تفسير سورة النساء - 2
عدد الزيارات 1961

عناصر المادة :
تفسير الآية (4)
تفسير الآية (5)
تفسير الآية (6)

إِنْ خِفْتُمْيعني: خشيتم وتوقعتم، وقيل: المعنى إِنْ خِفْتُمْ: إن علمتم، والصواب أنها على المعنى الأول، أي: خشيتم.
وقوله: أَلَّا تُقْسِطُواأي: ألا تعدلوا، فِي الْيَتَامَى فَانْكِحُواإلى آخره.
وكانوا في الجاهلية يكون الرجل تحته اليتيمة -أي عنده- ثم يؤخر زواجها لنفسه حتى يتزوجها، أو يتزوجها وهو كارهٌ لها، لكن من أجل رعايتها والقيام بنفقتها، فبين الله في هذه الآية أنهم إذا خافوا ألا يعدلوا في اليتامى فليعدلوا عنهن، إلى أي شيء؟ قال: فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِيعني: انكحوا المرأة التي تطيب لكم، أي: ترونها طيبة وتستحسنونها؛ ولهذا قال: مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ، فأتى بـ(ما) دون (مَن)؛ لأن (مَن) للعاقل إذا قصد الشخص، فإن قصد الوصف أُتي بـ(ما).
قالوا: ومنه قول العرب: سبحان ما سخركن لنا، يعني: الإبل، يريد: سبحان مَن، يعني: سبحان الله، لكن لما أراد هذا القائل الوصف -وهو كمال قوة الله عز وجل وتسخيره- أتى بـ(ما).
قال: فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِوقوله: مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِهل هي متعلقة بـ(انكحوا)، أي: انكحوا من النساء ما طاب لكم، أو بيان لـ(ما) في قوله: مَا طَابَ لَكُمْ؟ الثاني أقرب، والأول جائز، لكن الثاني أقرب، أي: انكحوا الذي يطيب لكم من النساء.
مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَهذه الكلمات الثلاث يقول النحويون: إنها لا تنصرف، والمانع لها من الصرف الوصفيةُ والعدْلُ؛ لأن معنى مَثْنَىأي: اثنتين اثنتين، ثُلَاثَثلاثًا ثلاثًا، رُبَاعَأربعًا أربعًا، فالمانع لها من الصرف الوصفية والعدل.
وعلى هذا نقول: مَثْنَىحال من النِّسَاءِيعني: حال كونهن مثنى وثلاث ورباع، أي: انكحوا على اثنتين اثنتين، أو على ثلاث ثلاث، أو على أربع أربع، وليس المعنى انكحوا اثنتين وثلاثًا وأربعًا، خلافًا لمن زعم ذلك وقال: إن الآية تدل على جواز نكاح التسع؛ لأن اثنتين وثلاث خمس، ورباع أربع، الجميع تسع.
وهذا بعيد من هذا الأسلوب في اللغة العربية، هذا الأسلوب للتقسيم، يعني: منكم من ينكح اثنتين اثنتين، ومنكم من ينكح ثلاثًا ثلاثًا، ومنكم من ينكح أربعًا أربعًا؛ لأن الخطاب انْكِحُواالخطاب للجماعة، الخطاب للجماعة ليس لواحد، فإذا كان الخطاب للجماعة فوزِّعْ مَثْنَى وَثُلَاثَعلى الجماعة يكون المعنى: ينكح بعضكم اثنتين، وبعضكم ثلاثًا، وبعضكم أربعًا، ويدل لهذا الأحاديث الواردة عن النبي صلى الله عليه وسلم أن الرجل لا يتزوج أكثر من أربعة.
أما النبي صلى الله عليه وسلم فإنه مخصوص بخصائص متعددة في النكاح، منها: أنه يتزوج أكثر من أربع، ومنها: أنه يتزوج بالهبة، ومنها: أنه لا يجب عليه القسم على أحد الأقوال، ومنها: أنه بعد أن خيرهن فاخترن الله ورسوله حرم عليه أن يتزوج غيرهن إلى أن مات، ومنها: أن زوجاته لا يحل لأحد بعده أن يتزوجهن، فالرسول عليه الصلاة والسلام خص بخصائص لا توجد في غيره.
وهذه الآية من حيث الدلالة كقوله تعالى: جَاعِلِ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا أُولِي أَجْنِحَةٍ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ [فاطر: ١] ولو أراد الله تعالى أن يبين لعباده حل النساء إلى التسع لقال: فانكحوا ما طاب لكم من النساء اثنتين أو ثلاثًا أو أربعًا أو خمسًا أو ستًّا إلى التسع، ولا يأتي بهذا الأسلوب المشتبه؛ لأن القرآن نزل تبيانًا لكل شيء.
وقوله: مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَلم يذكر الواحدة؛ لأن المقام مقام تخيير، ومقام إعطاء النفس حظها إذا خاف الإنسان أن لا يقسط في اليتامى، نقول: إذا خفت ألا تقسط في اليتيمة فأمامك النساء كمية وكيفية، كمية متى تكون كمية؟ من اثنتين فصاعدًا، الكيفية؟ قال: مَا طَابَ لَكُمْ.
فأنت أمامك الباب مفتوح فيما تريد من النساء كيفية وأيش؟ وكمية، ومعلوم أن الواحدة ليس فيها كمية، واحدة، الكمية يعني: الزيادة في الكم من اثنتين فصاعدًا.
مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُواخِفْتُمْأي: ظننتم، أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةًأي: فانكحوا واحدة ولا تزيدوا عليها.
أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْيعني: أو انكحوا ما ملكت أيمانكم؟ أسأل، لا؛ لأن ما ملكت اليمين لا تنكح، ملك اليمين توطأ بالملك ولا توطأ بالنكاح؛ ولهذا يحرم على الرجل أن يتزوج أمته، صح؟ يحرم على الرجل أن يتزوج أمته.
طالب: (...)؟
الشيخ: إي نعم، يحرم أن يتزوج أمته؛ لأنها تحل له بعقد أقوى من النكاح وهو ملك اليمين، والأضعف لا يرد على الأقوى، بخلاف العكس فإنه يرد الأقوى على الأضعف.
لو اشترى الرجل زوجته انفسخ النكاح وحلت له بملك اليمين، أعرفتم؟ أما لو كان عنده أمة فإنه لا يمكن أن يتزوجها؛ لأنه أيش؟ لأنه ملكها بعقد أقوى من النكاح، فإن السيد يملك الرقبة والمنفعة، بخلاف الزوج فإنه لا يملك إلا المنفعة، إذن لا يصح أن نقول: إن قوله: أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْمعطوفًا على قوله: فَوَاحِدَةً؛ لأنه يختل المعنى، بل المعنى: فانكحوا واحدة، أو استمتعوا بما ملكت أيمانكم، أو كلمة نحوها. المهم أنها ليست معطوفة على ما سبق إلا من باب عطف الجمل، فيقدر فعل مناسب لقوله: أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ.
قال: ذَلِكَ أَدْنَى أَلَّا تَعُولُوا(ذلك) المشار إليه نكاح الواحدة عند خوف عدم العدل، أو المشار إليه أن يتزوج الإنسان اثنتين أو ثلاثًا أو أربعًا عند خوف عدم العدل في اليتامى، أو الأمرين؟ الأمرين، يعني ذَلِكَأي: نكاحكم مثنى وثلاث ورباع إذا خفتم ألا تقسطوا في اليتامى، أو نكاحكم واحدة إذا خفتم ألا تعدلوا، أَدْنَىأي: أقرب، أَلَّا تَعُولُوايعني: ألا تجوروا، هذا هو معنى الآية المتعين.
وأما ما يروى عن الشافعي من أن المعنى: أدنى ألا تكثر عيالكم، فهو قول ضعيف جدًّا، جدًّا ضعيف، لماذا؟ لأن كثرة العيال مرغوبة عند الله، ولأن العيال يكثرون إذا جامع الإنسان ما ملكت يمينه، والله عز وجل يقول: وَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ ذَلِكَ أَدْنَى أَلَّا تَعُولُوا، فإذا كان عند الإنسان مئة وليدة؛ مئة جارية وجامع كل واحدة، كم يأتيه في السنة؟ مئة ولد، يأتيه في السنة مئة ولد، فإذا كان الأمر كذلك فكيف نقول: إن الإنسان إذا جامع ما ملكت يمينه يكون أدنى إلى عدم العيال؛ ولهذا يعتبر هذا القول ضعيف جدًّا، لمنافاته مقصود الشارع في كثرة الأولاد، ولأن قلة الأولاد لا تكون فيما إذا جامع الإنسان مملوكاته.
طالب: (...)؟
الشيخ: إي نعم، يصح وهو ولي، لو كان إنسان ابن عم امرأة وأراد أن يتزوجها فلا حرج، يسألها يقول: هل ترغبين أن أتزوجك؟ إذا قالت: نعم، يتزوج، لكن كيف يعقد؟ يأتي باثنين شاهدين ويقول: أشهدكما أنني تزوجت موليتي فلانة، يقول: قبلت ولَّا ما قبلت؟ ما يقول: قبلت، أشهدكما أني تزوجت موليتي فلانة، أو زوجت نفسي موليتي فلانة، كقول النبي عليه الصلاة والسلام لصفية: «أَعْتَقْتُكِ وَجَعَلْتُ عِتْقَكِ صَدَاقَكِ» .
طالب: (...)؟
الشيخ: إي، لأنه إذا صارت موزعة لازم نأتي بما يدل على التكرار.
طالب: إذا تزوج رجل أمة فولدت له مولودًا، فالمولود يكون عبد لصاحب الأمة، إذا اشترى الأمة بعد أن أتاه المولود اشترى الزوج أمته؟
الشيخ: إي نعم، اشترى زوجته؟
الطالب: إي نعم، صارت مملوكة.
الشيخ: صارت مملوكة له.
الطالب: طيب الولد؟
الشيخ: الولد مملوك للسيد.
الطالب: الأول؟
الشيخ: إي نعم.
طالب: ما رأيكم فيمن يستدل بهذه الآية بأن الأصل التعدد يا شيخ؟
الشيخ: سيأتينا بالفوائد.
وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى؟
طالب: ألا تعدلوا في معاملتهم.
الشيخ: ألا تعدلوا في معاملتهم.
من هم اليتامى؟
طالب: من مات أبوه ولم يبلغ.
الشيخ: من مات أبوه ولم يبلغ.
قوله: أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَىكيف ألا تقسطوا؟
طالب: تحقيق العدل.
الشيخ: يعني كيف العدل؟
طالب: سواء في الأقارب أحق.
الشيخ: لا لا؛ لأنه قال: فَانْكِحُواالمسألة في النكاح.
الطالب: إذا تحقق الشرط أنه لن يعدل في هذه المرأة.
الشيخ: مثل؟
الطالب: (...).
الشيخ: لأجل يربط بين جواب الشرط وفعل الشرط، يعني نريد صورة تربط بين فعل الشرط وجوابه؟
طالب: (...) ألا يعدل فيها بأن يأخذ مالها.
الشيخ: يعني اليتيمة تكون –مثلًا- عند ابن عمها ويخاف ألا يعدل فيها بأن لا يتزوجها بمهر المثل يعطيها أنقص، فبين الله عز وجل أن الباب مفتوح فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِإلى آخره.
لماذا عبر بـ(ما) دون (مَن)؟
طالب: (...).
الشيخ: يتعاقبان، لكن لا بد إذا خرجت عن أصلها لا بد أن يكون هناك فائدة.
طالب: إشارة إلى أنه (...).
الشيخ: أحسنت.
قوله تعالى: فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةًيعني؟
طالب: (...).
الشيخ: بين من؟
طالب: بين الزوجات.
الشيخ: فانكحوا واحدة.
في الآية دليل على عدم وجوب العدل بين الإماء، من أين يؤخذ من الآية؟
طالب: من قوله: فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً.
الشيخ: إي واحدة، يعني نسأل الآن نقول: في الآية دليل على أنه لا يجب العدل بين الإماء في الوطء وغيره أيضًا؟
طالب: فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ.
الشيخ: أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْفدل هذا على أنه لا يجب العدل بين الإماء.
ما معنى قوله: أَلَّا تَعُولُوا؟
طالب: ألا تجوروا.
الشيخ: ألا تجوروا، كيف كان أقرب ألا يجوروا؟
الطالب: يعني لا تجوروا بين الزوجات.
الشيخ: يعني إذا اقتصر على واحدة فليس معها من يجب العدل بينهما، أقول: لأنه إذا اقتصر على واحدة لم يجب عليه العدل؛ لأنه ليس معها ثانية، وحينئذٍ لا يكون هناك جور، وكذلك فيما ملكت الأيمان لا يجب العدل، فلو مال إلى إحداهن فلا جور؛ لأنه لا يجب العدل.
من فوائد الآية الكريمة: إِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى: أنه يجب على الإنسان الاحتياط إذا خاف الوقوع في المحرم؛ لقوله: إِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِيعني: ولا تعرضوا أنفسكم للجور.
ومن فوائد الآية الكريمة: أنه ينبغي للإنسان أن يتزوج من تطيب نفسه بها؛ لأن ذلك أدنى أن يؤدم بينهما، ولهذا شرع للإنسان أن ينظر إلى مخطوبته حتى تطيب نفسه بها.
ويتفرع على هذه الفائدة: تبين خطأ ما يستعمله بعض البادية من إجبار الإنسان على نكاح ابنة عمه مع أنه لا يريدها؛ لأن الله يقول: انْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ، فإذا كان الرجل لا تطيب نفسه بهذه المرأة كيف يتزوجها؟ فما يفعله بعض البادية لا شك أنه خطأ مخالف للشرع، فإن ابنة عمه إذا لم يتزوجها يتزوجها غيره من الناس.
ومن فوائد هذه الآية: أن الله عز وجل إذا سد بابَ حرامٍ فتح بابَ حلالٍ أو أبواب حلال؛ لأن قوله: أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَىيعني: فلا تتزوجوهن ولكن أيش؟ انكحوا ما طاب لكم من النساء.
وهذا من طريقة القرآن وطريقة السنة: أنه إذا سد الباب فإنه أيش؟ يفتح باب الحلال لئلا يوصد أمام الإنسان العمل والحركة، وأظن تقدم لهذا نظائر أتينا عليها في الشرح، منها: قوله تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقُولُوا رَاعِنَا وَقُولُوا انْظُرْنَا [البقرة: ١٠٤]، ومنها: إرشاد النبي صلى الله عليه وسلم إلى بيع التمر الرديء بالدراهم ثم يشترى بالدراهم تمرًا طيبًا.
ومن فوائد الآية الكريمة: مشروعية التعدد في الزوجات، تأملوا معنا هل يؤخذ من هذه الآية مشروعية التعدد أو جواز التعدد؟
طلبة: جواز.
الشيخ: إي، لأن هناك فرقًا بين أن نقول: مشروع أو نقول: جواز، الظاهر أنه يفهم منها جواز التعدد؛ لأن عرض العدد هنا في مقابلة المنع من نكاح اليتامى اللاتي يخاف الإنسان ألا يقسط فيهن، فكأنه قال: إذا تركت نكاح واحدة من اليتامى، فأمامك أن تنكح اثنتين أو ثلاثًا أو أربعًا، وهذا هو الأقرب.
لكن يؤخذ مشروعية التعدد من أدلة أخرى، منها: أن النبي عليه الصلاة والسلام أراد من أمته تكثير النسل، وهذا يحصل بالتعدد أكثر مما يحصل بالإفراد.
وقد عرض علي بعض الناس قصاصة جريدة يقول: إن الشيعة في القطيف بدؤوا يسوون عملًا طيبًا في الحقيقة وهو الحفل الجماعي في الأنكحة، حتى إنهم جمعوا في ليلة واحدة في وليمة واحدة فوق أربعين عرسًا.
طالب: خمسة وستين.
الشيخ: خمسة وستين؟ خمسة وستين عرسًا في ليلة واحدة، أفهمتم المعنى الآن؟ يعني بدل ما نروح لقصر الأفراح في عرس رجل واحد فقط، نجعل في هذه الليلة في نفس القصر عشرين رجلًا أو خمسة وستين رجلًا أو مئة رجل، وهذا لا شك أنه يوفر نفقات ويوفر تعبًا على الناس، وهذا سنة حسنة إذا حصل أن الناس يفعلونه فهذا طيب ما يتيسر.
طالب: (...).
طالب آخر: ما يكفي يا شيخ.
الشيخ: إي، ما يكفي القصر؛ لأن الناس يدعون أممًا، لكن إذا علمنا أن في هذا القصر أربعين واحد بيتزوج نأخذ لهم أربعين غرفة، وإذا لم يكن نحط خيام، ما نكثر المدعوين، بدل ما يدعو الواحد منا مئتي رجل يدعو عشرين رجلًا.
طالب: (...).
الشيخ: والله إذا أرادوا بهذا وجه الله أثيبوا عليه؛ لأن هذا من باب تخفيف المؤونة، وأعظم النكاح بركة أيسره مؤونة.
على كل حال هذه مسألة ثانية، مسألة أخرى الذي تشير إليه، لكن كلامنا «مَنْ سَنَّ فِي الْإِسْلَامِ سُنَّةً حَسَنَةً فَلَهُ أَجْرُهَا وَأَجْرُ مَنْ عَمِلَ بِهَا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ» .
ومن فوائد الآية الكريمة: أنه لا يجوز تجاوز الأربع؛ لقوله: مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَمع أن المقام مقام فتح باب للناس وتكثير ومنة، ومثل هذا الباب يذكر فيه أقصى ما يكون من المنة التي ليس ورائها شيء.
ومن فوائد هذه الآية الكريمة: تحريم الوسائل إلى المحرم؛ لقوله: فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً، فأوجب الاقتصار على الواحدة إذا خاف الإنسان عدم العدل، وهذه القاعدة قاعدة عظيمة في أصول الفقه: أن للوسائل أحكام المقاصد، فما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب، وما لا يتم المندوب إلا به فهو مندوب، وما يحصل به المحرم فهو حرام.
ومن فوائد الآية الكريمة: أنه لا يجب العدل بين الإماء في الجماع ولا في غيره؛ لقوله: أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ.
ومن فوائدها: وجوب العدل بين الزوجات؛ لقوله: فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً، والجور بين الزوجات من كبائر الذنوب؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم: «مَنْ كَانَتْ لَهُ امْرَأَتَانِ فَمَالَ إِلَى إِحْدَاهُمَا جَاءَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَشِقُّهُ مَائِلٌ» .
ومن فوائد الآية: إثبات ملك اليمين؛ لقوله: أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ، ولا يمكن رفع هذا الحكم الشرعي مخافة ذم الناس أو شماتتهم، بل الواجب بقاؤه، أي: بقاء ملك اليمين إذا وجد سببه، إذا وجد سبب الملك؛ ملك اليمين، وما هو سبب ملك اليمين؟ الكفر، إذا قاتل المسلمون الكفار وسبوا نساءهم وذريتهم.
ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات الملكية للإنسان، ما هي إثبات الرق، إثبات الملكية وأن الإنسان يملك، ولا ينافي هذا أن نقول: إن الملك لله؛ وذلك لأن الملك ملكان: ملك شامل كامل لا يسأل فيه المالك عن أي تصرف، وهذا لمن؟ لله، وملك دون ذلك في الشمول والتصرف، فهذا ثابت، ثم هو أنواع: تارة يملك الإنسان الرقبة، وتارة يملك المنفعة، وتارة يملك المنفعة والرقبة، عرفتم؟ تارة يملك المنفعة مثل المستأجر، وتارة يملك الرقبة فقط، كعبد موصى به لشخص وبمنفعته لشخص آخر، فهنا يكون مالك الشخص زيد، ومالك الرقبة عبيد، عرفتم؟
لكن كأني ببعضكم يقول: ما الفائدة من الوصية بعبد وبمنفعته لعبد آخر؟ نقول لها فائدة: العتق، إذا أعتقه مالك الرقبة صار حرًّا، ومالك المنفعة له منفعته.
المهم على كل حال: ملك عين، وملك منفعة، وملكهما جميعًا، كالمالك المعتاد الذي يملك مطلق التصرف.
ومن فوائد الآية الكريمة: أن اليمين أفضل من اليسار؛ لأنه أضاف الملك إليها، ولا شك أن اليمين أفضل من اليسار؛ ولهذا تعد اليمين للإكرام واليسار للإهانة، الشيء الطيب يتناول باليمين، والشيء الخبيث يزال باليسار.
ومن فوائد الآية الكريمة: تفاضل الأعمال، يعني بعضها أعلى من بعض في السوء وأدنى من بعض في الحسن؛ لقوله: ذَلِكَ أَدْنَى أَلَّا تَعُولُوا، لأن (الأدنى) اسم تفضيل، فلا بد أن يكون هناك من فاضل ومفضول.

تفسير الآية (4)

ثم قال الله عز وجل: وَآتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةًآتُواأي: أعطوا، والفرق بين (أتوا) و(آتوا): أن (آتوا) بمعنى أعطوا، و(أتوا) بمعنى جاؤوا، إذن (آتوا) بمعنى أعطوا، (وأْتوا) بمعنى جيئوا.
آتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّالخطاب في قوله: آتُواهل هو للأزواج أو للأولياء؟ في الآية قولان؛ القول الأول: أنه للأولياء، فيكون المعنى: أن الله أمر الأولياء أن يعطوا النساء صدقاتهن بدون أن يأخذوا منهن شيئًا؛ لأن العرب في الجاهلية إذا زوج الرجل ابنته أخذ المهر، ولم يعطها إلا ما تلبسه ليلة الزفاف، والباقي يأخذه يسلبه إياها، فأمرهم الله أن يؤتوا النساء صدقاتهن نحلة.
والقول الثاني: أن الخطاب للأزواج، أمرهم الله عز وجل أن يؤتوا النساء صدقاتهن عن طيب نفس بدون مماطلة وبدون تكره، وإذا كانت الآية تحتمل المعنيين بدون تناقض فما الواجب؟ حملها على الوجهين، فنقول: الخطاب للأزواج وللأولياء.
وَآتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّالنِّسَاءَيعني: المتزوجات، بدليل قوله: صَدُقَاتِهِنَّ، و(صدقات) جمع (صدقة) وهي المهر، وسمي بهذا الاسم؛ لأن بذله دليل على صدق الطالب للمرأة.
وقوله: نِحْلَةًأي: عطية طيبة بها نفوسكم، يقال: نحله، أي: أهداه هدية طيبة بها نفسه.
وعلى هذا فزعم بعضهم أنها مفعول مطلق لقوله: آتُوا النِّسَاءَفهي مثل قول القائل: وقفت قيامًا، أو جلست قعودًا؛ لأن (آتى) بمعنى نحل، و(آتوا) بمعنى انحلوا، والنحلة هي العطية عن طيب نفس.
فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْسًا فَكُلُوهُإِنْ طِبْنَيعني: النساء، وقوله: نَفْسًامصدر محول عن الفاعل، والمصدر المحول تارة يحول عن الفاعل كما في هذه الآية، وتارة يحول عن المفعول به كما في قوله تعالى: وَفَجَّرْنَا الْأَرْضَ عُيُونًا [القمر: ١٢] يعني: عيون الأرض.
فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ(مِن) قيل: إنها تبعيضية، وقيل: إنها بيانية، فعلى الأول يكون المعنى: إن طبن لكم عن بعضه، وعلى الثاني يكون المعنى: إن طبن لكم عن كله أو بعضه؛ لأن (مِن) بيان لمحل الحكم بقطع النظر عن كونه كله أو بعضه.
إِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْسًا فَكُلُوهُعبر بالأكل؛ لأنه أخص وجوه الانتفاع؛ إذ إن الأكل يغذي البدن وينمو به البدن، بخلاف اللباس وبخلاف المساكن وبخلاف المراكب؛ فإن منفعتها خارجية، فاللباس كسوة خارجية، ولكن الأكل كسوة داخلية، صح؟ الأكل كسوة داخلية؟ منفعة، نعم صحيح منفعة لكن هي كسوة أيضًا، قال الله تعالى: إِنَّ لَكَ أَلَّا تَجُوعَ فِيهَا وَلَا تَعْرَى (١١٨) وَأَنَّكَ لَا تَظْمَأُ فِيهَا وَلَا تَضْحَى (١١٩) [طه: ١١٨، ١١٩]، التناسب بين الظمأ والضحى اللي هو حرارة الشمس واضح، وبين الجوع والعري واضح؛ لأن الشبع كسوة الباطن، المعدة فاضية ما فيها شيء، عارية، فإذا دخَّلت الطعام فيها غطاها وكساها، فهو كسوة باطنية.
على كل حال كُلُوهُ هَنِيئًاأقول: عبر بالأكل؛ لأنه أخص وجوه الانتفاع؛ لأن منفعته للبدن مباشرة ينمو بها البدن، بخلاف اللباس وبخلاف المسكن وبخلاف المركوب فإنها منفعة خارجية.
وقوله: هَنِيئًاأي: حين الأكل، مَرِيئًاأي: بعد الأكل، فالمريء محمود العاقبة، والهنيء سهل المساغ، وأضرب لكم مثلًا يبين: إذا أعطينا شخصًا من غير أهل جدة سمكة وأراد يأكلها يمكن إذا أكلها (...) عشر مرات قبل أن تصل إلى معدته؛ لأن فيها شوكًا وزعانف وما أشبه ذلك مما يغصصه بها، هل هذا الأكل هنيء ولَّا غير هنيء؟ غير هنيء، لكن تسمع صريخ عظامها بين أسنانه ولا يبالي، وهذا الشيء شاهدته أنا، شاهدته أنا بنفسي، يأخذ الذيل هذا اللي مثل المشط ويجعله بين أسنانه يقرضه كما نقرض التمر اليبيس، هذا يكون هنيئًا له ولَّا لا؟ هذا يكون هنيئًا له؛ لأنه يسيغه بسهولة، لكن لمن لم يعتده ليس هنيئًا.
مَرِيئًاقلنا: محمود العاقبة، ربما يأكل الإنسان أكلًا لينًا لذيذًا في الفم، لكن إذا وصل إلى بطنه جعل يتلوى منه، ماذا يكون؟ مريء ولَّا غير مريء؟ غير مريء، هذا غير مريء.
هل من ذلك ما يفعله بعض الناس، يكون الطعام حارًّا يشوي يده، ثم يشوي فمه، ثم يبتلعه بسرعة، ثم يشوي بطنه؟ هذا ليس محمود العاقبة؛ لأنه يضره، لكن بعض الناس -سبحان الله- ما يهمه هذا الشيء، والذي ينبغي أن يأكل الإنسان أكلًا محمود العاقبة يكون مريئًا.
ولهذا قال بعض الناس كلمة أعجبتني، قال: كلْ ما يلذ لبطنك لا ما يلذ لفمك، صحيح؟ أحيانًا الإنسان يأكل الطعام طعمه طيب وزين وحلو، لكن إذا وصل إلى البطن أوجع البطن؛ إما لكون البطن مملوءًا من قبل أو لسبب ما؛ ولهذا قال شيخ الإسلام رحمه الله: إن الطعام يكون حرامًا إذا خاف الإنسان منه الأذى أو التخمة، يكون حرامًا يحرم أن يأكله إذا خاف الأذى أو التخمة، الأذى بأيش؟ الأذى بالأكل، يحمل بطنه وقد ملأه يتعب، حتى إذا جلس يمكن لا يجلس إلا متربعًا لشدة ملء البطن، هذا نقول: يحرم عليك أن تأكل.
أو التُّخمة، أتعرفون التخمة؟ ما هي؟
طالب: الشبع.
الشيخ: لا، التغير، نحن نسميها: غِيرة أو غِيَرة كطِيَرة يعني: التغير، والتغير -والحمد لله- الآن لطيب المآكل قليل جدًّا، لكن فيما سبق لما كانت المآكل ليست بذاك الطيبة يجد الإنسان التخمة، يصير إذا تجشأ يظهر منه رائحة خبيثة وربما يصاب بمرض.
على كل حال أنا..، يعني استطردنا كثيرًا، شيخ الإسلام رحمه الله يقول: إن الإنسان إذا خاف من الأكل الأذى أو التُّخمة فإنه يحرم عليه، وما قاله له وجه، لكن مع الأسف إننا الآن نأكل كثيرًا، ثم إذا ملأنا البطون ذهبنا نطلب المهضم، أليس كذلك؟ بل إن بعض الموائد أجد فيها يصفُّون فيها البيبسي وما أشبهها من أجل من يوم يأكل يشرب هذا، نقول: لا تكلف نفسك، كلْ أكلًا معتادًا.
وحدثني إنسان طبيب كان عندي في الأسبوع الماضي طبيب أمريكي أصلًا يقول: أنا أسلمت على حديث واحد وعلى آية واحدة، قلنا: ما هي؟ قال الحديث: «حَسْبُ ابْنِ آدَمَ لُقَيْمَاتٌ يُقِمْنَ صُلْبَهُ، فَإِنْ كَانَ لَا مَحَالَةَ فَثُلُثٌ لِطَعَامِهِ وَثُلُثٌ لِشَرَابِهِ وَثُلُثٌ لِنَفَثِهِ» ، يقول: هذا أصول الطب، ولو أن الناس نفذوه ما كاد يمرض أحد، أما الآية فهي قوله تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ [المائدة: ٦].
يقول: هذه الأعضاء التي هي بارزة ظاهرة تتعرض للغبار وتتعرض للأوساخ، تتعرض لكل شيء، إذا غسلت في اليوم والليلة خمس مرات بقيت نظيفة، إذن الإسلام دين النظافة ودين الحُمية، وهذه أصول الطب، فقلنا له بعد: فيه شيء آخر غير هذا، إن الطهارة هذه تطهر الأذى المعنوي وهو الذنوب؛ لأنه يغفر للإنسان في آخر قطرة من قطراته، لكن هذه لا يعرفها الكفار، الكفار ليس لهم إلا الظاهر.
فأقول: إننا لو جربنا -لو أسبوعًا واحدًا- ألا نأكل كثيرًا، ولكن قد يقول قائلكم: أنا إذا لم آكل كثيرًا جعت قبل أن تأتي الوجبة الأخرى، صح؟ ماذا نقول؟ نقول: كلْ.
وحدثني بعض الناس أن الدول التي تسمي نفسها الدول الراقية يأكلون في اليوم والليلة خمس وجبات، ليش؟ لأنهم ما يكثِّرون، يأكلون، ثم إذا جاعوا أكلوا، ثم إذا جاعوا أكلوا، ولو أنكم تجربون لمدة أسبوع، والليلة الأربعاء، وتخبرونني -إن شاء الله- بالنتيجة ليلة الأربعاء القادم.
طالب: شيخ، أحسن الله إليك، بمناسبة الشيعة تقول: إنه محمود (...) يكثرون، ولكن هؤلاء أشد الناس عداوة لأهل السنة والجماعة، فتكاتفهم هذا لمحاربة أهل السنة والجماعة فكيف نقول: إنه محمود هذا الشيء؟
الشيخ: إي نعم، هذا يقول: إن الشيعة معروفون بأنهم أعداء لأهل السنة والجماعة، فكيف يكون فعلهم محمودًا؟ نقول: إن الإنسان قد يحمد على فعله ولا يحمد على دينه، يعني: لا يلزم من حمدنا فعلهم هذا أن نحمدهم على دينهم، بل لا نشك أنهم على دين باطل، وأنهم بعيدون عن الصواب، وأن الواجب عليهم أن يرجعوا إلى طريق أهل السنة.
والعجب أنهم يقولون: هم أهل السنة، يعني يقولون لأهل السنة: أنتم أهل السنة ثم يخالفونهم، إذا كانوا أهل السنة هل أنتم تريدون أن (...) السنة؟!
وهذا الإنسان يحمد على كرمه وهو كافر، وعلى إحسانه وهو كافر، قال النبي صلى الله عليه الصلاة والسلام في أسرى بدر: «لَوْ كَانَ المُطْعِمُ بْنُ عَدِيٍّ حَيًّا فَكَلَّمَنِي فِي هَؤُلَاءِ النَّتْنَى لَتَرَكْتُهُمْ لَهُ» ، لماذا؟ لأنه كان دخلَ بجواره، الرسول دخل بجوار المطعم، فالواجب، العدل نحن نقول بالعدل أن الفعل المحمود من أي شخص أتى به يحمد.
نعم، لو خفنا من هذا مفسدة بأن يعجب هذا الشخص بنفسه أو يكون في ذلك دعاية لما هو عليه من الباطل فحينئذٍ نسكت، نأخذ بالخير دون أن نحمد من سنه إذا لم يكن أهلًا للحمد.
طالب: شيخ، حفظكم الله، أنه لا يجب العدل بين الإماء، من أين تؤخذ من هذه الآية؟
الشيخ: من قوله: أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ؛ لأن الله قال: فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً، هذا واضح في النكاح، أو إن خفتم ألا تعدلوا فأنتم جامعوا ما ملكت أيمانكم.
طالب: غير معطوف على مَا طَابَ؟
الشيخ: لا، غير معطوف على مَا طَابَيعني: ليس معطوفًا على (واحدة)؛ لأن من نكح ملك اليمين وجب عليه العدل.
طالب: عندما لا يكفيه؟
الشيخ: صح، يعني مثلًا لو أن رجلًا تزوج أمتين من سيديهما أو من سيدهما وجب عليه العدل، لكن الله يقول: مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْيعني: جامعوا أو انكحوا ما ملكت أيمانكم بمعنى الجماع.
طالب: رجل أراد خطبة امرأة فاشترط عليه أهل المرأة أن لا يراها إلا بعد عقد النكاح؟
الشيخ: اشترطوا عليه أن لا يراها إلا بعد عقد النكاح، ما ضمنا هذا ما هو يشترط، طلب منهم أن يراها قبل العقد، لا، ما يجبر كيف يجبر؟ صحيح هذا كان الناس بالأول ما يراها أبدًا الخاطب.
أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله تعالى: وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَامًا [النساء: ٥] في الآية قراءتان في السُّفَهَاءَوفي قِيَامًا.
قال الله تعالى: وَآتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً.
يستفاد من هذه الآية فوائد؛ فمن فوائدها: وجوب إعطاء النساء مهورهن؛ لقوله: آتُوا.
ومن فوائدها أيضًا: أنه لا يجوز للولي أن يأخذ شيئًا من صداق النساء، لوجهين؛ الوجه الأول: أنه أضاف الصداق إليهن فهو ملكهن، والوجه الثاني: أنه أمرنا بإيتائهن صداقهن آتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ.
وهذه المسألة اختلف فيها العلماء؛ فمنهم من قال: يجوز للأب خاصة أن يشترط لنفسه من مهر ابنته ما شاء، وقال بعض العلماء: لا يجوز لا للأب ولا لغيره أن يشترط لنفسه شيئًا من المهر.
والذي تؤيده السنة: أنه لا يجوز أن يشترط الولي لنفسه شيئًا من المهر، سواء كان الأب أم غيره، لكن إذا تم العقد وأراد الزوج أن يعطي الأب أو غيره من الأولياء أو الأم أو الخالة أو ما أشبه ذلك شيئًا من الإكرام، فلا بأس به كما دلت على ذلك السنة، أما ما كان قبل العقد فكله للمرأة، ولا يحل لأحد أن يشترط منه شيئًا لنفسه.
ومن فوائد الآية الكريمة: أنه يجب إعطاؤهن الصداق على وجه النحلة، يعني: الهدية التامة، فلا يكون فيه مِنَّة في المستقبل.
ومن فوائد الآية الكريمة: جواز إسقاط المرأة شيئًا من المهر أو رده إن كانت قد قبضته؛ لقوله: فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْسًا فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَرِيئًا.
ومن فوائدها: أنه لو أسقطت شيئًا خجلًا أو حياءً فإنه لا يحل قبوله؛ لقوله: فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْسًا فَكُلُوهُ؛ ولهذا قال العلماء: إذا أهدى إليك شخص هدية وأنت تعلم أنه إنما أهدى حياء وخجلًا، فإنه لا يجوز أن تقبلها منه؛ لأن هذا كالإكراه.
ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن من تملك شيئًا عن طيب نفس فإنه يحل له حاضرًا ومستقبلًا؛ لقوله: هَنِيئًا مَرِيئًا، هَنِيئًاحين الأكل، مَرِيئًابعد الأكل.
ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أنه لا يحل أخذ شيء من مال الغير بغير طيب نفس منه؛ لأن الله اشترط لحل أكله أن يكون عن طيب نفس، وقد جاءت بذلك السنة صريحة: «لَا يَحِلُّ مَالُ امْرِئٍ مُسْلِمٍ إِلَّا عَنْ طِيبِ نَفْسٍ مِنْهُ» ، وكذلك جاء في القرآن: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ [النساء: ٢٩].
تفسير الآية (5)

ثم قال تعالى: وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُقال: وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُالسُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُفيها قراءتان: القراءة الأولى بهمزتين محققتين السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ، والقراءة الثانية بحذف إحدى الهمزتين {السُّفَهَا أَمْوَالَكُمْ} الأولى على الأصل، والثانية بالتخفيف، وكذلك قوله: قِيَامًافيها قراءتان: قِيَامًاو{قِيَمًا} والمعنى واحد.
يقول الله عز وجل: وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُأي: لا تعطوهم، لا تعطوا السفهاء، والسفهاء جمع سفيه وهو من لا يحسن التصرف؛ إما لقلة في سنِّه، وإما لقصور في عقله ورشده، هذا هو السفيه، والسفه يكون في الأموال ويكون في الأعمال، كما قال تعالى: وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلَّا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ [البقرة: ١٣٠]، فمن رغب عن ملة إبراهيم الحنيفية السمحة فهو سفيه وإن كان من أرشد الناس في تصرفه في ماله.
يقول: أَمْوَالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَامًاأَمْوَالَكُمُأضاف الأموال إلينا، فاختلف العلماء هل المعنى: لا تؤتوا السفهاء أموالكم الخاصة بكم؛ لأنهم سوف يضيعونها بغير فائدة، فتفوت عليكم وتفوت عليهم، وقال بعض العلماء: بل المراد بذلك أموالهم هم، لكنه أضافه إلينا من أجل الولاية، فكأننا بولايتنا على هذا المال نملك هذا المال، والآية صالحة للوجهين، ومن قواعد التفسير: أن الآية إذا كانت صالحة لوجهين لا يتنافيان فإنها تحمل عليهما.
وقوله: الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَامًاجَعَلَبمعنى صيَّر، يعني: جعلها الله لنا قيامًا، الأموال تقوم بها مصالح ديننا ومصالح دنيانا، فكم من أسير فك بالمال، وكم من ضرورة أزيلت بالمال، وكم من يتيم جبر قلبه بالمال، فالأموال في الحقيقة قيام للناس في أمور دينهم ودنياهم، حتى إن الله سبحانه وتعالى يقدم الجهاد بالمال على الجهاد بالنفس؛ لأن ضرورة الجهاد للمال أكثر من ضرورتها للنفس، حتى الذي يجاهد بنفسه محتاج للمال، ما الذي يوصله إلى ميدان القتال إلا الأموال؛ ولهذا نجد الله سبحانه وتعالى يقدم ذكر الأموال في الجهاد على ذكر النفوس.
وَارْزُقُوهُمْ فِيهَا(ارزقوهم) يعني: أعطوهم رزقًا، والرزق هو العطاء، وقوله: فِيهَاأي: في الأموال، ولم يقل: (منها) إشارة إلى أنه لا بد أن يكتسب الولي بمال هؤلاء السفهاء حتى يكون الرزق فيها لا منها، وفرق بين الرزق فيها والرزق منها؛ لأنه لو لم يتجر فيها ويكتسب صار العطاء أيش؟ منها، إذا قدرنا أنها مئة فأعطاهم نفقة عشرة ريالات نقصت، كلما أعطاهم نقصت، لكن إذا قال: فيها، فالمعنى أن الرزق يكون فيها، فيكون المال أوسع من الرزق المعطى، وهذا يتضمن أن يتجر فيها ثم يعطيهم من الربح.
وَارْزُقُوهُمْ فِيهَاأعطوهم، أعطوهم أيش؟ أعطوهم طعامًا، شرابًا، أما الكسوة فقال: وَاكْسُوهُمْ وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلًا مَعْرُوفًااكْسُوهُمْما يحتاجون إليه من السراويلات والقمص وغيرها، بقي عندنا الفرش والسكن يدخل في قوله: وَارْزُقُوهُمْ فِيهَا.
وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلًا مَعْرُوفًاأي: حين إعطائكم إياهم وكسوتكم إياهم قولوا لهم قولًا معروفًا، أي: قولًا يكون لينًا هينًا، ولا تشمخوا بآنافكم عليهم وتمنوا عليهم؛ لأن ذلك خلاف الولاية الحقيقية، فمثلًا إذا جاء السفيه يقول: أعطني اكسني، لا تقل له قولًا غليظًا، لا تقل: ما عندك قط ثوبك ما عندك (...) طعامك، وما أشبه ذلك من الكلمات النابية؛ لأن المال مالهم، وإن كان مالكم فإنه لا ينبغي لكم أن تمنوا بما أعطيتم.
ومن فوائد هذه الآية الكريمة: تحريم إعطاء السفهاء الأموال سواء لهم أو لنا على الوجهين؛ لقوله: وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ، والنهي للتحريم لا سيما إذا قرن النهي بما يفيد العلة وهي السفهاء، كأنه قال: لا تعطوهم لسفههم؛ لأنهم إذا أعطيتموهم وهم سفهاء أضاعوا المال.
ومن فوائد هذه الآية الكريمة: ذم السفه، وأنه سبب للحيلولة بين الإنسان وبين ماله.
ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن السفه موجب للحجر على الإنسان في ماله.
وقد قسم العلماء رحمهم الله الحجر إلى قسمين: قسم لحظ الغير، وقسم لحظ النفس.
أما الأول فمثل أن تستغرق ديون الإنسان ماله، ففي هذه الحال يحجر عليه، لماذا؟ لحظ الغير، فإذا كان الإنسان عليه ديون أكثر من ماله وطلب الغرماء أن يحجر عليه حجر عليه، وإن لم يطلبوا فإنه يحرم عليه أن يتصرف تصرفًا يضر بالغريم، وإن فعل لم ينفذ التصرف؛ ولهذا لو وقف الإنسان الذي ديونه أكثر من ماله لو وقف شيئًا من ماله لم ينفذ الوقف، لماذا؟ لأنه تعلق به حق الغير، هذا هو القول الراجح في هذه المسألة، وهو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله، أما المشهور من المذهب فإن تصرفه نافذ ما لم يطلب الغرماء أو بعضهم الحجر عليه، فإن طلبوا الحجر عليه حجر عليه ومنع من التصرف في ماله.
القسم الثاني من الحجر: الحجر لحظ النفس، وهو ما كان سببه السفه أو الصغر أو الجنون، فالمجنون يحجر عليه في ماله، والصغير يحجر عليه في ماله، والسفيه يحجر عليه في ماله الذي لا يحسن التصرف، هذا الحجر لحظ المحجور عليه وليس لحظ الغير.
فإذا قال المحجور عليه: هذا مالي، دعوني أتصرف فيه بما شئت، قلنا: لا يمكن؛ لأنك سفيه، وإذا لم نحجر عليك فسوف تفسد المال.
ومن فوائد الآية الكريمة: أنه لا (...) الفساد، أي: بتسليطنا إياه، فلو أن أحدًا أعطى مجنونًا عصًا قلنا: هذا حرام عليك؛ لأنك إذا أعطيته عصًا فسوف يخرج يضرب به الناس، وإذا كان السفيه ينهى عن إعطائه المال فكيف بالمجنون؟
فإذا قال قائل: ما ضابط السفه الذي يحصل به الحجر؟ فالجواب: أن أهل العلم قالوا: إن السفيه هو الذي يبذل ماله في الحرام أو في غير فائدة، فالأول كالذي يبذل ماله في الخمر والمخدرات وما أشبهها، هذا سفيه يحجر عليه، أو في غير فائدة كالذي يصرف ماله في المفرقعات أو في الفقاعات أو ما أشبه ذلك، أو يشتري زيتًا أو بنزينًا ويولع فيه النار ويتفرج عليه فقط، هذا سفيه ولَّا رشيد؟ هذا سفيه فيحجر عليه.
ومن فوائد هذه الآية الكريمة: حكمة الله عز وجل في المال الذي أعطاه الله عباده، وهو أنه قيام للناس في مصالح دينهم ودنياهم.
ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أنه إذا كان المال قيامًا للناس في مصالح دينهم ودنياهم فإنه يحرم أن يصرف في غير ما فيه قيام دينهم ودنياهم؛ لأن الله جعله قيامًا تقوم به مصالح الدين والدنيا.
ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أنه يجب على ولي السفيه أن يتصرف في ماله بما يحصل به الفائدة؛ لقوله: وَارْزُقُوهُمْ فِيهَا.
ومن فوائدها: أنه يجب أن يرزقوا ما يحتاجون إليه من طعام وشراب وغير ذلك؛ لأن الأمر يقتضي الوجوب، لا سيما وأنه متعلق بحق الغير.
ومن فوائدها أيضًا: أنه يجب على من ولَّاه الله على أحد أن لا يغلظ له القول، بل يقول له القول المعروف، حتى يجمع بين الإحسان القولي والفعلي.
تفسير الآية (6)

ثم قال تعالى: وَابْتَلُوا الْيَتَامَى حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ [النساء: ٦] ابْتَلُواأي: اختبروا، و(اليتامى) جمع (يتيم)، وهو كل من مات أبوه قبل بلوغه، أي: قبل بلوغ الطفل أو بلوغ الأب؟ قبل بلوغ الطفل، من مات أبوه قبل بلوغه أي: بلوغ الطفل، أليس كذلك؟ نعم.
وقوله: حَتَّى إِذَا بَلَغُوا(حتى) هنا ابتدائية، أي: اختبروهم واستمروا في الاختبار، حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ(إذا) شرطية، وقوله: فَإِنْ آنَسْتُمْشرطية أيضًا، فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْجواب الشرط، فيكون هذا شرطًا في ضمن شرط آخر وهو سائغ في اللغة العربية، ومنه قول الشاعر:
إِنْ تَسْتَغِيثُوا بِنَا إِنْ تُــذْعَـــــرُوا تَجِـــــــدُوا مِـــــنَّــــــــا مَــــعَـــــــــاقِــــــــلَ عِـــــــزٍّ زَانَــــــــهَـــــــا كَـــــرَمُ

فهذه حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْشرط في ضمن شرط.
وقوله: فَإِنْ آنَسْتُمْأي: أبصرتم، ومنه قوله تعالى: آنَسَ مِنْ جَانِبِ الطُّورِ نَارًا [القصص: ٢٩] أي: أبصر.
وقوله: رُشْدًاالرشد في كل موضع بحسبه، ولكنه يجمع جميع معانيه كلمة واحدة وهي: حسن التصرف، هذا هو الرشد، إن كان في المال فبأن يبيع الإنسان ويشتري مرارًا ولا يغبن إلا بما جرت به العادة (...) منتهيًا عما حرم الله، وإن كان في التصرف للغير فأن يكون حسن الولاية، ومنه الرشد في ولاية النكاح، وأن يكون عالمًا بالكفؤ ومصالح النكاح، إذن الرشد -يا عباد الله- في كل موضع بحسبه، ما المراد به هنا؟ رُشْدًاأي: تصرفًا صحيحًا في أموالهم.
فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْأي: أعطوهم إياها، وقوله: فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْيعني: أوصلوها إليهم ولا تقولوا: ائتوا خذوا أموالكم، أنتم ادفعوا إليهم، وسيأتي أن هذا الولي له الأجرة أو الأكل بالمعروف حسب ما تقتضيه حاله.
وَلَا تَأْكُلُوهَاأي: أموالهم، إِسْرَافًا وَبِدَارًا أَنْ يَكْبَرُواقوله: إِسْرَافًايجوز أن تكون مفعولًا مطلقًا، أي: أكل إسراف، والإسراف هو مجاوزة الحد، وهو أيضًا في كل موضع بحسبه.
وقوله: بِدَارًاأي: مبادرة، فهي من (بَادَرَ) بمعنى استعجل الشيء، وقوله: أَنْ يَكْبَرُواأي: بدارًا لكبرهم، يعني: تبادر كبرهم؛ لأنهم إذا كبروا زالت الولاية عليهم وصاروا راشدين، فربما يأكل بعض الأولياء أموالهم على وجه الإسراف أو على وجه الاقتصاد ولكن يبادر؛ ولهذا لا يقول قائل: إن الكلمتين مترادفتان، بل نقول: الإسراف مجاوزة الحد، فمثلًا إذا كان يكفيه عشرة أخذ خمسة عشر. وَبِدَارًايعني: أن يأكل بلا إسراف لكن يبادر، يبادر بالأكل قبل أن يكبروا.
وَمَنْ كَانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْمن كان من الأولياء غنيًّا لا يحتاج إلى مال اليتيم، فَلْيَسْتَعْفِفْأي: فليكفَّ عن الأكل، وَمَنْ كَانَ فَقِيرًا فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِاللام هنا في قوله: فَلْيَسْتَعْفِفْللأمر، والثاني للإباحة.
أقول: اللام في قوله: فَلْيَسْتَعْفِفْللأمر، وفي قوله: فَلْيَأْكُلْللإباحة؛ وذلك أن الأول مطلوب منه أن يستعفف، والثاني مباح له أن يأكل.
فإذا قال قائل: ما الذي أخرج اللام في قوله: فَلْيَأْكُلْعن الأمر؟ قلنا: لأنها أعقبت النهي وهو قوله: وَلَا تَأْكُلُوهَا إِسْرَافًا وَبِدَارًا، والأمر بعد النهي أيش؟ لرفع الحظر، يعني: إما للإباحة على قول بعض العلماء، أو لرفع الحظر، وهنا إذا رفع الحظر فهو مباح.
وَمَنْ كَانَ فَقِيرًا فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِأي: فليأكل أكلًا بالمعروف، أي: بما جرى به العرف، فلا يأكل أكل الأغنياء وإنما يأكل أكل مثله، مثال ذلك: إذا كان فقيرًا فقال: أنا سآكل أكل الأغنياء؛ لأنني ولي عليه، قلنا: لا يجوز، كلْ بالمعروف، والمعروف ما جرى به العرف، ومن المعلوم أن أكل الفقير ليس كأكل الغني.
قال: فَإِذَا دَفَعْتُمْ إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ فَأَشْهِدُوا عَلَيْهِمْومتى ندفع إليهم أموالهم؟ إذا بلغوا ورشدوا، فَإِذَا دَفَعْتُمْ إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ فَأَشْهِدُوا عَلَيْهِمْيعني: أشهدوا أنكم دفعتموها.
وَكَفَى بِاللَّهِ حَسِيبًا(كفى) من الكفاية، يعني أنه جل وعلا يكفي عن كل أحد، والباء في قوله: بِاللَّهِزائدة لتحسين اللفظ، والأصل (وكفى الله حسيبًا)، والحسيب بمعنى الرقيب المحاسب، فهذه الآية -كما رأيتم- ختمها الله بهذه الجملة تهديدًا لأولياء اليتامى من أن يتجرؤوا على أكل أموالهم إسرافًا وبدارًا أن يكبروا.
يستفاد من هذه الآية الكريمة فوائد؛ أولًا: وجوب اختبار اليتامى؛ لقوله: وَابْتَلُوا الْيَتَامَى.
ثانيًا: العمل بالتجربة، من أين يؤخذ العمل بالتجربة؟ لأن الابتلاء -يعني الاختبار- تجارب.
ومن فوائد الآية الكريمة: أنه يجوز لولي اليتيم أن يستعمل معه ما يكون سببًا لاختباره، فإذا رأى منه تمردًا على الاختبار فله أن يؤدبه حتى يختبره ليتم ما أمر الله به.
ومن فوائد الآية الكريمة: أنه إذا بلغ اليتيم ورشد وجب دفع المال إليه؛ لقوله: حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ.
ومن فوائد الآية الكريمة: أن الحجر على اليتامى لا يحتاج إلى حكم الحاكم، لا ابتداءً ولا انتهاءً؛ لأنه وكل الأمر إلى من؟ إلى أوليائه.
ومن فوائد الآية الكريمة: عناية الله سبحانه وتعالى بالأيتام؛ لقوله: وَلَا تَأْكُلُوهَا إِسْرَافًا وَبِدَارًا أَنْ يَكْبَرُوا.
فإن قال قائل: لو أكلها لغير هذا الغرض ليستمتع بها فهل يجوز؟ فالجواب: لا، لكن ذكر الإسراف والبدار؛ لأنه هو الذي يحمل على أكلها غالبًا، وقد قال العلماء: إن القيد إذا ذكر لكونه أغلبيًّا فإنه لا مفهوم له، وعلى هذا فلا يجوز أكل مال اليتيم لا إسرافًا ولا مبادرة أن يكبروا.
ومن فوائد هذه الآية الكريمة: وجوب استعفاف الغني عن أموال اليتامى؛ لقوله: وَمَنْ كَانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْهذا هو القرآن.
ولكن قد يقول قائل: إذا قال الولي: أنا لا يمكن أن أعمل في مال اليتيم إلا بمثل ما يعمل به غيري وكيف أعمل بدون فائدة؟ فالجواب عن هذا أن نقول: إذا كان الأمر كذلك فلا بد من مراجعة القاضي الذي هو الولي العام؛ لأن من الناس من يدَّعي هذه الدعوى ويقول: أنا لا أستطيع أن أعمل إلا بجزء من الربح أو بأجرة أو ما أشبه ذلك، نقول: إذن لا بد أن ترجع إلى القاضي.
طالب: قوله: فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ(...) في أَمْوَالَكُمُ(...) أموال اليتامى؟
الشيخ: لا، الأولى السفهاء، الآية الأولى ما هي في اليتامى.
طالب: كيف -يا شيخ- يقول في الفقير (...) أن يأكل بالمعروف؟
الشيخ: ما وصلنا، اصبر اصبر.
طالب: شيخ، أحسن الله إليك، (...) أن ينفق عليهم من طعام وشراب وكسوة وكل ما (...) حتى لو كانوا صغارًا (...)؟
الشيخ: الصغار لا يجوز أن يسلطهم على المال.
الطالب: أعطيه شيء بسيط، كستين ريال في الشهر.
الشيخ: إي، لكن يفسدها.
الطالب: يفسدها بشيء بارد كالحلويات.
الشيخ: أخشى أن يفسدها بشيء حار.
الطالب: هذا يرجع إلى المراقبة.
الشيخ: على كل حال ما جرت به العادة لا بد، هذا نفقة، هذا من باب الإنفاق، يعني افرض أن الطالب أنه راح يبغي له على ما يسمونه فسحة يعطى ريالًا أو ريالين حسب السعر.
الطالب: (...).
الشيخ: لا، أبدًا، الأحسن أن لا تعطيه.
الطالب: لكن أحيانًا الحاجة، أحيانًا الإعراض بالشيء ربما (...) النفس.
الشيخ: إذن هذا له سبب، إذا أعطيته خوفًا من فساده، هذا له سبب، الأصل أن لا يعطى.
طالب: (...)؟
الشيخ: وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُالآية الأولى عامة، لو كان الواحد له أربعون سنة ما يعطى إياه.
طالب: يا شيخ الآية عامة.
الشيخ: أيهم؟
طالب: الآية وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ(...).
الشيخ: (...) ما دام العلة السفه، يعني: لا تؤتوا السفهاء أموالكم لسفههم.
الطالب: يختبرون بالبيع والشراء؟
الشيخ: أنت تسأل عن الآية الأولى ولَّا الثانية؟ الآية الثانية ما فيها ذكر السفهاء، الآية الثانية فيها اليتامى، يختبر اليتيم، لكن المرأة ما تختبر بالبيع والشراء؛ لأنها ليست من أهله، تختبر بحاجات البيت، إذا عرف ضبطها لحاجات البيت فهي رشيدة، إذا عرف أنها سفيهة؛ إذا عجنت العجين أعطته البقرة، إذا صلحت الشاي صبته على البلاط، وهكذا، ما تكون هذه رشيدة.
طالب: شيخ، اللام في فَلْيَأْكُلْللإباحة؟
الشيخ: نعم، الأمر، اللام لام الأمر وهو للإباحة.
الطالب: ولام فَلْيَسْتَعْفِفْللأمر، ما الفرق بينهما بما أن جميع اللامين جاءت بعد النهي بعد ألا تأكلوا، وَلَا تَأْكُلُوهَا إِسْرَافًا وَبِدَارًا؟
الشيخ: ما هو قلنا: إنها لما جاءت بعد النهي صارت للإباحة، أما فَلْيَسْتَعْفِفْإنما كانت للوجوب لحماية مال اليتيم، أما فَلْيَأْكُلْما نقول: يجب عليك أن تأكل من مال اليتيم، أنت مباح، فالأول قلنا: إنه للوجوب من أجل حماية مال اليتيم، والثاني قلنا: للإباحة أيضًا يجب حمايته؛ لأنا لو قلنا: يجب أن تأكل، معناه فيه ضرر على اليتيم.
طالب: قوله: وَكَفَى بِاللَّهِالباء هنا زائدة، وعكس الزائد الناقص، فهل يرد هذا في كتاب الله ناقص وزائد؟
الشيخ: ويش تقولون بسؤال الأخ؟ يقول: هل في كتاب الله زائد؟ نحن ذكرنا ذلك وقلنا: إن الزائدة زائدة، إن الزائد زائد.
طالب: نعم، ولكن يعني في كتاب الله عز وجل ما في شيء، يعني الزائد يكون بلا..؟
الشيخ: إي، الزائد فيه يكون زائدًا، الزائد لفظًا زائد للمعنى، يعني كلمة (زاد) تستعمل متعدية ولازمة، فـ(الزائد) اللي هو من (زَادَ) اللازم زائد من (زَادَ) المتعدي، واضح؟
الطالب: ما هو بواضح.
الشيخ: ما هو بواضح، شوف -بارك الله فيك- كل شيء زائد في القرآن إعرابًا فهو زائد المعنى، يعني لا بد أنه جاء لفائدة، الفائدة هنا قال النحويون: تحسين اللفظ.
طالب: شيخ، قلنا: إن العلماء قسموا الحجر إلى ثلاثة أقسام، قلنا: حجر لمصلحة المحجور عليه، وحجر لمصلحة الغير، وقلنا: إن السفيه قد يكون للصغر وقد يكون لكونه سفيهًا (...) قد يكون، فبالنسبة للصغير لا يكون قبل (...)؟
الشيخ: سفيه لصغره، سفيه لجنونه، وسفيه لتصرفه.
الطالب: إي، لكن الصغير ما يكون مع القسم العام الذي يكون سفيه..؟
الشيخ: والتفصيل ما يصلح؟
الطالب: (...) الصغير (...) ولهذا أطلق الله تعالى عليه..
الشيخ: أقول: ما يصلح؟ السفيه قد يكون بالغًا عاقلًا وهو سفيه.
طالب: قيامًا (...)؟
الشيخ: قيامًا، ما هو لكم، قيامًا لمصالح دينكم ودنياكم، يعني: نفس الأموال هي القيام.
طالب: الذي يتناول الدخان مفسد للمال في غير ما فائدة؟
الشيخ: هو ما يرى أنه إفساد، يقول: إنه إذا قام يشرب الدخان يكيف ويستأنس، مثل ما أنك تأكل التفاح وتستأنس.
طالب: كذلك الذي يشرب به الخمر والذي..
الشيخ: إي بس هذا ينقص العقل نقصًا واضحًا.

***

طالب: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم وَابْتَلُوا الْيَتَامَى حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ وَلَا تَأْكُلُوهَا إِسْرَافًا وَبِدَارًا أَنْ يَكْبَرُوا وَمَنْ كَانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ وَمَنْ كَانَ فَقِيرًا فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ فَإِذَا دَفَعْتُمْ إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ فَأَشْهِدُوا عَلَيْهِمْ وَكَفَى بِاللَّهِ حَسِيبًا (٦) لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ مِمَّا قَلَّ مِنْهُ أَوْ كَثُرَ نَصِيبًا مَفْرُوضًا (٧) [النساء: ٦- ٧].