يعني نقول: سُنّة فات محلها؟ القاعدة إن السُّنة إذا فات محلها سقطت، خير إن شاء
الله.
أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله تعالى: الَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِلَّهِ وَالرَّسُولِ مِنْ بَعْدِ مَا أَصَابَهُمُ الْقَرْحُ [آل عمران: ١٧٢].
قال الله عز وحل: الَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِلَّهِ وَالرَّسُولِ مِنْ بَعْدِ مَا أَصَابَهُمُ الْقَرْحُإلى آخره.
من فوائد هذه
الآية الكريمة: بيان فضيلة الصحابة رضي الله عنهم؛ وأنهم بما معهم من
الأعمال نالوا خيرية هذه الأمة؛ لأنهم استجابوا لله والرسول من بعد ما أصابهم
القرح؛ وقد بينّا في التفسير أن أهل مكة المشركين لما انصرفوا من أُحُد ندموا على
ما حصل، وقالوا: لماذا لا نرجع ونقضي على محمد ونسبي ذراريهم؟ ثم تركوا ذلك، عدلوا
وقالوا: في العام القادم.
ومن فوائد هذه الآية
الكريمة: أن أمر الرسول صلى الله عليه وسلم أمر لله؛ لقوله: الَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِلَّهِ وَالرَّسُولِومعلوم أنه لم
ينزل الوحي بأمرهم بالخروج إلى المشركين، وإنما الذي أمرهم الرسول صلى الله عليه
وسلم.
ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن المصائب
محكّ لمعرفة الرجال؛ وذلك أن هذه المصيبة التي حصلت في أُحُد كانت محكًّا للصحابة
رضي الله عنهم؛ لأنه لولا فضلهم وميزتهم على الخلق ما خرجوا بعد أن أصابهم
القرح.
ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن ما عملوه
فهو من الإحسان؛ لقوله: لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا مِنْهُمْ وَاتَّقَوْا أَجْرٌ عَظِيمٌولم يقل: لهم أجر؛ بل قال: لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا مِنْهُمْويحتمل أن يكون هذا القيد
قيدًا تخصيصيًّا؛ يعني أن الذين استجابوا لله والرسول منهم من أحسن واتقى، ومنهم من
حصل منهم بعض الخلاف، مثل الرماة الذين جعلهم النبي عليه الصلاة والسلام على الجبل،
فإنهم -عفا الله عنهم- لم يحصل منهم إحسان كما ينبغي ولا تقوى.
ومن فوائد هذه الآية الكريمة: فضيلة الإحسان والتقوى؛ لقوله
لهم: أَجْرٌ عَظِيمٌ [آل عمران: ١٧٢] وقد بيّن الله
سبحانه وتعالى شيئًا من أجر الإحسان والتقوى فقال: إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ [النحل: ١٢٨].
ومن فوائد الآية الكريمة: أن الجزاء من جنس
العمل؛ لأنه لا شك أن التقوى والإحسان من أعظم عمل العبد فكان ثوابها عظيمًا.
ثم
قال تعالى: الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ [آل عمران: ١٧٣] الَّذِينَهذه عطف بيان.
من فوائد
هذه الآية الكريمة: بيان أن المؤمن كلما ضاقت عليه المصائب فإنه يلجأ إلى
ربه، ويزداد إيمانًا به؛ لقوله: الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُونظير هذا قوله تعالى:
وَلَمَّا رَأَى الْمُؤْمِنُونَ الْأَحْزَابَ قَالُوا هَذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَمَا زَادَهُمْ إِلَّا إِيمَانًا وَتَسْلِيمًا [الأحزاب: ٢٢] فالمؤمن كلما أصابته النكبات
والمصائب ازداد إيمانًا بالله ومعرفة به.
ومن فوائد هذه
الآية الكريمة: جواز إرادة الخصوص بلفظ العموم، وأن هذا أسلوب لغوي لا يخرج
به الإنسان عن قواعد اللغة العربية؛ لقوله: الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ، والقائل واحد: إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْوالجامع لهم بعض من الناس.
ومن
فوائد هذه الآية الكريمة: أن المؤمن حقًّا لا يهمه أن يجمع له أعداء الله؛
لقوله تعالى: فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ.
ومن فوائدها: أن الحسْب هو الله
وحده ولا أحد معه؛ لقوله: حَسْبُنَا اللَّهُولم
يقولوا: حسبنا الله ورسوله، بل قالوا: حسبنا الله وحده؛ فالله وحده هو الحسب كما
أنه وحده المتوكّل عليه؛ وبهذا نعرف أن قوله تعالى: يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللَّهُ وَمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ [الأنفال: ٦٤] أن (مَنْ) في قوله: وَمَنِ اتَّبَعَكَمعطوفة على الكاف في قوله: حَسْبُكَوليس معطوفة على لفظ الجلالة، حسبك الله؛ لأنها لو
عُطفت على لفظ الجلالة لكان المعنى أن الله حسبك ومن اتبعك من المؤمنين حسبك؛ وليس
الأمر كذلك، وإنما حسْبه وحسْب من اتبعه هو الله عز وجل.
ومن فوائدها: الثناء على الله عز وجل بكونه وكيلًا لعباده
أي: حسيبًا لهم، عمدة لهم؛ لقوله: وَنِعْمَ الْوَكِيلُ.
ومن فوائدها: إثبات اسم الوكيل
لله؛ لأن تقدير الآية: ونعم الوكيل هو؛ وقد ذكر الله تعالى في آية أخرى أنه على كل
شيء وكيل؛ فالوكيل من أسماء الله، ومعناه المتكفّل بشؤون عباده، وليس معناه القائم
بالأمر نيابة عنهم؛ لا، بل معناه المتكفل بأيش؟ بشؤون العباد.
ثم قال تعالى: فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ [ آل عمران: ١٧٤].
قوله: فَانْقَلَبُواأي: هؤلاء الذين استجابوا لله والرسول وخرجوا بأمر النبي صلى الله عليه وسلم لقتال هؤلاء الكفار الذين بلغهم عنهم أنهم مجمعون على الكرّة على المسلمين خرجوا، فلما بلغوا ما بلغوا من الطريق، بلغوا حمراء الأسد، وجدوا المشركين قد ذهبوا؛ لأن المشركين صرفهم الله، وقالوا: نرجع في العام القادم؛ يقول عز وجل: فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍانقلبوا؛ يعني عائدين إلى المدينة بعد أن وصلوا إلى حمراء الأسد. انْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِما هذه النعمة؟ النعمة أنهم سلموا من ملاقاة العدو، ولم يحصل حرب؛ لماذا؟ لأن العدو مضى في سبيله ولم يرجع، وأما قوله: وَفَضْلٍففُسّرت بأن المراد به فضل الجهاد، وأن الله كتب لهم بهذا الخروج أجر غزوة كاملة فسلموا من الحرب ونالوا ثواب المجاهدين.
وقوله: لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌأي: لم يصبهم ما يسوءهم لا من جهة عدوهم ولا من جهة أحوالهم، بل كانوا على أحسن ما يرام ذهابًا ورجوعًا.
وَاتَّبَعُوا رِضْوَانَ اللَّهِفيها قراءتان: رِضْوَانَو{رُضْوَان} بضم الراء وكسرها؛ ومن اتبع رضوان الله؛ اتبعوا ما يرضي الله عز وجل، بماذا؟ بالاستجابة للرسول صلى الله عليه وسلم، بالاستجابة لله ورسوله؛ فإن الاستجابة لله ورسوله سبب لرضا الله عز وجل، أسأل الله أن يجعلني وإياكم ممن يرضى الله عنهم.
وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍذُو فَضْلٍ: بمعنى (صاحب)، فَضْلٍ عَظِيمٍعلى العباد في الدنيا والآخرة، ومنه أن تفضّل على هؤلاء بأن انقلبوا بنعمة من الله وفضل لم يمسسهم سوء.
من فوائد هذه الآية الكريمة: فضيلة هؤلاء الذين استجابوا لله والرسول بما أصابهم من الثواب.
ومنها: أن الإنسان إذا عمل العمل وسعى فيه ولم يكمله كُتب له أجره كاملًا، ولهذا شواهد؛ منها: قوله تعالى: وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهَاجِرًا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ [النساء: ١٠٠].
ومنها: قول النبي صلى الله عليه وسلم: «مَنْ مَرِضَ أَوْ سَافَرَ كُتِبَ لَهُ مَا كَانَ يَعْمَلُ صَحِيحًا مُقِيمًا» فالإنسان إذا سعى في العمل، ولكنه لم يدركه فإنه يُكتب له أجره كاملًا، حتى طالِب العلم لو مات قبل أن يدرك ما يريد من العلم فإنه يُكتب له ما نوى؛ لأنه شرع فيه وعمل ما يقدر عليه، فيناله الأجر.
ومن فوائد هذه الآية الكريمة: إثبات الرضا لله؛ من أين يؤخذ؟ من قوله: رِضْوَانَ اللَّهِوالرضا صفة من صفات الله الحقيقية، وهي من الصفات أيش؟ الفعليّة، لماذا؟ لأن القاعدة عند السلف أن كل ما يتعلق بمشيئة الله من الصفات فهو صفة فعلية، والرضا يتعلق بالمشيئة، كل صفة معلّقة بسبب فإنها -بلا شك- تتعلق بالمشيئة؛ فرضوان الله معلّق بأيش؟ بفعل ما يرضيه؛ وعلى هذا فتكون هذه الصفة متعلّقة بمشيئته.
أرأيتم ماذا يفسّر أهل التعطيل رضا الله؟ يفسرونه بالثواب؛ لأن الثواب شيء منفصل بائن عن الله، ما هو من صفاته، مخلوق مفعول؛ أو يفسرونه بأيش؟ بإرادة الثواب؛ لأنهم يثبتون الإرادة؛ أما الرضا نفسه فإنهم لا يثبتونه؛ ولا شك أن هذا؛ أعني تفسير الرضا بإرادة الثواب أو بالثواب نفسه، لا شك أنه تحريف للكلم عن مواضعه؛ ويا سبحان الله كيف يثبت الله لنفسه أنه رضي ونحن نقول: لا؛ رضي يعني أثاب، أو رضي يعني أراد أن يثيب؛ أنحن أعلم بالله من نفسه؟! أبدًا والله ما نحن أعلم؛ إذن نحن نثبت الرضا لله حقيقة، وأنه صفة من صفاته الفعلية التي تتعلق بمشيته؛ ولكن هل رضاه كرضانا؟ لا؛ كقوله تعالى: لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ [الشورى: ١١] فكما أن سمعه وبصره وحياته وعلمه وقدرته لا تماثلها قدر المخلوقين، وكذلك هو لا يماثل المخلوقين، فكذلك الرضا والفرح والعجب وغيره.
ومن فوائد هذه الآية الكريمة: إثبات اتصاف الله عز وجل بالفضل العظيم؛ العظيم في كميته، العظيم في كيفيته؛ أما في كميته فإن الله يقول: وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا [النحل: ١٨] وجعل جزاء الحسنة عشرًا إلى سبع مئة إلى أضعاف كثيرة؛ وأما في كيفيته فقد قال الله عز وجل: فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ [السجدة: ١٧].
ثم قال الله تعالى: إِنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ [آل عمران: ١٧٥] إِنَّمَاأداة حصر، والحصر عند العلماء إثبات الحكم للمحصور فيه ونفيه عما سواه؛ إذن فهو بمنزلة نفي وإثبات، وله طرق؛ يعني الحصر ليس له طريق واحد فقط؛ له طرق:
منها: (إنما)، ومنها: تقديم ما حقّه التأخير، ومنها: النفي والإثبات، مثل: لا قائم إلا زيد؛ ومنها: إذا كانت الجملة اسمية معرفًا طرفاها، وهذا معروف في كتب البلاغة.
إِنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُيعني ما الشيطان إلا مخوّف لأوليائه؛ وقوله: ذَلِكُمُتضمّن إشارة؛ أي: مشارًا إليه، ومخاطبًا، تضمن إشارة ومخاطبًا؛ الإشارة (ذا) والخطاب (الكاف)؛ الإشارة بحسب المشار إليه، والكاف بحسب المخاطَب.
فإذا طلبنا من خالد النزال أن يشير إلى جماعة مخاطبًا جماعة من الذكور؟ أن يشير إلى جماعة من الذكور مخاطبًا جماعة من الذكور؟
الطالب: أولئك؟
الشيخ: أولئك؟ لا.
الطالب: أولئكم.
الشيخ: أولئكم؛ لأن المشار إليه جماعة (أولاء)؛ والمخاطب جماعة تأتي بالميم كذا؟
وإذا طلبنا من خليل أن يشير إلى جماعة ذكور مخاطبًا جماعة إناث؟ عبد الملك، أن يشير إلى جماعة ذكور مخاطبًا جماعة إناث؟
الطالب: أولئكنّ.
الشيخ: أولئكنّ، هكذا يقولون، صح؟
الطالب: نعم، صحيح.
الشيخ: صحيح، (أولاءِ) المشار إليه جماعة ذكور؛ (كُنّ) النون للنسوة، أولئكن.
طالب: النون مسهّلة يا شيخ؟
الشيخ: لا، لا، مشددة طيب إذنْ معناه لازم نأخذ تمارين ما دام المسألة هكذا؟
أشر إلى اثنين مخاطبًا اثنتين؟
الطالب: اثنين؟ ذلكما.
الشيخ: أيش؟
الطالب: ذلكما.
الشيخ: ذلكما. خطأ.
طالب: ذانكما.
الشيخ: ذانكما صح؟ (ذان) هذه مثنى، و(الكاف وميم ألف) مثنى مخاطب. أشر إلى جماعة نسوة مخاطبًا جماعة نسوة؟
طالب: أولات.
الشيخ: كيف أولات؟ منين جبتها؟! لا تتعجل.
طالب: ذلكن.
الشيخ: كيف؟ ويش المطلوب؟
الطالب: نسوة تخاطب مجموعة نسوة؟
الشيخ: طيب، مشيرًا إلى نسوة تخاطب جماعة نسوة؟
طالب: أولئكن.
الشيخ: ويش تقولون؟
طلبة: صحيح.
الشيخ: صحيح، أولئكن. يلّا أشِر إلى مثنى مؤنث مخاطبًا جماعة ذكور؟
طالب: تينكم.
الشيخ: أيش تينكم؟! لماذا نصبت تين؟
الطالب: تان.
الشيخ: تانِكم صحّ؟ صحيح.
طالب: لا يا شيخ.
الشيخ: لا، صحيح.
الطالب: مثنى مؤنث..
الشيخ: مثنّى مؤنث إي (تان)، مخاطَب جماعة ذكور، صح. على كل حال انتبهوا يا جماعة، اسم الإشارة يراعى به أيش؟
طالب: المشار..
الشيخ: لا، يُراعى به المشار إليه، والكاف يراعى بها المخاطَب؛ في اللغة العربية ثلاث لغات؛ اللغة الأولى: أن يراعى المخاطَب إفرادًا وتثنية وجمعًا مذكرًا ومؤنثًا؛ فتقول: (ذلكَ) مخاطبًا رجلًا واحدًا، (ذلكِ) امرأة واحدة، (ذَلِكما) مخاطبًا الاثنين ذكورًا أو إناثًا، (ذلكُنّ) مخاطبًا جماعة نسوة، (ذلكُم) مخاطبًا جماعة ذكور؛ فالكاف تتبع المخاطَب، اسم الإشارة يتبع المشار إليه.
أنا قلت: في اللغة العربية بالنسبة للكاف: ثلاث لغات؛ الأولى: أن يُراعى المخاطَب في الكاف، وتحول إلى حسب المخاطب.
الثاني: أن تكون بالكاف المفردة مفتوحة في المذكر مكسورة في المؤنث؛ فتقول مخاطبًا جماعة ذكور: (ذلكَ)، مخاطبًا اثنين: (ذلكَ)، مخاطبًا واحدًا: (ذلكَ)؛ في النسوة كاف مفردة لكن مكسورة، تقول: (ذلكِ) تخاطب امرأة واحدة، (ذلكِ) تخاطب امرأتين، (ذلكِ) تخاطب جماعة نسوة؛ هذه كم لغة؟ لغتان.
الثالثة: فتح الكاف مطلقًا؛ فتقول لأي واحد تخاطبه تقول: (ذلكَ)؛ وهذا باعتبار المبتدئين أسهل، افتح الكاف وإذا غلطك أحد قل: هذه لغة.
يقول الله عز وجل: إِنَّمَا ذَلِكُمُويش راعى هنا؟ راعى في اسم الإشارة المشار إليه وهو الشيطان واحد، وراعى في الكاف الجماعة المخاطَبين فقال: إِنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُالشَّيْطَانُيجوز في إعرابها وجهان:
الوجه الأول: أن تكون خبرًا لمبتدأ (ذا).
والثاني: أن تكون بدلًا منه أو عطف بيان؛ فعلى الأول يكون جملة: يُخَوِّفُفي موضع نصب على الحال؛ وعلى الثاني تكون جملة يُخَوِّفُخبر المبتدأ، وكلاهما صحيح؛ فالشيطان يخوف أولياءه.
وقوله: يُخَوِّفُهي معروف أنها تنصب مفعولين، تنصب مفعولين بالتحويل؛ أين المفعول الأول؟ المفعول الأول محذوف، وتقديره: يخوفكم أولياءه؛ وأولياء هنا هي المفعول الثاني، وليس المعنى أنه يُخوّف أولياءه، المعنى أنه يخوف الناس من أوليائه، فيكون المعنى يكون على هذا المفعول الأول محذوف، والثاني هو الموجود، والتقدير: يخوفكم أولياءه، أي: يُعظمهم في صدوركم حتى تخافوهم، وتتركوا الجهاد، وتتركوا الدعوة؛ لأنكم تخافون منهم بسبب تخويف الشيطان.
وقوله: أَوْلِيَاءَهُمَنْ أولياؤه؟ أولياء الشيطان كل مجرم وفاسق وملحد وكافر، هؤلاء هم أولياء الشيطان، كما قال تعالى: لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ [المجادلة: ٢٢] لا، قبلها يقول الله عز وجل: أُولَئِكَ حِزْبُ الشَّيْطَانِ أَلَا إِنَّ حِزْبَ الشَّيْطَانِ هُمُ الْخَاسِرُونَ [المجادلة: ١٩]، فكل كافر ملحد فاجر فهو من أولياء الشيطان.
وقوله: فَلَا تَخَافُوهُمْأي: لا يؤثّر فيكم تخويفه فتخافون منهم. وَخَافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَلا تخافوهم فيؤثّر عليكم هذا بترك الجهاد. وَخَافُونِفلا تتأثّروا بهم وجاهدوا ولا يهمنكم.
إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَهذه إِنْشرطية، وقد مر علينا أن لعلماء العربية فيها وجهين: الوجه الأول: أنها جملة شرطية لا تحتاج إلى جواب؛ لأنه مفهوم مما سبق، وهذا اختيار ابن القيم رحمه الله.
والثاني: أنها تحتاج إلى جواب، وأن جوابها محذوف معلوم مما سبق، أي: فلا تخافوهم إن كنتم مؤمنين فلا تخافوهم.
في هذه الآية الكريمة: بيان شدة عداوة الشيطان لبني آدم، حيث يرعبهم ويخوّفهم بأوليائه.
ومن فوائدها: أن الشيطان يدافع عن أوليائه؛ بل يهاجم بهم؛ لقوله: يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ.
ومن فوائدها: أنه يجب على المؤمن ألا يخاف من أولياء الشيطان؛ لقوله: فَلَا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ.
فإن قال قائل: الخوف أمر طبيعي يعتري الإنسان عندما يرى ما يخاف أو يسمع به ولا يستطيع مدافعته؟
فالجواب عن ذلك أن يقال: بل يستطيع مدافعته بأن يشق طريقه الذي أوجب الله عليه، ولا يهتم بأحد، وإلا فمن المعلوم أن طبيعة الإنسان الخوف مما يكره؛ لكن نقول: امضِ لسبيلك ولا تلتفت، فقوله: فَلَا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِأي: لا يؤثر خوفهم فيكم شيئًا.
وَخَافُونِلأنكم إن تركتم الجهاد عذّبتكم.
ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أنه كلما قوي إيمان الإنسان بالله قوي خوفه منه؛ لقوله: إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ.
ومن فوائدها أيضًا: أنه كلما قوي الإيمان بالله قوي الخوف منه وضعف الخوف من أولياء الشيطان؛ لقوله: فَلَا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ.
ثم اعلم أن العلماء رحمهم الله قالوا: إن الخوف ينقسم إلى أقسام:
الخوف الأول: خوف العبادة؛ وهو خوف السر الذي يخاف الإنسان فيه شيئًا خفيًّا، كخوفه من الولي الميت أو من الشيطان أو ما أشبه ذلك؛ وهذا عبادة، ولا يجوز إلا لله عز وجل.
الثاني: خوف طبيعي يعتري الإنسان بسبب وجود ما يُخاف منه؛ وهذا لا يلام عليه العبد إلا أن يكون سببًا في ترك واجب أو وقوع في محرّم، وإلا فإن العبد لا يلام عليه، وقد وقع من الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، قال الله عن موسى: فَأَصْبَحَ فِي الْمَدِينَةِ خَائِفًا يَتَرَقَّبُ [القصص: ١٨] وقال سبحانه وتعالى يخاطب موسى حينما ألقى عصاه، فإذا هي حيّة تسعى قال: خُذْهَا وَلَا تَخَفْ [طه: ٢١] وقال عن موسى حينما اجتمع السحرة له، قال: فَأَوْجَسَ فِي نَفْسِهِ خِيفَةً مُوسَى [طه: ٦٧] وقال عن إبراهيم لما جاءته الملائكة ولم يأكلوا قال: فَلَمَّا رَأَى أَيْدِيَهُمْ لَا تَصِلُ إِلَيْهِ نَكِرَهُمْ وَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً قَالُوا لَا تَخَفْ [هود: ٧٠]، والآيات في هذا كثيرة؛ فالخوف الطبيعي من طبيعة الإنسان ولا يلام عليه العبد إلا أيش؟ إذا تضمن ترك واجب أو فعل محرّم.
القسم الثالث: خوف الجبناء، وهذا هو المشكل؛ الجبان يخاف من كل شيء حتى لو حركت الريح سعفة لقال: هذا صوت مدافع، لماذا؟ لأنه جبان؛ ولهذا لا يأتيه النوم كما قال تعالى فيما سبق: ثُمَّ أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ بَعْدِ الْغَمِّ أَمَنَةً نُعَاسًا [آل عمران: ١٥٤] هذا القسم الثالث يجب على المؤمن أن يطارده ما أمكن؛ لأن المؤمن ليس بجبان، المؤمن قويّ، ومن أكبر أسباب دفعه أن يذكر الإنسان ربه عز وجل، فإن بذكر الله تطمئن القلوب، وتزول الكروب، وينشرح صدر المرء، ويزول عنه الخوف والرعب والذعر؛ فهذه أقسام الخوف؛ كم؟ خوف عبادة، وخوف طبيعة، وخوف جُبن.
ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن الخوف من مقتضيات الإيمان ومستلزماته؛ لقوله: إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ.
ثم قال تعالى: وَلَا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ [آل عمران: ١٧٦].
في قوله: يَحْزُنْكَقراءتان؛ القراءة الأولى: يَحْزُنْكَمن الثلاثي (حزَنه يحزُنه)، والقراءة الثانية: {يُحْزِنْك} من الرباعي (أَحْزَنَهُ)؛ {وَلَا يُحْزِنْكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ} أي: يسارعون إليه، ولكنه عدّى يسارع بـ(في) إشارة إلى أن هؤلاء يسارعون إلى الكفر ويتوغلون فيه؛ انتبه وهذا من باب التضمين؛ وقد مر علينا أن علماء النحو اختلفوا فيما إذا عُدّي الفعل بغير الحرف المعتاد، فقال بعضهم: إن التجوز في أيش؟ في الحرف، وقال بعضهم: إن التجوز في الفعل؛ والفرق بين القولين أنه على القول الأول نحول معنى الحرف الموجود إلى الحرف المناسب للفعل؛ وعلى الثاني نحول الفعل إلى المعنى المناسب للحرف؛ فهمتم يا جماعة؟
وأوضح مثال من ذلك قوله تعالى: عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ اللَّهِ [الإنسان: ٦] المعروف أن يَشْرَبُتتعدى بـ(مِن)، وهنا تعدت بالباء؛ فقال بعض النحويين: الباء بمعنى (مِن)، والتقدير: يشرب منها عباد الله؛ وقال بعض العلماء: يشرب بمعنى (يرْوَى)، ومعلوم أن الرّيّ يستلزم الشرب؛ فتكون يشرب هنا دالة على معنى الشرب باللزوم وعلى الرِّيّ؛ ويكون هذا أبلغ مما لو قلنا: يشرب منه؛ لأن الإنسان قد يشرب ولا يروى؛ وهذا الأخير هو مذهب نحاة البصرة؛ أي أنهم يحولون الفعل إلى معنى أيش؟ مناسب للحرف ليكون الفعل دالًّا على معناه اللفظي وعلى معناه التضمني أو المعنى اللزومي.
طالب: في قوله تعالى: إِنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيْطَانُقلنا: إن الشيطان يجوز في إعرابه وجهان؛ خبر، والثاني يكون بدلًا أو عطف..
الشيخ: نعم.
الطالب: القاعدة هذه مطّردة: أن كل ما صح أن يكون بدلًا صح أن يكون عطف بيان؟
الشيخ: إي نعم، إلا ما استثني؛ قال ابن مالك:
| وَصَالِحًا لِبَدَلِيَّـــــــــــةٍ يُــــــــــــــــــــــرَى | فِي غَيْرِ نَحْوِ يَا غُلَامُ يَعْمُـــــــرَا |
| وَنَحْوِ بِشْرٍ تَابِعِ الْبَكْـــــــــــــــرِيِّ | وَلَيْسَ أَنْ يُبْدَلَ بِالْمَرْضِـــــــــيِّ |
في هاتين المسألتين فقط.
طالب: شيخ، أحسن الله إليك يا شيخ، خاف قاطع طريق ولم يخرج إلى صلاة الجماعة فترك واجبًا، هل يُلام على ذلك؟
الشيخ: هل الخوف مُحقَّق؟
الطالب: محقق.
الشيخ: طيب إذا كان محققًا فإن الجماعة تسقط عنه، وحينئذٍ..
الطالب: لا يكون هناك أسباب ثانية للخوف.
الشيخ: لا، لا يكون ترك واجب، ما دام وجوب الجماعة يسقط بالخوف بقي الآن غير واجب عليه.
طالب: شيخ، المؤمن لا يكون جبانًا، والحديث: أيكون المؤمن جبانًا؟ قال: «نَعَمْ». فكيف هذا؟
الشيخ: الجبن -بارك الله فيك- نوعان؛ جبن طبيعي وهو الأول، الخوف؛ أما الجبن الذي يؤدي إلى ترك الواجب، هذا ما يمكن للمؤمن.
طالب: قلنا: إن المصيبة إذا وقعت على المؤمن زِيد في إيمانه، وكذلك إذا وقعت لغير المسلم يلجأ إلى الله، فالكافر إذا (...) دعوة بيجوز اللجوء إلى الله.
الشيخ: إي، لكن فرق بين هذا وهذا؛ زيادة إيمان المؤمن بالمصائب زيادة إيمان بقدر، ورضا بما صنع الرب؛ أما إيمان الكافر فهذا إيمان ضرورة؛ ولهذا فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ [العنكبوت: ٦٥] إيمان ضرورة ما هو بإيمان رضا واقتناع وتسليم؛ المؤمن يرضى ويقتنع ويسلّم، فتجده منشرح الصدر؛ أما ذاك لا؛ إنما يؤمن من أجل حصول غرضه الدنيوي فقط؛ ولهذا إذا حصل له الغرض الدنيوي عاد إلى ما كان عليه. واضح؟
طالب: شيخ، أحسن الله إليك، أيهما أصح قولًا يا شيخ؟ القول بالتضمن أو القول (...)؟
الشيخ: الذي أرى أن الأصح القول بالتضمّن أو بالتضمين؛ لكن القول بالتضمين ما يتسنى لكل واحد، إنما يفهمه شخص طالب علم، يفهم التلازم بين المعنى المراد وبين المعنى الذي يدل عليه ظاهر اللفظ؛ وفيه صعوبة، ولهذا نقول: إن عجزت عن التضمين فاجعل الحرف مؤّولًا بحرف يناسب المذكور.
طالب: كيف تضمن أو يُسَارِعُونَ؟
الشيخ: يدخلون فيه، يدخلون في الكفر مسارعين. واضح؟
طالب: قوله: وَخَافُونِ، قراءة وَخَافُونِ، فيها قراءتان (...).
الشيخ: ما هي هنا، ما ذُكرت.
الطالب: بفتحها (...) وَخَافُونِ.. وصلًا.
الشيخ: ما ذُكرت، يعني حذف الياء أو بقاؤها؛ عندي ما ذُكرت.
طالب: شيخ، الكسر والفتح.
طالب آخر: يا شيخ، في قوله: عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا الْمُقَرَّبُونَ [المطففين: ٢٨] إذا استبدلنا حرف الباء بـ(من) صح: عينًا يشربون منها المقربون؛ إذا استبدلنا يشرب بمعنى (يروى)، عينًا يروى بها؛ يعني (...)؟
الشيخ: لا يا أخي؛ يعني يروى بسببها.
الطالب: ويشرب بسببها؟
الشيخ: لا، يشرب منها بعضها يعني، (مِن) للتبعيض.
الطالب: والباء للسببية؟
الشيخ: إي نعم. واضح؟
طالب: (...) ومن الموصول؛ الاسم الموصول، ما يصح أن يكون في معنى..
الشيخ: يصح؛ يعني ومن اتبعك من المؤمنين حسبهم الله، يصح.
الطالب: إذا كان معطوفًا على الكاف، هل يجوز العطف على الضمير؟
الشيخ: إي كيف؟! يجوز مع الفاصل قولًا واحدًا، أما مع عدم الفاصل ففيه خلاف والصحيح الجواز وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ [النساء: ١] وَكُفْرٌ بِهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ [البقرة: ٢١٧].
***
طالب: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، بسم الله الرحمن الرحيم وَلَا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ إِنَّهُمْ لَنْ يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئًا يُرِيدُ اللَّهُ أَلَّا يَجْعَلَ لَهُمْ حَظًّا فِي الْآخِرَةِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ (١٧٦) إِنَّ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الْكُفْرَ بِالْإِيمَانِ لَنْ يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئًا وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (١٧٧) وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لِأَنْفُسِهِمْ إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُوا إِثْمًا وَلَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ (١٧٨)} [آل عمران: ١٧٦ - ١٧٨].الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله تبارك وتعالى: وَلَا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِتكلمنا على هذه الجملة من الآية، وقلنا: إن قوله تعالى: فِي الْكُفْرِخلاف ما يتوقعه السامع، إذ إن المسارعة تتعدى بـ(إلى) كما في قوله تعالى: وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ [آل عمران: ١٣٣] وهنا جاءت (في) في مكان (إلى)، واختلف العلماء في مثل هذا التركيب، هل التجوّز بحرف الجر أو بالفعل الذي تعدى بحرف الجر؟
على قولين؛ أحدهما: أن التجوّز بحرف الجر، يعني أننا نُقدّر حرفًا مناسبًا للفعل؛ فنقول: (في) بمعنى (إلى)، والثاني: أن التجوّز في الفعل بمعنى أن نضمّن الفعل معنى يتعدى بـ(في)؛ وقلنا: إن الثاني أولى وأدقّ وأعمق؛ فيُضمن: يسارعون فيه أيش؟ يدخلون فيه بسرعة؛ فإذا فسرنا يدخلون فيه بسرعة تضمن المسارعة والدخول في الشيء.
وقوله: فِي الْكُفْرِأصل الكفر السّتر، ومنه (الكُفُرَّى)، وهو وعاء الطلع؛ طلع النخل، وهو معروف لدى الجميع، ولكنه في الاصطلاح هو جحد ما جاء به النبي صلى الله عليه وسلم أو جحد بعضه، أو ترك ما يستلزم الكفر بتركه؛ هذا تعريف الكفر: جحد ما جاء به النبي صلى الله عليه وسلم أو جحد بعضه ولو حرفًا واحدًا من كتاب الله، أو ترك العمل الذي يستلزم تركه الكفر؛ يعني مثل الصلاة فتركها كفر وإن لم يجحد وجوبها.
إِنَّهُمْ لَنْ يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئًاالجملة هنا محلّها مما قبلها تعليل، محلّها تعليل، أي: مهما سارعوا في الكفر فإنهم لن يضروا الله شيئًا. وقوله: لَنْ يَضُرُّوا اللَّهَأي: لن يلحقوا الضرر به جل وعلا وتقدس أن يُنال بضرر. وفي الحديث القدسي الذي أخرجه مسلم من حديث أبي ذر رضي الله عنه أن الله تعالى قال: «يَا عِبَادِي، إِنَّكُمْ لَنْ تَبْلُغُوا ضُرِّي فَتَضُرُّونِي» .
وقوله: شَيْئًالَنْ يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئًاهذا نكرة في سياق النفي، والنكرة في سياق النفي تفيد العموم؛ يعني لن يضروا الله أي شيء لا في ذاته، ولا في ملكه، ولا في أسمائه وصفاته، ولا في غير ذلك، لن يضروا الله شيئًا أبدًا؛ وقد قال الله تعالى في الحديث القدسي الذي أشرنا إليه آنفًا: «يَا عِبَادِي، لَوْ أَنَّ أَوَّلَكُمْ وَآخِرَكُمْ وَإِنْسَكُمْ وَجِنَّكُمْ كَانُوا عَلَى أَفْجَرِ قَلْبِ رَجُلٍ وَاحِدٍ مِنْكُمْ مَا نَقَصَ ذَلِكَ فِي مُلْكِي شَيْئًا» .
ثم قال تعالى: يُرِيدُ اللَّهُ أَلَّا يَجْعَلَ لَهُمْ حَظًّا فِي الْآخِرَةِأي: يريد الله سبحانه وتعالى بكفرهم أَلَّا يَجْعَلَ لَهُمْ حَظًّاأي: نصيبًا في الآخرة؛ والإرادة هنا إرادة كونية، أي: يشاء الله أن لا يجعل لهم حظًّا في الآخرة، أي: لا يُصيّر لهم نصيبًا في الآخرة لا قليلًا ولا كثيرًا.
وهكذا كل كافر ليس له نصيب في الآخرة، المؤمن له نصيب في الآخرة، لكن قد يسبق بعذاب وقد لا يُسبق.
ثم قال: وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌلَهُمْأي: لهؤلاء الذين يسارعون في الكفر. عَذَابٌأي: عقوبة. عَظِيمٌأي: ذو عظمة، وعظمة كل شيء بحسبه؛ ففي مقام المدح تكون العظمة مدحًا؛ وفي مقام الذم تكون العظمة ذمًّا؛ فقوله تعالى: هذا إفك عظيم، هكذا جاءت في القرآن؟
طلبة: نعم.
الشيخ: في أي آية؟
طالب: في سورة النور: سُبْحَانَكَ هَذَا بُهْتَانٌ عَظِيمٌ [النور: ١٦].
الشيخ: هَذَا بُهْتَانٌ عَظِيمٌسُبْحَانَكَ هَذَا بُهْتَانٌ عَظِيمٌكلمة عَظِيمٌهنا من باب الذم. وَلَهَا عَرْشٌ عَظِيمٌ [النمل: ٢٣] من باب المدح؛ المهم أن العِظم في كل موضع بحسبه، قد يكون مدحًا وقد يكون ذمًّا، هنا العقوبة لا شك أنها مكروهة عند الإنسان أن يُعاقَب؛ فهي بالنسبة لعدل الله أو لفعل الله عدل، وبالنسبة للمخلوق المعذَّب قبح وذمّ.
في هذه الآية الكريمة من الفوائد: تهديد هؤلاء الذين يسارعون في الكفر؛ لقوله: وَلَا يَحْزُنْكَإِنَّهُمْ لَنْ يَضُرُّوا اللَّهَأي: لا يهمنك أمرهم فسوف يعذبون.
ومنها: حرص النبي صلى الله عليه وسلم على هداية الخلق؛ لأنه يحزنه هؤلاء الذين يسارعون في الكفر؛ ولولا حرصه عليه الصلاة والسلام ما حزن لكفرهم.
ومنها: بيان ما يلحق النبي صلى الله عليه وسلم من الهمّ أو من الحزن لعدم إسلام الأمة؛ وذلك لمحبته للخير عليه الصلاة والسلام حتى الذين يسارعون في الكفر يحزنه عملهم؛ لأنه يود أن يسلموا.
ومن فوائد هذه الآية الكريمة: بيان ما يقع فيه سفهاء بني آدم من الخطأ والخطل؛ لكون هؤلاء يسارعون في الكفر مع أنه ضرر عليهم وهلاك.
ومن فوائد هذه الآية الكريمة: انتفاء الضرر عن الله، وأنه لا تضره معصية العاصين كما لا تنفعه طاعة الطائعين؛ لقوله: إِنَّهُمْ لَنْ يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئًا.
فإن قيل: إن الله قد أثبت أن بعض عباده يؤذيه في قوله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ [الأحزاب: ٥٧] وفي قوله في الحديث القدسي: «يُؤْذِينِي ابْنُ آدَمَ؛ يَسُبُّ الدَّهْرَ وَأَنَا الدَّهْرُ» فكيف نجمع بين نفي الضرر وإثبات الأذية؟
فالجواب أن يقال: لا يلزم من الأذيّة الضرر؛ فقد يتأذّى الإنسان بالشيء ولا يتضرّر به؛ أرأيت لو صلّى إلى جانبك أو جلس إلى جانبك رجل قد أكل بصلًا وثومًا فإنك تتأذى بما معه أو برائحته، ولكن لا تتضرر، فلا يلزم من الأذية الضرر؛ وحينئذٍ لا معارضة بين نفي الضرر عن الله عز وجل وإثبات الأذية.
ومن فوائد هذه الآية: بيان غنى الله عز وجل عن كل من سواه؛ لقوله: إِنَّهُمْ لَنْ يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئًا.
ومن فوائدها: إثبات الإرادة لله عز وجل؛ لقوله: يُرِيدُ اللَّهُ أَلَّا يَجْعَلَ لَهُمْ حَظًّا فِي الْآخِرَةِ.
وقد قسم العلماء إرادة الله تعالى إلى قسمين: إرادة كونية وإرادة شرعية؛ فالكونية هي ما يتعلق بفعله، والشرعية ما يتعلق بشرعه. حطوا بالكم، الكونية بمعنى المشيئة، والشرعية بمعنى المحبة؛ الكونية يلزم فيها وقوع المراد، والشرعية لا يلزم فيها وقوع المراد. أفهمتم؟
فإذن الفروق كم؟ ثلاثة؛ الأول: أن الإرادة الكونية تتعلق بفعله، والثانية: بشرعه.
ثانيًا: الكونية بمعنى المشيئة، والشرعية بمعنى المحبة.
الثالث: الكونية يلزم فيها وقوع المراد، والشرعية لا يلزم.
فإذا قال قائل: ما تقولون في إيمان أبي بكر؟ أهو مراد بالإرادة الكونية أو الشرعية؟ والجواب؟
طالب: إرادة كونية وشرعية.
الشيخ: إرادة كونية وشرعية، صحيح؟
طلبة: صحيح.
الشيخ: صحيح؛ لأنه وقع بالإرادة الكونية؛ ولأنه متعلق بالشرع بما يحبه الله.
وما تقول في إيمان أبي لهب؟
طالب: مراد شرعًا ولا.. لم يقع كونًا.
الشيخ: مراد شرعًا لا كونًا؛ لأن الله لو أراده كونًا لكان. تمام، وما تقول في كفر المسلم؟
طالب: كفر المسلم إرادة شرعية.
الشيخ: هل هو مراد لله أو لا؟
طالب: أول شيء يكون مسلمًا ثم يكفر؟
الشيخ: إي، إي نعم.
الطالب: هذا يصير كونية يا شيخ.
الشيخ: كونيّة.
الطالب: أن الله عز وجل أراد له..
الشيخ: لا، هو الآن مسلم ما تقول في كفره هو الآن مسلم؟
الطالب: يعني مسلم.
الشيخ: نعم.
الطالب: هذه إرادة شرعية يا شيخ.
الشيخ: يريد الله منه أن يكفر شرعًا؟!
الطالب: الشرع لا يلزم أن يتحقق.
الشيخ: طيب، المهم الآن هذا مسلم فما تقول بالنسبة لكفره وهو الآن مسلم، هل هو مراد شرعًا أو مراد كونًا؟
الطالب: كونًا.
الشيخ: كونًا؟ يلّا.
طالب: لا مرادًا لا شرعًا ولا كونًا.
الشيخ: ليس مرادًا لا كونًا ولا شرعًا، واضح؟ لأنه الآن مسلم ما كفر؛ لو أراد الله أن يكفر لكفر؛ وهل هو مراد شرعًا كفره؟ لا؛ إذن هذا انتفى فيه الإرادتان؛ وإيمان المؤمن اجتمعت فيه الإرادتان، صح؟ طيب إيمان الكافر؟
طلبة: الشرعية.
الشيخ: فيه الإرادة الشرعية، كفر الكافر؟ الكونية، هو مراد كونًا غير مراد شرعًا؛ وإيمان الكافر مراد شرعًا غير مراد كونًا؛ وإسلام المسلم مراد كونًا وشرعًا؛ وكفر الكافر مراد كونًا لا شرعًا، واضح الآن؟
إذنْ فيه ما تجتمع فيه الإرادتان، وما تنتفي فيه الإرادتان؛ وما فيه الإرادة الشرعية فقط، وما فيه الإرادة الكونية فقط. عرفتم؟
وهذا التقسيم لا تظنوا أنه مجرد تزيين، التقسيم هذا مهم؛ لأن من الناس من قال: إن المعاصي غير مرادة لله لا كونًا ولا شرعًا مع أنها واقعة؛ فيقولون: إن معصية العاصي غير مرادة لله لا كونًا ولا شرعًا؛ نوافقهم على أيش؟
طلبة: على (شرعًا).
الشيخ: على (شرعًا)، غير مرادة شرعًا، لكنها مرادة كونًا. ولهذا يقولون: كل المعاصي فهي محبوبة لله؛ ليش؟ قال: لأن الله أرادها كونًا، فإذا أرادها كونًا لولا أنه يحبها ما أرادها؛ على هذا يتبين أن هذا التقسيم ليس مجرد وشي وتزيين للفظ، بل وراءه أمر معنوي.
من فوائد هذه الآية الكريمة: أنه لا حظّ للكافر في الآخرة؛ لأنه مخلد في النار؛ لقوله: يُرِيدُ اللَّهُ أَلَّا يَجْعَلَ لَهُمْ حَظًّا فِي الْآخِرَةِ.
ومن فوائدها بالمفهوم: أن الكافر قد يكون له حظ في الدنيا، وكفره لا يمنعه من الحظ في الدنيا.
فإن قال قائل: إن الله قال في كتابه: وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ وَلَكِنْ كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ [الأعراف: ٩٦] فهذا يدل على أن الكافر لا يحصل له نعيم في الدنيا؟
قلنا: نعم، الأصل أن لا يحصل له نعيم في الدنيا، هذا الأصل؛ لكنه قد يُنعّم استدراجًا كما قال تعالى: وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لَا يَعْلَمُونَ وَأُمْلِي لَهُمْ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ [الأعراف: ١٨٢، ١٨٣].
ومن فوائد هذه الآية الكريمة: إثبات الآخرة، وأنها حق، وأن الناس ينقسمون فيها إلى قسمين: منهم من له نصيب، ومنهم من لا نصيب له؛ لقوله: فِي الْآخِرَةِ.
ومن فوائدها: إثبات العقوبة لهؤلاء الكفار؛ فليس حظهم أن لا يجدوا حظًّا في الآخرة، بل لا يجدون حظًّا في الآخرة ومع ذلك يُعذّبون؛ ليت الأمر أن يُحرموا من النعيم أو من الحظ والنصيب بل الأمر أشد، ولهذا يقولون: يَا مَالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ [الزخرف: ٧٧] نستريح. وَقَالَ الَّذِينَ فِي النَّارِ لِخَزَنَةِ جَهَنَّمَ ادْعُوا رَبَّكُمْ يُخَفِّفْ عَنَّا يَوْمًا مِنَ الْعَذَابِ [غافر: ٤٩]، نسأل الله العافية.
ثم قال الله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الْكُفْرَ بِالْإِيمَانِ لَنْ يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئًا وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌهذه الآية صلتها بما قبلها أنها كالتوكيد لها. قوله: إِنَّ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الْكُفْرَأي: اختاروا الكفر على الإيمان، وإلا فإن الكفر ليس سلعة يُباع ويشترى؛ فالاشتراء هنا بمعنى الاختيار، وترك الطرف الآخر.
وقوله: اشْتَرَوُا الْكُفْرَ بِالْإِيمَانِإذا قال قائل: هم لم يؤمنوا؟
قلنا: لكن اختيارهم للكفر أخرجهم من الفطرة التي كانوا عليها وهي التوحيد، فهم اشتروا الكفر بعد الإيمان، وسبق معنى الكفر، وأما الإيمان فإنه في اللغة قيل: التصديق، واستدلوا لذلك بقوله تعالى: وَمَا أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنَا [يوسف: ١٧] وقيل: الإقرار، والإقرار أخص من التصديق، واستدل هؤلاء بأن الكلمة إذا كانت بمعنى الكلمة فلا بد أن تتعدّى بما تتعدّى به، ومن المعلوم أن الإيمان لا يتعدى كما يتعدى التصديق؛ فإنك تقول: صدّقته ولا تقول: آمنتُه. لا تقول: آمنته؛ إذن فليس معناهما واحدًا، بل معنى الإيمان الإقرار؛ وهذا في اللغة، أما في الشرع فهو الإقرار المستلزم للقبول والإذعان، ليس مجرد الإقرار بإيمان، بل لا بد من أن يقبل ما جاء به الرسول ويُذعن له؛ ولهذا لم يكن أبو طالب مؤمنًا مع أنه مقرّ بما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم، لكنه لم يقبله ولم يُذعن له فلم يكن مؤمنًا؛ وإذا كان هذا هو الإيمان -أي الإقرار المستلزِم للقبول والإذعان- فإنه يتضمّن جميع شرائع الإسلام كما هو مذهب أهل السنة والجماعة؛ أن الإيمان شامل للاعتقاد وقول اللسان وعمل الجوارح وعمل القلب أيضًا، عمل القلب والجوارح، وقول اللسان، واعتقاد القلب؛ أربعة أشياء، كلها من الإيمان.
إِنَّ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الْكُفْرَ بِالْإِيمَانِ لَنْ يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئًا وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ [آل عمران: ١٧٧] لَنْ يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئًاكالآيات السابقة تمامًا. وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌهنا قال: إنه أليم، وهناك قال: إنه عظيم، فيجتمع في عذابهم -والعياذ بالله- العِظم والألم. وأَلِيمٌهنا بمعنى (مؤلم)، وليست بمعنى شديد، فهي بمعنى اسم الفاعل من الرباعي من (آلمه يؤلمه إيلامًا فهو مؤلم). وهل يأتي (فَعِيل) بمعنى (مُفْعِل)؟
طالب: نعم.
الشيخ: مثاله؟
طالب: نبيه.
الشيخ: نبيه بمعنى نابه.
الطالب: (سَمِيع) بمعنى (مُسْمِع).
الشيخ: إي نعم، صح، السميع بمعنى (مُسمِع) على حد قول الشاعر:
| أَمِنْ رَيْحَانَةَ الدَّاعِي السَّمِيعُ | يُؤَرِّقُنِـــــي وَأَصْحَابِـــــي هُجُـــــــوعُ |
الداعي السميع: يعني المسمع.
في هذه الآية الكريمة: بيان شدة رغبة الكفار بالكفر؛ لأنهم اشتروه اشتراء، والمشتري طالب للسلعة، فهم يأخذونها -والعياذ بالله- عن رغبة، يأخذون الكفر عن رغبة.
ومن فوائد الآية الكريمة: بيان خسران هؤلاء حيث أخذوا الكفر بدلًا عن الإيمان، وهذه أخسر صفقة على وجه الأرض أن يأخذ الإنسان الكفر بالإيمان طائعًا طيبة به نفسه، والعياذ بالله.
ومن فوائد الآية الكريمة: بيان كمال الله عز وجل، وأنه لا تضره معصية العاصي، ولا تنفعه طاعة الطائعين؛ لقوله: إِنَّهُمْ لَنْ يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئًا.
ومن فوائدها: كمال سلطان الله، حيث إن هؤلاء الذين اختاروا الكفر على الإيمان لم يضروا الله شيئًا، مع أن المعروف أن الملك كلما قلّت جنوده ضعفت قوته إلا الله عز وجل فإنه لا يضره شيء.
ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن عذاب هؤلاء الذين اختاروا الكفر على الإيمان عذاب مؤلم؛ ولذلك قال الله تعالى: وَهُمْ يَصْطَرِخُونَ فِيهَا [فاطر: ٣٧] يصارخون: رَبَّنَا أَخْرِجْنَا نَعْمَلْ صَالِحًا غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُفينادون توبيخًا: أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ مَا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ وَجَاءَكُمُ النَّذِيرُ فَذُوقُوا فَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ نَصِيرٍ.
ثم قال تعالى: وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لِأَنْفُسِهِمْ إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُوا إِثْمًا وَلَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ [آل عمران: ١٧٨] وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُواأي: لا يظن الذين كفروا؛ وفيها قراءة ثانية سبعية: {وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا} وقوله: أَنَّمَا نُمْلِي لَهُمْأي: نمهلهم عن الأخذ بالعقوبة؛ خيرًا أو خيرٌ؟ خَيْرٌ لِأَنْفُسِهِمْ.
وهنا يقع تساؤل: لماذا كانت خيرٌ مع أنه قال: نُمْلِيوالفعل المضارع ينصب المفعول به؟
طالب: خبر (أنّ).
الشيخ: أنَّ أَنَّمَا نُمْلِي لَهُمْلكن أَنَّمَاهنا (ما) اسم موصول، ولَّا أنما حرف حصر؟
طالب: (ما) اسم موصول اسم من الأسماء..
الشيخ: نعم، صح، إذن يكون التقدير: أن الذي نملي لهم خير، مع أن عندي مرسومة متصلة بـ(أن)، فصورتها صورة الحصر، ولكن هذا لا يمنع من أن تكون اسمًا موصولًا؛ لأن العلماء اتبعوا في رسم المصحف الرسم العثماني، وإلا لو مشينا على القاعدة الموجودة الآن لكُتبت (أنَّ) وحدها و(ما) وحدها.
قال الله تعالى: أَنَّمَا نُمْلِي لَهُمْهذه (إنما) أداة حصر أَنَّمَا نُمْلِي لَهُمْأي: نمهلهم لِيَزْدَادُوا إِثْمًا وَلَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ. قوله: لِيَزْدَادُوا إِثْمًااللام للتعليل باعتبار فعل الله؛ يعني أنه عز وجل يملي من أجل زيادة الإثم؛ وللعاقبة باعتبار حال المشركين أو الكافرين؛ لأنهم ما كفروا لأجل أن يزدادوا إثمًا ولكن كفرهم كان سببًا لزيادة الإثم؛ وقوله: لِيَزْدَادُوا إِثْمًاأي: إلى إثمهم؛ لأن الرجل إذا كفر عشرة أيام وزاد يومًا زاد كُفرًا، إذا زاد عشرة أيام أخرى زاد أكثر وهكذا؛ فهم -والعياذ بالله- لا يستفيدون من دنياهم بل يزدادون بذلك كفرًا.
وَلَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌمُهِينٌ: مُذِلّ من الإهانة؛ وذلك لأنهم إنما كفروا استكبارًا وعلوًّا فعُوقبوا بعذاب يذلهم ويهينهم.
يقول عز وجل: وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُواإلى آخره.
من فوائد هذه الآية: أنه يجب على الإنسان أن لا يظن أن إمهال الله له خير له؛ من أين تؤخذ؟ من النهي، والأصل في النهي التحريم، فلا يجوز للإنسان أن يغتر بإمهال الله له.
ومن فوائد الآية الكريمة: أن الله عز وجل بحكمته قد يستدرج بعض الخلق فيعطيه النعم تترى وذاك متجاوز لحدوده، ليبلغ في الطغيان غايته حتى إذا أخذه لم يفلته، كما قال النبي عليه الصلاة والسلام: «إِنَّ اللَّهَ لَيُمْلِي لِلظَّالِمِ حَتَّى إِذَا أَخَذَهُ لَمْ يُفْلِتْهُ» وتلا قوله تعالى: وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ [هود: ١٠٢].
فإن قال قائل: هل تقيسون العاصي على الكافر؟ بمعنى أنه قد يُمهَل له وهو مقيم على المعصية؟
قد نقول: بالقياس بجامع أن كل واحد منهما أمهله الله ولم يعاقبه؛ وقد نقول: بعدم القياس، وذلك لأن الكفر أعظم من الفسوق؛ ولكن من رجع إلى ظاهر القرآن تبين له أنه حتى الفاسق ربما يُمهَل له؛ في قوله تعالى: وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ وَلَكِنْ كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ.
من فوائد هذه الآية الكريمة: أنه يجب على الإنسان أن يعتبر في عمره؛ وهل هو قد أمضاه في طاعة الله فليبشر بالخير، وإن أمضاه في معصية الله والله تعالى يُدرّ عليه النعم فليعلم أن هذا أيش؟ استدراج.
ومن فوائد هذه الآية الكريمة: الإشارة إلى أن الإنسان قد يغتر بظواهر الحال ولو كان من المتقين وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لِأَنْفُسِهِمْ إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُوا إِثْمًافالإنسان قد يغتر بظاهر الحال ويقول: إن الله لم ينعم عليَّ نعمة إلا لأنني أهل، كما قال قارون: إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِنْدِي [القصص: ٧٨].
من فوائد الآية الكريمة: إثبات زيادة الآثام؛ لقوله: لِيَزْدَادُوا إِثْمًافتدل بالمفهوم على زيادة الإيمان، كذا؟ لأنه إذا ازدادوا إثمًا فما نقص عن الإثم كان زيادة في الإيمان؛ ولهذا قال أهل السنة: إن الإيمان يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية.
ومن فوائد هذه الآية الكريمة: إثبات العقوبة المذلّة لهؤلاء؛ لقوله: وَلَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ.
ومن فوائدها أيضًا: أن الجزاء من جنس العمل؛ فإن هؤلاء لما استكبروا على الخلق وعلوا عليهم أذلهم الله.
طالب: أقر ممكن تأتي بدون تعدي بالباء وَصَدَّقَتأتي بالتعدي بالباء مثل: وَالَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ [الزمر: ٣٣] نقول مثلًا: الله أقرّ فعل الرسول، ولكن الإشكال الذي يرد بالنسبة للتصديق والإيمان هو نفسه أتى مع الإقرار..؟
الشيخ: لا يا أخي؛ أقره غير أقرّ به؛ أقره يعني لم ينكر عليه، وأقر به اعترف به؛
طالب: مصدق؛ يعني متبع (...) وصدق به.
الشيخ: إي، لكن الإقرار أعظم أخص، ليس كل مصدق مقرًّا؛ يعني يصدق وفي نفسه شيء.
طالب: شيخ، أحسن الله إليك، أقول: عدم المطابقة بين التصديق والإيمان هل هو مبرر أحسن الله إليك لأن نقول: بأن الإيمان هو الإقرار لا التصديق، وإذا كان الأمر كذلك فكيف الجواب عن قول أبناء يعقوب: وَمَا أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنَا [يوسف: ١٧]؟
الشيخ: إي نعم، إي، واضح لأنه مصدق، هنا مؤمن بمعنى مصدق؛ فالإيمان إذا تعدى باللام صار بمعنى التصديق.
الطالب: صار بمعنى التصديق باللام.
الشيخ: إي باللام.
الطالب: أقول: أحسن الله إليك، عدم المطابقة بين أنواع التصديق، لكن ما بيجعلنا نقول بأن الإيمان لا يجمع (...).
الشيخ: إي نعم، الإيمان المعدّى بالباء كما هو الإيمان بالله وملائكته إلى آخره لا يطابق الإيمان بالتصديق. هذا البحث الحقيقة ما رأيت أحدًا بحثه وسُدّد فيه إلا شيخ الإسلام ابن تيمية في كتاب الإيمان، وأنكر على من قال: إن الإيمان هو التصديق.
طالب: بالنسبة للكافر يعني عندما تشاهده إذا كان قريبًا يعني هل تتأسف عليه وتتمنى له الإيمان؟
الشيخ: إي نعم.
الطالب: ولو عرفته مثلًا واحد.. مثلًا تدعو له؟
الشيخ: إي نعم، تقول: اللهم اهده، اللهم اهده.
الطالب: تدعو له؟
الشيخ: إي نعم، كيف ما تدعو؟!
الطالب: طيب بالنسة يا شيخ اللي عارف..
الشيخ: لا سيما إذا كان من الرؤساء؛ لأن الرؤساء إذا هداهم الله اهتدى بهم أمّة.
الطالب: شيخ، إذا كان الإنسان عارف إنجليزي ودرس إنجليزي؛ يعني وجب عليه يبلغه لمن قابله؟
الشيخ: فرض كفاية، التبليغ فرض كفاية.
طالب: هل القراءات في: (يَحْسِبن) بكسر السين؟
الشيخ: ما أعرف اللي عندي ما ذكر كسر السين يقول: {تحسَبَنّ} بس.
طالب: شيخ، فيه قراءة..
الشيخ: أقول اللي عندي ما فيه.
طالب: فيه وجهان.
الشيخ: ما هم؟
طالب: (...).
الشيخ: اقرأ.
الطالب: قوله تعالى: وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لِأَنْفُسِهِمْ. الإملاء: طول العمر ورغد العيش. والمعنى: لا يحسبن هؤلاء الذين يخوفون المسلمين فإن الله قادر على إهلاكهم، وإنما يطول أعمارهم ليعملوا بالمعاصي لا لأنه خير لهم، ويقال: أَنَّمَا نُمْلِي لَهُمْبما أصابوا من الظفر يوم أُحُد لم يكن ذلك خيرًا لأنفسهم.
***
طالب: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم مَا كَانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ حَتَّى يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى الْغَيْبِ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَجْتَبِي مِنْ رُسُلِهِ مَنْ يَشَاءُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَإِنْ تُؤْمِنُوا وَتَتَّقُوا فَلَكُمْ أَجْرٌ عَظِيمٌ (١٧٩) وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ هُوَ خَيْرًا لَهُمْ بَلْ هُوَ شَرٌّ لَهُمْ سَيُطَوَّقُونَ مَا بَخِلُوا بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلِلَّهِ مِيرَاثُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (١٨٠) لَقَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاءُ سَنَكْتُبُ مَا قَالُوا وَقَتْلَهُمُ الْأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَنَقُولُ ذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ (١٨١) ذَلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ (١٨٢)} [آل عمران: ١٧٩-١٨٢].
الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله تبارك وتعالى: وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا.
قال الله تعالى: وَلَا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ إِنَّهُمْ لَنْ يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئًاإلى آخر الآية، الخطاب في هذه الآية لمن؟
طالب: للنبي صلى الله عليه وسلم.
الشيخ: للنبي صلى الله عليه وسلم، ولا تصح لكل من يتأتى خطابه؟
طالب: لا.
الشيخ: لا، يصح، ما الذي يفيده هذا النهي؟
طالب: يفيد بيان ما كان عليه النبي صلى الله عليه وسلم من حزنه وحسرته وندمه على عدم إيمان الكفار.
الشيخ: أحسنت؛ يعني يفيد حزن النبي عليه الصلاة والسلام على عدم إسلام هؤلاء الكفار، وعلى مسارعتهم في الكفر.
قوله: يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِلماذا عدّى يُسَارِعُونَبـ(في) مع أن المعروف أنها تعدى بـ(إلى)؟ المعروف أن سارع تتعدى بـ(إلى) مثل: وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍفلماذا عُدّيت هنا بـ(في)؟
طالب: قد يكون يا شيخ أنهم إذا وصلوا للكفر سارعوا فيه فازدادوا منه وهم كفار.
الشيخ: إي، لكن كيف نخرّج أنها عُديت بـ(في) مع أنها تُعدى بـ(إلى)؟
الطالب: ما يمكن المقصود أنهم إذا وصلوا للكفر سارعوا فيه فازدادوا منه وهم يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِأي: هم كفار ويزدادون كفرًا.
الشيخ: ما هو بواضح، الظاهر أنك تريد معنى، لكن لم تصل إلى التعبير عنه.
طالب: مر علينا في الدرس أن (في) بمعنى (إلى).
الشيخ: (في) بمعنى (إلى)، أحسنت هذا وجه؛ الثاني؟
طالب: معنى يسارعون يقعون.
طالب آخر: شيخ، سبب المسارعة هو الدخول في الكفر.
الشيخ: نعم، يعني إذنْ التضمين هنا بالفعل لا بالحرف؛ على المعنى الأول التضمين بالحرف ضُمّن معنى (إلى)، وعلى الثاني التضمين في الفعل. أيهما أفصح؟
طالب: في الفعل أفصح.
الشيخ: أفصح.
الطالب: لأنه يتضمن المعنى وزائد..
الشيخ: يتضمن المعنى وزيادة؛ هل لك أن تأتي بمثال سوى هذا يوضح الموضوع؟
الطالب: قوله: عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ اللَّهِ.
الشيخ: نعم، عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ اللَّهِيشرب تتعدى بأيش في الأصل؟
الطالب: بـ(مِن)؟
الشيخ: بـ(مِن)، وهنا عُدّيت بالباء؛ خرِّجها على الوجهين؟
الطالب: عينٌ يُشرب منها.
الشيخ: هذا وجه؛ يعني الباء ضُمنت معنى (مِن).
الطالب: الثاني: تضمن بالفعل هو عين يروى ويشرب بها.
الشيخ: منها.
الطالب: عين.
الشيخ: عينًا يشرب.
الطالب: يشرب ويَرْوى بها.
الشيخ: عينًا إي يروى بها. وإذا قلنا: يَرْوى بها فيتضمن الشرب؛ لأنه لا ريّ إلا بعد الشرب. واضح؟
طالب: ما يحتاج إلى (...).
الشيخ: ما يحتاج إلى (...). كيف نجمع بين قوله تعالى: إِنَّهُمْ لَنْ يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئًاوبين قوله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ؟
طالب: لا يستلزم من الضرر أن يكون فيه أذية، لا يستلزم من الأذية أن يكون فيها ضرر.
الشيخ: لا يستلزم من الأذية أن يكون فيها ضرر، قد يتأذى الإنسان بشيء ولا يتضرر به؛ مثل؟
الطالب: مثل الذين يستهزئون بالنبي عليه الصلاة والسلام.
الشيخ: لا، لا، ما نريد مثالًا بالنسبة لله ورسوله، عادي طبيعي؟
الطالب: قد يتكلم إنسان على الآخر، ولكن لا يضره، يؤذيه ولا يضره.
الشيخ: يؤذيه بكلامه ولا يضره؛ طيب هذا معنوي، حسي؟ جلس إلى جنبك رجل آكل ثومًا.
الطالب: قد أتأذى من الرائحة.
الشيخ: لا، قد؟!!
الطالب: أتأذى من الرائحة، ولكن لا يضرني شيء.
الشيخ: ولكن لا يضر، صح. إذن الآن عندنا مثالان؛ معنوي يتكلم عليّ إنسان ويؤذيني بكلامه ولكن ما يضرني؛ يجلس إلى جنبي وهو آكل ثومًا أتأذى به، ولكن لا أتضرر؛ إذن لا يلزم من الأذية الضرر، وبهذا لا يكون هناك تعارض بين هذه الآية وبين قوله: إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ. ما معنى: أَلَّا يَجْعَلَ لَهُمْ حَظًّا فِي الْآخِرَةِ؟
طالب: نصيبًا.
الشيخ: نصيبًا، كلمة حَظًّاهنا هل هي للعموم ولَّا للخصوص؟
طالب: للعموم.
الشيخ: للعموم، بأي طريق كان العموم هنا؟
الطالب: كيفيته تقصد من وجه..
الشيخ: العموم له مواضع يعني طرق، فما هو طريق العموم هنا؟! أي: ما هو التركيب الذي استفدنا منه العموم؟
طالب: يعني عموم أُريد به الخصوص.
الشيخ: لا يا أخي.
الطالب: لأنها نكرة جاءت في سياق النفي.
الشيخ: لأنها نكرة جاءت في سياق النفي؛ والقاعدة؟ ما تعرفها؟
طالب: أعرفها، ولكن السؤال ما فهمته.
الشيخ: إي، ما فهمت السؤال يعني بأي طريق حصل العموم؟ واضح الطريق هو أنها نكرة جاءت في سياق النفي. ما معنى قوله: اشْتَرَوُا الْكُفْرَ بِالْإِيمَانِ؟
طالب: استبدلوا الكفر بالإيمان.
الشيخ: يعني أخذوا الكفر بديلًا عن الإيمان. يقول علماء البلاغة: إن في هذه الجملة مجاز بالاستعارة التصريحية التبعية أو الاستعارة المكنية، هل تعرف ذلك؟
طالب: يعني في قوله: إِنَّ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الْكُفْرَ بِالْإِيمَانِ.
الشيخ: إي نعم، يقول: هذه يجوز أن تجعلها استعارة تبعية أو استعارة مكنية؟ طبعًا أنا ما درّستكم إياها نشوف اللي عنده شيء من..
طالب: (...) أجتهد؟
الشيخ: اجتهد؛ إما أن تخطئ وإما أن تصيب.
الطالب: الظاهر من قوله يا شيخ أحسن الله إليك أن الكفر لا يُشترى، ومع ذلك الله عز وجل قال: إِنَّ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الْكُفْرَ بِالْإِيمَانِفهذه استعارة؛ يعني كأنه وضع الكفر.
الشيخ: شبّه.
الطالب: شبّه الكفر بالشيء الذي يُشترى.
الشيخ: بالسلعة تشترى، طيب فاستعار؟
الطالب: فاستعار الكفر بدل الإيمان.
الشيخ: لا، فحذف المشبّه به، ورمز إليه بشيء من لوازمه؛ الظاهر ما عندكم علم بالبلاغة!!
الطالب: استعارة مكنية يا شيخ؛ لأنه..
الشيخ: إي، شبّه الكفر بالسلعة التي تُباع وتشترى وحذف المشبَّه به.
الطالب: وأتى بالمشبَّه.
الشيخ: إي نعم، لكن رمز إليه بشيء من لوازمه وهو الشراء. هذا على أنها مكنية؛ على أنها تصريحية تبعية؟
طالب: حذف المشبّه وهو الكافر الذي اشترى.
الشيخ: لا، التصريحية التبعية معناه أنها تُجرى الاستعارة بالفعل أو باسم الفاعل؛ يعني بالشيء المشترك؛ فهنا اشتروا بمعنى اختاروا، فشبّه الاختيار بالشراء، ثم اشتق من لفظ الشراء اشتروا على سبيل الاستعارة التصريحية التبعية؛ عرفتم؟
في قوله تعالى: وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لِأَنْفُسِهِمْإشكال نحوي؟
طالب: أنه رفع خير.
الشيخ: أنه رفع خير.
الطالب: وهنا رُفعت لأنها خبر (أن).
الشيخ: خبر (أن)، أين اسمها؟
الطالب: الاسم الموصول (ما).
الشيخ: الاسم الموصول (ما). هل الكتابة هنا في المصحف جارية على القواعد المعروفة الآن؟ غير جارية على القواعد؟ القاعدة المعروفة الآن..
الطالب: أن نفصل (أن) عن (ما).
الشيخ: أن نفصل (أن) عن (ما)؛ لأنها اسم موصول، وهنا كتابتها كأنها أداة حصر. إي، أحسنت. ما معنى الإملاء أَنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ؟ وأيش معنى نملي لهم؟
طالب: نستدرجهم.
الشيخ: أملى له.
الطالب: نمهله.
الشيخ: نمهله؛ أَنَّمَا نُمْلِي لَهُمْنمهلهم. اللام في قوله تعالى: لِيَزْدَادُوا إِثْمًاهل هي للتعليل أو للعاقبة؟
طالب: للتعليل.
الشيخ: التعليل؛ يعني أن الله أمهلهم من أجل زيادة الإثم، فيكون الله تعالى قد أراد بهم شرًّا.
طالب: اللام للتعليل، الله سبحانه وتعالى أملى لهم حتى يزدادوا إثمًا فهي للتعليل، أو أنها للعاقبة بمعنى أنهم لم يكفروا حتى يزدادوا إثمًا، وإنما الكفر كان (...) سببًا لزيادة الإثم. يعني وجهين.
الشيخ: يعني باعتبار فعل الله يجوز أن نجعلها للتعليل؛ وباعتبار فعلهم هم ما هم عليه تكون للعاقبة ولا بد؛ لأنهم هم لا يحبون أن تطول أعمارهم لأجل أن يزدادوا إثمًا، لكن الله عز وجل قد يحب ذلك لحكمة تقتضي هذا..





