تفسير سورة آل عمران - 56
عدد الزيارات 3525

عناصر المادة :
تفسير الآية (183)
تفسير الآية (184)
تفسير الآية (185)

وليس المعنى أن الأنبياء ينقسم قتلهم إلى حق وغير حق، كل قتل الأنبياء بغير حق، ومع ذلك لا يقتلون الأنبياء لشخصه، يقتلونه لما جاء به من الحق، أي واحد يأتي بهذه النبوة يُقتل.
وقوله: الْأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَنَقُولُ ذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ [آل عمران: ١٨١] متى؟ يوم القيامة أو في القبر أيضًا، والقول هنا نَقُولُ ذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ [آل عمران: ١٨١] يُقصد به الإهانة والإذلال، وإلا فإنهم سيذوقون عذاب الحريق قيل لهم ذلك أم لم يُقَل، لكن من باب الإهانة، وانظر إلى الإهانة العظيمة والتهكم في قوله تعالى: ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ [الدخان: ٤٩] يقال له وهو يعذَّب في النار: ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُإهانة له، أي أن عزك وكرمك لم ينفعك.
وَنَقُولُ ذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِفي هذه الآية من الفوائد:
أولًا: إثبات سمع الله عز وجل؛ لقوله: لَقَدْ سَمِعَ اللَّهُ [آل عمران: ١٨١]، والسمع هنا بمعنى إدراك الصوت وإن خفي، والمراد به هنا التهديد. وليُعلم أن العلماء رحمهم الله قسموا سمع الله إلى قسمين، الأول: بمعنى الاستجابة، والثاني: بمعنى إدراك الأصوات؛ أما السمع بمعنى الاستجابة فهو كثير في القرآن، ومنه قوله تعالى: وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ قَالُوا سَمِعْنَا وَهُمْ لَا يَسْمَعُونَ [الأنفال: ٢١]، سَمِعْنَايعني بآذاننا، وَهُمْ لَا يَسْمَعُونَأي: لا يستجيبون، وقال تعالى: فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ وَاسْمَعُوا [التغابن: ١٦]؛ اسْمَعُوايعني سمع استجابة، ومنه قوله تعالى عن إبراهيم: إِنَّ رَبِّي لَسَمِيعُ الدُّعَاءِ [إبراهيم: ٣٩]، أي: لمستجيب الدعاء، ومعلوم أن هذا النوع أو هذا القسم من السمع معلوم أنه من الصفات الفعلية؛ لأنه يتعلق بمشيئته.
والقسم الثاني من السمع: سمع الإدراك، قالوا: وينقسم إلى ثلاثة أقسام، هذا النوع الذي هو إدراك الأصوات ينقسم إلى ثلاثة أقسام؛ قسم يراد به التهديد؛ وقسم يراد به التأييد؛ وقسم يراد به بيان الإحاطة والشمول لسمع الله.
فأما الذي يراد به التأييد فكقوله تعالى لموسى: قَالَ لَا تَخَافَا إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى [طه: ٤٦]، المراد بالسمع هنا التأييد.
وقد يقول قائل: والتهديد أيضًا بالنسبة إلى فرعون، وأما الذي يراد به التهديد فمثل هذه الآية: لَقَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاءُ [آل عمران: ١٨١].
وأما الذي يراد به بيان شمول علم الله عز وجل وسعته فمثل قوله تعالى: قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا [المجادلة: ١]، قالت عائشة: الحمد لله الذي وسع سمعه الأصوات، لقد كنت في طرف الحجرة وإنه ليخفى عليّ بعض حديثها ـ سبحان الله ـ والله عز وجل فوق عرشه فوق سبع سماوات يسمع كلام هذه المرأة ، قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَاتحاور الرسول والمرأة يسمعه، إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ [البقرة: ١٨١].
طالب: أَشَهِدُوا خَلْقَهُمْ سَتُكْتَبُ شَهَادَتُهُمْ [الزخرف: ١٩] يعني الملائكة (...).
الشيخ: يكتمونها.
الطالب: طيب وَيُسْأَلُونَالملائكة هم يعني..؟
الشيخ: يحتمل هذا، المسألة أنها الملائكة أو أن الله يسألهم؛ لأن السؤال ورد في آية أخرى أن الله نفسه يسأل.
طالب: شيخ، «مَا أَذِنَ اللهُ لِشَيْءٍ مَا أَذِنَ لِنَبِيٍّ حَسَنِ الصَّوْتِ يَتَغَنَّى بِالْقُرْآنِ يَجْهَرُ بِهِ» ، كيف (...)؟
الشيخ: المعنى «مَا أَذِنَ»: ما سمع، (أذن) بمعنى (سمع) هكذا قال العلماء.
الطالب: ما فيه إثبات (...)؟
الشيخ: لا ما فيه تأويل أبدًا ما فيه، ولهذا عدّاه باللام (أذن له).
طالب: القتل هنا الوعيد يشمل قتل الأنبياء والرسل، نحن دائمًا مر علينا أن كل رسول نبي وليس كل نبي رسولًا، فما المقصود بالأنبياء؟
الشيخ: إي نعم، أنا أعطيتكم قاعدة يا إخواني من قبل، أعطيتكم قاعدة أن الأنبياء المذكورين في القرآن رسل، ما تجد نبي ذُكر في القرآن إلا وهو رسول، وذكرت لكم دليلًا من القرآن: وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلًا مِنْ قَبْلِكَ مِنْهُمْ مَنْ قَصَصْنَا عَلَيْكَ وَمِنْهُمْ مَنْ لَمْ نَقْصُصْ عَلَيْكَ [غافر: ٧٨] فإن استقام هذا فالأمر واضح، وإن لم يستقم فنقول المقصود بالأنبياء الذين لم يوحَ إليهم بشرع جديد يبلغونه الناس.
طالب: بالنسبة لسماع الأرض (...) تسمع بنفسها (...) ينطقها الله سبحانه وتعالى؟
الشيخ: نعم، صحيح.
الطالب: ما يقاس على إثبات السمع للإنسان على الله سبحانه وتعالى؟
الشيخ: لا، ما هو قصدنا القياس، قصدنا أن الشيء قد يَسمع وإن لم يكن له أذن، فهمت؟ وقد يرى وإن لم يكن له عين أيضًا؛ لأن الأرض ستُحَدِّث ما فُعل عليها.
طالب: يعني (...) الأنبياء يا شيخ يعني إذا قيل: الأنبياء -في القرآن- ما يعني يقصد، أو ما يكون مقصد من (...) قتل الأنبياء (...) بمعنى أن إحنا الآن إذا قيل: قتل النبي، يصير قتل الرسول، لكن إذا قيل: قتل الرسول، ما بالضرورة يتطلب قتل النبي؟
الشيخ: لا هو اللي بيقتل رسول بيقتل نبي؛ لأن النبي أدنى مرتبة من الرسول، لكن اللي يقتل الأنبياء لو قيل مثلًا: اللي يقتلون الأنبياء في غير القرآن، لقلنا: إنه لا يشمل قتلهم للرسل؛ لأن الرسول أخص.
طالب: هل إدريس عليه السلام هل هو نبي قبل نوح؟
الشيخ: لا يا أخي، ما فيه أحد من الأنبياء قبل نوح أبدًا، وإدريس من بني إسرائيل، الظاهر من سياق الآيات أنه من بني إسرائيل، ولهذا يوجد، أنا أشوف شجرة للأنبياء، مكتوب إدريس قبل نوح، وهذا غلط، غلط لا شك فيه، إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ [النساء: ١٦٣]، وفي حديث الشفاعة يأتون إلى نوح ويقولون: «أَنْتَ أَوَّلُ رَسُولٍ أَرْسَلَهُ اللهُ إِلَى أَهْلِ الْأَرْضِ» .
طالب: الكثير يا شيخ ذكر إدريس قبل نوح.
الشيخ: غلط، الكثير ما هو..

***

طالب: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم ذَلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ (١٨٢) الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ عَهِدَ إِلَيْنَا أَلَّا نُؤْمِنَ لِرَسُولٍ حَتَّى يَأْتِيَنَا بِقُرْبَانٍ تَأْكُلُهُ النَّارُ قُلْ قَدْ جَاءَكُمْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِي بِالْبَيِّنَاتِ وَبِالَّذِي قُلْتُمْ فَلِمَ قَتَلْتُمُوهُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (١٨٣) فَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقَدْ كُذِّبَ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ جَاءُوا بِالْبَيِّنَاتِ وَالزُّبُرِ وَالْكِتَابِ الْمُنِيرِ [آل عمران: ١٨٢ - ١٨٤].
الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله تعالى: لَقَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاءُ سَنَكْتُبُ مَا قَالُوا وَقَتْلَهُمُ الْأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَنَقُولُ ذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِوأظننا أخذنا الفوائد؟
طالب: فائدة واحدة.
الشيخ: بس، وهي السمع وذكرنا أقسامه.
من فوائد هذه الآية: بيان ما عليه اليهود من الوقاحة والعدوان؛ حيث اعتدوا على الرب عز وجل بوصفهم إياه بأنه فقير.
ومن فوائدها: أنهم لشدة عتوّهم وبغيهم لم يقتصروا على أنهم وصفوا الله بأنه فقير، بل قالوا: نحن أغنياء، فأثبتوا الكمال لأنفسهم والنقصَ لله عز وجل.
ومن فوائد هذه الآية: إثبات الكتابة لله؛ في قوله: سَنَكْتُبُ مَا قَالُوا، ولكننا ذكرنا أن المراد: بأمره، والذي تكتب الملائكة؛ وذكرنا لهذا دليلًا، وهو قوله تعالى: أَمْ يَحْسَبُونَ أَنَّا لَا نَسْمَعُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُمْ بَلَى وَرُسُلُنَا لَدَيْهِمْ يَكْتُبُونَ [الزخرف: ٨٠].
ومن فوائد هذه الآية: أن اليهود كما اعتدوا على الله اعتدوا أيضًا على رسل الله، فقتلوا الأنبياء بغير حق؛ فصار منهم عدوان على مقام التوحيد، ومقام الرسالة، فلم يحققوا شهادة أن لا إله إلا الله، ولا أن رسل الله رسل له.
ومن فوائد هذه الآية: إثبات القول لله عز وجل، في قوله: وَنَقُولُ ذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ، والله سبحانه وتعالى قد ثبت له القول بإجماع السلف، أنه يقول ويتكلم بكلام حقيقي بحرف وصوت مسموع، وهذا الكلام صفة، صفة من صفاته ليس بمخلوق، وقالت المعتزلة والجهمية: إنه خلْق من مخلوقاته، هو كلامه لكنه خلق من مخلوقاته. وقالت الأشاعرة ومن ضاهاهم: إنه لا يتكلم بكلام يُسمع، وكلامه هو الكلام القائم بنفسه، والذي يُسمع عبارة عنه أو حكاية وهو مخلوق، المسموع مخلوق، وقد ذكر ابن القيم أن شيخ الإسلام رحمه الله أبطل هذا القول من تسعين وجهًا في رسالة تسمى التسعينية، وأظنها موجودة في الفتاوى.
ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن هؤلاء سوف يذوقون العذاب بالألم البدني والألم النفسي؛ لقوله: وذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ، ففي الحريق ألم بدني، وفي قوله: ذُوقُواألم نفسي؛ لأن هذا توبيخ وإهانة، فالأمر هنا للتوبيخ والإهانة.
ومن فوائد هذه الآية: الرد على من قال: إن أهل النار لا يذوقون العذاب؛ لأن أجسامهم تأخذ على النار وتتكيف بها فيصبحون لا يذوقون ألَمًا، ونرد عليهم بقوله: ذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ.
ومن فوائدها: بيان قدرة الله عز وجل، حيث يحترق هؤلاء وتنضج جلودهم، وكلما نضجت جلودهم بُدِّلوا جلودًا غيرها، ومع ذلك لا يموتون، مع أن مثل هذا الحريق لو أصاب أحدًا من الدنيا لهلك، ولكنهم لا يموتون، كما قال الله تعالى: لَا يَمُوتُ فِيهَا وَلَا يَحْيَى [طه: ٧٤]، فلا يموت ويستريح، ولا يحيا حياة هنيئة.
ثم قال الله تعالى: ذَلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ، هذا من تمام قوله: وَذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ، أي يقال لهم زيادة في التوبيخ والندم والحسرة: ذَلِكَ، أي: ما أصابهم من العذاب والتوبيخ، فالمشار إليه ما سبق من قوله: وَذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ، وهنا قال: ذَلِكَ، مع أنه يتحدث عن جماعة وأتى بالكاف المفردة، كاف المخاطب المفردة؛ لأنه مر علينا قريبًا أن اسم الإشارة أيش؟ بحسب المشار إليه، وأن الكاف بحسب المخاطَب على اللغة الفصحى، أو هي بفتح الكاف مفردة للمذكر، وبكسرها مفردة للمؤنث، أو هي بفتح الكاف مطلقًا، وكلها لغات، لكن الأكثر أنها بحسب المخاطب، وأظن أنكم لم تدركوا تمامًا هذه المسألة، مسألة الفرق بين المشار إليه وبين المخاطب، أدركتَها تمامًا؟ اسم الإشارة بحسب؟
طالب: بحسب المشار إليه، وكاف الخطاب يراعى فيه المخاطب.
الشيخ: يراعى فيه المخاطب، فإذا خاطبت اثنين مشيرًا إلى نساء، ماذا أقول؟
طالب: ذانكما.
الشيخ: خطأ.
طالب: ذانك.
الشيخ: لا، خطأ، تلكما.
طالب: لا يا شيخ، اثنان يا شيخ.
الشيخ: إي، خاطبت اثنين مشيرًا إلى نساء؟ تلكما، صح، على كل حال ما حاجة أن نكررها؛ لأنها معروفة تحتاج بس إلى كتابة، واحد يكتب اسم الإشارة والكاف، وهو بنفسه يحولها من هذا إلى هذا.
قال: ذَلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ، أي: بسبب، فالباء هنا سببية، و(ما) اسم موصول بمعنى (الذي)، أي: بالذي، وقوله: قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْأي: في الدنيا، والمراد بالأيدي هنا أنفسهم، لكن أضيف العمل أو المقدم إلى الأيدي؛ لأن الغالب أن الأيدي هي محل البطش والعمل، وإلا فمن المعلوم أنهم قد قدمت أيديهم وألسنتهم وأرجلهم، كل قواهم، كلها عملت بالشرك.
قال: وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ، و(أن) هنا بالفتح عطفًا على (ما) في قوله: بِمَا قَدَّمَتْ، أي: وذلك بأن الله ليس بظلام للعبيد.
وقوله تعالى: وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلَّامٍ، (ظلّام) على صيغة المبالغة، ولكنها في نفس الوقت على صيغة النسبة، والفرق بينهما أن صيغة المبالغة تدل على الكثرة، والنسبة تشمل الكثرة والقلة، فهل المراد هنا صيغة المبالغة أو النسبة؟
طلبة: النسبة.
الشيخ: المراد النسبة، لماذا؟ لأننا لو قلنا: المراد بذلك صيغة المبالغة، لكان المنفي كثرة الظلم، مع أن الله لا يظلم مثقال ذرة.
وعلى هذا فنقول (ظلام) هنا نسبة، يعني: ليس بذي ظلم، ليس بذي ظلم، كما تقول: فلان ليس نجارًا، يعني ليس بذي نجارة، أي: ليس منسوبًا إلى النجارين.
وقوله: لِلْعَبِيدِجمع (عبد)، و(عبد) اسم مفرد وهو من أكثر المفردات جموعًا، له جموع متعددة كثيرة، مثل (شيخ) اسم مفرد له جموع كثيرة تبلغ إلى عشرة جموع، والعبيد هنا المراد بهم العبيد كونًا، فهو لا يظلم أحدًا من العبيد كونًا، وإنما قلنا: كونًا؛ لندفع أن المراد بذلك العبيد شرعًا، وهم المتعبدون لله، وذلك لأن الله لا يظلم لا الكافر ولا المؤمن، كلٌّ يجازى بحسب عمله، فالعبودية في هذه الآية هي العبودية العامة الشاملة للكافر والمؤمن، فالله لا يظلم كافرًا ولا يظلم مؤمنًا، يجازي كل إنسان بعمله.
في هذه الآية من الفوائد، أولًا: إثبات الأسباب، من أين تؤخذ؟ من قوله: بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ.
ومن فوائدها أيضًا: نفي الظلم عن الله؛ لقوله: وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ، وهنا نقف لنبين أن الله سبحانه وتعالى موصوف بالإثبات وموصوف بالنفي؛ أما الإثبات فإن الله تعالى وصف نفسه بإثبات كل صفة كمال، كل صفة كمال فهي ثابتة لله، وما ميزان الكمال؟ هل هو عقولنا القاصرة، أو ميزان الكمال نصوص الكتاب والسنة؟ الثاني، الثاني هو الميزان، ولهذا نحن لا نحكم على الله فنقول: هذه صفة لائقة به وهذه صفة غير لائقة، بل المرجع في هذا إلى الكتاب والسنة في التفصيل، أما في الإجمال فالعقل يدل على أن الرب لا بد أن يكون كاملًا، أما الصفات المنفية فإنه لا يراد بها مجرد النفي، بل المراد انتفاء هذه الصفة؛ لثبوت كمال الضد، فإذا نفى أن يكون ظلّامًا للعبيد فذلك لكمال عدله، وإذا نفى أن تأخذه سِنَة ونوم فذاك لكمال حياته وقيوميّته، وإذا نفى أن يصيبه لغوب فذلك لكمال قوته، وهكذا.
ويجب أن نعلم أنه لا يمكن أن يوجد في صفات الله نفي مجرد، انتبهوا يا جماعة للقاعدة! لا يوجد في صفات الله نفي مجرد، الدليل قول الله تعالى: وَلِلَّهِ الْمَثَلُ الْأَعْلَى، والنفي المجرد ليس مثلًا أعلى، المثل الأعلى يعني الوصف الأعلى الأكمل، والنفي المجرد عدم، والعدم ليس بشيء، فضلًا عن أن يكون وصفًا أعلى، ثانيًا: أن نفي المحض قد يكون لعجز الموصوف عنه، وقد يكون لعدم قابليته لهذا المنفي، قد يكون لعجزه وقد يكون لعدم قابليته، يعني معناه نفينا عنه هذا الشيء؛ لأنه عاجز ما يستطيع، لا يستطيع أن يفعل هذا الشيء الذي نفينا عنه، وقد يكون لعدم قابليته لهذا الشيء، فمثلًا إذا قال قائل: فلان رجل حُبَيِّب، حُبَيِّب ما هو بيظلم الناس ولا يعتدي عليهم، ويش نعرف من هذا الكلام؛ لا يظلم الناس ولا يعتدي عليهم؟ عجزه؛ ولهذا قلنا: حُبَيِّب، حُبَيِّب عند الناس كلمة تصغير وتحقير، وهذا كقول الشاعر:
قُبَيِّلَـــــــــــــةٌ لَا يَغْـــــدِرُونَ بِذِمَّـــــــــــــةٍ وَلَا يَظْلِمُونَ النَّاسَ حَبَّةَ خَرْدَلِ

آدم إذا سمع مثل هذا الكلام ويش يقول؟ مدح ولّا ذم؟ تراه يقول: لا يغدرون بذمة؛ ما يمكن يغدرون بالعهد أبدًا، ولا يمكن يظلمون الناس أبدًا؟
الطالب: ذم.
الشيخ: ذم؟ سبحان الله، لو أقول لك: أنت لا تغدر بالعهود ولا تظلم أحدًا، ويش يكون هذا؟
الطالب: هذا مدح.
الشيخ: مدح، يعني لما كان لك صار مدح، ولما كان للقبيلة صار ذمًّا، سبحان الله!
طالب: هذا ذم.
الشيخ: من أين أخذنا أنها ذم؟
طالب: (...) قوله: قُبَيِّلَة.
الشيخ: تصغير.
الطالب: الثاني: لا يظلمون بذمتهم؛ أنهم لعجزهم لا يظلمون الناس.
الشيخ: إنما فهمنا أنه ذم من التصغير، والتصغير في الأصل يدل على التحقير، كذا؟ على كل حال لا يمكن يوجد في صفات الله نفي محض، وقد يكون النفي إذا لم يتضمن كمالًا قد يكون لعدم القابلية، يعني أن ما نُفي عنه هذا الوصف ليس لكماله ولكنه لا يقدر، ومثَّل العلماء لذلك بأن تقول: إن جداري لا يظلم، الجدار لا يظلم، هذا مدح؟
طلبة: لا.
الشيخ: ليش؟ أصلًا ليس بقادر، لو أراد يظلم ما يمكنه، كذا؟ إذن خذوا هذه القاعدة: لا يوجد في صفات الله تعالى نفي محض، بل كل ما نفى الله عن نفسه فهو متضمن لكمال، هذه القاعدة.
من فوائد هذه الآية: أن الله تعالى يخبر عما يخبر من صفاته لتطمين الخلق؛ لقوله: وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ، حتى يطمئن الإنسان أنه لن يجازى إلا بعمله إن خيرًا فخير وإن شرًّا فشر.
ومن فوائدها: جواز إطلاق البعض على الكل إذا وُجدت قرينة تدل عليه، من أين نأخذها؟ جواز إطلاق البعض على الكل إذا وجدت قرينة تدل عليه؟ الآية اللي معنا؟
طالب: (...) للعبيد؟
الشيخ: لا.
طالب: قوله: أَيْدِيكُمْقد يدفعه مثلًا.
الشيخ: بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْالمراد بما قدمتم، واليد بعض من الإنسان، لكنه القرينة تدل على أن المراد الكل، يعني بما قدمتم، ونظيرها في صفات الله: أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا خَلَقْنَا لَهُمْ مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا أَنْعَامًا [يس: ٧١] الإبل مثلًا، قال الله: مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَاهل نقول: إن الله خلق الإبل بيده كما خلق آدم؟ لا، نقول: مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا: مما عملنا؛ لأن الله لم يخلق الإبل مثلًا بيده، فيكون المراد: مما عملنا، لكن ليس معنى هذا أن الآية ليس فيها دلالة على ثبوت اليد لله، بل فيها دلالة على ثبوت اليد لله عز وجل.
طالب: قوله تعالى: وَنَقُولُ ذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِالقائل ليس الملائكة الإنسان هو اللي..
الشيخ: إي، الدليل؟
طالب: قوله تعالى: وَسِيقَ الَّذِينَ..
الشيخ: وَسِيقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ زُمَرًا حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا فُتِحَتْ أَبْوَابُهَا وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَتْلُونَ عَلَيْكُمْ آَيَاتِ رَبِّكُمْ وَيُنْذِرُونَكُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا قَالُوا بَلَى وَلَكِنْ حَقَّتْ كَلِمَةُ الْعَذَابِ عَلَى الْكَافِرِينَ (٧١) قِيلَ ادْخُلُوا أَبْوَابَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا [الزمر: ٧١- ٧٢].
طالب: قِيلَ ادْخُلُوا.
طالب آخر: وَقَالَ الَّذِينَ فِي النَّارِ لِخَزَنَةِ جَهَنَّمَ ادْعُوا رَبَّكُمْ يُخَفِّفْ عَنَّا يَوْمًا مِنَ الْعَذَابِ (٤٩) قَالُوا أَوَلَمْ تَكُ تَأْتِيكُمْ رُسُلُكُمْ بِالْبَيِّنَاتِ [غافر: ٤٩، ٥٠] التوبيخ مع العذاب.
الشيخ: حتى من الله عز وجل، في سورة المؤمنون: قَالَ اخْسَئُوا فِيهَا وَلَا تُكَلِّمُونِ [المؤمنون: ١٠٨].
طالب: (...).
الشيخ: نعم، هذه عندنا دليل، سَنَكْتُبُعندنا دليل، وهو قوله تعالى: أَمْ يَحْسَبُونَ أَنَّا لَا نَسْمَعُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُمْ بَلَى وَرُسُلُنَا لَدَيْهِمْ يَكْتُبُونَ [الزخرف: ٨٠]، كَلَّا بَلْ تُكَذِّبُونَ بِالدِّينِ (٩) وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ (١٠) كِرَامًا كَاتِبِينَ [الانفطار: ٩-١١] على كل حال ابحث، أنا معك بأن فيه احتمال أن يكون المراد الملائكة، نَقُولُ ذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِلأن الملائكة..
طالب: ونقول بالنون والياء (...) في الآخرة على لسان الملائكة.
الشيخ: إيه، ما (...)، على كل حال إذا وُجد دليل على العين والرأس.
طالب: قلنا يا شيخ: إن اليهود اعتدوا على الرسل كما اعتدوا على الله عز وجل؟
الشيخ: لا، في حق الله، المراد على الله يعني: في حقه.
طالب: هل هذا يا شيخ فيه تأييد لمن يقول بالمجاز: ذَلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْلغة؟
الشيخ: يا أخ -بارك الله فيك- قاله من قاله؛ لأنهم يرون أن الكلمات لها معنى ذاتي، وأما من قال: إن الكلمات ليس لها معنى ذاتي وإنما معناها حسب السياق، فليس عندهم مجاز، فيقولون مثلًا: اخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّليس فيه مجاز؛ لأن من المعلوم أن الذل ليس له جناح حقيقي، لكن المراد: لا تترفع، الطائر عادته أن يرتفع، لكن أنت ذُلّ لهم حتى تنخفض، ويكون اللي يعين هذا السياق.
الطالب: كيف يا شيخ نرد عليهم (...) يقولون هنا بعض (...).
الشيخ: نعم نعم، نقول: اللغة العربية تعبر عن البعض بالكل وعن الكل بالبعض يَجْعَلُونَ أَصَابِعَهُمْما هو كل أصبع يدخل في الأذن.

***

طالب: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ عَهِدَ إِلَيْنَا أَلَّا نُؤْمِنَ لِرَسُولٍ حَتَّى يَأْتِيَنَا بِقُرْبَانٍ تَأْكُلُهُ النَّارُ قُلْ قَدْ جَاءَكُمْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِي بِالْبَيِّنَاتِ وَبِالَّذِي قُلْتُمْ فَلِمَ قَتَلْتُمُوهُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (١٨٣) فَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقَدْ كُذِّبَ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ جَاءُوا بِالْبَيِّنَاتِ وَالزُّبُرِ وَالْكِتَابِ الْمُنِيرِ (١٨٤) كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ [آل عمران: ١٨٣-١٨٥].
الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله تبارك وتعالى: لَقَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ، إلى آخر الآية، من هؤلاء القائلون؟
طالب: اليهود.
الشيخ: وهل تحفظ لهم شيئًا آخر مما وصفوا الله به من العيوب؟
طالب: نعم، قالوا: يد الله مغلولة.
الشيخ: أي؟
طالب: بخيل.
الشيخ: أي: بخيل، وغير؟
طالب: قالوا: إن الله سبحانه وتعالى لما خلق السماوات والأرض استراح.
الشيخ: تعب فاستراح، طيب، قوله: سَنَكْتُبُ مَا قَالُواما المراد بالكتابة، هل يكتبها الله بيده؟
طالب: المراد الملائكة نُسِب إلى الله لأنهم جنود الله.
الشيخ: ما الدليل على أن المراد كتابة الملائكة؟
طالب: قوله تعالى: أَمْ يَحْسَبُونَ أَنَّا لَا نَسْمَعُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُمْ بَلَى وَرُسُلُنَا لَدَيْهِمْ يَكْتُبُونَ.
الشيخ: أحسنت.
قال: وَقَتْلَهُمُ الْأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ، هل في قتل الأنبياء حق حتى يخرج بالقيد؟ يعني كونه يقيد بغير حق هل معناه أن قتل الأنبياء يكون تارة بحق وتارة بغيره؟
طالب: (...).
الشيخ: أجل، لماذا قال: بغير حق؟
الطالب: لأنه فعلا بغير حق.
الشيخ: نعم؟
الطالب: لأن الواقع أنه بغير حق.
الشيخ: يعني لبيان الواقع؟
الطالب: نعم.
الشيخ: نعم.
طالب: صفة كاشفة.
الشيخ: صفة كاشفة، كاشفة يعني تبين الواقع، وأيضًا فيها فائدة أخرى غير هذه؟
طالب: التوكيد؟
الشيخ: لا.
الطالب: لئلا يكون أنهم قتلوهم بحقهم، لئلا يكون قالوا أنهم قتلوا الأنبياء بحق، فالله أكد على أن تقتيلهم بغير حق.
الشيخ: نعم.
طالب: التسجيل على هؤلاء والوصل بأن حالهم ليس فيها حق.
الشيخ: إيه، يعني معناها المبالغة في الشناعة عليهم أو في التشنيع عليهم أنهم قتلوهم بغير حق.
قوله: ذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِالأمر هنا يراد به؟
طالب: يراد به هنا التوبيخ.
الشيخ: والإهانة. هل لك دليل على أن مثل هذا الأمر يراد به الإهانة؟
طالب: إي نعم، من ذلك قوله تعالى: ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ [الدخان: ٤٩].
الشيخ: نعم، ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ، قال بعض العلماء المعاصرين: إن النار لا تحرق أهلها، ولهذا لا يموتون فيها ولا يحيون، فهل في الآية ما يرد عليهم؟
طالب: نعم، قوله: ذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ، وذلك يستلزم أنهم مستمرين في أنهم يذوقوا العذاب ولا يموتون.
الشيخ: ويحترقون.
طالب: يحترقون وتنضج جلودهم ثم يبدلهم الله جلودًا غيرها.
الشيخ: ولا يموتون، بخلافهم في الدنيا؛ فإن الإنسان إذا احترق في الدنيا يموت.
ما معنى قوله: بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ؟
طالب: يعني بما كسبت أيديكم.
الشيخ: لكن الباء هنا؟
طالب: الباء للسببية.
الشيخ: الباء للسببية، هل يستفاد من الآية بأن أفعال الله مقرونة بالحكمة؟
طالب: نعم؛ لأن الباء للسببية.
الشيخ: وكل شيء للسببية فهو يفيد العلّية، والعلة هي الحكمة.
قوله: لَيْسَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ، (ظلام) هنا صيغة مبالغة ولّا نسبة؟
طالب: مبالغة.
الشيخ: مبالغة، يعني أن الله يظلم قليلًا لكن كثيرًا لا؟
طالب: ظلام بالنسبة للصيغة يعني.
الشيخ: نعم (ظلام) الصيغة صيغة مبالغة، صحيح، لكن هذه الصيغة تأتي للنسبة، يقال: نجار وحداد وبنّاء، فهل هي هنا للنسبة أو للمبالغة؟
طالب: للنسبة.
الشيخ: للنسبة، تمام؛ لأننا لو قلنا: للمبالغة، لكان المنفي كثرة الظلم.
(العبيد) هنا هل هو بالمعنى الخاص أو بالمعنى العام؟
طالب: بالمعنى العام.
الشيخ: بالمعنى العام، يعني حتى الكافر لا يظلمه الله؟
طالب: نعم.
الشيخ: صحيح؟
الطلبة: نعم.
الشيخ: طيب، ثم قال الله عز وجل: الَّذِينَ قَالُوا، هذا صفة لقوله: لَقَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّذِينَ قَالُوا.
طالب: الفوائد يا شيخ.
الشيخ: من أين، فوائد أيش؟
الطالب: ذَلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْأربع فوائد أخذناهم بالأمس.
الشيخ: وقفنا على دي؟
الطالب: جواز الحكم بعض على الكل إذا وجدت (...) بعدها، تؤخذ من قوله تعالى: بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ.
الشيخ: إذن كمّل.
من فوائد الآية الكريمة: ذَلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْانتفاء الظلم عن الله؛ لقوله: وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ.
ومن فوائدها: إمكان الظلم من الله لولا أن الله نفاه عن نفسه؛ لقوله: وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلَّامٍ؛ لأنه لو كان الظلم غير ممكن في حقه لم يصح أن يتمدح به عز وجل؛ إذ لا يتمدح بشيء إلا إذا كان تركه اختيارًا، أما لو كان مستحيلًا في حقه لم يكن للتمدح به فائدة، صح؟
وبناء على هذه الفائدة: يكون فيها رد على من؟
طالب: الأشاعرة.
الشيخ: لا.
طالب: على الجبرية.
الشيخ: لا، على الجهمية، الجهمية يقولون: إن الظلم محال على الله، محال لذاته لا لأن الله نفاه عن نفسه؛ لأنهم يقولون: إنه مهما تصرف فقد تصرف في ملكه، والمتصرف في ملكه يفعل ما يشاء، فالظلم عندهم المحال لذاته، كما قال ابن القيم في النونية:
وَالظُّلْمُ عِنْدَهُمُ الْمُحَالُ لِذَاتِهِ .......................

ونحن نقول: الظلم ليس محالًا لله، لو شاء الله أن يظلم لظلم، ولكنه نفاه عن نفسه تمدحًا بذلك؛ ولهذا قال في الحديث القدسي: «يَا عِبَادِي إِنِّي حَرَّمْتُ الظُّلْمَ عَلَى نَفْسِي» وهذا يدل على إمكانه منه لكنه لا يفعل.
فإن قال قائل: قد جاء في الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «إِنَّ اللهَ لَوْ عَذَّبَ أَهْلَ سَمَاوَاتِهِ وَأَرْضِهِ لَعَذَّبَهُمْ وَهُوَ غَيْرُ ظَالِمٍ لَهُمْ»
فالجواب أن نقول: لا معارضة بين هذا الحديث وبين الآية؛ لأن الله لو عذبهم لم يمكن أن يعذبهم وهو ظالم لهم، إذن لا يعذبهم إلا وهم مستحقون للعذاب، وعلى هذا فيكون الحديث مطابقًا للآية، أو يقال وجه آخر: إن الله لو عذب أهل السماوات والأرض لعذبهم وهو غير ظالم لهم، إذا أراد أن يناقش العباد، فإنّ من نوقش الحساب عُذِّب؛ لأنه لو ناقشهم لكانت نعمة واحدة من نعمه تقابل جميع أعمالهم، وحينئذ يستحقون أن يعذَّبوا، فلنا في هذا الحديث مخرجان؛ المخرج الأول: أنه يعذبهم وهو غير ظالم لهم، أي لا يعذبهم إلا بذنب، فيكون مطابقًا للآية، والثاني: أن المراد بذلك المناقشة، مناقشة الحساب؛ لأن الله لو ناقشهم سبحانه وتعالى لكان نعمة واحدة من نعمه تحيط بجميع أعمالهم، فيبقون وليس عندهم رصيد.
فإذا قال قائل: هذه صفة سلبية كما يقولون، وهل توجد الصفات السلبية في صفات الله؟
فالجواب: لا؛ لكن المراد بالصفات السلبية ثبوت كمال ضدها، فهو لا يظلم لا لعجزه عن الظلم ولكن لكمال عدله.
تفسير الآية (183)
00:47:15

ثم قال الله تعالى: الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ عَهِدَ إِلَيْنَا أَلَّا نُؤْمِنَ لِرَسُولٍ حَتَّى يَأْتِيَنَا بِقُرْبَانٍإلى آخره، هذا أيضًا من كذب هؤلاء اليهود أنهم قالوا: إِنَّ اللَّهَ عَهِدَ إِلَيْنَا، أي: أوصانا وصية موثقة بالعهد، يقال: عهد إليه، أي: أوصى إليه وصية موثقة، ومنه العهد بالولاية، أي: ولاية الحاكم إلى من بعده، فإنه يوصي بالحكم إلى من بعده، مثل عهد أبي بكر رضي الله عنه إلى عمر، فمعنى: عَهِدَ إِلَيْنَاأي: أوصانا وصية مثبّتة بالعهد، أَلَّا نُؤْمِنَ لِرَسُولٍ حَتَّى يَأْتِيَنَا بِقُرْبَانٍ تَأْكُلُهُ النَّارُ، هكذا قالوا، وهذا من كذبهم كما سيأتي.
يقول: أَلَّا نُؤْمِنَ لِرَسُولٍيعني: لرسول من عند الله، حَتَّى يَأْتِيَنَا بِقُرْبَانٍ تَأْكُلُهُ النَّارُ، وذلك بأن نقرّب قربانًا من طعام أو بهائم أو لحم أو ثياب ثم تنزل نار من السماء فتأكل هذا القربان، يعني أنهم حصروا الآيات التي يطلبونها من الرسول بأن يأتي بنار تأكل هذا القربان، وكانوا فيما سبق إذا غنموا غنائم من الكفار جمعوها ثم نزلت نار من السماء فأكلتها، حتى أُحِلّت الغنائم لهذه الأمة، هؤلاء يقولون: لا نؤمن لرسول إلا إذا أتانا بهذه الآية فقط، وهي أننا إذا قرّبنا قربانًا أكلته النار، هكذا قالوا، قال الله تعالى لرسوله: قُلْ قَدْ جَاءَكُمْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِي بِالْبَيِّنَاتِ وَبِالَّذِي قُلْتُمْ فَلِمَ قَتَلْتُمُوهُمْ، يعني: قد جاءتكم رسل بأكثر مما تدعون الآن، بِالْبَيِّنَاتِأي: بالآيات البينات التي تبين صدق رسالتهم، والثاني: بِالَّذِي قُلْتُمْأي: بالقربان الذي تأكله النار، فَلِمَ قَتَلْتُمُوهُمْ، يعني ومع ذلك كذبتموهم وقتلتموهم.
فإن قال قائل: لماذا عدل الله عز وجل عن المطالبة بصدق ما ادعوه؟
قلنا: هذا من باب التنزّل مع الخصم، يعني على فرض أن الأمر كما قلتم فقد اعتديتم حتى فيما جيء به من مطلوبكم، اعتديتم على الرسل، وأرجو أن ننتبه لهذا، أولًا من ادعى دعوى فإننا نعامله بمراتب؛ المرتبة الأولى: صحة ما قال، المرتبة الثانية: مخالفته لما قال، فهنا لم يطالبهم الله عز وجل بصحة ما قالوا من باب موافقة الخصم، أقول: من باب موافقة الخصم، أحسن من التنزّل؛ لأن اللي معنا قرآن، أنا قلت بالأول: تنزل، بناء على العبارة المعروفة عند العلماء، ونحن نقول هنا: موافقة الخصم، فهنا قد وافق الخصم، قال: نعم، هب أن الأمر كما قلتم، وأنه عُهِد إليكم ألا تؤمنوا لرسول حتى يأتيكم بقربان تأكله النار، فقد جاءكم رسول بقربان تأكله النار ومع ذلك قتلتموه، إذن فطلبكم هذه الآية المعينة ليس عن صدق؛ لأنها قد جاءتكم ومع ذلك كذبتم الرسل وقتلتموهم، فهنا عدل عن المطالبة بصحة الدعوى من باب موافقة الخصم، أي أنكم لا تريدون أن تصدقوا الرسل، وإنما تريدون تكذيبهم.
طالب: شيخ، أحسن الله إليك، حين قال: حَتَّى يَأْتِيَنَا بِقُرْبَانٍ تَأْكُلُهُ النَّارُ، فهم طالبوا بالقربان (...) تأكله النار، مع أن الذي ذكرنا أنه (...)؟
الشيخ: لا، بقربان، لكن القربان هم يتقربون بقربانهم، يعني حتى يأتينا بمشروعية قربان نتقرب به وتأكله النار، ما هو اللي يأتي بالقربان.
طالب: هكذا ظاهر الآيات.
الشيخ: إي، لكن العلماء فسروها بذلك، أنهم هم يتقربون بالقربان تأكله النار.
طالب: شيخ، أحسن الله إليك، في الأمم السابقة إذا تقرب بقربان من البهائم فهل تأكله النار مثل المتاع؟
الشيخ: الظاهر إذا كان مشروعًا تأكله النار، من البهائم وغيرها إذا كان مشروعًا مثل البهائم، أما إذا كان بغير البهائم فالأمر ما فيه إشكال.
طالب: مثل الغنائم.
الشيخ: الغنائم هم قالوا: عامة.
طالب: بالنسبة للأمة الإسلامية هل أحلت لأول غزوة غزوها (...)؟
الشيخ: لا هو المعروف في بدر أنه ما قسموها إلا بقسمة النبي عليه الصلاة والسلام، قسمها هو، ولم تكن موزعة كالتوزيع في الأخير، وقد اختلف العلماء في هذا، هل إن الرسول عليه الصلاة والسلام أُذن له في بدر خاصة بأن يقسم الغنائم على غير ما ذكر الله في سورة الأنفال، أو أنها لم تنزل سورة الأنفال إلا بعد بدر.
طالب: (...)؟
الشيخ: والله ما عندي تحريرها الآن.
طالب: هل القربان من الغنائم أو من أي حدًا (...) الشخص؟
الشيخ: الذي يريدون هؤلاء؟ لا، من أي شيء، يعني واحد شخص بيتقرب إلى الله يجعل الطعام ثم تنزل النار وتأكله.
الطالب: لِمَ أوردنا الغنائم؟
الشيخ: مناسبة الغنم فيما إذا كانت غنائم، كانت الغنائم في الأول إذا غنموها من الكفار لا تحل لهم، يجمعونها في مكان فتنزل عليها النار فتحرقها.
طالب: شيخ، قلنا: الجواب الثاني على الحديث أن المراد هو مناقشة الحساب، من نوقش الحساب ما هو (...)؟
الشيخ: يعني مثلًا لو عذبهم وهم يعملون عملًا صالحًا لعذبهم وهو غير ظالم لهم بالمناقشة، فمثلًا إذا كانوا يصومون، يصلون ويتصدقون ويصومون ويحجون، لو نوقشوا الحساب لكانت نِعَم الله ما تقابل أو لا يقابلها الصلاة، تجتاح الصلاة والصدقة والصيام وكل شيء، وإذا اجتاحتها ويش بقي للإنسان؟ ليس عنده عمل.
طالب: قوله تعالى: مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَايعني (...) كيف تدل على ثبوت اليد لله عز وجل، وجه الدلالة؟
الشيخ: وجه الدلالة أنه أثبت أَيْدِينَا، لولا أن له يدًا ما صح أن يعبر بها عن نفسه.
الطالب: (...) بها عن الله؟
الشيخ: إلا، لكن لا يمكن أن يضيفها إلى اليد وهو لا يد له أبدًا.

***

طالب: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ عَهِدَ إِلَيْنَا أَلَّا نُؤْمِنَ لِرَسُولٍ حَتَّى يَأْتِيَنَا بِقُرْبَانٍ تَأْكُلُهُ النَّارُ قُلْ قَدْ جَاءَكُمْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِي بِالْبَيِّنَاتِ وَبِالَّذِي قُلْتُمْ فَلِمَ قَتَلْتُمُوهُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (١٨٣) فَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقَدْ كُذِّبَ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ جَاءُوا بِالْبَيِّنَاتِ وَالزُّبُرِ وَالْكِتَابِ الْمُنِيرِ (١٨٤) كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ.
الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، أظن نبدأ المناقشة، الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ عَهِدَ إِلَيْنَا، ما محل قوله: الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ عَهِدَ إِلَيْنَامن الإعراب؟
طالب: لا محل لها من الإعراب.
الشيخ: لا، الاسم لا بد له من محل من الإعراب.
طالب: صلة الموصول.
الشيخ: لا، (الذين).
طالب: عطف.
الشيخ: ما فيه واو.
طالب: بدل.
الشيخ: ما تصلح بدل.
الطالب: صفة.
الشيخ: صفة للذين الأولى، البدل يا إخواني البدل هو الذي يقوم مقام المبدل، هو المقصود بالحكم، عرفتم؟ فمثلًا إذا قلت: أكلت الرغيفَ ثلثَه، (ثلث) بدل، إذن المأكول هو الثلث، خذ نبلًا مُدى، هذا بدل الغلط أو النسيان، خذ نبلًا مدى، الْمُدى يعني سكاكين؛ ما المقصود؟ خذ السكاكين، فالبدل معناه أن يحل محل المبدل ليس معناه أن يكون زائدًا عليه.
قوله: عَهِدَ إِلَيْنَاما معناها؟
طالب: يعني أوصانا.
الشيخ: أوصانا، كذا؟ طيب.
قوله: حَتَّى يَأْتِيَنَا بِقُرْبَانٍ تَأْكُلُهُ النَّارُويش معناها؟
طالب: أي لا يؤمنون حتى يأتيهم الرسول بقربان من ثياب أو أكل أو أي شيء تأكله، الله عز وجل يرسل عليها نارًا تأكله.
الشيخ: هل قولهم هذا صحيح؟
طالب: غير صحيح، كذب من عند أنفسهم، كذبوا على الله وعلى الرسول.
الشيخ: وهل أبطل الله ما ادعوه؟
الطالب: لم يأت بإبطال ما ادعوه، ولكن أتى بشيء، أتى بأنه قد جاءهم رسل بما قالوا ولكنهم قتلوهم.
الشيخ: المهم هل إنهم صدقوا؟
الطالب: هم كاذبون.
الشيخ: إي، لكن هل صدقوا أنه لو أتاهم رسول بقربان تأكله النار آمنوا؟
الطالب: لا، لم يصدقوا.
الشيخ: ما الدليل؟
الطالب: الدليل قوله تعالى: فَلِمَ قَتَلْتُمُوهُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ.
الشيخ: لا.
الطالب: اللي قبلها: بِالْبَيِّنَاتِ، قَدْ جَاءَكُمْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِي بِالْبَيِّنَاتِ وَبِالَّذِي قُلْتُمْ فَلِمَ قَتَلْتُمُوهُمْ.
الشيخ: من أين تأخذ من أي الكلمات هذه؟
طالب: قَدْ جَاءَكُمْ.
طالب آخر: قل قد جاءكم رسل بما قلتم..
الشيخ: هو عندي: قُلْ قَدْ جَاءَكُمْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِي بِالْبَيِّنَاتِ وَبِالَّذِي قُلْتُمْمن أين نأخذ أنهم كذبوا فيما ادعوا؟
طالب: إنهم لما أرسل الله عز وجل لهم بشيء قتلوا الأنبياء، فقتلهم للأنبياء يدل على عدم تصديقهم (...) فقال الله عز وجل موافقة للخصم: فَلِمَ قَتَلْتُمُوهُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ.
الشيخ: نعم؟
طالب: من قوله تعالى: وَبِالَّذِي قُلْتُمْ.
الشيخ: من قوله: وَبِالَّذِي قُلْتُمْ، يعني أنهم جاؤوا بالبينات وبالذي قلتم.
قوله: إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَما شرحناه؟ قال الله عز وجل: قُلْ قَدْ جَاءَكُمْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِي بِالْبَيِّنَاتِأي: بالآيات البينات الدالة على رسالتهم وصدقهم، وَبِالَّذِي قُلْتُمْ، يعني والذي قلتم دون البينات التي جاؤوا بها، بدليل أنه قدم قوله: بِالْبَيِّنَاتِ، فدل هذا على أن ما قالوه وإن كان آية لكنه دون البينات التي جاؤوا بها؛ لأنهم جاؤوا بأعظم من هذا، فمثلًا موسى عليه الصلاة والسلام جاء ببينة أعظم من ذلك، كان يلقي العصا فتكون حية ويردها يحملها فتكون عصا، كان يُدخل يده في جيبه فتخرج بيضاء لكن من غير عيب، من غير برص، كذلك أيضًا عيسى عليه الصلاة والسلام كان يُخرج الأموات من القبور أحياء أو يقف على الميت قبل أن يدفن فيحيا بإذن الله عز وجل، يخلق من الطين كهيئة الطير بإذن الله فينفخ فيه فَيَكُونُ طَيْرًا [آل عمران: ٤٩] طائرًا، فيها قراءتان: فَيَكُونُ طَيْرًا، و{فَيَكُونُ طَائِرًا}، يعني: يكون طيرًا طائرًا أيضًا بالفعل، أيهما أعظم هذا أو أن تنزل نار من السماء لتأكل القربان؟ الأولى أعظم، ولهذا قدمها.
وَبِالَّذِي قُلْتُمْ، وهو أن يأتي بقربان تأكله النار، فَلِمَ قَتَلْتُمُوهُمْ، قوله: فَلِمَالفاء عاطفة، و(لم): اللام حرف جر، و(ما) استفهامية، ومن قواعد الإملاء أن (ما) الاستفهامية إذا دخل عليها حرف جر فإنها تُحذف ألفها، مثل: عم، بم، لم، وغير؟ مم، كيم، المهم على كل حال أن (ما) إذا دخل عليها حرف جر تحذف ألفها.
فَلِمَ قَتَلْتُمُوهُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَفي أنكم تقبلون الرسل إذا جاؤوا بهذه الآية، وقوله: إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَالجملة شرطية كما رأيتم، وهل تحتاج إلى جواب؟ ذهب بعض العلماء إلى أنها لا تحتاج إلى جواب؛ لأن المعنى مفهوم بدونه، والجواب إنما يؤتى به ليتمم المعنى، وقال بعضهم: بل جوابها محذوف دل عليه ما قبله، وعلى هذا الرأي يكون التقدير: إن كنتم صادقين فلم قتلتموهم، وإلى القول الأول ذهب ابن القيم رحمه الله في أن مثل هذا التركيب لا يحتاج إلى جواب.
يستفاد من هذه الآية: بيان تعنت هؤلاء اليهود الذين ردوا ما جاء به النبي صلى الله عليه وسلم من البينات بناء على ما ادعوه من هذه الآية.
ومن فوائد هذه الآية: أنه ينبغي عند المخاصمة إفحام الخصم بما يدعيه؛ ليكون ذلك أبلغ في دحض حجته، يؤخذ من قوله: قُلْ قَدْ جَاءَكُمْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِي بِالْبَيِّنَاتِ وَبِالَّذِي قُلْتُمْ؛ لأنه إذا خوصم بما يقوله لم يبق له حجة، ومن ذلك مخاصمة شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله للرافضة وأهل التعطيل، حيث يخاصمهم بما يقرّون به، فمثلًا الأشاعرة أو المعتزلة أهل التعطيل عمومًا قالوا: إن المراد بآيات الصفات خلاف الظاهر؛ لأن العقل يمنع من الأخذ بظاهرها، فقالت الفلاسفة أهل التخييل: المراد بنصوص المعاد خلاف الظاهر، خلاف الظاهر؛ لامتناع القول بظاهرها؛ لأنه ما فيه بعث ولا فيه رب ولا فيه جنة ولا فيه نار، فبماذا رد عليهم أهل التعطيل؟ ـ أهل التعطيل يقرون بالبعث واليوم الآخر ـ قالوا: إن كلامكم هذا غير مقبول، بل البعث حق واقع، وذلك لأننا علمنا أن الرسل جاءت به، وأن الشبهة المانعة منه فاسدة، الشبهة المانعة هي قول القائل: مَنْ يُحْيِي الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ [يس: ٧٨]، فلزم القول بثبوته، نحن نقول لهم: أيضًا آيات الصفات علمنا بأن الرسل جاؤوا بها، وقد علمنا فساد الشبهة المانعة منها فوجب إثباتها، بل قال شيخ الإسلام رحمه الله: إن نصوص الصفات في الكتاب والسنة أكثر بكثير من نصوص المعاد؛ لأنك لا تكاد تجد آية في كتاب الله إلا وجدت فيها اسمًا من أسماء الله أو صفة من صفاته، فالمهم أن إفحام الخصم بحجته أنكى وأقوى في خصمه، أي في أننا نخصمه ولا يستطيع أن يجادل بعد ذلك.
ومن فوائد هذه الآية: أن الرسل عليهم الصلاة والسلام جاؤوا بالبينات الدالة على رسالتهم، ولا بد من هذا عقلًا كما هو واقع شرعًا، لماذا يا جماعة؟ لأنه لو جاء رسول من البشر يقول: أنا رسول الله إليكم أدعوكم إلى كذا وأمنعكم من كذا ومن خالفني قاتلته، هل يُقبل منه ذلك؟ لا يُقبل إلا ببينة تشهد لما قال، ولهذا جاء في الحديث عن النبي عليه الصلاة والسلام: «مَا مِنْ نَبِيٍّ -أَوْ قَالَ: مِنْ رَسُولٍ- يُرْسِلُهُ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ إِلَّا آتَاهُ مِنَ الْآيَاتِ مَا يُؤْمِنُ عَلَى مِثْلِهِ الْبَشَرُ، وَإِنَّمَا كَانَ الَّذِي أُوتِيتُهُ وَحْيًا أَوْحَاهُ اللهُ إِلَيَّ، فَأَرْجُو أَنْ أَكُونَ أَكْثَرَهُمْ تَابِعًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ» فقال: «مَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا آتَاهُ اللهُ مَا عَلَى مِثْلِهِ يُؤْمِنُ الْبَشَرُ»، وهذا لا بد منه؛ إذ لا يقبل أحد أن يأتي شخص ويقول: أنا رسول الله إليكم افعلوا كذا واتركوا كذا، وإن لم تفعلوا فإني أقاتلكم إلا ببينة.
ومن فوائد الآية الكريمة: إقامة الحجة على هؤلاء الذين ادعوا هذه الدعوى بأنهم قتلوا الأنبياء الذين جاؤوا بما قالوه.
تفسير الآية (184)
01:09:11

ثم قال الله تعالى مسليًا لرسوله صلى الله عليه وسلم: فَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقَدْ كُذِّبَ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ جَاءُوا بِالْبَيِّنَاتِ وَالزُّبُرِ وَالْكِتَابِ الْمُنِيرِفيها قراءة: {وَبِالزُّبُرِ وَالْكِتَابِ الْمُنِيرِ} أي زيادة الباء.
يقول عز وجل: فَإِنْ كَذَّبُوكَالخطاب للرسول صلى الله عليه وسلم، والفاعل قريش وأهل الكتاب، كل من كذّب الرسول، فَقَدْ كُذِّبَ رُسُلٌهذه (فقد): الفاء واقعة في جواب الشرط؛ لأنه مقرون بـ (قد)، وقوله: كُذِّبَ رُسُلٌ، في آية أخرى: فَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ [فاطر: ٤]، فلماذا جاء التذكير والتأنيث؟ نقول: لأن الرسل جمع تكسير، وجمع التكسير يجوز فيه ثبوت التاء وحذفها، قال ابن مالك رحمه الله:
وَالتَّاءُ مَعْ جَمْعٍ سِوَى السَّالِـــــــــمِ مِنْ مُذَكَّرٍ كَالتَّاءِ مَعَ إِحْدَى اللَّبِنْ

اللبن إحداها لبنة، فاللبنة تذكر وتؤنث، وجميع الجموع تذكر وتؤنث ما عدا جمع المذكر السالم على رأي ابن مالك، ويضاف إليها على رأي ابن هشام جمع المؤنث السالم، ويقابله من قال بأن جميع الجموع يجوز تذكيرها وتأنيثها حتى السالم من مذكر أو مؤنث، ومنه قول الزمخشري يرد به على أعدائه يقول: لا أبالي بجمعِهم، كلُّ جمعٍ مؤنثٌ.
المؤنث لا يقابل الرجال، الشاهد قوله: كل جمع مؤنث، والذي يظهر -والله أعلم- أن الرأي الصحيح رأي ابن هشام؛ أن السالم من الجمع المذكر يجب تذكيره، ومن الجمع المؤنث يجب تأنيثه، أما جمع التكسير فيجوز فيها التذكير والتأنيث، هنا: فَقَدْ كُذِّبَ، وفي آية أخرى: فَقَدْ كُذِّبَتْ.
وقوله: رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَالرسول كما مر علينا كثيرًا هو الذي أوحي إليه بالشرع وأُمر بتبليغه، هؤلاء الرسل جاؤوا بالبينات، جملة جَاءُوا بِالْبَيِّنَاتِيجوز أن تكون صفة لـرُسُلٌ، ويجوز أن تكون حالًا، أما جواز أن تكون صفة فظاهر؛ لأن (رسل) منكر فالذي يأتي من بعده يكون صفة، وأما جواز كونها حالًا مع أن الذي قبلها منكر فلأن هذه النكرة وُصِفت، وإذا وصفت النكرة جاز وقوع الحال منها؛ لأنها إذا وُصفت تخصصت.
جَاءُوا بِالْبَيِّنَاتِالبينات هي الآيات، البينات الشرعية والكونية، فالآيات الشرعية هي الكتب التي جاؤوا بها، والآيات الكونية هي ما يسمى بالمعجزات الحسية.
وَالزُّبُرِجمع زبور، والمراد به ما اشتمل على المواعظ والزواجر، هذا الزبر، ولهذا كان الزبور الذي أوتيه داود أكثره مواعظ وزواجر.
وَالْكِتَابِ الْمُنِيرِالكتاب بمعنى المكتوب، والمنير بمعنى المنير للظلمات، وهذا العطف وَالزُّبُرِ وَالْكِتَابِ الْمُنِيرِهذا من باب عطف الصفة على الصفة الأخرى؛ لأن الزبر تتضمن الكتاب المنير، وعطف الصفات بعضها على بعض موجود في القرآن، ومنه قوله تعالى: سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى (١) الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى (٢) وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدَى (٣) وَالَّذِي أَخْرَجَ الْمَرْعَى [الأعلى: ١-٤]، فقوله: وَالَّذِي قَدَّرَهذا من باب عطف الصفات، وَالَّذِي أَخْرَجَأيضًا من باب عطف الصفات، فالتغاير هنا تغاير صفة وليس تغاير أداة.
في هذه الآية من الفوائد: تسلية الرسول عليه الصلاة والسلام.
ويتفرع عليها: أن يتسلى الإنسان بكل ما أصاب غيره، فمثلًا الآمر بالمعروف والناهي عن المنكر يؤذَى فليتسلَّ، بأيش؟ بأذية غيره؛ لأن الإنسان إذا علم أن غيره أصيب بمثل ما أصيب به لا شك أنه ينسى الحزن، كما قالت الخنساء ترثي أخاها صخرًا تقول:
وَلَوْلَا كَثْرَةُ الْبَاكِينَ حَوْلِــــــــــــــــي عَلَى إِخْوَانِهِمْ لَقَتَلْتُ نَفْسِي
وَمَا يَبْكُونَ مِثْلَ أَخِي وَلَكِنْ أُسَلِّي النَّفْسَ عَنْهُ بِالتَّأَسِّـــــــي

الشاهد هنا قولها: أسلي النفس عنه بالتأسي، فالإنسان إذا نظر يمينًا وشمالًا، وإذا هذا مصاب بعقله، وهذا مصاب ببدنه، وهذا مصاب بأهله، وهذا مصاب بماله يتسلى، كذلك الرسول عليه الصلاة والسلام إذا قال الله له: قد كُذِّب رسل من قبلك، لا شك أنه تهون عليه المصيبة وأنه يتسلى بذلك؛ لأنه بشر يلحقه من أحكام البشرية ما يلحق غيره.
ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن الرسل عليهم الصلاة والسلام يؤذَون بالتكذيب، ولا أظن أن شيئًا أشق على النفس من التكذيب فيمن جاء بالصدق، أليس كذلك؟ الإنسان يكاد يتقطع إذا أخبر بشيء صدق ثم قيل له: كذبت، فكيف وهم من عند الله عز وجل مؤيَّدون بآياته يكذَّبون، لا شك أنها شديدة عليهم، ولكنهم يصبرون عليهم الصلاة والسلام، كما قال تعالى: وَلَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ فَصَبَرُوا عَلَى مَا كُذِّبُوا وَأُوذُوا [الأنعام: ٣٤]، يعني: وعلى ما أوذوا، (أو) معطوفة على كُذِّبَتْ، أي: وحصل لهم الأذية أيضًا فصبروا على ما كُذبوا وأوذوا حتى أتاهم نصرنا.
من فوائد هذه الآية الكريمة، وانظروا هل يستفاد منها: أن الرسول عليه الصلاة والسلام آخر الرسل؟ هل يمكن أن يستفاد؟
طالب: (...) يمكن.
الشيخ: يمكن ولكنه ضعيف؛ لأنك لو قلت مثلًا: زارني رجل قبلك أو من قبلك، هل معناه أنه لا يزورني أحد بعده؟ لا، فالظاهر أنها لا تفيد.
ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن الرسل لا بد أن يؤيَّدوا بالبينات؛ لقوله: جَاءُوا بِالْبَيِّنَاتِ.
ومن فوائدها أيضًا: أن الرسل السابقين كلهم جاؤوا بكتاب، ما من رسول إلا ومعه كتاب، ويؤيد هذا قوله تعالى: لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ [الحديد: ٢٥]، وذلك لأنه لا بد لكل رسول من شريعة، والشريعة بماذا تكون؟ تكون بما يُكتب، سواء نزلت وحيًا ثم كُتبت أو نزلت مكتوبة كالتوراة، فإن الله كتبها بيده وأنزلها عز وجل.
ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن الكتب السابقة ككتابنا كلها تنير الطريق لمن أراد المسير، ولكن أعظمها إنارة هو هذا القرآن الكريم، ولهذا كان مهيمنًا على ما سبقه من الكتب، كل الكتب اللي سبقه منسوخة به.
تفسير الآية (185)
01:19:00

ثم قال تعالى: كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِإلى آخره، كُلُّ نَفْسٍ(كل) من صيغ العموم، والنفس قد يراد بها الروح، وقد يراد بها البدن بالروح، وكلاهما صحيح، فالموت يذوقه البدن وتذوقه الروح.
وقوله: ذَائِقَةُ الْمَوْتِأي: ذائقة طعمه، أي لا بد أن تموت، ولكن الله عبر بالذوق لأنه أبلغ في الحصول؛ لأن الذوق يحصل به حق اليقين، وقد قسم العلماء اليقين إلى ثلاث درجات: علم، وعين، وحق؛ فالعلم بالخبر، والعين بالمشاهدة، والحق بالذوق، فإذا قال لك قائل: هذه تفاحة، وقد أخفاها في كيس والقائل صدوق، فبماذا تسمي هذا؟ تسميه بعلم اليقين، فإذا كشفها فهو عين اليقين، فإذا أكلها المخبَر فهو حق اليقين، ولهذا عبّر عز وجل بالذائقة؛ لأن الموت حق لا بد لكل حي من موت إلا الحي القيوم عز وجل.
وقوله: كُلُّ نَفْسٍهل المراد: من بني آدم ومن الجن ممن على الأرض، بحيث نقول: إن الملائكة لا يموتون؟ الجواب: لا، كل أحد يموت، وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ [الزمر: ٦٨]، ذكر العلماء أنه يستثنى من هذا ممن لا يموت وممن خُلِقوا للبقاء، يستثنى الوِلدان الذين في الجنة، والحور اللاتي في الجنة، فإنهم خُلِقوا للبقاء فلا يموتون، أما الملائكة وجميع الخلق فإنهم يموتون.
وقوله: وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِهذه حصر، يعني: لا توفون أجوركم إلا يوم القيامة، والمراد بالتوفية هنا توفية الكمال، وإلا فإن الإنسان قد يوفى أجره في الدنيا ويُدَّخر له أيضًا زيادة على ذلك، والكافر أيضًا ربما يوفى أجره في الدنيا، أي: ما عمل من خير فإنه يُطعم به في الدنيا، لكن في الآخرة ليس له خلاق.
وقوله: وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِبعد قوله: كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِقد يُشعر بأن المراد بيوم القيامة هنا ما هو أعم من القيامة الكبرى، فيشمل القيامة الصغرى التي تكون لكل موجود من ذوات النفوس.
قال: فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ، (زحزح) أي: دُفِع ببطء، وذلك لأن النار -أعاذني الله وإياكم منها- محفوفة بالشهوات، والشهوات تميل إليها النفوس، فلا يكاد الإنسان ينصرف عن هذه الشهوات إلا بزحزحة؛ لأنه مقبل عليها بقوة، ولهذا قال: زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ، أي: دُفِع عنها بمشقة وشدة، وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ؛ لأنه نجا من المرهوب وحصل على المطلوب.
وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ، (ما) هذه نافية ولم تعمل عمل (ليس)؛ لأن النفي انتقض، وإذا انتقض النفي بطل عمله، كما قال ابن مالك:
........................ مَعَ بَقَا النَّفْيِ ...........

فإن كان إن انتقض فهي مهملة.
وقوله: الْحَيَاةُ الدُّنْيَاوصفها بالدنيا لوجهين؛ الوجه الأول: لدنوها زمنًا، والوجه الثاني: لدنوها قدرًا، أما دنوها زمنًا فظاهر؛ لأنها قبل الآخرة، وأما دنوها قدرًا فقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: «لَمَوْضِعُ سَوْطِ أَحَدِكُمْ فِي الْجَنَّةِ خَيْرٌ مِنَ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا» موضع السوط، السوط يمكن لنقل: إنه متر، خير من الدنيا وما فيها، من الدنيا ليست دنياك التي أنت فيها، وليست دنياك الخاصة بك أنت، بل الدنيا من أولها إلى آخرها، إذن الحياة هذه بالنسبة للآخرة دنيئة ودانية من الدنوّ وهو الانحطاط.
وقوله: إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِأي: إلا متعة تغرّ صاحبها وتخدعه، وكم من أناس زُيِّنَت لهم الدنيا فانخدعوا بها، وكان مآلهم إلى السحيق -والعياذ بالله- لأنهم اغتروا بها.
في هذه الآية الكريمة عدة فوائد:
أولًا: أن الموت حق لا بد منه؛ لقوله: كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ.
ومن الفوائد: حثّ الإنسان على المبادرة في العمل الصالح؛ لأنه إذا كان ميتًا ولا محالة وهو لا يدري متى يموت فإن العقل كالشرع يقتضي أن يبادر ولا سيما في قضاء الواجبات والتخلي عن المظالم، لا تهمل لا تؤخّر؛ فإن التأخير له آفات، كثيرًا ما يقول الإنسان: أنا سأفعل هذا غدًا، ولكن يتهاون، ثم يأتي غد وما بعده ويضيع عليه الوقت.
ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن كمال الأجر إنما يكون يوم القيامة؛ لقوله: وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ، والتوفية تقتضي أن هناك شيئًا سابقًا يزاد، وهو كذلك، فإن الإنسان قد يُثاب في الدنيا على عمله، ولا سيما الإحسان إلى الخلق وقضاء حوائجهم؛ لأنه ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «وَاللهُ فِي عَوْنِ الْعَبْدِ مَا كَانَ الْعَبْدُ فِي عَوْنِ أَخِيهِ» وقال: «مَنْ كَانَ فِي حَاجَةِ أَخِيهِ كَانَ اللهُ فِي حَاجَتِهِ»
ومن فوائد هذه الآية: إثبات يوم القيامة؛ لقوله: يَوْمَ الْقِيَامَةِوسُمي يوم القيامة لماذا؟
طالب: لأن الناس (...) فيه.
الشيخ: لأنه يقوم فيه الناس لرب العالمين، هذا واحد.
الطالب: (...).
الشيخ: لا.
الطالب: كلهم داخل فيه.
الشيخ: داخل فيه.
طالب: ويقوم الأشهاد.
الشيخ: ويقوم الأشهاد.
طالب: ويقوم ميزان.
الشيخ: ويقام فيه القسط، وأدلة هذا معروفة، قال الله تعالى: يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ [المطففين: ٦]، وقال تعالى: إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آَمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ [غافر: ٥١]، وقال سبحانه وتعالى: وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ [الأنبياء: ٤٧].
ومن فوائد هذه الآية: أنه لا يكمل الفوز إلا بأمرين: أن يزحزح الإنسان عن النار وأن يُدخَل الجنة، ومعلوم أن من زُحزح عن النار فلا بد أن يدخل الجنة؛ لأنه ليس في الآخرة إلا داران فقط إما النار وإما الجنة، وقد بيّن النبي عليه الصلاة والسلام في الحديث الصحيح ما يحصل به هذا الثواب العظيم؛ الزحزحة عن النار وإدخال الجنة، فقال: «مَنْ أَحَبَّ أَنْ يُزَحْزَحَ عَنِ النَّارِ وَيُدْخَلَ الْجَنَّةَ فَلْتَأْتِهِ مَنِيَّتُهُ وَهُوَ يُؤْمِنُ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ، وَلْيَأْتِ إِلَى النَّاسِ مَا يُحِبُّ أَنْ يُؤْتَى إِلَيْهِ» فذكر حق الله وحق العباد، فمن وجد من نفسه هذين الوصفين: الإيمان بالله واليوم الآخر، وأنه يأتي إلى الناس ما يحب أن يؤتى إليه، فليبشر بهذا.
ومن فوائد هذه الآية: أنها تدل على أن الله لا يُرى في الجنة، صح؟!
طلبة: ما فيها، ما فيها.
الشيخ: ما فيها لا نفي ولا إثبات، ولكن الزمخشري في تفسيره قال: أيّ فوز أعظم من أن يزحزح الإنسان عن النار ويُدخَل الجنة، أي فوز أعظم! يريد بذلك نفي الرؤية، فنقول له: إذا دخل الإنسان الجنة فإنه سيرى ربه، ويكون رؤيته لله عز وجل أعظم النعيم، فليس في الآية ما يدل على نفي الرؤية إطلاقًا، وإذا لم يكن فيها دليل على نفي الرؤية فإن هناك نصوصًا من القرآن والسنة تدل على ثبوت الرؤية، والمؤمن هو الذي لا يتتبع المتشابه من القرآن، يتتبع المحكم ويحمل عليه المتشابه.
ومن فوائد هذه الآية: التزهيد في الدنيا؛ لقوله:وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ.
ومن فوائدها: أنه يجب على الإنسان الحذر من مغبة الدنيا وغرورها، ولهذا ثبت عن النبي عليه الصلاة والسلام أنه قال: «وَاللهِ مَا الْفَقْرَ أَخْشَى عَلَيْكُمْ، وَإِنَّمَا أَخْشَى أَنْ تُفْتَحَ الدُّنْيَا عَلَيْكُمْ فَتَتَنَافَسُوهَا كَمَا تَنَافَسَهَا مَنْ قَبْلَكُمْ فَتُهْلِكَكُمْ كَمَا أَهْلَكَتْهُمْ» وصدق الرسول عليه الصلاة والسلام أن هذا هو الخوف، وانظر الآن لما فتحت الدنيا على الناس ماذا حصل؟ حصل الهلاك، حتى الذين لم تفتح عليهم إذا سمعوا مَن فتحت عليهم هلكوا.