تفسير سورة النساء - 5
عدد الزيارات 2355

عناصر المادة :
تفسير الآيتين (13-14)

ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن الميراث لا يكون إلا بعد الدين والوصية؛ لقوله: مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ [النساء: 11]، ولكن الدين قد يستغرق جميع التركة فلا يبقى للورثة شيء، وأما الوصية فلا تستغرق جميع التركة؛ لأن أقصى ما يمكن الثلث، وما زاد على الثلث فهو إلى الورثة، وعلى هذا فيفرق بين الدين والوصية وهو: أن الدين قد يستغرق المال فلا يبقى للورثة شيء، والوصية لا يمكن أن تستغرق المال؛ لأن ما زاد على الثلث موقوف على إجازة الورثة.
وعلى هذا: فلو مات شخص وخلف مئة ألف وعليه دين يبلغ مئة ألف فليس للورثة شيء. ولو مات ميت وقد أوصى بمئة ألف، ولما مات وجدنا خلفه مئة ألف لم يبق للورثة شيء، نقول: نرد مئة ألف إلى الثلث ما لم تجز الورثة.
ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن المفضول قد يقدم على الفاضل لاعتبارات أخرى، من أين نأخذها؟
طالب: مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ.
الشيخ: نعم، مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍالدين أوجب من الوصية وأقدم، لكن قدمت الوصية لاعتبارات أخرى، كتقديم هارون على موسى في بعض المواضع، في سورة طه قدم هارون على موسى رَبِّ هَارُونَ وَمُوسَى [طه: ٧٠] لاعتبارات وهي: مراعاة الفواصل، ولَّا لا شك أن موسى هو أفضل من هارون ومقدم عليه في جميع مواضع القرآن، إذن نأخذ منه: أن المفضول قد يقدم على الفاضل لاعتبارات أخرى.
ومن فوائد هذه الآية الكريمة: قصور علم الإنسان، من أين تؤخذ؟ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ لَا تَدْرُونَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ لَكُمْ نَفْعًا، أقرب الناس إلى الإنسان آباؤه وأبناؤه، فإذا كان لا يدري أيهم أقرب نفعًا، فما بالك بالبعيد؟ وهذا لا شك يعود إلى قصور علم الإنسان، وقد قال تعالى: وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا [الإسراء: ٨٥] الروح التي هي بين جنبيك لا تعرفها؛ لأنك لم تؤت من العلم إلا القليل.
ومن فوائد هذه الآية الكريمة: وجوب إعطاء الورثة نصيبهم من الإرث وأنه فرض، من أين يؤخذ؟ من قوله: فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ، وعلى هذا فيكون تعلم الحساب الفرضي فريضة، انتبهوا يا جماعة، فريضة على كل حال أو كفاية؟ فريضة كفاية؟
طالب: نعم.
الشيخ: طيب، أو نفسر نقول: إن كان يتوقف عليه إعطاء كل ذي نصيب نصيبه فهو فرض، وإن كان لا يتوقف فليس بفرض، ماذا تقولون؟
طالب: الأول.
الشيخ: الأول؟
طالب: الثاني.
الشيخ: تعلم الحساب في الفرائض هل هو مقصود ولَّا وسيلة؟
طلبة: وسيلة.
الشيخ: وسيلة، إذا كان وسيلة ننظر إذا احتجنا إليه أخذنا به، وإن لم نحتج فلا، لكن في الغالب أننا نحتاج إليه، لو جاء إنسان قال مثلًا: اقسم زوج وأم وأخ من أم، أقول: للزوج نصف، وللأم الثلث، وللأخ لأم السدس، ولا يلزم أن أقول: المسألة من ستة: للزوج النصف ثلاثة، وللأم الثلث اثنان، وللأخ من الأم السدس واحد، هذا ليس بلازم، لكن أحيانًا يتوقف القسم وإعطاء كل ذي نصيب نصيبه على معرفة الحساب، فإذا توقف على معرفة الحساب صارت معرفة الحساب فريضة كالأصل.
ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن أمر الفرائض إلى الله؛ لقوله: فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ.
وأقول لكم ذلك، وإن كان أمرًا معلومًا لكن من أجل الأدب، من أجل الأدب في الفتيا، كان الإمام أحمد رحمه الله مع علمه الغزير لا يطلق على الشيء أنه فريضة أو أنه حرام إلا إذا ورد به النص، وإلا تجده يقول: لا يفعل، أكره هذا، لا يعجبني، وما أشبه ذلك، كل هذا من باب الورع، أما نحن قشور الحبحب فتجد واحدًا منا يقول: هذا يحرمه الشرع، الشرع كله، هذا حرام في الشرع، سبحان الله! يمكن هذا الرجل لو تبحث معه في أدنى مسألة ما يعرفها ويقول: هذا حرام في الشرع، وهو من المسائل الاجتهادية، وقد يكون الصواب أنه ليس بحرام، ثم يضاف إلى الشرع كله من شخص ليس أهل للاجتهاد، هذا مشكل، لكن لو سألك سائل: ما تقول في الميتة؟ تقدر تقول: حرام؟ ما تقول في الميتة؟
طلبة: حرام.
الشيخ: حرام، أقدر أقول هذا؛ لأن هكذا في القرآن، إذن يجب على الإنسان أن يتحرز، كثيرًا ما يلجئنا بعض الناس، تكون المسألة عندنا ما هي واضحة في التحريم ثم نقول: لا تفعل، ثم يقول: هو حرام؟ يصر ولكننا نصر على أن نقول: لا تفعل هكذا، ويكفينا هذا يا إخوان، يكفينا حجة عند الله عز وجل: لا تفعل، فإذا أصر هو حرام ولَّا غير حرام؟ نقول: لا تفعل بس؛ لأن بعض الناس يلجئك، يعني: معناه إن كان حرامًا ما نفعل، وإن كان غير حرام أريد أن أفعله ولو أنه فيه شبهة، هذا معنى كلامه، وهذا إلجاء واضطرار، فلا يلزم أن نقول: حرام، إذا لم يتبين لي لا يلزمني.
بل إن بعض الناس -سبحان الله- ناس فيهم جدل أقول له: نهى عنه الرسول عليه الصلاة والسلام، يقول لي: لكن النهي للتحريم؟ سبحان الله! نهى عنه الرسول اتركه، أنت ملزم به إذا نهى عنه النبي صلى الله عليه وسلم، خلاص انتهِ عنه، إن كان للتحريم فقد سلمت من إثمه، وإن كان لكراهة فقد رجعت بفضله؛ لأن ترك المكروه يعتبر من الزهد؛ إذ إن الزهد ترك ما لا ينفع في الآخرة، والورع ترك ما يضر، أيهما أعلى؟
طالب: الورع.
الشيخ: الورع، التقليد الأعمى لا يفيد.
طالب: الزهد.
الشيخ: الزهد، استمعوا للتعريف: الزهد ترك ما لا ينفع في الآخرة، والورع ترك ما يضر في الآخرة، الزهد أعلى؛ لأن بين ما لا ينفع وبين ما يضر مرتبة، اللي ما فيه لا نفع ولا ضرر الزاهد يتركه، الزاهد يترك من أمر الدنيا ما ليس فيه نفع ولا ضرر، الورع لا يترك إلا الحرام، إذن طبقة التارك للمكروه أعلى من طبقة التاركين للحرام؛ لأن ترك الحرام من باب الورع، وترك المكروه من باب الزهد.
ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات اسمين من أسماء الله، هما: العلم، والحكمة؛ لقوله: إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا.
طالب: العلم والحكمة؟
الشيخ: إي نعم.
الطالب: صفات هذه.
الشيخ: (...) في الآية الكريمة من أسماء الله تعالى: العليم والحكيم، صح، العليم والحكيم إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا.
ومن فوائدها اللغوية: أن (كان) قد تسلب دلالتها على الزمان؛ لأنها لو دلت على الزمان إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًالو دلت على الزمان لكان الرب عز وجل الآن ليس عليمًا ولا حكيمًا، (كان)، لكنها أحيانًا تسلب دلالتها على الزمان ويكون مدلولها مجرد الحدث أو مجرد الوصف إذا كان صفة، ولهذا قال بعض السلف -وأظنه ابن عباس- قال: إن الله كان غفورًا رحيمًا ولم يزل غفورًا رحيمًا ، خوفًا من هذا الوهم أن (كان) لأيش؟ للماضي، ولهذا لو سئلت عن رجل: فلان هل كان غنيًّا؟ تقول: كان غنيًّا، المعنى؟
طلبة: (...).
الشيخ: وأما الآن ففقير.
تسأل عن طالب: هل هو مجتهد؟ فتقول: كان مجتهدًا، والآن؟
طلبة: (...).
الشيخ: تسأل: هل ينام في الدرس؟ فتقول: كان لا ينام في الدرس، والآن؟
طلبة: ينام.
الشيخ: الآن ينام، فعلى كل حال (كان) في الأصل تدل على زمن مضى، لكنها أحيانًا تسلب دلالتها على الزمان فتكون لمجرد الوصف بخبرها.
من فوائد الآية الكريمة: أنها تستلزم التسليم التام لقضاء الله الكوني والشرعي، من أين؟ إذا آمنت بأن الله عليم حكيم فسأطمئن وأعلم أنه ما قضى قضاء شرعيًّا إلا والحكمة تقتضيه، ولا قضى قضاء كونيًّا إلا والحكمة تقتضيه، فيسلم الإنسان لربه عز وجل تسليمًا تامًّا وينشرح صدره بقضائه وقدره، وينشرح صدره بشرعه وحكمه، ولا يبقى عنده أي تردد.
ولهذا انظر للصحابة كيف كان قبولهم للشرع، لما قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم للنساء: «يَا مَعْشَرَ النِّسَاءِ تَصَدَّقْنَ وَلَوْ مِنْ حُلِيِّكُنَّ؛ فَإِنِّي رَأَيْتُكُنَّ أَكْثَرَ أَهْلِ النَّارِ» ، ماذا فلعن؟ بدأت الواحدة تأخذ فرصة، تأخذ خاتمها، تأخذ صوارها، وتقول: يلا يا بلال أعطنا ثوبك، فجعلن يلقين ذلك في ثوب بلال، حليها اللي تتجمل بها لزوجها تخلعها؛ لأن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أمرهن أن يتصدقن، امتثال غريب!
والرجل الذي نزع النبي صلى الله عليه وآله وسلم خاتمه من أصبعه وهو ذهب -والذهب حرام على الرجال- وطرحه رمى به، قيل للرجل: خذ، قال لا آخذ خاتمًا طرحه النبي صلى الله عليه وسلم، امتثال عجيب!
لما قال للصحابة بعد رجوعه من الأحزاب: «لَا يُصَلِّيَنَّ أَحَدٌ إِلَّا فِي بَنِي قُرَيْظَةَ»، اليهود لأجل قتالهم؛ لأنهم نقضوا العهد، هل تأخروا؟ أبدًا، شدوا رحالهم ومشوا، ما قالوا: والله إحنا تعبانين، لعل الأسبوع هذا يكون راحة، مشوا، وماذا فعلوا؟ بعضهم أخذ بظاهر اللفظ قال: ما أصلي العصر إلا في بني قريظة ولو في نصف الليل، وصاروا حتى وصلوا بني قريظة وصلوا، والآخرون قالوا: لا، إنما قصد النبي صلى الله عليه وآله وسلم أن نبادر ما قصد أن نؤخر الصلاة، وقالوا: عندنا نصان أحدهما متشابه والثاني محكم، ما هو المتشابه؟ «لَا يُصَلِّيَنَّ أَحَدٌ إِلَّا فِي بَنِي قُرَيْظَةَ» ، فهذا يحتمل أن المعنى تأخير الصلاة أو المعنى تعجيل السير والمشي، لكن وجوب الصلاة في وقتها إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا [النساء: ١٠٣] محكم، فيجب أن نرد المتشابه إلى المحكم ونصلي الصلوات في وقتها وإن لم نصل إلى بني قريظة. (...)
طالب: {تَسَّاءَلُونَ}.
الشيخ: {تَسَّاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ}. وَالْأَرْحَامَفيها قراءة ثانية؟
طالب: {وَالْأَرْحَامِ}.
الشيخ: {وَالْأَرْحَامِ} بالجر؟
طالب: بالجر.
الشيخ: أحسنت، بارك الله فيك.
ما معنى تقوى الأرحام: وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَعلى قراءة النصب؟
طالب: يعني الرحم (...).
الشيخ: لا، معنى اتقائها؟
الطالب: ألا تقطعوهم يعني (...) ولا تقطعوهم.
الشيخ: أحسنت، تمام.
اقرأ (...).
السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُفيها قراءتان ما هما؟
طالب: بتحقيق الهمزتين على القراءة الأولى، والقراءة الثانية (...).
الشيخ: القراءة الأولى بتحقيق الهمزتين السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُوالثانية بحذف إحداهما {السُّفَهَا أَمْوَالَكُمُ}.
الشيخ: قِيَامًافيها قراءتان؟
طالب: {قِيَمَا}.
الشيخ: {قِيَمَا}.
لماذا أضاف الأموال أَمْوَالَكُمُ؟ هل يريد أموال اليتامى أو أموال نفس الأولياء؟
طالب: أموال اليتامى.
الشيخ: لماذا أضافها إلى الأولياء؟
الطالب: لأنهم هم القائمون على رعايتها.
الشيخ: ولكن هي لهم ولَّا لليتامى؟
الطالب: الأولياء؛ أولياء اليتامى.
الشيخ: ولكن هل هي الأموال لليتامى أو لأوليائهم؟
الطالب: لليتامى.
الشيخ: لماذا أضافها إليهم أَمْوَالَكُمُ؟
الطالب: لأنهم هم القائمون على رعايتها وتنميتها.
الشيخ: ولأنه يجب أن يحافظوا عليها كما يحافظون على أموالهم.
ما معنى قوله: قِيَامًا؟
الطالب: لأن (...) بها قوام الإنسان.
الشيخ: تقوم بها مصالح الدين والدنيا، أحسنت.
قوله: وَارْزُقُوهُمْ فِيهَايشير إلى شيء، يعني في الآية الثانية قال: ارْزُقُوهُمْ مِنْهُ؟
طالب: أي: يرزقوهم ليس منها؛ لأنه لو قال: منها كان تنقص، لكن (فيها) يعني ينموها ويرزقهم منها.
الشيخ: إشارة إلى أنهم يتجرون فيها، ويكون الرزق فيها لا منها.
(...) قاعدة أبطلت حكمًا جاهليًّا جائرًا، فما هو؟
طالب: يفرق بين النساء والرجال.
الشيخ: كيف؟ ما هو الحكم الجائر في الجاهلية الذي أبطله الله بهذه الآية؟
الطالب: كانوا يتساوون الرجال والنساء.
الشيخ: لا.
طالب: كان في الجاهلية المرأة عبارة عن متاع يورث ولا ترث منهم (...).
الشيخ: كانوا لا يورثون النساء وإنما يورثون الرجال.
هل تشير الآية إلى أن الآباء والأمهات لا يمكن سقوطهم بخلاف الأقارب؟
طالب: صحيح أنه ذكر النصيب.
الشيخ: نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَهل تشير الآية إلى أن الأولاد لا يمكن سقوطهم بخلاف الأقارب؟
طالب: نعم.
الشيخ: كيف؟
الطالب: لأن الأولاد (...) ما قال (...).
الشيخ: لا.
طالب: لِلرِّجَالِ.
الشيخ: لا.
طالب: مِمَّا قَلَّ مِنْهُ أَوْ كَثُرَ.
الشيخ: لا.
طالب: نَصِيبًا مَفْرُوضًا.
طالب آخر: قوله: مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَوالوالدان يشمل أن الأولاد لا يسقطون..
الشيخ: نعم، أما الأقارب قال: وَالْأَقْرَبُونَمعناها: القريب الذي ليس بأقرب ليس له نصيب يسقط، وقد بينا في باب الحجب أن من يرث مباشرة بلا واسطة فلا يمكن أن يسقط.
(...) فَلَهَا النِّصْفُقراءتان؟ وَاحِدَةًفيها قراءتان؟
طالب: {وَاحِدَةٌ}.
الشيخ: {وَاحِدَةٌ} بالرفع.
ما وجه الإعراب في القراءتين؟
الطالب: خبر (كان).
الشيخ: على النصب.
الطالب: على النصب خبر (كان).
الشيخ: وعلى الرفع؟
الطالب: اسم (كان) مقدم.
الشيخ: وين خبرها؟
الطالب: مؤخر.
الشيخ: وين؟ خبرها مؤخر؟
الطالب: شيخ، تكون فاعل.. على الرفع اسم (...).
الشيخ: وين خبرها؟
الطالب: (...).
الشيخ: لا، ما يصلح فعلها جواب الشرط.
الطالب: مقدر.
الشيخ: مقدر، أو محذوف؟
الطالب: محذوف.
الشيخ: محذوف دل عليه ما قبله وما بعده أو أحدهما؟
الطالب: مستتر.
الشيخ: كيف مستتر وهي مرفوع؟ الخبر ما يمكن يستتر أبدًا.
طالب: على الرفع (كان) تامة.
الشيخ: أحسنت، على الرفع تكون (كان) تامة، قال ابن مالك:

.................... وَذُو تَمَامٍ مَا بِرَفْعٍ يَكْتَفِي

فلا يكون له شيء، ولعلنا نرجع الفوائد حتى نأخذها مرة واحدة أحسن.
وَلَكُمْ نِصْفُ مَا تَرَكَ أَزْوَاجُكُمْ [النساء: ١٢] أَزْوَاجُكُمْالأزواج لا يمكن أن يصدق على المرأة أنها زوج إلا إذا تمت شروط النكاح، وعلى هذا فلا بد من عقد الزوجية الصحيح، فإن كان العقد غير صحيح فلا إرث، والعقد غير الصحيح يشمل الفاسد والباطل، فالأنكحة عند العلماء ثلاثة أقسام: صحيح، وباطل، وفاسد، فما أجمع العلماء على صحته فهو صحيح، وما أجمعوا على بطلانه فهو باطل، وما اختلفوا فيه فهو فاسد، هكذا يقرر العلماء أن النكاح ثلاثة أقسام: صحيح وهو ما اجتمعت شروطه وانتفت موانعه، وإن شئت فقل: ما أجمع العلماء على صحته، وباطل وهو ما أجمعوا على فساده، وفاسد وهو ما اختلفوا في صحته.
مثال الأول: أن يتزوج إنسان المرأة بعقد صحيح خالٍ من الموانع، ومثال الثاني الباطل: أن يعقد على امرأة فيتبين أنها أخته من الرضاعة، فهنا العقد باطل لإجماع العلماء على فساده، أو يتزوج امرأة في عدتها فإن العلماء مجمعون على فساد العقد، ومثال الثالث: أن يتزوج امرأة بلا شهود أو بشهود من الأصول أو الفروع، أو بلا ولي، أو يتزوج امرأة رضعت من أمه ثلاث رضعات، كل هذه الأنواع مختلف فيها.
فمثلًا من رضعت من أمه ثلاث رضعات فهي عند كثير من العلماء أو أكثر العلماء تحل له، لماذا؟ لأن الرضاع المحرم خمس، وعند بعض العلماء المحرم ثلاثة؛ لقول النبي صلى الله عليه وآله وسلم: «لَا تُحَرِّمُ الْمَصَّةُ وَلَا الْمَصَّتَانِ» ، فمفهومه ما زاد عليهما محرم، فعلى هذا الرأي يكون النكاح؟ يكون باطلًا، يعني فاسدًا.
وإذا تزوج امرأة رضعت من أمه واحدة فالنكاح أيضًا فاسد، لكن فساده أقرب من فساد من يقول بالثلاث؛ لأن القول بأن الرضاعة مطلقًا محرم هو قول أهل الظاهر، وهو قول ضعيف.
المهم النكاح الفاسد لا توارث بين الزوجين فيه، والنكاح الباطل كذلك لا توارث، والنكاح الصحيح -وهو الذي أجمع العلماء على صحته لتمام شروطه وانتفاء موانعه- هذا هو الذي يحصل به الإرث، وهو مستفاد من قوله: مَا تَرَكَ أَزْوَاجُكُمْ.
إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُنَّ وَلَدٌهذا شرط عدمي، ووجه كونه شرطًا عدميًّا دخول النفي على مضمونه، والنفي عدم ولَّا وجود؟
طلبة: عدم.
الشيخ: النفي عدم فيشترط لإرث الزوج نصف ما تركت زوجته شرط عدمي وهو ألا يكون لها ولد، وقوله: إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُنَّ وَلَدٌيشمل الواحد والمتعدد والذكر والأنثى؛ لأن كلمة (ولد) بمعنى المولود وهو صالح للذكر والأنثى، ودليل ذلك قوله تعالى: يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِفدل هذا على أن الأولاد والولد يشمل الذكور والإناث.
فَإِنْ كَانَ لَهُنَّ وَلَدٌ فَلَكُمُ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْنَهذا تصريح بالمفهوم من قوله: إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُنَّ وَلَدٌفمفهومه إن كان لهن ولد فالحكم يختلف، يعني لا يكون لكم النصف، ما الذي يكون؟ بينه في قوله: فَلَكُمُ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْنَ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِينَ بِهَا أَوْ دَيْنٍ.
فإن قال قائل: ما الحكمة في أنه مع الأولاد يكون للزوج الربع ومع عدمهم يكون له النصف؟ نقول: لأنه إذا كان لها أولاد فإن أولادها محتاجون إلى الإنفاق عليهم؛ فلذلك توفر لهم من المال ثلاثة أرباع، بخلاف إذا لم يكن لها ولد.
وعموم قوله: وَلَدٌقلنا: يشمل الذكر والأنثى والواحد والمتعدد، ومن كانوا من زوجها ومن كانوا من غير زوجها، كما لو ماتت ولها أولاد من زوج سابق فليس لزوجها إلا الربع.
مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِينَ بِهَا أَوْ دَيْنٍمِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِينَ بِهَاويشترط للوصية التي تقدم على الإرث أن تكون وصية مشروعة، وذلك بأن تكون من الثلث فأقل، لأيش؟ لغير وارث، وأن تكون وصية تامة الشروط، فإن اختل شرط منها فبطلت فلا عبرة بها، فلو أوصت المرأة بشيء من مالها يصرف على أهل العزف والغناء فالوصية باطلة لا عبرة بها، وذلك أن لدينا قاعدة مهمة: أن الألفاظ الشرعية تحمل على المعنى المعتبر شرعًا، فعليه نقول: الوصية هي المعتبرة شرعًا، بحيث تكون من الثلث فأقل لغير وارث، وبالشروط المعروفة عند أهل العلم، وستأتينا إن شاء الله في الفقه.
وقوله: أَوْ دَيْنٍمِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍأَوْ دَيْنٍ(أو) هنا مانعة خلو وليست مانعة إشتراك، ليست مانعة انفراد بل هي مانعة خلو، والفرق بينهما أن (أو) التي هي مانعة الخلو، يعني أنه يشترط ألا يخلو واحد من هذين الأمرين وإن اجتمعا فهو أولى، والثاني التي تمنع الاشتراك هي التي يكون الحكم فيها لأحد الأمرين.
فإذا قلت: أكرم زيدًا أو عمرًا، وأنا أريد أن تكرم أحدهما، فهذه مانعة اشتراك، وإذا قلت: أكرم زيدًا أو عمرًا، بمعنى أني جعلت لك الخيار، فهذه يسمونها مانعة خلو، بمعنى أنه لا يخلو الحال من إكرام أحد الرجلين، وإكرام أحدهما من باب أولى.
فهنا (أو) هنا من باب خلو أو مانعة اشتراك؟ مانعة خلو، بمعنى أنه قد يجتمع الدين والوصية وقد ينفرد أحدهما، فالإرث لا يكون إلا بعد الوصية والدين، ولكن الوصية -كما علمتم- تكون من الثلث فأقل، والدين قد يستغرق جميع المال، فإن استغرق الدين جميع المال فلا حق للورثة، صح؟ يعني لو كان عليه ألف درهم وخلف ألف درهم، فهنا لا شيء للورثة؛ لأننا إذا قضينا الدين بألف لم يبق للورثة شيء، ولو أوصت المرأة بألف وتركت ألفًا فقط لم يبق للورثة شيء؟
طلبة: لا.
الشيخ: لماذا؟ لأنها لا تملك الوصية إلا بالثلث فأقل.
في هذه الآية قدم الله تعالى الوصية على الدين وقد سبق في الآية الأولى كذلك، وبين العلماء رحمهم الله الحكمة من هذا بأن الوصية تبرع والدين واجب، فقدمت الوصية لجبر نقصها لكونها تبرعًا على الواجب، هذا وجه.
والوجه الثاني: أن الدين له من يطالب به بخلاف الوصية فإنها تبرع، ولو شاء الورثة أن يجحدوها لجحدوها، فقدمت اهتمامًا بها واعتناء بها.
وَلَهُنَّ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْتُمْ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَكُمْ وَلَدٌ فَإِنْ كَانَ لَكُمْ وَلَدٌ فَلَهُنَّ الثُّمُنُ مِمَّا تَرَكْتُمْ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ تُوصُونَ بِهَا أَوْ دَيْنٍيقال في هذه الجمل ما قيل فيما قبلها، والحكمة من أن الله فرق بين الرجال والنساء، فجعل للأنثى نصف مال الرجل؛ لأن هذه هي القاعدة في الفرائض: أن الرجل والأنثى إذا كانا من جنس واحد فهما على التفريق، يعني يكون للرجل نصف مال الأنثى، إلا من ورث بالرحم المجردة فإنه يستوي فيه الذكر والأنثى.
مثل أولاد الأم فإن ذكورهم وإناثهم سواء، ومثل ذوي الأرحام -على المشهور من المذهب- فإن ذكرهم وأنثاهم سواء، فابن الأخت وبنت الأخت المال بينهما بالسوية، وسيأتي -إن شاء الله- ذكر الخلاف فيه، وأن الصحيح أن ميراث ذوي الأرحام مبني على إرث من يدلون به، فإن أدلوا بمن تختلف فيه الذكورة والأنوثة فهم كذلك.
طالب: نصف ما للرجل، أن يكون للرجل نصف (...)؟
الشيخ: هنا للأنثى نصف مال الرجل، وللرجل الضعف.
ثم قال: وَإِنْ كَانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلَالَةً أَوِ امْرَأَةٌقوله: إِنْ كَانَ رَجُلٌ يُورَثُيحتمل أن تكون (كان) هنا ناقصة ويكون جملة يُورَثُخبر (كان)، ويحتمل أن تكون تامة ورَجُلٌفاعل، ويُورَثُصفة لـرَجُلٌ، وهذا أقرب؛ لأن التقدير: وإن وجد رجل يورث كلالة.
وقوله: كَلَالَةًهذه مفعول مطلق، ودليل أنها مفعول مطلق أنه يصح أن يقدر قبلها المصدر، والتقدير: يورث إرث كلالة، فعليه تكون هي مفعول مطلق، وإرث الكلالة أن يرث من دون الأصول والفروع، يعني أن يكون الوارث من غير الأصول والفروع؛ لأنه كالإكليل الذي يحيط بالشيء، فهم الحواشي، يعني من كان ورثته حواشي وهو من لا يرثه فرع ولا أصل، ولهذا جاء عن السلف: أن الكلالة من ليس له ولد ولا والد، يعني يرثه الحواشي، فالموروث كلالة هو الذي لا يرثه إلا الحواشي، هكذا؟
طالب: إي نعم.
الشيخ: مثل رجل مات عن إخوة نسمي هذه: كلالة، عن أعمام: كلالة، عن بني إخوة: كلالة، عن بني أعمام: كلالة، فكل من يرث بلا فرع ولا أصل فهو كلالة.
وقوله: أَوِ امْرَأَةٌمعطوفة على رَجُلٌ، ولكن كلمة امْرَأَةٌهل نقول: معطوفة على رَجُلٌبصفته أو على رَجُلٌبلا صفته؟ بصفته، يعني: أو امرأة تورث كلالة.
وقد اتفق النحويون وكذلك الأصوليون على أن الوصف إذا تعقب جملًا عاد على الكل، إذا تعقب جملًا فإنه يعود إلى الكل، مثل أن أقول: أكرم زيدًا وعمرًا وبكرًا وخالدًا إن اجتهدوا في الدراسة، يعود على الكل، وأما إذا انفرد وتقدم: أكرم زيدًا وعمرًا وخالدًا إن اجتهدوا وبكرًا، فقد اختلفوا هل يكون (بكرًا) إكرامه مطلقًا أو يكون موصوفًا بما سبق؟ على قولين في هذه المسألة، والصحيح أنه يرجع في هذا إلى القرائن.
والقرائن هنا دلت على أن امْرَأَةٌمعطوفة على رَجُلٌباعتباره موصوفًا بكونه يورث كلالة.
أَوِ امْرَأَةٌ وَلَهُ أَخٌ أَوْ أُخْتٌوَلَهُالضمير يعود إلى الرجل الذي يورث كلالة وكذلك المرأة، ولم يقل: ولهما أخ أو أخت، اعتبارًا بالوصف الأول الذي هو الرجل.
وقوله: أَخٌ أَوْ أُخْتٌهنا مطلق يشمل الشقيق أو لأب أو لأم، ولكن العلماء أجمعوا على أن المراد: له أخ من أم أو أخت من أم، وقد وردت فيها قراءة عن بعض السلف: (وَلَهُ أَخٌ مِنْ أُمٍّ أَوْ أُخْتٌ مِنْ أُمٍّ)، وهذا ظاهر جدًّا حتى وإن لم ترد القراءة هذه؛ فإن الإخوة الأشقاء لأب قد ذكر الله حكمهم في آخر السورة: يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلَالَةِ إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ وَلَهُ أُخْتٌ [النساء: ١٧٦] إلى آخره.
فَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ فَإِنْ كَانُوا أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَأي: أكثر من واحد، فَهُمْ شُرَكَاءُ فِي الثُّلُثِإذا كانوا اثنين؟ فهم شركاء في الثلث، إذا كانوا ثلاثة؟ فهم شركاء في الثلث، أربعة؟ شركاء في الثلث، أخ وأخت؟ شركاء في الثلث، وهنا لا يفضل الأخ على الأخت؛ لأن الله قال: فَهُمْ شُرَكَاءُ، ومقتضى الشركة عند الإطلاق المساواة أو التسوية.
مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصَى بِهَا أَوْ دَيْنٍ غَيْرَ مُضَارٍّمِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصَى بِهَانقول فيها ما سبق من أن هذه الوصية وصية شرعية في حدود ما أذن فيه الشرع، وقوله: أَوْ دَيْنٍيعني: أو من بعد دين، و(أو) هنا بمعنى خلو كما سبق، لكن هنا قال: غَيْرَ مُضَارٍّيعني: بشرط ألا يكون المقصود بالوصية المضارة، فإن ثبت أن المقصود بها المضارة فهي لاغية، كما لو علمنا أن هذا الميت الذي ليس له إلا إخوة من أم أنه أوصى بالثلث من أجل أن يضيق على الإخوة، فهذه وصية ضرار فلا تنفذ؛ لأن الله اشترط في الوصية النافذة أن تكون غير مضار بها.
وكذلك لو فرض أن المريض استحمق وتدين دينًا يضر بالورثة يستغرق جميع ماله، فإنه في هذه الصورة ينظر فيه، ينظر فيه إذا كان قد ضار به فإن الضرر ممنوع شرعًا.
ثم قال: وَصِيَّةً مِنَ اللَّهِوَصِيَّةًمفعول مطلق عامله محذوف وجوبًا؛ لأن المقصود بها هنا الإلزام، والوصية بمعنى العهد المؤكد.
وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَلِيمٌعليم بما يصلح عباده، حليم بمن عصاه فلا يعاجله بالعقوبة، والفائدة من ختم هذه الآية الطويلة التي اشتملت على إرث الزوجين والإخوة من الأم بالعلم والحلم: أنه قد تكون الوصية مضارًّا بها ولا يعجل الله للإنسان بالعقوبة؛ فلهذا ختم هذه الآية بهذين الاسمين الكريمين: العلم، والحلم.
نرجع الآن إلى فوائد الآية الكريمة وهي كثيرة، فمنها:
أولًا: أن الإرث ملك قهري لا اختيار للإنسان فيه، دليله وَلَكُمْ، أن الله ملكنا إياه وأثبته حكمًا شرعيًّا، فلو قال الزوج: أنا لا أريد نصيبي من زوجتي، قلنا له: لا، هو داخل في ملكك قهرًا لا خيار لك فيه، فإن قال: أريد أن أتفضل به لها في مشروع خيري أو إن كان لها أولاد أتفضل به على أولادها، قلنا له: هذه ابتداء عطية.
وبناء على ذلك: لو كان عليه دين يحتاج أن يبذل هذا المال الذي ورثه فإن تبرعه بهذا المال غير نافذ، وهذه الفائدة من قولنا: إنه ملك قهري.
يتفرع على هذا أيضًا: لو كان الموروث شقصًا من أرض مشتركة فهل للشريك أن يشفع؟ أما فهمتم السؤال؟ ما فهمتوها، المرأة لها نصف أرض ونصف الأرض الثاني لرجل آخر أجنبي، فماتت فورث ورثتها نصيبها من هذه الأرض وهو النصف، فهل للشريك أن يشفع؟
طلبة: لا.
الشيخ: لا، لماذا؟ لأنه ملك قهري، لكن لو أنها باعت هي نصيبها في حياتها فللشريك أن يشفع.
من فوائد هذه الآية الكريمة أيضًا: أنه يشترط في الميراث أن يكون الوارث حرًّا، من أين يؤخذ؟ من (اللام) التي هي للتمليك، والعبد لا يملك، فلو كان زوج الحرة عبدًا فإنها إذا ماتت لا يرث منها شيئًا؛ لقول النبي صلى الله عليه وآله وسلم: «مَنْ بَاعَ عَبْدًا لَهُ مَالٌ فَمَالُهُ لِلَّذِي بَاعَهُ» .
ومن فوائد الآية الكريمة: أن الميراث يشمل الأعيان والديون والحقوق، الأعيان كالدراهم والنقود والعقارات، والديون التي في ذمم الناس، والثالث الحقوق كحق الشفعة وحق الانتفاع بالكلب المباح نفعه وحق الانتفاع بالسرجين النجس، وحق الانتفاع بالدهن النجس -إذا قلنا بجواز الانتفاع به- وما أشبه ذلك. المهم أن قوله: مَا تَرَكَعام يشمل الجميع: الأعيان، والديون، والحقوق.
من فوائد الآية الكريمة أيضًا: ثبوت الزوجية؛ لقوله: أَزْوَاجُكُمْ، ولا تثبت الزوجية إلا بعقد صحيح.
من فوائد الآية الكريمة: ثبوت الإرث ولو ماتت قبل الدخول، كيف ذلك؟ لأنها تكون زوجة بمجرد العقد سواء حصل دخول أم لم يحصل.
ومن فوائد الآية الكريمة: أن الزوجة إذا بانت فلا توارث، من أين يؤخذ؟ من قوله: أَزْوَاجُكُمْ؛ لأنها إذا بانت لم تكن زوجة، فلو طلقها وانتهت عدتها ثم ماتت فلا ميراث له منها؛ لأنها صارت أجنبية منه، ولو طلقها طلاقًا بائنًا وماتت في العدة فلا ميراث له منها، لماذا؟ لأنها لما بانت منه لم تكن زوجة، بدليل أنها لا تحل له إلا بعقد جديد أو بعد زوج إن كانت البينونة كبرى.
استثنى العلماء من ذلك مسألة وهي ما إذا أبانها في مرض موته المخوف متهمًا بقصد حرمانها، أربعة شروط: إذا أبانها في مرض موته المخوف متهمًا بقصد حرمانها، قالوا: فإنها إذا كان الأمر كذلك ترثه ولو انتهت العدة ما لم تتزوج أو تأت بمنافٍ للزوجية كالردة (...).
إلى البينونة متى بانت منه بطلاق ثلاث أو بتمام العدة انقطع التوارث إلا في حال واحدة في البينونة وهي ما إذا أبانها في مرض موته المخوف متهمًا بقصد حرمانها، ثلاثة شروط: مرض موت، مخوف، متهمًا بقصد الحرمان، بل أربعة شروط: مرض، وموت، مخوف، متهمًا بقصد الحرمان، إذا تمت الشروط الأربعة فإنها ترث منه، فإن طلقها في الصحة طلاقًا بائنًا ثم مات قبل انقضاء العدة؟
طلبة: فإنها لا ترث.
الشيخ: فإنها لا ترث؛ لأنه طلقها في الصحة، وإن طلقها في مرض مخوف ثم عوفي منه ثم حصل عليه حادث فمات ترث؟
طلبة: لا.
الشيخ: لا ترث؛ لأنه لم يمت بالمرض، وإن طلقها في مرض لكنه مرض ليس بمخوف وبعد ذلك ازداد به المرض حتى مات فإنها لا ترث.
وإن طلقها في مرض موته المخوف بطلبها فإنها لا ترث، لماذا؟ لأنه ليس متهمًا بقصد حرمانها.
إذن ينقطع التوارث بين الزوجين بالبينونة إلا فيما إذا طلقها في مرض موته المخوف متهمًا.
طالب: ما لم تتزوج أو..؟
الشيخ: نعم، وإذا ورثت منه في هذه الحال فإنها يمتد إرثها إلى أن تتزوج أو ترتد، يعني إذا ورثت في حال البينونة على الشروط اللي ذكرنا فإنها ترث ما لم تتزوج أو ترتد.
ومن فوائد الآية الكريمة: أن للزوج النصف بشرط عدمي وهو عدم الولد؛ لقوله: إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُنَّ وَلَدٌ.
ومن فوائدها: أنه لا فرق بين أن يكون الولد واحدًا أو متعددًا، ذكرًا أم أنثى، وجه الدلالة في هذه الآية: لأن كلمة وَلَدٌنكرة في سياق النفي فتشمل.
وهل ولد الولد كالولد؟ الجواب: نعم، فلو كان لها ابن بنت فليس للزوج النصف؛ لأن أولاد الأبناء كأولاد الصلب.
ومن فوائد هذه الآية الكريمة: عناية الله سبحانه وتعالى بالمواريث حيث جاءت الآيات على هذا التفصيل؛ لقوله: فَإِنْ كَانَ لَهُنَّ وَلَدٌ فَلَكُمُ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْنَ.
ومن فوائد الآية الكريمة: أن المورايث مبنية على الحكمة، ووجهه: أنه إذا لم يكن للزوجة ولد فللزوج النصف، ومع الولد الربع ليتوفر المال لمن؟ للولد.
ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن لا ميراث إلا بعد الدين والوصية؛ لقوله: مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِينَ بِهَا أَوْ دَيْنٍ.
ومن فوائدها: أن الزوجة حرة في التصرف بمالها؛ لقوله: يُوصِينَ بِهَا، فأضاف الفعل إليها، إذا كانت لا تتصرف إلا بإذن الزوج فلربما منعها الزوج من الوصية ذلك يضره.
وينبني على هذه الفائدة أمثلة: لو مات الميت وخلَّف ألفًا وعليه ألف دينًا فهل للورثة شيء؟
طلبة: لا.
الشيخ: لا، لأن الدين مقدم على الميراث، لكن كيف تكون الوصية مقدمة على الميراث؟ كيف ذلك مع أن الوصية لا تجوز بأكثر من الثلث؟ يتضح هذا بالمثال، فلو هلك هالك عن زوج وأخت شقيقة كان للزوج النصف؛ لعدم الفرع الوارث، وللشقيقة النصف؛ لتمام شروط إرثها النصف، وإذا قدرنا أن المال ستون ألفًا صار للزوج ثلاثون ألفًا وللأخت ثلاثون ألفًا.
فإذا كانت المرأة المتوفاة قد أوصت بالثلث اختلف الحال، قلنا: للوصية الثلث، كم؟ عشرون ألفًا، وللزوج نصف الباقي (...)، وللأخت الشقيقة كذلك النصف عشرون ألفًا.
فأنت ترى الآن: أن الوصية أعطيناها الحق كاملًا، كم أخذ الموصى له؟ الثلث عشرين، وتجد أن الميراث بدل أن كان للزوج النصف لم يكن له الآن إلا الثلث، وكذلك الأخت الشقيقة، أعرفتم الآن؟ فتبين الآن أن الوصية مقدمة على الميراث.
لو قدرنا أن الوصية كالميراث لاختلف الحكم، لقلنا: عندنا ثلث زائد على الكل، فتكون المسألة من تسعة، للوصية كم؟ ثلاثة، وللزوج ثلاثة، وللأخت ثلاثة.
ولكن الظاهر أننا أخطأنا، نقول: المسألة (...) النصف ثلاثة، وللأخت الشقيقة النصف ثلاثة، وللثلث اثنان تعول إلى ثمانية، فيكون نصيب الثلث الآن ربعًا، أليس كذلك؟ مع أنا أعطيناه حسب القسمة الأولى أعطيناه ثلثًا كاملًا، واضح؟
إذا قدرنا أن الوصية تقدم على الميراث وأوصى بالثلث الميت وهو أنثى في المثال الذي ذكرنا، وكان زوج وأخت شقيقة، فإذا قلنا بتقديم الثلث أعطينا الموصى له والتركة ستون ألفًا أعطينا الموصى له عشرين ألفًا، وبقي أربعون ألفًا، نعطي الزوج عشرين ألفُا والشقيقة عشرين ألفًا، حقيقة العشرين ألفًا اللي هي النصف حقيقتها الآن (...)، إذن نقص حق الزوج ونقص حق الأخت الشقيقة، والوصية هل نقصت أو لا؟ لم تنقص، أعطي الموصى له ثلثه كاملًا، وثلثه الآن يساوي النصف.
ولو قلنا بأن الوصية لا تقدم لكانت المسألة من ستة: للزوج النصف ثلاثة، وللأخت الشقيقة النصف ثلاثة، وللوصية الثلث اثنان تعول إلى ثمانية، يكون نصيب الوصية الآن كم؟ (...) كما أن نصيب الزوج ربع ثمن، ونصيب الأخت ربع ثمن.
فالحاصل الآن إن تبين أن الوصية (...) الميراث؛ لأن الموصى له يعطى سهمه كاملًا، ثم يقسم الباقي على الورثة على حسب (...) عرفتم أنه مقدم على الميراث، وهو واضح.
ومن فوائد هذه الآية الكريمة: الحكمة في توزيع الميراث، حيث جعل للأنثى (...) من جنس الذكر نصف ما للذكر وذلك في ذكر ميراث من؟ ميراث الزوجات.
ومن فوائد الآية الكريمة: بيان العدل في الدين الإسلامي؛ حيث لم يهضم المرأة حقها من الميراث خلافًا لما كانوا في الجاهلية يفعلونه، حيث يحرمونها من الميراث، ويظهر العدل (...) بكونه ذكرًا أو عبَّر عن ميراث الزوجة بمثل ما عبَّر به عن ميراث الزوج.
ومن فوائد الآية الكريمة: أنه إذا (...) الحديث عن النساء والرجال، فإن الحكمة أن يقدم الحديث عن الرجال؛ لأنه بدأ بميراث الأزواج قبل ميراث الزوجات، وهذا هو الموافق للفطرة، خلافًا لمن حرف الله فطرته وغير سليقته فصار يقدم النساء على الرجال في الذكر.
ففي الإذاعات الغربية وإذاعة من قلدوها يقولون: أيها السيدات والسادة، وأخذت من ذلك من يكتب في الحمام: حمام للسيدات، وإلى جنبه: حمام للرجال، ولا يقول: للسادة، يعني بدل ما كانت الأنثى تطالب بحقها الآن نحن نطالب بحقنا، حيث يجعل النساء سيدات، والرجال بوصف الرجولة فقط لا بوصف السيادة.
وكل هذا مما يدل على ضعف الشخصية، كما قاله الحكيم المؤرخ ابن خلدون في مقدمته -التي كلها فلسفة كما يقولون، حتى إن بعض العلماء أنكر أن تكون له؛ لأنها فوق مستواه، عظيمة جدًا- يقول: عادة الأمم أن الأمة الضعيفة تقلد الأمة القوية ولو بالباطل، ونحن الآن استضعفنا أنفسنا وصرنا نقلد من قَلَبَ الله فطرته وسلبهم الدين في مثل هذه الأمور، نسأل الله أن يحمينا وإياكم.
ومن فوائد الآية الكريمة: أن ميراث الإخوة من الأم (...) الثلث إن كانوا اثنين فأكثر، أو السدس إن كانوا واحدًا فأقل، إذا قال: اثنين فأكثر، أو السدس إن كانوا واحدًا فأقل، ما فيه أقل من واحد؟
طالب: الخنثى المشكل.
الشيخ: الخنثى المشكل، الميراث سواء؛ لأن ميراث الإخوة من الأم يستوي فيهم الذكور والإناث، لكن لو فرض أنه مبعض، إذا كان مبعضًا فإنه لا يرث السدس، وعلى هذا فقولنا: السدس للواحد فأقل لا يستقيم أبدًا، (...) السدس وللجماعة اثنين فأكثر الثلث.
ومن فوائدها: أنه يشترط لإرث الإخوة من الأم أن يكون الإرث كلالة، أي ليس فيه فروع ولا أصول ذكور لا والد ولا ولد، أما الأصول الإناث فإن الإخوة من الأم يرثون معهم.
ومن فوائد الآية الكريمة: التسوية بين الذكور والإناث في إرث الإخوة من الأم، يؤخذ من قوله: فَهُمْ شُرَكَاءُ فِي الثُّلُثِ، وأصل الشركة يقتضي التسوية كما أن البينية للتسوية.
فإذا قلت لرجلين: هذه مئة درهم بينكما، فلكل واحد خمسون، وكذلك لما قال الله عز وجل في إرث الإخوة من الأم: فَإِنْ كَانُوا أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ فَهُمْ شُرَكَاءُ فِي الثُّلُثِولم يذكر تفضيل الذكر على الأنثى دل ذلك على أنهم سواء.
وهل يشاركهم غيرهم في التسوية بين الذكر والأنثى؟ الجواب: لا، إلا لعارض، مثل أن يهلك هالك عن بنتين وأبوين: أم وأب، فهنا يستوي الأب والأم؛ لأن البنتين تأخذان الثلثين، وللأم السدس، وللأب السدس، لكن هذه التسوية لأمر عارض؛ لأنه لم يبق شيء بعد الفروض حتى يأخذه الأب.
ثانيًا: يرى بعض العلماء أن ذوي الأرحام لا يفرق بين ذكرهم وأنثاهم، (...) مات ميت عن ابن أخت شقيقة وبنت أخت شقيقة فلهما ميراث أمهما بالسوية.
والصحيح في هذه المسألة أنهم -أي ذوي الأرحام- إن أدلوا بما يفضل ذكرهم على أنثاهم، فضل ذكرهم على أنثاهم، وإن أدلوا بما لا يفضل ذكرهم على أنثاهم لم يفضل ذكرهم على أنثاهم.
مثال ذلك: ابن أخت الشقيقة وبنت أخت الشقيقة، الإخوة الأشقاء قاعدة الفرائض: أن يفضل الذكر على الأنثى (...)، فنقول في هذا المثال (...) شقيقة وبنت أخت شقيقة للذكر مثل حظ الأنثيين.
وفي ابن أخ من أم وبنت أخ من أم نقول: الميراث بينهما بالسوية؛ لأنهم أدلوا بمن لا يفضل ذكرهم على أنثاهم.
ومن فوائد هذه الآية الكريمة: عناية الله عز وجل بالوصية والدين؛ حيث إنه كلما ذكر ميراثًا قال: من بعد وصية أو دين، ففي باب الفروع والأصول في الآية السابقة (...) مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ، وفي ميراث الزوجين قال بعد إرث كل زوج: من بعد وصية أو دين، في الإخوة من الأم هنا قال: مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصَى بِهَا أَوْ دَيْنٍ.
ومن فوائد الآية الكريمة: أن الوصية المضار بها لاغية؛ لقوله: غَيْرَ مُضَارّووصية المضارة حرام وفيها إثم كبير، حتى إنه روي عن النبي عليه الصلاة والسلام: «إِنَّ الرَّجُلَ أَوِ الْمَرْأَةَ لَيَعْمَلَانِ فِي الصَّالِحَاتِ (...) سَنَةً ثُمَّ يَجُورَانِ فِي الْوَصِيَّةِ فَيُعَذَّبَانِ» ، وهذا دليل على أن الجور في الوصية من كبائر الذنوب.
ومن فوائد هذه الآية الكريمة: وجوب العمل بما فرضه الله تعالى في (...)؛ لقوله تعالى: وَصِيَّةً مِنَ اللَّهِ، والله عز وجل لا يوصي إلا بما هو حق، قال الله تعالى: وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ اتَّقُوا اللَّهَ [النساء: ١٣١].
ومن فوائد الآية الكريمة: أن هذه الوصية مبنية على أمرين: العلم، والحلم؛ لقوله: وَصِيَّةً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَلِيمٌ.
ومن فوائدها: إثبات هذين الاسمين لله عز وجل، وهما: العليم والحليم.
وهل يدلان على صفتين؟ ما هما؟
طالب: العليم.
الشيخ: لا، العليم اسم، والحليم اسم، هل يدلان على صفتين؟
الطالب: نعم.
الشيخ: ما هما؟ العليم من أين مشتقة؟
الطالب: من العلم.
الشيخ: إذن (...)، والحليم؟
الطالب: من الحلم.
الشيخ: فهما يدلان على العلم والحلم، والقاعدة عندنا: أن كل اسم من أسماء الله فهو متضمن لصفة، وليس كل صفة يشتق منها اسم؛ ولهذا كانت الصفات أوسع من الأسماء.

***

تفسير الآيتين (13-14)
01:13:28

(...) أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله تبارك وتعالى: تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ [النساء: ١٣] (...) هذه مكونة من مبتدأ وخبر، المبتدأ اسم إشارة تِلْكَ، والخبر حُدُودُ اللَّهِ، والمشار إليه ما سبق من المواريث في الآية، ويحتمل أن يكون المشار إليه كل ما سبق من الأحكام قبل هذه الجملة، وذلك أن القرآن وإن كان آيات مفصلات لكنه في الحقيقة كلام واحد من حيث المعنى والسياق، ومعنى قولنا: كلام واحد أن بعضه ينبني على بعض؛ ولهذا اعتنى بعض المفسرين ببيان تناسب الآيات، كما اعتنى بعضهم ببيان تناسب السور، وهذا بحث جيد.
ولكن لو قال قائل: إن الإشارة تعود إلى أقرب مذكور على حسب القاعدة (...) أن الضمير يعود إلى أقرب مذكور، وكذلك الإشارة تعود إلى أقرب مذكور، كان المراد بالمشار إليه هنا ما ذكر في هذه الآية: وَلَكُمْ نِصْفُ مَا تَرَكَ أَزْوَاجُكُمْ.
وقوله: حُدُودُ اللَّهِهي جمع (حدٍّ)، والحد هو: الشيء الفاصل بين شيئين، ومنه: حدود الأرض بعضها عن بعض، وحدود الله عز وجل تنقسم إلى قسمين: حدود واجبات، وحدود محرمات.
أما حدود الواجبات فهي ما أوجبه الله على عباده بشروطها وأركانها وواجباتها، وأما حدود النواهي فهي ما حرمه الله على عباده كالزنا، واللواط، وشرب الخمر، وقتل النفس، وغير هذا.
قال أهل العلم: وإذا قال الله: تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَعْتَدُوهَافهي من حدود الأوامر، وإذا قال: تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَقْرَبُوهَافهي من حدود النواهي، فالزنا –مثلًا- نقول: هو حد من حدود الله، لا تقربوه، والصلاة حد من حدود الله لا تعتدي، يعني لا تتجاوز ولا تعتدي.
قال: تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِالآية هنا من حدود الأوامر أو النواهي؟
طلبة: من حدود الأوامر.
الشيخ: من حدود الأوامر.
ثم قال: وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُالجملة هذه شرطية، اسم الشرط فيها وَمَنْ، وفعل الشرط يُطِعِ، وهو مجزوم بالسكون كما هو ظاهر، وأصل يُطِعِأصلها (يطيع) لكنها حذفت الياء لالتقاء الساكنين؛ لأن العين استحقت السكون بالشرط والياء ساكنة، وقد قال ابن مالك في الكافية:
إِنْ سَاكِنَانِ الْتَقَيَا اكْسِرْ مَا سَبَقْ وَإِنْ يَكُــنْ لَيْنًا فَــحَـــذْفَـــهُ اسْـــتَـــحَــقْ

إن ساكنان التقيا اكسر ما سبق، وإن يكن لينًا -يعني: حرف من حروف اللينة الثلاثة- فحذفه استحق، على أي (...) تنطبق الآية؟
طالب: على الثاني.
الشيخ: على الثاني، إلا في قوله: يُطِعِ اللَّهكسر العين فتكون على الأول، إذن الآية جمعت بين الوجهين.
وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُفما هي الطاعة؟ الطاعة قال العلماء: هي موافقة الأمر، وتكون بفعل الأوامر واجتناب النواهي، فتارك شرب الخمر امتثالًا لنهي الله عز وجل يقال: إنه مطيع، والمصلي يقال: إنه مطيع.
هذا إذا أفردت الطاعة فإنها تشمل فعل الأوامر وترك النواهي، وأما إذا قرنت بالمعصية فقيل –مثلًا-: من أطاع الله ومن عصى الله، كانت الطاعة في الأوامر خاصة، والمعصية في النواهي. والآية التي معنا الآن من النوع الثاني أو الأول؟
طلبة: الأول.
طلبة آخرون: الثاني.
الشيخ: ما هو الثاني وما هو الأول؟ مقرونة بـيَعْصِ، إذن فالمراد بها القيام بالأوامر.
وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُيُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُعطف اسم الرسول عليه الصلاة والسلام أو وصفه على اسمه تعالى؛ لأن طاعة الرسول من طاعة الله، كما قال تعالى: مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ [النساء: ٨٠].
وقوله: وَرَسُولَهُالمراد به حين نزول القرآن رسول معين وهو محمد صلى الله عليه وآله وسلم، وأما حين قيام الشرائع السابقة فالمراد بالرسول من كانت شريعته قائمة، ففي عهد المسيح يكون المراد بالرسول عيسى، وفي عهد موسى يكون المراد بالرسول موسى، وهلم جرًّا، لكن بعد بعثة الرسول صلى الله عليه وآله وسلم يكون المراد بالرسول محمدًا صلى الله عليه وآله وسلم.
يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُيُدْخِلْهُهذه جواب الشرط، وهي مجزومة بالسكون، ومقتضى الدلالة العقلية أن الشرط يترتب على المشروط، فالمشروط هنا هو الطاعة، أو الشرط الطاعة والمشروط الجزاء والثواب، فالمشروط يترتب على الشرط ترتبًا عقليًّا.
فهنا يكون قوله: يُدْخِلْهُهو (...) الذي اشترطه الله عز وجل لمن أطاعه، فيكون نتيجة حتمية ضرورة صدق المخبر به وهو من؟ الله عز وجل؛ لأن المخبر به هو الله وهو أصدق القائلين، والمخبر به قادر على فعله؛ ولهذا تجدون أن الله تعالى يقول في القرآن: إِنَّ اللَّهَ لَا يُخْلِفُ الْمِيعَادَ [آل عمران: ٩]؛ لأنه كامل الصدق كامل القدرة، وإخلاف الوعد يأتي من أحد أمرين؛ إما الكذب، أي كذب الوعد، وإما العجز عدم القدرة، والله عز وجل لا يخلف الميعاد.
يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ(جنات) جمع (جنة)، وهي في الأصل: البستان الكثير الأشجار، وسمي بذلك؛ لأنه يستر من كان فيه لكثرة أشجاره، وهذه المادة: الجيم والنون تدل على الستر، انظر إلى لفظ (الجِنان) وهو القلب؛ لأنه مستتر، (الأجِنة) وهي الأحمال في بطون الأمهات؛ لأنها مستترة، (الجن) لأنهم مستترون، (الجُنة) ما يستتر به المقاتل؛ لأنها تستره، فهذه المادة كلها تدور على هذا المعنى.
فالجنات هي البساتين الكثيرة الأشجار، ولكنه لا يحسن أن نفسرها في هذا الموضع بهذا المعنى؛ لأنك إذا فسرتها بهذا المعنى فكأنما حصرت مدلولها بما يعرفه الناس وسوف تقلل من أهمية الجنة الموعود بها؛ ولهذا ينبغي أن نفسرها -أعني جنات النعيم- بأنها الدار التي أعدها الله لأوليائه، وفيها ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر.
فإذا فسرتها بهذا التفسير بقيت هيبتها في النفوس، لكن لو تفسرها بالمعنى الأول توهم الإنسان وقال: هذا كبستان فلان بن فلان كثير الأشجار وكثير النخيل وما أشبه ذلك، وهي أعظم مما في الدنيا بأضعاف مضاعفة لا يعلمها إلا الله، قال ابن عباس رضي الله عنهما: ليس في الجنة مما في الدنيا إلا الأسماء ، وإلا فالحقائق تختلف، قال الله تعالى: وَفِيهَا مَا تَشْتَهِيهِ الْأَنْفُسُ وَتَلَذُّ الْأَعْيُنُ وَأَنْتُمْ فِيهَا خَالِدُونَ [الزخرف: ٧١]، وقال: فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ [السجدة: ١٧]، وفي الحديث القدسي: «أَعْدَدْتُ لِعِبَادِيَ الصَّالِحِينَ مَا لَا عَيْنٌ رَأَتْ وَلَا أُذُنٌ سَمِعَتْ وَلَا خَطَرَ عَلَى قَلْبِ بَشَرٍ» .
وقوله: تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُتَجْرِيالجريان معروف وهو سير الماء على الأرض، وقوله: مِنْ تَحْتِهَاأي: من تحت هذه الجنات، يعني أشجار وارفة وظل وأنهار تجري، لو تخيل الإنسان هذا النعيم لوجده أكبر نعيم، وهذه الأنهار فسرها الله عز وجل في سورة القتال بقوله: فِيهَا أَنْهَارٌ مِنْ مَاءٍ غَيْرِ آسِنٍ وَأَنْهَارٌ مِنْ لَبَنٍ لَمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ وَأَنْهَارٌ مِنْ خَمْرٍ لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ وَأَنْهَارٌ مِنْ عَسَلٍ مُصَفًّى [محمد: ١٥]، ما هو عسل النحل، عسل مصفًّى، خلقه الله هكذا، لبن ليس لبن البقر أو الغنم، أنهار خلقها الله عز وجل، كذلك أيضًا الماء لا يأسن أبدًا مهما طالت مدته، بخلاف ماء الأرض فإنه يأسن، تتغير رائحته بطول المكث، الخمر لذة لا فيه غول ولا هم عنها ينزفون.
وقوله: مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُقال العلماء: إنها تجري من تحتها لا تحتاج إلى بناء يمنع تسرب الماء ولا إلى حفر أخدود، تسيل هكذا حيثما أردت، قال ابن القيم في النونية:
أَنْهَــارُهَــا فِي غَـيْرِ أُخْـدُودٍ جَـرَتْ سُبْحَانَ مُمْسِكُهَا عَنِ الْفَيَضَانِ

فهي أنهار لا تحتاج إلى حفر سواقي ولا إلى إقامة أخدود، تجري هكذا على الأرض، وقال أهل العلم أيضًا: إنها تجري حيثما أراد الإنسان بدلًا من أن يأتي بمواد البناء والتوجيه، يريدها بقلبه أو يأمرها بلسانه، اللهم اجعلنا من أهلها.
خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُخَالِدِينَهذه حال، حال من أين؟
طالب: من ضمير يُدْخِلْهُ.
الشيخ: من ضمير يُدْخِلْهُ، ولكن يشكل عليه أن الحال كالنعت والنعت يتبع المنعوت في إفراده وتثنيته وجمعه، وهنا صاحب الحال مفرد والحال جمع، فكيف الجواب؟ الجواب عن ذلك أن نقول: إن صاحب الحال عائد على (من) الشرطية، و(من) الشرطية يجوز فيها مراعاة لفظها ومراعاة معناها، فإن راعيت اللفظ أعدت الضمير إليها مفردًا، وإن راعيت المعنى أعدت الضمير إليها جمعًا، وكذلك ما يشبه الضمير من الحال والصفة وما أشبهها يجوز مراعاة المعنى ومراعاة اللفظ.
فهنا يقول: يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَاراعى اللفظ في قوله: يُدْخِلْهُوالمعنى في قوله: خَالِدِينَ.
ويجوز أن تراعي اللفظ والمعنى وتعود مرة ثانية لمراعاة اللفظ، قال الله سبحانه تعالى في آخر سورة الطلاق: وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ وَيَعْمَلْ صَالِحًا يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا قَدْ أَحْسَنَ اللَّهُ لَهُ رِزْقًا [الطلاق: ١١] فراعى في الأول اللفظ، ثم راعى المعنى، ثم راعى اللفظ، وهذا جائز في اللغة العربية.
يقول: خَالِدِينَ فِيهَاوقوله: خَالِدِينَ فِيهَاالخلود قال العلماء: هو المكث الدائم، إلا أن يدل دليل على أنه موقت فيراد به المكث الطويل، وإلا فالأصل أن الخلود هو الدوام، لكن إن وجد يدل على أن المراد به طول المكث عمل به.
خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُذَلِكَالمشار إليه ما ذكر من هذا الثواب الذي أعده الله لمن أطاعه، الْفَوْزُ الْعَظِيمُالفوز معناه الربح، يقال: فاز فلان، بمعنى ربح، والعظيم معناه ذو العظمة، والعظمة هي ضخامة الشيء وجلالة الشيء وكثرة الشيء أيضًا.