تفسير سورة النساء - 1
عدد الزيارات 2335

عناصر المادة :
تفسير الآية (2)
تفسير الآية (3)

طالب: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، بسم الله الرحمن الرحيم{يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا (١) وَآتُوا الْيَتَامَى أَمْوَالَهُمْ وَلَا تَتَبَدَّلُوا الْخَبِيثَ بِالطَّيِّبِ وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَهُمْ إِلَى أَمْوَالِكُمْ إِنَّهُ كَانَ حُوبًا كَبِيرًا [النساء: ١، ٢].
الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله تعالى: بسم الله الرحمن الرحيم يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ، هذه السورة هي سورة النساء، وهي مدنية، والمدني عند الجمهور ما نزل بعد الهجرة، والمكي ما نزل قبل الهجرة؛ فالمدني ما نزل بعد الهجرة ولو في غير المدينة، والمكي ما نزل قبل الهجرة ولو في غير مكة؛ وعلى هذا فالمدار في تعيين المكي والمدني إلى الزمن لا إلى المكان، وقد ذكر العلماء رحمهم الله ضوابط للمكي والمدني، وذكروا مميزات للمكي والمدني معروفة في علم أصول التفسير؛ من ذلك:
أن الغالب في الآيات المكية الغالب فيها القِصَر والقوة؛ قوة الأسلوب، وموضوعها في الغالب التوحيد وما يتعلق به، وأما الآيات المدنية فالغالب عليها السهولة وطول الآيات، وموضوعها في الأمور الفرعية؛ كالبيوع، وآداب المجالس، وآداب الاستئذان، وغير ذلك.
المكية الغالب أن النداء يكون فيها لعموم الناس: يَا أَيُّهَا النَّاسُ؛ لأن أكثر المخاطبين بها ليسوا بمؤمنين، والمدنية بـيَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا، هذا هو الغالب؛ لأن المخاطبين فيها مؤمنون كلهم أو أكثرهم.
هذه السورة سورة النساء، وسُمِّيت بهذا الاسم لذكر النساء فيها، وهي كما تعلمون مبتدئة بأصل خلقة بني آدم؛ من أين خلقوا، ثم ذكر الأرحام وما يتصل بها من المواريث وغير هذا، ثم ذكر ما يتعلق بالنكاح؛ لأن النكاح صلة بين الناس كما أن القرابة صلة بين الناس؛ كما قال الله تعالى: هُوَ الَّذِي خَلَقَ مِنَ الْمَاءِ بَشَرًا فَجَعَلَهُ نَسَبًا وَصِهْرًا [الفرقان: ٥٤]، ثم ما يتعلق بمخاطبة اليهود والمنافقين، وما يتعلق كذلك بأحوال النزاع بين الزوجين كما سيمر بنا إن شاء الله تعالى.
وهذه السورة هي السورة الثالثة بعد الفاتحة، البقرة وآل عمران والنساء، وقد ورد في صحيح مسلم من حديث حذيفة أن النبي صلى الله عليه وسلم قرأ البقرة ثم النساء ثم آل عمران ، وهذا في أول الأمر، ثم بعد ذلك في الترتيب الأخير صارت البقرة ثم آل عمران ثم النساء، واستقر على ذلك المصحف الذي جمعه أبو بكر رضي الله عنه ثم عثمان بن عفان.
يقول الله عز وجل: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، والبسملة آية مستقلة يؤتى بها في أوائل السور إلا سورة واحدة وهي (براءة) فإنه لم تنزل لها بسملة، ولو نزل لها بسملة لكانت محفوظة موضوعة في مكانها؛ لأن الله تعالى يقول: إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ [الحجر: ٩]، ولكن الصحابة رضي الله عنهم أشكل عليهم هل هي مستقلة أو من سورة الأنفال، فوضعوا فاصلًا بينهما من أجل الإشكال فقط، أما أن هناك شكًّا في نزول البسملة أو لا فلا شك في هذا؛ لأن البسملة لو نزلت لَحُفظت كما تُحفظ آيات القرآن الأخرى، والصحيح أن البسملة ليست من السورة التي قبلها ولا من السورة التي بعدها، ولا تحسب من آياتها لا في الفاتحة ولا في غيرها خلافًا لبعض أهل العلم الذين قالوا: إنها آية من الفاتحة لا من غيرها، وعلى هذا جرت طباعة المصاحف، فإن طباعة المصاحف جعلوا البسملة آية من الفاتحة دون غيرها، والصحيح أنه لا فرق وأن البسملة ليست من الفاتحة، ودليل ذلك ما ثبت في الصحيح من حديث أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: قَسَمْتُ الصَّلَاةَ بَيْنِي وَبَيْنَ عَبْدِي نِصْفَيْنِ، فَإِذَا قَالَ: الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَقَالَ: حَمِدَنِي عَبْدِي» . ولم يذكر البسملة. ويدل لذلك أيضًا أنه إذا كانت الفاتحة بين الله وبين العبد نصفين فإنه لا يستقيم أن تكون البسملة منها؛ لأننا إذا عددنا الآيات وجدناها كما يلي: الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَآية، الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِآية، مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِآية، هذه ثلاث، إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُآية، هذه هي الرابعة، وهي الوسط، وهي التي بين الله وبين العبد نصفين، اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَآية، صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْآية، غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَآية؛ فتكون الآيات متناسقة، ويكون حق الخالق عز وجل ثلاث آيات مستقلة وهي الأولى، وحق العبد ثلاث آيات مستقلة وهي الآيات الأخيرة، والسابعة بينهما؛ شقها الأول تبع لأيش؟ لحق الله، وشقها الثاني تبع لحق العبد، وبهذا يُعرف أن البسملة ليست من الفاتحة. وقد مر علينا إعرابها، ففي أي شيء تعلق الجار والمجرور؟
طالب: (...).
الشيخ: فيه ما هو أحسن.
طالب: فعل مؤخر محذوف مقدر حسب السياق.
الشيخ: حسب السياق، أيش السياق؟
الطالب: إن كان فيه قرائن أو مسماها.
الشيخ: يعني حسب ما ابتدأ به أو ما سَمَّى عليه، إذن هي البسملة جار ومجرور متعلق بمحذوف، وهذا المحذوف فعل مؤخر يقدر بحسب المسمَّى عليه؛ فإذا كنت أريد أن أقرأ فالتقدير: باسم الله أقرأ، أريد أن أذبح: باسم الله أذبح، أريد أن أتوضأ: باسم الله أتوضأ، وهلم جرًّا، وإنما اختير أن يكون الفعل متأخرًا تيمُّنًا بالبداءة باسم الله من وجه، ولإفادة الحصر، أيش؟ من وجه آخر؛ لأن تقديم ما حقه التأخير يفيد الحصر، فكأنك تقول: لا أقرأ إلا باسم الله. وإنما اختير أن يكون فعلًا لا اسمًا -أي لا نقدِّر: باسم الله قراءتي، أو: باسم الله ابتدائي- لأن الأصل في العمل الأفعال دون الأسماء، ولذلك لا تجد اسمًا عاملًا إلا بشروط، بخلاف الأفعال، وإنما قدر مناسبًا لما يسمَّى عليه لأنه أنسب، ولأن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: «مَنْ لَمْ يَذْبَحْ فَلْيَذْبَحْ بِاسْمِ اللَّهِ» . قال: «فَلْيَذْبَحْ بِاسْمِ اللَّهِ»، فقدر فعلًا خاصًّا وهو الذبح، أما لفظ الجلالة فهو عَلَم خاص بالله عز وجل وحده لا يُسمَّى به غيره بالإجماع، وأما الرَّحْمَنِفهو عَلَم خاص بالله أيضًا لا يُسمَّى به غيره، وأما الرَّحِيمِفهو عَلَم على الله عز وجل، اسم من أسماء الله عَلَم عليه، لكن يوصف به غيره كما قال تعالى في النبي صلى الله عليه وسلم: لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ [التوبة: ١٢٨].
بماذا يفسر أهل السنة الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ؟ يفسرون (الرحمن) بأنه ذو الرحمة، وهي صفة لازمة تتعلق بذات الله عز وجل، ومن آثارها الإنعام والإحسان، ويفسرها أهل التعطيل بالإحسان فيقول: الرَّحْمَنِالمحسن أو المنعم، أو بإرادة الإحسان أو الإنعام؛ أي: المريد للإحسان، المريد للإنعام؛ لأنهم لا يصفون الله بصفة الرحمة، وكذلك يقال في الرَّحِيمِ.
فإن قال قائل: هل (الرحمن) و(الرحيم) مترادفان؟
فالجواب: إنْ ذُكِر أحدهما منفردًا عن الآخر فهو متضمن له، وإن ذُكِرا جميعًا فـ(الرحمن) باعتبار الوصف، و(الرحيم) باعتبار الفعل؛ لأن (الرحمن) فَعْلان، تدل على الوصف؛ كغضبان، وسكران، ونشوان، وما أشبهها، و(الرحيم) تدل على الفعل، فيكون (رحمن) هذا باعتبار وصف الله عز وجل بالرحمة، و(الرحيم) باعتبار فعله؛ أي: باعتبار رحمته لمن رحم؛ قال الله تعالى: يُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَيَرْحَمُ مَنْ يَشَاءُ [العنكبوت: ٢١].
قال الله تعالى: يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُالجملة هذه جملة ندائية مصدرة بـ(يا)، والمنادى: (أيُّ)، وهو مبني على الضم في محل نصب، و(ها) للتنبيه، والنَّاسُنعت لـ(أيُّ) أو عطف بيان، فهي مبنية على الضم في محل نصب.
يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُوجَّه الله الخطاب للناس مع أن السورة مدنية لبيان أن رسالة النبي صلى الله عليه وسلم عامة لجميع الناس.
والنَّاسُقيل: إن أصلها: أُنَاس، وإن الهمزة حذفت لكثرة الاستعمال تخفيفًا، كما حذفت الهمزة من (شر) و (خير)، وأصلها: (أَشَرّ) و(أَخْيَر)؛ تقول: هذا خيرٌ من هذا؛ أي: أخْيَر منه، هذا شرٌّ من هذا؛ يعنى أَشَرُّ منه، لكن حذفت الهمزة تخفيفًا لكثرة الاستعمال. وهو مشتق من الأنس؛ لأن البشر -كما يقال عنهم- مدنيون بالطبع يحتاجون إلى أن يأنس بعضهم ببعض، ولهذا لا تجد أحدًا يُحبَّب إليه الخلوة إلا لسبب، سبب خارج عن ما جبل الله عليه الناس.
يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍالتقوى هي من الوقاية، وهي أن يتخذ الإنسان وقاية من عذاب الله بفعل أوامره واجتناب نواهيه. والرب في قوله: رَبَّكُمُهو الخالق المالك المدبر، فهو متضمن لهذه المعاني الثلاثة : خالق؛ أي: موجد بعد العدم؛ أي: موجد من العدم، والثاني: مالك لا يشركه أحد في ملكه، والثالث: مدبر للأمور على ما تقتضيه حكمته.
الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍالَّذِيصفة لـ(رب)، ولكنها صفة كاشفة، ومعنى قولنا: كاشفة؛ أي: موضحة، موضحة لهذه الربوبية أو لبعض معانيها؛ واحترزنا بكلمة (كاشفة) عن كونها (مقيِّدة)؛ لأننا لو جعلناها مقيِّدة لكان هناك ربان: رب خلقنا من نفس واحدة، ورب لم يخلقنا من نفس واحدة، وليس الأمر كذلك، بل الذي خلقنا من نفس واحدة رب واحد، فتكون الصفة هنا صفةً، أيش؟
طلبة: كاشفة.
الشيخ: كاشفة؛ أي: موضحة لمعنى الربوبية أو لبعض معناها.
خَلَقَكُمْأوجدكم. مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَاهذه النفس هل يراد بها نفسٌ بعينها أو المراد بالنفس الجنس؟
الظاهر الأول؛ أن المراد بالنفس نفس بعينها وهو آدم عليه الصلاة والسلام الذي هو أبو البشر، خلقه الله تعالى من طين بيده الكريمة، وعلمه أسماء كل شيء يحتاج إليه؛ لأنه خُلِق من غير أن يكون هناك أحد يتعلم منه اللغة فعلمه الله تعالى اللغات التي يحتاج إليها، فيكون معنى قوله: عَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا [البقرة: ٣١] يعني مما أيش؟ مما يحتاج إليه، نعم.
وقوله: خَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَاأي: خلق من هذه النفس زوجها، وقد جاء في الآثار أنها خُلقت من ضلعه الأيمن -والله أعلم- لكن ثبت في السنة أن المرأة خلقت من ضلع .
وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَاولم يقل: زوجتها؛ لأن اللغة الفصحى أن الزوج يطلق على الرجل والمرأة، وأصله ضد الوتر؛ لأن الزوجة إذا انضمَّت إلى زوجها صارت شافعة له بعد أن كان منفردًا، ولهذا يقال: الزوجة شريكة زوجها في الحياة؛ لأن بعضهما انضم إلى بعض. خَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَايعنى بها أو يراد بها حواء.
وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءًبَثَّبمعنى نشر وأخرج مِنْهُمَاأي: من النفس وزوجها رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءًوهذان القسمان لا يخرج عنهما بنو آدم، وما جاء في الخنثى فإن الخنثى إما ذكر وإما أنثى أو مركب منهما، لكنه لا يخرج عن الذكورة والأنوثة.
وقوله: رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءًولم يقل: نساء كثيرات؛ لأن الكثرة في الرجال عزٌّ بخلاف الكثرة في الإناث، وإن كان الواقع أن النساء من بني آدم أكثر من الرجال، كما استنبط ذلك شيخ الإسلام رحمه الله من قول النبي صلى الله عليه وسلم: «إِنَّكُنَّ أَكْثَرُ أَهْلِ النَّارِ» ، وأن أهل النار من بني آدم تسعمئة وتسعة وتسعون ، فإذا كنَّ أكثر أهل النار وأهل النار من بني آدم تسعمئة وتسعة وتسعون لزم من هذا أن يكنَّ أكثر من الرجال، وهذا هو الواقع، لكن الكثرة في الرجال عِزٌّ وفخر ويفتخر الناس به، بخلاف النساء، فإن الكثرة منهن عالة وتعب وعناء. وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً.
وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِكرر الأمر بتقواه عز وجل لما لها من الأهمية؛ لأن الإنسان إذا وُفِّق لتقوى الله صلحت أموره الدينية والدنيوية، وقوله: الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَفي تَسَاءَلُونَقراءتان؛ الأولى: تَسَاءَلُونَكما هي بالمصحف، والثانية: {تَسَّاءَلُونَ}، وأصل {تَسَّاءَلُونَ}: تتساءلون.
تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَأي: يسأل بعضكم بعضا به للحماية فيقول: أسألك بالله أن تنقذني، أسألك بالله أن لا تؤذيني، أسألك بالله كذا وكذا مما يسأل؛ فالله تعالى هو الذي يتساءل به الناس.
وقوله: وَالْأَرْحَامَفيها قراءتان: بالجر وبالفتح، فإذا كانت بالفتح فهي معطوفة على قوله: اللَّهَيعني: واتقوا الأرحام لا تضيعوها، لا تفرطوا في حقها. و(الأرحام) جمع رحم، وهم القرابة، فيكون في الآية أمرٌ بصلة الأرحام والقيام بحقها.
وأما على قراءة الجر: {وَالْأَرْحَامِ} فهي معطوفة على الضمير في (به) أي: تساءلون به وبالأرحام. كيف التساؤل بالأرحام؟
التساؤل بالأرحام أنه مما جرت به العادة عند العرب أنه يقول: أسألك بالله وبالرحم، أو يقول: أسألك بالرحم التي بيني وبينك، وهم لعصبيتهم يقدرون الرحم تقديرًا بالغًا ويحترمونها ويرون حمايتها، ولهذا ذكَّرهم الله تعالى بها فقال: واتقوا الله الذي تساءلون به وبالأرحام.
فإذا قال قائل: هل بين القراءتين منافاة: {وَالْأَرْحَامِ} وَالْأَرْحَامَ؟
فالجواب: لا، والقراءتان في الحقيقة تصير الكلمة كلمتين؛ فإما أن تكون القراءة تبيانًا لإحدى القراءتين، يعني كل قراءة تبيانًا للأخرى، وإما أن تكون القراءة الثانية جاءت بمعنى جديد. وهنا القراءتان إحداهما مبيِّنة للأخرى ولَّا كل واحدة جاءت بمعنى جديد؟
الطلبة: كل واحدة جاءت بمعنى جديد.
الشيخ: كل واحدة جاءت بمعنى جديد؛ فقراءة النصب فيها الأمر باتقاء الأرحام؛ أي: اتقاء التفريط في حقهم، والآية الثانية فيها التذكير بأن الناس يتساءلون بالأرحام، ولم يتساءلوا بها إلا لعظم حقها بينهم، نعم.
إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًالما أمر بتقواه عز وجل مرتين في الآية قال: إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًاأي: يراقبكم في جميع أحوالكم؛ هل أنتم اتقيتم الله أم لم تتقوه؟ هل أنتم اتقيتم الأرحام وقمتم بواجبها أم لم تتقوها؟ هذا هو معنى قوله: إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا، وختم الآية بهذه الجملة يراد به التهديد من المخالفة، كما لو قلت لأحد من أبنائك: افعل كذا فأنا رقيب عليك، فهذا يعني أنك أيش؟
الطلبة: تهدده.
الشيخ: تهدده بألا يخالف، وأنه إن خالف فسيجد عقوبته.
يستفاد من هذه الآية الكريمة فوائد:
أولا: وجوب تقوى الله على جميع الناس، من أين تؤخذ؟
طالب: يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ..
الشيخ:يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُحيث وجَّه الخطاب لجميع الناس.
ومن فوائد هذه الآية الكريمة: بيان أن الناس أُوجدوا من العدم؛ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ، وفيها الرد على الفكرة الملحدة: أن الناس تطوروا من القرود إلى البشرية، من أين تؤخذ؟
طالب: مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ.
الشيخ: ونحن لا نعرف النفس إلا آدم الذي نحن من نسله، ولكن من ادعى أن أصل بني آدم قرد قلنا له: إقرارك على نفسك مقبول وعلى غيرك غير مقبول.
ومن فوائد هذه الآية الكريمة: التذكير بنعمة الله عز وجل بما خلق لنا من الأزواج؛ لقوله: وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا، و(من) هنا للتبعيض، ويجوز أن تكون بيانية؛ أي: من جنسها. وهذا من النعمة الكبيرة؛ لو كانت أزواجنا من غير جنسنا هل يمكن أن نركن إليها؟ أبدا، لا يركن الإنسان إلا إلى من كان من جنسه، لو كانت من جنس البقر أو من جنس الغنم هل يركن إليها الإنسان؟
الطلبة: لا.
الشيخ: لا يمكن؛ بل ينفر منها نفورًا شديدًا.
ومن فوائد الآية الكريمة: أن أصل هذه البشرية التي لا يحصيها إلا الله، أصلها كم؟
الطلبة: أصلها واحد.
الشيخ: أصلها واحد، وإن شئت فقل: أصلها اثنان: زوج وزوج، خلق منهما هؤلاء الرجال الكثير والنساء، بشر لا يحصيهم إلا الله عز وجل؛ لقوله: وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً.
ومن فوائدها: أن كثرة الرجال أهم من كثرة النساء؛ لقوله: رِجَالًا كَثِيرًافإن التنصيص على كثرة الرجال يدل على أهمية هذه الكثرة.
ومن فوائد الآية الكريمة: أهمية التقوى، ولهذا كرر الله الأمر بها مرتين.
ومنها: الإشارة إلى أن التقوى واجبة بمقتضى الربوبية وبمقتضى الألوهية.
طالب: يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُهذه مقتضى الربوبية.
الشيخ: نعم.
الطالب: وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَهذه مقتضى الألوهية.
الشيخ: نعم تمام.
ومن فوائد الآية الكريمة: أن التساؤل بالله أمر واقع معروف عند العرب؛ لقوله: تَسَاءَلُونَ بِهِ.
ولكن هل يجوز للإنسان أن يسأل غيره بالله؟
نقول: إن كان المقصود بذلك التذكير فلا حرج، وإن كان المقصود بذلك الإلزام ففيه نظر؛ إذا قال: أسألك بالله، يعني أذكِّرك به حتى تراعي عظمة الله وحقه، هذا لا بأس به. إذا كان القصد الإلزام أنك ستُلزمه فهذا إحراج؛ ومن ذلك ما يقع أحيانًا من بعض الذين يقدمون أسئلتهم في المحاضرات يقول: أسألك بالله إلا ما رددت علي. أو يقول لمقدم السؤال: أسألك بالله إلا ما قدَّمته. هذا إحراج؛ قد يرى المجيب أو المقدِّم من المصلحة أن لا يقدم هذا السؤال أو ألا يجاب عليه، فإذا سأل بالله هل تجب إجابته؟ نقول: إن سأل بالله شيئًا محرمًا فلا كرامة له ولا تجوز إجابته، كما لو قال: أسألك بالله أن تدخل بستان فلان وتأتي لنا منه ببرتقال وتفاح، يجوز هذا ولّا لا؟
الطلبة: لا يجوز.
الشيخ: لا، لا يجوز، ولا كرامة.
إذا سأل بالله شيئًا يضرني، قال: أسألك بالله أن تعطيني نصف مالك -طماع هذا- هل يجب عليَّ أن أجيبه؟
الطلبة: لا.
الشيخ: لا؛ لأن فيها ضرر عليّ.
إذا قال: أسألك بالله أن تعطيني حقي الواجب عليك.
بعض الطلبة: يجب أن أعطيه.
الشيخ: هنا يجب، يجب من وجهين: أولًا: أنه حق واجب، والثاني: أنه سأل بالله. وقال بعض أهل العلم: إن معنى قول النبي صلى الله عليه وسلم: «مَنْ سَأَلَكُمْ بِاللَّهِ» أي: من سألكم حقًّا أوجبه الله عليه؛ أوجبه الله على المسؤول، فكأن معنى قوله: «مَنْ سَأَلَكُمْ بِاللَّهِ» أي: من سألكم بشرع الله؛ أي: من سألكم سؤالًا يقتضي الشرع إجابته فأجيبوه، وليس المعنى: من قال: أسألك بالله؛ لأن من قال: أسألك بالله، قد يراد بها معنى لا يصح إطلاقًا؛ يعني إذا قال: أسألك بالله، وأراد أن يجعل الله شفيعًا إلى هذا المسؤول كان هذا حرامًا؛ لأنه لا يجوز أن يستشفع بالله على خلقه؛ فإن مقام الله أعظم من أن يكون واسطة بينك وبين الخلق.
ومن فوائد الآية الكريمة: وجوب احترام الأرحام؛ لقوله: وَالْأَرْحَامَعلى قراءة النصب، وكذلك الإشارة إلى احترام الأرحام على قراءة الجر؛ يعني كما أنكم تحترمونها وتسألون بها فعظِّموها وآتوها حقها.
ومن فوائد الآية الكريمة: التحذير من مخالفة الله عز وجل؛ من أين تؤخذ؟
طالب: من مخالفة الله سبحانه وتعالى.
الشيخ: التحذير من مخالفة الله.
الطالب: إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا.
الشيخ: من قوله: إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا، ومَن آمن بهذا؛ بأن الله رقيب عليه، فسوف يحذر من مخالفة الله عز وجل.
هل نأخذ من هذه الآية إثبات اسم الرقيب لله؟
نعم العلماء يأخذون منها إثبات اسم لله.
طيب هل نقول إن (كان) هنا يراد بها معناها الزمني أو لا؟
لا؛ لأنه لو أريد بها المعنى الزمني لكانت الرقابة قد مضت؛ ولكنها يراد بها تحقيق اتصاف الموصوف بالصفة التي كانت خبرًا في هذه الجملة، إذن تحقيق أن الله رقيب علينا، وكذلك قوله تعالى: وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًاليس المراد أنه كان فزال، بل المراد تحقيق اتصافه بالمغفرة والرحمة. إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا.
طالب : الجملة الاسمية أقوى من الجملة الفعلية؟
الشيخ: أقوى من حيث الثبوت والاستمرار، لكن هذه في مقام التهديد أقوى لأنها تفيد التجدد والحدوث والاستمرار، يعني وأنه مهما عملتم في أيِّ وقت فالرقابة ثابتة.
طالب: شيخ قول الإنسان لصاحبه: أسألك بالله، وهو يريد يعني أن يعطيه شيء حتى وإن (...) مثل قوله: أستشفع بالله عليك؟
الشيخ: لا لا، "أستشفع بالله عليك" حرام ما يجوز؛ لكن إذا قال: أسألك بالله، فبعض الناس يريد بها هذا المعنى؛ أي: يريد بها أن يستشفع بالله عليه، فإذا كان هذا مراده حرم؛ وأحيانًا يقول: أسألك بالله، يعني: بحق الله، يعني: أُلزمك بما لله عليك من حق أن تعطيني كذا.
طالب: بس يا شيخ هذا قليل جدا؟
الشيخ: أين القليل؟
الطالب: الثاني هذا.
الشيخ: إذا كان يريد الأول يجب النهي عنه.
الطالب: إذن –يعني- لا يجوز (...).
الشيخ: إذا كان قصده الاستشفاع، لكن في ظني أن الذين يقولون: أسألك بالله، يريدون إلزامك بحق الله، يعني: إن كان الله معظَّمًا عندك فإني أسألك به، أما إذا قصد أنه يجعله شافعًا؛ أي: يجعله واسطة بينك وبينه، فهذا حرام.
طالب: (...) يا شيخ جواز السؤال بالله، فهل يؤخذ جواز السؤال بالأرحام في القراءة الثانية؟
الشيخ: إي نعم، بس لا تقرن بالله.
طالب: كيف؟
الشيخ: يقول: أسألك بالرحم اللي بيني وبينك، يعني كأنه يذكِّره الصلة التي بينه وبينه حتى لا يعتدي عليه.
طالب: شيخ أحسن الله إليك، في قراءة البسملة بعض العلماء يثبت الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قرأ البسملة جهرًا ، وبعض العلماء يضعف هذا الحديث، ولكن قد يستدل بهذا الحديث أن البسملة من الفاتحة، فكيف تجاوب بهذا الحديث؟
الشيخ: مادام حديثًا ضعيفًا فقد كُفِينا إياه.
الطالب: لكن صححه بعض أهل العلم.
الشيخ: من كان عنده صحيحًا فليجعلها من الفاتحة، لكن كون الرسول يُسر بها أحيانًا ويجهر بها أحيانًا يدل على أنها ليست من الفاتحة؛ لأنها لو كانت من الفاتحة لجهر بها دائمًا.
الطالب: (...) الذين يقولون بصحة الحديث عندهم أن الحديث صحيح طرقه كثيرة.
الشيخ: أنا أقول: صحيح، لكن هل هو جهر ولم يسر؟
طالب: جهر النبي بالبسملة.
الشيخ: ولم يسر؟
طالب: أسر بعض الأحيان.
الشيخ: طيب، إسراره بها بعض الأحيان يدل على أنها ليست من الفاتحة؛ لأنه لو كانت منها لجهر بها دائمًا كما يجهر بالفاتحة، هذه واحدة.
شيء ثانٍ: كون الجهر بها يدل على أنها منها احتمال، وحديث أبي هريرة: «قَسَمْتُ الصَّلَاةَ بَيْنِي وَبَيْنَ عَبْدِي نِصْفَيْنِ» ما فيه احتمال.
طالب: شيخ (...) نعت أو عطف بيان (...)؟
الشيخ: أو، خلاف، لتنويع الخلاف؛ والأرجح في هذا أنه إن كان ما بعدها مشتقًّا فهو نعت مثل يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ، وإن كان جامدًا مثل يَا أَيُّهَا النَّاسُفهو عطف بيان، سليم؟
الطالب: نعم.
طالب: (...) الرسول صلى الله عليه وسلم بالجهر بالبسملة (...) والسكوت عنها بعض الأحيان هذه يؤخذ منها عدم الإحراج للأمة، صلى الله عليه وسلم، يراعي (...)، يؤخذ منها المعنى ذا؟
الشيخ: ربما يؤخذ هذا المعنى، ربما يؤخذ، لكن كثيرًا من العلماء يضعفون حديث الجهر بالبسملة، لاحظ هذه.
طالب: شيخ، قول بعض الناس: بالله عليك تعطيني كذا، هل يكون من باب الاستشفاع؟
الشيخ: إي، هذا من السؤال بالله، ويحتمل أنه من الاستشفاع بالله، ولهذا يجب أنه يقال للقائل: ماذا تريد بالله عليك؟ قد يقول: "بالله عليك" يعني أقسم بالله عليك، فيكون قسمًا، نعم، هي أقرب ما له أن يكون المعنى: أقسم بالله عليك، أو: أستشفع بالله عليك، نعم.

***

طالب: وَآتُوا الْيَتَامَى أَمْوَالَهُمْ وَلَا تَتَبَدَّلُوا الْخَبِيثَ بِالطَّيِّبِ وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَهُمْ إِلَى أَمْوَالِكُمْ إِنَّهُ كَانَ حُوبًا كَبِيرًا (٢) وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ ذَلِكَ أَدْنَى أَلَّا تَعُولُوا (٣) وَآتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْسًا فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَرِيئًا [النساء: ٢ - ٤].

الشيخ: بس، أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله تعالى: يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُالآية، أولًا: هذه السورة مكية أو مدنية؟
طالب: مكية.
الشيخ: مكية.
الطالب: لأنها صدرت بـيَا أَيُّهَا النَّاسُ.
الشيخ: بـيَا أَيُّهَا النَّاسُ، نعم.
الطالب: مدنية.
الشيخ: مدنية ما الفرق بين المدني والمكي؟
طالب: قيل: إن المدني ما نزل بعد الهجرة ولو كان في غير المدينة، والمكي ما نزل قبل الهجرة ولو كان بغير مكة.
الشيخ: هذا هو الصحيح، هذا القول هو الصحيح، قوله تعالى: يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍالَّذِي خَلَقَكُمْ، هذه الصفة تسمى صفة؟
طالب: كاشفة.
الشيخ: كاشفة، وما معنى الصفة الكاشفة؟
الطالب: (...).
الشيخ: لا، كيف؟
طالب: الصفة الكاشفة.
الشيخ: إي، في هذه الآية.
الطالب: في هذه الآية يعني ليست مقيدة بأن الله ربنا هو الذي خلقنا، وإن كان ربنا هو الذي خلقنا، لكن ظاهر الآية يقول إنها مقيِّدة؛ قد يكون للناس ربان: رب خلقهم، ورب لم يخلقهم.
الشيخ: إذن، ويش معنى كاشفة؟
طالب: يعني توضح (...).
الشيخ: توضح شيئًا من جانب الربوبية؛ أنه خلقنا. طيب ما المراد بالنفس الواحدة؟
الطالب: النفس الواحدة شيئان: إما أن يكون مقصود بها نفس الجنس، أو المقصود بها عين (...).
الشيخ: نعم، إما أن يكون المراد بها الجنس أو العين. إن قلنا: الجنس؛ فالمعنى من جنس واحد، وإن قلنا: العين؛ فالمراد بها آدم، وهذا هو الصحيح.
قوله: وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًاما معنى بَثَّ مِنْهُمَا؟
طالب: (...).
الشيخ: رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءًلم يقل: كثيرات، فهل هذا من باب الاكتفاء مثل قوله: وَجَعَلَ لَكُمْ سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ [النحل: ٨١] يعني والبرد، أو أن هذا تنبيه على شيء؟
طالب: (...) على أن كثرة الرجال عز، وليس الأمر كذلك بالنسبة للنساء لذلك (...).
الشيخ: أحسنت، طيب قوله: تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَفيها قراءتان؟
طالب: نعم، تَسَاءَلُونَو {تَسَّاءَلُونَ}.
الشيخ: تَسَاءَلُونَو {تَسَّاءَلُونَ}، ما أصل {تَسَّاءَلُونَ}؟
الطالب: تتساءلون.
الشيخ: تتساءلون. طيب، ما معنى التساؤل بالله؟
الطالب: (...).
الشيخ: يعني الشفاعة بالله، تجعل الله شافعا لك إلى هذا الشخص؟ لا.
طالب: الأمر فيه تفصيل: إذا كان يستشفع بالله..
الشيخ: إحنا ما نبغي الحكم، ما معنى تَسَاءَلُونَ بِهِ؟
طالب: أسألك بالله.
طالب آخر: يسأل بعضكم بعضا بالله.
الشيخ: يسأل بعضكم بعضا بالله؛ مثل؟
الطالب: (...).
الشيخ: أسألك بالله كذا وكذا، أو: أنشدك بالله، أو ما أشبه ذلك، طيب.
ما العلاقة بين قوله: وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِبين الأمر بالتقوى وبين كونهم يتساءلون به؟
طالب: كونهم يتساءلون به يدل على أنهم يعبدوه (...).
الشيخ: تمام، لأن كونهم يتساءلون به يدل على أنه عظيم عندهم، والعظيم يجب أن يُتَّقى. طيب، قوله: وَالْأَرْحَامَالعامل، فيها قراءتان.
الطالب: وَالْأَرْحَامَ{وَالْأَرْحَامِ} (...).
الشيخ: لا، اصبر (...) أعطنا القراءة ونشوف بعدُ توجيهها.
الطالب: وَالْأَرْحَامَبالنصب، {وَالْأَرْحَامِ} بالكسر.
الشيخ: بالكسر، على قراءة النصب؟
الطالب: وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَأي: اتقوا الأرحام (...).
الشيخ: أحسنت، اتقوا الأرحام كيف نتقيها يعني؟
الطالب: (...).
الشيخ: إي، لكن ويش معنى اتقائها؟ ما معنى اتقائها؟
الطالب: (...).
الشيخ: يعني ألا تقطعوها. طيب وعلى قراءة الجر {وَالْأَرْحَامِ}؟
طالب: (...) يسألون بحق الرحم وكان ذلك في الجاهلية معروف عندهم أن الرحم كان له منزلة عالية عندهم (...) المعنى يا شيخ
الشيخ: المعنى، المعنى ويش يكون؟ {وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامِ}.
الطالب: المعنى أن يسألوا بالأرحام يا شيخ..
الشيخ: يتساءلون بالأرحام، فتكون عطفا على إيه؟
الطالب: على الضمير يا شيخ؛ (بِهِ).
الشيخ: على الضمير في (بِهِ) كذا؟
طيب، قوله: إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا(كان) تفيد المضيّ، وهل الله عز وجل كان رقيبًا ثم زالت رقابته؟
طالب: لا؛ (...) كان ولا زال مستمرا في (...)
الشيخ: يعني إذن هي مسلوبة الزمان، مسلوبة الدلالة على الزمن، والمقصود بها تحقيق اتصافه بهذه الصفة ولها نظائر: إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًاهي ليس المعنى كان فيما مضى، بل: ثبت أنه غفور رحيم، عرفت؟
طيب، الآن فيه إشكال على قراءة الجر من حيث القواعد النحوية؛ لأن النحويين يقولون: إذا عطفت على ضمير متصل فأتِ بالضمير المنفصل، أو أعِدْ حرف الجر فقل: تساءلون به وبالأرحام. فهل نقول إن في القرآن ما خرج عن القواعد؟ لا؛ نقول: إن القرآن حاكم وليس محكومًا عليه، وكون النحويين يقولون: هذا شاذ، نقول: الشاذ أنتم، ليس في القرآن ما هو شاذ أبدًا، القرآن بلسان عربي مبين، وإذا كان يقِلّ استعمال هذا عند العرب فإنه بنزول القرآن به يكون كثيرًا أو قليلا؟
الطلبة: كثيرًا.
الشيخ: يكون كثيرًا يقرؤه الناس في كل وقت وفي كل حين، ولهذا أنكر الرازي وأنكر محمد رشيد رضا وغيرهم من العلماء أنكروا على النحويين إنكارًا بالغًا في هذا وقالوا: كيف يقولون: إن في القرآن شيئًا شاذا؟! والقرآن يَحكم ولا يُحكم عليه، بل إذا جاء في القرآن تركيب لم يُعهد في اللغة العربية فإن الفضل للقرآن بإحياء هذا التركيب، وابن مالك رحمه الله قال: إنه ليس بلازم أن يُعاد حرف الجر فقال:
وَلَيْسَ عِنْدِي لَازِمًا إِذْ قَدْ أَتَى فِي النَّظْمِ وَالنَّثْرِ الصَّحِيحِ مُثْبَتَا

وهذا هو الصحيح؛ وعلى هذا فنقول في كل آية زعم النحاة أنها شاذة نقول: الشاذ أنتم، ليس في القرآن شيء شاذ، كل ما في القرآن فهو على اللغة الفصحى بلسان عربي مبين، ويجب أن تؤخذ القواعد من القرآن ليَحكم بها وعليها، لا أن تؤخذ القواعد مؤصلة باصطلاحات حادثة ثم يقال: القرآن أيش؟ شاذ.
تفسير الآية (2)
00:49:46

قال الله تعالى: وَآتُوا الْيَتَامَى أَمْوَالَهُمْآتُوابمعنى أعطوا. و(أَتَوْا) بمعنى؟
طلبة: جاؤوا.
الشيخ: جاؤوا، وقوله: الْيَتَامَىمفعول أول، وأَمْوَالَهُمْمفعول ثانٍ، وهذا الفعل آتُواينصب مفعولين ليس أصلهما المبتدأ والخبر.
وقوله: الْيَتَامَىجمع يتيم، وهو مأخوذ من اليُتم وهو الانفراد، والمراد به اصطلاحًا: من مات أبوه وهو صغير لم يبلغ سواء كان ذكرًا أم أنثى، أما إذا بلغ فإنه يزول يُتْمه بحسب الاصطلاح والحكم الشرعي، ولهذا جاء في الحديث: «لَا يُتْمَ بَعْدَ احْتِلَامٍ» أي: بعد بلوغ؛ لأنه إذا بلغ استقل بنفسه.
وقوله: آتُوا الْيَتَامَى أَمْوَالَهُمْأَمْوَالَهُمْيعني: التي لهم، سواء كانت عندكم بصفتكم أولياء أو كانت ليست عندكم ولكن أخذتموها بغير حق.
وقوله: آتُوا الْيَتَامَى أَمْوَالَهُمْيعني: لا تخونوا منها شيئًا، ولا تكتموا منها شيئًا، ولا تفسدوها، بل أعطوها كما كانت.
ولا يلزم من قوله: آتُوا الْيَتَامَى أَمْوَالَهُمْأن نعطيهم المال وهم أيتام؛ لأن اليتيم لا يُعطى ماله إلا إذا اختُبر، كما قال الله تعالى: وَابْتَلُوا الْيَتَامَى حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ، وهنا فرق بين دفع المال إليه وبين حفظ المال له حتى يؤتاه كاملًا، فالآية التي معنا المراد بها الأول أو الثاني؟
طلبة: الثاني.
طلبة: الأول.
الشيخ: الظاهر ما تفهموا الأول والثاني، نسيتموه.
هل هناك فرق بين الإيتاء وبين الدفع؟
نقول: نعم، بينهما فرق؛ لأن الدفع معناه: لا تعطه المال حتى يبلغ ويرشد؛ حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ، وأما إيتاء المال فالمراد أن نحفظ المال لهم بحيث نعطيهم إياه كاملًا عند وجوب الدفع.
وَلَا تَتَبَدَّلُوا الْخَبِيثَ بِالطَّيِّبِيعني لا تأخذوا الطيب بدلا عن الخبيث . لَا تَتَبَدَّلُوا الْخَبِيثَ بِالطَّيِّبِأي: لا تأخذوا الخبيث بدلًا عن الطيب. كيف لا نأخذ الخبيث بدلًا عن الطيب؟
المعنى: أننا لا نعطيهم الخبيث من أموالنا ونأخذ بدله طيبًا، هذا معنى الآية.
وقيل: معناها لا تأخذوا أموالهم تستغنوا بها عن الطيب؛ لأن الأموال حرام والحرام خبيث. ففيها وجهان:
الوجه الأول: ألا تأخذوا الطيب من أموالهم وتعطوهم الخبيث؛ مثاله: أن يكون لليتيم غنم سمينة جيدة، وعند وليه غنم هزيلة رديئة، فيأخذ من غنم اليتيم من الطيب ويعطيه الرديء، هذا حرام. أو يكون عنده بُرٌّ طيب نقي فيأخذه ويعطيه بُرًّا رديئًا مخلوطًا، وما أشبه ذلك، فالمعنى إذن: لَا تَتَبَدَّلُوا الْخَبِيثَ بِالطَّيِّبِأي: لا تأخذوا الطيب وتعطوهم الخبيث، هذا واحد.
المعنى الثاني أو الوجه الثاني: لا تأخذوا من أموالهم شيئًا؛ لأن أموالهم حرام عليكم، والحرام خبيث، ويكون معنى الآية: لا تأخذوا أموالهم فتستغنوا بها عن الطيب الذي تكتسبونه بوجه حلال.
وكلا الأمرين محرم؛ يعني سواء أخذت ماله بدون أن تعطيه عنه شيئًا، أو أخذت ماله الطيب وأعطيته مالًا رديئًا، فكله حرام.
وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَهُمْ إِلَى أَمْوَالِكُمْإِلَىقال العلماء إنها بمعنى (مع)؛ أي: لا تأكلوا أموالهم مع أموالكم. وقيل: بل (إلى) على بابها، ولكن تَأْكُلُواضمِّنت معنى (تضُمُّوا)؛ أي: لا تضُمُّوا أموالهم إلى أموالكم فتأكلوها، وهذا الأخير أصح؛ لأن تضمين الفعل معنى فعل آخر في القرآن كثير، وإتيان (إلى) بمعنى (مع) قليل، وحمل الآية على المعنى الكثير في القرآن أَوْلى من حملها على المعنى القليل، وهذه من قواعد التفسير: أن حمل الآية على المعنى الكثير في القرآن أَوْلى من حملها على المعنى القليل؛ لأنها إذا كانت هي الكثير في القرآن صارت هي اصطلاح القرآن وهي حقيقة القرآن.
إِلَى أَمْوَالِكُمْ إِنَّهُالضمير يعود على الفعل السابق المكون من شيئين: تبديل الخبيث بالطيب، والثاني: أكل الأموال إلى أموالنا، إِنَّهُأي: هذا الفعل، فالضمير يعود على الفعل المفهوم مما سبق.
إِنَّهُ كَانَ حُوبًا كَبِيرًاأي: كان عند الله حُوبًاأي: إثمًا أو ذنبًا، والكبير ضد الصغير؛ لأن الذنوب تنقسم إلى صغائر وكبائر، فهذا من الذنب الكبير.
في هذه الآية عدة فوائد:
منها: بيان رحمة الله عز وجل حيث أوصى بهؤلاء اليتامى؛ لأن اليتيم محل الرحمة، فهو مكسور الخاطر، ليس له أب، وربما لا يكون له أم أيضًا، فلهذا أوصى الله بالعناية به وبماله.
ومنها: وجوب حفظ أموال اليتامى، ما وجهه؟ لأنه يلزم من إيتائهم أموالهم أيش؟ يلزم منها الحفظ؛ إذ لو فرط وأهمل وضاعت الأموال لم يكن قد آتاهم أموالهم.
ومن فوائد الآية الكريمة: أن اليتيم يملك وملكه تام؛ لقوله أيش؟
الطلبة: أَمْوَالَهُمْ.
الشيخ: أَمْوَالَهُمْ. ويتفرع على هذه الفائدة أن الزكاة واجبة عليهم؛ لأن الزكاة تبع للملك، قال الله تعالى: خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً [التوبة: ١٠٣]، وقال النبي صلى الله عليه وسلم لمعاذ بن جبل حين بعثه لليمن قال: «أَعْلِمْهُمْ أَنَّ اللَّهَ افْتَرَضَ عَلَيْهِمْ صَدَقَةً فِي أَمْوَالِهِمْ» ، فإذا ثبتت الملكية ثبت وجوب الزكاة، أفهمتم؟ طيب، وفي هذا ردٌّ على قول بعض أهل العلم رحمهم الله: إنها لا تجب الزكاة في أموال اليتامى؛ لأن اليتيم صغير غير مكلف. فنقول في الجواب عن هذا: إن الزكاة ليست تكليفًا محضًا، بل هي تكليف لحق الغير، وهم الفقراء، فهي شبيهة بالدَّيْن، ولهذا وجبت في أموال اليتامى والمجانين وإن كانوا غير مكلَّفين.
ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن اليتيم تجب النفقة في ماله على من تجب عليه نفقته، من أين تؤخذ؟ من إثبات المالية، والنفقة واجبة على كل غني لكل فقير، فإذا تمت شروط النفقة ولم يبق إلا البلوغ قلنا: إن البلوغ ليس بشرط؛ لأن الله أثبت المالية لليتامى، وإذا ثبتت المالية ترتب عليها ما يترتب على ذوي الأموال.
ومن فوائد هذه الآية الكريمة: وجوب أداء الأمانة؛ لقوله: وَلَا تَتَبَدَّلُوا الْخَبِيثَ بِالطَّيِّبِ.
ومن فوائدها: إطلاق اسم (الخبيث) على الرديء، صح؟ على أحد الوجهين في تفسير الآية، وقد صرح الله عز وجل بأن الرديء يسمى خبيثًا فقال: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَلَا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ [البقرة: ٢٦٧] فسماه خبيثًا؛ أي: سمى الرديء خبيثًا؛ وسمى النبي صلى الله عليه وسلم البصل ونحوه خبيثًا وقال: إنه حلال ، مع إنه أطلق عليه وصف خبيث.
ومن فوائد هذه الآية الكريمة: تحريم ضم مال اليتيم إلى مال الولي إذا كان لقصد إتلافه، منين أخذها؟
الطلبة: (...).
الشيخ: وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَهُمْ إِلَى أَمْوَالِكُمْأما إن ضم ماله إلى ماله لا لقصد الأكل والإتلاف ولكن لقصد الحفظ والتجارة فإن هذا لا بأس به، بل قد يتعين على الإنسان؛ فإذا ضم مال اليتيم إلى ماله لقصد الحفظ أو لقصد التجارة فإنه إحسان إليه ولا يدخل في النهي؛ لأن الله قال: وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَهُمْ إِلَى أَمْوَالِكُمْ، لم يقل: لا تخلطوها، ولهذا قال الله في سورة البقرة: وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْيَتَامَى قُلْ إِصْلَاحٌ لَهُمْ خَيْرٌ وَإِنْ تُخَالِطُوهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنَ الْمُصْلِحِ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَأَعْنَتَكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ [البقرة: ٢٢٠]، لكن في حال ضم المال إلى المال لقصد الحفظ أو التكسب يجب أن يحتاط الإنسان في كتابة مال اليتيم الذي أدخله مع ماله، وتمام الاحتياط أن يُشهد على ذلك، فيقول مثلا: أدخلت كذا وكذا من مال اليتيم في ضمن مالي الذي اشتريت به الأرض، اشتريت به السيارات، وما أشبه ذلك مما يتكسب به.
ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن العدوان على مال الأيتام بأخذ الطيب وإعطاء الخبيث أو أكل مالهم أيش؟ من كبائر الذنوب؛ لقوله تعالى: إِنَّهُ كَانَ حُوبًا كَبِيرًا.
فإن قال قائل: لماذا لم يقل عز وجل: وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَهُمْولم يقل: إِلَى أَمْوَالِكُمْ؟ فالجواب: أقول لم يقل: ولا تأكلوا أموالهم ويطلق، لو قال: ولا تأكلوا أموالهم إنه كان حوبا كبيرا، لكفى، لكنه قال: أَمْوَالَهُمْ إِلَى أَمْوَالِكُمْلأن ولي اليتيم قد يتستر، قد يتستر ويُدخل مال اليتيم في ماله، ومن يعلم عنه؟! فلهذا قال: لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَهُمْ إِلَى أَمْوَالِكُمْ، وعلى هذا فيكون هذا -أعني إِلَى أَمْوَالِكُمْ- ليس قيدًا بحيث نقول: لو أكل ماله من غير أن يضمه إلى ماله فهو جائز، لا، لا نقول، بل نقول: هذا، إنما ذكر الله هذا لأن بعض الأولياء يتستر فيُدخل مال اليتيم في ماله ولا يعلم أحد به.
تفسير الآية (3)
01:05:37

ثم قال الله تعالى: وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِالآية الأولى في أموال اليتامى والثانية في أبضاع اليتامى، البضع، قال: وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْالْيَتَامَىجمع يتيم، والمراد به اليتامى من النساء.
وقوله: إِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُواقال بعضهم: الخوف هنا بمعنى العلم، يعني: علمتم ألا تقسطوا، واستدل بقوله تعالى: فَمَنْ خَافَ مِنْ مُوصٍ جَنَفًا أَوْ إِثْمًا فَأَصْلَحَ بَيْنَهُمْ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ [البقرة: ١٨٢]؛ فإن معنى فَمَنْ خَافَأي: فمن علم، ولكن الصحيح في هذه الآية في آية النساء وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُواأن المراد بها الخوف وإن لم يعلم، لكن متى خاف الإنسان ألَّا يقسط في اليتامى فليفعل ما ذكر الله.
وقوله: أَلَّا تُقْسِطُواأي: ألَّا تعدلوا في اليتامى، وهنا فرق بين (أقسط) و(قَسَطَ)، أقسط معناها؟
طالب: (قَسَطَ) معناها عَدَل.
الشيخ: (قَسَطَ) بمعنى عَدَل، و(أقسط) أي: جار.
الطالب: أي: جار.
الشيخ: ولكن لو عكستَ لأصبتَ.
الطالب: (قَسَطَ) يعني عَدَل.
الشيخ: لا، (قَسَطَ) بمعنى جار، و(أقسط) بمعنى عدل، ولهذا قال الله تعالى: إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ [المائدة: ٤٢]، وقال: وَأَمَّا الْقَاسِطُونَ فَكَانُوا لِجَهَنَّمَ حَطَبًا [الجن: ١٥]، إذن أَلَّا تُقْسِطُواأي: ألَّا تعدلوا في اليتامى.
وكانوا في الجاهلية إذا تولى الإنسان على ابنة عمه جار عليها، جار عليها بأن يتزوجها وهي كارهة، أو يتزوجها بدون مهر أو بمهر قليل، أو يتزوجها وهو كاره لها لكن يريد أن يتحجرها، أو غير ذلك من أنواع الظلم والجور، فقال الله عز وجل مرشدًا عباده: إن خفتم عدم العدل فالباب مفتوح فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ؛ يعني: ليست النساء معدومة إلا هؤلاء اليتيمات، بل الأمر واسع، اعدلوا عنهن، اعدلوا عنهن وجوبًا أو استحبابًا؟
طلبة: استحبابًا.
الشيخ: لا، وجوبًا، إذا خاف ألَّا يعدل في اليتيمة وجب عليه أن يعدل عنها؛ صح؟ لقوله: فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِيعني: اتركوهن وانكحوا ما طاب لكم من النساء، (ما) فسرها بعضهم بـ(مَن)؛ فانكحوا من طاب، لماذا؟ قال: لأن المرأة عاقلة من ذوات العقل، والعاقل له (مَن) وغير العاقل له (ما)، فقالوا: إن (ما) بمعنى (من) أي: فانكحوا من طاب. ولكن هذا القول ضعيف، بل نقول: إذا كان الأمر يراد به الوصف فالوصف ليس من العقلاء فيؤتى بـ(ما)، وهنا المرأة تطيب للرجل لشخصها أو لوصفها؟ الثاني؛ لوصفها، ولهذا عبر بـ(ما)؛ قيل: إن اختيار المرأة لما قام بها من الأوصاف التي توجب اختيارها، فالصحيح أن (ما) هنا في موضعها وليست بمعنى (من).
وقوله: مَا طَابَ لَكُمْمَا طَابَأي ما حسُن ورأيتموه طيبًا وطابت به نفوسكم، ولا تُكرهوا أنفسكم على نكاح من لا تريدون ومن لا تطيب لكم؛ لأن إكراه الإنسان نفسه على من لا تطيب له كإكراه الرجل نفسه على طعامٍ لا يشتهيه، وإذا أكره الإنسان نفسه على طعام لا يشتهيه صار هذا الطعام في معدته حجارة؛ يعني لا تهضمه المعدة، ولكن انكح من تطيب به نفسك. تطيب النفس بأي شيء؟ بالجمال، نعم؛ «تُنْكَحُ الْمَرْأَةُ لِأَرْبَعٍ: لِمَالِهَا، وَحَسَبِهَا، وَجَمَالِهَا، وَدِينِهَا» ، ومن المال: الوظيفة؛ تُنكح المرأة الآن لوظيفتها؛ لأن الوظيفة تحصيل للمال، أليس كذلك؟! إذن المرأة تطيب للرجل بأحد هذه الأوصاف الأربعة، وهذه أوصاف أغلبية، وإلا فقد يَنكح المرأةَ لا لهذه الأوصاف، لأسباب أخر، لكن هذا هو الغالب.
فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ(مِن) يسميها العلماء أيش؟
طالب: بيانية.
الشيخ: بيانية؛ لأنها جاءت بعد اسم مبهم، وهو اسم موصول، فتكون مبينة لهذا المبهم، وكلما جاءت (مِن) بعد اسم الشرط أو الأسماء الموصولة فهي أيش؟ بيانية؛ وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللَّهُ [البقرة: ١٩٧] هذه بيانية، وكذلك هنا.
طالب: (...) إن قلنا في قوله تعالى (...) قول بعض أهل العلماء إنها منسوخة بقوله تعالى وَإِنْ تُخَالِطُوهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ [البقرة: ٢٢٠].
الشيخ: سؤال يقول: إن بعض العلماء قال: هذه الآية منسوخة بقوله تعالى: وَإِنْ تُخَالِطُوهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ.
الجواب: أن هذا القائل أخطأ، أخطأ خطأً عظيمًا؛ لأن قوله: وَإِنْ تُخَالِطُوهُمْ فَإِخْوَانُكُمْليس هو الأكل الذي نهى الله عنه هنا حتى نقول: إن بين الآيتين تعارض؛ الله يقول: وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَهُمْتخلطوها لأجل تأكلوها، أما إذا خلطها للإصلاح أو لمصلحة فقد عرفتم أن هذا لا بأس به، لكن بعض العلماء -عفا الله عنا وعنهم- إذا عجزوا عن الجمع بين النصين قالوا: هذا منسوخ، وأقول: إذا عجزوا لأنه قد لا يكون بين النصين تعارض؛ قد يكون كل نص محمولًا على معنى، وهذه مسألة خطيرة جدًا خطيرة؛ لأن معنى النسخ إنكار المنسوخ، أخذتم بالكم، ما هي مسألة هينة؛ معنى النسخ أني أنكرت المنسوخ ولم أجعله حكمًا شرعيًّا، فالمسألة خطيرة، ولهذا لا يجوز ادعاء النسخ مع إمكان الجمع أبدًا.
طالب: الآن لو قدَّرنا مكان (ما) (مَن) السياق يكون أوضح من التقدير الآخر.
الشيخ: لا إله إلا الله، إذن هذا قدح في القرآن، استغفر الله، قل: اللهم اغفر لي، ليست أوضح، بل هذا إشارة من الله عز وجل كما سيأتي في الفوائد أن الإنسان ينبغي أن يركز على المعاني والأوصاف.
طالب: لو قدَّرنا (مَن) بدل (ما)؟
الشيخ: لو قدَّرنا (مَن) صار معناها التعيين فقط.
الطالب : لكن لو قدَّرنا الوصف، كيف يكون السياق؟
الشيخ: لو قدرنا أيش؟
الطالب: لو وضعنا الآن وصف، كيف يكون السياق؟
الشيخ: وصف؟
الطالب: فيه وصف النساء.
الشيخ: بس الوصف لا بد له من موصوف، والوصف ما هو بيُنكح، لكن المعنى أن تُنكح المرأة لأوصافها لا لعينها.
الطالب: (...)، عندنا إشكال أن الرسول صلى الله عليه وسلم والصحابة هم عرب صحيح (...) القرى ولكان يستدل أن اختلاف الناس يعد (...) العرب؟
الشيخ : هي التي أيش؟
الطالب: أقول : على وقت الرسول صلى الله عليه وسلم هم عرب صحيح (...) المعاني إن قالوا هذا من غير اللغة العربية.
الشيخ: إي نعم، السبب أنه نزل القرآن بلغتهم، الآن لو أكلم إنسانًا عاميًّا باللهجة العامية يشكل عليك كلامي؟ لا يشكل؛ هم في وقتهم اللغة العربية الفصحى مثل اللغة العامية عندنا الآن.
طالب: شيخ، أحسن الله إليك، بعض المنافقين يستدلون بهذه الآية فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِأن الإسلام ظالم، قلنا: لماذا؟ قالوا: لأن المرأة إذا تزوج الرجل اثنين أو ثلاثة أو أربع فإنه يكون ظلم لهذه المرأة؛ يسبب الحقد والأذى، يستدلون من هذه الآية، فكيف نوجهها أحسن الله إليك؟
الشيخ: ما جاء وقتها، هذه وقتها في الفوائد إن شاء الله.
طالب: شيخ (...) قد يتعين ضم مال اليتيم (...) التجارة؟
الشيخ: قد يتعين ضم ماله؟
الطالب: للتجارة مثلًا.
الشيخ: لا لا، إذا كان هناك ظالم يأخذ أموال اليتامى بحجة أنه سيحفظها، نحن نعرف أنه ما يريد حفظها، يريد أكلها، فجاء إنسان يقيدها مع ماله هذا يجب عليه.
طالب: شيخ، السلام عليكم يا شيخ، إذا ضم مال اليتيم مع ماله وخسر في ماله يعوض اليتيم مال.
الشيخ: (...) يقول: ضم مال اليتيم إلى ماله فخسر في ماله هل يضمن لليتيم أو لا؟
نقول: مادام حين فعله يعتقد أن هذا هو الأصلح ولكن أخلفت الأمور فليس عليه شيء، ليس عليه إثم ولا ضمان؛ لأنه يقول: فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ [التغابن: ١٦]، وهذه قاعدة: كل إنسان له الولاية في التصرف (...) فلا ضمان عليه فضلا أن تأتي الأمور بغير ما يتوقع.
طالب: شيخ ما الفائدة من تخصيص الأكل لَا تَأْكُلُوا.
الشيخ: الفائدة من ذكر الأكل لأنه أكثر ما يكون، هو أعم ما يكون من الانتفاعات، ولأنه هو الذي ينتفع به البدن انتفاعًا مباشرًا، اللباس أنت تنتفع به لكن من خارج، فلهذا تجدون الآيات كلها تعبر في الغالب بأكْل؛ إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا [النساء: ١٠]، يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا الرِّبَا أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً [آل عمران: ١٣٠]، وأشباه ذلك.

***

طالب: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ ذَلِكَ أَدْنَى أَلَّا تَعُولُوا (٣) وَآتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْسًا فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَرِيئًا (٤) وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَامًا وَارْزُقُوهُمْ فِيهَا وَاكْسُوهُمْ وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلًا مَعْرُوفًا (٥) وَابْتَلُوا الْيَتَامَى حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ وَلَا تَأْكُلُوهَا إِسْرَافًا وَبِدَارًا أَنْ يَكْبَرُوا وَمَنْ كَانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ وَمَنْ كَانَ فَقِيرًا فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ فَإِذَا دَفَعْتُمْ إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ فَأَشْهِدُوا عَلَيْهِمْ وَكَفَى بِاللَّهِ حَسِيبًا [النساء: ٣ - ٦].

الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله تبارك تعالى: وَآتُوا الْيَتَامَى أَمْوَالَهُمْ وَلَا تَتَبَدَّلُوا الْخَبِيثَ بِالطَّيِّبِما معنى آتُوا الْيَتَامَى أَمْوَالَهُمْ؟
طالب: (...).
الشيخ: أي: أعطوهم أموالهم كاملة من غير نقص.
طيب، هل هذا يعني أن ندفع إليهم الأموال وهم أيتام؟
طالب: نعم، ندفع إليهم الأموال.
الشيخ: وهم أيتام؟
طالب: لا ندفع.
الشيخ: لا ندفع، إذن كيف يقول: آتوا أموالهم؟
الطالب: أي نحفظها لهم.
الشيخ: أي بحفظها لهم، وأما الدفع لا يكون؟
الطالب: إلا بعد أن يبلغ ويرشد.
الشيخ: إلا بعد البلوغ والرشد. قوله: وَآتُوا الْيَتَامَى أَمْوَالَهُمْاليتامى جمع؟
طالب: (...).
الشيخ: زال اليتم. طيب إذا ماتت أمه، إذا ماتت أم الطفل هل يسمى يتيما؟
طالب: (...).
الشيخ: لماذا؟
طالب: (...).
الشيخ: إي نعم لكن لماذا جعلنا من مات أبوه يتيمًا ومن ماتت أمه غير يتيم؟
طالب: لأن أباه هو الذي يقوم عليه بالكسب والرعاية.
الشيخ: لأن أباه هو الذي يقوم عليه بالرعاية والكسب، بخلاف الأم.
قوله: وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَهُمْ إِلَى أَمْوَالِكُمْكيف قال: إِلَى أَمْوَالِكُمْ؟
طالب: (...) لا تضموا أموالكم إلى أموالهم.
الشيخ: فتأكلوها، طيب.
لو ضم ماله إلى ماله للحفظ، هل ينهى عنه؟
الطالب: ما يُنهى.
الشيخ: ما هو الدليل من الآية هذه؟
الطالب: وَلَا تَأْكُلُوا(...).
الشيخ: يعني يدل على أن المراد ضمها للأكل، طيب هل هناك آية تدل على ذلك من القرآن؟
الطالب: على حفظها؟
الشيخ: على جواز إضافة أموال اليتامى إلى أموالنا لا للأكل ولكن للحفظ.
طالب: وَإِنْ تُخَالِطُوهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنَ الْمُصْلِحِ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَأَعْنَتَكُمْ [البقرة: ٢٢٠].
الشيخ: وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْيَتَامَى قُلْ إِصْلَاحٌ لَهُمْ خَيْرٌ وَإِنْ تُخَالِطُوهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنَ الْمُصْلِحِ [البقرة: ٢٢٠] تمام، طيب ما المراد بالخبيث في قوله: وَلَا تَتَبَدَّلُوا الْخَبِيثَ؟
طالب: الخبيث يا شيخ اللي هو فسر قيل: الخبيث معناه الخبيث من أموالكم، تبدلونه بالطيب من أموالهم، وقيل: الخبيث..
الشيخ: طيب وعلى هذا الرأي ما المراد بالخبيث؟
الطالب: الرديء.
الشيخ: الرديء، طيب وقيل؟
الطالب: قيل: الخبيث: أي المحرَّم.
الشيخ: المحرم.
الطالب: (...).
الشيخ: والمعنى أن أموال اليتامى إذا أخذتموها فهي خبيثة.
على الرأي الثاني هل هي خبيثة بذاتها أو خبيثة لكسبها؟
طالب: لكسبها.
الشيخ: خبيثة لكسبها.
جملة إِنَّهُ كَانَ حُوبًا كَبِيرًاما موقعها مما سبقها من المعنى؟
الطالب: تبيانية، تبيانًا لبعض ما سبق.
الشيخ: لا.
طالب: تعليلية.
الشيخ: تعليلية إِنَّهُ كَانَ حُوبًا كَبِيرًا.
إِنَّهُ كَانَ حُوبًا كَبِيرًاهل يدل ذلك على أن ضم أموال اليتامى إلى أموالنا لأكلها من كبائر الذنوب؟
الطالب: إي نعم، لقوله تعالى: إِنَّهُ كَانَ حُوبًا كثيرًا.
الشيخ: هي تقال: كَبِيرًا.
ثم قال تعالى: وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ. إِنْ خِفْتُمْيعني خشيتم وتوقعتم، وقيل: المعنى إِنْ خِفْتُمْإن علمتم، والصواب أنها على المعنى الأول؛ أي: خشيتم.
وقوله: أَلَّا تُقْسِطُواأي: ألَّا تعدلوا فِي الْيَتَامَى فَانْكِحُواإلى آخره. وكانوا في الجاهلية يكون الرجل تحته اليتيمة -أي: عنده- ثم يؤخر زواجها لنفسه حتى يتزوجها، أو يتزوجها وهو كاره لها، لكن من أجل رعايتها والقيام بنفقتها، فبين الله في هذه الآية أن إذا خافوا ألَّا يعدلوا في اليتامى فليعدلوا عنهن.