لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ، مُبِينٍبمعنى بيِّن. وقولُه: مِنْ قَبْلُنقول للإخوة المبتدئين بالنحو: إن (مِن) حرف جر، و(قبل) هنا غير
مجرورة، (قبل) غير مجرورة، من اللي بدأ بالنحو جيدًا؟
طالب: شيخ، هنا ملغية ليس لها عمل.
الشيخ: لا، لا ما هي ملغاة.
طالب:
(قبلُ) مبنية على الضم.
الشيخ: (قبل) مبنية على الضم؟
وما جرّته (مِن)؟
الطالب: جرَّتها محلًّا ليس
لفظًا.
الشيخ: إيه، ويش تقولون يا جماعة؟
الطلبة: صحيح.
الشيخ: المبني ولو دخل
عليه حروف الجر لا يتغير، يبقى على بنائه، قال الله تعالى: سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لَا يَعْلَمُونَ [الأعراف: ١٨٢]، ما قال: من حيثِ، وهنا قال: مِنْ قَبْلُ، ولم
يقل: من قبلِ، لكن في بعض الأحيان تُجَرُّ (قبل) فيقال: من قبلِهم، كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِم [الأنعام: ١٤٨].
طالب: شيخ، لأن (من قبل) غير مضافة، وهنا مضافة.
الشيخ: إذن متى تُبنى على الضم؟
الطلبة: إذا قُطع.
الشيخ: إذا حُذف
المضاف إليه ونُوي معناه، عرفتم؟ هذا كلام النحويين، إي نعم.
في هذه الآية الكريمة فوائد:
أولًا: عظيمُ مِنَّةِ الله عزَّ وجلَّ على المؤمنين ببعث
الرسول صلى الله عليه وسلم، من أين تؤخذ؟ من تأكيد هذه المنة بالقَسَم.
من فوائدها: أن المنة ببعث الرسول إنما كانت على المؤمنين؛
لأنهم الذين انتفعوا بها؛ لقوله: عَلَى الْمُؤْمِنِينَ.
من فوائد الآية: أنَّ مَن
لم يعترف بالمنة فهو كالمسلوب منها، أو فهو كالمسلوبة منه، من لم ينتفع بالمنة صار
كالمسلوبة منه؛ لأنه خصَّ المنة بمَن؟ بالمؤمنين.
ومن
فوائدها: وجوب شكر نعمة الله على مَنْ مَنَّ الله عليه بالإيمان، من أين
تؤخذ؟ من قوله: لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ؛ لأن المراد بهذا
الخبر هو شكر نعمة الله سبحانه وتعالى على هذه المنة، وألَّا يتعاظم الإنسان في
نفسه.
ومن فوائد هذه الآية: الرد على الأعراب الذين
مَنُّوا بإيمانهم وإسلامهم على الرسول صلى الله عليه وسلم، قال الله تعالى: يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا قُلْ لَا تَمُنُّوا عَلَيَّ إِسْلَامَكُمْ بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَدَاكُمْ لِلْإِيمَانِ [الحجرات:١٧].
ومن فوائد الآية
الكريمة: اللجوء إلى الله عز وجل بأنْ يثبِّتك على الإيمان؛ لأنه إذا كان هو
المانُّ به فهو الذي يملك ثبوته وزواله، فارجع إليه.
ومن
فوائد هذه الآية الكريمة: فضيلة الرسول عليه الصلاة والسلام، حيث كان
مبعوثًا مِن قِبَل مَن؟ مِن قِبل الله، والرسول يَشْرُف ويَعظم بحسب مَن؟ أيش؟ مَن
أرسله؛ ولهذا يفرق الناس بين رسول السلطان ورسول الخادم، رسول السلطان يرونه أعظم
من رسول العادي.
من فوائد هذه الآية الكريمة: ثبوت
رسالة النبي صلى الله عليه وسلم؛ لقوله: إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ.
ومن فوائدها:
إثبات منّة الله عز وجل بكون هذا الرسول مِن جنسنا.
الطلبة: مِنْ أَنْفُسِهِمْ.
الشيخ: لقوله: مِنْ أَنْفُسِهِمْ.
ويتفرع على هذه الفائدة:
ردُّ أولئك السفهاء المعاندين الذين قالوا: لَوْلَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَلَكٌ [الفرقان:٧]، قال الله تعالى: وَلَوْ جَعَلْنَاهُ مَلَكًا لَجَعَلْنَاهُ رَجُلًا [الأنعام:٩]؛ لأنه لا يمكن أن يعيش الملَك بين البشر، ولا يمكن أيضًا للبشر أن
يتقبلوا منه كما يتقبلون ممن كان من جنسهم.
ومن فوائد هذه
الآية الكريمة: الثناء العظيم على رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ حيث كان
يتلو عليهم آيات الله، ويزكِّيهم، ويعلمهم الكتاب والحكمة.
ومن فوائد هذه الآية الكريمة أيضًا: حرص النبي صلى الله عليه
وسلم على إبلاغ الرسالة؛ حيث كان يتلو عليهم آيات الله ويعلّمهم الكتاب
والحكمة.
ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن القرآن
معجِز، من أين يؤخذ؟ من قوله: آيَاتِهِ؛ لأن الآيات
بمعنى العلامات، والعلامة على الشيء هي المعيِّنة له والتي لا تصلح لغيره، فهي آية
لله لا تصلح لغيره.
ومن فوائد الآية الكريمة: جواز
إضافة الشيء إلى سببه، من أين نأخذها؟
طالب: من آيَاتِهِ.
طالب آخر: يَتْلُو عَلَيْهِمْ.
الشيخ:
وَيُزَكِّيهِمْ، مع أن الله قال: إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ [القصص:٥٦]، لكنه صلى
الله عليه وسلم سبب، سببٌ للتزكية؛ ففي الآية جواز إضافة الشيء إلى سببه، لكن بشرط
أن يكون معلومًا بأنه سبب، إمّا عن طريق الشرع، أو طريق العقل، أو طريق الحسّ، أمّا
شيءٌ يُتوهم أنه سبب وليس بسبب فهذا لا يجوز.
***
الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، سبق لنا في الآية التي مرَّت بنا أن الله سبحانه وتعالى بيَّن منَّته على المؤمنين ببعث النبي صلى الله عليه وسلم مؤكدًا إيَّاها بمؤكدات؟
طالب: ثلاثة مؤكدات.
الشيخ: وهي؟
الطالب: القسم واللام و(قد).
الشيخ: أين القسم؟
الطالب: مقدر.
الشيخ: ما الدليل عليه؟
الطالب: اللام.
الشيخ: اللام، أحسنت، ما معنى قوله: مِنْ أَنْفُسِهِمْ؟
طالب: أي منهم، من جنسهم.
الشيخ: أي من جنسهم.
ما الفرق بين هذه الآية وبين قوله تعالى: هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ [الجمعة:٢]؟
طالب: كذاك يعني منهم.
طالب آخر: أي أنه أُمِّيٌّ مثلهم، من نفسهم.
الشيخ: من نفس العرب، وأنفسهم؟ مِنْ أَنْفُسِهِمْ؟
الطالب: مِنْ أَنْفُسِهِمْيعني من الجنس نفسه.
الشيخ: من الجنس بني آدم، واضح يا جماعة؟ فـمِنْهُمْ؛ لأنه من العرب، مِنْ أَنْفُسِهِمْ؛ لأنه من جنس بني آدم، وإن كان بنو آدم غير العرب ليسوا من أقاربه.
ما معنى قوله: الْكِتَابَ}؛يُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ؟
طالب: الكتاب بمعنى مكتوب وهو القرآن.
الطلبة: نعم.
طالب: بمعنى الكتابة.
الشيخ: بمعنى الكتابة، على المعنى الأول تكون فِعَال بمعنى مفعول، هل يمكن أن نقول: إن الآية تشمل معنيين؟
طالب: (...).
الشيخ: ممكن، هل تعرف في هذا قاعدة؟
الطالب: لأن القاعدة تقول: أن الكلمة إذا احتملت أكثر من معنى لا تعارضَ بينها فالواجب حملها عليها جميعًا؛ لأن كتاب الله سبحانه وتعالى واسع.
الشيخ: نعم؛ لأن الآية أوسع وأشمل، قوله: وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ، إنْهذه؟
طالب: مخففة من الثقيلة.
الشيخ: ما علامتها في هذه الآية؟
الطالب: اللام الفارقة.
الشيخ: اللام الفارقة لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ، هل تعرف لـ(إِنْ) معنًى سوى التخفيف؟
الطالب: نعم، لها أربعة معاني: أن تكون نافية.
الشيخ: مخففة.
الطالب: مخففة نافية، وأن تكون زائدة، وأن تكون..
الشيخ: تكون شرطية، طيب، ذكرنا للنافية علامة، ما هي؟
طالب: أن تأتي بعدها (إلا) أظن.
الشيخ: أن تأتي بعدها (إلا)، تظن ولكنك لا تجزم.
الطالب: أظن بمعنى أعتقد.
الشيخ: وأعتقد بمعنى أعلم؟
الطالب: أن تأتي بعدها (إلا).
الشيخ: مثل؟
طالب: مثل قول الله تعالى: إِنْ هَذَا إِلَّا إِفْكٌ مُفْتَرًى.
الشيخ: إِنْ هَذَا إِلَّا إِفْكٌ مُفْتَرًىتمام.
قوله: لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ، هذا الضلال هل هو ضلال عملي أو علمي أو هما؟
طالب: هنا يشتمل المعنيين.
الشيخ: ضلال علمي وضلال عملي، ماذا تقولون؟
الطلبة: صحيح.
الشيخ: صحيح؛ لأن العرب كانوا جهالًا وكانوا غاوين في العمل، جهّالًا في العلم غواةً في العمل.
***
ثم قال الله تعالى: أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّى هَذَاالهمزة هنا تلاها حرف عطف، وقد مرَّ علينا كثيرًا أن الهمزة إذا وَلِيَها حرفُ عطف فلعلماء النحو في ذلك قولان:
أحدهما: أن العطف على شيء مقدر يناسب المقام.
والثاني: أن العطف على ما سبق، وعلى هذا الوجه تكون الهمزة مقدمة عن موضعها، وموضعها بعد حرف العطف. وقلنا: إن هذا أسهل على الْمُعرِب؛ لأنه لا يحتاج إلى تكلف المقدَّر، وأحيانًا قد يصعب على الإنسان أن يقدِّر شيئًا مناسبًا.
وقوله: لَمَّا، (لما) هذه هنا شرطية، ودليل كونها شرطية أنها تحملت فعل الشرط وجوابه؛ فعل الشرط في قوله: أَصَابَتْكُمْ، وجوابه: قُلْتُمْ أَنَّى هَذَا.
و(لما) تأتي على عدة وجوه؛ تأتي بمعنى (إلا)، وتأتي بمعنى (حين)، وتأتي بمعنى (لم)، وتأتي شرطية، ففي قوله تعالى: إِنْ كُلُّ نَفْسٍ لَمَّا عَلَيْهَا حَافِظٌ [الطارق:٤] هذه بمعنى (إلا)، يعني ما كل نفس إلا عليها حافظ، وفي قوله تعالى: بَلْ لَمَّا يَذُوقُوا عَذَابِ [ص: ٨]، هذه (لما) بمعنى (لم)، وإن كان بينهما فروق لكن هي بمعنى (لم)؛ نافية، وفي قوله تعالى: إِلَّا قَوْمَ يُونُسَ لَمَّا آمَنُوا كَشَفْنَا عَنْهُمْ [يونس: ٩٨]، فإن بعض العلماء قال: (لَمَّا) هنا بمعنى (حين)، فهذه وجوه أربعة لـ(لما) الواردةِ في كتاب الله عز وجل.
وقوله: أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْهَا، أَصَابَتْكُمْ، يعني: حلَّت بكم، مُصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْهَا، أي: حلَّ بكم مثلاها، وما هذه المصيبة؟ هذه المصيبة ما حل بهم في أُحُد؛ فإنه قُتل منهم سبعون رجلًا، على رأسهم أسد الله وأسد رسوله حمزة بن عبد المطلب رضي الله عنه عمُّ النبي صلى الله عليه وسلم.
وقوله: قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْهَاهذا يشير - سبحانه وتعالى- إلى ما حصل في يوم بدر؛ فإن يوم بدر قُتِل فيه من المشركين سبعون رجلًا، وأُسِرَ منهم سبعون رجلًا، فسبعون مع سبعين ضِعْفَا سبعين، ولهذا قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْهَا.
فإن قال قائل: كيف قال: قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْهَامع أن المقتول سبعون، والمأسورَ سبعون، والأسر ليس القتل؟
قلنا: إن الأسر يحصل به من الإذلال مثل ما يحصل به من القتل وربما يكون أكثر، ربما يكون أكثر؛ لأن المقتول يُقتل ويستريح، لكن المأسور يُستذل، ولهذا يخيَّر الإمام في المأسورين بين أمور: بين أن يقتلهم، وبين أن يسترِقَّهم، وبين أن يفديهم بمال أو أسير، وبين أن يطلقهم، أربعة أمور، يخير الإمام في الأسرى بين هذه الأمور الأربعة، ما هي؟
الطلبة: الفداء بمال.
الشيخ: الفداء بمال أو بمسلم بأسير مسلم.
طالب: الرق.
الشيخ: الرق.
الطلبة: القتل.
الشيخ: القتل.
الطلبة: (...).
الشيخ: الْمَنُّ بدون شيء، حَتَّى إِذَا أَثْخَنْتُمُوهُمْ فَشُدُّوا الْوَثَاقَيعني: الأَسْرَ، فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً حَتَّى تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزَارَهَا [محمد:٤]، فالحاصل أن الأسر فيه الإذلال كالقتل، إن لم يكن مثلَه فهو أشد منه لا يقصر عنه.
قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْهَا قُلْتُمْهذا جواب (لما)، يعني إذا أصابتكم مصيبة قُلْتُمْ أَنَّى هَذَا، يعنى كيف أُصبنا ونحن جنود الله ومع رسول الله صلى الله عليه وسلم، كيف تأتينا الهزيمة؟ قال الله عز وجل: أَنَّى هَذَاهذه (أنَّى) استفهامية، وتأتي شرطية، ففي قولك: أنَّى تقمْ أقمْ، هذه شرطية؛ وفي مثل هذه الآية استفهامية، يعني: كيف يكون هذا؟ أَنَّى هَذَاوهذا الاستفهام للتعجب ولا أظن أن يكون للإنكار؛ لأن الصحابة رضي الله عنهم لا يُنكرون من قدَر الله شيئًا، ولكنهم يتعجبون: كيف يصيبُنا هذا ونحن جند الله ومع رسول الله صلى الله عليه وسلم؟!
قال الله تعالى: قُلْ، يعني قل لهم يا محمد: هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْوهنا أمر الله نبيه أن يقول، ولم يقل عز وجل: أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّى هَذَاهو من عند أنفسكم، بل أمر نبيه أن يبلغهم، وهذا الأمر للتبليغ الخاص، وقد قلنا: إن القرآن كله مأمور رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يقوله جميعًا للناس، هذه واحدة، ويوجد بعض الأشياء أو بعض الأحكام أو بعض الأخبار يؤمر بها النبي عليه الصلاة والسلام ليبلغها تبليغًا خاصًّا، فهنا قال: قُلْيعني: قل لهؤلاء الذين يقولون أَنَّى هَذَا: هُوَ، أي ما أصابكم مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ، أي: منكم، و(مِن) هنا للسببية، أي بسببكم فأنتم السبب، وما هو الذي يظهر لنا من السبب؟ هو ما حصل من النزاع والمعصية للنبي عليه الصلاة والسلام؛ حيث أمرهم أن يبقوا في المكان الذي عيّنه لهم، سواء كانت الغلبة للمسلمين أو كانت الغلبة للكافرين، ولكنهم رضي الله عنهم وعفا عنهم لما رأوا المشركين قد انهزموا وأن المسلمين بدؤوا يجمعون الغنائم ظنوا أن المسألة انتهت، فنزلوا من المكان الذي عيّنه النبي صلى الله عليه وسلم لهم، وحصل ما حصل، الذي حصل هو أن الفرسان من المشركين لما رأوا الثغر خاليًا - وهو من وراء المسلمين يحميهم من ورائهم- كَرُّوا من وراء المسلمين واختلطوا بهم، وحصل ما أراد الله عز وجل، هذا معنى قوله: مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ.
ثم قال: إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ، ختمُ الآية بهذه الجملة في غاية ما يكون من المناسبة، فهو قدير على أن ينتصر من هؤلاء المشركين، ولكنه لم يفعل ذلك لحكمة كما قال تعالى: وَلَوْ يَشَاءُ اللَّهُ لَانْتَصَرَ مِنْهُمْ وَلَكِنْ لِيَبْلُوَ بَعْضَكُمْ بِبَعْضٍ [محمد:٤]؛ لأن الله لو شاء لأماتهم، أو خسف بهم، أو أنزل عليهم الصواعق، أو ما أشبه ذلك، لَكِنْ لِيَبْلُوَ بَعْضَكُمْ بِبَعْضٍ وَالَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَلَنْ يُضِلَّ أَعْمَالَهُمْ (٤) سَيَهْدِيهِمْ وَيُصْلِحُ بَالَهُمْ (٥) وَيُدْخِلُهُمُ الْجَنَّةَ عَرَّفَهَا لَهُمْ [محمد ٤-٦].
وقوله: إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ، كُلِّ شَيْءٍهذه عامة تشمل كل شيء، تشمل ما كان موجودًا فهو قادر على إعدامه، وما كان معدومًا فهو قادر على إيجاده، ولا استثناء في هذا العموم، لا استثناء في هذا العموم.
وأما قول المفسِّر رحمه الله في سورة المائدة: وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ [المائدة:١٢٠]، قال: وخص العقلُ ذاتَه فليس عليهم بقادر، فهذا تخصيص في غير محله؛ أولًا: أن العقل ليس له تدخل في صفات الله عز وجل. الثاني: أن نقول: ماذا تريد بقولك: وخص العقل ذاته؟ هل تريد أن الله سبحانه وتعالى لا يقدر أن يفعل، لا يقدر أن ينزل، لا يقدر أن يستوي، لا يقدر أن يأتي يوم القيامة للفصل بين عباده، أم ماذا تريد؟ إن أردت هذا فهذا خطأ، فالله قادر على أن يفعل، على أن يستوي على العرش، على أن ينزل إلى السماء الدنيا، على أن يأتي للفصل بين عباده، كما صح بذلك النقل، أم تريد بقولك: خص العقل ذاته، أنه لا يقدر على أن يفعل بنفسه ما لا يليق به كالموت مثلًا، إن أردت ذلك فهذا خطأ منك أيضًا، وذلك لأن القدرة إنما تتعلق بالممكنات، أما المستحيلات فهي مستحيلة غير واقعة، هل يمكن أن نقول: إن الشيء يكون متحركًا ساكنًا؟ لا يمكن، هذا لا تتعلق به القدرة أصلًا، والله عز وجل لا يمكن أن يتَّصف بالنقص، وَلِلَّهِ الْمَثَلُ الْأَعْلَى، فكونك تفرض أن الله تعالى يمكن أن يتصف بالنقص ولكنه غير قادر عليه، هذا خطأ عظيم، نقول: هذا أصلًا غير وارد على القدرة كما قال السفاري رحمه الله:
| بِقُدْرَةٍ تَعَلَّقَتْ بِمُمْكِنِ | .................. |
فالشيء المستحيل مستحيل لا تتعلق به القدرة أصلًا؛ لأنه إذا كان الشيء ساكنًا لا يمكن أن يكون متحركًا، وإذا كان متحركًا لا يمكن أن يكون ساكنًا، والله قادر على كل شيء، لكن إذا قدر على أن يجعله متحركًا صار غير ساكن، وقدر على أن يكون ساكنًا صار غير متحرك، فهذا أصلًا لا يَرِد على العقل، لا يرد على العقل، فإذن نقول: عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌعمومًا مطلقًا لا استثناء فيه.
طالب: (...) ما عند الله عز وجل.
الشيخ: عما يتعلق بالله عز وجل.
الطالب: يجب (...) ناقة صالح لو أنه كان عاقل ما يصير (...).
الشيخ: على كل حال مسألة أن ناقة صالح أنها تمخض عنها الجبل هذا خبر إسرائيلي قد يكون صحيحًا وقد يكون غير صحيح، لكن هناك شيء يعني أبلغ من هذا، عصا موسى عليه الصلاة والسلام، عصا معروفة من شجر معروف يلقيها في الأرض فتكون حية ويشيلها فتكون عصا.
طالب: هل يصح أن يقال (...).
***
طالب: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، بسم الله الرحمن الرحيم{أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّى هَذَا قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١٦٥) وَمَا أَصَابَكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ فَبِإِذْنِ اللَّهِ وَلِيَعْلَمَ الْمُؤْمِنِينَ (١٦٦) وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ نَافَقُوا وَقِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا قَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوِ ادْفَعُوا قَالُوا لَوْ نَعْلَمُ قِتَالًا لَاتَّبَعْنَاكُمْ هُمْ لِلْكُفْرِ يَوْمَئِذٍ أَقْرَبُ مِنْهُمْ لِلْإِيمَانِ يَقُولُونَ بِأَفْوَاهِهِمْ مَا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يَكْتُمُونَ (١٦٧) الَّذِينَ قَالُوا لِإِخْوَانِهِمْ وَقَعَدُوا لَوْ أَطَاعُونَا مَا قُتِلُوا قُلْ فَادْرَءُوا عَنْ أَنْفُسِكُمُ الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ} [آل عمران: ١٦٥ - ١٦٨]
الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله تعالى: أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّى هَذَا، (لَمَّا) هذه؟
طالب: شرطية.
الشيخ: شرطية، وعلامة ذلك؟
الطالب: اشتملت على فعل الشرط وجوابه.
الشيخ: نعم، اشتملت الجملة على فعل شرط وجوابه، أين الجواب؟
الطالب: الجواب قُلْتُمْ أَنَّى هَذَا.
الشيخ: نعم، ما المراد بالاستفهام أَنَّى هَذَا؟
طالب: أَنَّى؟
الشيخ: نعم، ما المراد بالاستفهام؟
الطالب: بمعنى لماذا.
الشيخ: ما المراد به؟
الطالب: كيف يعني؟
الشيخ: سبحان الله! ما المراد به؟
الطالب: التعجب.
الشيخ: التعجب أو الإنكار؟
الطالب: التعجب.
الشيخ: التعجب، لماذا لا يكون الإنكار؟
الطالب: لأن هذا من قدر الله سبحانه وتعالى.
الشيخ: لأنه من قدر الله والصحابة لا يمكن أن ينكروا قدر الله.
ما معنى قوله: مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ؟
طالب: مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْيعني: من فعلكم يوم أن قتل (...) رسول الله، (...) لما أمرهم النبي عليه الصلاة والسلام ليبقوا فوقه..
الشيخ: الجبل.
الطالب: لا، لما عصوا أمره حصل ما (...).
الشيخ: يعني: مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْيعني أنتم السبب؛ وذلك بمعصيتكم أمر النبي صلى الله عليه وسلم. طيب، كيف نجمع بين هذه الآية وبين قوله تعالى: قُلْ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ [النساء: ٧٨]؟
طالب: يعني المقدَّر من عند الله سبحانه وتعالى، لكن حصول السبب من عند أنفسهم.
الشيخ: هذا الجمع، فأضيف إليهم باعتبار السبب، وأضيف إلى الله باعتبار التقدير والقدر، قوله تعالى: إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌهل هذا العموم على إطلاقه؟
طالب: نعم.
الشيخ: على إطلاقه.
طالب: بعضهم (...) قال: إن (...) يدل على الذات (...).
الشيخ: يدل على أنه ليس قادرًا على ذاته، وما الجواب على قوله؟
الطالب: الجواب: أولًا: العقل ليس له دخل، ليس من صفاته.
الشيخ: نعم
الطالب: (...) نسألهم ما تريدون من قول (...) إن أراد ربط (...) ما يصلح العقل (...) على أي شيء (...) صنع هذا الخطأ (...) ناقل منه يجعلها منه، على الأشياء قول نقص (...) الأشياء وغيرها فيكون خطأ لأن هذا يكون (...) ممكن (...).
الشيخ: القدرة تتعلق بممكن، ولا يمكن أن يوجد أو لا يوجد، إذن فإنه يحتاج إلى..؟
طالب: (...).
الشيخ: خطأ على كل حال؛ لأنهم إن أرادوا بقوله: خص العقل ذاته، إن أرادوا بذلك صفات النقص فهذه من الأمور المستحيلة ولا تتعلق بها القدرة، وإن أرادوا بذلك الأفعال الاختيارية أنه لا يقدر أن ينزل ولا أن يستوي ولا أن يتكلم فهذا خطأ.
قال الله تبارك وتعالى: أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْهَاإلى آخره، يستفاد من هذه الآية الكريمة:
أن الله وبّخ الذين قالوا: أَنَّى هَذَا.
ويتفرع على هذا: جواز توبيخ من كان كامل الإيمان إذا فعل ما يستحق التوبيخ عليه، يعني أننا لا نقول: إن كمال إيمانه يمنع أن نوبخه إذا فعل ما يقتضي توبيخه.
ومن فوائد هذه الآية: أنه من المستحسن أن الإنسان يذكَّر بما يهوِّن المصيبة عليه؛ لقوله: قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْهَا.
ومنها أيضًا، من فوائد الآية: أنه ينبغي لمن أجاب غيره أن يجيبه بما يمنع احتجاجه؛ لقوله: قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْيعني فأنتم السبب.
ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات الأسباب؛ لقوله: قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ.
ومن فوائدها: منة الله على الصحابة رضي الله عنهم؛ لأن الله تعالى قد جعل على أيديهم مصيبة أكبر مما أصابهم، بل هي مِثْلَا ما أصابهم؛ لقوله: قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْهَا.
ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات اسم القدير من أسماء الله؛ لقوله: إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ، والقدرة صفة يتَّصف بها القادر تمنعه من وصف العجز، وذكرنا فيما سبق ما تستلزم.
ومن فوائد الآية الكريمة: أنه ينبغي إذا وصفنا الله بالقدرة أن نصفه كما وصف نفسه، فنقول: إن الله على كل شيء قدير، خلافًا لمن قال: إن الله على ما يشاء قدير؛ لأنه إذا قال: إن الله على ما يشاء قدير، فقد يكون مفهوم العبارة أن ما لا يشاؤه لا يقدر عليه، وهو قادر على ما شاء وعلى ما لم يشأ.
وأيضًا إذا قلنا: إنه على ما يشاء قدير، فإنه يدخل علينا مذهب القدرية الذين قالوا: إن الله لا يشاء أفعال العباد، فإذا كان لا يشاء أفعال العباد وقلنا: إنه لا يقدر إلا على ما يشاء، لزم ألّا يكون قادرًا على أفعال العباد، هذان اثنان.
ثالثًا: أننا إذا قلنا: على ما يشاء قدير، فقد خرجنا عما وصف الله به نفسه؛ لأن الله قال: إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِير.
فإن قال قائل: ما تقولون في قصة الرجل الذي أخبر عنه النبي صلى الله عليه وسلم بأنه يكون آخر أهل الجنة دخولًا، وأن الله يقول له: «إِنِّي عَلَى مَا أَشَاءُ قَادِرٌ» ؟
فالجواب عن ذلك: أن هذا حديث عن مسألة وقعت، فإذا وقع شيء من الأشياء وكان الإنسان يستغرب وقوعه، فقال: كيف يقع هذا الشيء؟ نقول له: إن الله على ما يشاء قادر، يعني أن الله لما شاءه وقع. أما أن نصف الله بالوصف المطلق غير المقيد بفعل، فإن الأولى أن نقول: إن الله على كل شيء قدير.
***
ثم قال تعالى: وَمَا أَصَابَكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ فَبِإِذْنِ اللَّهِأول الآية تكلمنا عليها، أليس كذلك؟
مَا أَصَابَكُمْ(ما) هذه شرطية، وعلامتها أو دليل أنها شرطية أنه وُجد في الجملة فعل شرط وجوابه؛ فعل الشرط قوله: أَصَابَكُمْ، وجوابه: فَبِإِذْنِ اللَّهِ، وقُرن بالفاء لأنه جملة اسمية؛ إذ تقدير الكلام: فهو بإذن الله.
قال: وَمَا أَصَابَكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ، يعني بالتقاء الجمعين التقاءهما يوم أحد، فإنه لما التقى الجمعان صارت النهاية أنْ هُزم المسلمون واستشهد منهم سبعون رجلًا، وهذه تعتبر نكبة أمام الكفار؛ لأن الكفار سيكون لهم في هذه الحال سيطرة وعلوّ واستكبار كما وقع، فإن أبا سفيان قال في ذلك اليوم: اعل هُبل ، أي أنه افتخر بعلوِّ صنمه على من؟ على المسلمين الذين يعبدون الله.
وهذا الذي حصل يوم التقى الجمعان يقول الله عز وجل: فَبِإِذْنِ اللَّهِبإذن الله القدري أو الشرعي؟
الطلبة: القدري.
الشيخ: بإذن الله القدري، يعني الله هو الذي قدره، والإذن ينقسم - إذن الله - ينقسم إلى قسمين: إذن شرعي، وإذن كوني، فما تعلق بالتكوين والخلق فهو إذْن كوني، مثل قوله تعالى: وَإِذْ تُخْرِجُ الْمَوْتَى بِإِذْنِي [المائدة:١١٠]، فإن هذا إذن كوني، وما تعلق بالشرع فهو إذن شرعي مثل قوله تعالى: قُلْ آللَّهُ أَذِنَ لَكُمْ أَمْ عَلَى اللَّهِ تَفْتَرُونَ [يونس:٥٩]، وقوله: أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ [الشورى:٢١]، يأذن إذنًا شرعيًّا أو كونيًّا؟
الطلبة: إذنًا شرعيًّا.
الشيخ: إذنًا شرعيًّا، فإذا قيل: ما الفرق بينهما؟ فالجواب: أن الفرق بينهما أن الإذن الشرعي يكون فيما يحبه الله، والإذن الكوني يكون فيما يحبه وما لا يحبه، والثاني: أن الإذن الكوني يقع فيه المأذون به، والإذن الشرعي قد يقع وقد لا يقع، هذا الفرق بينهما.
وقوله: فَبِإِذْنِ اللَّهِ، أي: فهو كائن بإذن الله، أي الباء للسببية، ولهذا صح أن يُعطف عليها قوله: وَلِيَعْلَمَ الْمُؤْمِنِينَ، واللام في قوله: وَلِيَعْلَمَللتعليل، ولا يجوز أن تسكَّن، أي لا يجوز قراءةً أن تقول: ولْيعلم؛ لأن الذي تُسكَّن بعد حروف العطف المعروفة هي لام الأمر، أما لام التعليل فهي مكسورة دائمًا.
وقوله: وَلِيَعْلَمَ الْمُؤْمِنِينَ، يعني الذين صدقوا الله في إيمانهم، وقالوا فيما أصابهم: إنه بقدر الله، ورضوا به، وتابوا إلى الله من أسبابه وهي المعاصي والتنازع، والعلم هنا علم ظهور ولّا علم إدراك؟
الطلبة: ظهور.
الشيخ: علم ظهور، يعني: وليعلمه بعد ظهوره، أما علمه قبل ظهوره فهو ثابت لله عز وجل؛ لأن الله عَلِم كل شيء إلى يوم القيامة، وأيضًا هذا العلم علم يترتب عليه الثواب، أما علم الله السابق فإنه لا يترتب عليه الثواب ولا يترتب عليه العقاب، هذان فرقان، الفرق الثالث: أن هذا العلم علم بالشيء بعد أن وقع، فهو علم بأنه وقع، وأما العلم الأزلي فهو علم بأنه سيقع، وهناك فرق بين العلم بأنه وقع وبين العلم بأنه سيقع، هذه ثلاثة أوجه، وإلّا فإن كثيرًا من الناس يقول: كيف وَلِيَعْلَمَ الْمُؤْمِنِينَ، أليس الله قد علمهم؟ فنقول: بلى علمهم، لكن العلم يختلف من هذه الوجوه الثلاثة.
ثم قال: وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ نَافَقُوا، المؤمنين قال: وَلِيَعْلَمَ الْمُؤْمِنِينَبالوصف، وأما المنافقون فقال: وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ نَافَقُوا وَقِيلَ لَهُمْإلى آخره، فأتى بالفعل، وذلك لأن النفاق طارئ عليهم، فإن كثيرًا من المنافقين كان آمن ثم كفر، كما قال تعالى: ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا [المنافقون: ٣]، ولهذا أتى بالفعل الدال على التجدد، وأيضًا ليناسب قوله: وَقِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا.
وقوله: وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ نَافَقُواالنفاق في الأصل هو إظهار خلاف الواقع، ومنه سُمي نافقاء الجربوع أو اليربوع، اليربوع من ذكائه إذا حفر له جحرًا جعل له بابًا ظاهرًا يدخل منه ويخرج منه، ويجعل في أقصى ذلك الجحر طبقة خفيفة، يعني يخرق إلى أن يصل إلى قريب الانفتاح، فتبقى طبقة خفيفة جدًّا، من أجل إذا هُوجِم من باب الجحر خرج من هذه القشرة الرقيقة؛ لأنها تكون سهلة عليه، فيكون هذه مخادعة ولّا غير مخادعة؟
الطلبة: مخادعة.
الشيخ: هذه مخادعة؛ لأن الصائد إذا صاده، إذا أراد صيده ثم هجم عليه من الباب لا يدري أن هناك نافقاء، فيخرج اليربوع من هذه النافقاء، واليربوع أصله اليربوع حلال أو حرام؟
الطلبة: حلال.
الشيخ: حلال؟ نعم هو حلال، لكن لا أدري هل تعرفونه أم لا، معروف؟
طالب: (...).
الشيخ: لا، هو يشبه الفأر إلى حد كبير، لكنَّ له أرجلًا..
طلبة: قصيرة.
الشيخ: طويلة، وأيدٍ قصيرة، وله ذيل في طرفه هدب، ذيل طويل في طرفه هدب، وهو يقول عنه العامة: إنه يرتجز فيقول: (لو يِدَيّه طول رِجْلَيّه ما لحقتني خيل عِبيّة)، إي نعم، هذا على لسانه، أما هو لا يتكلم، على كل حال أقول: إن النفاق مأخوذ من هذا، أصله من هذا؛ لأن فيه مكرًا ومخادعة.
وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ نَافَقُوامثل من؟ مثل عبد الله بن أبي، فإن عبد الله بن أبي كان من المعارضين للخروج إلى أُحُد، ولكن النبي عليه الصلاة والسلام عزم على الخروج بمشورة بعض الصحابة ولا سيما الذين لم يدركوا بدرًا، الذين لم يحضروا في بدر هم الذين أشاروا على النبي عليه الصلاة والسلام، وأكّدوا عليه بالمشورة أن يخرج إلى أُحد.
خرج الناس مؤمنهم ومنافقهم، وفي أثناء الطريق انخذل عبد الله بن أُبي بنحو ثلث الجند و(...) من المؤمنين يوبِّخونهم ويأمرونهم بالرجوع، وَقِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا قَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوِ ادْفَعُواعلى الأقل، إما قتال في سبيل الله أو دفاع عن أوطانكم، فالقتال في سبيل الله قتال يُعتبر جهادًا يثاب عليه المقاتل ثواب المجاهد، وقتال الدفاع بحسب نية المقاتل، فهم قيل لهم: تَعَالَوْا قَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِجهادًا، أَوِ ادْفَعُواعن أوطانكم، هم لو رجعوا ماذا يقاتلون، في سبيل الله أو دفاعًا؟
الطلبة: دفاعًا.
الشيخ: دفاعًا لا شك؛ لأنهم ليس عندهم إيمان بما في سبيل الله.
تَعَالَوْا قَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوِ ادْفَعُوا قَالُوا لَوْ نَعْلَمُ قِتَالًا لَاتَّبَعْنَاكُمْنعوذ بالله! وهذه قولة رجل مخذول جبان، والإنسان الشجاع هو الذي يقول: نعم نأتي، نقاتل أو ندفع، ثم إن حصل قتال فنحن مستعدون، وإن لم يحصل رجعنا من حيث جئنا، ولهذا قال: قَالُوا لَوْ نَعْلَمُ قِتَالًا لَاتَّبَعْنَاكُمْ، سبق الكلام على قوله لَوْوأنها في مثل هذا السياق تكون شرطية.
لَوْ نَعْلَمُ قِتَالًا لَاتَّبَعْنَاكُمْ هُمْ لِلْكُفْرِ يَوْمَئِذٍ أَقْرَبُ مِنْهُمْ لِلْإِيمَانِ، هُمْ لِلْكُفْرِ يَوْمَئِذٍأي في هذا الوقت أو في هذا اليوم الذي انصرفوا فيه وانخذلوا عن المسلمين هم للكفر أقرب منهم للإيمان، وإن كان فيهم شيء من الإيمان ولعل هذا في بعضهم، لكنْ هم للكفر أقرب.
يَقُولُونَ بِأَفْوَاهِهِمْ مَا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْمثل أنهم يأتون إلى النبي عليه الصلاة والسلام ويقولون: نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّه [المنافقون:١]، ويذكرون الله فيقولون: لا إله إلا الله، ويحضرون بعض الصلوات على أنهم مسلمون، فهم -والعياذ بالله- يَقُولُونَ بِأَفْوَاهِهِمْ مَا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ، ما الذي في قلوبهم؟ الكفر، والذي بأفواههم؟
طالب: الإسلام.
الشيخ: الإسلام، قال الله تعالى: وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يَكْتُمُونَوالله أعلم بما يكتمون من غيره، وأعلم من غيره بما يكتم هؤلاء، ولهذا أبدى الله ما يكتمونه، وأنهم يقولون بأفواههم ما ليس في قلوبهم.
وفي قوله: وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يَكْتُمُونَخلاف بين المفسرين؛ فمنهم من قال: إن أَعْلَمُبمعنى عالم، عالمٌ بما يكتمون، خوفًا من أن تقع المفاضلة بين علم المخلوق وعلم الخالق؛ لأنك إذا جئت بـ(أفعل) التفضيل فإن مقتضى ذلك أن يكون بين المفضَّل والمفضل عليه اشتراك في الأصل، ولكن المفضل زاد على المفضل عليه، ولهذا تجدهم يفسرون مثل هذه الآية: وَاللَّهُ أَعْلَمُيفسرون أَعْلَمُبعالم، والله عالم بما يكتمون، ولكن هذا القول ضعيف؛ أولًا: أنهم صرفوا اللفظ عن ظاهره، أليس كذلك؟ لأن اللفظ اسم التفضيل، والمعنى الذي أثبتوه اسم الفاعل، وبينهما فرق، ولا يجوز أن نصرف القرآن عن ظاهره إلا بدليل. والثاني: أنهم إذا قالوا: عالم، لم يمنع المشاركة على وجه المماثلة، لم يمنع المشاركة على وجه المماثلة بأنه يقال: فلان عالم وفلان عالم، لكن إذا قيل: فلان أعلم من فلان، امتنعت المشاركة على وجه المماثلة؛ لظهور التفضيل، فهم الآن فروا من شيء ووقعوا في شر منه، فروا من أن يطلقوا أعلم على الله؛ لأنها تقتضي اشتراك المفضل والمفضل عليه في أصل المعنى، لكن وقعوا في معنى لا يمنع المشاركة على وجه المماثلة، وهذا شر.
إذن نقول إن: أَعْلَمُاسم تفضيل على ظاهره، ولا يستلزم ذلك شيئًا مما ينزَّه الله عنه، ونحن نعلم أن هناك اشتراكًا في العلم بين الخالق والمخلوق، لكن يمتاز الخالق بما يختص به والمخلوق بما يختص به، وإلا فلا شك أن العلم الذي يوصف الله به له أو لأصله ثبوت في المخلوق، فمثلًا: الله يعلم أن هذا عمود من الحديد وأنت تعلم أو لا؟
الطلبة: أعلم.
الشيخ: وأنت تعلم، لكن علم الله أشد إحاطة منك وأسبق، وهو علم لا يزول، وعلمك ليس كإحاطة علم الله وليس أزليًّا وليس أبديًّا، فيختص الخالق بعلمه والمخلوق بعلمه، ولهذا قال الله تعالى: وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا [الإسراء:٨٥].
وقوله: أَعْلَمُ بِمَا يَكْتُمُونَ، أي: بما يخفون في نفوسهم من الكفر، وأما ما يظهرونه من اللسان فهو معروف للمسلمين وغير المسلمين.
طالب: وَقِيلَيا شيخ معطوف على نَافَقُوا؟
الشيخ: نعم، وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ نَافَقُوا وَقِيلَ لَهُمْإما أنها معطوفة على نَافَقُوا، أو جملة حالية على تقدير (قد)، أي: وقد قيل لهم.
طالب: في قوله تعالى: قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْهَاقلنا: إن مِثْلَيْهَاما وقع في بدر من قتل سبعين وأسر سبعين، ولكن إذا قلنا يعني قال بعضهم بأن هذا بشارة في.. يعني فتح في وقعة الأحزاب وأن النصر يكون للمسلمين يكون هذا صحيح يا شيخ؟
الشيخ: لا، غير صحيح، أولًا: لأنه خلاف الظاهر قَدْ أَصَبْتُمْوهذا فعل ماض، ولم يقل: قد تصيبون. والشيء الثاني: أن ما وقع بعد أُحد مثل غزوة الأحزاب ما أصابوا مثليها في الواقع؛ لأن غزوة الأحزاب ما حصل فيها إلا قتل يسير جدًّا، وانصرفت الأحزاب بما أرسل الله عليهم من الريح والجنود.
الطالب: نقول يعني بالنسبة للنصر؟
الشيخ: لا، ما يستقيم، ما دام الله قال: قَدْ أَصَبْتُمْ، ولم يقل: قد تصيبون.
طالب: شيخ، (...) وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ [الروم: ٢٧]، أليست (أهون) بمعنى (هيّن).
الشيخ: لا، أهون.
الطالب: وهذا ما فيه مفاضلة؟
الشيخ: إي نعم، ما فيه شك أن إعادة الخلق أهون من ابتدائه، هو بالنسبة لله على حد سواء، لكن بالنسبة للفعل نفسه أو للمفعول، المعاد أهون من المبتدأ.
طالب: شيخ، (...) قَدْ أَصَبْتُمْالمقصود يعني أنهم فعلهم مصيبة لما قالوا أَنَّى هَذَا، أن الله عز وجل ذكرهم أنهم فعلوا مصيبة أعظم من هذا بمرة.
الشيخ: لا.
الطالب: أول من عنى الثاني أنهم قد أصابهم.
الشيخ: ذكّرهم أن الله مَنَّ عليهم بأكثر مما حصل عليهم، هم قُتِل منهم سبعون، وأعداؤهم قتل منهم؟ كم في بدر؟
طلبة: سبعون.
الشيخ: سبعون وأُسر سبعون، إي نعم.
طالب: شيخ، أحسن الله إليك، فسرنا كلام في الأفواه وما في قلوبهم بأنه الكفر، والشهادة بأنه رسول الله نقول أحسن الله إليك: لماذا..
الشيخ: لا، وغيره وغيره مما يظهرون من الإسلام.
الطالب: لكن لماذا لا نفسر ما دلت عليه الآية وهو أنهم يقولون بأفواههم لَوْ نَعْلَمُ قِتَالًا لَاتَّبَعْنَاكُمْ، ويبطنون الجبن والخوف من المسلمين؟
الشيخ: هذه تدخل في هذا، تدخل فيه، أو تدخل في هذا يعني هذا أعم مما ذكرنا، يعني يدخل فيه ما ذكرنا من إظهار الإسلام وإبطان الكفر، وكذلك من قولهم: لَوْ نَعْلَمُ قِتَالًا لَاتَّبَعْنَاكُمْ، مع أنهم يعلمون أنه سيكون قتال؛ لأنه ليس من المعقول أن قومًا يأتون من بلادهم بهذا الحشد ويخرج إليهم المسلمون ثم لا يحصل قتال، هذا بعيد.
طالب: أيش مرادهم في قول القائل: لَوْ نَعْلَمُ قِتَالًا لَاتَّبَعْنَاكُمْ؟
الشيخ: مرادهم منه تبريرًا لرجوعهم.
الطالب: تجنب القتال؟
الشيخ: إي نعم، هم يبررون رجوعهم من الجيش، يقولون: نحن معكم لكن ما نعلم القتال، وكما قال الأخ فيما يظهر أن كل إنسان عاقل يعلم أنه سيكون قتال، فإن أعداءهم جاؤوا من بلادهم محشِّدين لهم، وهم خرجوا إليهم.
طالب: التقييد بـيَوْمَئِذٍيعني يفيد أن (...).
الشيخ: الفوائد، بتيجي إن شاء الله.
طالب: شيخ، قوله تعالى: يَقُولُونَ بِأَفْوَاهِهِمْمع أن القول لا يكون إلا بالأفواه، فما الفائدة؟
الشيخ: يعني يقول الأخ: لماذا لم يقل: يقولون ما ليس في قلوبهم؟ يقولون ما ليس في قلوبهم؛ لأن القول عند الإطلاق إنما يكون باللسان، فما هو الجواب؟
طالب: شيخ، إحنا ذكرنا فيما سبق أن هذا تأكيد.
الشيخ: إيه، نعم؟
طالب: قد يكون القول بغير اللسان.
الشيخ: كيف؟
الطالب: إذا اعتقد الإنسان شيء (...).
الشيخ: لا، هم يقولون بأفواههم، لكن نقول أولًا: أن الله قال ذلك من باب التوكيد. ثانيًا: أنه قول باللسان لا يصدقه القلب، والقول المطلق قول يصدقه القلب، القول اللي يقول الإنسان مطلقًا يصدقه القلب ويكون فيه اعتقاد بالقلب ونطق باللسان، لكن هؤلاء ليس عندهم اعتقاد بالقلب إنما يقولون بأفواههم فقط ما ليس في قلوبهم.
طالب: قوله تعالى: هُمْ لِلْكُفْرِ يَوْمَئِذٍ أَقْرَبُقد يحتج بها الذين يقولون أن الإنسان يكون في منزلة بين المنزلتين؟
الشيخ: بيجي في الفوائد، احفظها عندك هذه إن شاء الله.
طالب: في قوله تعالى في سورة الروم: وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ [الروم: ٣] هذا يكون ذكر (...).
الشيخ: ما فيه ذكر أبدًا.
الطالب: عند ظهور الحق.
الشيخ: لا هذا خبر، خبر عن مستقبل، فهو علم بأن هذا الشيء سيقع، إخبار عن علمه عز وجل بأن هذا الشيء سيقع.
طالب: ما نوع اللام في قوله تعالى: لَوْ نَعْلَمُ قِتَالًا لَاتَّبَعْنَاكُمْ؟
الشيخ: هذه واقعة في جواب لَوْ.
***
الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله تعالى: وَمَا أَصَابَكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ فَبِإِذْنِ اللَّهِ وَلِيَعْلَمَ الْمُؤْمِنِينَهذا مبتدأ المناقشة، قوله: فَبِإِذْنِ اللَّهِمحل الجملة؟
طالب: جواب الشرط.
الشيخ: أين الشرط؟
الطالب: مَا.
الشيخ: مَا أَصَابَكُمْ، لماذا اقترنت بالفاء؟
الطالب: جملة اسمية.
الشيخ: لأنها جملة؟
الطالب: اسمية.
الشيخ: ويش التقدير؟
الطالب: فهو بإذن الله.
الشيخ: ما هي الجمل التي تقترن بالفاء إذا وقعت في جواب الشرط؟
طالب: هي معدودة في البيت التالي:
الشيخ: مجموعة.
الطالب: مجموعة في البيت التالي:
| اسْمِيَّةٌ طَلَبِيَّةٌ وَبِجَامِـــــــــــــدٍ | وَبِمَا وَقَدْ وَبِلَنْ وَبِالتَّنْفِيسِ |
الشيخ:
| اسْمِيَّةٌ طَلَبِيَّةٌ وَبِجَامِـــــــــــــــدٍ | وَبِمَا وَقَدْ وَبِلَنْ وَبِالتَّنْفِيسِ |
الطلبية مثل أيش؟
طالب: طلبية؟
الشيخ : نعم، قال النبي صلى الله عليه وسلم: «فَإِنْ غُمَّ عَلَيْكُمْ فَأَكْمِلُوا الْعِدَّةَ ثَلَاثِينَ» ، «إِنْ غُمَّ عَلَيْكُمْ فَأَكْمِلُوا»، هذه طلبية أليس كذلك؟ «أَكْمِلُوا» فعل أمر، طلب.
هل المراد بالإذن هنا الكوني أو الشرعي؟
طالب: الكوني.
الشيخ: الكوني، لماذا لا يكون الشرعي؟
الطالب: قلنا: الشرعي أمر من الأوامر الشرعية.
الشيخ: أحكام شرعية، وأما هذه فهي أمر مقدر قدره الله عز وجل، طيب، هل هناك فرق بين الإذن الكوني والشرعي؟
طالب: الإذن الشرعي يكون فيه..، قد يقع وقد لا يقع، وأما الإذن الكوني فإنه يجب أن يقع.
الشيخ: فلا بد أن يقع، فرق آخر؟
الطالب: فرق آخر أن الإذن الكوني..
الشيخ: نعم.
طالب: أما الأذن الكوني يتعلق بما يحبه الله وما لا يحبه، أما الإذن الشرعي فهو فيما يحبه الله عز وجل.
الشيخ: أحسنت؛ لأن الله لا يشرع إلا ما يحب، نريد مثالًا للإذن الشرعي؟
طالب: قوله تعالى: أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ [الشورى: ٢١] ما لم يشرعه.
الشيخ: أي ما لم يشرعه، مثال آخر؟
طالب: قوله تعالى: آللَّهُ أَذِنَ لَكُمْ أَمْ عَلَى اللَّهِ تَفْتَرُونَ [يونس: ٥٩].
الشيخ: قوله تعالى: آللَّهُ أَذِنَ لَكُمْ أَمْ عَلَى اللَّهِ تَفْتَرُونَتمام.
قوله: وَلِيَعْلَمَ الْمُؤْمِنِينَ، أخونا قرأها بسكون اللام، هل يجوز أن تُقرأ بسكون اللام؟ أليس الله قد قال: وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ [الحج: ٢٩]؟
طالب: تُقرأ بالكسر.
الشيخ: لا، وَلْيُوفُوانقرؤها بالسكون وَلْيُوفُواقراءة صحيحة سبعية؟
طالب: بس لِيَعْلَمَحين قرئت بالكسر فإن ..
طالب آخر: اللام هنا للتعليل، وَلْيُوفُوااللام للأمر.
الشيخ: أحسنت، لام الأمر إذا وقعت بعد الفاء أو الواو أو (ثم) فإنها تسكّن ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ [الحج: ٢٩]، وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنْفِقْ مِمَّا آتَاهُ اللَّه [الطلاق: ٧] ، عرفت؟ ثلاثة أحرف من حروف العطف إذا وقعت قبل لام الأمر فإنها تسكن، عرفت؟ أما لام التعليل فإنها تُكسر دائمًا ولا يمكن أن تسكن.
طالب: لام التعليل؟
الشيخ: هذه الآية الّلي معنا.
الطالب: مثال آخر.
الشيخ: يعني لازم أمثلة كثيرة؟
الطالب: لا، مجرد سؤال.
الشيخ: لِيَكْفُرُوا بِمَا آتَيْنَاهُمْ وَلِيَتَمَتَّعُوا [العنكبوت: ٦٦]. وَلِيتمتعوا، ما تقول: ولْيتمتعوا، تقول: ولِيتمتعوا، بكسر اللام.
طالب: في سورة إبراهيم وَلِيَذَّكَّر [إبراهيم: ٥٢].
الشيخ: نعم، وَلِيَذَّكَّر.
قوله تعالى: وَلِيَعْلَمَ الْمُؤْمِنِينَكيف قال: وَلِيَعْلَمَ الْمُؤْمِنِينَوهو عالم عز وجل من قبل أن يقع هذا الأمر؟
طالب: لأن العلم ينقسم إلى قسمين: علم ظهور وعلم إدراك.
الشيخ: علم الإدراك؟! أصلًا العلم هو إدراك.
الطالب: علم ظهور وعلم إدراك.
الشيخ: يعني يعلمه ظاهرًا.
الطالب: إي ظاهرًا، المقصود به علم الظهور الذي عُلم.
الشيخ: علم الظهور، يعني أنه علمه بعد أن ظهر؟
الطالب: بعد أن وقع.
الشيخ: أما العلم الأزلي؟
الطالب: الذي لم يقع.
الشيخ: فهو علم أنه سيقع، إذن هو يعلم المؤمنين قبل إيمانهم بالعلم الأزلي، وبعده أيضًا، لكنه بعده علم ظهور، هذا واحد، ثانيًا؟
طالب: أن هذا العلم اللي هو علم الظهور قد يكون يعني قسمان ينقسم..
الشيخ: أيش؟
الطالب: هناك قسم آخر، علم الله عز وجل، يكون علمًا يترتب عليه العقاب والثواب.
الشيخ: هذا هو؛ لأن الذي يترتب عليه الثواب والعقاب هو علم الظهور، إي نعم، ولهذا لا يعاقب الله ولا يثيب إلا من امتحنه بالأمر والنهي.
قال الله تعالى: وَمَا أَصَابَكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِإلى آخره.
يستفاد من هذه الآية الكريمة: تسلية المؤمن بقضاء الله وقدره؛ لقوله: وَمَا أَصَابَكُمْفَبِإِذْنِ اللَّهِ؛ لأن المؤمن إذا علم أنه من عند الله، أيش؟
طالب: (...).
الشيخ: رضي وسلّم.
الطلبة: سبب.
الشيخ: سبب، والثانية؟
طالب: فعل..
الشيخ: فعل وتقدير.
ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن الله قد يقدر على عبده المؤمن ما يكرهه لحِكَم عظيمة؛ لقوله: فَبِإِذْنِ اللَّهِ، وفي الحديث الصحيح أن الله قال: «مَا تَرَدَّدْتُ عَنْ شَيْءٍ أَنَا فَاعِلُهُ تَرَدُّدِي عَنْ قَبْضَةِ نَفْسِ عَبْدِي الْمُؤْمِنِ، يَكْرَهُ الْمَوْتَ وَأَكْرَهُ إِسَاءَتَهُ، وَلَا بُدَّ لَهُ مِنْهُ» ، فتأمل الآن أن الله عز وجل يفعل ما يكره المؤمن لكن لحكمة، وهو أنه قضى عز وجل بحكمته بالفناء على كل الخلق كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ [الرحمن:٢٦].
ومن فوائد هذه الآية الكريمة: إثبات الحكمة فيما أصاب الناس يوم التقى الجمعان، وأنه صار محنة عُلم به المؤمن من المنافق، المنافقون ماذا قالوا؟ قالوا: لَوْ أَطَاعُونَا مَا قُتِلُوا [آل عمران: ١٦٨]، لَوْ كَانُوا عِنْدَنَا مَا مَاتُوا وَمَا قُتِلُوا [آل عمران: ١٥٦]، أما المؤمنون فقالوا: رضينا بالله ربًّا واستسلموا لقضاء الله وقدره فثبت بذلك إيمانهم؛ لقوله: وَلِيَعْلَمَ الْمُؤْمِنِينَ.
ويتفرع على هذه الفائدة: أن المقضي المكروه محنة للعبد، فعليه أن يعتبر وأن يصبر حتى يكون من المؤمنين الصابرين الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ [البقرة: ١٥٦].
ثم قال عز وجل: وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ نَافَقُوا، يعلم المؤمنين والذين نافقوا، أي: يميز هذا من هذا، وَقِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا قَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوِ ادْفَعُواإلى آخره.
من فوائد هذه الآية أيضًا: إثبات النفاق في هذه الأمة؛ لقوله: وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ نَافَقُوا، أي بعد إيمانهم، ولم يبرز النفاق إلا بعد غزوة بدر، وغزوة بدر كانت في السنة الثانية في رمضان، وحصل بها للمسلمين من العز ما جعل المنافقين يظهرون نفاقهم؛ لأنهم صاروا يخافون من المؤمنين فصاروا ينافقون، أي يظهرون أنهم مسلمون أو أنهم مؤمنون وما هم بمؤمنين.
ومن فوائد هذه الآية: التحذير من النفاق، التحذير من النفاق، وفي الآية الأولى: الترغيب في الإيمان؛ والذي يميز بين هذا وهذا هي قرينة الحال، فإن المنافقين سيأتي من أفعالهم ما يدل على أنهم في غاية الذم.
ومن فوائد الآية الكريمة: أن المنافقين من أكذب الناس؛ لقوله: يَقُولُونَ بِأَفْوَاهِهِمْ مَا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ، ويقول: لَوْ نَعْلَمُ قِتَالًا لَاتَّبَعْنَاكُمْوهم كاذبون في هذا؛ لأنهم يعلمون أنه سيكون قتال، كيف ذلك؟ لأن أعداء المسلمين جاؤوا من بلادهم، تركوا أهليهم، وتركوا بلادهم، تركوا أموالهم وهم في غاية الحنق على الرسول عليه الصلاة والسلام وفي غاية الاستعداد، فهل يُعقل أن قومًا جاؤوا على هذه الصفة يرجعون ويقولون: سلام عليكم في أمان الله؟
الطلبة: لا.
الشيخ: لا يعقل، لا يعقل، فقول المنافقين لَوْ نَعْلَمُ قِتَالًا لَاتَّبَعْنَاكُمْهم كاذبون فيه، ولهذا قال: يَقُولُونَ بِأَفْوَاهِهِمْ مَا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ.
من فوائد هذه الآية: أن القول عند الإطلاق ما تواطأ عليه القلب واللسان، القول عند الإطلاق هو الذي يتواطؤ عليه القلب واللسان؛ لقوله: يَقُولُونَ بِأَفْوَاهِهِمْ مَا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ؛ لأنه لو قال: يقولون، لكان القول في الأصل ما تواطأ عليه القلب واللسان، لكن لما كان هذا القول يختلف فيه القلب عن اللسان قيَّده بالأفواه قال: يَقُولُونَ بِأَفْوَاهِهِمْ مَا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ. وبهذا التقرير يندفع عنا قولان؛ القول الأول: أن بعض المفسرين قالوا: إن قوله: بِأَفْوَاهِهِمْمن باب التأكيد، فهو كقوله: وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلَّا أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ [الأنعام:٣٨]، قالوا: لأن القول لا يكون إلا بالأفواه، ويندفع به أيضًا قول آخر أشد منه وهو القول بالكلام النفسي، القول بالكلام النفسي، قالوا: إنه لما قيد هذا القول بالأفواه دل على أن هناك قولًا أيش؟ نفسيًّا، وهو ما كان في القلب، وهذا أخطر من الأول؛ لأن هذا مبني على بدعة، بدعة الأشاعرة ومَن وافقهم في أن كلام الله هو المعنى القائم بالنفس، وقد أبطل شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله هذا القول من تسعين وجهًا في كتاب سماه التسعينية، وأشار إليه ابن القيم في النونية كما مر علينا قريبًا.
إذن الفائدة من قوله: بِأَفْوَاهِهِمْهو أن هذا القول ليس قولًا مطلقًا، لماذا؟ لأن القول المطلق ما تواطأ عليه القلب واللسان.
يمكن أن نفرع على هذا فائدة مهمة، وهي: أن من نطق بقول دون أن يكون له قصد في قلبه فإنه لاغي، يعني فإن آثار هذا النطق لاغي، يمكن أن نأخذ هذا من هذه الآية، كما يشهد لذلك قوله تعالى: لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَانَ [المائدة:٨٩]، وهذا يفيد جدًّا، فمثلًا: طلاق السكران؟
طلبة: لا يقع.
الشيخ: لا يقع؛ لأنه باللسان فقط، طلاق الموسوس؟
طلبة: لا يقع.
الشيخ: لا يقع؛ لأنه باللسان فقط، الموسوس -نسأل الله لنا ولكم العافية- يوسوس دائمًا أنه طلق زوجته، وتجده يحدث نفسه وهو على فراشه ومع زوجته، يقول: فلانة طالق، وربما حتى في الصلاة يقول هذا، ويعجز عن كبح نفسه، نقول: هذا الرجل لو طلق بلسانه ألف مرة فليس بشيء، ليس بشيء، ولهذا يستفتوننا كثير من الناس في هذه المسألة ونقول: ليس عليك طلاق، قال: ولو تكلمت؟ نقول: لو تكلمت ما عليك طلاق؛ لأنه ما قصد، أحيانًا يقول: والله أنا بريح نفسي، بريح نفسي، زوجتي طالق، نقول: هذا إغلاق و«لَا طَلَاقَ فِي إِغْلَاقٍ» ، مثل بعض الناس إذا شك هل أحدث أو لا ذهب يُحدِث علشان يتيقن، أحيانًا يحدِث بحَدَث مسموع، وأحيانًا يذهب يمس ذكره ويرى أنه ينقض الوضوء مس الذكر، وما أشبه ذلك، نقول: لا يا أخي، أنت ريح نفسك، أعطانا رسول الله صلى الله عليه وسلم قاعدة، وهي ألَّا ننصرف من الصلاة ولا نخرج من المسجد حتى نسمع صوتًا أو نجد ريحًا ، لا تبلبل نفسك، افرض أن ما عندك ماء أو أن الوقت بارد وأنت ماشٍ على هذه الطريقة كلما شككت نقضت الوضوء ثم توضأت، تذهب تنقض الوضوء ثم تبقى إما أن تتوضأ بالماء البارد أو تتيمم؟!! هذا غلط.
المهم أن الشيء الذي لا يُقصد يؤخذ من هذه الآية ومن غيرها أيضًا من النصوص الأخرى أنه لا عبرة به، لا عبرة به، ومن ذلك كما أشرت إليه طلاق الموسوسين فإنه لا يُعتبر حتى لو نطق، أقول: أحيانًا يسألوننا، فإذا قلنا لهم: ليس عليكم طلاق إلا إذا ذهبتم إلى كاتب العدل أو إلى رئيس المحكمة ليكتب الطلاق، تجده يرتعش: أعوذ بالله أعوذ بالله؛ إذن هذا قصد الطلاق؟ ما قصد الطلاق، فلا عبرة به.
من فوائد هذه الآية الكريمة: إثبات علم الله عز وجل بسرائر الأمور، من قوله: وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يَكْتُمُونَ.
ومن فوائدها: تحذير العبد من أن يكتم في قلبه ما لا يرضاه الله عز وجل، من أين يؤخذ؟
الطلبة: وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
الشيخ: من قوله: أَعْلَمُ بِمَا يَكْتُمُونَ.
ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن المنافقين يحرصون غاية الحرص على كتمان نفاقهم، ولكن الله يعلم بذلك، وقد كشفهم الله في قوله: يَسْتَخْفُونَ مِنَ النَّاسِ وَلَا يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللَّهِ وَهُوَ مَعَهُمْ إِذْ يُبَيِّتُونَ مَا لَا يَرْضَى مِنَ الْقَوْلِ وَكَانَ اللَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطًا [النساء: ١٠٨].
ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن المنافقين لا خير فيهم، لا في الجهاد في سبيل الله ولا في الدفاع عن المسلمين، من قوله: وَقِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا قَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوِ ادْفَعُوا، فهم لا خير فيهم، لا يأتون للقتال في سبيل الله ولا للدفاع.
نبهنا على خطأ بعض العلماء في قوله تعالى: وَاللَّهُ أَعْلَمُوما أشبهه؟ نبهنا عليه، طيب.
من فوائد هذه الآية الكريمة: أن الإنسان تتغير أحواله، فيكون في حال أقرب إلى الإيمان من الكفر، وفي حال أخرى بالعكس؛ لقوله: هُمْ لِلْكُفْرِ يَوْمَئِذٍ أَقْرَبُ مِنْهُمْ لِلْإِيمَانِ، واستدل بعض العلماء بهذه الآية على زيادة الإيمان ونقصانه، فما وجه الاستدلال؟
طالب: الإيمان ينقص ويزداد.
الشيخ: ما وجه الدلالة من الآية؟
الطالب: هُمْ لِلْكُفْرِ يَوْمَئِذٍ أَقْرَبُ مِنْهُمْ لِلْإِيمَانِ.
الشيخ: كلما قرب الإنسان للإيمان سوف يزداد إيمانه، كلما بعُد؟
الطلبة: ينقص.
الشيخ: سوف ينقص، وهذا مذهب أهل السنة والجماعة؛ أن الإيمان يزيد وينقص، ولكن هل يزيد بالعمل الظاهر أو يزيد حتى في العمل الباطن؟
طالب: في الاثنين.
الشيخ: نعم، يزيد في هذا وهذا، فالعمل الظاهر نجد بعض الناس يكثر من الأعمال الصالحة فيزداد إيمانهم، وأما في الباطن فكذلك يزداد إيمان الإنسان في الباطن بحسب ما يكون عنده من البينات، فهذا إبراهيم قال: رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتَى قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي [البقرة: ٢٦٠]، والإنسان يدرك بحسه أنه إذا أخبره ثقةٌ بخبر، ثم أخبره ثقة بنفس الخبر، ثم ثقة ثم ثقة يحس بنفسه أنه كلما زاد المخبرون أيش؟
الطلبة: ازداد إيمانه.
الشيخ: ازداد إيمانه، وهذا شيء مشاهَد ما فيه إشكال.
ويؤخذ من الآية الكريمة: أن الكفر ضد الإيمان؛ لقوله: هُمْ لِلْكُفْرِ يَوْمَئِذٍ أَقْرَبُ مِنْهُمْ لِلْإِيمَانِ، ولكن هل يجتمع الإيمان والكفر في قلب رجل؟
نقول: أما الإيمان المطلق والكفر المطلق فلا يمكن أن يجتمعا، وأما الإيمان الناقص أو الكفر دون الكفر فيمكن أن يجتمعا على مذهب أهل السنة والجماعة، أن الإنسان يكون فيه خصال إيمان وخصال كفر، فيُحَب على ما معه من الإيمان ويُكره على ما معه من الكفر.
ومن فوائد الآية الكريمة أيضًا: أنه ينبغي للإنسان أن يحترس في الحكم وألّا يطلق الحكم، بل يحترس فيه؛ لقوله: هُمْ لِلْكُفْرِ يَوْمَئِذٍ أَقْرَبُ مِنْهُمْ لِلْإِيمَانِ، وهو ما يسمى بعُرف الدبلوماسيين: التحفظ؛ لأن قوله: يَوْمَئِذٍاحتراز مما سبق ومما سيأتي؛ لأنه ربما أنه فيما سبق هم للإيمان أقرب، وربما في المستقبل أيضًا يغير الله حالهم فيكون الإيمان أقرب، فأنت إذا حكمت على شخص فينبغي لك أن تقيد؛ لأن الإطلاق ربما يأخذ المحكوم عليه هذا الحكم مطلقًا، وافرض أنك تريد أن تعدِّل شخصًا تقول: إنه عدل، إذا أعطيته وصف العدالة على سبيل الإطلاق فربما يفسق فيما بعد وتبقى هذه الوثيقة عنده، لكن الحمد لله الآن الناس يحترسون من هذا بذكر التاريخ؛ لأنه إذا ذُكر التاريخ وأنت عدَّلته في هذا التاريخ فإنه لا لوم عليك في المستقبل فيما لو اختلفت حاله؛ لأنك إنما تعدله في ذلك الوقت، ربما تختلف حاله ويكون فاسقًا بعد ذلك ما عليك منه.
ثم قال: الَّذِينَ قَالُوا لِإِخْوَانِهِمْ وَقَعَدُوا لَوْ أَطَاعُونَا مَا قُتِلُوا قُلْ فَادْرَءُوا عَنْ أَنْفُسِكُمُ الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَهذا أيضًا فيها فوائد.
الطلبة: (...).
الشيخ: إذن في المستقبل إن شاء الله.
يقول الله عز وجل: الَّذِينَ قَالُوا لِإِخْوَانِهِمْ وَقَعَدُوا، الَّذِينَهنا بدل من الَّذِينَالسابقة في قوله: وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ نَافَقُوا، أو صفة، الَّذِينَ قَالُوا لِإِخْوَانِهِمْ، وكونها صفةً أولى، بل هو المتعين، وذلك لأن البدل يكون هو المقصود بالحكم، هو المقصود بالحكم، انتبهوا للفرق، البدل هو المقصود بالحكم دون المبدل منه، فإذا قلت: أكرِمْ زيدًا عمْرًا، عمرًا بدل من زيد، فمن الذي يُكرَم؟
الطلبة: عمرو.
الشيخ: عمرو، إذا قلت: كُلِ الرغيفَ ثلثَه.
الطلبة: الثلث.
الشيخ: الثلث، ولهذا لو أكل النصف لأكل السدس بغير حق، فإذا قال: أنت قلت لي: كُلِ الرغيفَ؟ قلت: لكني أبدلت وقلت: ثلثَه، فالسدس الذي أكلته زائدًا الآن يعتبر أكلًا بغير حق، فتكون آثمًا، ولصاحب الرغيف أن يطالبك بقيمة السدس، على كل حال البدل هو المقصود بالحكم، كما قال ابن مالك رحمه الله في الألفية:
| التَّابِعُ الْمَقْصُودُ بِالْحُكْمِ بِلَا | وَاسِطَةٍ هُوَ الْمُسَمَّى بَدَلَا |
وعلى هذا فيتعين أن تكون الَّذِينَالثانية أيش؟
طلبة: صفة.
الشيخ: صفة لـالَّذِينَالأولى، واسم الموصول يصح أن يكون صفة؛ لأنه بصلته يكون بمعنى المشتق.
الَّذِينَ قَالُوا لِإِخْوَانِهِمْ وَقَعَدُوا، قوله: لِإِخْوَانِهِمْأي: إخوانهم ظاهرًا، هذا هو الصحيح، وقال بعضهم: لإخوانهم في النسب، والمعنى الأول أصح؛ لأنهم لا يخاطبون إخوانهم في النسب فقط بل يخاطبون كل من استشهد في غزوة أحد، وليس كل من استشهد أخًا لواحد من المنافقين؛ فيكون المراد بإخوانهم؟
الطلبة: في الظاهر.
الشيخ: أي ظاهرًا؛ لأن المنافقين مع المؤمنين كأنهم مؤمنون، ولهذا لما استؤذن النبي صلى الله عليه وسلم في قتلهم قال: «لَا يَتَحَدَّثُ النَّاسُ أَنَّ مُحَمَّدًا يَقْتُلُ أَصْحَابَهُ» ، إذن فهم ظاهرًا؟
طالب: إخوان.
الشيخ: إخوان وأصحاب، فلهذا نقول: لِإِخْوَانِهِمْالصواب المراد لإخوانهم ظاهرًا؛ لأنهم يظهرون الإسلام ويبطنون الكفر.
وقوله: وَقَعَدُوا، قعدوا عن أيش؟
الطلبة: عن القتال.
الشيخ: عن القتال، والله سبحانه وتعالى يسمي المتخلفين عن القتال قعودًا، فقال: لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ [النساء:٩٥]، فسمى المتخلفين عن القتال قعدة، وقال تعالى: وَقِيلَ اقْعُدُوا مَعَ الْقَاعِدِينَ [التوبة:٤٦]، وَلَوْ أَرَادُوا الْخُرُوجَ لَأَعَدُّوا لَهُ عُدَّةً وَلَكِنْ كَرِهَ اللَّهُ انْبِعَاثَهُمْ فَثَبَّطَهُمْ وَقِيلَ اقْعُدُوا مَعَ الْقَاعِدِينَ [التوبة:٤٦].
إذن وَقَعَدُوايعني عن القتال، والجملة في قوله: وَقَعَدُوافي محل نصب على الحال بتقدير (قد)، أي: وقد قعدوا، وهذا أولى من أن نجعل الجملة معطوفة على الصلة، يعني: قَالُواوقَعَدُوا؛ لأن قولهم حال كونهم قعودًا أشد، فهم جمعوا بين الأمرين؛ بين السوء في القول والسوء في الفعل، ماذا قالوا؟ لَوْ أَطَاعُونَا مَا قُتِلُوابأي شيء يطيعونهم؟ بعدم الخروج؛ لأن المنافقين أشاروا بعدم الخروج، ولكن النبي صلى الله عليه وسلم والصادقين من المؤمنين أَبَوْا إلا أن يخرجوا، وفي أثناء الطريق انخذل عبد الله بن أبي ومن معه بثلث العسكر، فتخلفوا -والعياذ بالله- ولهذا قال: لَوْ أَطَاعُونَا مَا قُتِلُوا، وفي قراءة: {مَا قُتِّلُوا}.





