والقاعدة أن المشبَّه دون مرتبة المشبَّه به، وهنا قال: «صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ كَمَا صَلَّيْتَ» .
وإذا قلنا: بأن الكاف ليست للتشبيه ولكنها للتعليل، وأن هذا من باب التوسل؛ يعني
أننا لا نسألك أمرًا غريبًا، نسألك أمرًا فعلته من قبل، فإن الإشكال هنا أيش؟ يرتفع
ولا يبقى فيها الإشكال.
طالب: (...).
الشيخ: لا، التوسل إلى الله بأسمائه، التوسل إلى الله بصفاته،
التوسل إلى الله بأفعاله.
الرابع: التوسل إلى الله تعالى بالإيمان، بالإيمان به
وبرسله، ومنه هذه الآية: رَبَّنَا إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِيًا يُنَادِي لِلْإِيمَانِ أَنْ آمِنُوا بِرَبِّكُمْ فَآمَنَّا رَبَّنَا فَاغْفِرْ لَنَا [آل عمران: ١٩٣]، فجعلوا إيمانهم بذلك وسيلة لسؤال
المغفرة: رَبَّنَا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا.
الخامس: التوسل إلى الله عز وجل بالأعمال الصالحة، ليس بالإيمان بالأعمال
الصالحة، ومن ذلك قصة أصحاب الغار الثلاثة حين انطبقت عليهم
صخرة فسدت فم الغار ولا يستطيعون زحزحتها فقالوا: توسلوا إلى الله بصالح أعمالكم،
فتوسل أحدهم بكمال برّه لوالديه، وتوسل الثاني بكمال عفته، وتوسل الثالث بكمال
أمانته، ففرّج الله عنهم. واضح
يا جماعة؟
فإذا قال قائل: التوسل بهذا والذي قبله فيه إشكال؛ لأنه قد يقول قائل:
أليس هذا إدلالًا على الله عز وجل وإعجابًا وفخرًا بالعمل؟ كأنه يقول: يا رب، إني
فعلت كذا وفعلت كذا فاغفر لي، مثلًا.
فالجواب: لا، بل هذا من باب التذلل لله عز
وجل، من باب التذلل له، وأنني يا ربّ قد ذللت لك، وعلمت أنك الملجأ فعبدتك وآمنت بك
فأسألك أن تغفر لي، مثلًا.
السادس: التوسل إلى الله بذكر حال الداعي، التوسل إلى
الله بذكر الحال، أن تذكر حالك فتقول: اللهم إني ظلمت نفسي فاغفر لي؛ الأول: توسل
بعمل صالح، وهنا على العكس بالحال، ومن ذلك قول موسى: رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ [القصص: ٢٤] ما ذكر
إلا هذا، وهذا توسل إلى الله بأيش؟ بذكر الحال؛ لأن الإنسان إذا ذكر حاله وأنه
مفتقر إلى الله أوجب ذلك له أن يلجأ إلى ربه عز وجل فيكون هذا من أسباب إجابة
الدعاء.
السابع: التوسل إلى الله تعالى بدعاء الرجل الصالح، ومنه: قول عكّاشة بن
محصن للنبي صلى الله عليه وسلم لما قال: «إِنَّ مِنْ أُمّتِي
سَبْعِينَ أَلْفًا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ بِلَا حِسَابٍ وَلَا عَذَابٍ» قال: ادعُ
الله أن يجعلني منهم، فقال: «أَنْتَ مِنْهُمْ» . ومنه:
قول الأعرابي: يا رسول الله، هلكت الأموال، وانقطعت السبل،
فادعُ الله أن يُغيثنا. فدعا ، ومنه قول عمر
للعباس: قم فادعُ الله، فقال: اللهم إنا نتوسّل إليك بنبيّنا
فتسقينا، وإنا نتوسل إليك بِعمِّ نبينا .
وهذا النوع السابع ينبغي أن
يلاحظ الطالب ما أشار إليه شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله، يلاحظ أنه إذا طلب منه
أن يدعو له فإنما يقصد بهذا منفعة الداعي وأجره؛ لأن الداعي يُؤجر إذا دعا لأخيه،
وإنما قال ذلك احترازًا مما إذا أراد الطالب نفع نفسه فقط، قال: فإن هذا من المسألة
المذمومة أن تقول: ادعُ الله لي قصدك منفعة نفسك، لا، قل: ادعُ الله لي وأنت تقصد
أن أيش؟ ينتفع هو أيضًا بدعائه لك؛ لأنه يؤجر على الإحسان إليك؛ ولأنه إذا دعا لك
بظهر الغيب قال الملك: آمين، ولك مثله، أو: ولك بمثله. هذا إذا أردت أن تطلب من شخص
أن يدعو لك أنت خاصة، أما إذا طلبت منه أن يدعو للمسلمين عمومًا فهذا ليس من
المسألة المذمومة حتى وإن لم تلاحظ نفعَه هو، ونظيره لو أنك سألت رجلًا درهمًا
لنفسك أو قلت: أعطني درهمًا لفلان الفقير، كان الأول من السؤال المذموم، والثاني من
الإحسان إلى المعطِي وإلى المعطَى؛ لأنك تنفع المعطِي في الآخرة وتنفع المعطَى في
الدنيا.
فهذه سبعة أنواع من التوسّل كلها جاءت بها السنة، وهي جائزة؛ لأنها
حقيقة سبب من الأسباب، والوسيلة هي أصلًا تشبه الوصيلة، والسين والصاد يتناوبان
كثيرًا كما في قوله: {اهْدِنَا السِّرَاطَ
الْمُسْتَقِيمَ} واهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ [الفاتحة: ٦] كلاهما قراءتان سبعيتان.
إذن نأخذ من هذه
الآية: رَبَّنَا فَاغْفِرْ لَنَاجواز التوسل بأيش؟
بالإيمان، واستطردنا بذكر أقسام التوسل.
هل شرك المشركين بآلهتهم من باب التوسل
الممنوع أم ماذا؟
طالب: شيء آخر.
الشيخ: شيء آخر، إي نعم، ليس من التوسل بل هو عبادة؛ لأنهم
يقولون: مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ [الزمر: ٣] فهم يقصدون العبادة، يدعون هذه الأصنام، ويركعون لها،
ويسجدون لها، وينذرون لها، ويذبحون لها، فهو ليس من باب التوسل بل من باب القصد
والغاية أن هذه الأصنام تُعبد.
من فوائد الآية الكريمة:
أن كل أحد محتاج لمغفرة الذنوب؛ لقولهم: فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَافلا تغرنّك كثرة الطاعات، فالإنسان كلما كثرت طاعاته فينبغي أن
يكون أخوف على نفسه من أن ترد هذه الطاعات ويذهب عمله سدى.
ومن فوائد هذه الآية: التفريق بين المعاصي؛ بعضها ذنوب
وبعضها سيئات، وهو كقولنا: إنها تنقسم إلى كبائر وصغائر، والكبائر والصغائر تختلف
في ذاتها وتختلف فيما بينها، فالكبائر منها كبرى، ومنها صغرى، والصغائر منها ما
يقرب من الكبائر، ومنها ما هو دون ذلك.
ومن فوائد هذه
الآية الكريمة: جواز سؤال الموت على طريق أهل الخير، لقولهم: وَتَوَفَّنَا مَعَ الْأَبْرَارِوقد ذكرنا في الدرس الماضي أن
هذا ليس من باب الدعاء بالموت العاجل، وإنما هو من باب الدعاء بالموت على صفة
مطلوبة، وهي أن يموت على ما مات عليه الأبرار، وذكرنا لهذا نظائر، من
يستحضر؟
طالب: قول مريم: يَا لَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هَذَا وَكُنْتُ نَسْيًا مَنْسِيًّا [مريم: ٢٣].
الشيخ: قول مريم: يَا لَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هَذَا وَكُنْتُ نَسْيًا مَنْسِيًّاالمعنى يا ليتني متّ قبل
المصاب.
طالب: وقول يوسف: تَوَفَّنِي مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ [يوسف: ١٠١].
الشيخ: تمام.
ومن فوائد
هذه الآية الكريمة: الثناء على أهل البر والإحسان؛ لقوله: وَتَوَفَّنَا مَعَ الْأَبْرَارِ.
ثم قال: رَبَّنَا وَآتِنَا مَا وَعَدْتَنَا عَلَى رُسُلِكَ وَلَا تُخْزِنَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ [آل عمران: ١٩٤] انظر إلى التكرار في قوله: رَبَّنَالأنهم يتلذّذون بهذا التعبير أن يكون الله ربهم، وإذا كان الله ربهم فهم عبيده، وتلذّذ الإنسان بعبوديته لله عز وجل دليل على كمال إيمانه؛ لأنه كلما كان الإنسان أذل لله كان أكمل إيمانًا، ولهذا يكرّرون: ربنا، ربنا؛ تلذذًا بهذا الاسم الكريم.
وقوله: رَبَّنَا وَآتِنَا مَا وَعَدْتَنَا(آتنا) بمعنى (أعطنا)، بخلاف (ائتنا) فهي بمعنى (جئنا)، (آتى) بمعنى (أعطى)، (أتى) بمعنى (جاء)، ما المصدر من آتى؟ (إيتاء)، قال الله تعالى: وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى [النحل: ٩٠]، والمصدر من أتى: (إتيان).
يقول: وَآتِنَا مَا وَعَدْتَنَا عَلَى رُسُلِكَمَاهذه موصولة، ومحلها من الإعراب مفعول ثانٍ لـ(آتِ)؛ لأن (آتِ) تنصب مفعولين، أصلهما؟
طالب: من أخوات (أعطى).
الشيخ: من أخوات (أعطى). يعني ليس أصلهما المبتدأ والخبر، فالذي ينصب مفعولين إن كان أصلهما المبتدأ والخبر فهو من أخوات (ظن)، وإن لم يكن أصلهما المبتدأ والخبر فهما من أخوات (أعطى) و(كسا)، هذه من أخوات (أعطى) و(كسا).
مَا وَعَدْتَنَا عَلَى رُسُلِكَمَا وَعَدْتَنَاأي: عهدت به إلينا من الثواب الجزيل على أعمالنا. وقوله: عَلَى رُسُلِكَتحتمل معنيين؛ أحدهما: على الإيمان برسلك، والثاني: على أيدي رسلك، فعبر بالرسل عن أيدي الرسل؛ لأن الذي وعدهم هم الرسل أنفسهم، وعدوا المؤمنين بما وعدهم الله به، ووعدوا المخالفين بما توعّدهم الله به.
وَلَا تُخْزِنَا يَوْمَ الْقِيَامَةِتُخْزِنَاأي: تفضحنا وتذلّنا. يَوْمَ الْقِيَامَةِأي: يوم يقوم الناس من قبورهم لله عز وجل، وسمي هذا اليوم يوم القيامة لأمور ثلاثة:
الأول: أنه يقوم الناس فيه من قبورهم لله.
والثاني: أنه يقام فيه العدل.
والثالث: أنه يقوم فيه الأشهاد.
وقوله: إِنَّكَ لَا تُخْلِفُ الْمِيعَادَتعليل لسؤالهم؛ يعني سألناك يا ربّنا أن تعطينا هذا؛ لأنك لا تخلف الميعاد؛ يعني الوعد، وإنما انتفى عنه إخلاف الوعد لكمال صِدقه وكمال قدرته، حطوا بالكم، انتفى عنه خلاف الميعاد لكمال صدقه وكمال قدرته؛ لأن إخلاف الوعد إما أن يكون لكذب الواعد، كميعاد أهل النفاق، وإما أن يكون لعجز الواعد؛ أي: أنه يفي لكن عجز، والله عز وجل قد انتفى في حقه الأمران: أعني الكذب والعجز، فهو لكمال صدقه وكمال قدرته لا يخلف الميعاد، وهذه الصفة من الصفات أيش؟ السلبية، السلبي يعني بمعنى النفي، من الصفات السلبية.
وقد قررنا غير مرة أن الصفات السلبية يراد بها شيئان؛ الأول: انتفاء الصفة التي نُفيت، والثاني: إثبات كمال ضدها؛ يعني انتفى عنه هذا لكمال ضده، هذا المعنى؛ فإذا قلت: فلان لا يكذب، فالمعنى أنه كامل الصدق، لا يوجد في كلامه كذب، ولهذا نقول: إن الصفات المنفية عن الله عز وجل لا يراد بها مجرد النفي، وإنما يراد بها إثبات كمال الضد.
من فوائد هذه الآية الكريمة: أنه ينبغي للداعي أن يُكثر من الثناء على الله تعالى بأسمائه وصفاته؛ لأن هذا من وسائل إجابة الدعاء.
ومن فوائد الآية الكريمة: كمال إيمان هؤلاء بوعد الله؛ لقولهم: وَآتِنَا مَا وَعَدْتَنَاإذ لو كان عندهم شك ما سألوا هذا السؤال.
ومن فوائدها: أن الرسل هم الواسطة بين الله وبين خلقه؛ لقوله: عَلَى رُسُلِكَولا شك أن الرسل هم الواسطة بين الله وبين الخلق، ومن حكمة الله أن جعلهم من البشر؛ لأنه لا يمكن التلاؤم بينهم وبين البشر إذا لم يكونوا من جنسهم، ولهذا قال الله تعالى رادًّا على الكفار الذين قالوا: لو كان محمد ملكًا لآمنَّا به، قال الله سبحانه وتعالى: وَقَالُوا لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ وَلَوْ أَنْزَلْنَا مَلَكًا لَقُضِيَ الْأَمْرُ ثُمَّ لَا يُنْظَرُونَ (٨) وَلَوْ جَعَلْنَاهُ مَلَكًا لَجَعَلْنَاهُ رَجُلًا [الأنعام ٨- ٩] وحينئذٍ تعود المشكلة على زعمهم وَلَلَبَسْنَا عَلَيْهِمْ مَا يَلْبِسُونَ.
ومن فوائد هذه الآية: إثبات أن الخلق لهم أكثر من رسول عَلَى رُسُلِكَ؛ لأن رُسُل جمع (رسول)، وهذا أمر معلوم، معلوم باليقين القطعي، فالقرآن كله مملوء من قصص الأنبياء.
فإذا قال قائل: قد ورد الجمع يراد به الواحد كقوله تعالى: كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ الْمُرْسَلِينَ [الشعراء: ١٠٥] ومعلوم أن قوم نوح لم يكذّبوا إلا نوحًا؟
فالجواب عن ذلك أن نقول: إن هذه الآية قد دلّت على أن المرسَل إليهم كم؟ واحد، ولكن لما كان تكذيب الرسول الواحد تكذيبًا لجميع الرسل قال: كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ الْمُرْسَلِينَ؛ لأن المقصود هو التكذيب بالجنس لا بالواحد، فكأنهم كذبوا بجنس الرسالة وقالوا: لا يمكن أن الله يبعث الرسل كما قال تعالى في بيان تكذيب الأمم أنهم يقولون لرسلهم: أنتم بشر مثلنا: مَا أَنْتُمْ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنَا [يس: ١٥].
من فوائد الآية الكريمة أيضًا: أن هؤلاء الأبرار يؤمنون بيوم القيامة وبما يلحق الناس به من الذل والخزي؛ لقوله: وَلَا تُخْزِنَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ.
ومن فوائدها: أن الخوف من عذاب الله لا ينافي البر؛ لقولهم: وَلَا تُخْزِنَا يَوْمَ الْقِيَامَةِبل إن الخوف من عذاب الله يزيد البر؛ لأنه يزيد تصديقه بما أخبر الله به.
ومن فوائد الآية الكريمة: كمال صدق الله وقدرته، من أين تؤخذ؟ من قوله: إِنَّكَ لَا تُخْلِفُ الْمِيعَادَ.
ومن فوائدها: أن الله تعالى لا يخلف الميعاد أبدًا.
فإن قال قائل: يرد على هذا قوله تعالى: إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ [النساء: ٤٨] وقد توعّد الله سبحانه وتعالى العصاة بما يستحقون من الذنوب مثل: «لَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ قَتَّاتٌ» أي: نَمَّام.
فالجواب: أننا متى قلنا: إن هذا النفي يُراد به بيان كمال الله في الصدق والقدرة فإن عفوه عمن استحقّ العقاب لا يعد إخلافًا للوعد؛ يعني هو قادر، ولكنه كمال فوق كمال، فإن العفو عن الانتقام مع القدرة أيش؟ كمال، قال الله تعالى: إِنْ تُبْدُوا خَيْرًا أَوْ تُخْفُوهُ أَوْ تَعْفُوا عَنْ سُوءٍ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ عَفُوًّا قَدِيرًا [النساء: ١٤٩].
قال الله تعالى: فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي لَا أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِنْكُمْإلى آخره [آل عمران: ١٩٥] استجاب بمعنى (أجاب)، كما قال تعالى: وَالَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِرَبِّهِمْ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ [الشورى: ٣٨] فهي بمعنى الإجابة؛ أي: أجابهم الله. وقوله: فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْانظر إلى هذا التلطّف بهم، لم يقل: فاستجاب لهم الله، بل قال: اسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْلأنهم كانوا يدعون بربنا؛ يعني فهذا الرب الذي ما زالوا يدعونه استجاب لهم.
أَنِّي لَا أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِنْكُمْ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَىأَنِّي لَا أُضِيعُأي: لا أُهدر، ولا أفوت عَمَلَ عَامِلٍ مِنْكُمْ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍبل أوفي كل عامل ما يستحق. وقوله: مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَىهذه بيان لعام، ولهذا نقول: إن معنى (مِن) أيش؟
الطلبة: بيانية.
الشيخ: أن (مِن) بيانية.
وقوله: بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍيعني بعضكم من بعض في العمل والثواب، فأنتم جنس واحد، ما ثبت للذكر ثبت للأنثى، وما ثبت للأنثى ثبت للذكر، وتأمل كيف قال هنا: بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍوقال في سورة التوبة: وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ [التوبة: ٧١]؛ لأن المراد بالآية في النصرة، فكل مؤمن فهو ولي لأخيه ناصر له، وقد قال في مقابلها في المنافقين: الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ [التوبة: ٦٧] وليسوا أولياء بعضهم لبعض؛ لأنهم -أعني المنافقين- لا يتولى بعضهم الآخر بخلاف المؤمنين.
طالب: شيخ، (...).
الشيخ: هي خمس مرات هذه؟ على كل حال قد يستجيب الله عز وجل ولو بأقل من هذا.
الطالب: (...).
الشيخ: إي نعم، أقول: هذه.. قد يستجاب له بأقل من هذا، وقد يقول: ربنا ربنا، لكن تحتاج إلى تأمل في الواقع.
الطالب: أحسن الله إليك، الوعيد هل يُخلف؟
الشيخ: نعم.
الطالب: الوعيد هل يُخلف؟
الشيخ: هل يخلف؟ إي نعم، وهذا اللي يخلف، لكن الوعد لا يُخلف.
طالب: لكن أحسن الله إليك، قول الله عز وجل في سورة (ق): مَا يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَيَّ وَمَا أَنَا بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ [ق: ٢٩] بعد أن يعني وعدهم بالنار وهددهم؟ قال: مَا يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَيَّ [ق: ٢٩].
الشيخ: إي نعم، لأن هؤلاء مستحقون للنار لكفرهم، والكافر لا يخلف الله وعيده.
الطالب: إي نعم، يعني العاصي يخلف وعيده؟
الشيخ: العاصي يخلفه كرمًا.
الطالب: لكن الدليل على التفريق يا شيخ؟
الشيخ: واضح: إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ.
طالب: شيخ، إذا كان التوسل بالأعمال الصالحة للناس جائز، مثلًا بالنسبة لأصحاب الصخرة، والتوسل بدعاء العبد الصالح.
الشيخ: بدعاء الرجل الصالح.
الطالب: هذا جائز، مثلًا إذا أقول لواحد رجل: إذا تتوسل بأعمال صالحة للأموات، هذا غير جائز هو يقول: إن هذه الأموات (...)؟
الشيخ: هل الأموات يدعون؟
الطالب: لا، يقول: اللهم اغفر لنا بالأعمال الصالحة لهذا العبد.
الشيخ: هو يتوسل إلى الله سبحانه وتعالى بعمله الصالح عمل الداعي، ما هو بالمدعو له.
الطالب: كيف؟
الشيخ: لو توسل بالعمل الصالح من المدعوّ له لم يصح.
الطالب: (...) يجوز.
الشيخ: يعني لو قلت مثلًا عند (...): اللهم إن هذا عبدك ابن عبدك ابن أمتك قد قام بأمرك أمر بالمعروف ونهى عن المنكر فاغفر له، هذا لا بأس به. لكن لو أقول: إنه هذا عبدك ابن عبدك ابن أمتك قام بطاعتك أمر بالمعروف ونهى عن المنكر فاغفر لي، فجعل عمله الصالح للميت وسيلة لمغفرة الله له أي: للداعي، هل يصح؟
الطالب: فهمت، هذا لا يصح.
الشيخ: هذا لا يصح.
طالب: شيخ، أحسن الله إليك، لو طلبت من إنسان أن يدعو لطائفة معينة أن تقول: ادعُ للعلماء، أو لطلبة العلم، هل يكون من المسألة المذمومة؟
الشيخ: لا، هذا لا بأس به مثل ما نقول: تصدّق على العلماء أو طلبة علم أو ما أشبه ذلك.
طالب: الوسائل الكونية يا شيخ ويش الضابط؟
الشيخ: نفس الشيء، الوسائل الكونية ما ثبت بالشرع أو بالتجارب بأنه وسيلة يتوسل به؛ فمثلًا الاستشفاء بالعسل، وسيلة ولَّا غير وسيلة؟ شرعية ولَّا غير شرعية؟ شرعية، والاستشفاء بالحبة السوداء؟ وسيلة شرعية، والاستشفاء بالأدوية التي نحن نجربها ولم ينصّ عليها الشرع، لكن نعرف أنها أفادت، هذا من باب التوسل بالأمور الكونية.
طالب: السين في فَاسْتَجَابَهل تدل على الطلب؟
الشيخ: لا، أحيانًا تدل على الطلب، وأحيانًا ما تدل على الطلب بحسب السياق، كما (استغفر) تدل على الطلب، (استكبر) ما تدل على الطلب، ليس معنى استكبر يعني طلب الاستكبار.
طالب: التوسل بجاه الرسول الذي يقصد منه أنه يؤمن بجاه الرسول وبمنزلته، هل هذا صحيح؟
الشيخ: لماذا لم يقل: اللهم إني أسألك بإيماني بمنزلة نبيك عندك؟
الطالب: للاختصار.
الشيخ: لا يختصر هنا؛ لأن فيه إيهامًا، ولكن أكثر الذي يتوسلون بالجاه تراهم لا يريدون ما قلت، يريدون جاه الرسول، يرون أنه ما دام له جاه فهو يشفع لك، كما تقول: هذا الرجل له جاه عند الملك، أتوسل به، أذهب إليه وأقول له: يا فلان، أنت لك جاه عند الملك، أريد منك كذا وكذا.
طالب: إذا كان نيته يعني الإيمان بجاه النبي، هذا صحيح؟
الشيخ: نقول: إذا كانت النية هذه ففيما بينك وبين ربك صحيح، لكن لا تُظهرها للناس، الناس ما يفهمون هذا الشيء.
طالب: شيخ، حديث عمر وتوسله بالعباس، قد يقول قائل: ما السبب اللي جعل عمر يتوسل بدعاء العباس مع أنه أفضل من العباس؟
الشيخ: ما الجواب؟ قال: بعمّ نبينا، وضَّح.
طالب: شيخ، أليست الأعمال الصالحة تدخل في مسمى الإيمان؟
الشيخ: إلا فيه تدخل في مسمى الإيمان، لكن عند التفصيل يكون الإيمان بالقلب والأعمال الصالحة بالجوارح.
طالب: شيخ، ويش وجه التفرقة التوسل بالإيمان والتوسل بالأعمال الصالحة؟
الشيخ: وبالعمل الصالح؛ لأن أصحاب الغار لم يتوسلوا بالإيمان، توسلوا بالعمل الصالح.
طالب: التوسل بنعمة الله على الإنسان (...) بما أنعمت عليّ.
الشيخ: ما هو من أفعال الله، لا.
طالب: أظن -عفا الله عنك- كثير من الناس (...) الرسول صلى الله عليه وسلم قال: (...) وأبو بكر حاضر هذا وعمر رضي الله عنه وأرضاه ما دعا الرسول صلى الله عليه وسلم على (...).
الشيخ: ويش عمر أيش؟
طالب: عمر ما دعا الرسول صلى الله عليه وسلم ما دعا قال: يا رسول الله (...).
الشيخ: إي، معلوم لو أحد يقول: يا رسول الله، أغثنا كفر ده.
***
طالب: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي لَا أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِنْكُمْ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ فَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَأُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأُوذُوا فِي سَبِيلِي وَقَاتَلُوا وَقُتِلُوا لَأُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَلَأُدْخِلَنَّهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ ثَوَابًا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الثَّوَابِ (١٩٥) لَا يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي الْبِلَادِ (١٩٦) مَتَاعٌ قَلِيلٌ ثُمَّ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمِهَادُ (١٩٧) لَكِنِ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا نُزُلًا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَمَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ لِلْأَبْرَارِ (١٩٨)} [آل عمران: ١٩٥ - ١٩٨].الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله تباك وتعالى: فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْأظن ما سبق لا يحتاج إلى إعادة. ولنناقش في قوله: رَبَّنَا وَآتِنَا مَا وَعَدْتَنَا عَلَى رُسُلِكَمعنى: آتِنَا؟
طالب: آتِنَاأعطنا.
الشيخ: وأْتِنا؟
طالب: جئنا.
الشيخ: جئنا، آتى يقولون: إنها تنصب مفعولين؟
طالب: في هذه الآية؟
الشيخ: إي نعم. في هذه الآية وغير الآية هي تنصب مفعولين، في هذه الآية ما هما؟
الطالب: ما الموصولة.
الشيخ: نعم، هذا أيّ مفعولين؟
طالب: المفعول الأول.
الشيخ: نعم، والثاني؟
الطالب: (...) محذوف.
الشيخ: الثاني محذوف؟
طالب: المفعول الأول (نا) في (آتنا).
الشيخ: المفعول الأول (نا) من قوله: (آتنا). والثاني؟
الطالب: الاسم الموصول.
الشيخ: (ما) الموصولة، تمام. هل هذان المفعولان أصلهما المبتدأ والخبر؟
طالب: ليس أصلهما المبتدأ والخبر.
الشيخ: طيب، إذن متى يكون أصلهما المبتدأ والخبر؟
طالب: قبل دخول (...).
الشيخ: قبل دخول، قبل دخول العامل، كذا؟
طالب: العامل؟
الشيخ: العامل الناصب.
الطالب: (...).
الشيخ: ما الذي ينصب مفعولين أصلهما المبتدأ والخبر؟
الطالب: ظن.
الشيخ: إي، ظن وأخواتها. تمام.
قوله تعالى: عَلَى رُسُلِكَما معنى عَلَى رُسُلِكَ؟
طالب: يعني على لسانهم.
الشيخ: على ألسنة الرسل وأيدي الرسل. ما هو الذي وعدهم على لسان رسله؟
طالب: (...).
الشيخ: لمن؟ قوله تعالى: وَلَا تُخْزِنَا يَوْمَ الْقِيَامَةِما معنى الخزي؟
طالب: الخزي معناه ألا يخزيهم.
الشيخ: يعني إذا قيل: أخزاه الله ويش معناها؟
الطالب: يعني رده عما عمل.
الشيخ: لا.
طالب: شيخ، فضحه.
الشيخ: فضحه وأذلّه، الخزي الفضيحة والذل.
قوله: إِنَّكَ لَا تُخْلِفُ الْمِيعَادَهذه من الصفات؟
طالب: السلبية، تقتضي..
الشيخ: نعم. تتضمن؟
الطالب: تتضمن شيئين: الأول: اللي هو نفي إخلاف الميعاد عن الله عز وجل، والثاني: كمال الضد.
الشيخ: ما هو الضد؟
الطالب: الصدق والوعد.
الشيخ: كمال الصدق، وغير؟
طالب: القدرة.
الشيخ: القدرة، صح، كمال الصدق والقدرة. لماذا قلنا: إنها تتضمن كمال الصدق والقدرة؟
طالب: لأن الصادق.. الكاذب (...)، وأيضًا الذي لا يقتدر لا يستطيع أن يوفي بما وعد به.
الشيخ: تمام.
قال الله تعالى: فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي لَا أُضِيعُاستجاب بمعنى: (أجاب) كقوله تعالى: وَالَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِرَبِّهِمْ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَأي: أجابوا له. وقوله: رَبُّهُمْولم يقل: الله؛ لأن الموقع هنا يقتضي الربوبية، وهي هنا ربوبية خاصة؛ لأن ربوبية الله تنقسم إلى قسمين: عامة وخاصة، وقد اجتمع القسمان في قوله تعالى: قَالُوا آمَنَّا بِرَبِّ الْعَالَمِينَ (١٢١) رَبِّ مُوسَى وَهَارُونَ (١٢٢) [الأعراف: ١٢١، ١٢٢]. ومقتضى الربوبية العامة مطلق التصرف، ومقتضى الربوبية الخاصة النصر والتأييد واللطف وغير ذلك مما يقتضي عناية خاصة، الربوبية هنا من أي القسمين؟
طلبة: الخاصة.
الشيخ: من الخاصة.
اسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي لَا أُضِيعُهذا بيان المستجاب، ما الذي استجاب؟ قال: أَنِّي لَا أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِنْكُمْ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍلَا أُضِيعُيعني لا أهدره بل أحتسب.
وقوله: عَمَلَ عَامِلٍعَمَلَهنا مضاف فيقتضي العموم؛ يعني أي عمل قلّ أو كثر فإن الله تعالى لا يضيعه، وهذا كقوله تعالى: فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ [الزلزلة: ٧] وكقوله: وَإِنْ كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ [الأنبياء: ٤٧].
وقوله: مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَىهذه بيان لعامل، فـ(مِن) هنا بيانية بيان للعامل؛ يعني سواء كان العامل ذكرًا أم أنثى.
ثم قال: بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍيعني في الدعاء واستجابته، أما في المناصرة فقد قال الله تعالى: وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍلكن في باب العمل والاستجابة لهم والثواب بعضهم من بعض لا فرق بين الذكر والأنثى.
ثم قال: فَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَأُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأُوذُوا فِي سَبِيلِي وَقَاتَلُوا وَقُتِلُواهذه خمسة أوصاف. هَاجَرُوايعني هجروا بلادهم وخرجوا منها إلى بلاد الإسلام.
وَأُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْأخرجوا من ديارهم إما مباشرة بأن طُردوا من البلاد أو بالتضييق عليهم حتى يخرجوا؛ لأن الإخراج من البلاد قد يكون مباشرة يطرد، وقد يكون بالتضييق عليه حتى يخرج، وأيهما أشد؟
طلبة: الثاني.
الشيخ: لا، الأول، الأول أشد؛ لأن الثاني يمكنه أن يصبر ويتحمل ولا يخرج، يختفي أحيانًا، ويهرب أحيانًا، ويبقى في بلده، لكن الطرد يُمسك ويُطرد هذا أشد؛ ولهذا قال أهل العلم -خصوصًا الحنابلة- فيمن فعل ما يوجب الحد من زنا أو غيره، ثم لجأ إلى مكة إلى الحرم، فإنه لا يُخرج من الحرم ولا يُقام عليه الحد في الحرم؛ لأنه لجأ إليه وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا [آل عمران: ٩٧] ولكنه يُضيّق عليه فلا يؤاكل، ولا يُشارب، ولا يُبايع، ولا يُكلّم حتى تضيق عليه الأرض ويخرج، أما أن يُخرج بالقوة ويقال: اخرج لنقيم عليك الحد، فلا، إذن هناك فرق بين من أُخرجوا بالفعل يعني بالقوة المباشرة أو من أُخرجوا بواسطة التضييق عليهم.
وقوله: أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْدِيَارِهِمْيعني التي يسكنونها سواء بأجرة أو بغير أجرة، فإن الدار المستأجَرة مثلًا تسمى دارًا للإنسان.
وَأُوذُوا فِي سَبِيلِييعني مع أنهم أُخرجوا حصل لهم أذية في سبيل الله؛ أي في دين الله، كما حصل للنبي صلى الله عليه وسلم حين كان ساجدًا تحت الكعبة فذهب قوم من قريش وأتوا بسلى الجزور ووضعوه على ظهره، هذا إيذاء، هو لم يضره، لكنه أذية له، وفُعل أيضًا في كثير من الصحابة من الأذى ما هو معروف بالسيرة.
وَقَاتَلُوا وَقُتِلُوافيه عندي: {قَاتَلُوا وَقُتِّلُوا} قراءة، القراءة الثانية: {وَقُتِلُوا وَقَاتَلُوا} فالقراءات الآن ثلاث: قَاتَلُوا وَقُتِلُوا، الثانية: {قَاتَلُوا وَقُتِّلُوا}، والثالثة: {قُتِلُوا وَقَاتَلُوا} والمعنى لا يختلف اختلافًا كبيرًا، أما قوله: قَاتَلُوافهذا يعني الجهاد، هم قاتلوا الكفار، وأما قوله: قُتِلُوافهذا يعني الاستشهاد، قتلهم الكفار في سبيل الله، وأما قوله: {قُتِلُوا وَقَاتَلُوا} فهي هي، لكنها تقديم وتأخير، وأما قوله: {قَاتَلُوا وَقُتِّلُوا} فهي أشد كما قال تعالى: قُتِّلُوا تَقْتِيلًا [الأحزاب: ٦١] فالتقتيل أشد من مجرد القتل.
لَأُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْإلى آخره. الجملة في قوله: لَأُكَفِّرَنَّخبر المبتدأ في قوله: فَالَّذِينَ هَاجَرُواولكنها جملة مؤكدة بثلاثة مؤكدات؟
طالب: اللام، والقسم، ونون التوكيد.
الشيخ: ونون التوكيد. لَأُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْأي: بما حصل لهم من هذه الأشياء بالهجرة والإخراج من الديار والإيذاء في سبيل الله والمقاتلة في سبيل الله والقتل، يُكفِّر عنهم السيئات.
وقد مر علينا أن الفرق بين مغفرة الذنوب وتكفير السيئات عند الجمع بينهما أن المغفرة في الكبائر، والتكفير في الصغائر، تُكفّرها الأعمال الصالحة ويكفرها المصائب. لَأُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْيعني أيش؟
صغائر ذنوبهم، ويجوز أن يراد بالسيئات هنا ما هو أعم؛ لأنها لم تُقرن بالذنوب حتى نقول: كل واحدة لها معنى، وهذا له نظائر كثيرة، تجد بعض الكلمات يكون لها معنى وحدها ولها معنى إذا اقترنت بغيرها.
وقوله: وَلَأُدْخِلَنَّهُمْالجملة أيضًا فيها تأكيد باللام والقسم والنون، وهي معطوفة على قوله: لَأُكَفِّرَنَّفمحلها الرفع على أنها خبر المبتدأ كالأولى.
وَلَأُدْخِلَنَّهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُجَنَّاتٍبالجمع وأحيانًا يقال بالإفراد، فإذا كانت بالإفراد، فالمراد بها مطلق الجنس، وإذا قيلت بالجمع، فالمراد بها أنواع الجنات، وفي القرآن في سورة (الرحمن) أن أنواع الجنات كم؟ أربعة، وربما يكون هناك أنواع أخرى لا نعلم بها، المهم أن الجمع باعتبار الأنواع، والإفراد باعتبار الجنس، فما هذه الجنات؟
أصل الجنة البستان الكثير الأشجار، وسُمّي بذلك؛ لأنه يجنّ من فيه؛ أي: يستره، والمادة هذه (الجيم والنون) كلها دالة على الستر والخفاء، ومنه (الْجُنَّة) للمقاتل يأخذها يستتر بها عن السهام، ومنها (الْجَنان) يعني القلب لاختفائه، ومنه (الْجِنَّة)؛ الجِنّ لاستتارهم.
يقول عز وجل: تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُالجريان معروف، والْأَنْهَارُجمع (نَهْر)، وجُمعت لأنها أربعة أنواع مذكورة في سورة القتال: فِيهَا أَنْهَارٌ مِنْ مَاءٍ غَيْرِ آسِنٍ وَأَنْهَارٌ مِنْ لَبَنٍ لَمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ وَأَنْهَارٌ مِنْ خَمْرٍ لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ وَأَنْهَارٌ مِنْ عَسَلٍ مُصَفًّى [محمد: ١٥] وهذه الأنهار لا تنضب ولا تنقص ولا تحتاج إلى حفر ولا إلى إقامة جُدر، قال ابن القيم في النونية:
| أَنْهَارُهَا فِي غَيْرِ أُخْدُودٍ جَرَتْ | سُبْحَانَ مُمْسِكِهَا عَنِ الْفَيَضَانِ |
وقوله: تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَاهل المراد من تحت الأرض ولَّا من تحت الأشجار الساترة؟ الثاني هو المراد، من تحت الأشجار والقصور أنهار مُطّردة، لكنها لا تؤذي؛ لأنها تنقاد لأمر مالكها، تنقاد له، إذا أمر هذا النهر أن ينصرف يمينًا أو شمالًا فعل بأمر الله عز وجل، إذا أمره أن يقف وقف.
وقوله: ثَوَابًا مِنْ عِنْدِ اللَّهِأحب أن أعرف ما الذي نصب ثوابًا؟
طالب: حال.
الشيخ: حال؟ حال منين؟
الطالب: مصدر.
الشيخ: مصدر، طيب ما الذي نصبه؟ المصدر لا بد له من عامل. التقدير؟
الطالب: ليثيبكم ثوابًا.
طالب آخر: نائب عن المصدر.
الشيخ: نائب عن المصدر، كيف يعني؟
الطالب: لأن المفعول المطلق نائب عن المصدر.
الشيخ: المفعول المطلق، لكن ما العامل؟ ما الذي عمل فيه؟
طالب: (أدخلن).
الشيخ: لا.
طالب: حال.
الشيخ: حال منين؟
الطالب: جنات.
الشيخ: جنات ثوابًا؟
طالب: مفعول لأجله.
الشيخ: لا، ولا حال.
طالب: مصدر لفعل محذوف.
الشيخ: والتقدير؟
الطالب: أثيب ثوابًا.
الشيخ: أثيبهم ثوابًا، هذا هو أقرب شيء. عندك فيها إعراب؟
***
طالب: قوله: وَلَأُدْخِلَنَّهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُثَوَابًامصدر من معنى لَأُكَفِّرَنَّمؤكد له. قوله: مصدر من معنى لَأُكَفِّرَنَّأي: ولأرسلنهم. فمعنى المجموع لأثيبنهم فيكون ثَوَابًامصدرًا موافقًا في المعنى، فكأنه قيل: لأثيبنّهم ثوابًا، والثواب هنا بمعنى الإثابة التي هي المصدر، وإن كان في الأصل هو المقدار من الجزاء. انتهى.قوله: ثَوَابًافي نصبه ثلاثة أوجه:
أحدها: أنه نُصب على المصدر المؤكّد، ولأن معنى الجملة قبله يقتضيه، والتقدير: لأثيبنّهم إثابة أو تثويبًا، فوضع ثَوَابًاموضع أحد هذين المصدرين؛ لأن الثواب في الأصل اسم لما يُثاب به كالعطاء اسم لما يُعطى، ثم قد يقعان في موقع المصدر، وهو نظير قوله: صُنْعَ اللَّهِ [النمل: ٨٨]، ووَعْدَ اللَّهِ [النساء: ١٢٢] في كونهما مؤكِّدين.
الثاني: أن يكون منصوبًا على الحال من جَنَّاتٍأي: مُثابًا بها، وجاز ذلك، وإن كانت نكرة لتخصصها بالصفة.
الثالث: أنه حال من الضمير المفعول به؛ أي: حال كونهم مثابين.
الشيخ: يعني إما على حال أو على المصدر، لكن المصدر غريب يقول: إن العامل فيه: (لأكفرن)، (ولأدخلن) على اعتبار أن التكفير والإدخال ثواب، في النفس من هذا شيء، فالظاهر أنه مصدر لعامل محذوف، هذا هو الأقرب.
طالب: إذن ما هو ثواب.
الشيخ: نعم.
طالب: (...) يكون المعنى.
الشيخ: وقوله: ثَوَابًا مِنْ عِنْدِ اللَّهِالثواب يُطلق على العطاء الذي يُعطاه الإنسان، كما في قوله تعالى: هَلْ ثُوِّبَ الْكُفَّارُ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ [المطففين: ٣٦] أي: هل أعطي؟ ويطلق على الإثابة التي هي فعل المثيب، والأصل الأول أو الثاني؟ الأصل الأول؛ أن الثواب اسم لما يُثاب به كالعطاء اسم لما يعطى، وقد يراد به الإثابة.
وقوله: مِنْ عِنْدِ اللَّهِالعنديّة هنا تقتضي تعظيم هذا الثواب؛ لأن الثواب من العظيم يكون عظيمًا، كقول النبي عليه الصلاة والسلام في الدعاء الذي علّمه أبا بكر قال: «اغْفِرْ لِي مَغْفِرَةً مِنْ عِنْدِكَ وَارْحَمْنِي» .
وقوله: وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الثَّوَابِالجملة هذه مؤكِّدة لما سبق، أي: أن الله سبحانه تعالى يُثيبهم الثواب الحسن؛ لأن هذا هو الذي عند الله، ولهذا يجازي المحسن بحسنته عشر أمثالها إلى سبع مئة ضعف إلى أضعاف كثيرة.
نأخذ من فوائد هذه الآية: بيان فضل الله عز وجل بإجابة هؤلاء الذين دعوا بما سبق؛ لقوله: فَاسْتَجَابَ لَهُمْ.
ونأخذ منها: ثبوت سمع الله؛ لأنه لم يثبهم إلا حين سمع دعاءهم.
ونأخذ منها أيضًا: أن تكرار الدعاء من أسباب الإجابة.
ونأخذ منها بناءً على ما سبق: أن الدعاء باسم الربوبية أقرب إلى الإجابة من الدعاء باسم آخر؛ لأن أكثر الأدعية الواردة في القرآن جاءت باسم الربوبية.
ومن فوائد هذه الآية: عناية الله عز وجل بهؤلاء الأبرار، لقوله أيش؟ فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْلأن هذه الربوبية قلنا: إنها ربوبية خاصة.
ومن فوائدها: أن الله يكمّل الأجر كاملًا، أو يعطي الأجر كاملًا؛ لقوله: أَنِّي لَا أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍوهذا النفي يتضمن إثباتًا، فإذا كان لا يضيع عمل عامل فمقتضاه أنه يُعطي العامل كل ما عمل، أي: أجر كل ما عمل.
ومن فوائد الآية أيضًا: استواء الذكر والأنثى في الجزاء على الحسنات؛ لقوله: مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ.
فإن قال قائل: أليس النبي صلى الله عليه وسلم قد قال: «مَا رَأَيْتُ مِنْ نَاقِصَاتِ عَقْلٍ وَدِينٍ أَذْهَبَ لِلُبِّ الرَّجُلِ الْحَازِمِ مِنْ إِحْدَاكُنَّ» وذكر من نقصان دينها أنها «إِذَا حَاضَتْ لَمْ تُصَلِّ وَلَمْ تَصُمْ»؟
قلنا: بلى، لكنها إذا صلّت في الوقت الذي تُطالب بالصلاة فيه فإن أجرها وأجر الرجل سواء، فإذا صلت امرأة صلاة الظهر وصلى الرجل صلاة الظهر فهما في الأجر سواء.
ومن فوائد هذه الآية الكريمة: فضيلة الهجرة؛ لقوله: فَالَّذِينَ هَاجَرُواوقد قال العلماء: إن الهجرة تنقسم إلى أقسام:
القسم الأول: هجر ما حرم الله، فإن المهاجر من هجر ما نهى الله عنه، وهذا يعني أن المهاجر هو الذي قام بفعل الواجبات وترك المحرمات.
الثاني: الهجرة من بلد الكفر إلى بلد الإسلام، كما فعل المهاجرون من مكة إلى المدينة، وهذه هي التي يكون فيها المدح الذي جاء في القرآن.
والثالث: الهجرة من بلد الفسق إلى بلد الاستقامة، فإن بعض البلاد تكون بلادًا إسلامية، تقام فيها الشعائر الإسلامية، يُنادى فيها بالأذان وتُقام الجماعات وتقام الْجُمُعات فهي بلاد إسلام، ولكنها بلاد فسق من جهة أخرى لكثرة المعاصي والفواحش وغيرها في هذا البلد، فيهاجر الإنسان منها إلى بلد أيش؟ الاستقامة.
فلننظر ما هو الواجب من هذه الأنواع الثلاثة، نقول: أما الأول وهو هجر ما حرم الله فهو واجب على كل إنسان، حتى في بلاد الإسلام المستقيمة يجب عليه أن يهجر ما حرم الله، وأما الثاني وهو المهاجرة من بلد الكفر إلى بلد الإسلام، فإن العلماء رحمهم الله يقولون: إن كان قادرًا على إظهار دينه لم تجب الهجرة، وإن كان عاجزًا وجبت عليه الهجرة، فإذا كان في بلاد يحبسون الحريات، ويمنعون المسلمين من إقامة شعائر دينهم كالصلوات في الجماعة مثلًا؛ فالهجرة هنا واجبة، واجبة؛ لأن المسلم لا يقدر على إظهار دينه، وإن كان في بلد تعتبر نفسها بلد حرية فإن الهجرة ليست بواجبة، لكن مع هذا نقول: هي أكمل وأحسن مما لو بقي، كذا؟ ما الذي قلت؟
طالب: إذا كانت البلاد.. إذا كانت بعض البلاد تمنع الحريات يجب على الإنسان يهاجر؟
الشيخ: إذا كانت تمنع من إظهار الدين وجب عليه الهجرة حتى لو كان من أهلها، لو كان من أهل البلد أصلًا يجب عليه الهجرة.
الطالب: وإذا كانت لا تمنع ذلك ويستطيع أن (...) فلا يجب عليه.
الشيخ: فلا تجب الهجرة، لكن الهجرة أكمل خوفًا من الفتنة.
الثالث: الهجرة من بلد الفسق إلى بلد الاستقامة، هذه فيها تفصيل أيضًا إن كان يخشى على نفسه من الفتنة وجبت عليه الهجرة، وإن كان لا يخشى لم تجب عليه الهجرة، وربما يكون بقاؤه أحسن، إذا كان يدعو إلى الله قد يكون في هذه البلاد في بلاد الفسق بقاؤه أحسن وأنفع إذا كان يدعو إلى دين الله عز وجل.
ومن فوائد هذه الآية: أن الإخراج من الديار سبب لتكفير السيئات؛ لقوله: وَأُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْوكذلك أيضًا قوله: أُوذُوا فِي سَبِيلِي وَقَاتَلُوا وَقُتِلُوا.
لكن لو قال قائل: إن التكفير مُرتّب على كل الأوصاف الخمسة؟
فالجواب عن ذلك أن نقول: إن تعليق التكفير بهذه الأوصاف الخمسة دليل على أن لكل وصف منها تأثيرًا في الحكم، ولولا التأثير لكل واحد منها ما صح أن تكون تكفيرًا للسيئات، وهذه فائدة مهمة؛ لأن بعض المجادلين قد يقولون: إن الحكم مرتّب على أسباب خمسة أو أكثر، فنقول: نعم، إذا رُتّب على أسباب أكثر من واحد فإن هذه الأسباب يدل على أن لكل واحد منها تأثيرًا، ولولا أن له تأثيرًا ما ترتب الحكم أصلًا؛ لأننا إذا قلنا: رقم واحد ما فيه تأثير، ورقم اثنين ما فيه تأثير، رقم ثلاثة ما فيه تأثير، رقم أربعة ما فيه تأثير، لم يثبت الحكم، فإذا قلنا: كل واحد له تأثير، لكن قد يقوى على حصول الحكم، وقد لا يقوى إلا على حصول بعضه.
طالب: شيخ، أحسن الله إليك، قلنا في: تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُتجري من تحت أشجارها.. من تحت الأشجار ولم نقل: إنها من تحتها من تحتها حقيقة، لماذا يا شيخ؟
الشيخ: لأنها لو كانت تحت الأرض ما انتفعوا بها.
الطالب: (...) وهي تحت الأرض، فهي تحت الأرض في أماكن، ثم تظهر فوق الأرض في أماكن.
الشيخ: يعني يحفرون بئرًا يعني؟
الطالب: لا، ما يحفرون بئرًا يجري الله عز وجل هكذا النهر في مناطق يمر فيها يكون تحت الأرض وفي أماكن تكون مكشوفة، وهذا واقع موجود.
الشيخ: إي، واقع في الدنيا، لكن في الجنة أنهارها على سطح الأرض، وهذا مثل قوله أحيانًا يقول: من تحتهم الأنهار: تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ الْأَنْهَارُ [الأعراف: ٤٣] أي: من تحت أقدامهم، لكنها على سطح الجنة.
طالب: المهاجرة اسم مفاعلة (...) مشتركان؟
الشيخ: نعم، كلمة فاعل لا تكون دائمًا من باب الاشتراك، أرأيت سافر؟ ما فيه اشتراك؛ يعني كلمة (فاعل) لا تدل على أنه لا بد من اشتراك شيئين فصاعدًا، صحيح أن الأصل في المفاعلة أن تكون من شيئين، من فاعلين فأكثر، لكن ما هو لازم.
طالب: يجوز للإنسان أن يدعو بالعمل الصالح، أن يدعو الله به..
الشيخ: يتوسل به.
الطالب: يتوسل به، شيخ، قول الله عز وجل بعد الأعمال هذه أنهم أوذوا في سبيل الله وهاجروا وقُتلوا قال: لَأُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْقلنا: السيئات المقصود بها الصغائر، فيعني هذه الأعمال ما تؤثر في أن الله عز وجل (...)؟
الشيخ: لا ربما، إحنا قلنا: في نفس الشرح توًّا، قلنا: إن هذه لا نجزم بها أنها صغائر؛ لأنها لم تُقرن بالذنوب، الآيات السابقة: فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَكَفِّرْ عَنَّا سَيِّئَاتِنَاهنا يتعين أن تكون السيئات هنا الصغائر، لكن في الآية هذه ما ذكر الذنوب فيحتمل أن تكون عامة.
طالب: شيخ، أحسن الله إليك، بالنسبة (...) قاتلوكم، قُتِلُوا وَقَاتَلُوا، يعني معناها أنهم إذا قاتلوكم يقاتلون، ما يتضح معناها؟
الشيخ: إي نعم، أفهمتم؟
الطلبة: لا.
الشيخ: يقول: أما قَاتَلُوا وَقُتِلُوافلا إشكال فيها، قاتلوا هم، ثم قتلوا، لكن: قُتِلُوا وَقَاتَلُواهل إذا قُتلوا يقاتلون بعد أن قُتلوا؟
طالب: يا شيخ، قلنا: إن الواو لا تقتضي..
الشيخ: لا تستلزم الترتيب، هذه من جهة، من جهة أخرى أن توزع؛ يعني بعضهم قتل وبعضهم قاتل ولم يقتل.
طالب: يا شيخ، بالنسبة الآن الذين هاجروا من ديارهم العبرة بالديار اللي يسكنها أو اللي (...)؟
الشيخ: الأصل أن العبرة بالبلد الذي يسكنه فقط، هذا الأصل، لكن لو فرضنا أن البلد الذي يسكنه مساوٍ له ما قاربه من البلاد فلا بد أن يخرج عن المنطقة.
طالب: شيخ، بعض العلماء يقولون: البلد الذي لا يوجد فيه ولو عالم واحد وبلد إسلامي يُهجر، ما صحة هذا القول يا شيخ؟
الشيخ: يعني تجب الهجرة من بلد ليس فيه عالم إسلامي؟
الطالب: عالم يا شيخ، عالم.
الشيخ: ويش تقولون؟
طالب: ما فهمنا.
الشيخ: يقول: بعض العلماء يرى وجوب الهجرة من بلد ليس فيه عالم إسلامي؟
طالب: ليس بصحيح.
الشيخ: ما هو لازم، هذا ما هو بصحيح؛ قد لا يكون فيها عالم لكن يعرفون الأحكام التي تلزمهم.
طالب: هل يتعين من قوله: هَاجَرُوامهاجرة الذنوب والمعاصي؛ لأنه خص بعد ذلك يقول: وَأُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْأخرج الهجرة من الديار؟
الشيخ: الفرق بينهما أن المهاجر خرج باختياره، والذي أُخرج خرج بغير اختياره.
الطالب: هل الفرق في هذه الأعمال.. هل لو فعل يعني عملًا واحدًا نقول: يترتب عليه الجزاء، يُكفّر عنه سيئاته ويدخل جنات؟
الشيخ: لا، يُكفّر عنه بقدر ما عمل.
الطالب: نفس قوله عز وجل: فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ (٤) الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ (٥) الَّذِينَ هُمْ يُرَاءُونَ (٦) وَيَمْنَعُونَ الْمَاعُونَ (٧) [الماعون: ٤ - ٧] يعني لو عمل عملًا واحدًا له ويل؟
الشيخ: بقدره، له ويل بقدره.
الطالب: (...).
الشيخ: نعم، يعني إذا رُتّب الحكم على أوصاف، فهذه أوصاف لها تأثير فيه مجتمِعة، إذا كانت مجتمعة ثبت الحكم كله، وإن كانت غير مجتمعة ثبت من الحكم بقدر ما حصل.
طالب: شيخ، قوله: بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍفي العمل والاستجابة؟
الشيخ: يعني معناه أنهم إذا دعوا الله عز وجل استجاب للذكر وللأنثى؛ يعني لا يستجيب للذكر فقط، بل للذكر والأنثى، وأيضًا قلنا: إنه حتى العمل، الأعمال الصالحة المطلوبة من كل منهما يشتركان فيها في الثواب، ما يُفضّل الذكر على الأنثى في الثواب في عمل عملاه.
طالب: (...).
الشيخ: ما هو لازم نقول مثله، بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍيعني أنكم شيء واحد.
طالب: شيخ، أحسن الله إليك يا شيخ، من قام به مانع من موانع استجابة الدعاء، هل يدعو ولَّا يترك الدعاء؟
الشيخ: إذا كان به مانع من موانع إجابة الدعاء فالواجب أن يُزيل هذا المانع.
الطالب: أحيانًا يصرّ عليه؟
الشيخ: يخشى، أقول: يخشى أن لا يستجاب له.
الطالب: يقول: أنا أعلم.
الشيخ: أيش أعلم؟
الطالب: يقول: أنا أعلم أني واقع في هذا المحرم كأكل الربا؟
الشيخ: طيب، إذا كان تعلم امتنع عنه، إذا كنت تريد أن تكون مجاب الدعوة فامتنع عنه.
الطالب: ما نقول له: اترك الدعاء؛ لأن فيه استهزاء بالله؟
الشيخ: لا لا، فيه رجاء، نقول: امتنع أنت عن هذا المحرّم ليستجاب لك.
طالب: شيخ، (...) في هذا إخبار منهم بمنّة الله عليهم وتبجّح بنعمته، يعني كلمة تبجّح؟
الشيخ: لا، ما ينبغي التعبير هذا فيه نظر.
الطالب: بس يعني هذا، يعني الله سبحانه وتعالى يقصد التبجّح ولَّا الناس المؤمنون يتبجحون بنعمة الله سبحانه وتعالى عليهم؟
الشيخ: لا هذه، ولا هذه، حتى ما تصلح سواء كان التبجح من الله بما أعطاهم أو منهم بما أعطاهم.
كلها سبب لتكفير السيئات وإدخال الجنات؛ لقوله تعالى: فَالَّذِينَ هَاجَرُواإلى آخره، وقد بسطنا القول في الفرق بين هذه الأوصاف، وأن بعضها يختلف عن بعض، وإن كان بعضها يلزم من بعض.
من فوائد هذه الآية الكريمة: أن الإيذاء في سبيل الله يزداد الإنسان به أجرًا.
ويتفرع على هذه القاعدة: أنه ينبغي للإنسان أن يصبر على الإيذاء في سبيل الله ما دام ينتظر الأجر به؛ لأن الإنسان كلما علم أنه ينال أجرًا وثوابًا بإيذائه فإنه لا بد أن يصبر عليه.
من فوائد الآية الكريمة: فضيلة القتال في سبيل الله؛ لقوله: وَقَاتَلُوا.
ومن فوائدها أيضًا: فضيلة القتل في سبيل الله إذا قُتل إنسان، ومعلوم أن القتل في سبيل الله من الشهادة في سبيل الله.
من فوائد الآية الكريمة: أن الأعمال الصالحة تُكفّر بها السيئات؛ أي: تُستر؛ لأن الكَفر مأخوذ من (السَّتْر)، ومنه (الكُفُرَّى) لوعاء طلع النخل، ويسمى باللغة العامية (الكافور) الغلاف الذي يكون على طلع النخل؛ لأنه يستره، فلهذا سمي ستر السيئات بالحسنات سمي تكفيرًا.
ومن فوائد الآية الكريمة: أن الله سبحانه وتعالى ضمن ضمانًا مؤكدًا لهؤلاء الذين اتصفوا بهذه الصفات الخمس ضمن لهم ضمانين؛ الضمان الأول: تكفير السيئات، والضمان الثاني: إدخال الجنات، وهذا الضمان مؤكّد بثلاثة مؤكدات، الأول؟ لَأُكَفِّرَنَّو(لأدخلن).
طالب: اللام والقسم.
الشيخ: نعم، والثالث: نون التوكيد.
ومن فوائد الآية الكريمة: التشويق إلى الجنة ليزداد الإنسان قوة في العمل لها؛ لقوله: وَلَأُدْخِلَنَّهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ. والجنات في الأصل في اللغة العربية هي البساتين الكثيرة الأشجار؛ لأنها -أي البساتين الكثيرة الأشجار- تُجِنّ من فيها، أي: تستره وتغطيه.
فيستفاد منها: التشويق إلى هذا الثواب العظيم.
ومن فوائد الآية الكريمة: أن في الجنة قصورًا؛ لقوله: مِنْ تَحْتِهَاوالتحت لا يكون إلا في مقابل أيش؟ الفوق العالي، وهو كذلك.
ومن فوائد الآية الكريمة: أن الجنة فيها عدة أنهار، وهي مجملة هنا مفصّلة في سورة القتال، فهي في سورة القتال مفصّلة على أنها أربعة: أَنْهَارٌ مِنْ مَاءٍ غَيْرِ آسِنٍ وَأَنْهَارٌ مِنْ لَبَنٍ لَمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ وَأَنْهَارٌ مِنْ خَمْرٍ لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ وَأَنْهَارٌ مِنْ عَسَلٍ مُصَفًّى.
ومن فوائد الآية الكريمة: أن هذا الجزاء مثوبة لهم من الله، فلله فيه المنة عليهم، وليس لهم المنة على الله بعملهم؛ لقوله تعالى: ثَوَابًا مِنْ عِنْدِ اللَّهِولو شاء الله لم يثبهم، ولو شاء الله لأثابهم دون ذلك، ولكنه بفضله جعل الثواب لهم هذا الثواب العظيم: ثَوَابًا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ.
ومن فوائد الآية الكريمة: الإشارة إلى عِظم هذا الثواب، من أين تؤخذ؟ الإشارة إلى عظم هذا الثواب؟ من قوله: مِنْ عِنْدِ اللَّهِوذلك لأن العطية تعظم بحسب معطيها، والهبة تعظم بحسب واهبها، فإذا كان ذلك من عند الله كان هذا دليلًا على أنه ثواب عظيم؛ لأن الثواب من العظيم عظيم.
ومن فوائد الآية الكريمة: أنه لا يُتلقّى حسن الثواب إلا من الله؛ لقوله: وَاللَّهُ عِنْدَهُوحده حُسْنُ الثَّوَابِفلا تذهب تتلقّى الثواب من عنده؛ لأنه مهما أتاك من ثواب الخلق فإنه لن يكون مثل ثواب الله، فحُسن الثواب إنما هو عند الله وحده.
وفي هذه الجملة تأكيد لعِظم هذا الثواب؛ لأنه لما قال: مِنْ عِنْدِ اللَّهِاستفدنا منه عِظم الثواب، فإذا قال: وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الثَّوَابِاستفدنا أيضًا فائدة تأكيد ما سبق، أن هذا الثواب ثواب عظيم، وأنه أحسن مثوبة يُثاب بها الإنسان: وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الثَّوَابِ.
هل يستفاد من هذه الآية الكريمة عُلوّ الله؟ نعم، ذهب بعض العلماء أنه كلما جاءت العندية فهي دليل على العلوّ، ولكنها في بعض المواضع ليست واضحة، في بعض المواضع واضحة، مثل قوله: إِنَّ الَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ [الأعراف: ٢٠٦] ومثل قوله: وَمَنْ عِنْدَهُ لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ [الأنبياء: ١٩] فهنا الفوقية واضحة، لكن في مثل هذه الآية ليست ظاهرة جدًّا.
ثم قال: لَا يَغُرَّنَّكَهذه شرحناها ولَّا لا؟ قال الله تعالى: لَا يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي الْبِلَادِ.
لَا يَغُرَّنَّكَلا يخفى أن لَافي قوله: لَا يَغُرَّنَّكَناهية، ولكن سيقول قائل: كيف تكون ناهية والفعل مفتوح لَا يَغُرَّنَّكَ؛ لأن النون هي آخر الفعل؟
والجواب على هذا: أنه إذا اتصلت نون التوكيد بالفعل المضارع صار مبنيًّا على الفتح، إذا اتصلت به لفظًا وتقديرًا صار مبنيًّا على الفتح، فإن اتصلت به لفظًا لا تقديرًا لم يكن مبنيًّا مثل: ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ [التكاثر: ٨] فهنا نون التوكيد متصلة بالمضارع، لكن لفظًا لا تقديرًا، وإذا لم تتصل به لم يُبنَ إلا إذا اتصلت به نون النسوة، فالمضارع يُبنى في حالين: إذا اتصلت به نون النسوة أو نون التوكيد لفظًا وتقديرًا.
وقوله: لَا يَغُرَّنَّكَالخطاب هنا يحتمل أن يكون للرسول صلى الله عليه وسلم، ويحتمل أن يكون لكل من يتأتى خطابه، والقاعدة عندنا في التفسير أنه إذا كانت الآية تحتمل معنيين متباينين، لكن لا يتناقضان حملت عليهما جميعًا، وإذا احتملت معنيين أحدهما أعم حملت على الأعم؛ لأن الأخص يدخل في الأعم ولا عكس، فهنا إذا قلنا: إن الخطاب خاص بالنبي صلى الله عليه وسلم أخرجنا عنه بقية الأمة، وإذا قلنا: إن الخطاب عام لكل من يتأتى خطابه صار شاملًا للرسول صلى الله عليه وسلم ولغيره، وعلى هذا فيكون الخطاب هنا عامًّا؛ يعني لا يغرنك أيها الرائي الذي ترى تقلُّب الكفار في البلاد، لا يغرك هذا.
وقوله: تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُواالتقلّب يعني التردد، أي: ترددهم في البلاد وتقلبهم من بلد إلى آخر، وتقلّبهم في التجارات وفي أنواع الصناعات وفي غيرها مما فتح الله عليهم، فهذا لا يغرّك، ووجه الغرور الذي قد يحصل هو أن الإنسان قد يغتر بهذا الذي أعطاهم الله عز وجل فيصنع مثل صنيعهم، أو يظن أن إعطاء الله إياهم هذا الشيء دالّ على أنه لا يُنكر ما هم عليه، ولو أنكر ما هم عليه لم يمكّنهم من التقلب في البلاد، وعلى هذا فيكون وجه الغرور من وجهين؛ فيكون الغرور من وجهين:
الوجه الأول: ظن أن ما هم عليه حق؛ لأنه يقول: لو كان باطلًا ما مكنهم الله تعالى من هذا التقلب.
الثاني: أن يفعل مثل فعلهم، كما انخدع كثير من الناس اليوم، حيث ظنوا أن الكفار وصلوا إلى ما وصلوا إليه من أجل تحللهم من دينهم والعياذ بالله، فصار يرى أن الالتزام بالدين سبب للتأخر والتقهقر، إذن وجه الغرور يتجه أو له وجهان.
طالب: (...).
الشيخ: نعم، وجهه؟
الطالب: بعض الناس (...).
الشيخ: أن الله مكّنهم من هذا التقلّب، ولو كان ما هم عليه باطلًا لم يمكّنهم، طيب الثاني؟
طالب: الثاني هو (...).
الشيخ: لا، هذا هو الأول.
طالب: أن يفعل مثل فعلهم.
الشيخ: أن يفعل مثل فعلهم ظنًّا منه أن ما فعلوه هو سبب لهذا التقلّب والاتساع في التجارات وغيرها، والحقيقة أن هذا لا يغرّ المؤمن؛ لأن الله قال في كتابه: وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لِأَنْفُسِهِمْ إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُوا إِثْمًا وَلَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ [آل عمران: ١٧٨] ويقول تعالى: وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لَا يَعْلَمُونَ (١٨٢) وَأُمْلِي لَهُمْ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ (١٨٣) [الأعراف: ١٨٢، ١٨٣] فلا تغتر، هذا ليس إلا زيادة حسرة في ما عليهم.
وقوله: تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي الْبِلَادِالبلاد مفرد أو جمع؟
طالب: جمع.
الشيخ: والمفرد؟
طلبة: بلد.
الشيخ: بلد، إذن البلاد جمع، والمفرد بلد، ويُجمع البلد أيضًا على (بلدان). في البلاد، كيف التقلب في البلاد؟ يذهبون من هذا البلد إلى هذا البلد يتنقّلون في أمن وطمأنينة، يتجرون ويربحون كلما حملت التجارة من بلد إلى آخر، فيغترّ الإنسان بذلك.
قال: مَتَاعٌ قَلِيلٌمَتَاعٌخبر المبتدأ المحذوف، والتقدير: هو متاع، هو أي: تقلبهم متاع قليل، والمتاع ما تكون به المتعة، سواء كانت متعة نفسيّة أو متعة جسدية، وكل متعة أُضيفت إلى الدنيا أو إلى الكفار فهي متعة أيش؟ جسدية؛ متعة جسدية كما قال تعالى: وَالَّذِينَ كَفَرُوا يَتَمَتَّعُونَ وَيَأْكُلُونَ كَمَا تَأْكُلُ الْأَنْعَامُ وَالنَّارُ مَثْوًى لَهُمْ [محمد: ١٢]. فقوله: مَتَاعٌ قَلِيلٌخبر المبتدأ المحذوف، والمتاع ما تحصل به المتعة، والمتعة نوعان: متعة قلبية روحية، وهذه لا تكون إلا للمؤمن، يتمتع بذكر الله، وبما أنعم الله عليه من الإيمان، ومتعة جسدية يشترك فيها الإنسان والبهائم وهي ما يحصل للجسد من اللذة والنعيم وغير ذلك، يقول: مَتَاعٌ قَلِيلٌقَلِيلٌقليل في زمنه أو قليل في كميته أو في كيفيته؟ في كل شيء، الزمن قليل محدود، وهو عمر الإنسان، ذلك العمر المجهول الذي لا يدري الإنسان متى ينتهي، قليل أيضًا في الكمية؛ لأن الإنسان لا يملك كل شيء، قليل في الكيفية؛ لأن الإنسان قد يُحرم التمتع في هذه الدنيا بأمراض تعتريه ولا يتمتع بها، قد يُحرم بفقد بعض الأشياء. والله أعلم.
***
طالب: لَكِنِ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا نُزُلًا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَمَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ لِلْأَبْرَارِ (١٩٨) وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَمَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ خَاشِعِينَ لِلَّهِ لَا يَشْتَرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ ثَمَنًا قَلِيلًا أُولَئِكَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ (١٩٩) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٢٠٠) [آل عمران: ١٩٨ - ٢٠٠].الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله تعالى: لَا يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي الْبِلَادِلَاهنا ما أعرابها؟
طالب: ناهية.
الشيخ: نافية؟
الطالب: ناهية.
الشيخ: طيب، كيف نُصب الفعل معها وهي ناهية، والناهية تجزم؟!
الطالب: هذه النون اتصلت بالفعل المضارع نون التوكيد الثقيلة، ونون التوكيد.. فهو مبني على الفتح.
الشيخ: فهو مبني لا مُعرب، ولهذا نقول: (يَغُرَّنّ) فعل مضارع مبني على الفتح في محل جزم. كذا؟ الخطاب في قوله: لَا يَغُرَّنَّكَ؟
طالب: يكون للنبي والناس..
الشيخ: لو قال قائل: الخطاب للنبي صلى الله عليه وسلم؛ لأنه هو الذي نزل عليه القرآن؟
الطالب: ويصح أيضًا أن يكون الخطاب للمؤمنين.
الشيخ: لكن لو قال قائل ثانٍ؟
الطالب: نقول: إن هذا خاص، والعام مُقدّم على الخاص.
الشيخ: نعم، نقول: هذا محتمل، لكن حمله على العموم أولى لدخول الخصوص فيه.
قوله: مَتَاعٌ قَلِيلٌ..





