تفسير سورة آل عمران - 57
عدد الزيارات 1384

عناصر المادة :
تفسير الآية (186)
تفسير الآية (187)
تفسير الآية (188)
تفسير الآيات (189-193)

ومعلوم أن من زحزح عن النار فلا بد أن يدخل الجنة؛ لأنه ليس في الآخرة إلا داران فقط؛ إما النار وإما الجنة، وقد بين النبي عليه الصلاة والسلام في الحديث الصحيح ما يحصل به هذا الثواب العظيم: الزحزحة عن النار وإدخال الجنة، فقال «مَنْ أَحَبَّ أَنْ يُزَحْزَحَ عَنِ النَّارِ وَيُدْخَلَ الْجَنَّةَ فَلْتَأْتِهِ مَنِيَّتُهُ وَهُوَ يُؤْمِنُ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ، وَلْيَأْتِ إِلَى النَّاسِ مَا يُحِبُّ أَنْ يُؤْتَى إِلَيْهِ» .
فذكر حق الله وحق العباد، فمن وجد بالنفس هذين الوصفين: الإيمان بالله واليوم الآخر، وأنه يأتي إلى الناس ما يحب أن يؤتى إليه؛ فليبشر بهذا.
ومن فوائد هذه الآية: أنها تدل على أن الله لا يُرى في الجنة، صح؟ ما فيها لا نفي ولا إثبات، ولكن الزمخشري في تفسيره قال: أيّ فوز أعظم من أن يُزحزح الإنسان عن النار ويدخل الجنة، أي فوز أعظم. يريد بذلك نفي الرؤية.
فنقول له: إذا دخل الإنسان الجنة فإنه سيرى ربه، ويكون رؤيته لله عز وجل أعظم النعيم، فليس في الآية ما يدل على نفي الرؤية إطلاقًا، وإذا لم يكن فيها دليل على نفي الرؤية فإن هناك نصوصًا من القرآن والسنة تدل على ثبوت الرؤية، والمؤمن هو الذي لا يتتبع المتشابه من القرآن، يتتبع المحكم ويحمل عليه المتشابه.
ومن فوائد الآية: التزهيد في الدنيا؛ لقوله: وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ [آل عمران: ١٨٥].
ومن فوائدها: أنه يجب على الإنسان الحذر من مغبة الدنيا وغرورها، ولهذا ثبت عن النبي عليه الصلاة والسلام أنه قال: «وَاللهِ مَا الْفَقْرَ أَخْشَى عَلَيْكُمْ، وَإِنَّمَا أَخْشَى أَنْ تُفْتَحَ الدُّنْيَا عَلَيْكُمْ فَتَتَنَافَسُوهَا كَمَا تَنَافَسُهَا مَنْ قَبْلَكُمْ فَتُهْلِكَكُمْ كَمَا أَهْلَكَتْهُمْ» ، وصدق الرسول عليه الصلاة والسلام أن هذا هو الخوف، وانظر الآن لما فتحت الدنيا على الناس ماذا حصل؟ حصل الهلاك، حتى الذين لم تفتح عليهم إذا سمعوا مَن فُتحت عليهم هلكوا. الآن نسمع في بعض بلاد الأرض أن هناك قتالًا، قتالًا على الخبز، الطعام، مع أنهم فقراء، لكنهم يتقاتلون عليه؛ لأنهم يسمعون أن هناك من يشبع من الخبز، لا في بلادهم، بل في بلاد غيرهم، فإذا انصرف الإنسان إلى الدنيا -نسأل الله السلامة- وصارت همه فإنها ستغره وتخدعه: وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ.
وأظن أن للحريري في مقاماته قصيدة عظيمة في التحذير من الدنيا ومغبتها، وهي قصيدة عظيمة من جهة، ومن جهة أخرى أنها تصلح على بحرين؛ على الطويل وعلى بحر ثانٍ دونه، أنا ما أعرف البحور لكن فيها البحر الطويل وفيها بحر دون هذا، يعني تقرؤها على الوجهين، نعم، وهذا من قدرته رحمه الله على الكلام، كتابه هذا اسمه مقامات الحريري، مشهور.
أذكر بيتين في مدح الـ:

أُقْسِمُ بِاللهِ وَآيَاتِــــــــــــــــــــــهِ وَمَشْعَرِ الْحَجِّ وَمِيقَاتِهِ
أَنَّ الْحَرِيرِيَّ حَرِيٌّ بِأَنْ نَكْتُبَ بِالتِّبْرِ مَقَامَاتِهِ

(بالتبر) أيش التبر؟ التبر يعني الذهب، لكن هذان البيتان هل هما سليمان؟ (أقسم بالله وآياته ومشعر الحج وميقاته)، الثاني هذا شرك، قسم بغير الله، لكن لعله من الذين يقولون: (والنبي ما أحلف بالنبي)!
طالب: حديث النبي صلى الله عليه وسلم: «أَرْجُو أَنْ أَكُونَ أَكْثَرَهُمْ تَابِعًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ» ، معنى العبارة هذه؟
الشيخ: معناها: لما كان وحيًا وسيبقى سيدرك هذه الآية جميع الناس إلى يوم القيامة، فيكون أكثرهم تابعًا، لكن مثل آيات الأنبياء الحسية انتهت بموتهم.
طالب: الضابط في تسلي المصاب بغيره؛ لأنه قد يتوهم أن هذا خلاف النصوص التي تدل على أن المؤمنين كالجسد الواحد يصيبهم ما يصيب غيرهم؟
الشيخ: هو معلوم أنه إذا أصيب أحد من المسلمين بمصيبة فإن المؤمن سوف يكون مصابًا بها، لكن أحيانًا يصاب المؤمن بمصيبة مثلها فيتسلى بما أصابه، يعني بمعنى يتسلى يعني يهون عليه ما أصابه.
طالب: ما المحكم والمتشابه؟
الشيخ: المحكم والمتشابه في سورة آل عمران قصدك؟ المحكم ما اتضح معناه، والمتشابه ما اشتبه معناه.
طالب: مثل أيش يعني المحكم والمتشابه؟
الشيخ: المحكم: الآيات الواضحة، مثلًا: شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ [البقرة: ١٨٥] هذا محكم، لأيش؟ لأنه واضح، كل أحد يعرف شهر رمضان، وكل أحد يعرف القرآن. فيه آيات متشابهة، مثلًا: فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ أَوْ كَفَّارَةٌ طَعَامُ مَسَاكِينَ أَوْ عَدْلُ ذَلِكَ صِيَامًا [المائدة: ٩٥] عدل أيش؟ عدل نفس الصيد أو عدل الجزاء؟ يختلف فيه العلماء. الغالب أن كل مسائل الخلاف في القرآن تكون من المتشابه.
طالب: طيب (...) يا شيخ يقول: إن الصفات من المتشابه؟
الشيخ: الذين يقولون: إن الصفات من المتشابه نقول لهم: إن أردتم أنها من المتشابه معنًى فهذا خطأ؛ لأن معناها ظاهر، وإن أردتم أنها من المتشابه حقيقةً، وأن حقيقتها لا تعلم، فهذا حق، فإطلاق أنها من المتشابه خطأ، ونفي أن تكون من المتشابه خطأ أيضًا.
طالب: التفسير الذي أتى في قوله تعالى وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ [آل عمران: ١٨٥]، يعني أنهم قالوا: إنها الخرق التي يُمسح بها الحيض.
الشيخ: اللي هي الغرور؟
الطالب: إي.
الشيخ: لا، ما هو بصحيح.
الطالب: متاع الغرور.
الشيخ: إي ما هو بصحيح.
طالب: شيخ، معنى الحديث: «مَنْ كَانَ فِي حَاجَةِ صَاحِبِهِ كَانَ..»؟
الشيخ: «مَنْ كَانَ فِي حَاجَةِ أَخِيهِ كَانَ اللهُ فِي حَاجَتِهِ» ، يعني أنك إذا اهتممت بحاجات إخوانك وأعنتهم على ذلك فإن الله يعينك على حاجاتك.
طالب: شيخ، معنى قول النبي صلى الله عليه وسلم: «وَلْيَأْتِ النَّاسَ بِمَا يُحِبُّ أَنْ يُؤْتَى إِلَيْهِ» .
الشيخ: معناه أن تعامل الناس بما تحب أن يعاملوك به من الصدق والنصح والإخلاص والمعونة وغير ذلك.

***

ما المراد بالبينات؟
طالب: الآيات.
الشيخ: الآيات البينة التي تشهد لهم بالصدق.
هل تعرف حديثًا يدل على سبب أو يدل على أن الإنسان إذا عمل به زحزح عن النار وأدخل الجنة؟
طالب: نسيت.
الشيخ: هو لا ينبغي أن ينسى لا حفظًا ولا عملًا؛ لأنه مهم.
طالب: قال صلى الله عليه وسلم: «مَنْ أَحَب أَنْ يُزَحْزَحَ عَنِ النَّارِ وَيَدْخُلَ الْجَنَّةَ فَلْتَأْتِهِ مَنِيَّتُهُ وَهُوَ يُؤْمِنُ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ، وَلْيَأْتِ النَّاسَ الَّذِي يُحِبُّ أَنْ يُؤْتَى إِلَيْهِ» .
الشيخ: أحسنت، تمام، هذا مهم جدًّا.
يقول الله عز وجل: إِنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ فَلَا تَخَافُوهُمْ [آل عمران: ١٧٥] هل الخوف من غير الله ينافي الإيمان؟
طالب: الخوف ينقسم إلى أقسام؛ الخوف الطبيعي..
الشيخ: الخوف الطبيعي هل ينافي الإيمان أو لا؟
الطالب: لا.
الشيخ: ما الدليل؟
طالب: كون النبي صلى الله عليه وسلم أكثر الناس إيمانًا ومع ذلك خاف عليه الصلاة والسلام حينما أراد أن يخرج من مكة فخرج متلثمًا حتى لا يؤذيه المشركون.
الشيخ: مختفيًا.
طالب: قوله تعالى: فَأَوْجَسَ فِي نَفْسِهِ خِيفَةً مُوسَى [طه: ٦٧].
الشيخ: نعم.
طالب: قوله تعالى..
الشيخ: فَخَرَجَ مِنْهَا خَائِفًا يَتَرَقَّبُ [القصص: ٢١].
قوله تعالى: وَلَا يَحْزُنْكَ [آل عمران: ١٧٦] فيها قراءتان: {يُحْزِنْكَ} ولّا يَحْزُنْكَ؟
طالب: يَحْزُنْكَ.
الشيخ: إي، والقراءة الثانية؟
الطالب: يَحْزُنْكَ.
الشيخ: يَحْزُنْكَنفس القراءة.
طالب: بضمتين.
الشيخ: (يَحْزُنُكَ) لا، مجزومة لأن (لا) ناهية.
طالب: {وَلَا يُحْزِنْكَ}.
الشيخ: {يُحْزِنْكَ} من الرباعي؟
اقرأ يَسْتَبْشِرُونَ بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ [آل عمران: ١٧١].

***

قوله تعالى: الَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِلَّهِ وَالرَّسُولِ مِنْ بَعْدِ مَا أَصَابَهُمُ الْقَرْحُ [آل عمران: ١٧٢] ما هو القرح الذي أصابهم؟
طالب: الحزن.
الشيخ: الحزن؟ لا.
طالب: الهزيمة يا شيخ.
الشيخ: متى؟
الطالب: في أُحد.
الشيخ: في أحد، يعني أصابهم القرح: الجراح والقتل الذي حصل في أحد.
هل كانت غزوة حينما ندبهم النبي عليه الصلاة والسلام إلى أن يخرجوا أو لم تكن؟
طالب: لما رجعوا من الغزوة..
الشيخ: لا، لما ندبهم بعد الرجوع من أحد وخرجوا هل حصلت غزوة؟
طالب: لا، ليست غزوة.
الشيخ: ما الدليل من الآية؟
طالب: لم يقاتل.
الشيخ: إي ما الدليل من الآية؟
طالب: فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ [آل عمران: ١٧٤].
الشيخ: لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌولا ذكر أنهم انتصروا، فدل هذا على أنه لم يحصل قتال.

***

طالب: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم لَقَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاءُ سَنَكْتُبُ مَا قَالُوا وَقَتْلَهُمُ الْأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ [آل عمران: ١٨١].
طالب آخر: حَتَّى يَأْتِيَنَا بِقُرْبَانٍ تَأْكُلُهُ النَّارُ قُلْ قَدْ جَاءَكُمْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِي بِالْبَيِّنَاتِ وَبِالَّذِي قُلْتُمْ فَلِمَ قَتَلْتُمُوهُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ [آل عمران: ١٨٣].
الشيخ: لَقَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّذِينَ قَالُواما المراد بهذا الخبر؟
طالب: أن المراد بهذا أنه تكلم أحد، وقيل، تعددت الروايات في هذا.
الشيخ: لا، قصدي ما المراد بهذا الخبر، يعني لماذا أخبرنا الله بذلك؟
الطالب: لماذا أخبر الله لَقَدْ سَمِعَ؟
الشيخ: بأنه سمع، نعم.
الطالب: بأنه سمع هذا؟
الشيخ: نعم.
الطالب: هذا رد على الذين قالوا بأن الله فقير حينما نزلت الآية مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا [البقرة: ٢٤٥].
الشيخ: إي نعم، لكن لماذا أخبر الله بذلك؟
الطالب: هل ليسلي الرسول صلى الله عليه وسلم..?
الشيخ: تهديد هؤلاء، وربما يتضمن أيضا تسلية الرسول عليه الصلاة والسلام بأن الله سوف يعاقبهم يوم القيامة.
قوله: سَنَكْتُبُ مَا قَالُواهل الله يكتب أو الملائكة؟
طالب: الملائكة، وهناك الكرام الكاتبين.
الشيخ: نعم.

***

تفسير الآية (186)
00:17:07

طالب:
أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: لَتُبْلَوُنَّ فِي أَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا أَذًى كَثِيرًا وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ (١٨٦) وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلَا تَكْتُمُونَهُ فَنَبَذُوهُ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ وَاشْتَرَوْا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا فَبِئْسَ مَا يَشْتَرُونَ (١٨٧) لَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِمَا أَتَوْا وَيُحِبُّونَ أَنْ يُحْمَدُوا بِمَا لَمْ يَفْعَلُوا فَلَا تَحْسَبَنَّهُمْ بِمَفَازَةٍ مِنَ الْعَذَابِ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (١٨٨) وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} [آل عمران: ١٨٦ - ١٨٩].
الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله تعالى: لَتُبْلَوُنَّ فِي أَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا أَذًى كَثِيرًاهذه الجملة: لَتُبْلَوُنَّمؤكدة كما هو معلوم بثلاثة مؤكدات؟
طالب: نون التوكيد، واللام، والقسم المقدر.
الشيخ: والقسم المقدر؛ لأن اللام هذه موطئة للقسم، أي: والله لتبلون.
والابتلاء: الاختبار، والله سبحانه تعالى أحيانًا يختبر بالخير وأحيانًا يختبر بالشر، كما قال تعالى: وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً [الأنبياء: ٣٥]، وكما قال الله تعالى عن سليمان: هَذَا مِنْ فَضْلِ رَبِّي لِيَبْلُوَنِي أَأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ [النمل: ٤٠]. وذلك أن الإنسان دائر بين حالين؛ إما شيء يُسر به ويفرح به، فهذا وظيفته الشكر، وإما شيء يسوؤه ويحزِنه فهذا وظيفته الصبر، ولهذا قال النبي عليه الصلاة والسلام: «عَجَبًا لِأَمْرِ الْمُؤْمِنِ، إِنَّ أَمْرَهُ كُلَّهُ خَيْرٌ، إِنْ أَصَابَتْهُ ضَرَّاءُ صَبَرَ، فَكَانَ خَيْرًا لَهُ، وَإِنْ أَصَابَتْهُ سَرَّاءُ شَكَرَ، فَكَانَ خَيْرًا لَهُ، وقال: ذَلِكَ لَا يَكُونُ إِلَّا لِلْمُؤْمِنِ» .
هنا يقول عز وجل: لَتُبْلَوُنَّ فِي أَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْفي أموالكم: إما من قِبل الله عز وجل كالجوائح، وإما من قبل المخلوقين؛ كتسلط المشركين على أموال المسلمين، وكل ذلك من البلوى، كل هذا من البلوى الذي يبتلي الله به العباد.
وقوله: وَأَنْفُسِكُمْيشمل أيضًا البلوى المتصلة والمنفصلة. البلوى المتصلة ما يحصل على الإنسان من بلوى من الله عز وجل في بدنه، مثل المرض والعجز وما أشبه ذلك. والبلوى المنفصلة ما تكون في الأولاد؛ لأن الأولاد من أنفسنا؛ يُبتلى الإنسان في ولده، في أهله، في زوجته، في غير ذلك، هذا أيضًا من الابتلاء.
ثم إن الابتلاء الذي يكون إما من الله عز وجل، وإما من المخلوق، يبتلى الإنسان في نفسه من المخلوقين، يؤذونه أحيانًا بالضرب، وأحيانًا بالقول، وأحيانًا بالقتل؛ كما قتلوا الأنبياء بغير حق.
وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا أَذًى كَثِيرًا.
لَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْوهم اليهود والنصارى، وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُواوهم الوثنيون؛ كقريش وغيرهم، تسمعن منهم أَذًى كَثِيرًاأذى بأيش؟ بالقول؛ لأنه هو الذي يسمع، مثل أن يعيروكم أو يسبوا دينكم، أو يسبوا نبيكم، وقد قالوا عن النبي عليه الصلاة والسلام: إنه ساحر كذاب، أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ [ص: ٥]، وقالوا: إنه مجنون أَئِنَّا لَتَارِكُو آلِهَتِنَا لِشَاعِرٍ مَجْنُونٍ [الصافات: ٣٦] وقالوا: إنه كاهن، ووصفوه بكل عيب. ولا شك أن هذا يؤذي المؤمنين، يؤذي النبي صلى الله عليه وسلم، ولكن وظيفتنا نحو هذا الأمر الصبر، ولهذا قال: وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ [آل عمران: ١٨٦].
وقوله: أَذًى كَثِيرًايعني: وأذًى قليلًا، لكن الأذى الكثير أشد على الإنسان من الأذى القليل، ومع ذلك فإنه مأمور بالصبر، ولهذا قال: وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ. وتأمل قوله: لتسمعن أذى ولم يقل: ضررًا؛ لأن هذا الذي نسمع يؤذينا ولكن لا يضرنا، قال تعالى: وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لَا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا [آل عمران: ١٢٠] وهنا فرق بين الأذية وبين الضرر، قد يتأذى الإنسان بالشيء ولا يتضرر منه.
ولهذا أثبت الله سبحانه وتعالى أن عباده يؤذونه، أي من عباده من يؤذيه، ونفى أن يكون أحد يضره، فقال عز وجل في الحديث القدسي: «يَا عِبَادِي، إِنَّكُمْ لَنْ تَبْلُغُوا ضَرِّي فَتَضُرُّونِي، وَلَنْ تَبْلُغُوا نَفْعِي فَتَنْفَعُونِي» ، وقال: إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَأَعَدَّ لَهُمْ عَذَابًا مُهِينًا [الأحزاب: ٥٧]، فأثبت الأذية، وقال تعالى في الحديث القدسي: «يُؤْذِينِي ابْنُ آدَمَ، يَسُبُّ الدَّهْرَ وَأَنَا الدَّهْرُ» ، فأثبت الأذية أيضًا، أما الضرر فلا.
فهنا يسمع المؤمنون من أهل الكتاب ومن المشركين ما يؤذيهم ولكنه لا يضرهم.
ثم قال: وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُواتصبروا على ما سمعتم، وعلى ما ابتليتم به في أموالكم وأنفسكم، والصبر بمعنى الحبس، ومنه قولهم: قُتل صبرًا، أي حبسًا، يوقَف ويُحبس ويُقتل، وهو في الشرع: حبس القلب واللسان والجوارح عما يغضب الله عز وجل.
قال أهل العلم: والصبر على ثلاثة أقسام: صبر على طاعة الله، وهو أعلى الأنواع، أعلى الأقسام، وصبر عن معصية الله، وهو دونه، وصبر على أقدار الله المؤلمة، وهو دون الاثنين؛ لأن الاثنين الأولين صبر على شرع الله، والثاني صبر على قدر الله، والصبر على قدر الله يكون من المؤمن والكافر ومن الناطق والبهيم، لكن الصبر على شرع الله لا يكون إلا من المؤمن.
ثم الصبر على المأمور أعلى من الصبر عن المحظور؛ لأن الصبر عن المحظور كف فقط، والصبر على المأمور فعل، فهو إيجاد وعمل، ففيه نوع من الكلفة، بخلاف الصبر عن فعل المحظور؛ فإنه ليس إلا مجرد كف.
على أنه قد يكون أحيانًا -بالنسبة للنفس- قد يكون الصبر عن المحظور أشد من الصبر على فعل المأمور، يسهل على بعض الناس مثلًا أن يصلي، لكن يصعب عليه أن يدع ما حرم الله عليه من الأمور التي تحثه نفسه إليها حثًّا.
طيب صبر الصائم على الصيام؟ من الأول.
وصبره على ألمه الذي يحصل بالجوع والعطش؟
طالب: من الثاني.
الشيخ: لا، من الثالث: الصبر على أقدار الله المؤلمة.
وصبره عما حُرم عليه بالصوم من الثاني.
ولهذا يسمَّى شهر رمضان شهر الصبر؛ لأن جميع أنوع الصبر الثلاثة تحصل للصائم؛ ففيه -أي في الصيام- صبر على الطاعة، وصبر عن المعصية، وصبر على الأقدار.
صبر يوسف على إلقاء إخوته إياه بالبئر؟
طلبة: من الثالث.
الشيخ: من الثالث (...).
طالب: الصبر على قتله.
الشيخ: وصبره عن إجابة امرأة العزيز؟
طلبة: من الثاني.
الشيخ: من الثاني، صبر على المعصية.
وصبره على الدعوة إلى الله وهو في السجن؟
طلبة: من الأول.
الشيخ: من الأول، نعم.
وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُواتتقوا أيش؟ تتقوا الله عز وجل، بألا تتجاوزوا أو تعتدوا على غيركم؛ وذلك لأن النفس مجبولة على محبة الانتقام من الغير، فربما إذا سمعت أذى أن تأخذ أكثر من نصيبها.
أقول: النفس مجبولة على حب الانتقام من الغير إذا حصلت منه أذية، فربما يعتدي الإنسان ويأخذ أكثر من حقه، ولهذا قال: إِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُواأي تتقوا الله عز وجل فلا تعتدوا على الذين أسمعوكم الأذى.
فَإِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِأي من معزومات الأمور، فعزم هنا مصدر بمعنى اسم المفعول، أي من الأمور المعزومة التي تحتاج إلى عزم وإلى همة وإلى مكابدة؛ لأنها شاقة على النفس.
والعزم في الأمور من الصفات الحميدة التي وُصف بها الكمَّل من الخلق، قال الله تعالى: فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُولُو الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ [الأحقاف: ٣٥]، فالعزم لا شك أنه خُلق عالٍ يهبه الله عز وجل لمن يشاء، فإذا كان الإنسان عنده عزم في أموره فهذا هو الموفَّق، أما الإنسان الذي ليس عنده عزم فتجده دائمًا في ملل وفي كسل وفي تهاون، فإن هذا لا شك خاسر، يخسر، فالإنسان العازم في أموره هو الرابح دنيا ودينًا وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ.
من فوائد هذه الآية:
أولًا: أن من البلاغة تأكيد الشيء بما يوجب الاطمئنان فيه؛ لقوله: لتبلون في أنفسكم. والتأكيد يقول علماء البلاغة: إنه قد يكون حسنًا، وقد يكون واجبًا، وقد يكون لغوًا إذا لم تدع الحاجة إليه؛ وذلك لأن التأكيد لا بد فيه من زيادة، ما هي الزيادة؟ زيادة الحروف التي حصل بها التأكيد، فإذا لم يكن حاجة إليه صار لغوًا، ثم إنه أيضًا لغو من حيث المعنى.
ولهذا لو أنك أكدت لشخص شيئًا شاهده لعتب عليك وقال: أنا ما أشوف؟! أنا علمت. لو قلت: (والله لقد صليت ركعتين حين دخلت المسجد) وهو يراك ويشاهدك، ماذا يقول لك؟ تقول: كيف تقسم لي وأنا أشاهدك؟! هذا لغو من القول.
ويكون حسنًا -أي التوكيد يكون حسنًا- إذا كان عند المخاطَب شيء من التردد، إذا كان عند المخاطب شيء من التردد فيحسن أن تؤكد له الكلام ليطمئن.
ويكون واجبًا إذا كان المخاطَب منكِرًا أو فاعلًا فعل المنكِر.
متى يكون واجبًا؟
طالب: إذا كان الفعل منكرًا.
الشيخ: إذا كان الفعل منكرًا؟!
الطالب: نعم.
الشيخ: كيف تقول: نعم؟
إذا كان المخاطَب منكِرًا أو فاعلًا فعل المنكر.
المنكِر: هو الذي إذا ألقيت إليه الخبر قال: أبدًا ما يصير. هنا يجب أن تؤكد له.
والفاعل فعل المنكِر: هو الذي يفعل فعلًا لو كان مصدِّقًا ما فعله، ولهذا قال الله تعالى: ثُمَّ إِنَّكُمْ بَعْدَ ذَلِكَ لَمَيِّتُونَ [المؤمنون: ١٥] هنا فيه تأكيد بـ(إن) وأيش؟
طلبة: واللام.
الشيخ: واللام، هل الموت يحتاج إلى توكيد؟ كلنا يعرف أنه سيموت، لكن لما كان فعل أكثر بني الإنسان فعل المنكِر حسن التوكيد.
ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أنه ينبغي للإنسان أن يتفطن لما هو فيه من خير وشر، ليعلم أنه ابتلاء من الله، ففي الخير يُبتلى لأيش؟ ليشكر، وفي ضده يبتلى ليصبر.
ومن فوائد هذه الآية: التأكيد على الحذر من أهل الكتاب؛ اليهود والنصارى، والمشركين أيضًا. وجهه: أن الله أكد لنا أننا سنسمع منهم ما يؤذينا، هذا بالقول، وهم يمكرون بنا بالقول وبالفعل، ولهذا يجب التحرز من اليهود والنصارى وألا نتخذهم أولياء، وأن نعلم أنهم لن يعطونا قرشًا إلا في مقابلة درهم أو أكثر، ولن ينفعونا بشيء إلا وقد ضرونا بأكثر منه؛ لأن الله سبحانه وتعالى في القرآن الكريم بين عداوة هؤلاء، وأنه لا يجوز اتخاذهم أولياء، وأنهم -اليهود والمشركين- أشد الناس عداوة.
أقربهم مودة الذين قالوا: إنا نصارى، والخطاب هنا في نصارى معينين وصفهم الله بقوله: ذَلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبَانًا وَأَنَّهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ وَإِذَا سَمِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ [المائدة:٨٢- ٨٣]، فهل في نصارى اليوم من يكون هذا وصفهم؟ أبدًا بالعكس، هم يحاربون الدين الإسلامي ربما أكثر من محاربة اليهود؛ لأنه صارت بينهم وبين المسلمين معارك أدمت قلوبهم وأيتمت أولادهم ولن ينسوها، المعارك الصليبية لن ينسوها أبدًا، فهم في الحقيقة إذا سمعنا ما ينشرونه من دينهم المنسوخ الذي لا يُقبل عند الله وحرصهم على ذلك، وكونهم يجمعون حتى من العجائز من الأموال ما يقضون به على الإسلام ليدخل الناس في النصرانية، عرفنا أنهم يسعون بكل وسيلة إلى القضاء على الإسلام، ولهذا هم يؤملون أنهم في حدود الألفين ستكون أفريقيا كلها -على زعمهم- نصرانية، ولكن بحول الله إن الأمر سيكون منقلبًا عليهم، ستكون إن شاء الله إسلامية وسيدحرهم الله عز وجل ويردهم على أعقابهم خائبين.
من فوائد هذه الآية الكريمة: وجوب الصبر أمام أذى الأعداء، أو نقول في هذه الآية الكريمة: الثناء على الصبر؟
الثاني أحسن، الثناء على الصبر أمام ما نسمعه من أذية الأعداء، وألا يردنا ذلك على أعقابنا، وأن نحذر منهم.
وقد اختلف العلماء رحمهم الله هل هذه الآية منسوخة وأننا نصبر ونتقي إذا كنا عاجزين على الرد بالمثل أو هي محكَمة؟ والصحيح أنها محكمة، وأنها إنما تكون في حال يكون الصبر فيه على الأذى خيرًا، أما إذا كان الأمر بالعكس فالخير مطلوب في جميع الأحوال.
ومن فوائد الآية الكريمة: التنبيه على فضيلة العزم في الأمور؛ لقوله: فَإِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ، وكلما كان الإنسان عازمًا في أموره كان ذلك أنجح له وأحسن.
طالب: عند بعض الناس من المسلمين: من الكفار من يشتم الإسلام عنده، ولا يتأثر قلبه، فهل يدل هذا على أنه ضعيف الإيمان؟
الشيخ: ما فيه شك، الذي لا يتأذى بسب الإسلام ولا يثأر له لا شك أنه ناقص الإيمان، بل يُخشى عليه أنه قد نزع منه الإيمان بالكلية؛ لأن مبدأ الإنسان ولو كان من وضع البشر لا يرضى أن أحدًا يسبه، فكيف وهو من شرع الله عز وجل.
طالب: أحسن الله إليك، التوكيد في قوله: ثُمَّ إِنَّكُمْ بَعْدَ ذَلِكَ لَمَيِّتُونَ [المؤمنون: ١٥] قلنا: إنه حسن، مع أن هؤلاء يعني من فاعلي المنكر وقلنا: إذا كان المخاطب فاعل منكر فإنه في التوكيد يجب.
الشيخ: نعم، إذا كان فعله فعل المنكر، نعم، يعني يحسن، قد نقول: المراد يعني حسن وجوب، لكن فرق بين المنكِر صراحة والفاعل فعل المنكِر، هذاك أوجب من المنكِر.
طالب: آية لَتُبْلَوُنَّ فِي أَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ [آل عمران: ١٨٦] (...) لماذا قدَّم الله عز وجل الأموال على الأنفس؟
الشيخ: أحيانًا يكون الكلام بالتعلِّي، وأحيانًا يكون بالتدني، إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ [الأحزاب: ٣٥] أيهما أعلى؟ الإيمان، فأحيانًا يكون من الأعلى إلى الأسفل، وأحيانًا بالعكس، وهنا من الحكمة في هذا أن البلاء في النفس، وإن كان أمس بالإنسان وألصق بالإنسان هو عند بعض الناس أهون من البلاء في المال، البخيل لما عثر ورأى أصبعه قد تدمى قال: (الحمد لله، شوي ولا في النِّعْلَة). نعم وش صار الآن؟ صار المال أشدّ عليه، أغلى عنده من البدن.
طالب: شيخ، ذكرتم بالنسبة للأذية تكون في القول، فلماذا لا تكون الأذية في القول والفعل؟
الشيخ: والله أنا ما أتصور أن الفعل مما يسمع.
الطالب: (...).
الشيخ: إنك ممن يسمع عن الغير؛ يُمكِن، يعني: سمعت أنهم آذوا فلانًا بالفعل، أما الفعل نفسه فهو ما يُسمع ولكن يُرى.
طالب: شيخ، عند الأذية يسن أن نقول: إنا لله وإنا إليه راجعون.
الشيخ: إي نعم، كل مصيبة.

***

مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ [آل عمران: ١٨٦] هذا لبيان الواقع؛ وذلك لأن القيود أحيانًا تكون لبيان الواقع، لا للاحتراز، وهذا كثير، مثل قوله تعالى: يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ [البقرة: ٢١]، فهنا لو قال قائل: هل لنا رب لم يخلقنا؟ نقول: لا، إذن لماذا قال: الَّذِي خَلَقَكُمْ؟ لبيان الواقع.
طالب: هل الصبر على الأذية مطلقًا؟
الشيخ: الصبر عليهم مطلقًا ما لم نكن أقوى منهم، فإن كنا أقوى منهم فإننا نرغمهم على أن يسلموا، أو يبذلوا الجزية، ونقاتلهم.
طالب: شيخ، الآن اليهود والنصارى بدؤوا يصرحون بعداوتهم للمسلمين، في هذه الأيام يقولون: إن روسيا وأمريكا بدأت توجه تكتيكها إلى دول العالم الثالث، سمعت بأن الخطر القادم سوف يكون من دول العالم الثالث وأن الشرق الأوسط هو يعني أهم منطقة.
الشيخ: إي نعم صحيح، ولكن إنها كلمة، كلمة تغني عن كل تهديداتهم: إِنْ يَنْصُرْكُمُ اللَّهُ فَلَا غَالِبَ لَكُمْ وَإِنْ يَخْذُلْكُمْ فَمَنْ ذَا الَّذِي يَنْصُرُكُمْ مِنْ بَعْدِهِ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ [آل عمران: ١٦٠] نحن في الحقيقة إن خُذلنا أو تسلط علينا هؤلاء الأعداء فهو من أنفسنا، والله عز وجل يقول: وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ [الحج: ٤٠].
ولهذا أنا أحب من إخواننا الشباب أن يحرصوا على تطبيق الإسلام، وألا يعتمدوا على القوة المادية فقط، القوة المادية لو اعتمدنا عليها لكانوا هم أقوى منا وأكثر عَددًا وأقوى عُددًا، لكن القوة الإلهية المعنوية التي تصل الإنسان بربه هي التي لا تُهزم.
فنحن لا يهمنا هذا، الذي نخشى منه ليس من أسلحتهم، نخشى من أسلحتنا نحن التي نصوبها إلى صدورنا، وهي المعاصي والإعراض عن طاعة الله وصد الناس عن سبيل الله. هذا اللي نخشى منه، أما هم فليسوا إلا كبعوضة بالنسبة لقدرة الله عز وجل، وليسوا بشيء.
طالب: هم يا شيخ خائفون من الإسلام.
الشيخ: هم خائفون لكن يجب علينا نحن أيضًا أن نخاف منهم لنستعد لهم؛ ألا نتأثر بتهديدهم، وإلا هم يقولون: الشيوعية خلاص تحطمت، وهي العدو الأول، أما الآن فيُخشى من الإسلام. ولكن هل نحن استغللنا هذه الفرصة؟ أبدًا ما استغللنا هذه الفرصة، بل ضيعنا.
طالب: قلنا: الثناء على الصبر.. في الآية قلنا: ينبغي الثناء على الصبر (...)؟
الشيخ: لا، الصبر على أذى الأعداء، نعم، ما (...) لا، نأخذ بالثأر منهم.
طالب: في حال الضعف؟
الشيخ: في حال الضعف نعم، في حال الضعف نصبر، يحسن أن نصبر.

***

طالب: وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلَا تَكْتُمُونَهُ فَنَبَذُوهُ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ وَاشْتَرَوْا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا فَبِئْسَ مَا يَشْتَرُونَ (١٨٧) لَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِمَا أَتَوْا وَيُحِبُّونَ أَنْ يُحْمَدُوا بِمَا لَمْ يَفْعَلُوا فَلَا تَحْسَبَنَّهُمْ بِمَفَازَةٍ مِنَ الْعَذَابِ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (١٨٨) وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ [آل عمران: ١٨٧ - ١٨٩]
الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله تعالى: لَتُبْلَوُنَّ فِي أَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ [آل عمران: ١٨٦] إلى آخره، ما نوع البلاء في المال؟
طالب: البلاء في المال ينقسم إلى عدة أقسام، منها ما أصابه البلاء من المشركين، أي من الخلق، مثل أن يتسلط عموم الكفار على أموال المسلمين، ومنها ما يقدره الله عز وجل من الجوائح والمصائب التي تصيب المال.
الشيخ: أحسنت.
الطالب: ومنها ما يكون بافتراض الفرائض مثل الزكاة والنفقات.
الشيخ: يعني يختبركم على هذا الوجه الأخير فيما يفرضه عليكم.
الابتلاء في النفس؟
طالب: الابتلاء في النفس بالمرض.
الشيخ: نعم.
الطالب: (...).
الشيخ: نعم، بس؟
الطالب: مرض أو شيء خفيف مثل الهم أو الغم.
الشيخ: نعم، بس؟ هذا كله في النفس.
الطالب: غير النفس يعني؟
الشيخ: لا، اللي في النفس، ما هو ينقسم؟
الطالب: ثلاثة أقسام؛ صبر..
الشيخ: لا.
طالب: من قِبل الله عز وجل، ومنه من قِبل المخلوقين.
الشيخ: ما يكون من قبل الله وما يكون من قبل المخلوقين.
مثاله من قبل الله؟
الطالب: من قبل الله كأن أصابتهم الصاعقة مثلًا.
الشيخ: ما اخترت إلا الصاعقة؟!
طالب: الابتلاء في النفس من الله عز وجل، مثل المرض وغيره والعجز وغيره.
الشيخ: المرض والضعف والعجز وفقد الأولاد أيضًا؛ لأن الأولاد من الأنفس.
طالب: نعم، هذا ابتلاء في النفس منفصل، مثل الأولاد والزوجة وغيرهم، وابتلاء في النفس متصل بالمرض بالبدن.
الشيخ: أحسنت، وكله من الله. طيب والقسم الثاني؟
طالب: القسم الثاني من المخلوق، مثل أن يضربه أو يشتمه أو يقتله.
الشيخ: أحسنت، تمام، طيب قوله: وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ، ما المراد بالذين أوتوا الكتاب؟
طالب: اليهود والنصارى.
الشيخ: اليهود والنصارى، هذا الذي نسمع يكون ضارًّا أو غير ضار؟
طالب: غير ضار.
الشيخ: غير ضار، لكن قال: أَذًى كَثِيرًا.
الطالب: إلا أنه غير ضار.
الشيخ: نعم، لا يلزم من الأذية الضرر، ما الدليل؟ هات مثالًا يدل على أنه لا يلزم من الأذية الضرر؟
الطالب: الدليل على هذا أن الله عز وجل قال في الحديث القدسي: «يُؤْذِينِي ابْنُ آدَمَ، يَسُبُّ الدَّهْرَ وَأَنَا الدَّهْرُ» ، فأثبت الأذية ونفى الضرر بقوله سبحانه وتعالى «يَا عِبَادِي، إِنَّكُمْ لَنْ تَبْلُغُوا ضَرِّي فَتَضُرُّونِي» .
الشيخ: نعم، أحسنت. وهذا (...) يتأذى الإنسان مثلًا من الرائحة الكريهة ولا تضره.
قوله: وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ [آل عمران: ١٨٦] ويش معنى الآية، يعني الجملة هذه؟
طالب: يريد الله سبحانه وتعالى في هذه الآية أن يحث المؤمنين على الصبر على أذية أهل الكتاب.
الشيخ: الصبر والتقوى.
الطالب: أي يصبرون على أذاهم ويتقون الله سبحانه وتعالى (...) بما يحصل عليهم من أذى المشركين.
الشيخ: فلا يعتدوا عليهم بأكثر من عدوانهم، تمام.
قوله: مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِويش معنى من عزم الأمور؟
الطالب: (...) العزم بمعنى المعزوم.
الشيخ: بمعنى المعزوم، يعني من الأمور المعزومة، ويش معنى العزم؟
طالب: الأمور الهامة، من الأمور الـ (...).
طالب آخر: الأمور التي يُعزم عليها ويتنافس من أجلها.
الشيخ: يعني تحتاج إلى عزم وقوة وصبر وجلد.
طالب: (...).
الشيخ: هذا ما تريد؟ ولكن عبرته بما لا يدل عليه.
في الإعراب: لَتَسْمَعُنَّفعل مضارع متصل بنون التوكيد، ومع ذلك كان مرفوعًا، والمعروف أن الفعل المضارع إذا اتصل بنون التوكيد يبنى على الفتح.
طالب: ليس مباشر (...) نون التوكيد (...).
الشيخ: كيف مباشر، العين بعدها نون مباشرة.
طالب: مباشر في الصورة، لكن الأصل فيه هناك واو محذوفة تدل عليه الضمة، في الحقيقة فيه واو محذوفة، يعني (لتسمعونن)، أصلها (لتسمعونن)، فيها حذف واو ونون.
الشيخ: ويش تقولون؟ صحيح؟ إذن مباشرة لفظًا لا تقديرًا، ونون التوكيد إذا اتصلت بالمضارع يبنى على الفتح إذا كانت متصلة لفظًا وتقديرًا، وهذه متصلة أيش؟ لفظًا، لا تقديرًا.
تفسير الآية (187)
00:53:22

ثم قال الله عز وجل: وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ، (إذ) ظرف لما مضى، وتأتي في القرآن كثيرًا محذوفة العامل، ويقدره العلماء بقولهم: (اذكر إذ)، (واذكر إذ أخذ الله) يعني: اذكر هذا للناس مبينًا ما حصل.
وقوله: إِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَالميثاق هو العهد الثقيل، وسمي العهد الثقيل ميثاقًا من الوثاق، وهو الحبل الذي يُشد به الإنسان ويربط، كما في قوله تعالى: فَإِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقَابِ حَتَّى إِذَا أَثْخَنْتُمُوهُمْ فَشُدُّوا الْوَثَاقَ [محمد: ٤] يعني الحبل الذي تربطونهم به وتأسرونهم به، فالميثاق بمعنى العهد الثقيل، وسمي العهد الثقيل ميثاقًا لأنه كالرباط للمعاهد.
وقوله: الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَالمراد بهم اليهود والنصارى، أخذ الله عليهم العهد والميثاق بما أعطاهم من الكتاب أن يبينوه للناس، ولهذا قال: لتبيننه، اللام موطئة للقسم، أي أُخذ عليهم عهد بهذا: لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلَا تَكْتُمُونَهُ، هنا قال: لتبينن ولا تكتمونه، فكيف يصح قوله: وَلَا تَكْتُمُونَهُمع أنه قال: لَتُبَيِّنُنَّهُ؟ لأن البيان ضد أيش؟ ضد الكتمان، ولكن نقول: المعنى: لتبيننه بيانًا لا كتمان فيه.
والكتمان نوعان: إما إخفاء بعض الآيات، وإما تحريف الآيات إلى معانٍ أخرى، فإن هذا يعد كتمًا؛ لأن الذي يحرف الآيات إلى معانٍ أخرى لم يبين الآيات على ما هي عليه، بل كتم المعنى الحقيقي المراد إلى معنًى آخر، فالكتم إذن نوعان: إخفاء لبعض الآيات كما قال الله تعالى: تَجْعَلُونَهُ قَرَاطِيسَ تُبْدُونَهَاللناس وَتُخْفُونَ كَثِيرًا [الأنعام: ٩١]، وإما أن يكون الكتم كتم المعنى، أي لا يُبين المعنى، وإنما يُحرف.
فالكتم إذن نوعان: إخفاء الألفاظ، والثاني: إخفاء المعاني، بحيث لا يغير اللفظ لكن يغير المعنى، فهذا كتمان.
ومن ذلك مثلًا أن النصارى قالوا: إن محمد بن عبد الله عليه الصلاة والسلام ليس هو الذي بشّر به عيسى؛ لأن الذي بشر به عيسى اسمه أحمد، وهذا اسمه محمد، هذا كتمان، كتمان معنى ولا لفظ؟
طلبة: معنى.
الشيخ: معنى.
لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلَا تَكْتُمُونَهُفإن قال قائل: هل يشعر العالم بهذا الميثاق، وأنه جرى بينه وبين الله عز وجل صفقة عهد؟
الجواب: لا يشعر، لكن إيتاء الله العلم له يعتبر ميثاقًا، يعني كون الله يهبه علمًا هذا ميثاق، ما أعطاك هذا العلم إلا من أجل أن تبينه، وإن كان الإنسان لا يستحضر أنه جرى بينه وبين ربه عهد كما يعاهَد أهل الذمة مثلًا، ولكن إيتاء الله عز وجل العلم له هذا عهد أن يبينه.
قال: وَلَا تَكْتُمُونَهُ فَنَبَذُوهُ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ: نَبَذُوهُأي: نبذوا العهد، نبذوا الميثاق، أي طرحوه، ومع ذلك لم يطرحوه بين أيديهم، بل طرحوه وراء ظهورهم، وهو كناية عن شدة إعراضهم عما آتاهم الله من الكتاب، حيث نبذوه نبذًا، ولم ينبذوه أمامهم، بل وراء ظهورهم، فيكون هذا أشد في كراهية ما أنزل الله وفي الاستكبار عنه والإعراض عنه.
فَنَبَذُوهُ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ وَاشْتَرَوْا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا: اشْتَرَوْا بِهِأي استبدلوا به ثَمَنًا قَلِيلًاأي بهذا العهد والميثاق ثمنًا قليلًا، ما هو الثمن القليل الذي اشتروه؟ إبقاء رئاستهم وجاههم وسلطانهم على قومهم؛ لأن هؤلاء الأحبار والقسيسين لو تبعوا محمدًا زالت رئاستهم ووجاهتهم، وصاروا كعامة الناس، فقالوا: نكذب محمدًا ونبقى على ما كنا عليه من الرئاسة والجاه والتقديم. إذن ما هو الثمن؟ ما هو المبيع وما هو الثمن؟
المبيع العهد، والثمن: الجاه والرئاسة وما أشبه ذلك، ووصف الله هذا بأنه قليل، وصدق الله، فإن جميع ما في الدنيا قليل، قال الله تعالى: قُلْ مَتَاعُ الدُّنْيَا قَلِيلٌ وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ لِمَنِ اتَّقَى [النساء: ٧٧]. فهذا الذي استبدلوه هو ثمن قليل زهيد، لا يدوم للإنسان ولا يدوم الإنسان له، بل لا بد من زوال؛ إما زوال الإنسان وإما زوال الثمن الذي اشتراه.
يقول: فَبِئْسَ مَا يَشْتَرُونَبئس: فعل ماضٍ جامد. جامد يعني لا يتصرف، النحويون يسمون الفعل الذي لا يتصرف جامدًا؛ لأنه باقٍ على حال واحدة، والمتصرِّف يسمونه متصرفًا لأنه يشبه المائع الذي يسيل ويسيح، لكن هذا جامد لا يتصرف.
وقوله: بِئْسَ مَا يَشْتَرُونَكلمة (بئس) و(نعم) وما أشبههما تحتاجان إلى شيئين: إلى فاعل، ومخصوص بالذم أو بالمدح، فقوله: مَا يَشْتَرُونَهذا هو الفاعل (ما)، والمخصوص محذوف، والتقدير أيش؟
طالب: هذا الشراء.
الشيخ: فبئس ما يشترون هذا الثمن أو هذا الشراء.
في هذه الآية قراءات نسينا أن نبينها لكم، قوله: لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلَا تَكْتُمُونَهُفيها قراءة: {لَيُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلَا يَكْتُمُونَهُ}، يعني بالياء بدلًا عن التاء، فعلى القراءة الأولى بالتاء يكون في الكلام التفات، منين؟ من الغيبة إلى الخطاب، وعلى القراءة الثانية يكون الكلام نسقًا واحدًا، ليس فيه التفات.
والالتفات ذكرنا أن فيه فوائد، ما هي؟
طالب: منها التنبيه على هذه الجملة.
الشيخ: نعم، التنبيه على هذه الجملة؛ لأن الكلام إذا صار على نسق واحد شرد الذهن، فإذا جاء التفات كأنه يقول: انتبه. هذا واحد.
طالب: بيان عظم هذا الأمر.
الشيخ: لا.
طالب: تشويق السامع.
الشيخ: تشويق السامع؟ أحيانًا يكون فيه تشويق السامع، صحيح، لكن شدة وقع هذا الشيء؛ لأن العدول عن الغيبة إلى الخطاب أشد وقعًا من الغيبة، يعني أن المشافهة بالخطاب أشد وقعًا من المشافهة بالغيب، ولهذا قال الله تعالى: عَبَسَ وَتَوَلَّى أَنْ جَاءَهُ الْأَعْمَى [عبس: ١، ٢] ولم يقل: عبست، وهو يريد سبحانه وتعالى النبي صلى الله عليه وسلم، لكن أسلوب الغيبة أهون وقعًا من أسلوب الخطاب. وتأملوها في قصة الخضر مع موسى: في الأول، في الجملة الأولى، قال له: أَلَمْ أَقُلْ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا [الكهف: ٧٢]، أَلَمْ أَقُلْ إِنَّكَ، في الثانية قال: أَلَمْ أَقُلْ لَكَ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا [الكهف: ٧٥] فكانت الثانية أشد من الأولى، أشد وقعًا.
وفيه أيضا قراءة في الآية التي بعدها.
من فوائد هذه الآية: أن الله عز وجل أخذ على أهل العلم العهد ببيان العلم وعدم كتمانه؛ لقوله: وَإِذْ أَخَذَ اللَّهإلى آخره.
ومن فوائدها: التحذير من كتمان العلم؛ لأن الله ذكر ذلك على سبيل الذم، لا على سبيل المدح، وقد جاء عن النبي عليه الصلاة والسلام أن «مَنْ سُئِلَ عَنْ عِلْمٍ وَهُوَ يَعْلَمُهُ ثُمَّ كَتَمَهُ؛ أُلْجِمَ بِلِجَامٍ مِنْ نَارٍ يَوْمَ الْقِيَامَةِ» ، نعوذ بالله، كما أنه كتم العلم ولم ينطق به فإنه يُجعل له يوم القيامة لجام يلجم به على فمه لسكوته عن بيان العلم.
ومن فوائد هذه الآية: وجوب بيان العلم على أهل العلم؛ أنه يجب على أهل العلم أن يبينوه، أن يبينوا العلم الذي آتاهم الله، ولم يذكر الله عز وجل الوسيلة التي يحصل بها البيان، فتكون على هذا مطلقة، راجعة إلى ما تقتضيه الحال، قد يكون البيان بالقول، وقد يكون بالكتابة، وقد يكون في المجالس العامة، وقد يكون في المجالس الخاصة، على حسب الحال؛ لأن الله أطلق البيان ولم يفصل ولم يعين.
ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أنه في الأمور الهامة ينبغي أن يُقرن النفي بالإثبات ليتحقق الكمال؛ لقوله: لتبيننه ولا تكتمونه. ووجه ذلك ما أشرنا إليه قبل أن البيان عدم الكتمان، لكن لما قال: وَلَا تَكْتُمُونَهُأكد البيان، وأن يكون بيانًا كاملًا ليس فيه كتمان.
ومن فوائد هذه الآية الكريمة: الذم القبيح لأهل الكتاب اليهود والنصارى؛ لقوله: فَنَبَذُوهُ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْوأنتم تجدون شدة الوقع في قوله: نَبَذُوهُ، ثم شدة الاستكبار؛ لقوله: وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ.
ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن هؤلاء الذين نبذوا العهد والميثاق وراء ظهورهم أخذوا بدله ثمنًا قليلًا، يعني لم يأخذوا مقابله ولا مماثله ولا ما فوقه، ولكنهم أخذوا بدله ثمنًا قليلًا، مما يدل على خسة هممهم، وأن هممهم دنيئة، حيث أخذوا الأدنى بدلًا عن الأعلى.
ومن فوائد هذه الآية الكريمة: القدح في هذه الطريقة؛ لقوله: فَبِئْسَ مَا يَشْتَرُونَ.
ويتفرع على هذه الفائدة: تحذير أولئك الذي يحابون الرؤساء والأمراء والوجهاء والأعيان في ترك بيان العلم؛ لأن الله تعالى أثنى بالقدح واللوم والتوبيخ على من كانت هذه حاله، والواجب البيان حتى عند الأمراء والوزراء والكبراء والرؤساء، بل إن بيان الحق عندهم يكون أوجب، وكلمة الحق عند السلطان الجائر من أفضل الجهاد.
تفسير الآية (188)
01:09:10

ثم قال الله عز وجل: لَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِمَا أَتَوْا وَيُحِبُّونَ أَنْ يُحْمَدُوا بِمَا لَمْ يَفْعَلُوا فَلَا تَحْسَبَنَّهُمْ بِمَفَازَةٍ مِنَ الْعَذَابِ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ.
قوله: لَا تَحْسَبَنَّفيها قراءات: لَا تَحْسَبَنَّ، و{لَا تَحْسِبَنَّ} بكسر السين، وفيها قراءة: {لَا يَحْسَبَنَّ} بالياء بدل التاء، فالقراءة ثلاثة: لَا تَحْسَبَنَّ، {لَا تَحْسِبَنَّ}، {لَا يَحْسبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ}، فعلى قراءة التاء يكون الخطاب موجهًا إما للنبي صلى الله عليه وسلم وإما لكل من يصح أن يتوجه إليه الخطاب، والمعنى الثاني أعم وأشمل، يعني: لا تحسبن أيها المخاطب.
وقوله: الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِمَا أَتَوْاالذين: محلها من الإعراب أنها مفعول أول لـ(تحسبن)، فأين المفعول الثاني؟
طالب: (فلا تحسبن).
الشيخ: فعل (فلا تحسبن).
الطالب: جملة (فلا تحسبن).
الشيخ: ما تصح، المفعول الثاني إما أن نقول: إنه محذوف قبل الجملة فَلَا تَحْسَبَنَّ، ويكون المعنى: لا تحسبن الذين يفرحون بما أتوا ناجين، ثم فرع عليه قوله: فَلَا تَحْسَبَنَّهُمْ بِمَفَازَةٍ مِنَ الْعَذَابِ. ويحتمل أن قوله: فَلَا تَحْسَبَنَّهُمْجملة مؤكدة لقوله: لَا تَحْسَبَنَّ، وعلى هذا فيكون قوله: بِمَفَازَةٍهو المفعول الثاني. والأول أقرب؛ أي: لا تحسبنهم ناجين، فلا تحسبنهم بمفازة.
وقوله: فَلَا تَحْسَبَنَّهُمْفيها قراءتان أيضًا، بل ثلاث قراءات: {فَلَا تَحْسِبَنَّهُمْ} وفَلَا تَحْسَبَنَّهُمْ، و{فَلَا يَحْسِبُنَّهُمْ}، يعني لا يحسبون أنفسهم بمفازة من العذاب.
نرجع الآن إلى التفسير: يقول عز وجل: لَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِمَا أَتَوْا، أي: يفرحون فرح أشر وبطر ومنّة على الله وعلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، بِمَا أَتَوْا، أي بما أتوا من الأعمال التي يتقربون بها إلى الله، على زعمهم، ولكنهم يفرحون بها منةً على الله ورسوله.
وقوله: وَيُحِبُّونَ أَنْ يُحْمَدُوا بِمَا لَمْ يَفْعَلُواأي يحبون أن الناس يحمدونهم على شيء لم يفعلوه، مثل أن يتظاهروا للناس بالصلاح من أجل أن يثنى عليهم، وهم لم يفعلوا الصلاح، ومثل ما فعل أهل الكتاب؛ كتموا صفة النبي صلى الله عليه وسلم ولم يبينوها، فقالوا: الآن غلبنا محمدًا، حيث قلنا: إنه ليس هو المبشَّر به. ففرحوا بما أتوا وأحبوا أن يحمدوا بما لم يفعلوا.
كذلك المنافقون يفرحون بما أتوا ويحبون أن يحمدوا بما لم يفعلوا، فأما المسلم إذا فرح بما أنعم الله عليه من العمل، وأحب أن يحمَد بما لم يفعل، لا رياءً، ولكن من طبيعة البشر أنه يحب أن يحمده الناس، فإن هذا لا يدخل في الآية، فالذي يدخل في الآية الصنفان: الصنف الأول: أهل الكتاب الذين فرحوا بما أتوا من كتمان صفة النبي صلى الله عليه وسلم وعدم الإيمان به، ويحبون أن يحمدوا بما لم يفعلوا، حيث يتظاهرون للناس بأنه لو جاء الرسول الذي بشر به عيسى لآمنّا به. والصنف الثاني من؟ المنافقون، فإن المنافقين يفرحون بما أتوا، ويقولون: نحن أسلمنا أمام محمد وأصحابه، وهم على العكس من ذلك، ولهذا قال: يُحِبُّونَ أَنْ يُحْمَدُوا بِمَا لَمْ يَفْعَلُوامن الإخلاص والمحبة لله ورسوله واتباع رسوله صلى الله عليه وسلم.
قال: فَلَا تَحْسَبَنَّهُمْ بِمَفَازَةٍ مِنَ الْعَذَابِالمفازة مكان الفوز، أي لا تحسبنهم بمكان يفوزون به وينجون به من العذاب، بل هم منغمسون في العذاب، والعياذ بالله.
وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌالجملة هذه استئنافية، لمّا بيّن أنهم ليسوا بمفازة من العذاب وليسوا ناجين أكد هذا بقوله: وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ، أليم: بمعنى مؤلم، فهي فعيل بمعنى مُفعِل، وفعيل بمعنى مفعل تأتي في اللغة العربية كثيرًا، ومنه قول الشاعر:
أَمِنْ رَيْحَانَةَ الدَّاعِي السَّمِيعُ يُؤَرِّقُنِي وَأَصْحَابِي هُجُوعُ

السميع بمعنى المسمع.
في هذه الآية الكريمة فوائد، وهي: تحذير من يفرح بما أتى فرح مِنة وإدلال على الله عز وجل، أو فرح غدر وخيانة كالمنافقين.
وفيها أيضًا: التحذير من محبة الإنسان أن يُحمد بما لم يفعل، وهذا يقع كثيرًا، أحيانًا يصرح الإنسان وهو كاذب، وأحيانًا يوري، فيظن السامع أنه فاعل وهو لم يفعل، أما الأول فأن يقول مثلًا: صليت البارحة آخر الليل، ودعوت الله، وهو كاذب، لكن من أجل أن يحمد على ذلك، أو يقول: رأيت فقيرًا فتصدقت عليه، أو يقول: طبعت كتابًا، أو أنقذت غريقًا، أو ما أشبه ذلك، وهو كاذب، هذا قسم صرح بما لم يفعل، وأحيانًا يوري؛ يتظاهر أمام الناس أنه فعل وهو لم يفعل، فالذي يسمع كلامه يقول: هذا هو الفاعل، وهو لم يفعل، وكلاهما مذموم. أما من أحب أن يُحمد بما لم يفعل ولكنه لم يتظاهر أمام الناس بالشيء ليحمد عليه، فهذا لا يضر؛ لأن كل واحد يحب أن يُحمد وإن لم يفعل، ولكن إذا حمد أن يفعل وهو متظاهر للناس بأنه فاعل؛ هذا المذموم.
ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن من كان على هذا الحال فلن ينجو من العذاب؛ لقوله: فَلَا تَحْسَبَنَّهُمْ بِمَفَازَةٍ مِنَ الْعَذَابِ.
ومن فوائدها: إثبات العذاب الأليم لمن هذه حاله، وقد عرفتم أنها منطبقة على صنفين من الناس: أهل الكتاب الذين كتموا صفة الرسول عليه الصلاة والسلام، والثاني: المنافقون.
تفسير الآيات (189-193)
01:18:25

ثم قال تعالى: وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ.
قوله: وَلِلَّهِالجار والمجرور خبر مقدم، مُلْكُمبتدأ مؤخر، وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌجملة استئنافية.
قوله: وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِملك السماوات أي: ملك الأعيان وملك التصرف، فهو مالك لأعيانهم، وهو مالك للتصرف فيها، قال الله تعالى: قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِنْ شِرْكٍ وَمَا لَهُ مِنْهُمْ مِنْ ظَهِيرٍ وَلَا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ [سبأ: ٢٢-٢٣] لَا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍيعني على سبيل الاستقلال، وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِنْ شِرْكٍعلى سبيل المشاركة، وَمَا لَهُأي ما لله، مِنْهُمْأي من هؤلاء الآلهة التي تدعونها مِنْ ظَهِيرٍأي من معين، وَلَا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُأي: لا أحد يشفع عند الله إلا بإذنه.
هذه الآية يقولون: إنها قطّعت علائق المشركين الذين يعبدون الأصنام والأوثان؛ لأنه يقول: هذه الأصنام هل لها ملك مستقل في السماوات والأرض؟ هل شاركت الله؟ هل أعانته؟ هل تنفع شفاعتها إلا بإذنه؟ لا، كل جواب بالنفي، وعلى هذا فلا ينفعهم، لا تنفعهم عبادة هذه الأصنام.
المهم أن قوله: لِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِيشمل أيش؟ الأعيان والتصرف، فالله تعالى مالك الأعيان ومالك التصرف، وقوله: السَّمَاوَاتِيعني السبع، وَالْأَرْضِللجنس، فتشمل الأرَضين السبع.
وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌوالقدرة هي التمكن من الفعل بلا عجز، التمكن من الفعل بلا عجز يسمى قدرة، والتمكن من الفعل بلا ضعف يسمى قوة، قال الله تعالى: اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ ضَعْفٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ ضَعْفٍ قُوَّةً [الروم: ٥٤] فقابل الضعف بالقوة، وقال: وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعْجِزَهُ مِنْ شَيْءٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ إِنَّهُ كَانَ عَلِيمًا قَدِيرًا [فاطر: ٤٤] فقابل القدرة بأيش؟
طالب: بالعجز.
الشيخ: لِيُعْجِزَهُبالعجز، فالقدرة ضدها العجز، والقوة ضدها الضعف.
وقوله: عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌعام في كل شيء، فما من موجود إلا والله قادر على إعدامه، وما من معدوم إلا والله قادر على إيجاده، وما من موجود إلا والله قادر على تغييره وتحويله من شيء إلى آخر. إذن هو على كل شيء قدير، وهو قادر على أفعاله، أليس كذلك؟ نعم، قادر على أفعاله، يفعل ما يشاء، وهو قادر على ذاته؟
طالب: غير وارد.
الشيخ: يقولون: إن ذات الله عز وجل إذا قصدت أن الله قادر على إعدامها مثلًا حاشا وكلا، فإن هذا لا تتعلق به القدرة أصلًا؛ لأنه من المستحيل، ولهذا قال السفاريني رحمه الله في عقيدته، قال:
لَهُ الْحَيَاةُ وَالْكَلَامُ وَالْبَصَرْ سَمْعٌ إِرَادَةٌ وَعِلْمٌ وَاقْتَدَرْ
بِقُدْرَةٍ تَعَلَّقَتْ بِمُمْكِــــــــــــنِ ....................

ولكن مع ذلك نقول: من الأدب أن تقول: إن الله على كل شيء قدير وتسكت؛ لأن الآيات التي جاءت بهذا عامة، ولا تقل: إن الله لا يقدر على الشيء المستحيل؛ لأن المستحيل أصلًا لا يتعلق به الفعل، يعني مثلا: السكون والحركة هل يمكن أن يجتمعا؟ لا يمكن؛ لأنه إن تحرك لم يكن ساكنًا، وإن سكن لم يكن متحركًا.
إذن الله سبحانه وتعالى قادر على أن يجعل الساكن متحركًا والمتحرك ساكنًا، لكن تريد أن يكون ساكنًا متحركًا في آن واحد لا يمكن، ساكن يعني غير متحرك، متحرك يعني غير ساكن.
فإذا قال قائل: هل يمكن أن يجعل الله المتحرك ساكنًا؟ نعم، يحول المتحرك إلى ساكن. أو يجعل الساكن متحركًا؟ نعم، لكن يجعل حركة وسكونًا في آن واحد لا يمكن أصلًا؛ لأن ما دام حركة يعني أيش؟ يساوي عدم سكون، سكون يساوي عدم حركة، بمجرد أنه يتحرك انتفى عنه السكون، بمجرد ما يسكن انتفى عنه الحركة.
ولكن كما قلت لكم: من الأدب أن نقول: إن الله على كل شيء قدير، ولا حاجة أن نفصل، إنما نحن نشعر بأنفسنا أن المستحيل لا يمكن، على اسمه: مستحيل.
طالب: شيخ، أحسن الله إليك، أفلا يكون صوابًا مثلًا لو قيل: إن (أل) في (الكتاب) للجنس المراد بها الكتب المنزلة عمومًا، ومنها القرآن، ويكون قول الله عز وجل: فَنَبَذُوهُ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْبيانًا لبعض ألفاظ العموم، ومنهم اليهود والنصاري، فإن هذا أعم.
الشيخ: هو أعم لا شك، هو أعم لكن حتى لو فرضنا أن العموم اللفظي لا يشمل هذه الأمة في قوله: الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ، فالعموم المعنوي يشمله، وإلا الظاهر من اللفظ أن المراد أهل الكتاب، كما قال في الأول: وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَلكن نقول: هو وإن لم يعم هذه الأمة من حيث اللفظ لكن يعم من حيث المعنى.
طالب: في قول الله سبحانه وتعالى في الحديث الطويل في صحيح مسلم: «إِنِّي عَلَى مَا أَشَاءُ قَدِيرٌ» في آخر الحديث وآخر من يدخل في الجنة (...)؟
الشيخ: لا؛ لأنه إذا تعلق بفعل خاص صح أن نقيد القدرة بالمشيئة؛ لأن هذا الرجل استغرب أن يدخل الجنة بعدما حصل له فقال: «إِنِّي عَلَى مَا أَشَاءُ قَادِرٌ» ، وهو كقوله تعالى: وَهُوَ عَلَى جَمْعِهِمْ إِذَا يَشَاءُ قَدِيرٌ [الشورى: ٢٩]، يعني إذا شاء جمعهم فهو قدير عليهم، وهو قدير سواء شاء أم لم يشأ، لكن لما تعلق بفعل معين صح أن يقيد بالمشيئة.
نظير ذلك في الإنسان مثلًا: تقول: أنا على ما أشاء قادر، يعني لو إنسان قال: كيف تفعل كذا وكذا هل تقدر عليه؟ قال: نعم، الذي أريده أقدر عليه، ليس المعنى أني ما أقدر إلا على ما أريد، أقدر على ما أريد وما لا أريد، ولكن لما كان يتعلق بفعل معين صح أن يقيد بالمشيئة. كأنه يقول: إذا شئت هذا الشيء فأنا قادر عليه.
طالب: كثير من أهل العلم أو الذي لديه علم عندما تسأله تقول له: لماذا لا (...) علمك وتنصح الناس يقول: أنا ليس لدي علم (...) هل يخوَّف في الله؟
الشيخ: نعم، يخوف في الله، يقال: يجب أنك تنشر والناس حاجتهم للعلم.. أحيانًا تكون مقتضى الحال الحاجة للعلم، كما لو شاعت بدعة في الناس، على سبيل العموم، فيجب عليك أن تبين، وأحيانًا يسألك الإنسان سؤالًا خاصًّا، فيجب أن تبين أيضًا، ولهذا نقول: سؤال بلسان المقال وسؤال بلسان الحال، السؤال بلسان المقال أن يأتي شخص إليك ويقول: ما تقول في كذا وكذا، هذا سؤال بلسان المقال، يجب أن تبين له الحق، إلا إذا علمت أنه ذو هوى، وأنه يريد أن يأخذ ما عندك فقط دون أن يعمل به، فهنا قال الله تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم: فَإِنْ جَاءُوكَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ [المائدة: ٤٢]؛ لأنهم لا يتحاكمون إلى الرسول يريدون الحق، لكن يريدون ما عنده، إن وافق أهواءهم أخذوا به، وإلا تركوه، أما لسان الحال فأن يشيع في الناس عمل محرم أو بدعة أو ما أشبه ذلك، فيبينه للناس؛ لأن الحال تقتضي البيان.
طالب: فَبِئْسَ مَا يَشْتَرُونَ [آل عمران: ١٨٧]، أقول: (ما) في بِئْسَ مَا يَشْتَرُونَهل نافية أم.. هل موصولة أو؟
الشيخ: موصوفة؟
الطالب: أو مصدرية؟
الشيخ: يجوز. لا، ما تصلح مصدرية، هي إما موصولة أو موصوفة.
الطالب: لو كان موصوفة (...).
الشيخ: إي مخصصة.
الطالب: مخصصة بإيه؟
الشيخ: إي نعم، بالوصف (يشترون).
طالب: جزاكم الله خيرًا، بالنسبة للذي يبين نقول: يبين في مجالس خاصة وعامة وبالكتاب كل ما استطاع، لكن لو اقتصر الرجل على نوع منهم، مثلًا يقوم ببعض الأشخاص ويدرسهم دروسًا خاصة، هل يقال: إن هذا تمييز؟
الشيخ: هل يقال نعم، لأنه قد يكون من المصلحة ألا تدرِّس كل ما علمت، قد يكون من المصلحة أن تركز على الفقه، على التوحيد، على التفسير، لكنك متهيئ ومستعد لبيان العلم بأي وسيلة.
طالب: شيخ، جزاك الله خيرًا، بالنسبة للعموم في قوله: وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ [آل عمران: ١٨٧] هل هو عام مخصوص في وقت النبي صلى الله عليه وسلم؟ لأنه كثير من أهل الكتاب ما كتموا.
الشيخ: كيف ما كتموا؟ الآن يعني؟
الطالب: لا، منذ بعث موسى وعيسى عليهما الصلاة والسلام، يعني حصل منهم الأحبار والربانيون عملوا بالكتاب.
الشيخ: هذا يعني يعتبر نادرًا، مثل عبد الله بن سلام رضي الله عنه، أسلم وحسن إسلامه وهو من أحبارهم، لكن هذا يعتبر نادرًا، العبرة بالعموم.
طالب: لَتُبَيِّنُنَّهُالضمير يعود على العلم أو على الكتاب.
الشيخ: أو على الميثاق، الكتاب وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ [آل عمران: ١٨٧]، أي الكتاب.
الطالب: الكتاب؟
الشيخ: نعم.