طالب: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: لَكِنِ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا نُزُلًا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَمَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ لِلْأَبْرَارِ (١٩٨) وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَمَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ خَاشِعِينَ لِلَّهِ لَا يَشْتَرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ ثَمَنًا قَلِيلًا أُولَئِكَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ (١٩٩) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ [آل عمران: ١٩٨ - ٢٠٠].
الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله تعالى:
لَا يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي الْبِلَادِ [آل عمران: ١٩٦] (لا) هنا ما إعرابها؟
طالب: (لا) ناهية.
الشيخ:
نافية؟
الطالب: ناهية.
الشيخ: طيب، كيف نُصِبَ الفعل معها وهي ناهية، والناهية تجزم؟
طالب: اتصلت بالفعل المضارع نون التوكيد الثقيلة فهو
مبني على الفتح.
الشيخ: فهو مبني لا معرب؛ ولهذا نقول:
(يَغُرَّنَّ) فعل مضارع مبني على الفتح في محل جزم. الخطاب في قوله: لَا يَغُرَّنَّكَ؟
طالب: للنبي
والناس أجمعين.
الشيخ: لو قال قائل: الخطاب للنبي صلى
الله عليه وسلم؛ لأنه هو الذي نزل عليه القرآن؟
طالب:
ويصلح أيضًا الخطاب للمؤمنين.
الشيخ: لكن لو قال قائل:
الثاني؟
طالب: نقول: هذا الخاص، والعام مقدم على
الخاص.
الشيخ: نقول: هذا محتمل لكن حمله على العموم
أولى لدخول الخصوص فيه.
قوله: مَتَاعٌ قَلِيلٌما هو
المتاع القليل اللي ذكر؟
طالب: المتاع القليل يشمل
المتاع الجسدي والحسي.
الشيخ: لكن ما هو المتاع؟ ما
أسأل عن معنى المتاع.
طالب: المتاع ما يكون به المتعة.
الشيخ: ما يكون به المتعة، والمراد بالمتاع القليل:
تقلبهم في البلاد، تقلبهم في البلاد متاع قليل. نحن قلنا: إنه قليل في؟
السؤال:
قليل في إيه؟
طالب: قليل في الكمية وفي
الكيفية.
الشيخ: وغير؟ لا، غير فيه، نحن ذكرنا غيرها؟
طالب: في المدة.
الشيخ:
قليل في زمنه، كميته، في كيفيته.
ما معنى قوله: مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ؟
طالب: ما أخدناه.
الشيخ: قال الله سبحانه وتعالى: ثُمَّ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمِهَادُيعني: ثم بعد هذا المتاع القليل
مأواهم جهنم، وأتى بـ(ثم) و(إن) كانت دالة على التراخي للإشارة إلى أنه مهما طالت
بهم المدة في هذه الحياة فإن مآلهم هذا المآل الخبيث، والعياذ بالله.
والمأوى:
بمعنى ما يأوي إليه الإنسان فهو اسم مكان، اسم مكان أي: المصير الذي يصيرون إليه هي
جهنم، وجهنم اسم من أسماء النار -أعاذنا الله وإياكم منها- وسميت بذلك قيل: لأنها
مشتقة من التجهم أو من الجهمة وهي السواد، وقيل: إنه اسم أعجمي وأصله كهنام لكن
عُرِّب إلى جهنم وهو اسم من أسماء النار فهو غير مشتق، وأيًّا كان فهو اسم من أسماء
النار.
وَبِئْسَ الْمِهَادُ(بئس) فعل من أفعال الذم
يرفع الفاعل، وله فاعل وله مخصوص، فالفاعل هو المهاد والمخصوص محذوف، والتقدير:
وبئس المهاد هي، وإنما احتاج النحويون إلى هذا التقدير لأن المهاد غير النار، والذم
لأي شيء؟ للنار، فكان لا بد من ذكر مخصوص بالذم غير فاعل الفعل، والمخصوص بالذم هو
الضمير المحذوف، أي: وبئس المهاد هي، هذا ما قدره الفقهاء. والمهاد: ما يكون مهدًا
للإنسان؛ أي: مقرًّا له، ومنه قوله تعالى: الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ مَهْدًا [طه: ٥٣] مهدًا: أي مقرًّا تستقرون فيه.
في هذه الآية الكريمة من الفوائد:
أولًا: نهي الإنسان أن يغتر بما أوتي الكفار من النعم
والرفاهية؛ لقوله: لَا يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي الْبِلَادِ.
ومن فوائدها
أيضًا: أن ما يعطيه الله العبد من الرخاء وسعة الرزق والانطلاق في الأرض
يمينًا وشمالًا ليس دليلًا على رضاه عن العبد، وإنما المقياس برضا الله عن العبد هو
اتباع العبد لشرع الله.
ومن فوائد الآية الكريمة:
أن الله عز وجل قد يستدرج المرء بإغداق النعم عليه فتنة له؛ كما قال تعالى: وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً [الأنبياء: ٣٥] ووجه ذلك أن الله مكن هؤلاء الكفار من التقلب في البلاد كما يشاؤون فتنة لهم
ليستمروا على ما هم عليه، فيكون ذلك شرًّا -والعياذ بالله- كما قال تعالى: وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لِأَنْفُسِهِمْ إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُوا إِثْمًا.
ومن فوائد الآية الكريمة: أن المؤمن يضيق الله عليه في الرزق
أحيانًا ليرجع إليه بخلاف الكافر، وإنما قلت ذلك لئلا يقول قائل: أفليس قد قال
الله: وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آَمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ وَلَكِنْ كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ [الأعراف: ٩٦]؟
نقول: إن
المؤمنين هم الذين يبتلون بالضراء من أجل أن يرجعوا إلى الله عز وجل؛ ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ [الروم: ٤١]، أما الكفار فقد تُمَهَّد لهم الدنيا ويُعْطَون ما يريدون، وتكون جنتهم
دنياهم بخلاف المؤمنين.
ومن فوائد هذه الآية
الكريمة: أن الدنيا مهما أُعْطِي الإنسان فيها من نعيم فإنها متاع قليل،
قليل في زمنه، في كميته، في كيفيته، لكن الآخرة بالعكس؛ قال النبي صلى الله عليه
وسلم: «لَمَوْضِعُ سَوْطِ أَحَدِكُمْ فِي الْجَنَّةِ خَيْرٌ
مِنَ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا» الله أكبر، موضع السوط،
السوط متر أو متر وقليل خير من الدنيا وما فيها، ليست الدنيا الحاضرة عندك فقط، خير
من كل الدنيا من أولها إلى آخرها وما فيها وهو موضع السوط، وإلى هذا يشير قوله
تعالى: بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا (١٦) وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَى (١٧) إِنَّ هَذَا لَفِي الصُّحُفِ الْأُولَى (١٨) صُحُفِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى [الأعلى: ١٦ - ١٩].
ومن فوائد هذه الآية الكريمة: الحذر من لعب أعداء المسلمين
بالمسلمين، حيث يُغْرُونهم بوسائل الترفيه، ويفتحون لهم وسائل الترفيه ليلهوهم عما
خلقوا له من عبادة الله، وعما ينبغي أن يكونوا عليه من العزة والكرامة، فإن هذه
الوسائل الترفيهية هي في الحقيقة حب مسموم للدجاج، والحب المسموم للدجاج تغتر به،
تجد حبًّا منتفخًا لينًا فتفرح به وتأخذه بطرف زقومها وتبتلعه بسرعة ولكنه يقطع
أمعاءها، فهكذا أعداؤنا فتحوا علينا أبواب الترفيه من كل ناحية من أجل أن ننغمس في
هذه الرفاهية ويكون ليس لنا هم إلا الرفاهية، وننسى ما خلقنا له من عبادة الله،
وننسى ما ينبغي لنا أن نكون عليه من العزة والكرامة والمصالح، تؤخذ من هذه الآية:
لَا يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي الْبِلَادِ (١٩٦) مَتَاعٌ قَلِيلٌ.
ومن فوائد هذه الآية
الكريمة: أنه لا يمكن للكافر أن يدخل الجنة؛ لقوله: ثُمَّ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُلا يمكن أن تكون مأواهم الجنة
أبدًا؛ لأنهم كفار.
ومن فوائد الآية الكريمة:
الإشارة إلى أن هذا النعيم الذي يدركونه في الدنيا سوف يُنْسَى، بماذا ينسى؟
بهذا المأوى السيِّئ، إذا كان المأوى هو النار نسوا كل شيء، كما جاء في الحديث: أنه
«يُؤْتَى بِالرَّجُلِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِأَنْعَمِ أَهْلِ
الدُّنْيَا -يعني أكثرهم نعمة ورفاهية- فَيُغْمَسُ
بِالنَّارِ غَمْسَةً وَاحِدَةً فَيُقَالُ: هَلْ رَأَيْتَ خَيْرًا قَطُّ؟ فَيَقُولُ:
لَا مَا رَأَيْتُ خَيْرًا قَطُّ»، لماذا؟ لأنه نسيه، هذه الغمسة الواحدة
تنسيه كل ما حصل له في الدنيا من نعيم؛ لأنه يؤتى بأنعم أهل الدنيا «وَيُؤْتَى بِأَبْأَسِ أَهْلِ الدُّنْيَا -أي أشدهم بأسًا-
فَيُغْمَسُ فِي الْجَنَّةِ غَمْسَةً فَيُقَالُ: هَلْ رَأَيْتَ
شَرًّا قَطُّ؟ فَيَقُولُ: مَا رَأَيْتُ شَرًّا» ، لأنه نسيه بهذا
النعيم الذي هو لحظة، كل ما حصل له في الدنيا من بئس وفقر وأذى.
وهذه الحقائق
نحن نؤمن بها لكن الغفلة تستولي علينا وكأنها لم تأت، كأنها لم تكن، نكون في سكرة
-نسأل الله العافية وأن يوقظ قلوبنا بذكره- نكون في سكرة وإلا لو رجعنا إلى هذه
الحقائق وتمشينا على مقتضاها لحصل لنا خير كثير، السكرة بمحبة الدنيا وإيثارها على
الآخرة تنسينا هذا.
الصحابة رضي الله عنهم بالصدمة التي حصلت لهم بموت النبي
عليه الصلاة والسلام نسوا آيات من القرآن، نسوا قوله تعالى: وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ [آل عمران: ١٤٤] حتى جاء صديق هذه الأمة وأثبتها جأشًا عند الصدمات أبو بكر وتلاها على المنبر،
وكأنها لم تكن نزلت.
فأقول: إننا في الحقيقة ننسى هذه الحقائق ولا نشعر بها ولكن
سيأتي الوقت الذي يشعر الإنسان بها، إذا حل الأجل تمنى الإنسان أنه استغل وقته
بطاعة الله، ولكن أنى له ذلك لا يمكن أن يؤخر لحظة واحدة عن الوقت المقدر، فنسأل
الله أن يبارك لنا ولكم في أعمارنا.
يقول الله عز وجل: ثُمَّ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمِهَادُ.
من
فوائد الآية الكريمة: قبح أو بيان قبح هذا المأوى؛ لأن الله أثنى عليه بأسوأ
الثناء فقال: وَبِئْسَ الْمِهَادُوهذا يدل على قبح
مأوى أهل النار، نسأل الله لنا ولكم السلامة منها.
ثم قال: لَكِنِ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْإلى آخره، وهنا قد يقول قائل: ما وجه مجيء الاستدراك في هذه الآية: لَكِنِ الَّذِينَ اتَّقَوْا؟ لأن الاستدراك إنما يكون فيما يتوقع دخوله فيما سبق؛ فأنت مثلًا (...) القوم لكن فلان لم يقم، ممن يتوقع أن يكون فيهم قائم، فهنا: لَكِنِ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْما وجه الاستدراك؟
وجه الاستدراك أن الذين اتقوا ربهم لو حصل لهم من الدنيا مثل ما حصل لهؤلاء الكفار لم يكن ذلك حائلًا بينهم وبين ما عند الله؛ يعني: قد يحصل تقلب المؤمنين في البلاد كتقلب الكفار، أليس كذلك؟ فهل يكون مأوى المتقين كمأوى الكافرين؟ لا؛ ولهذا قال: لَكِنِ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْفالاستدراك هنا من ألطف ما يكون؛ لئلا يظن الظان أن الله لو مكن للمؤمنين أن يتقلبوا في البلاد تقلب الكفار لفاتهم ما عند الله، فبين أنه لن يفوتهم، قال: لَكِنِ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ.
الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْوالتقوى تمر بنا كثيرًا وأحسن ما فسرت به أنها: اتخاذ ما يقي من عذاب الله بفعل أوامره واجتناب نواهيه، هذا أجمع ما قيل في التقوى، اتخاذ وقاية من عذاب الله بفعل أوامره واجتناب نواهيه.
وقوله: الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْولم يقل: اتقوا الله، إشارة إلى أن ربوبية الله لهم ربوبية خاصة أعانهم فيها على التقوى ووفقهم لها فكانت ربوبيته لهم ربوبية خاصة بهم، (...) ربوبيته لبعض الأنبياء مثل: رَبِّ مُوسَى وَهَارُونَ [الأعراف: ١٢٢] فهي ربوبية خاصة لا يشركهم فيها أحد.
اتَّقَوْا رَبَّهُمْ لَهُمْ جَنَّاتٌإلى آخره. إذا رجعنا إلى الإعراب بعد معرفة المعنى نقول: (لكن) حرف استدراك، عاملة ولَّا غير عاملة؟ غير عاملة، والَّذِينَمبتدأ ولَهُمْ جَنَّاتٌمبتدأ وخبر، والمبتدأ والخبر خبر المبتدأ الأول.
لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ(جنات) جمع (جنة) وأصلها البستان الكثير الأشجار؛ سمي بذلك؛ لأنه يجن من كان فيه أي يستره، ولكننا لا نفسر (جنات) أو (جنة) التي في القرآن والتي يريد الله بها جنة الخلد لا نفسرها بهذا التفسير عند العامة؛ لأنك لو فسرتها هذا التفسير عند العامة لنزلت رغبتهم في الجنة نزولًا كثيرًا، لقالوا: البستان الفلاني أحسن منها، فيه أشجار وفيه نخيل وفيه كذا وفيه كذا. لكننا نقول عند العامة: الجنة هي الدار التي أعدها الله تعالى للمتقين فيها ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر. وأعتقد أنك لو فسرتها عند عجوز من عجائزنا فقلت: الجنة البستان الكثير الأشجار والنخيل لمالت عليك، هذه؟ ما هي الجنة هكذا؟ لأنها تتصور الجنة فيها ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر، وإذا قلت: هي البستان الكثير الأشجار والنخيل ويش تتصور؟ كل رآها، كل يعرفها، لهذا أنا أقول: ينبغي لطالب العلم أن يفسر القرآن بمعناه، ولكن إذا خاف فتنة فنفسره بما يوافق العقول ولا يخالف النصوص، فإذا قلت عند العامة: الجنة هي الدار التي أعدها الله تعالى للمتقين، وفيها ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر. فالتفسير هذا صحيح.
لكن عندما تتكلم مع طالب علم يقول: ما معنى الجنة، ولماذا سميت بهذا؟ نأتي إلى المادة (الجيم والنون) نجد أنها كلها تدل على الاستتار، فتقول: هي في الأصل البستان الكثير الأشجار. ولنا أن نقول: إن الجنة في الأصل هي هذا المعنى، لكن نُقِلَت شرعًا إلى الدار التي أعدها الله للمتقين، كما نُقِلَتْ الصلاة والزكاة والحج والعمرة إلى معناها الشرعي.
لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَاسبق لنا أن قوله: مِنْ تَحْتِهَايدل على علو قصورها وأشجارها، وأن الأنهار أربعة، وأنها تجري بلا أخدود وبلا شَقٍّ ساقي، تجري حيث شاء صاحبها، خليج منه أو إلى ساق منه يتجه حيث يشاء، وفي ذلك يقول ابن القيم في النونية:
| أَنْهَارُهَا مِنْ غَيْرِ أُخْدُودٍ جَرَتْ | سُبْحَانَ مُمْسِكِهَا عَنِ الْفَيَضَانِ |
أسأل الله أن يجعلني وإياكم من أهلها.
يقول: مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَاالخلود هو البقاء أي: باقون فيها، إلى متى؟ أبدًا، كما قال الله تعالى في آيات أخرى متعددة: خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا [النساء: ٥٧].
نُزُلًا مِنْ عِنْدِ اللَّهِنُزُلًا: هذه منصوبة على الحال، أي: حال كون هذه الجنات نزلًا.
فإذا قال قائل: كيف (...) وصاحبها نكرة، لأن (جنات) نكرة، والحال لا تأتي من النكرة لا بد أن يكون صاحبها معرفة؟
فالجواب على ذلك أن نقول: صاحبها نكرة لكنه خصص بالنعت: تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُوالنكرة المخصصة تأتي من الحال كما تأتي من المعرفة.
الثاني يقول قائل: (...) لا جامد، والنزل وهو اسم لما يقدم للضيف من الطعام جامد وليس بمشتق؟
فالجواب: أنه قد تأتي الحال جامدة لكنها مؤوَّلة بالمشتق، يعني أنهم مكرمون بهذا النزل.
وقوله: مِنْ عِنْدِ اللَّهِأي: أن هذا النزل ليس من فلان أو فلان، من عند أكرم الأكرمين وأجود الأجودين وهو الله، والنزل من الأكرم يكون عظيمًا وكريمًا وكثيرًا.
قال: وَمَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ لِلْأَبْرَارِ(ما) اسم موصول ولا يمكن أن تكون نافية؛ لأن المعنى يفسد كثيرًا، لو قلت: (ما) نافية صار المعنى: ليس عند الله خيرٌ للأبرار. وهذا كذب، فهي (ما) الموصولة؛ يعني: والذي عند الله خير، فتكون مبتدأ و(خير) خبره، يعني: وما عند الله خير مما ذكر من وصف الجنات، وهذا كقوله تعالى: لَهُمْ مَا يَشَاءُونَ فِيهَا وَلَدَيْنَا مَزِيدٌ [ق: ٣٥] ففي الجنة أكثر مما يتمناه الإنسان وأكثر مما يتصوره، وهو النظر إلى وجه الله عز وجل، فإن النظر إلى وجه الله أعظم ما يكون من النعيم؛ ولهذا سماه الله زيادة في قوله تعالى: لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ [يونس: ٢٦] فقد فسر أعلم الخلق بكلام الله وهو النبي صلى الله عليه وسلم الزيادة بأنها النظر إلى وجه الله .
وَمَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ لِلْأَبْرَاروالأبرار جمع بَر، والبر (...) الخير، ومنه قوله تعالى: إِنَّا كُنَّا مِنْ قَبْلُ نَدْعُوهُ إِنَّهُ هُوَ الْبَرُّ الرَّحِيمُ [الطور: ٢٨] أي: كثير الخيرات، فالأبرار جمع بر وهم كثيرو الخيرات؛ وذلك بفعلهم ما أمر الله به وتركهم ما نهى الله عنه، ويأتي -إن شاء الله- ذكر فوائد هذه الآية.
طالب: (...) (نزلًا) مصدرًا لفعل محذوف؛ يعني تنزلهم نزلًا.
الشيخ: لا؛ لأن النزل هذا لما يقدم للضيف، ما هو من الإنزال.
طالب: يعني: هم اشتقوا منه.
الشيخ: لا ما يستقيم.
طالب: (...)
الشيخ: ما تقولون في الجواب على هذا؟ يقول: المعروف أن النزل أول ما يقدم للضيف لا يستمر؟
فالجواب على هذا أن نقول: إن الله جعل الجنة كلها، ومعروف أن النزل الذي يقدم للضيف أول ما يقدم يكون من أطيب شيء وأكرم شيء، فكأن الجنة كلها بمنزلة النزل، يعني لا يختلف آخرها عن أولها، بخلاف نُزُل الضيافة في الدنيا، الضيف أول ما يأتي أول يوم تجعل عنده طعامًا طيبًا، وثاني يوم أقل شوي، هذا الواقع، ثالث يوم أقل، ورابع يوم نقول: في أمان الله. فالنزل معروف أنه أول يوم أحسن شيئًا، فجعل الله هذه الجنة كلها نزلًا فلا يختلف آخرها عن أولها.
طالب: (...)؟
الشيخ: يصح هذا، لكن لما ذكر الجنات ذكر أن ما عند الله خير من ذلك، فإذا كانت الجنات خيرًا من الدنيا وما فيها، فاللي خير من الجنات يكون أشد.
طالب: (...)؟
الشيخ: لا، هذا يؤخذ من آيات أخرى، لكن ما هو الخير اللي هو خير من الجنات؟ قلنا: بَيَّنَها الله في آية أخرى.
طالب: (...).
الشيخ: أيش معناها؟
***
قال الله تعالى: لَكِنِ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا نُزُلًا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَمَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ لِلْأَبْرَارِ [آل عمران: ١٩٨]. ما فائدة هذا الاستدراك؟طالب: لئلا يظن ظان أن من حصل له ما حصل للكفار من التقلب في البلاد، أن يكون مآله مثل مآلهم فاستدرك الله عز وجل حتى..
الشيخ: أن يكون مآل المتقين مثل مآل الكفار.
قوله: وَمَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ لِلْأَبْرَارِ، ماذا تعرب: مَا عِنْدَ اللَّهِ؟
طالب: (...).
الشيخ: اسم موصول، طيب، هي مبتدأ أين خبرها؟
طالب: خَيْرٌ.
الشيخ: خَيْرٌطيب، من الأبرار؟
طالب: (...)
الشيخ: جمع أيش؟
طالب: بَر.
الشيخ: وهو كثير الخير.
هل من أسماء الله البر؟
طالب: (...).
الشيخ: نعم، الدليل؟
طالب: إِنَّا كُنَّا مِنْ قَبْلُ نَدْعُوهُ إِنَّهُ هُوَ الْبَرُّ الرَّحِيمُ [الطور: ٢٨].
الشيخ: قوله تعالى: لَكِنِ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْإلى آخره.
فيها فوائد منها: أن المتقين وإن تقلبوا في البلاد فليس مآلهم كمآل الكافرين؛ لقوله: لَكِنِ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ.
ومنها: فوائد التقوى، وأن من فوائدها ما حصل لهؤلاء المتقين من النزل العظيم عند الله عز وجل؛ وهي هذه الجنات التي تجري من تحتها الأنهار.
ومنها: أن هؤلاء المتقين ثوابهم عند الله عز وجل أكثر بكثير مما يعطى هؤلاء الذين يتقلبون في البلاد؛ لأن الله قال في المتقلبين: مَتَاعٌ قَلِيلٌ، أما هؤلاء فقال: لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَادائمًا وأبدًا.
ومنها: عظم هذا الجزاء والثواب الذي يحصل لهم؛ لأنه نزل من عند أكرم الأكرمين وهو الله عز وجل؛ لقوله تعالى: نُزُلًا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ.
ومنها: ما استنبطه بعض أهل العلم من أن قوله: وَمَا عِنْدَ اللَّهِيفيد العلو؛ وذلك لأنه لا يمكن أن يفيد السفل؛ لأن ذلك نقص يُنَزَّه الله عنه، فتعين أن يكون ذلك في العلو: وَمَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ لِلْأَبْرَارِ.
ومنها: أن الجزاء من جنس العمل، فإن هؤلاء لما كانوا بررة كثيري الخيرات كان لهم عند الله عز وجل هذا النزل العظيم.
ومن فوائدها: أن في الجنات أنهارًا، أنهارًا عظيمة تجري من تحت غرفها وأشجارها؛ لقوله تعالى: تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ [البقرة: ٢٥].
ومن فوائدها: أن مَن منَّ الله عليه بالتقوى فإن ذلك من مقتضى ربوبية الله تعالى الخاصة؛ حيث قال: اتَّقَوْا رَبَّهُمْفتخصيص الربوبية هنا بهؤلاء المتقين هو من باب الربوبية الخاصة.
وقد مر علينا كثيرًا أن ربوبية الله عز وجل لخلقه نوعان: عامة، وخاصة؛ فالعامة هي الشاملة لجميع الخلق، والخاصة هي الخاصة بالمؤمنين. كما أن العبودية أيضًا نوعان: عامة وهي التي لجميع الخلق، كما في قوله تعالى: إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آَتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا [مريم: ٩٣]، وخاصة وهي عبودية الله عز وجل للمؤمنين، كما قال الله تعالى: وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا [الفرقان: ٦٣] وهذه الخاصة منها ما هو أخص، كما في عبودية الرسل فهي أخص من العبودية العامة للمؤمنين المتقين؛ قال تعالى: تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ [الفرقان: ١].
وعلى هذا ففي العبودية عموم مطلق وعموم نسبي؛ فالعموم المطلق هو الذي يشمل جميع من في السماوات والأرض، والنسبي هو عموم عبودية المؤمنين، فإنه عام بالنسبة لعبودية الرسل خاص بالنسبة للعبودية المطلقة.
ومن فوائد الآية الكريمة: هذه الجنات التي تجري من تحتها الأنهار إذا كانت نزلًا وهو ما يقدم للضيف من الكرامة فما بالك بما يكون بعد هذا؟ سيكون خيرًا كثيرًا.
***
ثم قال: وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَمَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ [آل عمران: ١٩٩].
وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَمَنْ(إن) للتوكيد، و(اللام) أيضًا للتوكيد؛ ففي الآية مؤكدان: (إن) و(اللام)، وهنا لا يخفى أن في الجملة تقديمًا وتأخيرًا: فإن مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِخبر مقدم، ومَنْ يُؤْمِنُمبتدأ مؤخر، لَمَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِأي: للذي يؤمن بالله وما أنزل إليكم.
وقوله: وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِهم اليهود والنصارى لَمَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْإلى آخره، وهؤلاء كثير في النصارى فإنه آمن منهم كثير بمحمد صلى الله عليه وسلم، أما في اليهود فلم يبلغوا العشرة الذين آمنوا بمحمد صلى الله عليه وسلم في حال حياته، فمن اليهود الذين أسلموا عبد الله بن سلام رضي الله عنه فإنه كان حبرًا من أحبارهم فأسلم، ومن النصارى كثير مثل النجاشي ملك الحبشة.
وقوله: لَمَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْومن جملة ما أنزل إلينا أن يؤمنوا بعموم الرسالة، رسالة النبي صلى الله عليه وسلم وأنه مرسل إليهم كما أنه مرسل إلى العرب، فأما من قال: أنا أؤمن برسالة محمد صلى الله عليه وسلم لكن للعرب خاصة؛ فإنه لم يؤمن بما أنزل إلينا، لا يمكن أن يتم إيمانه بما أنزل إلينا حتى يؤمن بمحمد صلى الله عليه وسلم على أنه رسول لجميع الخلق وأنه رسول إليهم يجب عليهم أن يتبعوه، ولهذا أقسم النبي عليه الصلاة والسلام أنه: «لَا يَسْمَعُ بِي أَحَدٌ مِنْ هَذِهِ الْأُمَّةِ -يعني أمة الدعوة- يَهُودِيٌّ وَلَا نَصْرَانِيٌّ ثُمَّ لَا يُؤْمِنُ بِمَا جَاءَ بِهِ إِلَّا كَانَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ» ، إذا مات وهو لم يؤمن بما جاء به محمد صلى الله عليه وسلم كان من أصحاب النار.
وقوله: وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْأما ما أنزل إليهم فظاهر أنهم سيؤمنون به، فاليهود يؤمنون بالتوراة، والنصارى بالإنجيل، ولكن إذا لم يؤمنوا بمحمد صلى الله عليه وسلم فإنهم لم يؤمنوا بالتوراة ولا بالإنجيل؛ لأن عيسى عليه الصلاة والسلام قد بشرهم بمحمد صلى الله عليه وسلم، قال الله تعالى: وَإِذْ قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ فَلَمَّا جَاءَهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ قَالُوا هَذَا سِحْرٌ مُبِينٌ [الصف: ٦] فقوله: لَمَّا جَاءَهُمْيعني محمدًا صلى الله عليه وسلم، فهو بعد أن جاءهم بالبينات وأنه الرسول الذي بشر به عيسى قالوا: هَذَا سِحْرٌ مُبِينٌولم يؤمنوا به ولم يتبعوه.
إذن الذي يؤمن بالله وما أنزل إليكم وما أنزل إليهم نقول: لا يتم إيمانه بأن محمدًا أرسل إلى العرب، وأن القرآن كلام الله مثلًا، بل لا يتم إيمانه حتى يؤمن بمن؟ بمحمد عليه الصلاة والسلام على أنه رسول الله إلى جميع البشر، وأنه ملزم باتباعه، ويتبعه كما يتبعه غيره.
وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ خَاشِعِينَ لِلَّهِقوله: خَاشِعِينَيحتمل أن تكون حالًا من مَن؟ لَمَنْ يُؤْمِنُوبناء على ذلك يكون مراعًا بها المعنى؛ لأن (مَن) لفظها مفرد ومعناها الجمع؛ لأن اسم الموصول وإن كان مفردًا يصح للعموم، مع أن (مَن) من الأسماء الموصولة للمفرد وللجماعة.
أقول: إن خَاشِعِينَيحتمل أن تكون حالًا من (مَن) لا الذي يؤمن حال كونه خاشعًا، أو من فاعل: يُؤْمِنُلمن يؤمن حال كونه خاشعًا، والمعنى لا يتغير، والخشوع هو الذل أي متذللًا لله عز وجل، يؤمن بالله متذللًا له خاشعًا له.
لَا يَشْتَرُونَ بِآَيَاتِ اللَّهِ ثَمَنًا قَلِيلًالا يشترون: أي لا يأخذون ويطلبون بآيات الله ثمنًا قليلًا، فالشراء هنا بمعنى الأخذ، لأنه ليس هناك عقد بيع وشراء، لكن لما كان المشتري يأخذ السلعة طالبًا لها حريصًا عليها صار الذين يأخذون الحياة الدنيا بالآخرة بمنزلة المشترين؛ ولهذا قال: لَا يَشْتَرُونَ بِآَيَاتِ اللَّهِ ثَمَنًا قَلِيلًاوهي الدنيا برئاستها أو بمالها أو بجاهها أو بغير ذلك.
وفيه إشارة إلى أن من أهل الكتاب وغير أهل الكتاب من يبقي على رئاسته وعلى جاهه وماله ليكفر بالرسل، فمثلًا أبو جهل وغيره من زعماء العرب قريش ما الذي صدهم عن اتباع محمد صلى الله عليه وسلم إلا الكبر والإبقاء على الجاه وعلى الرئاسة؛ ولهذا يقولون: لَوْلَا نُزِّلَ هَذَا الْقُرْآَنُ عَلَى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ [الزخرف: ٣١] يعني: هلَّا أنزل على رجل عظيم حتى نتبعه، وهم يقولون ذلك ويعلمون أن محمدًا صلى الله عليه وسلم من خيرهم، بل هو خيرهم نسبًا، وأنه أعظمهم وأشرفهم، وهم يسمونه قبل الرسالة الأمين والصادق، لكن لما جاءت الرسالة شركوا بها -والعياذ بالله- وأنكروها، وقالوا: هذه من رجل مهين كما قال فرعون لموسى: أَمْ أَنَا خَيْرٌ مِنْ هَذَا الَّذِي هُوَ مَهِينٌ وَلَا يَكَادُ يُبِينُ [الزخرف: ٥٢]، فهؤلاء قالوا: لَوْلَا نُزِّلَ هَذَا الْقُرْآَنُ عَلَى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ.
لَا يَشْتَرُونَ بِآَيَاتِ اللَّهِ ثَمَنًا قَلِيلًاوالمراد بآيات الله هنا الآيات الشرعية؛ لأن من الناس من يشتري ثمنًا قليلًا بالآيات الشرعية، ومعنى: (يشتري ثمنًا قليلًا) أي: يأخذ الجاه والرئاسة والمال وغير ذلك بدلًا عن آيات الله الشرعية واتباعها، ووصف الله ذلك بأنه قليل؛ لأنه بالنسبة لما في الآخرة ليس بشيء، كما صح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «لَمَوْضِعُ سَوْطِ أَحَدِكُمْ فِي الْجَنَّةِ خَيْرٌ مِنَ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا» .
أُولَئِكَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْأولئك الذين عدلوا عن الدنيا ولم يأخذوها بدلًا عن طاعة الله والإيمان به.
لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ(أجر) أي: ثواب، وإضافته إلى الله: عِنْدَ رَبِّهِمْيدل على عظمه، وأنه عظيم جدًّا، فإن الشيء من العظيم عظيم، ومن الكريم كثير؛ ولهذا قال: لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ.
وقوله: لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْفيه إشارة كما سيأتي -إن شاء الله- في الفوائد أنه باق؛ لأن ما عند الله يبقى، ولهذا يخلد أهل الجنة فيها أبدًا، نسأل الله أن يجعلني وإياكم منهم.
أُولَئِكَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِسريع الحساب: السرعة هي عدم التباطؤ في الشيء، والله تعالى سريع الحساب من وجهين؛ الوجه الأول: أن الدنيا قليلة وفانية وسريعة وما هي إلا لحظات ثم تنقضي بسرعة، فاليوم الجمعة مثلًا أو السبت أو الأحد أو أحد أيام الأسبوع، ما تأخذ إلا شيئًا قليلًا ثم يأتي، بسرعة حتى يصل الإنسان إلى نهايته ويموت فيجد الحساب أمامه، هذا سرعة.
السرعة الثاني: يوم القيامة، فإن الله تعالى يحاسب الخلائق كلها في نصف اليوم؛ لقوله تعالى: أَصْحَابُ الْجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا وَأَحْسَنُ مَقِيلًا [الفرقان: ٢٤] والقيلولة إنما تكون في نصف النهار، هكذا تكون في نصف النهار، ويلزم من هذا أن الله يحاسب الخلائق كلهم في نصف يوم، حتى إن كل واحد منهم يقيل في منزله ومستقره: إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ.
في هذه الآية فوائد منها: الثناء على بعض أهل الكتاب؛ لقوله: وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِو(من) هنا للتبعيض، وهم قليل.
ومن فوائدها: عدل الله عز وجل بإسناد الفضل إلى أهله؛ فإن الله عز وجل لما ذكر عقاب الكافرين وثواب المؤمنين قال: وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَمَنْ يُؤْمِنُفأسند الفضل إلى أهله عز وجل.
ومن فوائدها: أن هؤلاء الذين يؤمنون بما أنزل الله على رسوله عليه الصلاة والسلام مع إيمانهم بكتبهم إنما يفعلون ذلك تعظيمًا لله وذلًّا له، لا طلبًا للدنيا أو المدح أو ما أشبه ذلك؛ لقوله تعالى: خَاشِعِينَ لِلَّهِ.
ومن فوائدها: بيان إخلاص هؤلاء حيث لم يؤمنوا بالله وما أنزل إلينا من أجل الدنيا، فهم لا يشترون بآيات الله ثمنًا قليلًا، والآية كما فسرناها أولًا يفهم منها أن الذين كفروا للدنيا (...) بهذه الجملة، ولكن ينبغي أن نقول: يراد بها الذين كفروا من أجل الدنيا والذين أسلموا من أجل الدنيا، ويؤيد المعنى الثاني قوله: خَاشِعِينَ لِلَّهِفإنه يدل على أنهم مخلصون في إيمانهم بالله وما أنزل إليهم، يعني لا يقصدون شيئًا من الدنيا أو جاه أو رئاسة أو رياء.
ومن فوائد الآية الكريمة: أن هؤلاء الذين آمنوا من أهل الكتاب عن إخلاص سوف يكون لهم الأجر يعني الثواب في (...)، وإن فاتهم ما يفوتهم من الدنيا بسبب إسلامهم؛ لقوله: أُولَئِكَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ.
ومن فوائدها: بيان قدرة الله عز وجل في سرعة حسابه؛ حيث قال: إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِوقد أورد بعض الصحابة على النبي صلى الله عليه وسلم إشكالًا في هذا المعنى، وقال: كيف يحاسبنا في ساعة ونحن جمع، يعني كثير؟ فقال: «أَلَا أُخْبِرُكَ بِشَيْءٍ مِنْ آلَاءِ اللَّهِ» أي: من آياته يقرب لك هذا، وذكر له القمر، القمر مخلوق من مخلوقات الله، وكل الناس يرونه في ساعة واحدة لا يضامون في رؤيته، فإذا كان هذا في مخلوق من مخلوقات الله يضيء نوره على كل من رآه، ويشترك فيه من العالم ما لا يحصيه إلا الله، فما بالك بالخالق جل وعلا.
ومن فوائد هذه الآية الكريمة: إثبات الحساب، وأن الإنسان سوف يحاسب على عمله إن خيرًا فخير وإن شرًّا فشر؛ لقوله: إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ.
وليُعْلَم أن الحقوق نوعان: حق لله عز وجل فهو مبني على المسامحة وعلى العفو والإحسان، وحق للخلق بالاعتداء عليهم وعلى أعراضهم فهذا لا يغفره الله عز وجل، بل قد قال النبي عليه الصلاة والسلام حين بعث معاذ إلى اليمن قال: «إِيَّاكَ وَكَرَائِمَ أَمْوَالِهِمْ، وَاتَّقِ دَعْوَةَ الْمَظْلُومِ فَإِنَّهُ لَيْسَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ اللَّهِ حِجَابٌ» فالمظلوم إلى من يلجأ؟ إلى الله عز وجل، فإذا رجع إلى ربه وهو سيلجأ بصدق لأنه قد ضيم من الخلق، فإذا رجع إلى الله عز وجل بهذا الصدق فإن الله سبحانه وتعالى يجيب دعوته، ويقول عز وجل: «وَعِزَّتِي وَجَلَالِي لَأَنْصُرَنَّكِ وَلَوْ بَعْدَ حِينٍ» فلذلك يجب على الإنسان أن يحذر من ظلم نفسه، وبحق الله عز وجل، ومن ظلم غيره بالعدوان عليه بالقول أو الفعل، فإن الدنيا لن تدوم، لا بد من زوال، ولا بد من الرجوع إلى الله عز وجل.
ثم قال الله تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ [آل عمران:٢٠٠] دائمًا نتكلم على قوله تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُواونستشهد بقول عبد الله بن مسعود رضي الله عنه: إِذَا سَمِعْتَ اللَّهَ يَقُولُ: يَا أَيُّها الَّذِينَ آمَنُوا، فَأَرْعِهَا سَمْعَكَ -يعني استمع لها- فَإِمَّا خَيْرٌ تُؤْمَرُ بِهِ، وَإِمَّا شَرٌّ تُنْهَى عَنْهُ. وقلنا: إن الله تعالى إذا صدَّر الخطاب بهذا فهو دليل على العناية به، وجهه؟ أنه صدره بالنداء الذي يفيد تنبيه المخاطب: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُواثم إذا كان النداء بوصف الإيمان كان دليلًَا على أن ما يأتي بعده من مقتضى الإيمان؛ لأنه لولا أنه من مقتضاه ما صدر الخطاب لمن يوجه إليه بلفظ الإيمان، فكأنه قال: يا أيها الذين آمنوا بإيمانكم افعلوا كذا وكذا، أو لإيمانكم لا تفعلوا كذا وكذا.
ثانيا: يدل على أن مخالفة ذلك من نواقض الإيمان أو من نواقص الإيمان، إن كان الشيء من أصول الدين مثل: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا آَمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ [النساء: ١٣٦] فإن مخالفته من أيش؟ من نواقض الإيمان، وإن كان في فرع من فروع الدين فإن مخالفته من نواقص الإيمان مثل قوله تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِذَا قِيلَ لَكُمْ تَفَسَّحُوا فِي الْمَجَالِسِ فَافْسَحُوا يَفْسَحِ اللَّهُ لَكُمْ [المجادلة:١١] لو لم يتفسح الإنسان ما قلنا: إنه كافر، بل نقول: هو مخالف للأمر وإيمانه ناقص؛ لأن مقتضى الإيمان أن يفعل ما أمر الله به، حيث وجه الله له هذا الأمر بوصف الإيمان.
ثالثا: أنه يفيد الإغراء، يعني إغراء الإنسان وحثه على أن يفعل ما وجه إليه من الأمر أو النهي؛ لأن الإنسان إذا وصف بوصف فإنه يغريه هذا الوصف، فإذا قيل لشخص: يا أيها الكريم جُد على هذا، معناه أنك تغريه وأنه لكرمه لا بد أن يجود، ولهذا لما قيل للمتنبي،، لما قيل له -في مجال القتال- إنك قلت:
| الْخَيْلُ وَاللَّيْلُ وَالْبَيْدَاءُ تَعْرِفُنِي | وَالسَّيْفُ وَالرُّمْحُ وَالْقِرْطَاسُ وَالْقَلَمُ |
قال: الآن قتلتني، ثم أقدم حتى قتل، وذلك لأن الوصف الذي يتصف به الإنسان ويفخر به إذا لم يطبقه فعلًا فإنه كاذب في دعواه، فكأن الله يقول: يا أيها الذين آمنوا لإيمانكم افعلوا كذا.
اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوااصبروا على أي شيء؟ على كل ما يحتاج إلى صبر، كل ما يحتاج إلى صبر اصبر عليه، ومعلوم أن الذي يحتاج إلى الصبر هو الذي يخالف هوى النفس، الذي يخالف هواك هو الذي يحتاج إلى الصبر، لأنه يشق عليك تحمله، فطاعة الله عز وجل ثقيلة على النفوس فاصبر عليها، المعاصي ثقيل تركها على النفوس اصبر على الترك، الآلام والمصائب التي تصيب الإنسان ثقيلة على النفس اصبر عليها، فالمصائب التي تصيب الإنسان هي بنفسها مكفرة للذنوب، فإذا احتسب الإنسان أجرها على الله وانتظر بذلك ثواب الله كانت مع التكفير زيادة الحسنات، والإنسان في الدنيا لا بد أن يبتلى، كما قال الشاعر:
| فَيَوْمٌ عَلَيْنَا وَيَوْمٌ لَنَا | وَيَوْمٌ نُسَاءُ وَيَوْمٌ نُسَرْ |
لم تبق الدنيا لأحد زاهية مطلقًا أبدًا، وهذه من حكمة الله عز وجل يبتلي الإنسان بالنعم ويبتليه بالمصائب، قال الله تعالى: وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ [الأنبياء: ٣٥] فعلى الإنسان أن يصبر على كل ما يخالف هواه، والصبر ثقيل على النفس متعب لها، ولكن الإنسان ينظر إذا صبر إلى ما أمامه، ويش النتيجة؟ النتيجة خير: إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ [الزمر: ١٠] إذا صبر فليبشر بالخير، وفي المثل: من صبر ظفر، وفي الشعر:
| وَالصَّبْرُ مِثْلُ اسْمِهِ مُرٌّ مَذَاقَتُهُ | لَكِنْ عَوَاقِبُهُ أَحْلَى مِنَ الْعَسَلِ |
وهذا شيء مجرب، دائمًا إذا صبر الإنسان ظفر ولا سيما إذا قرن صبره باحتساب الأجر على الله عز وجل فإنه يكون في ذلك الثواب والعاقبة الحميدة.
وقوله: صَابِرُواالمصابرة تكون من اثنين؛ ولهذا جاءت على وزن فَاعِل، فَاعَلَ كقَاتَلَ وجَاهَدَ، صابر أيضًا لا بد من شخص آخر يضادك فصابره، الصبر الأول ما فيه أحد يضاده إنما هو شيء بينك وبين نفسك تصبر، الشيء الثاني: إنسان يضادك ويثيرك ويعتدي عليك صابره، يعني بمعنى غالبه بالصبر، غالبه بالصبر، وهذا يكون في ملاقاة الأعداء، فالعدو يصابرك وأنت تصابره، ولكن الله تعالى قد سَلَّى عباده المؤمنون في قوله تعالى: وَلَا تَهِنُوا فِي ابْتِغَاءِ الْقَوْمِ إِنْ تَكُونُوا تَأْلَمُونَ فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَمَا تَأْلَمُونَ [النساء:١٠٤] أنت إذا جُرِحْتَ تتألم، وهو إذا جُرِحَ يتألم لا شك: وَتَرْجُونَ مِنَ اللَّهِ مَا لَا يَرْجُونَ [النساء: ١٠٤] فرق عظيم، فالذي يرجو من الله عز وجل الثواب على ما حصل له يهون عليه هذا الشيء، حتى إنه أحيانًا لا يشعر به من شدة احتسابه الأجر على الله عز وجل، إذن الصبر حبس النفس مع غير مصابر، وتكون على ما لا يلائم الإنسان وما يشق عليه، والمصابرة مع شخص أيش؟ مضاد يصابرك ويصبر عليك، على معاندتك وعلى مضادتك فأنت اصبر اصبر، وقد قال الله عز وجل: وَلَمَنْ صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ [الشورى: ٤٣].
أما قوله: وَرَابِطُواالمرابطة أخص من المصابرة، يعني رابطوا على الطاعات، ومن ذلك ما بينه النبي عليه الصلاة والسلام حيث قال: «إِسْبَاغُ الْوُضُوءِ عَلَى الْمَكَارِهِ، وَكَثْرَةُ الْخُطَا إِلَى الْمَسَاجِدِ، وَانْتِظَارُ الصَّلَاةِ بَعْدَ الصَّلَاةِ، فَذَلِكُمُ الرِّبَاطُ، فَذَلِكُمُ الرِّبَاطُ» إسباغ الوضوء على المكاره: يعني في أيام السَّبَرَاتِ والبرودة فإن الإنسان إذا أسبغ الوضوء يعني أتمه وأكمله دل هذا على إيمانه بالله عز وجل، وعلى شدة تصديقه ورجائه لثواب الله، والثاني: كثرة الخطا إلى المساجد؛ فإن الإنسان إذا ذهب إلى المسجد البعيد الذي يحتاج إلى كثرة الخطا، دل هذا على أيش؟ على مرابطته في الخير ومثابرته عليه وصدق الإيمان في قلبه؛ ولهذا يذهب إلى المسجد ولو كان بعيدًا ويتردد إليه ولو كان كثيرًا، يتردد إليه على الأقل في اليوم والليلة خمس مرات ولو كان كثيرًا، هذا أيضًا يدل على المرابطة على الخير.
اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُواومن المرابطة المرابطة في الثغور، لكنها غير موجودة في عهد النبي عليه الصلاة والسلام؛ لأنه في عهد النبي عليه الصلاة والسلام ما فيه مرابطة يخرج النبي عليه الصلاة والسلام إلى العدو ويغزو ويرجع، لكن بعد ذلك لما فتحت الفتوحات وانتشر الإسلام في أقطار الأرض بعد ذلك صارت المرابطة، واحتاج المسلمون إلى مرابطة؛ ولهذا قال النبي عليه الصلاة والسلام: «إِسْبَاغُ الْوُضُوءِ عَلَى الْمَكَارِهِ، وَكَثْرَةُ الْخُطَا إِلَى الْمَسَاجِدِ، وَانْتِظَارُ الصَّلَاةِ إِلَى الصَّلَاةِ، فَذَلِكُمُ الرِّبَاطُ، فَذَلِكُمُ الرِّبَاطُ» ثلاثًا؛ لأن الرباط على الحدود الإسلامية غير موجود في عهد الرسول عليه الصلاة والسلام.
ثم قال: لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَأي: من أجل أن تفلحوا.
وَاتَّقُوا اللَّهَهذا أمر بتقوى الله عز وجل، وسبق لنا مرات كثيرة أن المراد بالتقوى اتخاذ وقاية من عذاب الله بفعل أوامره واجتناب نواهيه، هذه التقوى، هذا أحسن ما قيل في التقوى: اتخاذ وقاية من عذاب الله عز وجل بفعل أوامره واجتناب نواهيه، هذه هي التقوى، وعطفها على ما سبق إما أن يقال: من باب عطف العام على الخاص، وهو كثير في القرآن، وإما أن يقال: إن ما سبق أوامر والتقوى للنواهي، كما نقول في قوله تعالى: وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى [المائدة: ٢] أن البر فعل الخير والتقوى اجتناب الشر، وإذا ذُكِرَ التقوى وحدها شملت فعل الخير وترك الشر، والمعنيان لا يتنافيان، فهذه الأوصاف أو الأوامر الأربعة: اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَكلها مؤداها تشتمل على شيء واحد، وهي فعل الأوامر واجتناب النواهي.
ثم قال: لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ(لعل): هنا للتعليل وليست للرجاء؛ لأن كلام الله عز وجل ليس فيه رجاء، فإنه على كل شيء قدير، ولا يصعب عليه شيء ولا يعسره شيء، لكنها للتعليل، أي: لأجل أن تفلحوا، والفلاح قالوا: إنها كلمة جامعة، كلمة جامعة للفوز بالمطلوب والنجاة من المرهوب، هذا الفلاح، الفلاح أن يفوز الإنسان بمطلوبه وأن ينجو من مرهوبه، ولا شك أن كل واحد من الخلق يتمنى هذا، يتمنى أن يفوز بمطلوبه وأن ينجو من مرهوبه.
في هذه الآية الكريمة: يوجه الله النداء إلى المؤمنين فيستفاد منه: فضيلة الإيمان، وأن أهل الإيمان هم الأجدر، هم أجدر الناس بتوجيه الخطاب إليهم؛ لقوله: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا.
ومن فوائدها: أنه ينبغي للإنسان أن يأتي في أسلوبه بما يحمل الإنسان على فعل ما طلب منه أو ترك ما نهي عنه؛ لقوله: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اصْبِرُوا.
ومن فوائدها: الحث على الصبر، بل الأمر بالصبر؛ لقوله: اصْبِرُواوهو في الحقيقة مشترك قد يكون واجبًا وهو الصبر على الواجب وعلى ترك المحرم وعلى الآلام المؤلمة، وقد يكون مستحبًّا وهو الصبر على المستحبات أو على ترك المكروهات، فإن الصبر هنا ليس بواجب لكنه أكمل وأفضل.
ومن فوائدها: الأمر بالمصابرة، وأن الإنسان يصابر من يضاده ويمد له، فإن العاقبة ستكون له عليه إذا صابره امتثالًا لأمر الله عز وجل ورجاء لثوابه وتحسبًا للعاقبة الحميدة التي تكون فيها الدائرة على من ضاده.
ومن فوائد الآية أيضًا: الأمر بالمرابطة، والمرابطة إن كانت على واجب فهي واجبة وإن كانت على مستحب فهي مستحبة حسب الأمر المرابط عليه.
ومن فوائدها: الأمر بالتقوى، والتقوى واجبة؛ لأنها اتقاء الوقوع في المحرم إما بترك الواجب وإما بفعل المحرم.
ومن فوائد هذه الآية الكريمة: النتائج الحميدة لمن قام بأوامر الله من الصبر والمصابرة والمرابطة والتقوى، وهي -أي: العاقبة الحميدة - هي الفلاح؛ لقول الله تعالى: لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ.
طالب: قوله: وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْوالرسالة المحمدية تقتضي الإيمان بالرسالات السابقة، قال تعالى: قُولُوا آَمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ [البقرة:١٣٦].
الشيخ: وآمنوا بما أنزل إليهم قبل بعثة الرسول، يعني: جمعوا بين الإيمانين: إيمان بما أنزل عليهم وإيمان بما أنزل على محمد صلى الله عليه وسلم.
الطالب: قوله: وَرَابِطُواهو المقصود به قول النبي صلى الله عليه وسلم: المرابطة؟
الشيخ: المرابطة أعم، ولكن الرسول فسرها عليه الصلاة والسلام بما يعرفه الناس في ذلك الوقت.
طالب: الآية التي قلت عنها يا شيخ: نُزُلًا مِنْ عِنْدِ اللَّهِهذه الآية إذا جاء ضيف فيكرم عند نزوله، هل نستطيع أن نقول: إن في الجنة جنتين؟
الشيخ: لا، أبدًا، ما نقول، كلها نزل، كلها على خير ما يرام من أولها إلى آخرها.
طالب: (...) الآن ذكرنا في أثناء الشرح قصة الصحابي الذي سأل النبي صلى الله عليه وسلم كيف الله عز وجل يجمع الخلق في نصف نهار كيف الجمع؟
الشيخ: هم ما سألوا عن كيفية.
الطالب: سألوا عن كيف يجمع..
الشيخ: لا، لا، سألوا عن مقدار، هذا المقدار كيف يشمل أو كيف يتسع لحساب جميع الخلق.
الطالب: هذا يكون (...) نوع من الغيب.
الشيخ: ولو كان، ما فيه شيء.
الطالب: نحن ذكرنا أن الصحابة ما كانوا يسألون..
الشيخ: نعم ما كانوا يسألون، لكن هذا يسألون عن المقدار، كيف نصف يوم يحاسب الله جميع الخلائق، فبين لهم الرسول أن هذا غير ممتنع.
طالب: شيخ -أحسن الله إليك- بعض العلماء عبر (...).
الشيخ: (...) وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَمَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِفيكون ذكر الإيمان هنا بلفظ المضارع لاستمرارهم عليه.
طالب: (...).
الشيخ: كيف من المؤمنين؟ مؤمن وهو يحكم بغير ما أنزل الله!
الطالب: النجاشي.
الشيخ: النجاشي يحكم بما أنزل الله، بما بلغه، أقول: هو سيحكم بما بلغه.
طالب: (...).
الشيخ: ما بلغه الحكم بالقرآن، آمن بمحمد عليه الصلاة والسلام وآمن بعيسى وآمن بالرسل، وهذا الذي بلغه.
طالب: (...).
الشيخ: هذه الخصائص، يختص برحمته من يشاء، اللَّهُ يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ [البقرة: ١٠٥] فالخاشعون ما هي ثقيلة عليهم (...).
***
الشيخ: هل من الابتلاء إلزامنا بالزكوات والنفقات؟طالب: (...).
الشيخ: نعم، من الابتلاء؛ ابتلاء شرعي.
طالب: (...).
الشيخ: إذن هنا ابتلاء شرعي، وذلك بتكليفنا أن نؤدي الزكاة؛ لأن من الناس من لا يؤدي الزكاة، فيكون في هذا ضرر عليه.
قوله: أَذًى كَثِيرًامن القول أو من الفعل؟ وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا أَذًى كَثِيرًا.
طالب: (...) من القول.
الشيخ: من القول؟ ما الدليل على تخصيصه بالقول؟ ما الدليل على أنه خاص بالأذى القولي لأنه قد يكون بأذى فعلي كضربهم؟
طالب: (...).
الشيخ: أنا أريد دليل على أنها خاصة بالأذى القولي؟
طالب: قوله تعالى: وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ..
الشيخ: والذي يسمع؟
الطالب: هو القول.
الشيخ: الذي يسمع هو القول، هذا هو الظاهر مع أنه يمكن أن يكون أذى بالفعل، وأسمع أنا أن هذا الرجل أوذي، فيكون أسمع عن خبر الإيذاء الفعلي.
وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١٨٩) إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ [آل عمران: ١٨٩، ١٩٠]
قال الله تعالى: إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِأين اسم (إن)؟
طالب: فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِالجار والمجرور اسم (إن).
الشيخ: هل يكون الجار والمجرور اسمًا لـ(إن)؟
طالب: إذن محذوف.
الشيخ: محذوف، ويش التقدير؟
طالب: لَآَيَاتٍ-يا شيخ- مؤخر.
الشيخ: هذا اسم (إن): لَآَيَاتٍويش تقولون يا جماعة؟ صحيح.
ما معنى: لِأُولِي الْأَلْبَابِ؟
طالب: أصحاب العقول.
الشيخ: أصحاب العقول.
هل يؤخذ من هذه الآية أن العقل يؤيد الشرع، وأن الشرع ينمي العقل؟
طالب: إي نعم.
الشيخ: كيف ذلك؟
طالب: إذا الإنسان تفكر في مخلوقات الله.
الشيخ: لكن كيف تفهم من الآية أن العقل يؤيد الشرع؟
طالب: قوله تعالى: لَآيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِلا يفكر في الآيات السابقة إلا أصحاب العقول.
الشيخ: إذن فالعقول تؤيد ما جاء به الشرع، كما أن الشرع ينمي العقل ويزيده.
قوله: يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْهل هذا للتنويع أو للاستغراق؟ بمعنى هل هم يذكرون الله مرة وهم قعود ومرة وهم قيام ومرة على الجنوب أو المراد استيعاب جميع الأحوال؟
طالب: الثاني.
الشيخ: الثاني، يعني: يذكرون الله دائمًا.
قوله: رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًاهل له نظير في القرآن يؤيد ما قالوه؟
طالب: وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا بَاطِلًا ذَلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا [ص: ٢٧].
الشيخ: وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا بَاطِلًا ذَلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُواتمام، ما هو الباطل؟
طالب: كل شيء لا يوافق الشرع فهو باطل (...).
الشيخ: ويش معنى كلمة باطل؟
طالب: الذي لا يوافق الشرع.
الشيخ: لا لا، أريد الكلمة فقط، ما أريد ما المراد، أريد معنى باطل؟ أصل الباطل في اللغة الضائع سدى، الضائع الذي ما يلتفت له ولا يؤبه به.
قوله: وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَمَنْ يُؤْمِنُأين اسم (إن)؟
طالب: جملة: لمَنْ يُؤْمِنُ.
الشيخ: جملة: لَمَنْ يُؤْمِنُ.
طالب: (من) فقط.
الشيخ: (مَنْ) فقط، إذن الخبر جملة ولا مفرد؟
طالب: مفرد.
الشيخ: (...) التقدير: وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَمَنْ يُؤْمِنُفَسِّر (مَن) تقول؟ أي: للذي يؤمن كذا؟ هل يمكن أن تمثل لأحد بذلك؟ من اليهود؟
الطالب: عبد الله بن سلام.
الشيخ: ومن النصارى؟
الطالب: النجاشي.
الشيخ: لو آمن الكتابي بما أنزل على محمد لكن قال: إنه للعرب خاصة لقوله: هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ [الجمعة: ٢] السؤال: لو قال الكتابي: أنا أومن بما أنزل على محمد صلى الله عليه وسلم لكنه للعرب خاصة لا لبني إسرائيل؛ لقوله تعالى: هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ؟
الطالب: هذا لم يؤمن بمحمد.
الشيخ: لماذا؟
طالب: لأنه أرسل إلى الناس كافة، أما الآية فهي للخبر وليس (...).
الشيخ: كيف؟
طالب: الآية خبرية (...).
الشيخ: سَليم.
طالب: وصفه بالأميين (...) ما هو وصف للرسالة، وصف للتعيين (...).
طالب آخر: أقول: إن من لم يؤمن بالرسول إنه لم يؤمن بما أنزل إلينا ولم يؤمن بما أنزل إليهم.
الشيخ: لا، هو مؤمن بالرسول يقول: أشهد أن محمدًا رسول الله، لكن إلى العرب خاصة.
الطالب: لكنه لم يؤمن بما أنزل إليهم كما قال عيسى بن مريم: يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ [الصف: ٦]
الشيخ: هو لم يؤمن أيضًا بالذي أنزل إلينا لأن الذي أنزل إلينا أنه رسول للعموم.
الطالب: لكنه قال: وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي.
الشيخ: أنا قصدي أنه لم يؤمن لا بالذي أنزل إليهم ولا بالذي أنزل إلينا؛ لا بالذي أنزل إليهم لأنه لم يقبل بشارة عيسى، ولا بالذي أنزل إلينا لأن الذي أنزل إلينا أنزل على أنه أيش؟ للناس كافة فإذا قال: أنا لا أومن لأنه أرسل للعرب نقول ما آمنت.
طالب: (...).
الشيخ: إي نعم، فِي الْأُمِّيِّينَ، توجيه الآية أنه بعثه أي منهم، بعثه منهم، يعني أول بعثته كانت في الأميين، قالوا: وهذا إشارة إلى أن النبي عليه الصلاة والسلام لن يباشر أحدًا من غير الأميين، لأنه الفتوحات في عهده صلى الله عليه وسلم ما عدت الجزيرة، كلها في الجزيرة وما حولها لم تتعد إلى فارس ولا إلى الروم.
طالب: (...).
الشيخ: هو الذي بعث من الأميين رسولًا منهم، على سبيل التوكيد، أو نقول في الأميين: في أول الرسالة كما شرحناها؛ يعني أول رسالته كانت فيهم ثم انتشرت.
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُواما الفرق بين الصبر والمصابرة؟
طالب: المصابرة من المفاعلة يصبر ويتصبر يتفعل الصبر ويتصنع الصبر يعني: إن لم يصبر فليتصبر.
طالب آخر: الصبر هو الصبر يعني على النفس الأمارة بالسوء، أما وَصَابِرُواالمصابرة التي تحصل بين شخص وبين آخر تحصل بالجهاد كما يحصل بالجهاد مقاومة أعداء الله فالإنسان يصبر ويصابر على (...)
الشيخ: يعني صابر من يضادك في أمرك، لأن الإنسان ربما يصبر إذا لم يصابره أحد، لكن إذا صابره وجادله وناظره ربما لا يصبر.
(لعل) ويش معناها؟
طالب: تعليلية.
الشيخ: تعليلية، ولا يصح أن تكون للرجاء؟
طالب: لا.
الشيخ: لماذا؟
طالب: لأن الرجاء لا يتأتى.
الشيخ: لا يتأتى في حق لله، أحسنت.
وما هو الفلاح؟
طالب: هو الفوز بالمرغوب والنجاة من المرهوب.
الشيخ: أحسنت، تمام.
قوله تعالى: فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْما معنى (استجاب)؟
طالب: أي: أجاب.
الشيخ: ولماذا قال: رَبُّهُمْ.
طالب: لأن هذه ربوبية خاصة.
الشيخ: ربوبية خاصة؛ حيث وفقهم للإيمان ولهذا الدعاء فهي ربوبية خاصة.
هل تعرف أن هناك ربوبية خاصة وعامة؟
طالب: الربوبية العامة لجميع الخلق، والربوبية الخاصة قد يختص بها الرسل أو المؤمنين (...).
الشيخ: ما هي الآية التي اجتمع فيها الربوبيتان العامة والخاصة؟
طالب: قوله تعالى: رَبُّكُمْ وَرَبُّ آبَائِكُمُ الْأَوَّلِينَ [الشعراء: ٢٦]
الشيخ: لا.
طالب: قَالُوا آَمَنَّا بِرَبِّ الْعَالَمِينَ (١٢١) رَبِّ مُوسَى وَهَارُونَ [الأعراف: ١٢١، ١٢٢].
الشيخ: نعم، قَالُوا آَمَنَّا بِرَبِّ الْعَالَمِينَ (١٢١) رَبِّ مُوسَى وَهَارُونَ، في هذه الآية نكتة حيث قدم موسى على هارون، ما هي؟
طالب: موسى أفضل من هارون
الشيخ: نعم، تمام.
***
طالب: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا (١) وَآَتُوا الْيَتَامَى أَمْوَالَهُمْ وَلَا تَتَبَدَّلُوا الْخَبِيثَ بِالطَّيِّبِ وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَهُمْ إِلَى أَمْوَالِكُمْ إِنَّهُ كَانَ حُوبًا كَبِيرًا [النساء: ١، ٢].
الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله تعالى: بسم الله الرحمن الرحيم يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ.
هذه السورة هي سورة النساء وهي مدنية، والمدني عند الجمهور ما نزل بعد الهجرة، والمكي ما نزل قبل الهجرة، فالمدني ما نزل بعد الهجرة ولو في غير المدينة، والمكي ما نزل قبل الهجرة ولو في غير مكة، وعلى هذا فالمدار في تعيين المكي والمدني إلى الزمن لا إلى المكان.
وقد ذكر العلماء رحمهم الله ضوابط للمكي والمدني وذكروا مميزات للمكي والمدني معروفة في علم أصول التفسير، من ذلك أن الغالب في الآيات المكية الغالب فيها القصر والقوة، قوة الأسلوب، وموضوعها في الغالب التوحيد وما يتعلق به.





