تفسير سورة النساء - 6
عدد الزيارات 2467

عناصر المادة :
تفسير الآيتين (15-16)
تفسير الآية (17)

ذَلِكَالمشار إليه ما ذكر من هذا الثواب الذي أعده الله لمن أطاعه، الْفَوْزُ الْعَظِيمُالْفَوْزُمعناه: الربح، يقال: فاز فلان، بمعنى ربح، والْعَظِيمُمعناه: ذو العظمة، والعظمة هي: ضخامة الشيء وجلالة الشيء، وكثرة الشيء أيضًا.
ومعلوم أن نعيم الجنة يتصف بالضخامة والجلالة والدوام، فهو أعظم فوز، ونظير ذلك قوله تعالى: فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ [آل عمران: ١٨٥]، يذكر أن الزمخشري -وهو من المعتزلة- قال تعليقًا على الآية: فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَقال: أيُّ فوزٍ أعظم من أن يزحزح عن النار ويدخل الجنة؟ والاستفهام هنا بمعنى النفي، يعني: لا فوز أعظم من ذلك.
قال بعض المحشين عليه والمتعقبين له: إنه أراد بذلك نفي رؤية الله عز وجل؛ لأن رؤية (...) وما فيها وأعظم فوزًا، فالله أعلم هل أراد ذلك، فمن نظر إلى اللفظ قال: إنه لا دلالة فيه في الواقع؛ لأن من لازم دخول الجنة أيش؟ النظر إلى وجه الله، ومن عرف حال الرجل وأنه معتزلي ولكنه ذكي قال: لعله أراد ذلك، فأنت لو وقع مثل هذه العبارة من شخص معروف بأنه يؤمن برؤية الله عز وجل ما كنا نفسرها هذا التفسير ونقول: إنه أراد نفي الرؤية، لكن من عرف حاله لم يستبعد أن يكون هذا مراده.
من فوائد هذه الآية الكريمة: أن المواريث من حدود الله.
ومن فوائدها: أن من نفذ هذه المواريث على ما فرض الله فله هذا الثواب.
ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن قسمة المواريث من العبادات، تؤخذ من ترتيب الثواب عليها ووصف ذلك بأنه طاعة.
ومن فوائد هذه الآية: عناية الشرع بإيصال الحقوق إلى أهلها؛ لأن حقيقة المواريث أن توصل الحقوق إلى أهلها، والله عز وجل حكم عدل يريد من عباده أن يوصلوا الحقوق إلى أهلها.
ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن طاعة الرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم طاعة لله؛ ولهذا عطفها بـ(الواو) الدالة على الجمع والاشتراك.
فإن قال قائل: ما الجمع بين هذه الآية وبين قول الرسول عليه الصلاة والسلام لرجل قال له: مَا شَاءَ اللَّهُ وَشِئْتَ: «أَجَعَلْتَنِي لِلَّهِ نِدًّا؟ بَلْ مَا شَاءَ اللَّهُ وَحْدَهُ»   ؟
فالجواب: أن الأمور الشرعية لا حرج أن تقرن الرسول عليه الصلاة والسلام مع الرب سبحانه وتعالى بالواو، وأما الأمور الكونية فلا يجوز؛ لأنها من خصائص الربوبية، وفعل العبد بعد فعل الله، أما الحكم فإن حكم الرسول حكم لله؛ ولهذا قال الله عز وجل في القرآن: وَلَوْ أَنَّهُمْ رَضُوا مَا آَتَاهُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُولم يقل: ثم رسوله، وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ سَيُؤْتِينَا اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَرَسُولُهُ [التوبة: ٥٩]؛ لأن هذا الإتيان إتيان شرعي، إتيان الزكاة والأموال الشرعية، أما الأمور الكونية فلا؛ لأنها من خصائص الربوبية فلا بد أن يكون فعل العبد بعد فعل الله.
«مَا شَاءَ اللَّهُ وَشِئْتَ» هذا لا يجوز؛ لأنك جعلت مشيئة الرسول كمشيئة الله، وليس كذلك، لكن طاعة الرسول أيش؟ كطاعة الله مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ [النساء: ٨٠] جعل الله طاعة الرسول طاعة له.
من فوائد هذه الآية الكريمة: إثبات الجزاء يوم القيامة؛ لقوله: يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ، ووجه ذلك: أن إدخال الجنات ليس في الدنيا وإنما هو في الآخرة.
ومن فوائد هذه الآية الكريمة: بيان نعيم هذه الجنات وأن الأنهار تجري من تحتها، وأنواع هذه الأنهار معروفة في آية أخرى.
ومن فوائدها: دوام نعيم هذه الجنات؛ لقوله: خَالِدِينَ فِيهَا، وهل الخلود هنا مؤبد أو مؤقت؟ مؤبد، ذكر الله سبحانه وتعالى ذلك في عدة آيات من القرآن، وأجمع عليه المسلمون على أن نعيم الجنة مؤبد ولم يذكر في ذلك خلاف.
ومن فوائدها: أن هذا النعيم هو الربح العظيم الذي لا يماثله شيء؛ لقوله: وَذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ.
ونسيت أن أعرب هذه الجملة: ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُفكيف نعربها؟
طالب: (ذا) اسم إشارة مبتدأ مبني على السكون.
الشيخ: لا، ما هو تفصيل، (ذا) اسم إشارة مبتدأ.
الْفَوْزُ؟
الطالب: خبر.
الشيخ: خبر المبتدأ.
الطالب: الْعَظِيمُصفة.
الشيخ: صفة لـالْفَوْزُ. لو قال قائل: وَذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُالْفَوْزُبدل أو عطف بيان أو نعت لـذَلِكَ؟ ويكون المعنى: وذلك الفوز هو العظيم، لكان صالحًا لكن الإعراب الأول أحسن.
ثم قال الله تعالى: وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَارًا خَالِدًا فِيهَا وَلَهُ عَذَابٌ مُهِينٌ [النساء: ١٤] المعصية: مخالفة الأمر أو الوقوع في النهي، فمن ترك الواجب فقد عصى، ومن فعل المحرم فقد عصى، ونقول في قوله: وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُما قلنا في قوله: وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ، إلا أن الإعراب هنا يختلف فإن يَعْصِفعل الشرط مجزوم بأيش؟
الطلبة: بحذف حرف العلة.
الشيخ: بحذف حرف العلة وهي الياء.
وقوله: وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُيَتَعَدَّعندكم بالفتح؟
الطلبة: نعم.
الشيخ: كيف صح الفتح مع أنها معطوفة على يَعْصِالمجزوم؟
طالب: جزمت بحذف حرف لأنها ليست معطوفة فيجوز (...) المعطوف وصارت فتحة للدلالة على الألف المحذوفة.
الشيخ: يعني مجزومة بحذف الألف.
الطالب: نعم.
الشيخ: وأصلها؟
الطالب: (يتعدى).
الشيخ: (يتعدى)، نعم.
وقوله: يَتَعَدَّ حُدُودَهُأي: يتجاوزها، والمراد بالحدود هنا الأوامر أو النواهي؟
طلبة: النواهي.
طلبة آخرون: الأوامر.
الشيخ: لا إله إلا الله! يَتَعَدَّ حُدُودَهُما قلنا قبل؟
طلبة: الأوامر.
الشيخ: الأوامر، نعم، ما قال: من يقرب حدوده يدخله نارًا قال: من يَتَعَدَّ حُدُودَهُأي: يتجاوز ما حده أمرًا، ما حده بأوامر.
يُدْخِلْهُ نَارًا خَالِدًا فِيهَاهذه جواب الشرط، والنار معروفة هي هذه الجسم الملتهب الحار، أو نقول: معروفة، وكفى؟
الطلبة: معروفة.
الشيخ: معروفة وكفى، كما نقول: السماء فوقنا والأرض تحتنا.
خَالِدًا فِيهَاهنا قال: خَالِدًا، وهناك قال: خَالِدِينَفي الجنة، فهل هناك نكتة يعني قصدي فائدة أو حكمة؟
الجواب: نعم؛ لأن أهل الجنة يتنعمون باجتماع بعضهم إلى بعض، ولهذا قال: خَالِدِينَ فِيهَا، أما أهل النار -والعياذ بالله- فقد ورد أن كل واحد منهم في تابوت لا يرى أحدًا ولا يراه أحد  .
، اللهم إلا على سبيل التقريع، فهذا هو السر -والعلم عند الله- في أن أهل الجنة قال فيهم: خَالِدِينَ، وأهل النار قال: خَالِدًا فِيهَا.
وَلَهُ عَذَابٌ مُهِينٌيعني: مع إدخاله النار وخلوده فيها لا يبقى مستقرًا أبدًا، بل هو معذب عذاب إهانة، فيكون عذابًا جسميًّا، وعذابًا قلبيًّا نفسيًّا؛ لأن العذاب الجسمي أهون من العذاب القلبي والألم القلبي؛ ولهذا قال العلماء: ينبغي أن يختن الإنسان وهو صغير؛ لأن ختان الصغير ليس فيه إلا الألم الجسمي، أما الكبير إذا ختن وهو كبير صار فيه ألم جسمي وألم نفسي قلبي، ويفكر يقول: ربما هذا الجرح يزداد، وربما يموت وما أشبه ذلك، لكن الصغير إذا برد عليه سكت، وإذا صال عليه الوجع صاح، ولو مشيناه أو مشينا به إن كان ما يستطيع يمشي سكت. المهم أن عذاب أهل النار -والعياذ بالله- عذاب مهين، أي: ذو إهانة؛ لأنهم يقرعون ويوبخون.
في هذه الآية الكريمة فوائد؛ منها: أن معصية الله عز وجل سبب لدخول النار؛ لقوله: وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَيُدْخِلْهُ نَارًا خَالِدًا فِيهَا، وإنما قلنا: سبب؛ لأنه قد يتخلف بوجود مانع وهو عفو الله عز وجل في غير الشرك، أما الشرك فلا بد أن يدخل صاحبه النار ويخلد إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ [المائدة: ٧٢]، وعلى هذا فنقول: المعصية إن كانت دون الشرك فهي سبب لدخول النار وليس دخول النار واجبًا بها؛ إذ قد يعفى عنه، وإن كانت شركًا فهي سبب حتمي، لا بد أن يدخل صاحبها النار ويخلد فيها.
ومن فوائد الآية الكريمة: تحريم الوصية للوارث، كيف ذلك؟ لأنك إذا أوصيت للوارث تعديت الحدود، فإذا أوصت المرأة لزوجها بالثلث كان له على مقتضى الوصية ثلث ونصف، وهذا تعدٍّ للحدود؛ ولهذا قال النبي عليه الصلاة والسلام: «إِنَّ اللَّهَ أَعْطَى كُلَّ ذِي حَقٍّ حَقَّهُ فَلَا وَصِيَّةَ لِوَارِثٍ»   .
طالب: أحسن الله إليك يا شيخ، الآن قلنا: الشرك الأكبر سبب لخلود النار طب والشرك الأصغر؟
الشيخ: ليس سببًا للخلود.
الطالب: ولكن يدخلها يا شيخ؟
الشيخ: هذا ينبني على قوله تعالى: إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ [النساء: ٤٨] هل هذا الشرك عام أو مطلق؟ إذا قلنا: إنه عام صار الشرك ولو كان أصغر لا يغفر، وهذا اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله.
طالب: كيف الإنسان يعرف أن هذا شرك أصغر؟ يعني يمكن حصره يا شيخ؟
الشيخ: يمكن من الأدلة، كل ما أطلق عليه الشارع اسم شرك وهو لا يخرج من الملة فهو شرك أصغر.
طالب: شيخ، أحوال الجنة غيبية فما هو الدليل على أن أنهارها (...)؟
الشيخ: إي، ورد فيه حديث، ورد فيه أحاديث.
طالب: يقول شيخ الإسلام: فعل المنهي يعتبر ترك واجب، شيخ ما يدل على (...) تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ(...) في الأوامر (...) وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ؟
الشيخ: لا، الحدود تكون في الأوامر وتكون في النواهي.
الطالب: لا، هنا في الآية؟
الشيخ: تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ [النساء: ١٣] هذه في الأوامر، وفعل الأوامر؟ طاعة، لكن ربما يدل عليه قوله: وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُهذه الآية تدل على هذا.
الطالب: لأنه قال (...).
الشيخ: صحيح ترك الواجب وقوع في النهي، وفعل النهي ترك للواجب؛ لأنه يجب عليك الكف.
طالب: (...) في قول ابن عباس في الدم، من ترك الواجب في الحج (...)؟
الشيخ: ابن عباس يقول: من ترك شيئًا من نسكه أو نسيه فليهرق دمًا   .
الطالب: (...) ما تدل عليه هذه الآية؟
الشيخ: يمكن، أقول: يمكن.
طالب: مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍالوصية (...) أو قيدتها السنة: «لَا وَصِيَّةَ لِوَارِثٍ»   ؟
الشيخ: لا، تؤخذ من الآية وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ؛ لأن اللي يوصي للوارث أعطاه أكثر مما فرضه الله له، فهو تعدٍّ لحدود الله.
طالب: بعض المفسرين يقول: أن من أطاع الله وترك المنهيات فلا بد له من الجنة؟
الشيخ: لا بد له من أيش؟ من الجنة؟
الطالب: من الجنة.
الشيخ: بدون فعل واجب؟
الطالب: لا، إذا فعل الواجبات وترك..
الشيخ: المحرمات.
الطالب: فلا بد له، هذا الكلام صحيح؟
الشيخ: قال رجل للنبي صلى الله عليه وسلم: يا رسول الله، أَرَأَيْتَ إِنْ أَحْلَلْتُ الْحَلَالَ وَحَرَّمْتُ الْحَرَامَ أَدْخُلُ الْجَنَّةَ؟ قَالَ: «نَعَمْ»   ، فالإنسان إذا حرم الحرام وحلل الحلال وفعل الواجب يدخل الجنة، لكن هناك أشياء قد تكون مانعة من ذلك، هل كل من فعل الواجب قام بما ينبغي بفعل الواجب؟ يكون تقصير كثير؛ ولهذا جاء في الحديث: «إِنَّهُ لَيْسَ لَكَ مِنْ صَلَاتِكَ إِلَّا مَا عَقَلْتَ مِنْهَا: نِصْفُهَا أَوْ رُبْعُهَا أَوْ عُشْرُهَا»   ، وهذا يدل على أن الإنسان قد يصلي وتكون صلاته مجزئة مسقطة للواجب لكنه لا يحصل على الثواب.
طالب: حديث النبي صلى الله عليه وسلم: «لَا أَحَدَ يَدْخُلُ الْجَنَّةَ بِعَمَلِهِ» قالوا: ولا أنت؟   (...)؟
الشيخ: قال العلماء: إن قوله تعالى: جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ [السجدة: ١٧] وقوله صلى الله عليه وسلم: «لَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ أَحَدٌ بِعَمَلِهِ» إن الجمع بينهما أن نجعل الباء في قوله: جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَللسببية، وأن نجعل الباء في قوله: «لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ أَحَدٌ بِعَمَلِهِ» للمعاوضة والبدل، فإنه لو قورن عملك بالثواب لأحاط الثواب بالعمل ولم يكن مقابلًا له، ثم إن توفيق الإنسان للعمل الصالح نعمة يحتاج إلى شكر.
طالب: قوله تعالى: يُدْخِلْهُ نَارًا خَالِدًا فِيهَا، (نارًا) نكرة؟
الشيخ: وهي هنا جَنَّاتٍنكرة أيضًا.
طالب: يقول شيخ الإسلام ابن تيمية: إن الشرك الأصغر يدخل في قول الله عز وجل: إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِصحيح هذا؟
الشيخ: يقول: لأن أَنْ يُشْرَكَ بِهِفعل دخل عليه حرف مصدري فيؤول، أولْه؟
طالب: إن الله لا يغفر إشراكًا به؟
الشيخ: إشراكًا به، و(إشراكًا) نكرة في سياق النفي فتكون للعموم، لكن في نفسي من هذا شيء.
طالب: يعتبر من الكبائر الشرك الأصغر؟
الشيخ: الشرك الأصغر أكبر من الكبائر، قال ابن مسعود رضي الله عنه: لأن أحلف بالله كاذبًا أحب إلي من أن أحلف بغيره صادقًا   .
طالب: شيخ، أنت قلت في تفسير خَالِدًا: إنه ورد في الحديث أن كلًّا من أهل النار في تابوت يعذب، كيف نجمع بين هذا وبين قول الله عز وجل: وَنَادَى أَصْحَابُ النَّارِ أَصْحَابَ الْجَنَّةِ أَنْ أَفِيضُوا عَلَيْنَا مِنَ الْمَاءِ [الأعراف: ٤٨] فيدل على أنهم جماعات من الناس؟
الشيخ: إي، ما يمنع، وإحنا استثنينا أيضًا بعدُ قلنا: إلا أن يشاء الله، أو كلمة نحوها.
طالب: شيخ أحسن الله إليك، بالنسبة لحديث عدي بن حاتم في صحيح الإمام مسلم قال: قام رجل وخطب عند النبي صلى الله عليه وسلم فقال: وَمَنْ يَعْصِهِمَا فَقَدْ غَوَى، فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم: «بِئْسَ الْخَطِيبُ أَنْتَ، بَلْ قُلْ: وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ غَوَى»   ، فهل فيه تعارض بين هذا يا شيخ وبين الآية؟ ولماذا أنكر النبي صلى الله عليه وسلم على هذا الخطيب؟
الشيخ: أحسن ما قيل في الجواب عن ذلك: إن الرسول عليه الصلاة والسلام أثنى عليه شرًّا لكون المقام لا يقتضي هذا، المقام يقتضي أن يفصل ويبسط؛ لأنه ربما تخاطب القوم بمثل هذا الخطاب، فيظن أنه لا يكون غي إلا إذا كان الأمر من الله ورسوله، فلكل مقام مقال، فالرسول عليه الصلاة والسلام إنما أثنى عليه شرًّا لكونه لم يستعمل الخطبة في السياق المناسب، لا لأن هذا ممنوع؛ لأن الرسول عليه الصلاة والسلام نفسه قال هكذا.
طالب: شيخ أحسن الله إليكم، ما ذكره بعض العلماء في هذه الكلمة؟
الشيخ: أيها؟
الطالب: «مَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ رَشَدَ» حيث قال: «مَنْ يُطِعِ اللَّهَ»، قال: إن النبي صلى الله عليه وسلم إنما أنكر عليه؛ لأنهقال: «مَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ رَشَدَ، وَمَنْ يَعْصِهِمَا» وسكت ثم قال: «فَقَدْ غَوَى»، فكأن (يعصهما) صارت معطوفة على يطع؟
الشيخ: والله بعيدة هذه، هذا يحتاج إلى إثبات أنه سكت، هذه واحدة، ثم إن الإنسان لو سكت لم يتكلم قال: وَمَنْ يَعْصِهِمَا ثم قال: فَقَدْ غَوَى يعرف أن هذه مفرعة على ما قبلها.
طالب: يوجد في بعض اللائحات التعليقية مكتوب عليها (الله محمد) فهل هذا..؟
الشيخ: إي نعم، هذه غلط ويجب إزالتها؛ لأن الذي لا يعرف محمدًا صلى الله عليه وسلم يظن أن هذين في مستوى واحد.
طالب: (...)؟
الشيخ: إي نعم، لا الجنة والنار، ما هي مثل المحبة، الجنة والنار شيء منفصل.
الطالب: والخوف يا شيخ؟
الشيخ: والخوف، الخوف ما يمكن تعريفه.
طالب: بالنسبة لمواصلة المرأة للدراسة (...) الشهادات العليا؟
الشيخ: المرأة كالرجل في العلوم الشرعية، لكن في العلوم الأخرى كالهندسة والعلوم الرياضية وما أشبه ذلك لا نرى أنها تستمر فيها؛ لأن هذا سوف يجبرها على أن تتوظف وتأتي غدًا للأراضي المخططة للبناء لتقيسها وتمثلها وما أشبه ذلك.
طالب: الطب يا شيخ؟
الشيخ: لا، الطب ضرورة، الطب لا بأس أن تتعلمه؛ لأن النساء نصف الرجال بل أكثر من الرجال ويمرضن كثيرًا، يحتجن إلى نساء.
طالب: (...)؟
الشيخ: يعني إذا أثنى عليه الناس فرح، لا، هذا لا ينافي حسن النية، الإنسان يحب أن يثني على نفسه ويحب أن يثني عليه الناس، وعمر رضي الله عنه لما قال ابنه عبد الله حين عرض عليهم النبي عليه الصلاة والسلام: «شَجَرَةٌ مَثَلُهَا مَثَلُ الْمُؤْمِنِ» وتنازع الناس هذه الأشجار، وقع في قلبه أنها النخلة لكن لم يتكلم؛ لأنه صغير، فقال عمر: لو أنك قلتها لكان كذا وكذا   ، يعني مما يفرح به، وهذا لا بأس، من سرته حسنته وساءته سيئته فذلك المؤمن، وهذا أيضًا -ثناء الناس على الإنسان- من عاجل بشرى المؤمن لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآَخِرَةِ [يونس: ٦٤]، وأنواع البشرى كثيرة، منها: الْمَرَائي ترى للرجل المرائي الصالحة، ومنها: أن يرى أثر الطاعة على قلبه بالنور والانشراح، ومنها: أن يثني الناس عليه ويكون له القبول، فأنواع البشرى كثيرة.
طالب: أحسن الله إليك، لو أن شخصًا من أعضاء هيئة التدريس في الجامعة، يقول: لو أن الجامعة لم تجبرني على البحث والرسالة ما بحثتها لعلمي بأن الفائدة فيها قليلة هل هذا يدل على سلامة النية؟
الشيخ: إي نعم، لأنه هو يريد الوصول إلى هذه الشهادة التي تؤهله للمنصب الذي يريد أن ينفع الناس به، وكثير من علوم الجامعة ما يريدها الإنسان.
طالب: (...) في هذه الأمة لن يفكر فيه؟
الشيخ: ويش يفكر فيه؟
الطالب: يفكر في مشروع.
الشيخ: مشروع طيب، هذه نية خالصة.
طالب: (...) وهل يقصد التقرب إلى الله؟
الشيخ: ويش تقولون في هذا؟ يقول: رجل تعبد لله من أجل أن ينال العلم؛ لأن الله قال: وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى [محمد: ١٥] كذا؟ نقول: نعم، هذه نية طيبة، والدليل على هذا أن الله يرغب في العمل الصالح فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً [النحل: ٩٧] وأنه وضع الحدود العقوبات الشرعية لفاعل المنكر، كما أن الزاني مثلًا لو ترك الزنا خوفًا من الله لكن كونه يخشى الحد أيضًا يؤثر في تركه فلا بأس.
طالب: لم يقصد وجه الله، خاصة العلم، نيل العلم؟
الشيخ: العلم نفسه عبادة، العلم نفسه عبادة.

***

طالب: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم وَاللَّاتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ مِنْ نِسَائِكُمْ فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِنْكُمْ فَإِنْ شَهِدُوا فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي الْبُيُوتِ حَتَّى يَتَوَفَّاهُنَّ الْمَوْتُ أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا (١٥) وَاللَّذَانِ يَأْتِيَانِهَا مِنْكُمْ فَآَذُوهُمَا فَإِنْ تَابَا وَأَصْلَحَا فَأَعْرِضُوا عَنْهُمَا إِنَّ اللَّهَ كَانَ تَوَّابًا رَحِيمًا (١٦) إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ فَأُولَئِكَ يَتُوبُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا [النساء: ١٥- ١٧].

الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله تعالى: وَاللَّاتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ مِنْ نِسَائِكُمْ فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِنْكُمْوَاللَّاتِيجمع (التي).
قال الله تعالى: وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَارًا خَالِدًا فِيهَا وَلَهُ عَذَابٌ مُهِينٌ.
من فوائد هذه الآية الكريمة: تقسيم المخالف إلى عاصٍ ومتعدٍّ للحدود، فالمعصية هنا فعل المحرم، وتعدي الحدود ترك الواجب أو الغلو فيه.
ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن معصية رسول الله كمعصية الله؛ لأنه قرنها بمعصية الله بحرف يقتضي التسوية.
ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن من جمع بين الأمرين: المعصية وتعدي الحدود فإنه يدخل النار، ولكن هل هو دخول أبدي أو دخول موقت؟ يقال: حسب المعصية؛ لأن الله ذكر في الآيات التي قبلها أن من أطاع الله ورسوله دخل الجنات، وهنا قال: من عصى الله ورسوله دخل النار، فيقال: الطاعة الغالبة يدخل فيها صاحبها الجنة بدون أن يدخل النار، والمعصية الغالبة يدخل فيها، الغالب إن ما فيها طاعة يدخل فيها النار (...)، والجامع بين الطاعة والمعصية هذا يدخل النار والجنة؛ لأنه وجد فيه سببَا دخولِ الجنة والنار، فيعطى الحكم جَزَاءً وِفَاقًا [النبأ: ٢٦]، وعلى هذا فالعاصي معصية مطلقة والمتعدي للحدود تعديًا مطلقًا هذا يدخل النار ولا يدخل الجنة، والذي جمع بين المعصية والطاعة: إن غلبت الطاعة لم يدخل النار، وإن غلبت المعصية دخل النار بقدر ذنبه وخرج منها.
ومن فوائد هذه الآية الكريمة: إثبات الخلود في النار؛ لقوله: خَالِدًا فِيهَا، وقد ذكر الله سبحانه وتعالى أن الخلود في النار مؤبد في آيات ثلاث من القرآن: في سورة النساء، وفي سورة الأحزاب، وفي سورة الجن، ففي سورة النساء قال الله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَظَلَمُوا لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلَا لِيَهْدِيَهُمْ طَرِيقًا (١٦٨) إِلَّا طَرِيقَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا [النساء: ١٦٨- ١٦٩]، وفي سورة الأحزاب قال الله تبارك وتعالى: إِنَّ اللَّهَ لَعَنَ الْكَافِرِينَ وَأَعَدَّ لَهُمْ سَعِيرًا (٦٤) خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا لَا يَجِدُونَ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا [الأحزاب: ٦٤- ٦٥]، وفي سورة الجن قال: وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا [الجن: ٢٣]، وإذا كان الله تعالى ذكر التأبيد في آيات ثلاث، فإن أي قول يخالف ذلك فهو ساقط؛ لأن من لزوم الخلود لزوم المكان، إذا قيل: هذا خالد في النار أبدًا، لزم أن يكون المكان الذي يخلد فيه أيش؟ مؤبد، وإلا فلا معنى للتأبيد، فالقول لبعض العلماء: إنهم خالدون فيها أبدًا ما دامت باقية، قول ساقط، لا وجه له من النظر؛ لأن الله صرح بالتأبيد؛ تأبيد الخلود، ويلزم من تأبيد الخلود في المكان أبدية المكان، وإلا لم يكن فائدة.
ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن الذين في النار -والعياذ بالله- يعذبون عذابًا مهينًا، أي: ذا إهانة، ليسوا مكرمين.
فإن قال قائل: كيف تجمع بين هذه الآية وبين قوله تعالى: ثُمَّ صُبُّوا فَوْقَ رَأْسِهِ مِنْ عَذَابِ الْحَمِيمِ (٤٨) ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ [الدخان: ٤٨، ٤٩]؟ فالجواب من أحد وجهين: إما أن يكون ذلك على سبيل التهكم به، وإما أن يكون هذا ليذكر حاله في الدنيا، يعني: أنت العزيز الكريم في الدنيا، حتى يزداد حسرة وهو أنه كان في الدنيا عزيزًا كريمًا والآن ذليلًا مهينًا، وكلا الأمرين -والعياذ بالله- يحصلان لهذا الذي يوجه إليه هذا الخطاب، يصب من فوق رأسه الحميم ثم يقال: ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ، لا شك أنه سوف يرى أنه يقال له ذلك على سبيل التهكم، ثم يذكر هو أيضًا حاله في الدنيا وأنه في الدنيا عزيز مكرم والآن وصل إلى هذا الحد من الإهانة.
تفسير الآيتين (15-16)
00:35:06

ثم قال الله تعالى: وَاللَّاتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ مِنْ نِسَائِكُمْ فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِنْكُمْاللَّاتِيمبتدأ، وخبره جملة: فَاسْتَشْهِدُوا، وهنا يطلب لماذا اقترنت (الفاء) في خبر المبتدأ؟
والجواب على ذلك: أنه لما كان المبتدأ اسمًا موصولًا كان مشبهًا لاسم الشرط في العموم فأعطي حكمه، واقترنت الفاء بخبره، ومنه قول النحويين في المثال المشهور: الذي يأتيني فله درهم، فإنه نائب مناب قولك: من يأتيني فله درهم، فاسم الموصول لما أشبه اسم الشرط في العموم صار دخول الفاء في خبره كدخول الفاء في جواب الشرط.
وقوله: اللَّاتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَاللَّاتِيجمع، جمع أيش؟ جمع (التي) لكنه على غير قياس؛ لأن هذه الأسماء غير مشتقة، وقوله: يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَالفاحشة: ما يستفحش، ما يستفحش شرعًا وعرفًا، والذي يستفحش شرعًا يستفحش عرفًا في أعراف المسلمين لا في أعراف غير المسلمين، وإنما قيدنا ذلك؛ لأن الزنا فاحش شرعًا، وفاحش عرفًا في عرف من؟
الطلبة: المسلمين.
الشيخ: لكن بعرف الكفار ليس بفاحش، ومن هنا نعرف أن قول الرسول عليه الصلاة والسلام: «الْإِثْمُ مَا حَاكَ فِي نَفْسِكَ وَكَرِهْتَ أَنْ يَطَّلِعَ عَلَيْهِ النَّاسُ»   أن هذا خاص بمن؟ بالمسلم الذي يكره الإثم ويخشى أن يطلع عليه الناس في حال إثمه، وإلا فإن الكافر لا يحوك في نفسه الإثم.
قوله: الْفَاحِشَةَما المراد بالفاحشة هنا؟ معنى الفاحشة ما يستفحش، معناها ما يستفحش شرعًا وعرفًا، والمراد بها الزنا، ودليل ذلك قوله تعالى: وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً [الإسراء: ٣٢]، وعلى هذا فتكون (أل) للعهد الذهني؛ لأنه لم يذكر لكنه معروف شرعًا، وإنما قررنا ذلك لرد قول من يقول كأبي مسلم الخراساني قال: إن المراد بها السحاق، السحاق بين النساء، ولكن هذا بعيد من الصواب، ولم (...) به أحد من الصحابة أو التابعين فيما نعلم، والصواب أن المراد بها –الفاحشة- أيش؟ الزنا، والدليل وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً.
وقوله: مِن نِسَائِكُمْالمراد بها الجنس، يعني: جنس النساء، سواء كانت من زوجاتنا أو من غير الزوجات. وقوله: مِن نِسَائِكُمْ(من) هذه بيان للموصول في قوله: اللَّاتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ.
فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِنْكُمْاسْتَشْهِدُواأي: اطلبوا شهادة أربعة، وأَرْبَعَةًهنا عدد يدل على أن المعدود مذكر. ما وجهه؟
طالب: نصب أَرْبَعَةً.
الشيخ: نصب أَرْبَعَةً، يعني: فلو جاء مرفوعًا لم يكن دالًّا على أن المعدود مذكر؟
طالب: (...).
الشيخ: لأن العدد المؤنث يكون معدوده مذكرًا فيما دون العشرة، فتقول: تسعة رجال، وتسع نساء، واضح؟
أَرْبَعَةً، وقوله: أَرْبَعَةً مِنْكُمْالخطاب للمسلمين؛ لأن من شرط الشهادة ولا سيما في هذا الأمر العظيم أن يكون الشاهد مسلمًا.
فَإِنْ شَهِدُوايعني: شهدوا على فعل الفاحشة، فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي الْبُيُوتِ حَتَّى يَتَوَفَّاهُنَّ الْمَوْتُ أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًاأَمْسِكُوهُنَّ فِي الْبُيُوتِالخطاب هنا أَمْسِكُوهُنَّعام، فمن الذي يقصد به؟ الذي يقصد به ولي الأمر، ولي الأمر إما الخاص وإما العام.
وقوله: أَمْسِكُوهُنَّ فِي الْبُيُوتِجمع (بيت)، أي: أمسكوها ببيتها، احبسوها لا تخرج؛ لأن ذلك وسيلة إلى تقليل الزنا حيث تبقى محبوسة في بيتها لا تخرج فتفتن الناس وتفتتن.
حَتَّى يَتَوَفَّاهُنَّ الْمَوْتُيَتَوَفَّاهُنَّ(...)، يقال: توفيت حقي من فلان، أي: قبضته، وقوله: الْمَوْتُيعني: ملك الموت، كما قال تعالى: قُلْ يَتَوَفَّاكُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ [السجدة: ١١]، ولكنه يعبر عن ذلك بالموت توسعًا، حَتَّى يَتَوَفَّاهُنَّ الْمَوْتُوالموت هو: فقد الحياة، وذلك بخروج الروح من البدن؛ لأن الروح بالبدن عارية متى دعيت خرجت.
أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًاأَوْهذه حرف عطف، ويَجْعَلَمعطوفة على (يتوفى) فهي منصوبة، يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًاأي: يصير لهن سبيلًا، أي: طريقًا للخلاص من هذا الإمساك، وقد جعل الله لهن سبيلًا بماذا؟ بقوله تعالى: الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِئَةَ جَلْدَةٍ [النور: ٢]، قال النبي صلى الله عليه وسلم: «خُذُوا عَنِّي، خُذُوا عَنِّي، قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا: الْبِكْرُ بِالْبِكْرِ جَلْدُ مِئَةٍ وَتَغْرِيبُ عَامٍ، وَالثَّيِّبُ بِالثَّيِّبِ جَلْدُ مِئَةٍ وَالرَّجْمُ»   ، فتبين بهذا أن المراد بالسبيل ما شرعه الله تعالى من حد الزاني جلدًا وتغريبًا، أو رجمًا وتغريبًا.
ثم قال: وَاللَّذَانِ يَأْتِيَانِهَا مِنْكُمْ فَآَذُوهُمَااللَّذَانِفي مقابل اللَّاتِي، تكون للذكور ولَّا للإناث؟ للذكور، ولكن المقابلة ليست بتامة، هنا قال: اللَّذَانِوهناك قال: اللَّاتِيفلماذا؟ قال بعض العلماء: إن المراد بـ(اللذان) هنا الزاني والزانية، ولكن الزانية سبق حكمها وهي أنها تحبس في البيت والزاني يؤذى، ولا (...) في البيت، وقال بعض العلماء: المراد بهما اللوطي، يعني: الفاعل والمفعول به، وأضاف الإتيان إلى المفعول به مع أنه مأتي؛ لأن القابل كالفاعل، القابل الراضي كالفاعل؛ ولهذا قال النبي عليه الصلاة والسلام: «مَنْ وَجَدْتُمُوهُ يَعْمَلُ عَمَلَ قَوْمِ لُوطٍ فَاقْتُلُوا الْفَاعِلَ وَالْمَفْعُولَ بِهِ»   والصحيح هذا، الصحيح أن اللَّذَانِيراد بهما اللائطان، الرجل يلوط بالرجل، والعياذ بالله.
ولكن يبقى نظر آخر، لماذا عبر في حق النساء بـاللَّاتِيوفي حق الذكور بـاللَّذَانِ؟ لأن فشو الزنا في النساء أكثر من فشو اللواط في الذكور، وكانوا في الجاهلية لا يعرفون اللوطية، حتى إن بعضهم يقول: لولا أن الله قص علينا ما قص من نبأ قوم لوط ما كنا نتصور أن هذا يقع؛ لأنه من يتصور أن رجلًا يرضى أن يفعل به كما يفعل بالمرأة! هذا شيء مستحيل فطرة ومستحيل شرعًا، فلذلك عبر عن اللواط بأدنى ما يمكن أن يتحقق به، ما هو أدنى ما يمكن أن يتحقق به؟ اثنان، بخلاف الزنا في النساء فإنه كثير.
وَاللَّذَانِ يَأْتِيَانِهَا مِنْكُمْيَأْتِيَانِهَاالضمير يعود على الْفَاحِشَةَوفاحشة الرجال هي اللواط، وهي أعظم من فاحشة الزنا، والدليل على عظمتها أن لوطًا قال لقومه: أَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ [الأعراف: ٨٠]، وفي الزنا قال الله عز وجل: إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً [الإسراء: ٣٢] من الفواحش، أما هذا فقال: الْفَاحِشَةَ؛ لأنها -والعياذ بالله- مستفحشة في عقل كل إنسان، ثم إن الزنا جنسه مما يباح بالعقد، واللواط لا يباح بأي حال من الأحوال، لا بعقد ولا بغيره، فكان أفحش.
وَاللَّذَانِ يَأْتِيَانِهَا مِنْكُمْ فَآَذُوهُمَاآذوهما بماذا؟ بالسب والتعيير والضرب والإعراض، على سبيل التعزير، والهجر، وما أشبه ذلك، المهم افعلوا ما يتأذيان به.
فَإِنْ تَابَا وَأَصْلَحَا فَأَعْرِضُوا عَنْهُمَاإِنْ تَابَامما وقع منهما، وَأَصْلَحَاعملهما في المستقبل، فَأَعْرِضُوا عَنْهُمَا؛ لأن التائب من الذنب كمن لا ذنب له، فيعرض عنه؛ لأن السبب ما دام موجودًا فالمسبب يتبعه، فإذا زال السبب زال المسبب.
إِنَّ اللَّهَ كَانَ تَوَّابًا رَحِيمًاإِنَّ اللَّهَ كَانَ تَوَّابًاتَوَّابًاصيغة مبالغة؛ وذلك لكثرة توبته وكثرة من يتوب عليهم، فالذين يتوب الله عليهم لا يحصون، وتوبته عز وجل لا تحصى؛ فلهذا عبر بصيغة المبالغة، والتائب من؟ توبة الله على العبد نوعان: توبة قبل فعل التوبة، وتوبة بعدها، فالتوبة التي قبل فعل التوبة معناها التوفيق، قبل فعل التوبة معناها التوفيق للتوبة، كما قال تعالى: ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا [التوبة: ١١٨]، والتوبة التي بعد التوبة هي قبول التوبة، كما قال تعالى: وَهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ [الشورى: ٢٥]، والله سبحانه وتعالى تواب بهذا المعنى وبهذا المعنى، فهو تواب أي: مهيئ للتوبة فيمن شاء من عباده، وتواب أي: قابل للتوبة.
ورَحِيمًاأي: ذو رحمة يوصلها إلى من شاء من عباده، كما قال تعالى: يُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَيَرْحَمُ مَنْ يَشَاءُ وَإِلَيْهِ تُقْلَبُونَ [العنكبوت: ٢١].
وفي هذه الآية شيء من الإشكال وهو قوله: كَانَ تَوَّابًا رَحِيمًا، فإن المعروف أن (كان) للمضي، ويفهم منها أن هذا الوصف كان فزال، كما لو قلت: كان فلان طالب علم، يعني: فيما مضى.
أجاب العلماء عن هذا الإشكال بأن (كان) قد تسلب منها الدلالة على الزمن ويكون المراد بها تحقق الاتصاف بخبرها، وكل ما أضيف إلى الله من هذا التركيب فإن هذا هو المراد به إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا [النساء: ٢٣]، وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرًا [الأحزاب: ٢٧]، وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطًا [الأحزاب: ١٢٦] وما أشبه ذلك، المراد أنه متصف به أزلًا وأبدًا، ولكن أتت (كان) لتحقيق اتصافه بهذا الوصف.
طالب: أحسن الله إليك، فَأَعْرِضُوا عَنْهُمَاهذا قبل القدرة عليهما أو بعد القدرة؟
الشيخ: لا، بعد القدرة.
الطالب: بعد القدرة؟
الشيخ: نعم، لكن هذا الحكم سيأتي الكلام عليه إن شاء الله.
طالب: قوله تعالى في سورة هود: خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ [هود: ١٠٧] (...).
الشيخ: نعم، عَطَاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ، وقال في النار: إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ.
الطالب: (...) خَالِدِينَ فِيهَا.
الشيخ: كلها قال: مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ [هود: ١٠٧].
الطالب: ويش الفرق؟
الشيخ: الفرق لأنه لما كان هذا فضلًا بيَّن أنه فضل ممتد، ولما كان هذا عقوبة قال: إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُفهو فعل هذه العقوبة؛ لأن ذلك مقتضى إرادته.

***

طالب: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ فَأُولَئِكَ يَتُوبُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا (١٧) وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الْآَنَ وَلَا الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ أُولَئِكَ أَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا (١٨) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّسَاءَ كَرْهًا وَلَا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ مَا آَتَيْتُمُوهُنَّ إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ فَإِنْ كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا [النساء: ١٧-١٩].

الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، سبق لنا أن الله سبحانه وتعالى جعل عقوبة اللاتي يزنين؟
طالب: بالإشهاد عليهم.
الشيخ: لا، الإشهاد لإثبات..
طالب: فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي الْبُيُوتِ حَتَّى يَتَوَفَّاهُنَّ الْمَوْتُ أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا.
الشيخ: تمام. ما هي السبيل التي جعلها الله لهن؟
طالب: قول النبي صلى الله عليه وسلم «قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ».
الشيخ: في حديث عبادة بن الصامت.
الطالب: (...).
الشيخ: «خُذُوا عَنِّي، خُذُوا عَنِّي، قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ».
الطالب: «الْبِكْرُ بِالْبِكْرِ جَلْدُ سَنَةً وَتَغْرِيبُ عَامٍ».
الشيخ: جلد سنة؟!
الطالب: «جَلْدُ مِئَةٍ وَتَغْرِيبُ عَامٍ، وَالثَّيِّبُ بِالثَّيِّبِ جَلْدُ مِئَةٍ وَالرَّجْمُ»   .
الشيخ: أحسنت.
هل يعتبر هذا من النسخ؟
طالب: ليس من النسخ.
الشيخ: لماذا؟
الطالب: هذا السبيل الذي جعله.
الشيخ: إي، لكن لماذا؟
الطالب: لأن هذا (...).
الشيخ: نعم، الحكم الأول موقت ليس عامًّا في كل وقت، فيكون قوله: أَمْسِكُوهُنَّ فِي الْبُيُوتِبيانًا لذلك.
قوله: وَاللَّذَانِ يَأْتِيَانِهَا مِنْكُمْماذا يراد به؟
طالب: قيل: الذي يزني بها، الزاني، وقيل: اللوطي.
الشيخ: قيل: إنه الرجل يأتي الرجل.
الطالب: وقيل: الذي يأتي المرأة.
الشيخ: نعم، بناء على الثاني كيف يخرج اللَّذَانِ يَأْتِيَانِهَا مِنْكُمْ؟
طالب: (...)؟
الشيخ: يعني فيها قول: إن اللَّذَانِ يَأْتِيَانِهَا مِنْكُمْيعني: اللذان يزنيان.
الطالب: نعم يا شيخ، فيكون الرجل يؤذى فقط والمرأة تحبس وتؤذى.
الشيخ: تحبس حتى يتوفاها الموت أو يجعل الله لهن سبيلًا.
طالب: (...).
الشيخ: الرجل إذا أتى الرجل، هذا وجه، هذا ما فيه إشكال، الإشكال على قول من يقول: إن المراد بـاللَّذَانِ يَأْتِيَانِهَا مِنْكُمْهما الزانيان؟
طالب: لأنه سبق حكم الزانية فغلب التذكير.
الشيخ: لماذا عبر بالجمع في النساء وبالتثنية في الرجال؟
طالب: لأن في النساء (...) كثير.
الشيخ: الزنا في النساء أكثر منه في الرجال، فإن البغايا في الجاهلية كثيرات منتشرات.
على القول بأن مراد اللَّذَانِ يَأْتِيَانِهَا مِنْكُمْالرجل يأتي الرجل كيف يصح أن يكون المأتي آتيًا؟
طالب: لما كان المأتي راضي كان حكمه كحكم الفاعل.
الشيخ: أحسنت، القابل كالفاعل.
أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم، قال الله تعالى: وَاللَّاتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ مِنْ نِسَائِكُمْإلى آخره.
من فوائد هذه الآية الكريمة: عظم الزنا وأنه من الفواحش؛ لأنه بالاتفاق أن المراد بذلك الزنا، والقول بأنه السحاق قول ضعيف لا معول عليه.
ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أنه لا بد في الزنا من شهادة أربعة رجال عدول؛ لقوله: فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً، وقوله: مِنْكُمْالخطاب للمؤمنين والصحابة كلهم عدول، أو نقول: إنه مِنْكُمْخطاب للصحابة كلهم، ويحمل هذا الإطلاق على العدالة كما قال تعالى: وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ [الطلاق: ٢].
ومن فوائد هذه الآية الكريمة: الإشارة إلى أن الرجل أقوى في الشهادة من المرأة وأثبت؛ وذلك لأن الله تعالى لم يعتبر في الزنا إلا شهادة الرجال.
ومنها: أن الحد يدرأ بالشبهة؛ وذلك لأن اشتراط أربعة رجال من أجل إثبات الشهادة، وشهادة النساء الأربع فيها شبهة؛ لأنهن لم يثبتن، كما قال تعالى: أَنْ تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الْأُخْرَى [البقرة: ٢٨٢]، ولا شك أن الحدود تدرأ بالشبهات.
ولكن يبقى عندنا مناط الحكم، بمعنى ما هي الشبهة التي يدرأ بها الحد؟ فمن العلماء من توسع فيها حتى قال: إنه لو استأجر امرأة للزنا فزنا بها فلا حد عليه؛ لأن استئجاره إياها شبهة، كما لو استأجر بيتًا يسكن به، ومن العلماء من توسط، ومنهم من شدد، والغالب أن الأقوال إذا اختلفت على ثلاثة: أن الوسط هو الصحيح، هذا هو الغالب.
ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أنه لا بد من تصريح الشهداء بالشهادة في باب الزنا؛ لقوله: فَإِنْ شَهِدُوا؛ ولهذا يجب أن يقول الشهود: رأينا ذكره في فرجها قد أدخله فيه، كما يدخل الميل في المكحلة، فلا يكفي أن يقول الشهود: رأينا رجلًا على امرأة وهما عراة، ورأينا ذكره بين فخذيها، ما يكفي هذا، لا بد من التصريح بالجماع، كما قال الرسول عليه الصلاة والسلام لماعز قال: «أَنِكْتَهَا» لا تكنِ، أو قال: لا يكني   ؛ ولهذا قال شيخ الإسلام رحمه الله في زمنه: إنه لم يثبت حد الزنا بالشهادة إلى يومنا هذا، لم يثبت بالشهادة لماذا؟ لأنها صعبة، صعبة.
فإن قال قائل: هل يمكن أن نثبته بالتقاط الصورة؟ قلنا: كنا نقول بذلك، لكن لما تبين لنا دبلجة المصورين قلنا: لا نثبت، أتعرفون الدبلجة؟ يعني يجمعون، يلفقون صورة ويجعلون رجلًا على امرأة قد جامعها وليس الأمر كذلك، ومشكلة الدبلجة هذه -نسأل الله أن يكفينا شرها- بدؤوا يدبلجون الكلام الآن كما قيل لي، يأخذون مثلًا من كلامي حرفًا، حرفًا في كلمة من الكلمات، وحرفًا من كلمة أخرى ويركبون بعضًا على بعض وينشئون خطبة بصوتي على ما يريدون هم، أعرفتم؟ يجمعون حروفًا، ثم يصيغونها كلمات على ما يريدون، والصوت صوتي، ونبرات الكلام نبرات كلامي، فمشكلة حقيقة، أي إنسان يريد أن يتقول على شخص الآن يمكنه، لكن نرجو الله أن الله يجيب فيرس لهذه الآلات كما يهددون الآن بفيرس الكمبيوتر حتى نسلم من شرها ويسلم الناس من شرها.
ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن حبس المرأة في بيتها من أسباب درء الفتنة؛ لقوله: فَأَمْسِكُوهُنَّ؛ لأن هذا نوع من العقوبة من وجه، وكف لأسباب الفتنة من وجه آخر.
ومن فوائد الآية الكريمة: الإشارة إلى أن البيت خير للمرأة؛ لقوله: فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي الْبُيُوتِ، وكما قال النبي عليه الصلاة والسلام: «بُيُوتُهُنَّ خَيْرٌ لَهُنَّ»   .
ومن فوائدها: أنه لا يجوز حبس المرأة في بيتها بحيث تمنع من الخروج إلا إذا كان هناك فتنة وشر، وإلا فالأصل أنها لا تمنع من الخروج من البيت، ويؤيد هذا أن الله تعالى أوجب بقاء المرأة المتوفى عنها زوجها في بيتها، فدل ذلك على أن غيرها لا يلزمها البقاء في البيت، وهو كذلك، فالبيت ينبغي أن نرغب النساء في البقاء فيه ولكن لا نلزمهن بذلك.
ومن فوائد الآية الكريمة: مشروعية العقوبة بالحبس المؤبد، توافقون على هذا؟ أو أن للعقوبة بالحبس المؤبد أصل؟
الطلبة: الثاني.
الشيخ: الثاني هو الأقرب: أن للعقوبة بالحبس المؤبد أصلًا في الشرع، أما أن نجعل ذلك مشروعًا وهو قد نسخ ففي النفس منه شيء.
ومن فوائد هذه الآية الكريمة: إثبات الجعل لله عز وجل؛ لقوله: أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا، والجعل نوعان: جعل شرعي، وجعل كوني قدري، فمن أمثلة الجعل الشرعي قوله تعالى: جَعَلَ اللَّهُ الْكَعْبَةَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ قِيَامًا لِلنَّاسِ [المائدة: ٩٧]، وقوله: مَا جَعَلَ اللَّهُ مِنْ بَحِيرَةٍ وَلَا سَائِبَةٍ وَلَا وَصِيلَةٍ وَلَا حَامٍ [المائدة: ١٠٣] مَا جَعَلَأي: جعلًا شرعيًّا، أما قدريًّا فإنه قد جعل ذلك، البحيرة والسائبة والوصيلة والحام موجودة، ومثال الجعل الكوني، أو وأمثلة الجعل الكوني كثيرة في القرآن مثل: جَعَلْنَا نَوْمَكُمْ سُبَاتًا (٩) وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ لِبَاسًا (١٠) وَجَعَلْنَا النَّهَارَ مَعَاشًا [النبأ: ٩-١١]، والأمثلة كثيرة.
ومن فوائد هذه الآية الكريمة: إثبات الأفعال الاختيارية لله عز وجل، يعني إثبات صفة الفعل المتجدد لله، واعلم أن الفعل المضاف إلى الله نوعان: جنس، ونوع، جنس، ونوع، وفرد، ثلاثة أنواع: جنس، ونوع، وفرد.
أما الجنس فهو صفة أزلية أبدية، أي أن الله لم يزل ولا يزال فعالًا، فهو فعال في الأزل كما هو فعال في الأبد؛ ولهذا كان القول الراجح من أقوال العلماء القول بتسلسل الحوادث في الماضي كما هي في المستقبل، لكننا لا نعلم ما تسلسل في الماضي إلا ما أخبرنا به فقط، وإلا فنحن نؤمن بأن الله لم يزل ولا يزال فعالًا سبحانه وتعالى.
الثاني: النوعي، النوعي مثل الاستواء على العرش، وهذا حادث؛ فإن الله لم يستوِ على العرش قبل خلق العرش.
أما الآحادي فكثير، كالنزول إلى السماء الدنيا كل ليلة، والمجيء للفصل بين العباد، والنزول إلى السماء الدنيا عشية عرفة، والغضب عند وجود السبب، والرضا عند وجود سببه، والضحك عند وجود سببه، والعجب عند وجود سببه، أشياء كثيرة، وقد أثبت أهل السنة والجماعة ذلك، وأنكر هذا الأشاعرة والمعتزلة ومن سلك سبيلهم وقالوا: لا يمكن أن يوصف الله بصفة حدوثية أبدًا؛ ولهذا يرون القرآن الذي بين أيدينا يرونه قديمًا، وعللوا هذا الحكم الفاسد فقالوا: إن قيام الحوادث بالله عز وجل يقتضي أن يكون حادثًا؛ لأن الحوادث لا تقوم إلا بحادث، ولا شك أن هذه علة عليلة بل ميتة، من قال لهم هذا؟! بل كون الحوادث تقوم بالله عز وجل وأنه يفعل ما يريد دليل على كماله وكمال حياته، ولو تصور الإنسان ربًّا لا يفعل وربًّا يفعل لكان مقتضى الفطرة أن الثاني أكمل بلا شك، فالصواب بلا شك أن أفعال الله سبحانه وتعالى كما تكون جنسًا تكون نوعًا، وتكون فردًا آحادًا.
ثم قال الله تعالى: وَاللَّذَانِ يَأْتِيَانِهَا مِنْكُمْ فَآَذُوهُمَا فَإِنْ تَابَا وَأَصْلَحَا فَأَعْرِضُوا عَنْهُمَا إِنَّ اللَّهَ كَانَ تَوَّابًا رَحِيمًا.
يستفاد من هذه الآية الكريمة: أن اللواط له حكمان: الحكم الأول ما دلت عليه الآية، والحكم الثاني ما دلت عليه السنة، أما ما دلت عليه الآية فهو أن الذي يأتي الفاحشة من الرجال يؤذى، يؤذى بالقول، يؤذى بالفعل، يؤذى بالهجر، يؤذى بأنواع الأذى، وكثير من الناس قد تكون أذيته أشد من ضربه وأشد من حبسه.
أما الحكم الثاني الثابت في السنة وهو قتل الفاعل والمفعول به؛ لقول النبي عليه الصلاة والسلام: «مَنْ وَجَدْتُمُوهُ يَعْمَلُ عَمَلَ قَوْمِ لُوطٍ فَاقْتُلُوا الْفَاعِلَ وَالْمَفْعُولَ بِهِ»   .
ولا يحمل هنا المطلق على المقيد فيقال: اقتلوا الفاعل والمفعول به إذا كانا محصنين، كما هو الشأن في الزنا؛ وذلك لأن من شرط حمل المطلق على المقيد أن يكون الحكم واحدًا والسبب واحدًا، وهنا اختلف السبب والحكم، فهناك السبب الزنا وهو في فرج يحل في الجملة، صح؟
طلبة: نعم.
الشيخ: متى يحل؟ بعقد النكاح الصحيح أو ملك اليمين، وهذا استباحة فرج لا يحل أبدًا، كذلك أيضًا هذه الفاحشة -والعياذ بالله- يعسر التحرز منها بخلاف الزنا؛ لأنها تكون بين الذكور، ومن يحبس الذكور بعضهم عن بعض؟ لا يمكن حبسهم، التحرز منها صعب، فإذا لم يكن لها عقوبة رادعة قوية انتشرت في المجتمع، وإذا انتشرت في المجتمع فسد الرجال والنساء -نسأل الله العافية- لأن من عقوبة اللوطي ألا يشتهي النساء، فإذا لم يشتهِ النساء بقيت النساء متعطلة وحصل الشر والفساد.
والدليل أن من عقوبة اللوطي أنه ينزع منه شهوة النساء قول لوط لقومه: أَتَأْتُونَ الذُّكْرَانَ مِنَ الْعَالَمِينَ (١٦٥) وَتَذَرُونَ مَا خَلَقَ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ [الشعراء: ١٦٥- ١٦٦]، فهم لم يذروا النساء إلا لأنها سلبت شهوة النساء من نفوسهم، وإلا فإن الإنسان بفطرته يميل إلى النساء، وهذه العقوبة إذا انتشرت في المجتمع فسد، فسد رجاله ونساؤه وتعطلت مصالحه؛ فلهذا كانت الحكمة تقتضي القضاء على هذه الجرثومة الفاسدة، قتل، ولا يصلح أن يحمل هذا المطلق على المقيد لما علمتم من اختلاف السبب والحكم.
وقد ذكر شيخ الإسلام رحمه الله: أن الصحابة أجمعوا على قتل الفاعل والمفعول به إلا أنهم اختلفوا في كيفية القتل؛ فمنم من قال: يلقيان من شاهق من أعلى مكان في البلد ثم يتبعان بالحجارة، ومنهم من قال: يرجمان، ومنهم من حرق اللوطي، الفاعل والمفعول به؛ لأن جريمتهما عظيمة منكرة، سماها لوط: الفاحشة، والزنا في كتاب الله إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً [الإسراء: ٣٢]، والأول أشد.
ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن من تاب وأصلح وجب الكف عن عقوبته، وقد صرح الله تعالى في آية المحاربين في سورة المائدة أن ذلك مشروط بما إذا تاب قبل القدرة عليه، قال تعالى: إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ [المائدة: ٣٤]، أما لو تاب بعد القدرة فإنه لا ترفع عنه العقوبة.
لكن الذي يظهر من السنة أن ما ثبت بإقرار ثم تاب فإنه يترك يتوب، ودليل ذلك حديث ماعز بن مالك رضي الله عنه حين جاء إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأقر عنده بالزنا فأمر برجمه، فلما أذلقته الحجارة –يعني: أصابه مس الحجارة- هرب، ولكن الصحابة لكون الرسول عليه الصلاة والسلام أمرهم برجمه قالوا: لا بد من تنفيذ أمر الرسول عليه الصلاة والسلام، فنفذوا الرجم ثم أخبروا النبي صلى الله عليه وآله وسلم بذلك، فقال: «هَلَّا تَرَكْتُمُوهُ يَتُوبُ فَيَتُوبَ اللَّهُ عَلَيْهِ»   ، فدل ذلك على أن المقر بالذنب إذا تاب ولو في أثناء الحد فإنه يترك يتوب الله عليه.
ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن التوبة من الذنب لا بد أن يقارنها إصلاح؛ لقوله: فَإِنْ تَابَا وَأَصْلَحَا، ولكن كيف تكون التوبة في مثل هذا؟ قيل: إن التوبة في مثل هذا أن يراود فيمتنع، عرفتم؟ يعني مثلًا يقال لهذا المفعول به، يعني: نريد أن نفعل بك، فإذا امتنع دل ذلك على توبته، ويقال للفاعل: هذا يريد أن تفعل به، فإذا أبى فهذا توبته، وكذلك يقال في الزاني والزانية، لكن هذا القول قول منكر بعيد عن الصواب؛ لأن المراودة لا تكون إلا في حال سر، أليس كذلك؟ ما هو الواحد يعني بيراود شخص أمام الناس، ستكون في حال سر.
ثم إن المراود إن كان المراود أهلًا للفعل، يعني يتوقع منه أن يفعل، فإنه قد يستجيب، وحينئذٍ تقع الفاحشة، وإن كان المراوِد ليس أهلًا لأن يفعل، فسينتبه المراوَد أن هذا يريد أن يختبره فيمتنع، وبهذا نعرف أن هذا القول لا أساس له من الصحة، ولكن التوبة كغيرها من الذنوب، التوبة من هذا كغيره من الذنوب، إذا عرفنا أن الرجل عزف عن هذا الشيء، وصار لا يذهب إلى المجالس اللي فيها هذه الفاحشة وما أشبه ذلك، عرفنا أنه تاب؛ ولهذا قرن التوبة هنا بالإصلاح، فلا بد من شيء يدل على أنه تاب وهو إصلاح العمل والبعد عن هذه الفاحشة.
ومن فوائد هذه الآية الكريمة: إثبات أن الحكم يدور مع سببه وجودًا وعدمًا، وجهه أنه قال: إِنْ تَابَا وَأَصْلَحَا فَأَعْرِضُوا عَنْهُمَا، إذن لما زالت العلة زال الحكم، وهو كذلك، الحكم يدور مع علته وجودًا وعدمًا، ولكن إن كانت العلة منصوصة، منصوصًا عليها فإنها إذا تخلفت فلا بد أن يتخلف الحكم، وإن كانت مستنبطة فلا ينبغي أن يتخلف الحكم بتخلفها؛ لأنه من الجائز ألا تكون العلة شرعًا هي هذه العلة المستنبطة، فنلغي حكمًا من أحكام الله ثابتًا بمجرد الاحتمال، أما لو نص عليها فالحكم يدور معها مثل قوله صلى الله عليه وآله وسلم: «إِذَا كُنْتُمْ ثَلَاثَةً فَلَا يَتَنَاجَى اثْنَانِ دُونَ الثَّالِثِ مِنْ أَجْلِ أَنْ ذَلِكَ يُحْزِنُهُ»   ، فإن هذا يدل على أنه لو كان لا يحزن بهذا التناجي جاز، جاز ذلك.
ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات اسمين من أسماء الله، وهما: التواب والرحيم، وقد سبق لنا معنى التواب ولماذا جاء بصيغة المبالغة، ومعنى الرحيم.
تفسير الآية (17)
01:21:06

ثم قال الله عز وجل: إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ فَأُولَئِكَ يَتُوبُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًاإِنَّمَا التَّوْبَةُهذه مبتدأ مسبوق بأداة الحصر وهي إِنَّمَا، وخبر المبتدأ قوله: عَلَى اللَّهِأو قوله: لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهَالَةٍيحتمل هذا أو هذا.
وقوله: إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَالسُّوءَيعني: العمل السيئ كالمنكرات، فعل المحظورات أو ترك الواجبات، ولكنه قيدها بقوله: بِجَهَالَةٍ، والمراد بالجهالة هنا السفاهة وليست الجهل؛ لأن فاعل السوء بجهل معذور لا ذنب عليه؛ لقول الله تعالى: رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا [البقرة: ٢٨٦]، ولكن المراد بالجهالة هنا السفاهة، ومنه قول الشاعر الأول:
أَلَا لَا يَجْــــهَـــــلَـــنْ أَحَـــــدٌ عَـــــلَــــيْـــــنَـــا فَنَجْهَلَ فَوْقَ جَهْلِ الْجَاهِلِينَا

ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍيعني: ثم إذا عملوا السوء بجهالة تابوا إلى الله من قريب، والقريب هنا ما كان قبل الموت، فإذا تابوا قبل الموت تاب الله عليهم، ولكن سيأتينا في الفوائد أنه تجب التوبة فورًا، ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍيَتُوبُونَبمعنى يرجعون إلى الله وذلك بترك ما قاموا به من السوء أو فعل ما تركوه من الواجب.
فَأُولَئِكَ يَتُوبُ اللَّهُ عَلَيْهِمْهذه الجملة باعتبار ما قبلها تأكيد؛ لأن هذا الحكم مفهوم من قوله: إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ، ولكنه أكد ما التزم به عز وجل على نفسه بقوله: فَأُولَئِكَ يَتُوبُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ، وأشار إليهم بـ(أولئك) مع أنهم باعتبار الحديث عنهم في محل القرب، والقريب يشار إليه بأيش؟ بـ(هؤلاء)، لكن هنا قال: أُولَئِكَأشار إليهم بإشارة البعيد إشارة إلى علو منزلتهم بالتوبة.
يَتُوبُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًاأي: ذا علم وحُكم وحِكمة، فالعلم إدراك الشيء على ما هو عليه، وهذا التعريف يخرج الجهلين جميعًا: الجهل البسيط والجهل المركب؛ لأن الجهل البسيط ليس فيه إدراك مطلقًا، والجهل المركب فيه إدراك الشيء على غير ما هو عليه، فالعلم إدراك الشيء على ما هو عليه..
طالب: إدراكًا جازمًا.
الشيخ: نعم؟
الطالب: إدراكًا جازمًا.
الشيخ: معروف؛ لأن الذي ما جزم ما أدرك.
بالنسبة لعلم الله عز وجل علم كامل شامل، كامل أي: أنه لم يسبق بجهل ولم يلحق بنسيان، قال موسى عليه الصلاة والسلام لفرعون حين قال: مَا بَالُ الْقُرُونِ الْأُولَى (٥١) قَالَ عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي فِي كِتَابٍ لَا يَضِلُّ رَبِّي وَلَا يَنْسَى [طه: ٥١، ٥٢] لَا يَضِلُّلا يجهل، وَلَا يَنْسَىما علم.
وهو كذلك شامل، قال الله تعالى: لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا [الطلاق: ١٢]، وقد بين الله تعالى علمه في كتابه أحيانًا بالإجمال والعموم، وأحيانًا بالتفصيل، ففي قوله تعالى: وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا وَلَا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الْأَرْضِ وَلَا رَطْبٍ وَلَا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ [الأنعام: ٥٩] فهذا تفصيل، وقوله: إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْأَرْحَامِ وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ [لقمان: ٣٤]، والله يعلم ذلك أيضًا فيه شيء من التفصيل، وأما الإجمال فكثير في القرآن.
والعلم أشمل من القدرة وأوسع؛ لأنه يتعلق بكل شيء حتى في الممتنع، بخلاف القدرة فإنها شاملة لكل شيء، لكن ما كان مستحيلًا فليس بشيء بالنسبة للقدرة، أما العلم فيشمل حتى المستحيل، ألم تروا إلى قول الله تعالى: لَوْ كَانَ فِيهِمَا آَلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا [الأنبياء: ٢٢]، وقوله: مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ إِذًا لَذَهَبَ كُلُّ إِلَهٍ بِمَا خَلَقَ وَلَعَلَا بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ [المؤمنون: ٩١]، فإن تعدد الآلهة ممتنع مستحيل ومع ذلك أخبر الله أنه لو كان لكانت نتيجته كذا وكذا.
وقوله: حَكِيمًامشتق من الحُكم والحِكمة، فهو حاكم ومحكم، حاكم إذا جعلناه مشتقًا من الحُكم، ومُحِكم إذا جعلناه مشتقًا من الحِكمة.
طالب: قصة ماعز توبته، (...) طلب الرسول من الصحابة أن يتركوه، يقول: معنى ذلك أن لا يرجموه حتى يأتي ثم يكلمه، وإلا سيقيم عليه الحد، يعني يقول: اتركوه حتى يأتيني وأسمع منه ما يريد ويقيم عليه الحد، وإلا يكون ما فائدة (...) ما قال: لو تابت؟
الشيخ: لا، في هذا نظر؛ لأن الرسول ما قال: هلا تركتموه يأتي إلي فيتوب، قال: «يَتُوبُ فَيَتُوبَ اللَّهُ عَلَيْهِ» يعني: تركتموه بلا حد وهو يصلح حاله في المستقبل، فالتوبة الأولى توبة لإقامة الحد؛ ولهذا قال: أريد أن تطهرني، والتوبة الثانية بإصلاح الحال.
طالب: والآية يا شيخ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ [المائدة: ٣٤]؟
الشيخ: هذا في قُطَّاع الطريق الذين ثبتت جريمتهم ببينة؛ لأن قطاع الطريق عملهم متعدٍّ.
طالب: يا شيخ، قلنا في عتق الرقبة في آية القصاص -أي القتل-: إنها مؤمنة، وقلنا: إن هذا أيضًا يعم جميع الأشياء، مثلها هذه؟
الشيخ: لا، ما دام دل الدليل على الاستثناء نأخذ به، ولَّا هذا هو الأصل.
طالب: شيخ أحسن الله إليك، الذي عليه الآن أكثر العلماء أن الثيب نسخ حكم الجلد لها وبقي حد الرجم.
الشيخ: صحيح.
الطالب: وقد جاء في صحيح البخاري عن علي رضي الله عنه جلد شراحة الهمدانية يوم الخميس ورجمها يوم الجمعة، ولما سئل قال: جلدتها بكتاب الله، ورجمتها بسنة رسول الله  ، وعلي له سنة متبعة يا شيخ، فهل نفعل كما فعل علي؟
الشيخ: علي له سنة متبعة، ولكنها بعد سنة الرسول عليه الصلاة والسلام، عرفت؟ فلهذا في كلامه نظر رضي الله عنه.