ماذا قالوا؟ لَوْ أَطَاعُونَا مَا قُتِلُوا [آل عمران: ١٦٨] بأي شيء يطيعونهم؟ بعدم الخروج؛ لأن المنافقين أشاروا بعدم الخروج،
ولكن النبي صلى الله عليه وسلم والصادقين من المؤمنين أبَوا إلا أن يخرجوا.
وفي
أثناء الطريق انخزل عبد الله بن أُبي ومن معه بثلث العسكر، فتخلفوا والعياذ بالله،
ولهذا قال: لَوْ أَطَاعُونَا مَا قُتِلُوا، وفي
قراءة: {مَا قُتِّلُوا} بالتشديد، على سبيل المبالغة؛
لأنه حصل في الذين استشهدوا -حصل فيهم- تمثيل، مثل حمزة رضي الله عنه؛ فإنه مُثِّل
به، حتى إن هندًا بنت عتبة أخذت كبده ومضغتها ولكن لم تستطع أن تهضمها، ما بلعتها
. فنقول: {قُتِّلُوا} بناءً على أن هذا التقتيل مبالغ فيه؛ لما فيه من
المُثلة، أما قُتِلُوافأمرها ظاهر.
لَوْ أَطَاعُونَا مَا قُتِلُواقال الله تعالى: قُلْيعني: يا محمد لهؤلاء: فَادْرَءُوا عَنْ أَنْفُسِكُمُ الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَادْرَؤُوا بمعنى:
ادفعوا، يعني هل أنتم لمّا تخلفتم –هل أنتم- نجوتم من الموت؟
الجواب: لا، إن
كنتم صادقين فادرءوا عن أنفسكم الموت إذا جاءكم الموت، لا يستطيعون هذا، لا
يستطيعون أن يدفعوا عن أنفسهم الموت.
وقوله: إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَهذا من باب التحدي، يعني: إن كنتم صادقين في أن من تخلف لا يموت
فادفعوا عن أنفسكم الموت، والجواب أن لا.
قُلْ فَادْرَءُوا عَنْ أَنْفُسِكُمُ الْمَوْتَأي: ادفعوها إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَوالجواب: أنهم لا يستطيعون ذلك. وفي ختم هذا التحدي ادْرَءُوابقوله: إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَتأكيد كذبهم في قولهم: لَوْ أَطَاعُونَا مَا قُتِلُوايعني هم لو تخلفوا فالموت سيأتيهم. والله أعلم.
طالب: طلاق الموسوس يا شيخ الذي لا يقع لو قصد أن يطلق (...)؟
الشيخ: لا، لو قصد يروح للمحكمة ويطلق.
الطالب: لإراحة نفسه؟
الشيخ: لا، ما
يصير طلاق.
الطالب: لكن طلق يا شيخ قاصدًا الطلاق؟
الشيخ: أبدًا قاصد غصبًا عليه، هو قاصد الطلاق فرارًا
من الطلاق.
الطالب: ولكن ما طلق (...).
الشيخ: كيف ما طلق (...) يعني الآن هذا الموسوس لو سألته: هل
طلقت باختيار؟
الطالب: شاك في الطلاق فطلق ليريح نفسه.
الشيخ: لا، لا يريح نفسه، يريح نفسه بأن الأصل عدم
الطلاق.
الطالب: والطلاق الثاني ما يعتبر؟
الشيخ: أبدًا ما يعتبر.
طالب: يا
شيخ، قولنا: خصال الكفر؛ ما معنى خصال الكفر (...)؟
الشيخ: خصال الكفر يعني الأشياء المكفرة، مثلًا قول الرسول عليه
الصلاة والسلام: «اثْنَتَانِ فِي النَّاسِ هُمَا بِهِمْ
كُفْرٌ: الطَّعْنُ فِي النَّسَبِ، وَالنِّيَاحَةُ عَلَى الْمَيِّتِ» . هاتان
خصلتان.
الطالب: صفات.
الشيخ: صفات أو عمل.
الطالب: هل يعني
مثلا لو ترك الصلاة نقول فيه..
الشيخ: لا، ترك الصلاة
كفر أكبر مخرج عن الملة؛ لأن فيه أدلة.
الطالب: أصغر؟
الشيخ: ما هو أصغر.
الطالب: أو صفة.
الشيخ: لا، هو كفر
أكبر؛ لأن فيه أدلة من القرآن والسنة.
طالب: الَّذِينَ قَالُوا لِإِخْوَانِهِمْ، إخوان هنا إخوان في النسب
أو إخوان (...) المنافقين ظاهرهم الإسلام، المقصود بإخوانهم ..
الشيخ: قلنا: إن بعض العلماء قال: إخوانهم في النسب، والصحيح أنه
إخوانهم في الظاهر.
الطالب: لماذا لا يحمل يا شيخ على
إخوانهم في النفاق أيضًا؟
الشيخ: ما قتل أحد من
المنافقين، كل الذين استشهدوا في أحد كلهم مؤمنون خُلَّص.
طالب: أحسن الله إليك يا شيخ، الفائدة في أن المنافقين يحرصون
على كتم نفاقهم (...) في حالة ظهور الإسلام (...) نفاقهم، لكن إذا كان الإسلام
ضعيفًا يظهرون النفاق.
الشيخ: يظهرون الكفر، إي نعم
صحيح.
طالب: أحسن الله إليكم، هل يصح أن يقال: إن
العاصي في حال معصيته إنه للكفر أقرب للإيمان؟
الشيخ:
إي، ما فيه شك؛ لأن جميع المعاصي كلها خصال كفر، كل المعاصي كفر، كما أن جميع
الطاعات إيمان، لكننا لا نطلق على كل معصية أنها كفر إلا بدليل.
الطالب: الذين يقولون بالمنزلة يستدلون بهذه الآية.
الشيخ: بأيش؟
الطالب: صاحب الكبيرة
بمنزلة بين المنزلتين، يقولون: إن الله (...).
الشيخ:
بس هم يخرجونه من الإيمان، لا تظن أنه في منزلة بين منزلتين يعني بين منزلة الكمال
والنقص، لو كان هذا مرادهم لكان صحيحًا، لكنهم يخرجونه من الإيمان مرة.
الطالب: (...) المنزلة بين المنزلتين.
الشيخ: وفي الآخرة في النار، لكننا نقول: المنزلة بين المنزلتين
التي تريدون لا نوافقكم عليها، لكن لو قالوا: إنه في منزلة بين المنزلتين؛ بين
منزلة الكمال ومنزلة النقص، قلنا: صحيح.
طالب: الموسوس
الآن قلنا: إن طلاقه لا ينفذ، لكن إذا أحدث وتعمد الحدث قلنا: إن وضوءه (...)؟
الشيخ: معلوم ما فيه شك؛ لأن الحدث فعل، والمحدث حتى
لو أُكره –المحدث- على أن يُحدث وأحدث انتقض وضوؤه؛ لأنه (...) سبب، أما الطلاق فهو
موكول إلى اختيار الإنسان: إِذَا نَكَحْتُمُ [الأحزاب: ٤٩] ثم طلقتم. أما الحدث فإنه سبب مرتب عليه الوضوء.
طالب: قولنا: إن الإنسان لم يقصد (...) علق ولا يقع.
الشيخ: لم يقصد المعنى.
الطالب: لم
يقصد المعنى (...) لا يقع، ثم إذا كان يملك هذا الشيء ولا يتعلق (...) حق الغير،
(...) حق الغير، حد القذف؛ لأن الطلاق (...) يملك (...) القذف؟
الشيخ: لا، العدوان على الغير حتى لو هو جاهل، العدوان على الغير
ما يعذر فيه، لا بجهل ولا نسيان ولا إكراه، حتى لو أكره إنسان شخصًا على أن يضرب
شخصًا فإنه يؤخذ به.
الطالب: (...) يقصد بقوله.
الشيخ: المراد القول الذي يتعلق بالإنسان نفسه، أما لو
واحد بيسب شخصًا ويقول: أنا ما قصدت، أنا أردت أن أمدحه، ما ..
الطالب: حتى الطلاق يتعلق؟
الشيخ:
إي، لكن الأصل بيد الزوج، صحيح أنه يتعلق بحق المرأة، لكن المرأة لو قالت: أنا لا
أريد الطلاق، وطلقها فله ذلك؛ بيده.
طالب: قلنا: إن
العصيان من خصال الكفر، والله سبحانه وتعالى فرّق بين العصيان والفسوق والكفر في
قوله تعالى: وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ [الحجرات: ٧] وفرّق بين هذه، يصير العصيان ليس من خصال
الكفر في هذه الآية؟
الشيخ: هناك كلمات إذا ذُكرت مع
غيرها صار لها معنًى، وإذا ذكرت وحدها صار لها معنًى؛ فمثلًا الإيمان والإسلام إذا
ذكرا جميعًا صار الإسلام له معنًى والإيمان له معنًى، وإن انفرد أحدهما صارا بمعنى
واحد؛ فإذا قال: كفر وفسوق وعصيان، أو فسوق وعدوان، أو إثم وبغي، يختلف، أما عند
الإطلاق فيكون هذا بمعنى هذا.
الطالب: نقول: إن المعاصي
من الفسوق، المعاصي فسوق؟
الشيخ: نعم، المعاصي فسوق،
لكنها خصلة كفر، ما هي كفر مخرج؛ ولهذا قيدنا، ذكرنا لكم، ولكن لا نطلق على المعصية
أنها كفر إلا إذا أطلق عليها الشرع، لكن هي من خصال الكفر، الإنسان يتبع هواه
فيها.
طالب: كيف نجمع بين ما يؤاخذ الإنسان بالقول وفي
حديث النبي صلى الله عليه وسلم: «يُلْقِي الْكَلِمَةَ لَا
يُلْقِي لَهَا بَالًا يَهْوِي بِهَا فِي النَّارِ» .
كيف نجمع؟
الشيخ: نجمع بينهم بأن الملقي بالكلمة متعمد،
لكنه ما اهتم بها، لا يُلقي لها بالًا، فهو متعمد، ولهذا يهوي بها في النار سبعين
خريفًا، أو أبعد ما بين السماء والأرض؛ ففرق بين المتعمد الذي ما ألقى لها بالًا،
وفرق بين من لم يقصد.
طالب: (...) أيكون المؤمن جبانًا؟ فقال: «لَا». ثم سئل: أيكون كذابًا؟ في الجميع
قال: «نَعَمْ» وفي الكذاب قال: «لَا» . هذا يحمل على
الدوام ولّا على أفراد الأفعال؟
الشيخ: لا، حتى أفراد
الأفعال، الكذب من خصال المنافقين، فإذا كذب الإنسان مرة صار فيه خصلة من خصال
النفاق، ولكنه حتى لو كان كذابًا في كل أوقاته ما يكون كافرًا كفرًا مطلقًا، يعني
بالمعنى المخرج عن الملة.
الطالب: لكن ما يرتفع عنه اسم
الإيمان إلى النفاق؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم نفى عنه الإيمان؟
الشيخ: يرتفع عنه كمال الإيمان، مذهب أهل السنة والجماعة أن ما
ذُكر فيه نفي الإيمان وليس يقتضي الإيمان فالمراد به نفي الكمال.
طالب: قال الله عز وجل: إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ [الحجرات: ١٠] وهنا يقول: قَالُوا لِإِخْوَانِهِمْالمنافقون قالوا لإخوانهم، هل يعني
أنه يصح أن يقال: المنافق أخو المؤمن؟
الشيخ: ظاهرًا،
أما المؤمنون إخوة ظاهرًا وباطنًا.
الطالب:
(...).
الشيخ: حتى ظاهرًا يصير أخ، يجي اثنان يصلون إلى جنب بعض، واحد يصلي وهو
لا يؤمن بالله، لكن مع الناس، والثاني يصلي مؤمنًا بالله مخلصًا له، هم ظاهرًا
إخوة، كلهم في صف واحد وخلف إمام واحد.
طالب: (...) كفر
مطلق ولّا خصال الكفر؟
الشيخ: لا، المنافقون، الظاهر
أنه كفر مطلق.
الطالب: (...).
الشيخ: لا، يمكن قد يكون بعض المنافقين لم يكفر كفرًا مطلقًا
ويصير أقرب للكفر، وبعضهم كافر كفرًا مطلقًا من الأصل، ليس قريبًا من
الإيمان.
طالب: (...) بعض المفسرين (...) الكفر
(...).
الشيخ: هذا خلاف الظاهر، ولّا له معنًى صحيح،
لكنه خلاف الظاهر.
طالب: أحسن الله إليك، قوله عز وجل:
وَإِلَى عَادٍ أَخَاهُمْ هُودًا [الأعراف: ٦٥] مثل
المسألة اللي معنا بالآية يا شيخ؟
الشيخ: كيف؟
الطالب: قوله عز وجل: وَإِلَى عَادٍ أَخَاهُمْ هُودًايعني أُخوة ظاهرة يا شيخ؟
الشيخ: وأيش تقولون؟
طلبة: نسبًا.
الشيخ: نسبًا، ولهذا انظر إلى أصحاب الأيكة في سورة
الشعراء، قال: كَذَّبَ أَصْحَابُ الْأَيْكَةِ الْمُرْسَلِينَ (١٧٦) إِذْ قَالَ لَهُمْ شُعَيْبٌ [الشعراء: ١٧٦، ١٧٧] لما كانوا ليسوا من
قومه قال: إِذْ قَالَ لَهُمْ شُعَيْبٌأما أهل مدين أيش
قال لهم؟ وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا [الأعراف: ٨٥].
طالب: المقام -يا شيخ- يقتضي التفريق
بين المؤمنين والمنافقين.
الشيخ: كيف؟
الطالب: هذا المقام يقتضي التفريق بين المؤمنين والمنافقين، ليش
يعني، أنا ما أعترض يعني على قول الله: لِإِخْوَانِهِمْولكن لو اعترض (...)كيف نقول، مع أنك في آخر (...) إلى آخر الآيات، هل المقام
(...).
الشيخ: المقام هم يدّعون أنهم إخوة، وأنهم يد
واحدة، ويصلون مع الناس ويتصدقون، فيقولون: نحن مخلصون لكم، نحن إخوة لكم.
طالب: شيخ، من أكره على أمر واختار القتل هل يكون
شهيدًا.
الشيخ: هل يكون أيش؟
الطالب: يكون شهيدًا؟
***
الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله تعالى: وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا..
قال الله تبارك وتعالى: الَّذِينَ قَالُوا لِإِخْوَانِهِمْ وَقَعَدُوا لَوْ أَطَاعُونَا مَا قُتِلُواأين مقول القول في قوله: الَّذِينَ قَالُوا لِإِخْوَانِهِمْ؟
طالب: قوله: لَوْ أَطَاعُونَا.
الشيخ: لَوْ أَطَاعُونَاهذا مقول القول. وما موضع قوله: وَقَعَدُوامن الإعراب؟
طالب: في محل نصب على الحال، تقدير الكلام: وقد قعدوا.
الشيخ: تمام، ألا يجوز أن تكون معطوفة على قَالُوا؟
طالب: صلة الموصول.
الشيخ: على قَالُواالتي هي صلة الموصول.
قال الله تعالى: لَوْ أَطَاعُونَا مَا قُتِلُوا(لو) هنا ما نوعها؟
طالب: هذا ترجٍّ.
الشيخ: لَوْ أَطَاعُونَا مَا قُتِلُوا.
الطالب: تحسر هذا.
الشيخ: لكن ما هو؟ إعرابها، ما أريد المعنى.
طالب: امتناع لامتناع.
الشيخ: إعرابها؟
طالب: شرطية.
الشيخ: شرطية، إعرابها شرطية، فعل الشرط؟
طالب: أَطَاعُونَا.
الشيخ: وجوابه؟
الطالب: والجواب: مَا قُتِلُوا.
الشيخ: مَا قُتِلُوا.
(لو) تأتي لعدة معانٍ، منها أن تكون شرطية، وغيرها؟
طالب: يعني إعرابها يا شيخ؟
الشيخ: إي نعم.
طالب: أداة شرط غير جازمة.
الشيخ: أنا فاهم، هل تأتي لغير الشرط؟
طالب: مصدرية.
الشيخ: مصدرية مثل؟
طالب: قول الله سبحانه وتعالى: وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ [القلم: ٩].
الشيخ: وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُأي ودوا أن تدهن.
قوله تعالى: إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَالجملة هذه؟
طالب: إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ؟
الشيخ: إي نعم، الجملة أيش؟
الطالب: جملة اسمية.
الشيخ: اسمية؟
الطالب: نعم.
الشيخ: كيف اسمية وهي مبدوءة بالفعل؟
الطالب: إن أداة نصب.
الشيخ: الجملة في: إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ؟
طالب: إي نعم يا شيخ.
الشيخ: ما هي؟
الطالب: شرطية يا شيخ.
الشيخ: شرطية، أين فعل الشرط؟
الطالب: فعل الشرط: كُنْتُمْ.
الشيخ: أين الجواب؟
الطالب: الجواب اختلف فيه؛ فقيل: مثل هذا التركيب لا يكون له جواب، وقيل: إن الجواب محذوف تقديره: إن كنتم صادقين فادعوا على أنفسكم بالموت.
الشيخ: إي نعم، صحيح. وفيها قولان، بعضهم يقول: إن الجواب محذوف، وبعضهم يقول: إنها لا تحتاج إلى جواب؛ لأنه عُلم مما سبق، وهذا اختيار ابن القيم رحمه الله.
في هذه الآية من الفوائد: التنديد بهؤلاء الذين جمعوا بين قبح الفعل وقبح القول. يؤخذ من قوله: قَالُواوقَعَدُوا. قُبْح الفعل من كونهم؟
الطلبة: قعدوا.
الشيخ: والقول من قولهم: لَوْ أَطَاعُونَا مَا قُتِلُوا.
ومن فوائدها: أن هؤلاء مع قبح قولهم، وإدخال الندم على قومهم، اعترضوا على القدر؛ لقولهم: لَوْ أَطَاعُونَا مَا قُتِلُوا.
ومن الفوائد أيضًا: الإشارة إلى أن مثل هذا القول عند حلول القدَر لا يجوز؛ لأنه سِيق في سياق الذم، وهو كذلك، ولهذا قال النبي عليه الصلاة والسلام: «إِنْ أَصَابَكَ شَيْءٌ» يعني: بعد بذل الجهد «فَلَا تَقُلْ: لَوْ أَنِّي فَعَلْتُ لَكَانَ كَذَا وَكَذَا» ، أما لو قاله الإنسان خبرًا، لا اعتراضًا على القدر، ولا ندمًا على ما وقع، فإن هذا لا بأس به، ومنه قول النبي صلى الله عليه وسلم: «لَوِ اسْتَقْبَلْتُ مِنْ أَمْرِي مَا اسْتَدْبَرْتُ مَا سُقْتُ الْهَدْيَ وَلَأَحْلَلْتُ مَعَكُمْ» ، وليس هذا من باب التمني كما ذهب إليه بعض العلماء وأن (لو) هنا استُعملت في تمني الخير، بل نقول: هي خبر، وهذا يقع كثيرًا، قد تقول للشخص: لو زرتني بالأمس لأكرمتك. وما أشبه ذلك، تريد بذلك الخبر.
وعلى هذا فنقول: إن استعمال (لو) يكون على وجوه:
الوجه الأول: أن يكون اعتراضًا على القدر، فهذا لا يجوز، وهو منازعة للرب عز وجل في قضائه وقدره.
الحالة الثانية: أن يكون مثارًا للندم والتحسر، فهذا لا يجوز أيضًا؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عنه فقال: «إِنْ أَصَابَكَ شَيْءٌ فَلَا تَقُلْ: لَوْ أَنِّي فَعَلْتُ كَذَا لَكَانَ كَذَا وَكَذَا».
الثالث: أن يكون خبرًا عن الواقع، فهذا لا بأس به؛ لأنه لا يحمل الإنسان على الندم، وليس فيه منازعة لقدر الله عز وجل، وهو يقع كثيرًا في كلام الناس.
ومن فوائد هذه الآية: تحدي هؤلاء الذين قالوا هذا الكلام بدفع الموت عنهم؛ لقوله: قُلْ فَادْرَءُوا عَنْ أَنْفُسِكُمُ الْمَوْتَ.
ومن فوائدها: أنه لا يمكن درء الموت؛ لأن ما وقع التحدي به فإنه لا يمكن وقوعه؛ إذ لو أمكن وقوعه لم يكن للتحدي به فائدة. ومن هنا نعرف أن قول الله تعالى: يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ إِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَنْ تَنْفُذُوا مِنْ أَقْطَارِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ فَانْفُذُوا لَا تَنْفُذُونَ إِلَّا بِسُلْطَانٍ [الرحمن: ٣٣] لا يصح تنزيله على وصول الناس الآن إلى أعماق الفضاء وإلى الكواكب، وإلى أعماق الكواكب، كما زعم بعضهم حينما وصل الناس إلى القمر وحلوا به، قالوا: إن هذا مما دل عليه القرآن؛ لأن الله قال: لَا تَنْفُذُونَ إِلَّا بِسُلْطَانٍوالسلطان العلم، فهؤلاء أوتوا علمًا حتى وصلوا إلى ما وصلوا إليه، فالقرآن شاهد لذلك!
ولكن هذا في الحقيقة تحريف للقرآن، فالقرآن في الآيات هذه إنما هو للتحدي، بدليل أن الله سبحانه وتعالى قال: كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ [الرحمن: ٢٦]، يَسْأَلُهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ [الرحمن: ٢٩]، يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ إِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَنْ تَنْفُذُوا مِنْ أَقْطَارِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ فَانْفُذُوا، يُرْسَلُ عَلَيْكُمَا شُوَاظٌ مِنْ نَارٍ وَنُحَاسٌ [الرحمن: ٣٥]، فَإِذَا انْشَقَّتِ السَّمَاءُ فَكَانَتْ وَرْدَةً كَالدِّهَانِ [الرحمن: ٣٧]، وهذا كله يدل على أن المراد بذلك متى؟ التحدي، ويكون يوم القيامة، ما هو في الدنيا، ولهذا نقول: هؤلاء لو نفذوا من أقطار الأرض لم ينفذوا من أقطار السماوات، والآية فيها التحدي في هذا وهذا.
والمهم أنه لا ينبغي أن (...) نصوص القرآن من أجل أن نقول: إنها دالة على ما حدث أو ما يحدث، بل نقول: ما حدث أو يحدث إذا قامت البراهين على صدقه فإنه لا يحتاج إلى أن نقحمه في دلالة القرآن، نقول: هذا شيء وقع وشهد به كل الناس فهو صحيح، ولو كنا نقحم كل ما حدث من العلوم في الوقت الحاضر في القرآن لكنا نحمل القرآن ما لا يحتمل.
وليُعلم أن تفسير القرآن تعبير عن إرادة الله بهذا الكلام، أو تعبير عن مراد الله، فمن فسره بغير ما يظهر من مراده فهو كاذب على الله مفترٍ عليه، فالمسألة ليست هينة، يعني: أنا قد أبيح لنفسي أن أفسر كلام واحد من الناس، وليس كذب على الله ككذب على الناس، لكن لا أستبيح لنفسي أن أقول في كتاب الله مالم نعلم أن الله أراده، فالمفسر يشهد على الله بأن الله أراد كذا، فليحذر، فليحذر من هذه المسألة.
من فوائد الآية الكريمة: تكليف النبي عليه الصلاة والسلام تكليفًا خاصًّا بإبلاغ الشيء من القرآن أو مجادلة أحد من الناس؛ لقوله: قُلْ فَادْرَءُوا. يعني أنت جادلهم وتحدّهم فقل: ادرؤوا عن أنفسكم الموت إن كنتم صادقين.
ومن فوائد هذه الآية الكريمة: معاملة الناس بما يظهر من حالهم؛ لقوله: الَّذِينَ قَالُوا لِإِخْوَانِهِمْ وَقَعَدُوا، فإنه سبق لنا أن قلنا: إن الصواب في الأخوة هنا أخوة الظاهر، لا أخوة النسب؛ لأنه ليس كل من قُتل في أحد يكون له قرابة لهؤلاء المنافقين.
ثم قال الله عز وجل: وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا. فيها قراءتان: {قُتِّلُوا} وقُتِلُوا، وكذلك تَحْسَبو{تَحْسِب} كلاهما سبعيتان.
وَلَا تَحْسَبَنَّالخطاب هنا إما للرسول صلى الله عليه وسلم، أو لكل من يصح توجيه الخطاب إليه، فإن كان لكل من يصح توجيه الخطاب إليه دخل فيه النبي صلى الله عليه وسلم وغيره، وإن كان خطابًا للنبي صلى الله عليه وسلم دخل فيه غيره بالتبع، فيكون المقصود قصدًا أوليًّا بهذا الخطاب النبي صلى الله عليه وسلم، وغيره تبعًا له، أما إذا قلنا: إنه -أي الخطاب- موجه لكل من يصح توجيه الخطاب إليه فهو عام، يعني: ولا تحسبن أيها المخاطب، هذا على الثاني، أو ولا تحسبن أيها النبي، هذا على الأول، والحسبان هنا بمعنى الظن، يعني: لا تظن أن الذين قتلوا في سبيل الله أموات.
وقوله: قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِيشمل من قتله العدو ومن قُتل حِرْفَةً للعدو، كما لو ارتد السهم على حامله فقتله فإنه يكون مقتولًا في سبيل الله.
وقوله: فِي سَبِيلِ اللَّهِبينها الرسول عليه الصلاة والسلام بأن المراد بذلك من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا، وذلك حين سُئل عن الرجل يقاتل شجاعة، ويقاتل حمية، ويقاتل رياءً، وفي لفظ: يقاتل ليُرى مكانه، أي ذلك في سبيل الله؟ فقال صلى الله عليه وسلم كلمة جامعة مانعة، قال: «مَنْ قَاتَلَ لِتَكُونَ كَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا فَهُوَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ» . ما الذي سئل عنه الرسول صلى الله عليه وسلم؟
طالب: عن القتال في سبيل الله.
الشيخ: ما الذي سُئل، الأسئلة الموجهة له؟
الطالب: الرجل يقاتل شجاعة، ويقاتل حمية، ويقاتل ليُرى مكانه، أي ذلك في سبيل الله؟ فقال كلمة جامعة: «مَنْ قَاتَلَ لِتَكُونَ كَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا فَهُوَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ».
الشيخ: نعم، إذن من المراد بالذين قتلوا في سبيل الله؟ هم الذين أيش؟ قاتلوا لتكون كلمة الله هي العليا، لا شجاعة ولا حمية ولا رياء، الشجاعة معناها أن الإنسان تحمله شجاعته على أن يقاتل؛ لأن الشجاع يحب القتال، كما أن الصياد يحب الصيد، صياد السمك في البحر يحب الصيد، وإن لم يجن إلا شيئًا قليلًا، وكذلك صياد الطير في الهواء يحب الصيد وإن كان لا يجني إلا قليلًا، الرجل الشجاع يحب أن يقاتل، فلو أن رجلًا قاتل من أجل الشجاعة، حملته شجاعته على القتال، فهذا ليس في سبيل الله. حمية وطنية أو قومية، فليس في سبيل الله. فمن قاتل من أجل الدفاع عن الديار فقط فقتاله مساوٍ لقتال الكافر، حتى الكفار يقاتلون دفاعًا عن بلادهم، لكن من قاتل دفاعًا عن بلده من أجل أنه بلد إسلامي ليحمي الإسلام بهذا القتال فهو في سبيل الله، ولذلك يجب إذا وجهنا الجند للقتال دفاعًا عن الوطن أن نقول: لاحظوا أنكم تدافعون عن وطنكم باعتباره وطنًا إسلاميًّا، لا مجرد وطنية.
والثالث رياءً، قاتل رياءً فقط ليُرى أنه رجل يقاتل في سبيل الله، هذا ليس في سبيل الله، حتى لو كان هناك نيات أخرى. قاتل لمجرد طاعة أميره فقط، فليس في سبيل الله. يعني الرسول عليه الصلاة والسلام سُئل عن ثلاثة ولا أجاب عن كل واحد بعينه، بل أجاب بكلمة جامعة مانعة، لأجل أن تشمل حتى النيات الأخرى سوى هذه الثلاث، ربما تأتي نيات أخرى غير هذه الثلاث، فتخرج بالحديث أو تدخل فيه، «مَنْ قَاتَلَ لِتَكُونَ كَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا فَهُوَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ».
هؤلاء الذين قتلوا في سبيل الله من هم؟ هل هم أهل بدر أو أهل أُحد أو هو عام؟
هو عام، ولكن أول من يدخل فيه الشهداء في بدر وفي أُحد لا شك.
وقوله: وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًافي سبيل الله: سبيل الله: طريقه، ويضاف أحيانًا إلى المؤمن، قال الله تعالى: وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى [النساء: ١١٥] فهو يضاف إلى الله باعتبارين: باعتبار أنه واضعه، هو الذي شرع هذا الطريق، واعتبار أنه مُوصِل إليه، ويضاف إلى المؤمنين باعتبار واحد، وهو أنهم هم الذين سلكوه.
هنا المضاف إلى الله باعتبار أن الله تعالى هو الذي شرع هذا الدين، وأن هذا الدين مُوصِل إليه.
أَمْوَاتًاهذه مفعول ثانٍ لـ(تحسب)؛ لأن (حسِب) ينصب مفعولين أصلهما المبتدأ والخبر، بخلاف (كسا وأعطى) فإنها تنصب مفعولين ليس أصلهما المبتدأ والخبر.
يقول: أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ، هنا قال: أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌوالمعروف أنه إذا قُتل مات، فكيف ذلك؟!
المراد: لا تحسبن أنهم ماتوا وانتهوا، لا، هم ماتوا لكن انتقلوا إلى حياة أخرى أفضل ممن فارقوه، فيكون المعنى: لا تحسبنهم أمواتًا، يعني أنهم ماتوا وانتهوا، ليس الأمر كذلك، بل هم أحياء ماتوا ميتة الدنيا، ولكن هم أحياء حياة أخرى تتميز عن الحياة الدنيا، وهي خير وأفضل.
وقوله: بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْعِنْدَهذه تفيد القرب من الله عز وجل، وهو كذلك، فإن أرواح الشهداء في حواصل طير خضر تسرح في الجنة حيث شاءت، ثم تعرج إلى قناديل معلقة تحت العرش، فهذه عندية خاصة يمتاز فيها بالقرب من الله سبحانه وتعالى.
فقوله: بَلْ أَحْيَاءٌأي: بل هم أحياء، والمراد بذلك حياة أرواحهم، أما أبدانهم فقد ماتوا لا شك، لكن أرواحهم حية حياةً برزخية، ولهذا قال: عِنْدَ رَبِّهِمْ، وليست الحياة المطلقة التي هي الحياة الدنيا؛ لأنها لو كانت الحياة الدنيا ما صاروا قُتلوا في سبيل الله، لكانوا باقين، ولَمَا صح أن يُدفنوا، وهم فارقوا الدنيا ودُفنوا لكنهم أحياء عند الله عز وجل حياةً لا تشبه حياة الدنيا.
وقوله: يُرْزَقُونَأي يعطَون؛ لأن الرزق هو في اللغة العطاء، ومنه قوله تعالى: وَإِذَا حَضَرَ الْقِسْمَةَ أُولُو الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينُ فَارْزُقُوهُمْ [النساء: ٨] ارزقوهم: أعطوهم، يعني يعطَون، مم يعطَون؟
يعطَون من رزق الله في الجنة حيث شاؤوا، ولكن هذا العطاء عطاء ناقص بالنسبة للعطاء الأكمل الذي يكون بعد البعث؛ لأن العطاء هنا يعني قبل القيامة عطاء للبدن وعطاء للروح، وكلاهما ناقص بالنسبة لما بعده، فهو عطاء للبدن لأنه في القبر يُفسح له مد البصر، ويُفتح له باب إلى الجنة، ويأتيه من رَوْحها ونعيمها، لكنه لا يتمتع التمتع الكامل، كذلك الأرواح لا تتمتع التمتع الكامل في وجودها في الجنة، يكون التمتع الكامل بعد البعث حين تلتقي الأرواح بالأجساد اللقاء الذي لا مفارقة بعده؛ لأنه إذا التقت الأرواح في البعث فلا مفارقة، تبقى أبد الآبدين، وحينئذ يحصل كمال النعيم.
ثم قال: فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ. الفرح ضد الحزن، وهو قريب من معنى السرور، المعنى أنهم مسرورون بما آتاهم الله من فضله. وكما يشاهد أنها منصوبة الآن فَرِحِينَعلى أي شيء؟ هي حال، منصوبة على الحال، ولكن هل هي حال من الضمير المستتر في أَحْيَاءٌ: بل أحياء حال كونهم فرحين، أو حال من الظرف: عِنْدَ رَبِّهِمْأي من متعلق الظرف، أو حال من نائب الفاعل في: يُرْزَقُونَ؟
كل هذا جائز، والمعنى لا يختلف فيه اختلافًا كثيرًا.
وقوله: فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُأي بالذي أعطاهم مِنْ فَضْلِهِ. ولم يبينه سبحانه وتعالى، بل أتى به مجملًا؛ لأنه ذُكر مفصلًا في آيات أخرى بعد دخول الجنة يوم القيامة، وأما هنا فهو إجمال.
بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ، آتَاهُمُبمعنى أعطاهم، وأما (أتاهم) فبمعنى (جاءهم).
يقول: آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِالفضل في اللغة الزيادة، والمراد بالفضل هنا: ما تفضل الله به عليهم من النعيم الذي لم يكن يخطر على بالهم.
قال: وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْالواو هنا حرف عطف، وهل هي معطوفة على: فَرِحِينَمن باب عطف الفعل على الاسم؟ أو معطوفة على: يُرْزَقُونَ؟
نقول: يحتمل هذا وهذا، ولكن لا يختلف المعنى كثيرًا، المعنى لا يختلف كثيرًا.
قوله: يَسْتَبْشِرُونَأي: يبشر بعضهم بعضًا بما سيذكر، فمعنى (استبشر) أي: بشَّر غيره، أو (استبشر): دخلت عليه البشرى بفعل غيره.
وقوله: بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ مِنْ خَلْفِهِمْيعني بإخوانهم الذين لم يلحقوا بهم، ولم يُقتلوا حتى الآن في سبيل الله.
أَلَّا خَوْفٌقوله: أَلَّا خَوْفٌ: هذه (أن) مصدرية لكنها أُدغمت بـ(لا) أَلَّا خَوْفٌ، والقاعدة الأخيرة في الكتابة أن تكتب (أن)، لكن القاعدة القديمة ألا تكتب، وهنا لم تكتب: أَلَّا خَوْفٌ، لكن أصل الكلمة (أن لا).
(أن) هنا يقولون: إنها بدل من قوله: الَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْوكأنه قال: يستبشرون بالذين لم يلحقوا بهم من خلفهم بألا خوف عليهم، ونوع البدل هنا أيش؟ بدل اشتمال؛ لأن الخوف ليس بعض الإنسان، بدل اشتمال، يعني: يستبشرون بألا خوف عليهم ولا هم يحزنون: أَلَّا خَوْفٌ عَلَيْهِمْفيما يستقبل من أمرهم وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَعلى ما مضى من أمرهم؛ لأن الأصل أن الخوف للمستقبل، والحزن للماضي.
أَلَّا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (١٧٠) يَسْتَبْشِرُونَ بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍالجملة استئنافية تبين استبشارًا سببه غير السبب الأول، الأول: سببه أنهم ينتظرون إخوانًا لهم لم يلحقوا بهم، والسبب الثاني للاستبشار: ما أنعم الله عليهم من النعمة والفضل، وهنا قال: يَسْتَبْشِرُونَ، وقبل بقليل يقول: فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ. ولا منافاة بينهما، فهم: فرحين بما حصل، ويستبشرون بالذي سيحصل، فهم: فرحين بما آتاهم الله، مغتبطين به، مسرورين به، ومع ذلك يستبشرون بفضل زائد، ولهذا قال: بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ، ومن ذلك أنهم يُؤمِّلون النظر إلى وجه الله، وأنهم بُشروا بأن حالهم خلود ولا موت، ويستبشرون أيضًا بما وعدهم الله سبحانه وتعالى في الدنيا وما زالوا يذكرونه؛ لأن في الجنة ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر.
قال: وَأَنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُؤْمِنِينَفيها قراءتان: {وَإِنَّ اللَّهَ}، وَأَنَّ اللَّهَبالفتح، فعلى قراءة الفتح تكون معطوفة على؟ نِعْمَةٍ، أي: (وبأن الله)، وعلى قراءة الكسر تكون استئنافية من الله عز وجل، لا من كلامهم، يعني يستبشرون بنعمة من الله وفضل والله تعالى قد جازاهم على عملهم {وَإِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُؤْمِنِينَ} أي لا يتركه هملًا وسدًى، بل لا بد أن يثيبهم عليه.
والجملة كما تشاهدون مؤكدة بـ(إن)، وغيرها؟ اللام؟ بـ(إن) واللام والقسم؟
طالب: ما فيه لام، ما فيه قسم.
الشيخ: ما فيه لام، والقسم؟ ما فيه قسم، إذن مؤكدة بأيش؟ بـ(إن) فقط.
{وَإِنّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُؤْمِنِينَ}.
هذه الآيات فيها فوائد:
الفائدة الأولى: فضيلة من قُتل في سبيل الله، لكونهم أحياءً عند الله عز وجل.
من فوائدها أيضًا: الترغيب في الجهاد ليحصل الإنسان على الشهادة.
ولكن هنا مسألة: هل يشرع للإنسان أن يجاهد ليُقتل في سبيل الله، أو الذي يجاهد لتكون كلمة الله هي العليا؟
الثاني، ولهذا ينبغي للإنسان إذا ذهب إلى الجهاد في سبيل الله أن ينوي أنه يقاتل لتكون كلمة الله هي العليا، لا لمجرد أن يُقتل في سبيل الله؛ لأن كونه في سبيل الله مُفرَّع على كونه يقاتل لتكون كلمة الله هي العليا، حتى إن بعض العلماء يقول: إذا قاتل من أجل أن يُقتل فقط فهذا قاتَل ليموت، ولكن القتال الحقيقي هو أن يقاتل لتكون كلمة الله هي العليا، وإذا قتل فهو في سبيل الله.
وبعض العلماء يقول: لا بأس أن ينوي بالجهاد أن يُقتل في سبيل الله؛ لأنه لن يتم له أن يقتل في سبيل الله إلا إذا قاتل لتكون كلمة الله هي العليا.
ولكن حتى لو قيل بهذا فإن النية الأولى والرتبة الأولى هي أن يخرج ليقاتل لتكون كلمة الله هي العليا، ثم يتمنى الشهادة بناءً على هذا.
ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أنه يصح نفي الشيء باعتبار، لا نفيًا مطلقًا؛ لقوله: وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًافإن نفي كونهم أمواتًا هنا يراد به أيش؟ الموت الذي حصل فيه العدم بلا فائدة وبدون ثواب.
ومن فوائد هذه الآية الكريمة: فضيلة الشهداء بكونهم عند الله؛ لقوله تعالى: بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ.
ومن فوائد الآية الكريمة أيضًا: إبطال حجة من قال: إن الرسول صلى الله عليه وسلم حي في قبره يُرزق، وقال: إن مقام النبوة أعلى من مقام الشهادة. ولا شك في هذا؛ أن مقام النبوة أعلى من مقام الشهادة، لكن قولهم: إنه حي في قبره يُرزق، إن أرادوا أنها حياة برزخية فهذا حقيقة، وإن أرادوا أنها حياة دنيوية فهذا كذب لا شك؛ لأنه لو كانت حياة دنيوية ما غُسل ولا كُفن ولا صُلي عليه ولا دُفن، ولكان الصحابة رضي الله عنهم وَأَدُوا النبي صلى الله عليه وسلم؛ دفنوه حيًّا.
ولا يَرِد على هذا أنها تُرد عليه رُوحه فيرد السلام على من سلَّم عليه؛ لأن رد الروح في البدن في القبر ليس كردها في الحياة الدنيا، بل هو رد خاص، ولذلك لا يحتاج الميت في قبره إلى طعام ولا شراب ولا هواء وإن ردت إليه روحه.
من فوائد هذه الآية الكريمة: أن الشهداء يرزقون وهم أموات؛ لقوله: بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ، ولكن هذا الرزق هل يحتاج إلى ما يحتاج الناس في الدنيا؟ بمعنى أنه يحتاج إلى براز في القبل أو الدبر؟ لا؛ لأن هذا رزق أخروي، والرزق الأخروي لا يحتاج إلى ذلك، حتى أهل الجنة باقون فيها أبد الآبدين ولا يحتاجون إلى هذا، وإنما يخرج الطعام والشراب بصفة عرق، ولكنه ليس كعرق الدنيا أيضًا؛ عرق منتن كريه الرائحة، بل هو أطيب من رائحة المسك -اللهم اجعلنا منهم- فهذا معنى قوله: عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ.
طالب: الحديث الذي في المسند عن أبي بن كعب أو كعب بن مالك أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «نَسَمَةُ الْمُؤْمِنِ طَيْرٌ يَعْلُقُ فِي الْجَنَّةِ حَتَّى يَرْجِعَهُ اللَّهُ إِليْهِ» ما الفرق بين المؤمن الآن والشهيد؟
الشيخ: يرى بعض العلماء أن المراد بالمؤمن هنا المؤمن المجاهد الذي قُتل في سبيل الله، ويرى آخرون أنه عام، وهو الصحيح، وأن الفرق هو أن نسمة المؤمن في الجنة طائر يعلق فيها، يعني يأكل منها، وأما أرواح الشهداء فإنها في حواصل أجواف طير خضر تأوي إلى قناديل معلقة، فهي كما أنها تمزق بدنها في الدنيا أبدلها الله تعالى بأبدان أخرى، وهي هذه الطيور الخضر، فتمتاز أرواح الشهداء عن بقية المؤمنين بهذا، وهذا هو الأقرب.
طالب: يعني يا شيخ كل الأرواح في الجنة تصبح؟
الشيخ: هذا هو الأقرب أن أرواح المؤمنين في الجنة، لكن يقول ابن القيم رحمه الله: قد تحبس بعض الأرواح بسبب، مثل الدَّين مثلًا قد يمنع من دخول النسمة الجنة، وقد سُئل النبي عليه الصلاة والسلام عن الشهادة هل تكفر الذنوب؟ فقال: «تُكَفِّرُ كُلَّ شَيْءٍ». ثم جاءه جبريل فقال: إِلَّا الدَّيْنَ. فقال: «إِلَّا الدَّيْنَ» . وهذا يدل على أنه قد يُحبس ثواب المجاهد عنه إذا كان عليه دين، فقد يكون هناك عوائق، لكن الأصل أن أرواح المؤمنين في الجنة، هذا هو الأصل.
طالب: قلنا: إنه يصح أن يكون قوله تعالى: فَرِحِينَحالًا من أَحْيَاءٌ.
الشيخ: لا من الضمير.
الطالب: ما ينافي يا شيخ يعني يتناقض المعنى: يكونوا أحياء حالة كونهم فرحين؟
الشيخ: إي نعم، أحياء وفيهم فرح.
الطالب: باستمرار يعني: فرح دائم؟
الشيخ: إي، ما فيه شك، فرح دائم ما عندهم حزن.
طالب: عندما عمرو بن الجموح أراد أن يخرج في الجهاد في سبيل الله أراد الجنة فمنعه أبناؤه فشكا إلى الرسول فأذن له الرسول صلى الله عليه وسلم (...) صلى الله عليه وسلم يعني جهادا فيه لتكون كلمة الله هي العليا؟
الشيخ: معلوم هو ما خرج إلا لهذا.
طالب: هو يريد الجنة.
الشيخ: يريد الجنة بناء على أنه خرج لتكون كلمة الله هي العليا، ولهذا إذا خرج إنسان لتكون كلمة الله هي العليا حصل له هذا، حصل له الجنة.
طالب: هل ورد أن جسد الشهيد لا يفنى أو لا يتحول إلى تراب في القبر؟
الشيخ: لا، الشهداء ما ثبت، لكنهم قد وجدوا وقائع تدل على أن الأرض لا تأكلهم، ولكن الذي يقين لا تأكلهم هم الأنبياء: «حَرَّمَ اللهُ عَلَى الأَرْضِ أَنْ تَأْكُلَ أَجْسَادَ الأَنْبِيَاءِ» .
طالب: نحن نتعبد بما عند الله عز وجل، تقول: الإنسان يقاتل لنيل الشهادة يعني هذا (...) أو يقرأ آية الكرسي (...) حفظه من الشيطان (...)؟
الشيخ: أما قراءة آية الكرسي لتحفظه فقد أشار إليه الرسول عليه الصلاة والسلام، أشار إليه، لما جاء أبو هريرة وأخبر النبي صلى الله عليه وسلم بما قاله الشيطان، قال: «صَدَقَكَ وَهُوَ كَذُوبٌ». وقال: «مَنْ قَرَأَهَا فِي لَيْلَةٍ لَمْ يَزَلْ عَلَيْهِ مِنَ اللَّهِ حَافِظٌ، وَلَا يَقْرَبُهُ الشَّيْطَانُ حَتَّى يُصْبِحَ» . فإذا قرأها الإنسان لهذا الغرض حصل له هذا الغرض، لكنه يكون ناقصًا عمن قرأها للتعبد بها وحصول الغرض، الثاني أكمل.
طالب: وَيَسْتَبْشِرُونَالأولى تكون معطوفة على فَرِحِينَ، طيب فَرِحِينَمنصوبة؟
الشيخ: لأنها اسم، تقدير الكلام: فرحين ومستبشرين، يعني لو كانت (يستبشرون) اسمًا لكانت: (ومستبشرين).
الطالب: طيب، ثبوت النون هنا يدل على الرفع وَيَسْتَبْشِرُونَ؟
الشيخ: إي، لأنه فعل، ما هو اسم، والفاعل هو الواو، الواو هذه ما هي بعلامة إعراب، الواو هنا اسم ضمير.
طالب: بالنسبة للصحابي الذي بايع الرسول صلى الله عليه وسلم على أن يدخل سهم من هنا ويخرج من هنا، هذا يدل على نيته أن يقتل يا شيخ؟
الشيخ: إي، لكنهم يعرفون أنهم ما يقتلون هذه القِتلة إلا إذا كانوا قد نووا أن تكون كلمة الله هي العليا، يعرفون هذا من كلام الرسول صلى الله عليه وسلم.
الشيخ: نعم، تأويل المصدر في أَنْ يَغُلَّ.
هذا النفي هل معناه النهي، أو معناه الشيء المستحيل؟
الطالب: فيه قولان: بعضهم قال: للمستحيل، وبعضهم قال: إنه للنهي، والصحيح أنه للمستحيل.
الشيخ: يعني؟
الطالب: مستحيل شرعًا.
الشيخ: يعني لا يمكن لنبي؟
الطالب: لا يمكن للنبي أن يغل من نفقات الجهاد.
الشيخ: الغلول هنا -غلول النبي- هل هو الأخذ من الغنيمة كما هو غلول غيره، أم غلول النبي شيء آخر؟
الطالب: غلول النبي..
طالب: أن يغل من العلم.
الشيخ: يعني يغلل غير الغلول من الغنيمة؟
طالب: يشمل الاثنين.
الشيخ: يشمل الاثنين، صح، يعني لا هذا ولا هذا؛ لا يمكن أن يغل من الغنيمة ولا يمكن أن يغل مما أوحى الله إليه فيكتم العلم الذي علمه الله.
يُشكل على بعض الناس: يَأْتِ بِمَا غَلَّلماذا جاءت على هذه الصيغة: يَأْتِ؟
طالب: هذا مجزوم.
الشيخ: مجزوم بأيش؟
الطالب: مجزوم بحذف حرف العلة؟
الشيخ: لماذا جُزم؟
الطالب: لأنه جواب الشرط.
الشيخ: أين الشرط؟
الطالب: أَنْ. هذا أداة الشرط وفعله.
الشيخ: هذا أداة الشرط وفعله أَنْ يَغُلَّ!
طالب: وَمَنْ يَغْلُلْ.
الشيخ: وَمَنْ يَغْلُلْطيب، أحسنت.
لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ [آل عمران: ١٦٤] لماذا كانت هذه منة؟
طالب: لأن الله عز وجل أخرج به الناس من الظلمات إلى النور، من الجهل.
الشيخ: أيش؟
الطالب: من الضلال إلى الهدى، أخرج به يعني أخرج الناس.
الشيخ: لأن الله أخرج به الناس من الضلال إلى الهدى، ومن الشقاء إلى السعادة.
قال: رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْوفي سورة الجمعة: رَسُولًا مِنْهُمْ [الجمعة: ٢] ما الفرق؟
طالب: مِنْ أَنْفُسِهِمْيعني من بينهم.
الشيخ: ومن هم؟
طالب: مِنْهُمْيعني من (...) أن الرسول من الأميين مِنْ أَنْفُسِهِمْيعني ليس من الناس.
الشيخ: هذا عام، على جميع المؤمنين، مِنْ أَنْفُسِهِمْيعني من جنسهم. ومنه قوله تعالى: لَوْلَا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بِأَنْفُسِهِمْ خَيْرًا [النور: ١٢].
(ما) في قوله: وَمَا أَصَابَكُمْ [آل عمران: ١٦٦]؟
طالب: شرطية؟
الشيخ: شرطية! كيف شرطية وهي.. ما يستقيم المعنى وهي شرطية.
طالب: (ما) بمعنى الذي.
الشيخ: موصولة.
الطالب: (...).
الشيخ: طيب، هو يقول: إنها موصولة، ماذا تقولون يا جماعة؟
طلبة: صحيح.
الشيخ: صحيح، طيب لماذا اقترنت الفاء في خبرها: فَبِإِذْنِ اللَّهِ؟
طالب: لأنها جملة اسمية.
الشيخ: لا يا أخي.
طالب: لأن (ما) مضمنة معنى الشرط.
الشيخ: نعم، لمشابهتها للشرط في العموم.
ما المراد بإذن الله هنا: الإذن الكوني أو الشرعي؟
طالب: الإذن الكوني.
الشيخ: الكوني، هل تعرف أن الإذن ينقسم إلى قسمين: كوني وشرعي؟ هل تستطيع أن تأتي بأمثلة؟
الطالب: الإذن الكوني هو الذي لا بد أن يتحقق.
الشيخ: لا.
الطالب: أمثلة؟
الشيخ: الكوني: ما يتعلق؟
الطالب: بالكون.
الشيخ: بالكون، والشرعي ما يتعلق؟
الطالب: بالأوامر والنواهي.
الشيخ: الأوامر والنواهي. هنا تقول: إنه إذن كوني. ما الفرق بينهما -أي الإذن الكوني والشرعي- من حيث وقوع المأذون فيه وعدمه؟
الطالب: الكوني لا بد أن يتحقق.
الشيخ: نعم، لا بد أن يقع، إذا أذن الله بشيء كونًا فلا بد أن يقع. وشرعًا؟
الطالب: شرعًا، ما يلزم الوقوع.
الشيخ: لا يلزم الوقوع، تمام، قد يحكم الله بالشيء شرعًا ولكن لا يمتثله الناس.
***
الشيخ: الجملة قَعَدُوامعطوفة على أيش؟
طالب: إما تكون معطوفة على قَالُواأو تكون في موقع حال، جملة حالية.
الشيخ: في موضع نصب على الحال، يعني: وقد قعدوا.
في قوله: مَا قُتِلُواقراءتان؟
طالب: مَا قُتِلُواو{مَا قُتِّلُوا}.
الشيخ: وما موقع مَا قُتِلُوامن الإعراب؟
الطالب: جواب الشرط.
الشيخ: أين الشرط؟
الطالب: (لو) لَوْ أَطَاعُونَاشرطية، أطاعونا..
الشيخ: هذه الشرطية (لو) جازمة أو غير جازمة؟
الطالب: جازمة.
طالب آخر: غير جازمة.
الشيخ: غير جازمة، قال الله تعالى: لَوْ يَعْلَمُ الَّذِينَ كَفَرُوا حِينَ لَا يَكُفُّونَ عَنْ وُجُوهِهِمُ النَّارَ وَلَا عَنْ ظُهُورِهِمْ [الأنبياء: ٣٩].
في قوله تعالى: وَأَنَّ اللَّهَقراءتان؟
طالب: وَأَنَّ اللَّهَ، {وَإِنَّ اللَّهَ}.
الشيخ: ما الفرق بينهما؟
الطالب: أن (إن) تكون استئنافية، و(أن) تكون معطوفة على ما قبلها.
الشيخ: متى تكون استئنافية؟
طالب: {وَإِنَّ}.
الشيخ: على قراءة الكسر؟
الطالب: تكون استئنافية.
الشيخ: وعلى قراءة الفتح؟
الطالب: معطوفة على ما قبلها.
الشيخ: وأيش اللي قبلها؟
الطالب: معطوفة على: أَلَّا خَوْفٌ عَلَيْهِمْوَأَنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُؤْمِنِينَ.
الشيخ: لا.
طالب: يستبشرون بنعمة وبأن الله.
الشيخ: يعني على (نعمة)، طيب، أحسنت.
طالب: إِذْ تُصْعِدُونَ وَلَا تَلْوُونَ عَلَى [آل عمران: ١٥٣].
***
الشيخ: وهل تحتمل البدلية؟
الطالب: (...).
الشيخ: كيف؟
الطالب: غمًّا بدل غم أعظم منه، غم (...) الغم الآخر أعظم منه (...).
طالب: قد تأتي للسببية.
الشيخ: وتأتي للسببية، لكن ما سألنا (...)، لكن إذا قلنا: إنها بدلية فهل المعنى: غمًّا كثيرًا بدل غم قليل، أو أن المعنى: غمًّا عوضًا عن غم؟
الطالب: آتاكم الله غمًّا عوضًا عن الغم الذي جعلتموه لرسول الله.
الشيخ: نعم، إذن (غمًّا) إما أن تكون الباء للمصاحبة، أي: غمًّا مصحوبًا بغم، يعني غمومًا متعددة، أو غمًّا بدل غم عوضًا عنه، حيث غممتم الرسول صلى الله عليه وسلم.
قوله: أَمَنَةً نُعَاسًاإعرابها؟
طالب: نُعَاسًابدل اشتمال من أَمَنَةً.
الشيخ: هذا وجه، وجه آخر؟
طالب: يحتمل أن تكون بدل كل من كل.
الشيخ: لا، غير (...) وغير (...) عطف البيان.
طالب: مفعول ثان أو صفة لـأَمَنَةً.
الشيخ: ألا يمكن أن تكون أَمَنَةًمفعولًا لأجله، ونُعَاسًامفعولًا به؟ إي نعم، يجوز هذا وهذا، ويجوز أن تكون بدل اشتمال كما قلتم.
قوله: وَطَائِفَةٌ قَدْ أَهَمَّتْهُمْكيف رُفعت والتي قبلها منصوبة: يَغْشَى طَائِفَةً؟
طالب: استئنافية.
الشيخ: استئنافية، خبرها؟
الطالب: جملة قَدْ أَهَمَّتْهُمْ.
طالب: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم..
طالب: نفاق.
طالب آخر: قال: لَوْ كَانَ لَنَا مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ مَا قُتِلْنَا هَاهُنَامعناها؟
الشيخ: يُخْفُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ مَا لَا يُبْدُونَ لَكَيعني النفاق، يعني يخفون الكفر ولا يظهرونه، هذا قول، والقول الثاني أنهم يخفون قولهم: هَلْ لَنَا مِنَ الْأَمْرِ مِنْ شَيْءٍ.
فِي بُيُوتِكُمْفيها قراءتان، بيوت؟
طالب: ثلاثة.
طالب آخر: بالضم بُيُوتِكُمْ.
الشيخ: بالضم بُيُوتِكُمْ، والثانية؟
الطالب: بالكسر.
الشيخ: {فِي بِيُوتِكُمْ}، والثالثة؟
طالب: بضم: بُيُوتُكُمْ.
الشيخ: هذه من كيسك؟!
طالب: بضم الباء والتاء.
الشيخ: لا، التاء ما يمكن.
طالب: فيه يا شيخ بكسر الباء وكسر التاء؟
الشيخ: التاء مكسورة على كل حال، لعلك تنازَل عن القراءة الثالثة؟
طالب: يمكن أن تكون شاذة؟
الشيخ: لا، ما هي شاذة ولا شيء، إنها قراءتان.
طالب: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم..
***
طالب: يعني يكون من استذلالهم وخذلانهم.
الشيخ: لا.
الطالب: أطاعوا الشيطان.
الشيخ: لكن ما معنى (استزلهم) لفظيًّا؟
طالب: (...) استذلال.
الشيخ: أوقعهم في الزلل.
والباء في قوله: بِبَعْضِ مَا كَسَبُوامعناها؟
طالب: بسبب.
الشيخ: سببية.
هل تفهم من هذا أن الذنوب تكون سببًا للذنوب؟
طالب: نعم.
الشيخ: ما هو الذنب الأول والذنب الثاني؟
طالب: لما أطاعوا الشيطان.
الشيخ: ما هو الذنب الثاني؟
الطالب: هنا؟
الشيخ: إي.
الطالب: الذنب الثاني مخالفته لله ورسوله.
الشيخ: الذنب الثاني؟
طالب: التولي يوم التقى الجمعان.
الشيخ: نعم، صح، التولي يوم التقى الجمعان، والأول؟
الطالب: المخالفة.
الشيخ: المخالفة، أو ذنوب ما ذُكرت، ذنوب لم تُذكر، ذنوب أذنبوها فاستزلهم الشيطان ببعض هذه الذنوب.
***
الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله تبارك وتعالى: يَسْتَبْشِرُونَ بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ وَأَنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُؤْمِنِينَ. وأخذناها.
قال الله تعالى: وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ.
من فوائد هذه الآية الكريمة: أن الذين قتلوا في سبيل الله ليسوا أمواتًا بل أحياء، ووجه الدلالة قوله: لَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا، ولكن هل هذه الحياة كحياة الدنيا؟ لا، بل هي حياة برزخية ليست كحياة الدنيا.
من فوائدها: أنه إذا ثبت هذا للشهداء فإنه يثبت للأنبياء من باب أولى، فالأنبياء أحياء، ويمتاز الأنبياء عن الشهداء بأن الله حرم على الأرض أن تأكل أجسادهم، بخلاف الشهداء، فإن الأرض تأكلهم ولكن قد لا تأكل بعضهم إكرامًا لهم، وإلا فالأصل أنهم كغيرهم تأكلهم الأرض.
ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات العندية لله عز وجل، أي أن يكون أحد من الخلق عند الله؛ لقوله: بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِم، وهذه عندية خاصة؛ كقوله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَيُسَبِّحُونَهُ وَلَهُ يَسْجُدُونَ [الأعراف: ٢٠٦].
ثم قال تعالى: فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ.
من فوائدها: أن هؤلاء الشهداء لهم شعور، يفرحون؛ لأن الفرح من الشعور النفسي.
وهل يحزنون؟
ذكر في بعض الآثار أن الميت تُعرض عليه أعمال أقاربه، فإذا كانت سيئة حزن، وإن كانت حسنة فرح، لكنها آثار يشك الإنسان في صحتها.
ومن فوائد هذه الآية الكريمة: قوله: فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِأن هذا الثواب الذي يناله هؤلاء الشهداء ثواب عظيم. وجه الدلالة: أنه من عند إله عظيم ذي إفضال، والثواب يعظُم بعظم المثيب، لا سيما وقد قال: مِنْ فَضْلِهِ.
ومن فوائد الآية الكريمة: أن الفضل لله على عباده في الدنيا وفي الآخرة؛ لقوله: بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ، فكما أن لله فضلًا في الدنيا له فضل في الآخرة، فمن أمثلة فضله في الدنيا قوله تعالى: وَلَوْ أَنَّهُمْ رَضُوا مَا آتَاهُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ سَيُؤْتِينَا اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَرَسُولُهُ إِنَّا إِلَى اللَّهِ رَاغِبُونَ [التوبة: ٥٩] فهذا فضل دنيوي.
ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن هؤلاء الشهداء يَسْتَبْشِرُونَأي يبشر بعضهم بعضًا بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ مِنْ خَلْفِهِمْ، أي من بعدهم، يعني يستبشرون بأنه سيلحقهم أناس شهداء يكونون في منازلهم.
ومن فوائد الآية الكريمة: أن هؤلاء الشهداء ليس عليهم خوف ولا حزن، لا خوف يتعلق بالمستقبل، ولا حزن يتعلق بالماضي، أما كونه لا خوف عليهم في المستقبل فلأنهم قد أحلهم الله جنات، والجنة من يدخلها ينعم ولا يبأس، ويصح فلا يسقم، ويحيا فلا يموت، وفيها من النعيم ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر.
وأهل الجنة في الآخرة هم أهل الجنة في الدنيا، ولهذا لا تجد أحدًا أنعم بالًا وأسر حالًا من المؤمن؛ إن أُعطي شكر، وإن ابتُلي صبر، وإن أذنب استغفر، ودائمًا مع الله عز وجل في حكمه الكوني وفي حكمه الشرعي، راضٍ بقضاء الله، ولهذا قال النبي عليه الصلاة والسلام: «عَجَبًا لِأَمْرِ الْمُؤْمِنِ، إِنَّ أَمْرَهُ كُلَّهُ خَيْرٌ، َإِنْ أَصَابَتْهُ ضَرَّاءُ صَبَرَ فَكَانَ خَيْرًا لَهُ، وَإِنْ أَصَابَتْهُ سَرَّاءُ شَكَرَ فَكَانَ خَيْرًا لَهُ، وَلَيْسَ ذَلِكَ لِأَحَدٍ إِلَّا لِلْمُؤْمِنِ» .
وقد ذكر بعض العلماء أن قوله تعالى: لَا يَذُوقُونَ فِيهَا الْمَوْتَ إِلَّا الْمَوْتَةَ الْأُولَى وَوَقَاهُمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ [الدخان: ٥٦] ذكروا أنه قال: إِلَّا الْمَوْتَةَ الْأُولَى، مع أن الموتة الأولى قد خلصت؛ لأن نعيم أهل الجنة مستمر من الحياة الدنيا إلى دخول الجنة. وأما كونهم لا يحزنون على ما مضى -أعني الشهداء- فلأنهم استكملوا عملًا من أفضل الأعمال، وهو الجهاد في سبيل الله الذي أدى إلى الشهادة، فلا يحزن، من خرج من الدنيا شهيدًا فقد خرج أكمل خروج، في الطبقة الثانية من طبقات الذين أنعم الله عليهم.
ثم قال عز وجل: يَسْتَبْشِرُونَ بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ.
من فوائد هذه الآية الكريمة: استبشار الشهداء مرة ثانية بما أنعم الله عليهم من الفضل؛ لأن الاستبشار الأول فيما يكون لإخوانهم، والثاني فيما أنعم الله به عليهم، فهم لهم استبشارات متعددة حسب ما يجدون من نعيم.
ومن فوائدها: إسناد النعمة إلى مسديها، وهو الله. لا يرون لأنفسهم فضلًا، بل يرون الفضل والمنة لله عليهم، ولهذا قال: بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ.
ومن فوائدها: عظم النعمة التي يعطَونها. وجهه أن الله أضافها إليه، وإضافة العطاء إلى الله يدل على عظمته.
ومن فوائدها؛ من فوائد الآية: أن كل مؤمن فلن يضيع الله أجره؛ لقوله: وَأَنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُؤْمِنِينَ، أو على القراءة الثانية، ما هي؟ وَإِنَّ اللَّهَ، فالله عز وجل لا يضيع أجر المؤمنين، كل إنسان يعمل وهو مؤمن فإن أجره لن يضيع.
ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات عدل الله عز وجل، وذلك بعدم إضاعته أجر المؤمنين. والآيات في هذا المعنى كثيرة.
ومن فوائدها: فضيلة الإيمان، وأنه سبب للحصول على الثواب والأجر.
***
قال الله تعالى الَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِلَّهِ وَالرَّسُولِ مِنْ بَعْدِ مَا أَصَابَهُمُ الْقَرْحُ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا مِنْهُمْ وَاتَّقَوْا أَجْرٌ عَظِيمٌالَّذِينَ: يحتمل أن تكون بدلًا مما سبق أو نعتًا، ويحتمل أن تكون مبتدأ، فعلى الثاني يكون خبرها جملة: لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا مِنْهُمْ وَاتَّقَوْا أَجْرٌ عَظِيمٌ.
يقول: الَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِلَّهِ وَالرَّسُولِ مِنْ بَعْدِ مَا أَصَابَهُمُ الْقَرْحُاستجابوا بمعنى: أجابوا وانقادوا لله والرسول حينما دعاهم النبي عليه الصلاة والسلام إلى الغزوة مرة أخرى بعد أحد، لما قيل له: إن المشركين أرادوا الكَرة على المسلمين، لما علموا بالجراح الذي أصاب المسلمين والوهن والضعف، وقفوا في حمراء الأسد وقالوا: لماذا لا نرجع ونقضي على محمد وأصحابه؟ الآن هم في أقرب ما يكون للقضاء عليهم. فأمرهم النبي عليه الصلاة والسلام أن يستعدوا للقتال، فاستجابوا لله والرسول، مع ما أصابهم من الجراح والتعب النفسي والتعب البدني؛ لأنه استُشهد منهم سبعون من ثلاثمائة وثلاثين، جمع كبير.. لا، قصدي من سبعمائة وستين تقريبًا؛ لأنهم كانوا حوالي ثلاثة آلاف، الذين خرجوا لأُحد ورجع منهم ثلث العسكر، من ألفين، السبعون من الألفين لا شك أنهم عدد كبير، فهم أصيبوا بالقرح البدني والنفسي، والنبي عليه الصلاة والسلام أيضًا جُرح وكُسرت رَبَاعِيَتُه، وحصل ما حصل من الأمور التي لا نشعر بها الآن ونحن نصورها بأفكارنا، لكن لو كنا نشاهدها عين اليقين لكان الأمر فظيعًا جدًّا.
هؤلاء الذين أَصَابَهُمُ الْقَرْحُ، وفي قراءة: {الْقُرْحُ}، هؤلاء الَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِلَّهِ وَالرَّسُولِقال: لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا مِنْهُمْ وَاتَّقَوْا أَجْرٌ عَظِيمٌالذين أحسنوا منهم بالاتباع، واتقوا بترك المخالفة لهم أَجْرٌ عَظِيمٌيعني: كثير واسع، أجر عظيم: كثير واسع.
ثم قال: الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْهذه أيضًا بدل مما سبق، أو عطف بيان، أو صفة، وهي الأقرب؛ وذلك لأن البدل لا يراد به البدل والمبدل منه، وإنما يراد به البدل الثاني، بخلاف النعت فإنه يراد به المنعوت والنعت، ولهذا نقول: إن البدل هنا ضعيف؛ لأنه لو كان المراد البدل لسقط الوصف السابق، كما قال ابن مالك في الألفية:
| التَّابِعُ الْمَقْصُودُ بِالْحُكْمِ بِلَا | وَاسِطَــــــةٍ هُــــــوَ الْمُسَمَّـــــى بَـــــدَلَا |
الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْالقائل رجل جاء إلى النبي عليه الصلاة والسلام وقال له: إن أبا سفيان قد جمع لك، يريد الكرة عليك ، فَاخْشَوْهُمْ: احذروهم، اتقوهم، وما أشبه ذلك. فماذا قالوا؟ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ. سبحان الله! المؤمن عند المصائب يزداد إيمانًا، لما أحاط الأحزاب بالمدينة قال المؤمنون: هَذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ [الأحزاب: ٢٢]، فازدادوا إيمانًا، هنا أيضًا لما قيل لهم: إن الناس قد جمعوا لكم زادهم إيمانًا بالله واعتمادًا عليه وتوكلًا عليه وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ: حَسْبُنَايعني كافينا، اللَّهُالله جل جلاله.
وهذه الجملة: حَسْبُنَا اللَّهُفيها مبتدأ وخبر، لكن الخبر فيها مقدم، والتقدير: الله حسبنا، ويجوز أن يكون (حسبنا) مبتدأ و(الله) خبرًا، لكن المعروف أن المحكوم عليه هو المبتدأ، والمحكوم به هو الخبر، وعلى هذا فيكون (حسبنا) خبرًا مقدمًا و(الله) مبتدأ مؤخرًا.
حَسْبُنَا اللَّهُأي: كافينا، ولو جمع لنا الناس، فإننا لا نخشاهم وإنما نخشى الله عز وجل، وهو كافينا.
وَنِعْمَ الْوَكِيلُنعم: فعل إنشاء يُقصد به المدح، وفاعله لا بد أن يكون مُحَلًّى بـ(أل) أو مضافًا لما حُلي بـ(أل)، وَلَنِعْمَ دَارُ الْمُتَّقِينَ [النحل: ٣٠] هذه مضافة لمُحَلًّى بـ(أل)، وهنا نِعْمَ الْوَكِيلُالفاعل فيها مُحَلًّى بـ(أل)، وتحتاج إلى فاعل وإلى مخصوص، والغالب أن المخصوص يكون محذوفًا، والتقدير في هذه الآية: ونعم الوكيل هو.
الْوَكِيلُليس المراد بالوكيل هنا المتوكل عن غيره، ولكن المراد المدافع عن غيره؛ لأن الله عز وجل لا يتوكل عن أحد، بل بيده الأمر كله، فيكون المراد بالوكيل هنا من؟ المدافع.
من فوائد هذه الآية الكريمة: بيان فضيلة الصحابة رضي الله عنهم، وأنهم بما معهم من الأعمال نالوا خيرية هذه الأمة؛ لأنهم استجابوا لله والرسول من بعد ما أصابهم القرح. وقد بيّنّا في التفسير أن أهل مكة المشركين لما انصرفوا من أُحد ندموا على ما حصل، وقالوا: لماذا لا نرجع ونقضي على محمد ونسبي ذراريهم. ثم تركوا ذلك، عدلوا وقالوا: في العام القادم.
ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن (...) صلى الله عليه وسلم أمر لله؛ لقوله: الَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِلَّهِ وَالرَّسُولِ. ومعلوم أنه لم ينزل الوحي بأمرهم بالخروج إلى المشركين، وإنما الذي أمرهم الرسول صلى الله عليه وسلم.
ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن المصائب محك لمعرفة الرجال؛ وذلك أن هذه المصيبة التي حصلت في أحد كانت محكًّا للصحابة رضي الله عنهم؛ لأنه لولا فضلهم وميزتهم على الخلق ما خرجوا بعد أن أصابهم القرح.





