طالب: حتى يقول أيضًا (...) المخزومية لما قالوا:
نريد.. ما قال: لو تابت..
الشيخ: لا، في هذا نظر؛ لأن
الرسول ما قال: هلا تركتموه يأتي إلي فيتوب، قال: «يَتُوبُ
فَيَتُوبَ اللهُ عَلَيْهِ» ، يعني
تركتموه بلا حد وهو يُصلح حاله في المستقبل، فالتوبة الأولى توبة لإقامة الحد، هو
ولهذا قال: أريد أن تطهرني، والتوبة الثانية بإصلاح الحال.
طالب: والآية يا شيخ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ [المائدة: ٣٤]؟
الشيخ: هذا في
قُطّاع الطريق الذين ثبتت جريمتهم ببينة؛ لأن قُطّاع الطريق عملهم متعد.
طالب: شيخ، نحن قلنا في (...) عتق الرقبة بآية القصاص القتل:
إنها مؤمنة، وقلنا: إن هذا أيضًا هم جميعًا مثلهم؟
الشيخ: لا، ما دام دل الدليل على الاستثناء نأخذ به، ولَّا هذا
هو الأصل.
طالب: شيخ، أحسن الله إليك، الذي عليه الآن
أكثر العلماء أن الثيب نُسِخ حكم الجلد لها وبقي حكم الرجم.
الشيخ: صحيح.
الطالب: وقد جاء في
صحيح البخاري عن علي رضي الله عنه جلد شُراحة الهمْدَانية يوم
الخميس ورجمها يوم الجمعة، فلما سُئل قال: جلدتها بكتاب الله، ورجمتها بسنة
رسوله ، وعليّ له سنة متبعة، فهل نفعل
مثلما فعل علي؟
الشيخ: علي له سنة متبعة، ولكنها بعد
سنة الرسول عليه الصلاة والسلام، عرفت؟ فلهذا في كلامه نظر رضي الله عنه؛ لأن لنا
أن نقول: ورجمناها بكتاب الله، فإن عمر صرّح وهو على المنبر بأن الرجم ثابت بكتاب الله، آية من آيات الله قرأناها، يقول: قرأناها
وحفظناها ووعيناها وطبقناها، يقول: رجم رسول الله صلى الله عليه وسلم ورجمنا
بعده ،
فالصحيح أن هذا من باب الاجتهاد من علي رضي الله عنه لكنه اجتهاد خالفه
النص.
طالب: شيخ، (إنما) تقتضي الحصر فين ما
وردت؟
الشيخ: نعم هكذا قال العلماء، إي نعم.
الطالب: قول ابن عباس: إنما الربا في
النسيئة .
الشيخ: صحيح.
الطالب:
ولكن ربا الفضل؟
الشيخ: هو ما رأى إلا هذا، ولهذا هو
يرى ربا الفضل جائزًا، يراه جائزًا، حتى حدثه أبو سعيد الخدري رضي الله عنه فرجع.
طالب: شيخ، إِنَّمَا أَنْتَ نَذِيرٌ [هود: ١٢]، هذا حصل..
الشيخ: بس هذا
حصل نسبي، يعني حصل عندهم نوعان: إضافي نسبي وحقيقي، يعني: ما أنت بالنسبة لعلم
الغيب والنفع والضر إلا نذير.
طالب: أحسن الله إليك،
لو قلنا: إن الذي يقر بالزنا ثم يتوب تُقبل توبته بعد القدرة عليه، لكن لو فتحت
الباب للمجرمين فإذا علموا ذلك ثم قُدِر عليهم ثم يتوبون قبل أن يقام عليهم
الحد؟
الشيخ: لا، هذه أهون إشكالًا ممن قالوا له الرجوع
عن إقراره، الآن المشهور من المذهب وهو اللي عليه عمل القضاة، أنه متى رجع عن
إقراره وجب الكف عنه حتى في أثناء الحد، حتى لو أنه أقرّ إقرارًا واضحًا مفصلًا،
قال إنه زنى بامرأة اسمها فلانة في هذه الحجرة في الليلة الفلانية، وأنه أولًا أتى
بشاهي وحليب وانبسط هو وإياها، لو كل شيء فصّل وحكم عليه القاضي بأن يُرجم أو
يُجلد، وفي أثناء ذلك قال: أبدًا، أنا راجع عن إقراري، يقولون: خلاص روّح، لكن هذا
في الحقيقة هذا هو الذي قال شيخ الإسلام رحمه الله، قال: لو أننا قبِلنا رجوع
الْمُقِر عما يوجب الحد ما ثبت حد في الدنيا، كل إنسان يقدر يرجع، لا سيما في الوقت
الحاضر إن الناس ما عندهم ذمم.
طالب: ألا يُعَزَّر يا
شيخ.
الشيخ: لا، يُرفع عنه الحد برده.
طالب: (...).
الشيخ: قول ضعيف هذا،
ضعيف جدًّا.
طالب: يعني نقيم عليه الحد يا شيخ حتى لو
تاب وقال: أنا..؟
الشيخ: لا لا إذا تاب نتركه، اللي
تاب يتعرف أنه رجل صادق، لكن إذا رجع عن إقراره هذا يلعب، رجل يجي يكلف القاضي،
ويكتب إقراره ويشتهر أو ما يشتهر (...).
طالب: إذا
وجدت قرينة يا شيخ؟
الشيخ: كيف قرينة وهو مقر؟
الطالب: قرينة قوية تقتضي ..
الشيخ: هذا معناه أن الرجل عقله مختل.
طالب: شيخ، قلنا: إن قوله تعالى: أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا [النساء: ١٥] ليس من باب الناسخ، ثم
قلنا يا شيخ: هل يصح قولنا أن للسجن المؤبد أصلًا في الشرع، قلنا: هذا أحسن من
قولنا أنه معمول به في الشرع، فكيف نقول هذا وقد نُسِخ في الفوائد، يعني كيف هذا؟
الشيخ: إي، معنى رُفِع أي حُفِظ.
الطالب: ليس النسخ.
الشيخ: لا لا،
ما هو بنفس المصطلح عليه.
طالب: القائلين بأن القرآن
قديم ليس بحادث ألا يستدلون بقوله تعالى: مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنْ رَبِّهِمْ مُحْدَثٍ [الأنبياء: ٢]..
الشيخ: بلى بلى، لكن ماذا يقولون؟ يؤوّلون، يقولون: محدث
الإنزال.
طالب: (...).
الشيخ: مشكل، باب المجاز هذا فتح علينا أبوابًا كثيرة.
(...)
سبق لنا أن الله سبحانه وتعالى التزم بنفسه أن يتوب، فمن الذي التزم الله أن يتوب
عليه؟
طالب: لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ [النساء: ١٧].
الشيخ: أحسنت، ذكرنا أن التوبة نوعان؟
طالب: توبة قبل التوبة وتُكمل.
الشيخ: نعم، ما الدليل؟
طالب: إي
نعم، إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ.
الشيخ: هذا قبول التوبة، نعم.
طالب: ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا.
الشيخ: ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا [التوبة: ١١٨]، ما معنى قوله: السُّوءَ بِجَهَالَةٍ؟
الطالب:
نعم يا شيخ، أي بغير علم.
الشيخ: أي بغير علم.
طالب: بسفاهة.
الشيخ:
بسفاهة، لماذا نحمله على السفاهة دون الجهل الذي هو ضد العلم؟
طالب: لأن الذي يعمل السوء وهو جهال له ليس عليه ذنب.
الشيخ: أحسنت؛ لأن من عمل سوءًا بجهل فلا ذنب عليه أصلًا، هل
لديك دليل أو شاهد على أن الجهل يأتي بمعنى السفاهة من كلام العرب، شاهد من كلام
العرب ما هو دليل.
طالب: قول الشاعر:
| أَلَا لَا يَجْـــهَـــــلَـــــنْ أَحَــــــدٌ عَـــــلَــــيْـــــنَـــــا | فَنَجْهَلَ فَوْقَ جَهْلِ الْجَاهِلِينَا |
الشيخ: نعم أحسنت، ما المراد بقوله: مِنْ قَرِيبٍ؟
الطالب: من قريب يدل على قصر الوقت، القريب ما يستدل به على (...).
الشيخ: يعني قبل الموت؟ ختم الله الآية بقوله: عَلِيمًا حَكِيمًامع أن المتوقع أن يقول: توابًا رحيمًا، فما هي الحكمة؟
طالب: لأنه عليم بكل ما وقع من التوبة ومن فعل السيئات.
الشيخ: إي، بس العلم والحكمة هل تناسب التوبة؟ التوبة قلنا: ربما ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ [التوبة: ١١٨].
الطالب: والتواب الرحيم مضى قبل هذه.
الشيخ: وين؟
الطالب: هو قبل هذا.
الشيخ: وين؟ فَإِنْ تَابَا وَأَصْلَحَا [النساء: ١٦]؟
الطالب: إِنَّ اللَّهَ كَانَ تَوَّابًا رَحِيمًا.
الشيخ: إي، هذه في مسألة خاصة.
طالب: بيان أن الله عز وجل يعلم من يستحق التوبة ممن لا يستحقها، ويضعها في محلها.
الشيخ: ويضعها في محلها، تمام؛ لأنه سيأتي حال لا تُقبل فيها التوبة، فناسب أن يبين أن توبته على هؤلاء مبنية على علم وحكمة.
طالب: هذا ما ذكرته يا شيخ.
الشيخ: الآن ذكرته، إن كنت لم أذكره من قبل فالآن ذكرته، وإن كنت ذكرته ونسيتَه فنشكو إلى الله نسيانك.
نحن نتكلم دائمًا على الحكيم ونقول: إنه مأخوذ من الحُكم والحكمة، فكم أنواع أحكام الله؟
طالب: حكم كوني وشرعي.
الشيخ: حكم كوني وشرعي، هاتِ مثالًا على الحكم الكوني؟
الطالب: الحكم الكوني كخلق السماوات والأرض.
الشيخ: لا، يعني آية فيها لفظ حكم يراد به الحكم الكوني؟
طالب: قول الله عز وجل: فَلَنْ أَبْرَحَ الْأَرْضَ حَتَّى يَأْذَنَ لِي أَبِي أَوْ يَحْكُمَ اللَّهُ لِي وَهُوَ خَيْرُ الْحَاكِمِينَ [يوسف: ٨٠].
الشيخ: نعم، فَلَنْ أَبْرَحَ الْأَرْضَ حَتَّى يَأْذَنَ لِي أَبِي أَوْ يَحْكُمَ اللَّهُ لِي، هذا حكم كوني، ونريد مثالًا على الحكم الشرعي؟
طالب: إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا [النساء: ١١].
الشيخ: لا، هذا عام، يعني مثال يخص الحكم الشرعي؟
طالب: قول الله عز وجل: ذَلِكُمْ حُكْمُ اللَّهِ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ [الممتحنة: ١٠].
الشيخ: حين ذكر أحكامًا في النساء اللاتي يأتين من الكفار مؤمنات، في سورة الممتحنة، أحسنت، وذكرنا أيضًا أنه مأخوذ من الحكمة أو من الإحكام وهو إتقان الشيء، وأن الحكمة نوعان؟
طالب: غائية وصورية.
الشيخ: ما معنى الأول؟
الطالب: الغائية تعني بكون المراد من هذا الشيء هو هذه (...).
الشيخ: نعم.
الطالب: والصورية كون هذا الشيء وُضِع على هذه الصورة.
الشيخ: تمام، يعني وضع الشيء على ما هو عليه هذا حكمة، وكون الغاية منه كذا وكذا هذا أيضًا حكمة أخرى، تمام، تكلمنا على الآية هذه فوائدها أظن، طيب.
من فوائد الآية الكريمة إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ: بيان فضل الله عز وجل على عباده بإيجابه التوبة على نفسه إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ.
ومن فوائدها: أن لله أن يوجب على نفسه ما شاء، وليس للعباد أن يوجبوا عليه شيئًا؛ لقوله تعالى: لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ [الأنبياء: ٢٣]، لكن له أن يوجب على نفسه ما شاء، وله أن يحرّم على نفسه ما شاء، قال الله تعالى في الحديث القدسي: «يَا عِبَادِي إِنِّي حَرَّمْتُ الظُّلْمَ عَلَى نَفْسِي» ، هذا حرم على نفسه الظلم، وقال تعالى: كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ [الأنعام: ٥٤]، هذا إلزام وفرض، ومنه هذه الآية إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ.
ومن فوائد الآية الكريمة: أن كل عامل للسوء فإنما يعمله بجهالة وسفه، والسفه ضد الرشد، فمن عمل سيئًا فقد فُقِد منه الرشد.
ومن فوائدها: أن الرشد يختلف باختلاف مواضعه، فالرشد في المال إحسان التصرف فيه، والرشد في الولاية معرفة ما يجب لها للولاية، إن كانت ولاية سلطان وإمارة فلها رشد معين، وإن كانت ولاية نكاح فالرشد في الولي أن يعرف الكفؤ؛ كفؤ المرأة ومصالح النكاح، وإن كان الرشد في معاملة الناس فكذلك أيضًا له رشد يخصه، ويجمع هذا كله إحسانُ التصرف، إحسان التصرف فيما يتصرف فيه هذا هو الرشد، وضده إساءة التصرف.
ومن فوائد الآية الكريمة: الحث على المبادرة بالتوبة؛ لقوله: ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ، بل وجوب المبادرة بالتوبة، ووجهه أن المراد بالقرب هنا الموت، والموت ليس معلومًا وقته، وإذا كان كذلك كانت المبادرة بالتوبة أيش؟ واجبة؛ لأن الإنسان لا يدري ما يعرض له، وهو كذلك، الواجب المبادرة بالتوبة، ولأن الإنسان إذا أصر على المعصية فإنه يقسو قلبه وتكون هذه الصغيرة ولو من صغائر الذنوب تكون كبيرة، ولهذا ذكر بعض العلماء أن التهاون بالمعصيّ والاستمرار على المعصية الصغيرة يجعلها كبيرة، فإذا فعل الإنسان صغيرة تهاونًا بالله وبأوامر الله صارت كبيرة لما قام بقلبه من أيش؟ التهاون بها.
بل وقال: وإذا فعل الكبيرة مع شدة تعظيمه لله عز وجل وخوفه منه وخجله منه لكن سوّلت له نفسه أن يفعلها فإن ذلك يجعلها صغيرة، والرجل الذي كان يُضرب في الخمر لما لعنه أحد الصحابة قال له النبي عليه الصلاة والسلام: «إِنَّهُ يُحِبُّ اللهَ وَرَسُولَهُ» .
فالإنسان العاصي قد يقوم بقلبه من هيبة الله وإجلاله وتعظيمه ما يجعله عند فعل المعصية خجِلًا من الله، مستحيًا منه، فتنقلب الكبيرة صغيرة بما قارنها من خوف الله وتعظيمه وإجلاله؛ لأن الحسنات يذهبن السيئات، والعكس بالعكس، قد يتهاون الإنسان بأمر الله ويعصي الله معصية صغيرة لكنه متهاون غير مبالٍ بعظمة الله، فهذا تكون هذه الصغيرة كبيرة؛ لما قام بقلبه من التهاون في حق الله عز وجل.
ومن فوائد الآية الكريمة: قبول الله للتوبة إذا تاب الإنسان من قريب؛ لقوله: فَأُولَئِكَ يَتُوبُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ.
ومن فوائدها: (...) لله والحكم أيضًا، المفهومة من قوله: وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا.
وقد بيّنّا في التفسير أن علم الله تعالى واسع شامل لكل صغير وكبير وقريب وبعيد، إِنَّ اللَّهَ لَا يَخْفَى عَلَيْهِ شَيْءٌ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ [آل عمران: ٥].
ومن فوائدها: إثبات هذين الاسمين لله، وهما أيش؟ العليم والحكيم.
ثم قال تعالى: وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ، هنا قال: لَيْسَتِ التَّوْبَةُ، ولم يقل: على الله؛ لأن هذه التوبة منتفية شرعًا فهي ليست حقيقية، لَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ، السيئات يحتمل أن يراد بها الجنس، وهو الأظهر، أو الجمع؛ لأنه ظاهر اللفظ.
حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الْآنَ، هؤلاء لا توبة لهم؛ لأن توبتهم توبة ضرورة، كالمكره على العمل، والمكره على العمل لا حكم لعمله كما هو معروف؛ لأن من أكره على الكفر وقلبه مطمئن بالإيمان لم يُحكم بكفره، كذلك هذا الذي تاب بعد أن أيس من الدنيا وأيقن أنه راحل، فإن هذه التوبة لا تنفعه، حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الْآنَالآن عندما شاهد الموت يتوب، أي توبة صادقة لشخص علم أنه قد فارق الدنيا؟!
وهذا نظير قوله صلى الله عليه وسلم من بعض الوجوه: «خَيْرُ الصَّدَقَةِ أَنْ تَصَدَّقَ وَأَنْتَ صَحِيحٌ شَحِيحٌ تَأْمُلُ الْبَقَاءَ وَتَخْشَى الْفَقْرَ»، تأمل البقاء لصحتك، الصحيح يستبعد الموت، وتخشى الفقر؛ لأنه شحيح، «وَلَا تُمْهِلْ» يعني تأخر، «حَتَّى إِذَا بَلَغَتِ الْحُلْقُومَ قُلْتَ: لِفُلَانٍ كَذَا، وَلِفُلَانٍ كَذَا، وَقَدْ كَانَ لِفُلَانٍ» ، من فلان اللي كان له؟ الوارث، وهذا يقع كثيرًا، إذا أيِس الإنسان من حياته ذهب يوصي: أوصيتك بكذا بأعمال البر، بالصدقة على الفقراء، طبع الكتب، بناء المساجد، طيب قبل عشرة أيام ما توصي؟ لأنه الآن أيس من حياته وعلم أنه مفارق لا محالة.
قال: وَلَا الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ، قال: وَلَا الَّذِينَ يَمُوتُونَالواو حرف عطف، و(لا) زائدة للتوكيد، والَّذِينَمعطوفة على قوله: لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ، يعني: وليست التوبة أيضًا للذين يموتون وهم كفار، الذين يموتون وهم كفار لا توبة لهم.
وظاهر الآية مشكل؛ لأن من مات انقطع عمله، فكيف يقول: وَلَا الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ؟ نقول: المراد بذلك ندمهم يوم القيامة، حيث يندمون ويقولون: يَا لَيْتَنَا نُرَدُّ وَلَا نُكَذِّبَ بِآيَاتِ رَبِّنَا وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ [الأنعام: ٢٧]، قال الله تعالى: بَلْ بَدَا لَهُمْ مَا كَانُوا يُخْفُونَ مِنْ قَبْلُ وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ [الأنعام: ٢٨]، فتوبة الكافر بعد الموت يراد بها ندمه الذي يظهره يوم القيامة، فإن ذلك لا ينفعه؛ لأن وقت العمل انتهى، ما بقي إلا وقت الجزاء، فلا تنفعه.
أُولَئِكَ أَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا، أُولَئِكَالمشار إليه الكفار الذين ماتوا على الكفر، أعد الله لهم عذابًا أليمًا، أما من مات على ما دون الكفر فهذا أمره إلى الله؛ إن شاء عذّبه وإن شاء غفر له، فإعداد النار إنما هو للكافرين، أما العصاة فقد يُعْفَى عنهم ولا يدخلون النار أبدًا.
في هذه الآية عدة فوائد؛ الفائدة الأولى: أن التوبة تنقطع باحتضار المرء، أي بحضور الموت؛ لقوله: حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الْآنَ.
ومن فوائدها: أن المحتضَر لا حكم لقوله، لا حكم لقوله، هكذا؟ أو نقول: لا حكم لقوله الذي يستعتب به؛ لأنه في هذه الحال ليس وقت استعتاب، أما لو قال قولًا آخر فإنه يعتبر؟ الجواب: الأول، المحتضر لا عبرة بقوله؛ لأنه غير كامل الشعور، فلا يعتد بقوله.
ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أنه يشترط لصحة التوبة أن تكون في الزمن الذي تُقبل فيه التوبة، وذلك قبل حضور الموت، وحينئذ يحسن بنا أن نأتي على شروط التوبة، وقد تتبعناها فوجدناها خمسة:
الشرط الأول: الإخلاص لله عز وجل، بأن لا يكون الحامل له على التوبة إلا محبة الله والقرب إليه والخوف من عذابه، لا لينال شيئًا من الدنيا أو يدفع عنه مذمة في الدنيا، إنما يحمله على التوبة الإخلاص لله عز وجل.
الثاني: الندم، الندم على ما فعل من الذنب، فإن تاب بلا ندم فتوبته إما فاسدة؛ لعدم تمام شروطها، أو ناقصة جدًّا، وقد أورد بعض العلماء على هذا الشرط إشكالًا، وهو أن الندم انفعال، والإنسان يفعل ولا ينفعل، كيف يندم؟
والجواب عن ذلك سهل جدًّا: الندم أن يشعر بنفسه أنه أساء فيحزن ويتمنى أن لم يكن فعل ذلك، هذا هو الندم المراد به، وهذا شيء ممكن، هذا شيء ممكن، ولهذا أرشد النبي عليه الصلاة والسلام إلى أن الانفعال قد يملكه الإنسان، فقال: «لَيْسَ الشَّدِيدُ بِالصُّرَعَةِ، وَإِنَّمَا الشَّدِيدُ الَّذِي يَمْلِكُ نَفْسَهُ عِنْدَ الْغَضَبِ» ، مع أن الغضب انفعال، إذا وجد سبب واستثار الإنسان ما يستطيع، لكن مع ذلك يمكن أن يملك نفسه، فكذلك أيضًا بعث الانفعال ممكن، فتهدئة الانفعال ممكن وبعثه أيضًا ممكن.
الشرط الثالث: الإقلاع؛ الإقلاع عن الذنب، فإن لم يقلع فتوبته كاذبة، وهو إلى الاستهزاء بالله أقرب منه إلى تعظيم الله، كيف يقول إنه تائب من شرب الخمر وهو مدمن عليه؟ كيف يقول إنه تائب من الربا وهو مُصِرّ عليه؟ هذا استهزاء بالله عز وجل، لو أنك أتيت ملكًا من الملوك وقلت: أنا تائب، أنا تائب ما أسبّك ولا أقول: بك شيء، لكنه من حين ما يجد غفلة من الملك ولو بتكليم من إلى جنبه يقول ولو بالإشارة: هذا ملك لا خير فيه، هل يكون هذا توبة؟ أبدًا ما هو توبة، فكيف بملك الملوك عز وجل؟ كيف تتوب إلى الله من ذنب أنت مصرّ عليه؟ هذا لا يمكن.
فإذا قال قائل: نرى بعض الناس يقول: وإذا كان الذنب حقًّا لآدمي فلا بد من إيصاله إليه؟ قلنا: هذا الشرط لا يخرج عما قلنا وهو الإقلاع، الإقلاع عن الذنب، إذا كان ذنبك حقًّا لآدمي وأصررت على إضاعة هذا الحق فأنت لم تقلع عن الذنب، فإن كان حق الآدمي إن كان مالًا فأعطه إياه، إن كان دمًا فأعطه إياه، إن كان عرضًا فاستحلله منه، استحلله منه، إذا كان مالًا وقد مات الذي ظلمته فيه، فماذا أصنع؟ ابحث عن ورثته، ابحث عن ورثته، فإن لم تجد وتعذّر عليك فتصدق به، وحينئذ تتصدق به عن الورثة أو عن الميت؟
طالب: يتصدق به عن الميت.
الشيخ: الميت مات.
الطالب: ولكن يبقى له الحق في (...).
الشيخ: إذا مات الميت ينتقل الحق إلى من في ماله؟ إلى الورثة، فأن تتصدق به عن الورثة مع الاستغفار من ظلم الميت، مع الاستغفار من ظلم الميت، ولذلك لو أنك أديت هذا المال إلى الورثة فإنك لم تتب توبة تامة حتى تستغفر الله للميت؛ لأنك حقيقة حُلت بينه وبين ماله، طيب إذا كان الحق دمًا مثل أن يكون الرجل قد دعس شخصًا وهرب خوفًا من السلطة ثم ندم وتاب، فماذا يصنع؟ يذهب إلى أوليائه ويقول: هذا اللي حصل، وكذلك لو قتله عمدًا وندم يذهب إلى أوليائه ويقول: قتلت صاحبكم عمدًا.
إذا كان غيبة يعني عِرضًا، يعني قد ظلم شخصًا في عرضه فماذا يصنع؟ قال بعض العلماء: لا بد أن يستحله يذهب إليه ويقول: إني اغتبتك فحلّلني، وهذه المسألة اعترض عليها بعض العلماء وقال: إنه إذا ذهب يقول له إني اغتبتك فحلّلني، ربما تأخذه العزة بالإثم ويقول: لا، ولكن يجب التفصيل، وهو أنه إذا كان قد علم بأنك اغتبته وجب عليك أن تستحله، أما إذا لم يعلم ولا تخشى أن يعلم فإنه يكفي أن تستغفر له على ما جاء في الحديث: «كَفَّارَةُ مَنِ اغْتَبْتَهُ أَنْ تَسْتَغْفِرَ لَهُ» ، فتستغفر له وتذكره بخير في المجالس الذي كنت اغتبته فيها.
الشرط الرابع: أن يعزم على ألا يعود في المستقبل إلى ما تاب منه، فإن كان تاب؛ ندم وأقلع لكن في قلبه أنه لو تمكن من فعل الشيء مرة ثانية فعل، فهذا لم تصح توبته؛ لأنه لم يعزم على أن لا يعود، بل لا بد أن يعزم على ألا يعود، فإن كان يحدّث نفسه بأنه يعني لو حصل له هذا الذنب لعاد إليه فإنه لم يتب.
ويجب أن تعرفوا الفرق بين قولنا: العزم على ألا يعود، أو: شرط ألا يعود، هذا ليس بشرط ألا يعود، الشرط أن يعزم ألا يعود، والفرق بينهما ظاهر؛ لأنك إذا قلت: يشترط العزم على ألا يعود، وعزم ألا يعود ثم سوّلت له نفسه بعد ذلك فعاد، فإن التوبة الأولى صحيحة، لكن لو قلت: يشترط ألا يعود، فإنه إذا عاد بعد ذلك فتوبته غير صحيحة، ولكن العلماء يقولون: يشترط أن يعزم لا يعود.
الشرط الخامس: أن تكون التوبة في وقت تُقبل من التائب، فإن كانت في وقت لا تقبل منه كما لو حضر الأجل أو طلعت الشمس من مغربها فإن التوبة لا تُقبل، قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: «لَا تَنْقَطِعُ التَّوْبَةُ حَتَّى تَنْقَطِعَ الْهِجْرَةُ، وَلَا تَنْقَطِعُ الْهِجْرَةُ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ مِنْ مَغْرِبِهَا» ، فإذا تاب الإنسان عند طلوع الشمس من مغربها أو عند حلول الأجل لم تُقبل منه.
وهذا فرعون لما أدركه الغرق أسلم بل آمن، قال: آمَنْتُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ [يونس: ٩٠] يعني الله عز وجل، لكنه لم يصرح باسم الله، وإنما قال: آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَمبالغة في التذلُّل واتباعه لبني إسرائيل بعدما كان أيش؟ مستعليًا عليهم متكبرًا عليهم، الآن صار تابعًا لهم، إِلَّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَالمسلمين لله، فقيل له: آلْآنَتتوب؟ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَكُنْتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ، نسأل الله أن يمن علينا وعليكم بالتوبة قبل حلول الأجل.
واختلف العلماء رحمهم الله: هل يشترط لقبول التوبة أن ينزع عن جميع المعاصي أو لا يشترط؟
طالب: لا يشترط.
الشيخ: أقول: اختلفوا، أنت من الذين يقولون: لا يشترط، فمنهم من قال: يشترط، أي: ينزع عن جميع المعاصي، وأن من تاب من الزنا وهو يرابي فإن توبته من الزنا لا تُقبل؛ لأن التوبة الحقيقية هي التي تملأ قلب العبد خشية لله وتعظيمًا لله، والذي يتوب من ذنب وهو مصرّ على الآخر لا يتحقق في حقه ذلك.
ومنهم من فصّل وقال: إن كان الذنب الذي أصرّ عليه من جنس الذنب الذي تاب منه فإنه لا تقبل توبته، وإن كان من غير جنسه فإنها تقبل، مثال ذلك: لو تاب من النظر إلى النساء النظر المحرم، ولكنه يلمس النساء لمسًا محرمًا، فهنا الجنس واحد، فلا تُقبل توبته من النظر؛ لأنه يمارس جنسه، فالنفس إذن متعلقة بهذا الجنس (...) ولم تقلع عنها، أما إذا كان من غير جنسه فلا بأس؛ (...) ويزني أو يشرب الخمر فتوبته من الربا صحيحة مقبولة، ولو تاب من شرب الخمر وهو مصرّ على الزنا فتوبته منه مقبولة.
والصحيح أن التوبة من الذنب تُقبل مع الإصرار على غيره، لكنه لا يستحق -أعني التائب- وصف التوابين، الوصف المطلق، وإنما هو تائب توبة مقيدة، بأيش؟ بهذا الذنب المعين، فالوصف المطلق للتائبين لا يستحقه، لكن وصفه بالتوبة من هذا الذنب وهو وصف مقيد يثبت له؛ لأن هذا هو العدل، والله عز وجل أمر بالعدل والقسط، وهو سبحانه وتعالى أهل العدل والقسط، وهذا القول هو الصحيح.
وابن القيم رحمه الله في مدارج السالكين لما تكلم على هذه المسألة قال: وبعد، فإن هذه المسألة لها غور بعيد. يعني أنها ليست بالأمر الهين الذي تُلقى أحكامه على اللسان؛ لأن لها تعلقًا بالقلوب، والقلوب حساسة كالكرة على سطح الماء تهتز لا يمسكها شيء، فالمسألة في الحقيقة لها غور عظيم، وأصل التوبة تعظيم الله عز وجل وإجلاله والخشية منه والخوف منه، فإذا تحقق للإنسان هذا هانت عليه التوبة، وأما مع عدم ذلك فالتوبة عليه صعبة -نسأل الله أن يتوب علينا وعليكم-.
طالب: أن التوبة إذا حضر الإنسان الأجل لا تقبل توبته في قصة أبي طالب (...) النبي صلى الله عليه وسلم وكان قد حضره الأجل (...)؟
الشيخ: هذا أورد السؤال يقول: إذا كانت التوبة لا تنفع عند حضور الأجل فما الجواب عن قول الرسول صلى الله عليه وآله وسلم لعمه أبي طالب: «قُلْ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، كَلِمَةً أُحَاجُّ لَكَ بِهَا عِنْدَ اللهِ» ؟
والجواب على ذلك: أن هذه قضية عين، فكما أن أبا طالب ينتفع بشفاعة الرسول عليه الصلاة والسلام دون غيره من الكافرين فقد ينتفع بإسلامه دون غيره من التائبين في هذه الحال، هذه واحدة، الوجه الثاني: أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم لم يجزم بأنها تنفعه، ماذا قال؟ «أُحَاجُّ»، والمحاجّ قد تُقبل حجته وقد لا تُقبل، فإذا كان هذا الحديث لا يدل على أنها تقبل جزمًا فإنه من المتشابه الذي يُحمل على المحكم، وأن التوبة في هذه الحال لا تُقبل.
طالب: شيخنا، (...) في قوله تعالى يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهَالَةٍ(...) بالسفاهة (...) بمعنى الجهالة كما هو ظاهر الآية؟
الشيخ: لا، الجهل لا يسمى جهالة.
طالب: الله عز وجل ما وصف (...) قال: يعلم السوء، لأنه أصلًا ما هو عامل يا شيخ ولكن لا (...) مسيء.
الشيخ: نحن نجيب على هذا بجوابين؛ الجواب الأول سبق؛ وهو أن العامل للسوء بجهل الذي هو ضد العلم لا يؤاخذ به أصلًا، فلا تلزمه التوبة منه، والثاني: أن الجهالة لا تطلق على الجهل الذي هو ضد العلم، بل هي بمعنى السفاهة.
طالب: يا شيخ، قضية اليهودي الذي قال له النبي صلى الله عليه وسلم لما قال: لا إله إلا الله، قبل احتضاره: «الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْقَذَهُ بِي مِنَ النَّارِ» أيضًا قضية عين يا شيخ؟
الشيخ: هذه قضية عين، ولا ندري هل إن اليهودي هذا قد حضره الأجل أو أنه قريب منه.
طالب: شيخ، قوله تعالى يا شيخ: وَلَا الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌقلنا: ندم الكفار يوم القيامة لا ينفع فهل (...)؟
الشيخ: لا، لا ينفع.
الطالب: مفهوم الآية يا شيخ؟
الشيخ: حتى (...) المؤمنين؛ لأن التوبة إذا كانت تنقطع بحضور الأجل فما بعده من باب أولى.
طالب: شيخ، أحسن الله إليكم، الآن بعض الفساق اللي يشربون الخمر ويرابون (...) منها لا توبةً إلى الله وخشية منه وإعظامًا، فهل يوصفون بالفسق؛ لاستمرارهم على ما هم عليه ولم يعطّلوا التوبة الظاهرة؟
الشيخ: نعم، سمعتم؟ يقول: من الناس الذين يرابون أو يشربون الخمر أو يزنون قد يتركون هذا الشيء لا توبة إلى الله ولكن مللًا منه، فهل يوصفون بالفسق؟ نقول: أما باطنًا هم فساق، وأمًا ظاهرًا فلا؛ لأننا لا نحكم إلا بالظاهر، حتى وإن وجدت قرينة.
والدليل على ذلك حديث أسامة بن زيد رضي الله عنه حين لحق المشرك، فلما أدركه قال المشرك: لا إله إلا الله، فقتله متأوِّلًا، فلما بلغ النبي عليه الصلاة والسلام قال له: «قَتَلْتَهُ بَعْدَ أَنْ قَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ؟»، قال: نعم، قال: «قَتَلْتَهُ؟»، قال: نعم، قال: «مَا تَفْعَلُ بِلَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ إِذَا جَاءَتْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ» ، ما زال يكرر عليه: قتلته، بعد أن قال: لا إله إلا الله، حتى قال: تمنيت أني لم أكن أسلمتُ بعد، نحن الآن نوافق أسامة على أيش؟ على أن الرجل قالها تعوذًا كما قال أسامة، قالها تعوذًا من القتل، لكن مع ذلك لم نجعل (...) مانعة من الحكم بالظاهر.
طالب: قوله: لا إله إلا الله، أليست توبة؟
الشيخ: هي توبة إذا كان صادقًا.
طالب: أنه (...).
الشيخ: ليست توبة.
***
طالب: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، وَإِنْ أَرَدْتُمُ اسْتِبْدَالَ زَوْجٍ مَكَانَ زَوْجٍ وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَارًا فَلَا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئًا أَتَأْخُذُونَهُ بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا (٢٠) وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ وَقَدْ أَفْضَى بَعْضُكُمْ إِلَى بَعْضٍ وَأَخَذْنَ مِنْكُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا [النساء: ٢٠-٢١].الشيخ: قال الله تعالى: وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الْآنَ [النساء: ١٨].
من فوائد هذه الآية: (...) لو تاب يوم القيامة لم ينفعه توبته؛ لقوله: وَلَا الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ.
ومن فوائدها: وجوب المبادرة بالتوبة؛ لأن الله علّق قبولها على أمد لا يُعلم، فإذا كان كذلك وجب (...) بها.
ومن فوائد الآية الكريمة: أن الله سبحانه وتعالى أعد للكافرين الذين يموتون على الكفر (...).
ومن فوائدها: بطلان قول من يقول: إن أهل النار يتكيفون بها (...) فلا يضرهم حرّها؛ لأن الله قال: عَذَابًا أَلِيمًا، ولو كان الأمر كما ذكروا (...).
ثم قال: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّسَاءَ كَرْهًاإلى آخره، سبق لنا أن الخطاب إذا ابتدئ بالنداء فإنه دليل على أهميته والعناية به، وسبق لنا أنه إذا صُدِّر بهذا الوصف يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواكان دليلًا على أن امتثاله من مقتضيات الإيمان، وأن مخالفته (...)، وسبق لنا أيضًا أن فيه دليلًا على اتخاذ الاسم المغري بالشيء -يعني الحاثّ على الشيء- لقوله: (...) كأنه يغريهم على قبول ما سيوجَّه إليهم؛ لأن الوصف إذا ذُكر على وجه يهيج الإنسان كان هذا إغراء به، كما تقول: يا أيها الكريم لا تبخل على الضيف، يا أيها الرجل لا تغلبك النساء، فإن هذا يوجب الإنسان أن يأخذه الحماس حتى يمتثل.
يقول: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّسَاءَ كَرْهًا، ونفي الحل يقتضي التحريم، والمحلِّل (...) هو الله عز وجل؛ ولهذا (...) بالتحريم وأحيانًا بنفي الحل، ففي هذه الآية قال: لَا يَحِلُّ، وسيأتي بعدها بآيات التصريح بالتحريم في قوله: حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ [النساء: ٢٣].
يقول: لَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّسَاءَ كَرْهًا، كَرْهًايعني: كُرهًا عليهن بحيث لا يرضين بذلك وأنتم تجبرونهن على هذا الميراث، (...) الميراث هل معناه أنهم يرثونهن كما يرثون المال، بمعنى أنهم يسترقونهن؟ أو أنهم يخلُفون أزواجهن فيهن دون تملّك؟ الثاني؛ لأنهم ليسوا يرثون النساء كما يرثون المال، بل يرثون النساء، أي: يخلُفون أزواجهن فيهن، فسمّاه الله ميراثًا، مَن خلف غيره في شيء فهو وارث له، قال الله تعالى: إِنَّا نَحْنُ نَرِثُ الْأَرْضَ وَمَنْ عَلَيْهَا [مريم: ٤٠]، مع أنه عز وجل مالك لها من قبل، ومالك لمن عليها (...) أنه يُفني من عليها ويبقى هو سبحانه وتعالى، وقال تعالى عن زكريا: هَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا (٥) يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ [مريم: ٥، ٦] أي: يخلفني في قومي في العلم والنبوة، وليس يرثه ميراث ميعاد، وذلك لأن الأنبياء لا يوَرِّثون، إذن لَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّسَاءَ كَرْهًا، أي: تخلفوا أزواجهن فيهن كرهًا.
وقوله: كَرْهًاهذا القيد (...)، وإذا كان لبيان الواقع فلا يدل على أنهن لو رضين أن يخلف الرجال أزواجهن فإن ذلك جائز؛ لأن هذا لا يجوز إلا بعقد نكاح شرعي، وذلك أنهم كانوا (...) إذا مات الرجل جاء ورثته من بعده ومنعوا المرأة أن تتزوج (...)، وإذا كانوا من بني عمه اختارها أحدهم فتزوجها قهرًا عليها وعدوانًا، فلهذا نهى الله عنه، قال: لَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّسَاءَ كَرْهًا، وعلى هذا فيكون القيد بيانًا للواقع، وما كان بيانًا للواقع فإنه لا مفهوم له، وعلى هذا فلا يحل أن (...) اختيارهم.
قال: وَلَا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ مَا آتَيْتُمُوهُنَّ، هذه مسألة أخرى تشابه ما سبق، لَا تَعْضُلُوهُنَّأي: لا تمنعوهن حقوقهن فتلجئوهن إلى (...)، لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ مَا آتَيْتُمُوهُنَّ، وهذا يقع كثيرًا من بعض الأزواج الظلمة، يعضل زوجته فيمنعها، فإذا ضاقت به ذرعًا اضطرت إلى أن تفتدي نفسها منه، لماذا؟ أخذًا لما أعطاها من قبل إما الكل وإما البعض.
وقوله: وَلَا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ مَا آتَيْتُمُوهُنَّلو قال قائل: لو عضلها ليأخذ كل ما أعطاها فهل يدخل في النهي؟ (...) لأنه من باب أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ، وفي قراءة: {مُبَيَّنَةٍ}، يعني إلا أن يأتين بفاحشة مبينة فلكم، وما هي الفاحشة المبينة؟ الفاحشة المبينة فيها أقوال:
قيل: إنها (...)، فإذا زنت فله أن يعضلها من أجل أن تفتدي منه؛ لأن (...) زانية، ولا تطيب نفسه أن يطلقها هكذا فيذهب ماله، فله في هذه الحال أن (...) ويمنعها حقها من أجل أن تخالع أو تفتدي نفسها منه.
(...) المراد بالفاحشة المبينة بذاءة اللسان؛ أن تكون سليطة اللسان عليه وعلى أهله، (...) فإن ذلك مستفحَش عرفًا، فإذا حصل من المرأة هذا فله أن يعضلها حتى تفتدي منه.
وقيل: المراد سوء العشرة، بحيث لا تعطيه حقه على وجه الرضا والانبساط والانشراح، إذا دعاها إلى فراشه (...) وتتعسر ويحمر وجهها ويصفر ولا تجيب، إذا أمرها بحاجة (...) هذه الحاجة التي يجب عليها أن تبذلها فهذا من الفاحشة المبينة.
وهذا الأخير يشمل القولين قبله؛ لأنه لا شك من سوء العشرة أن تخدع المرأة زوجها فتزني -والعياذ بالله- ولا شك أيضًا أن من سوء العشرة بذاءة اللسان وطول اللسان، فعليه يكون المعتمد أن المراد بالفاحشة المبينة أيش؟ سوء العشرة بأي شيء يكون؛ سواء مما يستفحَش شرعًا كالزنا، أو عرفًا، مع أن الزنا يستفحَش عرفًا وشرعًا.
وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِهذه الجملة الثالثة عَاشِرُوهُنَّأي النساء، بِالْمَعْرُوفِ، أي: بما يتعارفه الناس ولا ينكره الشرع، والمعاشرة مفاعلة تكون من الجانبين؛ لأن الغالب أن الفعل الذي يكون مصدره مفاعلة أنه واقع من الجانبين، هذا الغالب، كجاهد مجاهدة، قاتل مقاتلة، ياسر مياسرة، عاسر معاسرة، عاشر معاشرة؛ وقد لا يكون من الجانبين كسافر مسافرة؛ فإن هذا السفر لا يكون إلا من واحد.
عَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِأي: ليعاشر كل منكم الآخر بالمعروف، أي: بما يتعارفه الناس ولا ينكره الشرع، انتبه، بما يتعارفه الناس ولا ينكره الشرع، فإن كان مما يتعارفه الناس ولكن الشرع ينكره فإنه لا يجوز، ليس بمعروف بل هو منكر، هل المراد المعاشرة بالقول والفعل والبذل؟ بالقول بأن يلين القول لها وتلين القول له، وبالفعل؛ الخدمة وما أشبهها، وبالبذل؛ بذل النفقات من كسوة وطعام وشراب ومسكن وقضاء دين، ما تقولون؟
طلبة: لا.
الشيخ: لا، لا يلزمه قضاء دينها، ولا يلزمها قضاء دينه، اللهم إلا أن تستدين لنفقة واجبة عليه فإن استدانت لنفقة واجبة عليه وجب عليه قضاء هذا الدين؛ لأنه لازم له.
وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ فَإِنْ كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا، يعني: قد يكره الإنسان الزوجة فلا يعاشرها بالمعروف؛ لأنه من طبيعة الإنسان أنه إذا كره شيئًا لا ينقاد له ولا يفرح به، فيقول الله عز وجل: إِنْ كَرِهْتُمُوهُنَّلسوء أخلاقهن أو لغير ذلك.
فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا، وهذا إشارة إلى أننا نصبر، إلى أن نصبر عليهن، يعني: فاصبروا، إن كرهتموهن فاصبروا، فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًالا تتوقعونه، ومن الخير أن يقدّر الله بينهما ولدًا صالحًا، فإن هذا من أعظم الخيرات، ومن الخير أيضًا أن يقلب الله أحوالها وصفاتها التي كان يكرهها من أجلها إلى أحوال وصفات يرضاها، وحينئذ يطمئن إليها ويعيش معها عيشة حميدة.
في هذه الآية من الفوائد، أولًا: تحريم إرث النساء على وجه يكرهنه كما يجري في الجاهلية؛ لقوله: لَا يَحِلُّ لَكُمْ.
ومن فوائدها أيضًا: أن نفي الحِل يراد به التحريم، يراد به التحريم، وذلك لأن نفي الشيء إثبات لضده.
ومن فوائدها: أنه لو ورث المرأة على وجه ترضى به فلا بأس، لكنه مقيد بأيش؟ برضا الشرع، مقيد برضا الشرع، فلو تزوج بعد موت ابن عمه الذي (...) زوجة ابن عمه، فإن ذلك لا بأس به، ولو تزوج زوجة أخيه بعد موته برضاها وبعقد شرعي، زوجة أخيه، لا بأس، ولو تزوج زوجة جده؟ فلا بأس!
طلبة: محرمة.
الشيخ: محرمة؟ إذن الجد ليس أخًا.
طالب: الجد أب يا شيخ.
الشيخ: ما هو مر علينا بالميراث؟
طالب: على غير القول الراجح.
الشيخ: على غير القول الراجح، تمام.
ومن فوائد هذه الآية الكريمة: تحريم عضل المرأة بغير حق لتفتدي نفسها؛ لقوله: وَلَا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ مَا آتَيْتُمُوهُنَّ.
ومن فوائدها وهي محل المناقشة: الإشارة إلى أنه لا ينبغي أن يكون الخلع بأكثر مما أعطاها؛ لقوله: بِبَعْضِ، ولكن قد يناقَش في هذه الفائدة فيقال: إن الله نهى عن العضل ليذهب ببعض ما آتاها؛ لبيان أن العضل لأخذ شيء منها ولو قَلّ حرام، وليس فيه التعرض لما إذا أخذ أكثر أو أقل، وقد سبق لنا في تفسير سورة البقرة خلاف العلماء في هذا، هل يجوز للإنسان في الخلع أن يأخذ أكثر مما أعطاها أو لا يجوز، وبيّنّا أن المسألة فيها ثلاثة أقوال: الجواز، والتحريم، والكراهة.
ومن فوائد هذه الآية الكريمة: جواز، بل تنويع الخطاب؛ لقوله في الأول: لَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّسَاءَ كَرْهًا، وفي الثاني: وَلَا تَعْضُلُوهُنَّ، هذا إذا جعلنا (لا) ناهية، فإن جعلناها نافية للتوكيد وجعلنا تقدير الآية: ولا أن تعضلوهن لتذهبوا، صار الكلام على نسق واحد، صح؟ الآية محتمِلة لأن تكون (لا) ناهية، و تَعْضُلُوهُنَّمجزومة بـ (لا) الناهية، وأن تكون الواو حرف عطف و(لا) زائدة للتوكيد، وتَعْضُلُوهُنَّمعطوفة على قوله: أَنْ تَرِثُوا النِّسَاءَ، يعني: ولا أن تعضلوهن، فإن كان الأول ففيه اختلاف في الأسلوب، وإن كان الثاني فالأسلوب على نسق واحد، ولكن لا شك أنه من الفصاحة والبيان والبلاغة أن يتنوع الأسلوب والخطاب إذا اقتضت البلاغة ذلك.
ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن الصداق للمرأة؛ لقوله: آتَيْتُمُوهُنَّ، أي: أعطيتموهن، وهو كذلك، وقد مر علينا في أول السورة ما هو واضح جدًّا بأن الصداق حق للمرأة في قوله: وَآتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً، وعلى هذا فإذا كانت مكلَّفة رشيدة فالأمر إليها فيما لو أسقطت عن زوجها بعض المهر أو كل المهر، ولا اعتراض لأحد عليها، وأيضًا لا يحل لأحد أن يأخذ من المهر شيئًا، لا اختيارًا ولا غصبًا، إلا بعد أن يتم العقد وتملك الزوجة مهرها فلها حينئذ أن تتبرع بما شاءت لمن شاءت إذا كانت أهلًا للتبرع، كذا؟ طيب.
ومن فوائد الآية الكريمة: أن سوء العشرة مبيح لعضل المرأة لتفتدي نفسها، من أين تؤخذ؟ من قوله: إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ، يعني: فلكم أن تعضلوهن لتذهبوا ببعض ما آتيتموهن.
ومن فوائد الآية الكريمة: وجوب معاشرة المرأة بالمعروف؛ لقوله: وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ.
ومن فوائدها أيضًا: اعتبار العرف، اعتبار العرف في إحالة الحكم إليه، في إحالة الحكم إليه؛ لقوله: بِالْمَعْرُوفِ، وقد أحال الله تعالى إلى العرف في مواضع متعددة، مثل قوله تعالى: وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ [البقرة: ٢٣٣]، ولكن هذا المعروف الذي هو العرف لا يُعتمد ولا يُرجع إليه إذا كان مخالفًا لمعروف الشرع؛ لأن الشرع محكَّم وحاكم على العادة.
ومن فوائد هذه الآية: الإشارة إلى أنه ينبغي للزوج أن يصبر إذا رأى من زوجته ما يكره، فإن العاقبة قد تكون حميدة؛ لقوله: فَإِنْ كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرً.
ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أنه وإن كان الحكم ورد في كراهة الزوجة فالعلة عامة، كثيرًا ما يكره الإنسان الشيء ويجعل الله سبحانه وتعالى عاقبته حميدة نافعة له، وهذا أمر مشاهَد محسوس، وقد تكون العاقبة غير حميدة، لكن الغالب أن وعد الله يتحقق.
فإن قال قائل: (عسى) هنا هل هي للتحقق أو للرجاء؟
طالب: للرجاء.
الشيخ: قال العلماء: (عسى) من الله واجبة، يعني إذا قال الله: عسى، فالأمر واجب يقع، قالوا: ومن ذلك قوله تعالى: فَأُولَئِكَ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَعْفُوَ عَنْهُمْ وَكَانَ اللَّهُ عَفُوًّا غَفُورًا [النساء: ٩٩]، وذلك لأن الرجاء في حقه عز وجل غير وارد؛ إذ إنه هو المتصرف المدبر، والرجاء إنما يكون ممن لا يملك الشيء فيرجوه من غيره، وعلى هذا فتكون الآية وعدًا من الله أن مَن صبر ابتغاء وجه الله على ما يكرهه واحتسابًا لثواب الله بأن يجعل الله فيه خيرًا كثيرًا فإنه يتحقق له هذا الوعد، فإن تخلّف هذا الوعد فلوجود أيش؟ لوجود مانع، وإلا فإن وعد الله حق.
ومن فوائد هذه الآية الكريمة: إثبات وصف الله عز وجل بالجَعل، من أين تؤخذ؟ وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا، وقد بيّنّا فيما مضى أن الجَعل كوني وأيش؟ وشرعي، وأكثر ما في القرآن الكوني أو الشرعي؟ الكوني، أكثر ما في القرآن الجعل الكوني، مِن الشرعي؟
طلبة: جَعَلَ اللَّهُ الْكَعْبَةَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ.
الشيخ: جَعَلَ اللَّهُ الْكَعْبَةَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ قِيَامًا لِلنَّاسِ وَالشَّهْرَ الْحَرَامَ [المائدة: ٩٧]، مع أن هذا يحتمل أن يكون جعلًا كونيًّا، ومن ذلك قوله تعالى: مَا جَعَلَ اللَّهُ مِنْ بَحِيرَةٍ وَلَا سَائِبَةٍ وَلَا وَصِيلَةٍ وَلَا حَامٍ [المائدة: ١٠٣]، أي: ما جعلها شرعًا وإن كان جعلها قدرًا، وكذلك قوله: أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًاهذه مرت علينا قريبًا.
ومن فوائد هذه الآية الكريمة: جواز ثبوت الكراهة بين الرجل المسلم وأخيه؛ لقوله: فَإِنْ كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا، فأثبت الله الكراهة شرطًا وتحقيقًا.
ولا شك أن هذا وارد؛ أن الإنسان قد يكره أخاه المسلم، ولكنه مأمور إذا وجد من قلبه كراهة لأخيه المسلم أن يفكر لأي سبب كرهته؛ إذا كان لأمر شرعي فلينصح أخاه عن هذا الشيء حتى يزول فتزول الكراهة، وإذا كان لغير أمر (...)، بل مجرد كراهة كما يقع، فعليه أن يعالج نفسه عن هذا الداء؛ لأن من أوثق عرى الإيمان المحبة في الله، فإذا كان كذلك ووجد أنه يكره هذا الرجل كراهة يعني عادية ما هو لخلل في دينه أو خلقه فعليه أن يعالج هذا الداء حتى يزيل عن قلبه كراهة إخوانه، فَإِنْ كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًاثم قال، طيب الآن جاء دور الأسئلة.
طالب: أحسن الله إليكم، ما هو الجمع بين قول الله عز وجل: إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍفتبين بأنه إذا ظهرت الفاحشة فلا بأس أن يرجع الإنسان فيما أعطاها من مهر..
الشيخ: ما هو أن يرجع، أن يعضلها لتفتدي.
الطالب: أن يعضلها لتفتدي، وبين قول النبي صلى الله عليه وسلم على عويمر العجلاني رضي الله عنه حين قال: مالي، قال: «إِنْ كُنْتَ صَادِقًا فَهُوَ بِمَا اسْتَحْلَلْتَ مِنْ فَرْجِهَا» ، مع أنه كان قد رماها بالزنا، فجعل النبي صلى الله عليه وسلم المال حقًّا لها (...)؟
الشيخ: الرجل ما أراد أن يعضلها؛ لأنه جرى اللعان بينهما وانتهى أمره.
الطالب: لكن أراد الوصول لماله؟
الشيخ: إيه ما (...) ماله؛ لأنه ليس مجرد زناها (...) ماله، لو أنها صبرت على عضله ولم تهتم، من قال: يرجع بماله؟! لكن هو إذا عضلها لم تصبر فتفتدي.
الطالب: التي في الآية أيضًا استحل فرجها.
الشيخ: إي نعم.
الطالب: كيف (...)؟
الشيخ: ما يرجع بماله.
الطالب: يعضلها لم؟
الشيخ: يعضلها لتفتدي، وقد لا تفتدي.
الطالب: (...).
الشيخ: لا، قد لا تفتدي؛ لأنه إذا قلنا: إن الزنا سبب موجب لرجوعه بماله صار مجرد الزنا يرجع بماله، أما إذا قلنا: يعضلها من أجل أن تضيق به ذرعًا فتفتدي، فنقول: ربما تصبر عليه ولا يهمها.
طالب: بعض الصفات التي توجب وجود الكراهة في قلب الإنسان لأخيه قد لا تكون ظاهرة، فإذا مثلًا أنكر هذا الأخ على أخيه هذه الصفات قد يرد عليه بشيء قد يزيد هذه الكراهة، يقال: ليس فيّ هكذا، أو أنت تتهمني، أو أنت كذا، أو قد يكون فيه صفات خفية تظهر يعني ما يوجب الكراهة له، أو يوجب أن يكون في قلب الأخ لأخيه شيء، كيف (...) الأمر في نفسه وفي أخيه الآخر؟
الشيخ: إذا كان أمرًا شرعيًّا، كرهه لأمر شرعي لا بد أن ينبه عليه، إلا إذا كان هذا الأمر الشرعي مما يسوغ فيه الاجتهاد وخالفه فيه من أجل اجتهاده فهذا لا وجه للكراهة، لا تكرهه على هذا الشيء.
الطالب: طيب أمور الكسل وما أشبه ذلك.
الشيخ: ما هي أمور الكسل؟
الطالب: يصير الرياء، قد يظهر بعضهم الرياء.
الشيخ: ما تعلم؛ لأن الرياء محله القلب، ولا يجوز أن تتهم أحدًا بأنه مراءٍ؛ لأن اتهام المؤمن بالمراءاة من خلُق المنافقين، الَّذِينَ يَلْمِزُونَ الْمُطَّوِّعِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فِي الصَّدَقَاتِ وَالَّذِينَ لَا يَجِدُونَ إِلَّا جُهْدَهُمْ [التوبة: ٧٩]، المنافق يلمز، إن تصدق الغني بالكثير قال: هذا مرائي، وإن جاء بقليل قال: هذا بخيل، فهم يلمزون المطّوّعين ويلمزون الذين لا يجدون إلا جهدهم.
ومسألة النيات يا إخواني تراه ما هي هينة، يعني لا يجوز أن تحكم على شخص أنه نوى شيئًا محظورًا لأنه خطر، وأنا قلت أكثر من مرة: نتعرض إلى قضية من؟ قضية أسامة بن زيد حين لحق المشرك بالسيف، فلما أدركه قال المشرك: لا إله إلا الله، فظن أسامة أنه قالها تعوذًا كما نظن نحن أيضًا، فضربه بالسيف فقلته، ثم أخبر النبي صلى الله عليه وآله وسلم بذلك، قال: «قَتَلْتَهُ بَعْدَ أَنْ قَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ؟»، قال: نعم يا رسول الله، لكنه قالها تعوذًا، ثم جعل يكرر: «أَقَتَلْتَهُ بَعْدَ أَنْ قَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ؟»، وهو يقول: قالها تعوذًا، قال: «كَيْفَ تَصْنَعُ بِلَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ إِذَا جَاءَتْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ؟» ، مع أن ظاهر الحال أيش؟ أنه قالها تعوذًا؛ لأنه هارب، الرجل هارب، لو كان يعني مخلصًا ولا يدان لوقف وقال: لا إله إلا الله من الأصل، ومع ذلك أنكر النبي عليه الصلاة والسلام على أسامة، حتى قال أسامة: تمنيت أني لم أكن أسلمت بعد. يعني: تمنيت أني قتلته وأنا كافر لأجل إذا تبت من الكفر أيش؟ غُفِر لي ما قد سلف.
طالب: شيخ قلنا: (...) معناها فاحشة مبينة أنها تحمل معاني أنها سوء الأدب أو سوء العشرة، طيب يا شيخ إذا قلنا: إن سوء العشرة غير الزنا يا شيخ، شيخ ما يشرع إذا كان كذا يشرع له الطلاق (...) الزنا..
الشيخ: لا، الزنا لا شك أنه أشد شيء.
الطالب: حتى لغويًّا في معنى الفاحشة، لكن الأصل في معنى الفاحشة اللغوي هو الزنا.
الشيخ: لكن ما يُستفحش شرعًا أو عرفًا هذه الفاحشة، والزنا لا شك أنه أعظمها، لكن إذا كانت بذيئة اللسان وخاصة عليها سبعين ألف، أما نعم لو كان الصداق مثل صداق الأولين، نعم ريال ولا كبدة خروف ولا ما أشبه ذلك، كان لا بأس.
طالب: هل ثبت عن رسول الله أن لم يكن فاحشًا متفحشًا.
الشيخ: إي نعم.
طالب: شيخ ذكرتم أن التفسير طاعة الزوج واجبة إذا أمرها بشيء لا بد تفعله، ما قيدته يا شيخ بالود والإحسان، طاعة الوالدين قيدته بالإحسان؟
الشيخ: لا لا، تفعله بالمعروف، بالمعروف ما هو بكل شيء.
طالب: يعني مثلًا يقول: البسي كذا وكذا.
الشيخ: لا مسألة التجمل لا هذا عاد ربما نقول: يجب عليها، لكن مسألة إن بيقول: تعالي احفري بئر ما يلزمها تحفر بئر.
طالب: بالنسبة إلى قولنا: إن معنى الفاحشة يعني سوء العشرة، فماذا يكون معنى مبيّنة؟
الشيخ: إي نعم، يعني بمعنى أن تكون هذه سوء العشرة بينة واضحة، وهذه لا تكون إلا بالتكرار، يعني لأيش؟ لأن المرأة قد تكون في ساعة من الساعات صدرها ضائق لسبب خارجي ولا تحسن العشرة مع الزوج.
طالب: وهذه كل التي في القرآن يا شيخ؟
الشيخ: كيف؟
طالب: (فاحشة مبينة) التي في القرآن هل هي في كل موضع بحسبه ولّا..؟
الشيخ: لا لا، في كل موضع بحسبه.
طالب: ليست بمعناها يعني..
***
طالب: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم وَإِنْ أَرَدْتُمُ اسْتِبْدَالَ زَوْجٍ مَكَانَ زَوْجٍ وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَارًا فَلَا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئًا أَتَأْخُذُونَهُ بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا (٢٠) وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ وَقَدْ أَفْضَى بَعْضُكُمْ إِلَى بَعْضٍ وَأَخَذْنَ مِنْكُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا (٢١) وَلَا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَمَقْتًا وَسَاءَ سَبِيلًا [النساء: ٢٠ - ٢٢].الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، مر علينا أن الله نهى عن عادة كانوا يعتادونها في الجاهلية بالنسبة للنساء؟
طالب: وِرث النساء يعني يرثون النساء.
الشيخ: يرثون النساء، كيف إرثهم للنساء؟
الطالب: إذا مات الرجل أخذ المورّث نساءه.
الشيخ: الوارث.
الطالب: الوارث أخذ نساء الميت.
الشيخ: نعم تزوجها أو حبسها ليزوجها بني عمه أو ما أشبه ذلك.
قوله: وَلَا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ مَا آتَيْتُمُوهُنَّما معنى الآية؟
طالب: العضل هو أن (...) أو يقسو عليها حتى تفتدي، أي يأخذ ما أعطاها بالعضل، يضيّق عليها حتى تفتدي.
الشيخ: ويش معنى العضل؟
الطالب: التضييق عليها.
الشيخ: لا.
طالب: فيضربها.
الشيخ: لا.
طالب: لا تمنعوا حقوقهن.
الشيخ: العضل يعني المنع، لا تعضلوا حقوقهن لتضيقوا عليهن فيفدين أنفسهن بمال، ما المراد بالفاحشة البيّنة؟
طالب: فيها أقوال؛ منهم من قال: الزنا، ومنهم من قال: بذاءة اللسان، ومنهم من قال: سوء العشرة.
الشيخ: نعم.
الطالب: والأخير يشمل النوعين قبله.
الشيخ: يشمل ما قبله، إذن يجمعها سوء العشرة، والزنا من سوء العشرة؛ لأنه خيانة للزوج.
قوله: عَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِويش معنى عَاشِرُوهُنَّ؟
طالب: عاشروهن أي تبادلوا..
الشيخ: تبادلوا العشرة.
الطالب: بالمعروف والكلام الطيب.
الشيخ: والمعاشرة المصاحبة والمقارنة، المعنى تبادلوا معهن العشرة بالمعروف.
ما المراد بالمعروف؟
طالب: المعروف ما عُرف، كل أمر وافق الشرع.
الشيخ: ما عرفه الشرع وأقرّه، وكذلك ما عرفه العرف، إلا أن يخالف الشرع.
مرّ علينا أنه يجوز للإنسان أن يكره الشخص ولو كان مسلمًا.
طالب: الدليل؟
الشيخ: إي نعم.
الطالب: فَإِنْ كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا.
الشيخ: هذه الكراهة هل هي كراهة دينية ولّا كراهة طبيعية؟
الطالب: طبيعية.
الشيخ: كراهة طبيعية، كما يكره الإنسان نوعًا من الطعام مثلًا. ما هو الذي وعد الله به من الخير الكثير فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيراً؟
طالب: عساه أن يكرهها فيريد أن يفارقها فيمسكها فيجعل الله في إمساكه لها خيرًا كثيرًا.
الشيخ: ما نوع الخير، هل أحد من السلف ذكر نوعه؟
الطالب: أن يصلحها الله سبحانه وتعالى وتأتي له بأولاد يعني كل ما..
الشيخ: بأولاد صالحين، تأتي له بأولاد صالحين؟
الطالب: نعم، كل ما (...).
الشيخ: هل في الآية ما يدل على أنه ينبغي للإنسان أن يصبر على الزوجة وألا يتعجل في طلاقها؟
طالب: نعم في قوله: فَإِنْ كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا(...) ويصبر عليها.
الشيخ: منين نعرف إن الأفضل أن يبقيها؟
طالب: لأنه قال: فَإِنْ كَرِهْتُمُوهُنَّوجعل (...) كلام أن الله عز وجل (...).
الشيخ: لكن ألا يجوز أن يكون المعنى: إن كرهتموهن وطلقتموهن فعسى أن تكرهوا شيئًا ويجعل الله فيه خيرًا كثيرًا لهذا المطلَّق؟
طالب: ما يصير؛ لأن الآية فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ، الضمير يعود لأقرب مذكور.
الشيخ: وهي؟
الطالب: وهي المرأة.
الشيخ: طيب، كرهها وطلقها وتزوجت آخر وأتت من الآخر بأولاد صالحين ونفع الله بهم.
الطالب: قال الله: وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ، ما يجعل في غيره.
الشيخ: إي، فيه في نفس المرأة، نفس المرأة طلّقها وتزوجت واحد.
طالب: قوله سبحانه وتعالى: عَسَى، (عسى) هذه تدل على أن الصبر من الزوجة موجب أن يعوضها الله الخير؛ لأنها من الله سبحانه وتعالى بمعنى وجوب.
الشيخ: إي نعم، لكن ألا يقول قائل: فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًالنفس المرأة؛ تزوج إنسانًا ويكون خيرًا منه؟
الطالب: لا يا شيخ، ما يمكن..
الشيخ: لماذا؟
الطالب: لأن الله عز وجل يخاطب الزوج ويأمره بالإمساك، والزوج لا يستفيد إذا أتت المرأة من رجل آخر بأولاد (...) زوج آخر.
الشيخ: عَاشِرُوهُنَّهذه دليل على أن المخاطب الأزواج، فَإِنْ كَرِهْتُمُوهُنَّولم تعاشروهن بالمعروف فاصبروا، ولهذا قدمنا في التفسير أن التقدير: فإن كرهتموهن فاصبروا، فعسى أن تكرهوا شيئًا ويجعل الله فيه خيرًا كثيرًا.
ذكرنا أن الجَعل من الله عز وجل يكون كونيًّا ويكون شرعيًّا، هل عندك من دليل على هذا؟
طالب: الشرعي مَا جَعَلَ اللَّهُ مِنْ بَحِيرَةٍ وَلَا سَائِبَةٍ.
الشيخ: مَا جَعَلَ اللَّهُ مِنْ بَحِيرَةٍ وَلَا سَائِبَةٍ، لكن لو قال لك قائل: هذا جعل كوني؟
الطالب: لا شك أن الجعل الشرعي يستلزم الجعل الكوني.
الشيخ: يعني إذن ما جعل الله كونًا من بحيرة.
الطالب: لا، نحن نقول: إن الجعل الشرعي يستلزم الجعل الكوني.
الشيخ: لا ما هو بيستلزم.
الطالب: وكيف يعني الجعل الشرعي بدون جعل كوني؟
الشيخ: بس هذا نفى نفى، قال: مَا جَعَلَ اللَّهُ.
الطالب: شرعًا.
الشيخ: ما جعل الله شرعًا؟ لكن لو قال لك قائل: ما جعل الله قدرًا؟
الطالب: ما يمكن هذا.
الشيخ: لماذا؟
الطالب: إذا هو لم (...) شيء كيف ينفيه؟ الشيء المعدوم لا يُنفى.
طالب آخر: لأنه لو كان الشيء قدرًا كان ما أوجد.
الشيخ: صح، يقول: هو مجعول، في الجاهلية عندهم البحيرة والسائبة والحام والوصيلة فهو مجعول قدرًا. طيب الجعل القدري مثاله؟
طالب: قوله تعالى: وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ لِبَاسًا (١٠) وَجَعَلْنَا النَّهَارَ مَعَاشًا [النبأ: ١٠، ١١].
الشيخ: وَجَعَلْنَا النَّهَارَ مَعَاشًا، (جعلنا) هذا جعل كوني، بارك الله فيك.
ما الفرق بين الجعل الكوني والشرعي؟
طالب: الجعل الكوني يكون فيما يحبه الله وفيما ما لا يحبه.
الشيخ: هذا واحد.
الطالب: ولا بد من وقوعه.
الشيخ: ولا بد من وقوعه، والشرعي؟
الطالب: والشرعي فقد يقع وقد لا يقع، ولا يكون إلا فيما يحبه الله.
الشيخ: المجعول يكون محبوبًا إلى الله، والمنفي يكون مكروهًا إلى الله، مثل: مَا جَعَلَ اللَّهُ مِنْ بَحِيرَةٍ.
***
ثم قال الله عز وجل: وَإِنْ أَرَدْتُمُ اسْتِبْدَالَ زَوْجٍ مَكَانَ زَوْجٍ وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَارًا فَلَا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئًا، إِِنْ أَرَدْتُمُيعني: اخترتم، الإرادة هنا بمعنى المشيئة والاختيار، وقوله: اسْتِبْدَالَ زَوْجٍيعني أخذ زوج مكان زوج، يعني: أردتم أن تطلقوا الزوجة الأولى وتأخذوا بدلًا عنها زوجة جديدة.
وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَارًا، إِحْدَاهُنَّالأولى أو الثانية؟ إحداهن، الآية مبهمة، الآية مبهمة، لكن ما دام الأمر فيه بدل فإن المبدل منه هو الأولى، يعني: وآتيتم إحداهن وهي الأولى، على أنه يصح أن يكون للثانية بأن يتزوج ثانية ولكن لا يرغب فيها ويريد أن يطلقها، فتكون الآية عامة لهذا ولهذا.
وقوله: آتَيْتُمْبمد الهمزة..





