيا أخي، وين لن؟ فَلَا غَالِبَ لَكُمْمصدرة بإيش؟
طالب: بـ(لا النافية).
الشيخ: بـ(لا النافية)، و(لا النافية) هل إذا كانت صدرًا لجواب الشرط يقترن الجواب بالفاء جوازًا أو وجوبًا؟
طالب: وجوبًا.
الشيخ: وجوبًا، هل عندك من دليل من كلام العلماء؟
الطالب: فيه بيت لكن..
الشيخ: فما هو البيت؟
الطالب:
اسْمِيَّةٌ طَلَبِيَّةٌ وَبِجَامِدٍ وَبِمَا وَقَدْ وَبِلَنْ وَبِالتَّنْفِيسِ

الشيخ: وبما وقد، وين (لا)؟
طالب: (...).
الشيخ: جواب (ما) وهذا لم (...)، الواقع أن: لَا غَالِبَ لَكُمْجملة اسمية، فهمت؟ فَلَا غَالِبَ لَكُمْ، وَإِنْ يَخْذُلْكُمْ فَمَنْ ذَا الَّذِي يَنْصُرُكُمْ مِنْ بَعْدِهِأيضًا الجملة هذه جملة الشرطية فعل الشرط فيها فعل مضارع، وجواب الشرط فيها جملة استفهامية مرتبطة بالفاء وجوبًا أو جوازًا؟
طالب: وجوبًا.
الشيخ: وجوبًا لماذا؟
الطالب: لأن (...).
الشيخ: تكملة (...) آية: وَإِنْ يَخْذُلْكُمْ فَمَنْ ذَا الَّذِي؟ لأن الجملة اسمية، صح؟
وقوله: فَمَنْ ذَا الَّذِي يَنْصُرُكُمْ مِنْ بَعْدِهِفيها: (من) و(ذا) و(الذي)، فهل (ذا) التي بعد (من) اسم موصول أو ملغاة؟
طالب: ملغاة.
الشيخ: لماذا؟
الطالب: (...).
الشيخ: لأنه أتى بعدها اسم موصول، و(ذا) التي بعد (من) تكون اسمًا موصولًا بشرط أن لا يأتي بعدها اسم موصول، فإن أتى بعدها اسم موصول تعين أن تكون ملغاة، وقال بعض النحويين: لا يتعين أن تكون ملغاة ويكون اسم الموصول الثاني توكيدًا لاسم الموصول الأول، كأن يقال: فمن الذي الذي ينصركم من بعده؟ هذا ما يتعلق بالآية من حيث الإعراب.
أما قوله تعالى: وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَفقد سبق الكلام على مثلها.
يقول الله عز وجل في هذه الآية: إِنْ يَنْصُرْكُمُ اللَّهُ فَلَا غَالِبَ لَكُمْيعني: إذا قدَّر الله نصركم فإنه لن يغلبكم أحد، وإنما قلت: إن يقدر الله نصركم؛ لأنه لو كان المراد النصر بالفعل لم يكن لقوله: فَلَا غَالِبَ لَكُمْفائدة، لأن النصر قد حصل، وعلى هذا فيكون المعنى: إِنْ يَنْصُرْكُمُأي: إن يُقَدِّر نصركم، وهذا نظير قول النبي صلى الله عليه وسلم: «وَاعْلَمْ أَنَّ مَا أَصَابَكَ لَمْ يَكُنْ لِيُخْطِئَكَ» فهذا قال بعض العلماء: أن ما أصابك أي ما قُدِّر أن يصيبك، لأن ما أصابك بالفعل قد حصل، فلا يستقيم قوله: «لَمْ يَكُنْ لِيُخْطِئَكَ» ولكن الصحيح أن الحديث على ظاهره، أن ما أصابك لم يكن ليخطئك، يعني: أن الأمر لا يمكن أن يقع على خلاف الواقع، فما أصابك لم يكن ليخطئك أبدًا فلا حاجة إلى الندم.
هنا يقول: إِنْ يَنْصُرْكُمُ اللَّهُ فَلَا غَالِبَ لَكُمْو(لا) هذه نافية للجنس، والنافية للجنس نص في العموم؛ لأن النفي قد يكون عام للعموم نصًّا، وقد يكون للعموم ظاهرًا.
والفرق بين النص والظاهر أن النص لا يحتمل التخصيص، والظاهر يحتمل أن يكون عامًّا أريد به الخصوص؛ قال أهل العلم في النحو: و(لا النافية) نص في العموم. كما أن (من) الزائدة إذا جاءت بعد النفي صار النفي نصا في العموم، كما لو قلت: ما في الدار من رجل. هذه نص في العموم كقولك: لا رجل في الدار.
الحاصل قوله: فَلَا غَالِبَ لَكُمْهذه عامة يعني: لا أحد يغلبكم مهما كانت قوته ومهما كان عدده، وإنما قال الله ذلك من أجل أن نعلق النصر بالله عز وجل لا بغيره.
قال: وَإِنْ يَخْذُلْكُمْ فَمَنْ ذَا الَّذِي يَنْصُرُكُمْ مِنْ بَعْدِهِيخذلكم:ما معنى (يخذلكم)؟ مقابل: يَنْصُرُكُمْمقابل النصر، فالخذلان ضد النصر، وهذه من القواعد التي تفيدك في تفسير القرآن، أن الكلمة قد يظهر معناها بما قرن معها من الضد، الكلمة قد يتبين معناها بأيش؟ بما قرن معها من الضد.
لو قال لك قائل: ما معنى قوله تعالى: فَانْفِرُوا ثُبَاتٍ أَوِ انْفِرُوا جَمِيعًا [النساء: ٧١] ما معنى ثبات؟
طلبة: فرادى.
الشيخ: فرادى؟ هل راجعت القاموس؟ لا، من أين عرفت أنها فرادى؟ قابلها بقوله: أَوِ انْفِرُوا جَمِيعًا.
إِنْ يَخْذُلْكُمْأي: إن يقدر لكم الخذلان وهو عدم النصر: فَمَنْ ذَا الَّذِي يَنْصُرُكُمْ مِنْ بَعْدِهِويمكن أيضًا أن نستدل على معنى الخذلان بقوله: فَمَنْ ذَا الَّذِي يَنْصُرُكُمْ مِنْ بَعْدِهِمن: استفهام بمعنى النفي، ولكنه جاء - أعني النفي- جاء بصيغة الاستفهام لأنه مشرب أيش؟ بمعنى التحدي، يعني كأن الله يقول: نتحداكم إذا أراد الله خذلانكم أن ينصركم أحد من بعده حتى لو اجتمعت قوى الأرض كلها، على أن تنصركم والله تعالى لم ينصركم فإنه لا يمكن أن تنتصروا: وَإِنْ يَخْذُلْكُمْ فَمَنْ ذَا الَّذِي يَنْصُرُكُمْ مِنْ بَعْدِهِالجواب؟
طلبة: لا أحد.
الشيخ: لا أحد.
وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَعَلَى اللَّهِجار ومجرور مقدم على عامله وهو: يَتَوَكَّلِ، وتقديم ما حقه التأخير يفيد الحصر، أي: على الله لا غيره فليتوكل.
والفاء هنا قال النحويون: إنها زائدة لتحسين اللفظ، ولا يمكن أن تكون عاطفة، لأن الواو في قوله: وَعَلَى اللَّهِتغني عنها؛ ولهذا لو قيل: وعلى الله ليتوكل. صح.
فهي زائدة لتحسين اللفظ، ووجه كونها لتحسين اللفظ ظاهر؛ لأن اللفظ لو قلت: وعلى الله ليتوكل المؤمنون لم يكن في ذاك البلاغة، فإذا قلت: فليتوكل صار هذا أبلغ.
وقوله: فَلْيَتَوَكَّلِأي: فليعتمد، ولكن التوكل على الله عز وجل ليس كالتوكل على الآدمي؛ التوكل على الله فيه إنابة وخضوع وذل وتفويض واعتماد تام على الله، بخلاف ما إذا توكل الإنسان على شخص وكيل له، فإنه لا شك يعتمد عليه فيما وكله فيه، لكن لا يجد من قلبه أنه أيش؟ مفوض تفويضًا تامًا، ومنيبًا إلى الله وخاضع له عز وجل؛ فالتوكل على الله عبادة، ولهذا قال: وَعَلَى اللَّهِيعني وحده: فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَالمؤمنون بمن؟ المؤمنون به، والإيمان بالله إذا أطلق شمل جميع ما يجب الإيمان به من الأركان الستة التي بينها الرسول صلى الله عليه وسلم في قوله لجبريل: «الْإِيمَانُ أَنْ تُؤْمِنَ باِللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْقَدَرِ خَيْرِهِ وَشَرِّهِ» .
في هذه الآية من الفوائد: بيان كمال قدرة الله عز وجل؛ لقوله: إِنْ يَنْصُرْكُمُ اللَّهُ فَلَا غَالِبَ لَكُمْ.
ومن فوائدها: وجوب تعلق القلب بالله وحده في طلب الانتصار؛ لقوله: إِنْ يَنْصُرْكُمُ اللَّهُ فَلَا غَالِبَ لَكُمْإذن ممن نطلب النصر بناء على هذه القاعدة؟ من الله عز وجل.
ومن فوائد الآية الكريمة: أن الله إذا قدَّر خذلان أحد فلا ناصر له؛ لقوله: وَإِنْ يَخْذُلْكُمْ فَمَنْ ذَا الَّذِي يَنْصُرُكُمْ مِنْ بَعْدِهِ.
ومن فوائدها: أنه إذا آمن الإنسان بهذا فإنه لا بد أن يفعل أسباب النصر، الأسباب التي يكون بها النصر. صح؟
إذا آمنت أن النصر بيد الله، وأن الله إذا خذلك لا ينصرك أحد، فهل تأتي بأسباب النصر التي رَتَّب الله عليها النصر أو لا؟ نعم لا شك، فما هي أسباب النصر؟ أسباب النصر متعددة وهي خمسة:
الأول: الإخلاص لله عز وجل؛ لقوله تعالى: وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا [النور: ٥٥] الإخلاص لله في العبادة.
ثانيًا: إقام الصلاة، إيتاء الزكاة، الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، قال الله تعالى: وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ [الحج: ٤٠، ٤١] هذه ما (...) لكن الأربعة هذه أسباب أضفها إلى الأول تكن خمسة.
وتأمل قوله تعالى: إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌيتبين لك أن هذا النصر محقق؛ لأنه إذا كان الله قويًّا عزيزًا فكل من أمامه ضعيف ذليل، ثم تأمل مرة أخرى قوله: وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِيتبين لك أن القوى الظاهرة المادية مهما عظمت فإن عاقبتها بيد من؟ بيد الله عز وجل، هو الذي يجعل العاقبة لمن شاء: وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ [الأعراف: ١٢٨]؛ ولهذا قال بعض السفهاء قال: سبحان الله إذا أقمنا الصلاة وآتينا الزكاة وأمرنا بالمعروف ونهينا عن المنكر نغلب أمريكا وروسيا؟ نقول: نعم يا سفيه، العاقبة لمن؟ للمتقين: وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِما هي لا لروسيا ولا لأمريكا ولا لانجلترا ولا فرنسا، لله وحده عاقبة الأمور، وإذا أردت أن تعرف هذا من الناحية التاريخية فانظر ماذا جرى للأمة الإسلامية في أول عهدها، أسقطت الدول الكبرى العظمى في عهدها، دولة الروم ودولة الفرس، ودولة القبط في مصر، وظهروا، ملكوا مشارق الأرض ومغاربها، هذا من الناحية التاريخية، من الناحية الواقعية زلزلة واحدة بلحظات من رب العرش تدمر كل شيء، ولا يستطيع أحد أن يمنع هذه الزلزلة، أظن قبل سنتين صار هناك زلزال وبراكين تفجرت ذابت الجبال الصم البكم، ذابت على الناس وأحرقتهم بأمر من؟ بأمر الله عز وجل.
فلهذا نقول: إن من ضعف الإيمان أن ينظر الإنسان إلى الأمر الذي أمامه الأمر المادي ولا ينظر إلى قدرة الله عز وجل وقوته.
إذنْ: إن ينصركم وإن يخذلكم لا بد أن نسلك أيش؟ أسباب النصر، ونحن إذا سلكنا أسباب النصر بإيمان ويقين تحقق لنا.
ومن فوائد هذه الآية الكريمة: التحذير، التحذير من فعل أسباب الخذلان؛ لقوله: إِنْ يَخْذُلْكُمْ فَمَنْ ذَا الَّذِي يَنْصُرُكُمْ مِنْ بَعْدِهِ؛ ومن أسباب الخذلان تولي الكفار ومناصرتهم ومعاضدتهم فإن هذا من أسباب الخذلان؛ اعتمد على من؟ على الله عز وجل لأن الله قال: إِنْ يَخْذُلْكُمْ فَمَنْ ذَا الَّذِي يَنْصُرُكُمْ مِنْ بَعْدِهِ.
من فوائد الآية: وجوب التوكل على الله وحده؛ من أين يؤخذ؟ من قوله: وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَطيب؛ إفراده بالتوكل يؤخذ من تقديم المعمول على عامله لأن تقديم ما حقه التأخير -انتبهوا للقاعدة هذه- تقديم ما حقه التأخير أيش؟
طلبة: يفيد الحصر.
الشيخ: يفيد الحصر؛ هذه قاعدة حتى بين المبتدأ والخبر لو قلت: لِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ [الشورى: ٤٩] يعني لا لغيره.
من فوائد الآية الكريمة: أن التوكل من مقتضيات الإيمان؛ لأنه علق الحكم على وصف وهو الإيمان، فدل ذلك على أنه كلما قوي الإيمان قوي التوكل على الله، وكلما ضعف الإيمان ضعف التوكل على الله.
فإن قال قائل: هل التوكل على الله أو إفراد الله بالتوكل ينافي فعل الأسباب؟
الجواب: لا، بل فعل الأسباب من التوكل على الله؛ لأنك أنت إذا توكلت على الله فمن مقتضيات التوكل عليه مقتضيات التوكل عليه أن تفعل ما أمرك به.
فلو قال قائل: أنا سوف أنام في الشتاء تحت النجوم وعلى الثلج وليس تحتي فراش ولا فوقي غطاء، ليش؟ البرد؟ أنا متوكل على الله. هل هذا صحيح؟ أبدًا، هذا ليس بصحيح.
لو قال قائل: أنا سأدخل النار متوكلا على الله؟ نقول: هذا غير صحيح، اللهم إلا أن يقع ذلك على سبيل التحدي فيمكن هذا أن يكون آية من آيات الله، ينصر الله هذا الفاعل لنصرة دينه ويكون هذا الذي حصل منه دخوله في النار يكون كرامة.
ولهذا ذكر أن شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله لما ناظر رئيس البطائحية الذي جاء يناظره في مسائل من أصول الدين، قال له رئيس البطائحية: أنا أصوب منك؛ لأني أنا أستطيع أن أدخل في النار ولا يصيبني منها شيء، فهل تستطيع أن تدخل في النار ولا يصيبك منها شيء؟
يقول شيخ الإسلام قال: نعم، أنا أستطيع بشرط أن أنزل أنا وإياك في هذا النهر ونتغسل تمامًا ثم ندخل النار. لماذا (...)؟ لأن الرجل قد طلى جسمه بشيء يضاد النار، فيريد أن يموه على الناس يدخل النار يقول: شوفوا ابن تيمية، أنا دخلت النار ونجوت منها وهذا الرجل عجز؛ لكن ابن تيمية -ولله الحمد- قد أعطاه الله ذكاء وفطنة وفراسة، قال: ما فيه مانع ندخل النار جميعًا، لكن بشرط بعد أن نغتسل بهذا النهر. ماذا حدث؟ انهزم الرجل، قال: لا، ما فيه.
على كل حال أقول: إن فعل الأسباب لا ينافي التوكل. ولهذا شواهد:
أولًا: نعلم علم اليقين أن نبينا محمد صلى الله عليه وسلم سيد المتوكلين، أليس كذلك؟ ومع ذلك يتوقى الحر، ويتوقى البرد، ويأكل لدفع الجوع، ويشرب لدفع الظمأ، أليس كذلك؟ في الغزوات كان يلبس الدرع يتوقَّى به السهام، وفي غزوة أحد لبس كم؟ درعين.
في غزوة الخندق لما أحاط الأحزاب بالمدينة ماذا فعل؟ حفر الخندق بمشورة سلمان الفارسي رضي الله عنه، ولم يقل: من يتوكل على الله، إذا كان يمكن يجيئون يجيئون، ما يمكن يجيئون ما يجيئون، لا، فعل السبب.
والوقائع على هذا كثيرة تدل على أن فعل الأسباب لا ينافي التوكل، ولكن يجب أن نلاحظ شرطًا مهما، وهي أن تكون الأسباب أسبابًا شرعية أو كونية لا أسبابًا وهمية؛ أسبابًا شرعية يعني ثبت بالشرع أنها سبب، أو أسبابًا كونية أي ثبت بالتجارب أنها سبب؛ لأن ما ثبت بالتجارب لم يدل عليه الشرع، لكن دلت عليه التجربة وهذا سبب كوني، أما السبب الوهمي كتعليق التمائم غير الشرعية وما أشبه ذلك، التطير أيضًا سبب وهمي فهذا لا يجوز الاعتماد عليه، فالأسباب؟
طالب: ثلاثة.
طالب: كونية شرعية الثالث ما أدريه.
الشيخ: أيش؟
طالب: الأسباب الوهمية.
الشيخ: الأسباب الوهمية. أسباب شرعية وأسباب كونية وأسباب وهمية؛ إذنْ فعل الأسباب لا ينافي التوكل بل هو من تمام التوكل، واضح يا جماعة؟
فإذا قال قائل: الأسباب الشرعية لا تنافي التوكل لا شك فيه، ولهذا كان الرسول عليه الصلاة والسلام يتعوذ بالمعوذات وكان يقول: «مَنْ قَرَأَ آيَةَ الْكُرْسِيِّ فِي لَيْلَةٍ لَمْ يَزَلْ عَلَيْهِ مِنَ اللَّهِ حَافِظٌ وَلَا يَقْرَبُهُ شَيْطَانٌ حَتَّى يُصْبِحَ» وهذه من الأسباب الشرعية، وقال عن الفاتحة: إنها أيش؟
الطالب: عن الفاتحة أنها شافية.
الشيخ: وغير؟ إنها رقية: «وَمَا يُدْرِيكَ أَنَّهَا رُقية؟»
تفسير الآية (161)
01:15:41

ثم قال الله عز وجل: وَمَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلَّ وَمَنْ يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ
أولًا: القراءات:
يقول: وَمَا كَانَ لِنَبِيٍّفيها قراءة: {لِنَبِيءٍ}.
أَنْ يَغُلَّفيها قراءة: {أَنْ يُغَلَّ}.
ما الفرق بين القراءتين في: لِنَبِيٍّو{لِنَبِيءٍ}؟
أما: {لِنَبِيءٍ} فهي على وزن فعيل من النبأ، على وزن فعيل من النبأ بالهمزة؛ وهل هو بمعنى فاعل أو بمعنى مفعول أو بمعناهما جميعًا؟
طلبة: يشملهما.
الشيخ: يشملهما، فالنبيء فعيل بمعنى فاعل؛ لأنه منبئ، فعيل بمعنى مفعول لأنه مُنْبَّأٌ، الرسول صلى الله عليه وسلم مُنَبَّأٌ مُنَبِّئٌ، على قراءة: لِنَبِيٍّبالياء، قيل: إنه مسهل، وأن أصله (لنبيء) فسهلت الهمزة إلى ياء؛ وقيل: بل هو مشتق من النَّبْوَة وهي الارتفاع؛ وعلى هذا فيكون (لنبي) أصله (لِنَبِيوٍ)، لكن لعلة تصريفية صارت الواو ياء، فما هو الميزان أو ما هي القاعدة في هذا أن تجعل الواو ياء؟
يقولون: إذا اجتمعت الواو والياء في كلمة وسبقت إحداهما بالسكون قلبت الواو ياء، فإذا قلنا: لنبيو فقد اجتمعت الواو والياء في كلمة، وسبقت إحداهما بالسكون فقلبت الواو ياء فصار لنبي، هل يمكن أن نقول على هذه القراءة: إنه مشتق من الوجهين: من النبأ ومن النبوة؟
يمكن بناء على ما سبق من أن الكلمة في القرآن إذا احتملت معنيين لا يتنافيان تحمل عليهما جميعًا؛ لأن معاني القرآن واسعة.
أما: أَنْ يَغُلَّففيها قراءة: {أَنْ يُغَلَّ} والفرق بينهما ظاهر؛ أَنْ يَغُلَّمبنية للفاعل، {أن يُغَلَّ} مبنية للمفعول.
أما على وجه: أَنْ يَغُلَّفالمعنى أن الله نفى أن النبي يغل، وغلول النبي يحتمل معنيين: غلول المال وغلول العلم؛ فغلول العلم كتمه، وغلول المال إخفاؤه وأخذه، وكل هذا منتف عن النبي شرعًا، ولم نعلم أنه واقع قدرًا، ولا يمكن أن يقع قدرًا فيما نعلم، فالنبي لا يمكن أن يكتم ما أنزل الله إليه ولا يمكن أن يسرق من مال المسلمين.
أما على: {أن يُغَلَّ} فمعناه أن النبي يَغُلُّه غيرُه، يعني ما كان لنبي أن يُغَلَّ شرعًا، وقدرًا؟
قد يغل، قدرًا قد يُغَلَّ، كما وقع هذا في عهد النبي صلى الله عليه وسلم.
ثم قال: وَمَنْ يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِفي الإعراب الآن ما زلنا في أول التفسير.
الإعراب: وَمَنْ يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِالإشكال في: يَأْتِ بِمَا غَلَّ
الطالب: الإشكال في (يأت) هنا؛ حذفت الياء -يا شيخ- لأنه مجذوم في جواب الشرط.
الشيخ: مجذوم في جواب الشرط. لماذا صارت مكسورة، وجواب الشرط يكون مجزومًا؟
الطالب: عن (...) يا شيخ.
الشيخ: كيف؟
الطالب: تعويض عن حذف الياء كسرت الياء.
الشيخ: التاء مكسورة من قبل حتى لو كانت الياء موجودة، لو قلت: يأتي.
الطالب: إذن خلاص يا شيخ.
الشيخ: ويش خلاص؟
الطالب: يعني: الفعل يكسر آخره إذا حذفت الياء كالمجزوم يكسر آخره.
الشيخ: إعرابًا.
الطالب: نعم، إعرابًا.
الشيخ: لا تجزم بشيء.
طالب: لفظًا لا إعرابًا.
الشيخ: لفظًا لا إعرابًا؛ يعني: تبقى الكسرة التي قبل الياء دليلًا على الياء المحذوفة، إذن يأتي مجزومًا على هذا الحال، جواب الشرط مجزوم بحذف الياء والكسرة قبلها دليل عليها.
بِمَا غَلَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِإعراب يَوْمَ الْقِيَامَةِ؟ (يوم) مفعول غل؟
طالب: مفعول به
الشيخ: متعلقة بأيش؟
طالب: متعلقة بالفعل (غَلَّ).
الشيخ: بالفعل (غَلَّ)؛ يعني: يأتي بما غل يوم القيامة؟
طالب: ينصب على الظرفية.
الشيخ: هي مفعول فيه، وينصب على الظرفية معناها واحد لكن متعلقة بأيش؟
الطالب: بـ(يأتي).
الشيخ: بـ(يأتي)؟ أيهما أصوب يا جماعة؟
طلبة: الأخير.
الشيخ: الأخير، الأخير لأن يوم القيامة ما فيه غلول.
أما قوله: ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْالظاهر أنه ما فيه إشكال في النحو.
قال الله عز وجل: وَمَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلَّإذا جاءت: مَا كَانَفي القرآن فإن معناها النفي المحقق، مثل قوله تعالى: وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ [الأنفال: ٣٣]، مثل قوله تعالى: مَا كَانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ [آل عمران: ١٧٩] ، مَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا [الإسراء: ١٥] والشواهد في هذا كثيرة، يعني أن هذا منتف قطعًا ولا يمكن أن يكون.
مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلَّعلى هذه القراءة يعني أن الله يقول: إن الأنبياء عليهم الصلاة السلام لا يمكن أن يغلوا، كل الأنبياء؟ نعم؛ لأن نبي نكرة في سياق (ما) النافية في سياق النفي، والنكرة في سياق النفي تفيد العموم.
فالله تعالى ينفي أن يغل النبي شرعًا، صح؟ وقدرًا أيضًا، لأننا لا نعلم أن الله سبحانه وتعالى قدر على نبي الغلول أن يغل بنفسه وهذا بعيد.
أما على قراءة: {أَنْ يُغَلَّ} فإن الله تعالى ينفي شرعًا أن يُغَلَّ النبي، يعني: لما كان شرعًا أن يُغَلَّ النبي؛ لأن النبي إذا كسب المال فإن ماله للمسلمين جميعًا، وإذا كان للمسلمين جميعًا فإنه لا يجوز لأحد أن يَغُلَّ منه شيئًا، لأنه لو غَلَّ منه شيئًا لكان هذا متعلقًا بجميع المسلمين؛ المال هذا للمسلمين جميعًا فإذا أخذت منه شيئًا فقد خنت جميع المسلمين، لا سيما اللي مشتركون في هذه الغنيمة.
ثم يقول الله عز وجل: مَنْ يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِمَنْ يَغْلُلْهنا عموم، ولم يقل: من يغلل من الأنبياء، لو فرض أن يغل، قال: مَنْ يَغْلُلْيعني: من أتباع الأنبياء: يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِيأتي به يوم القيامة حاملًا له أمام الناس في هذا الموقف العظيم الذي تشهده الخلائق كلها، كما قال تعالى: وَالْيَوْمِ الْمَوْعُودِ وَشَاهِدٍ وَمَشْهُودٍ [البروج: ٢، ٣].
وقوله: يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِهل يأتي بنفس الذي غل؟ أو يأتي بالعقاب المرتَّب عليه؟
نقول: إن ظاهر الآية يدل على أنه يأتي بنفس الذي غل، إن كانت شاة تيعر، بعير لها رغاء، أي شيء يغله يأتي به يوم القيامة.
لو غل ثيابًا؟ أتى بها يوم القيامة، لكن هل يأتي بها مكتسيا بها؟ لا، يأتي بها حاملًا لها وهو عار.
البعير الذي غله فركبه هل يأتي به يوم القيامة راكبًا عليه؟ لا، الجمل راكب -والعياذ بالله- يأتي به حاملًا له تعذيبًا له.
طالب: (...).
الشيخ: لا، الغرض منه؟
طالب: تعلق القلب بالله.
الشيخ: نعم، أن يعلقوا قلوبهم بالله ويعتمدوا عليه، ولا يطلبوا النصر إلا من عنده، وفيه أيضًا تقوية قلوبهم على أعدائهم؛ لأنهم إذا كان الله هو ناصرهم فإن أعداءهم مهما كثروا لن يغلبوهم.
اللام في قوله: وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ؟
طالب: وعلى الله؟
الشيخ: نعم فَلْيَتَوَكَّلِاللام؟
طالب: فَلْيَتَوَكَّلِ؟ هذه اللام للأمر.
الشيخ: اللام للأمر. ماذا يفيد تعليق التوكل بالمؤمنين؟ ولم يقل: فليتوكل الناس؟
طالب: المؤمنون هم الذين يتوكلون على الله (...) قد يكون قلبه متعلق بالله وهو يتوكل على الله.
الشيخ: هو الذي يتوكل على الله ويدل على أن التوكل من تمام الإيمان وعلامات الإيمان.
قوله تعالى: وَمَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلَّفيها كم قراءة؟
طالب: نَبِيٍّفيها قراءتان: نَبِيٍّو{نَبِيءٍ}. ويَغُلَّفيها قراءتان: يَغُلَّو{يُغَلَّ}.
الشيخ: أحسنت. طيب: نَبِيٍّبالياء مشتق مِنْ؟
طالب: النبوة.
الشيخ: من النبوة وهي الارتفاع، لارتفاع رتبة النبي، وقيل؟
طالب: من نبيء.
الشيخ: من (نبيء) فيكون مشتقًا من النبأ. (نبيء) بمعنى فاعل أو مفعول؟
طالب: نبيء؟
الشيخ: إي نعم؟
الطالب: مفعول.
الشيخ: نبيء بمعنى مفعول، ولّا بمعنى فاعل؟
طالب: ما أضبطها.
الشيخ: ما تضبطها، هي فعيل بمعنى فاعل ولّا بمعنى مفعول؟
طالب: بمعنى فاعل.
الشيخ: بمعنى فاعل أي؟
طالب: أي: أنه يُنَبِّئُ.
الشيخ: يُنَبِّئُ.
طالب: بمعنى فاعل ومفعول.
الشيخ: بمعنى فاعل ومفعول كلا الاثنتين؟
الطالب: نعم.
الشيخ: بمعنى فاعل فهمنا المعنى أنه مُنَبِّئ، بمعنى مفعول؟
طالب: مُنَبَّأ.
الشيخ: مُنَبَّأ. هل تأتي فعيل بمعنى مفعل؟ بمعنى فاعل كثير. فعيل بمعنى مُفْعِل؟
طالب: سميع.
الشيخ: سميع بمعنى سامع: إِنَّ رَبِّي لَسَمِيعُ الدُّعَاءِ [إبراهيم: ٣٩].
طالب: وبمعنى مسمع.
الشيخ: إي، وينه؟ جب شاهد؟
الطالب:
أَمِنْ رَيْحَانَةَ الدَّاعِي السَّمِيعُ ..................

الشيخ:
أَمِنْ رَيْحَانَةَ الدَّاعِي السَّمِيعُ يُؤَرِّقُنِي وَأَصْحَابِي هُجُوعُ