تفسير سورة النساء - 13
عدد الزيارات 2183

عناصر المادة :
تفسير الآية (32)
تفسير الآية (33)
تفسير الآيتين (34-35)

دليل ذلك أن إبراهيم قال: رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتَى قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي [البقرة: ٢٦٠] ليزيد ثباتًا وإيمانًا، وأنت بنفسك تحس أن إيمانك بالشيء يزداد في القلب، فإذا جاءك مخبر بخبر وهو عندك ثقة آمنت بخبره، فإذا جاء آخر مثله وأخبرك بنفس الخبر ازداد إيمانك لا شك، ولو أخبر بعكسه ضعف إيمانك الأول الذي أخبرك به الثقة، أليس كذلك؟ هذا شيء مشاهد.
كذلك أيضًا بالنسبة لمراقبة الله عز وجل، مراقبة الله، يجد الإنسان من نفسه أحيانًا أن قلبه حاضر بين يدي ربه وأنه في أحلى ما يكون، وألذ ما يكون، وأنه قد ذاق طعم الإيمان حتى يتمنى أنه لا يكون إلا في هذا السرور، ولا يريد لا دنيا ولا آخرة، ما يرى أحسن ولا أطيب من الساعة التي هو فيها، سواء كان في الصلاة أو كان في قراءة القرآن أو في تدبر سيرة النبي عليه الصلاة والسلام.
أحيانًا تستولي عليه الغفلة فيصلي بنفس القراءة التي قرأها بالأمس ولكن قلبه حجر ما يلين، والوقت هو الوقت، والمكان هو المكان، والعمل هو العمل.
يصلي الإنسان في آخر الليل، ليلة يجد لذة عظيمة في هذه الصلاة ويحس أنه قرب من الله عز وجل، وليلة أخرى بالعكس يرى أنه في شيء محسوس ما يذق معنى من المعاني، أيهما أشد إيمانًا: بالأمس، أو باليوم؟ بالأمس أشد بكثير، حتى الصحابة قالوا: يا رسول الله، إذا كنا عندك وسمعنا ما تقول، فإننا كأننا نرى رأي العين، ولكن إذا ذهبنا وعافسنا الأهل والأولاد نسينا؟ فقال: «لَوْ كُنْتُمْ عَلَى مَا تُكُونُونَ عَلَيْهِ عِنْدِي لَصَافَحْتُكُمُ الْمَلَائِكَةُ وَلَكِنْ سَاعَةٌ وَسَاعَةٌ» ساعة وساعة.
إذن فالإيمان يزيد حسًّا، يزيد حسًّا بلا شك، ولكن الطاعة لا شك أنها تزيد في الإيمان بشرط أن تكون مصحوبة بعمل القلب، أما عمل الجوارح إذا لم يكن مصحوبًا بعمل القلب، فإنه لا يزيد في الإيمان وربما ينقص في الإيمان -والعياذ بالله- لأنه يصبح عبثًا، لكن إذا كانت أعمال الجوارح مصحوبة بعمل القلب من الخوف والرغبة واحتساب الثواب، فإنه بلا شك يزداد قلبه بالطاعة؛ لهذا يجب النظر في هذه المسألة.
من الذين قالوا: لا يزيد ولا ينقص؟ طائفتان من الناس بل ثلاث طوائف: المرجئة قالوا: لا يزيد ولا ينقص؛ لأن الأعمال الصالحة وغير الصالحة لا دخل لها في الإيمان، فالناس عندهم في الإيمان شيء واحد كالمشط، كما قال ابن القيم في النونية قال:

وَالنَّاسُ فِي الْإِيمَانِ شَيْءٌ وَاحِــــــــــــــدُ كَالْمُشْطِ عِنْدَ تَمَاثُلِ الْأَسْنَانِ

المشط أسنانه متماثلة، فالناس عندهم سواء، وما هو الإيمان عندهم بعد؟ ما هو الإيمان؟ مجرد التصديق والإقرار، حتى الشيطان عندهم مؤمن؛ لأنه مصدق، ولهذا قال ابن القيم:
اسْأَلْ أَبَا الْجِنِّ اللَّعِينَ أَتَعْرِفُ الْـ خَلَّاقَ أَمْ أَصْبَحْتَ ذَا نُكْرَانِ

وأبو الجن اللعين يعرف الخلاق ولَّا لا؟ يعرفه ويدعوه يقول: رب أنظرني، ومع ذلك هو أكفر خلق الله.
الطائفة الثانية التي خالفت: الخوارج، وما أدراك ما الخوارج! أصحاب الأعمال الظاهرة وخراب القلوب الباطنة، الخوارج يقولون: ما فيه، إذا فعل الإنسان الكبيرة خرج من الإيمان وأبيح دمه وماله؛ لأنه كافر مرتد، فعندهم أن الإيمان لا يزيد، إما أن يوجد كله، وإما أن يعدم كله، إن سلم الإنسان من الكبائر والإصرار على الصغائر وقام بالواجبات والمفروضات فمعه أيش؟ الإيمان كله كامل، وإن أتى كبيرة واحدة انهدم الإيمان كله، هؤلاء من؟ الخوارج.
الطائفة الثالثة: المعتزلة أشبهوا الخوارج من جهة أن الإيمان لا يزيد ولا ينقص، لكنهم لا يقولون بكفر فاعل الكبيرة، يقولون: الإيمان لا يزيد ولا ينقص، إما مؤمن كامل، وإلا ليس بمؤمن ولا كافر، فاعل الكبيرة عندهم ليس بمؤمن ولا كافر؛ لأنهم نظروا بعين عوراء، نظروا إلى أن معه أصل الإيمان، قالوا: راح منه الإيمان بالكبيرة، ولكنه معه أصل الإيمان فلا نقول: إنه كافر، ولا نقول: إنه مؤمن، نقول: في منزلة بين منزلتين، وين المنزلة؟ أين هي في القرآن والسنة؟ أحدثوها، قالوا: كما لو خرج رجل من مكة متجهًا إلى المدينة ووقف في أثناء الطريق، ماذا يكون؟ ليس في مكة ولا في المدينة، في منزلة بين منزلتين. لكن اتفقوا مع الخوارج في أنه يكون مخلدًا في النار، فأحكامه في الآخرة كأحكامه عند الخوارج.
أما أهل السنة والجماعة -نسأل الله أن يثبتنا وإياكم على قولهم إلى الممات- فقالوا: لا، الإيمان يزيد وينقص، والكفر درجات، والإنسان قد يكون معه خصال إيمان وخصال كفر، ولا يخرج فاعل الكبيرة من الإيمان، بل صِفْهُ بأنه إما مؤمن بإيمانه فاسق بكبيرته، أو بأنه مؤمن ناقص الإيمان، لا تعطيه الاسم المطلق ولا تسلبه مطلق الاسم، قلْ: معه إيمان ناقص، أو هو مؤمن بإيمانه فاسق بكبيرته، وهذا هو العدل والميزان: أن يوصف الإنسان بما يقتضيه عمله من إيمان أو كفر.
من فوائد الآية الكريمة: أن الصغائر تقع مكفرة باجتناب الكبائر؛ لقوله: إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ [النساء: ٣١]، فإن لم يجتنب الكبائر يؤخذ بالصغائر؟
الطلبة: نعم.
الشيخ: نعم، يؤخذ بالصغائر، لكن الكبائر والصغائر تحت المشيئة ما لم تكن كفرًا.
إذن ما الفائدة من قولنا: يؤخذ بها؟ الفائدة أنه يجتنب الكبائر جزمنا بأن الله كفَّر عنه الصغائر، وإذا لم يجتنب الكبائر فهو تحت المشيئة والخطر.

***

طالب: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم وَلَا تَتَمَنَّوْا مَا فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبُوا وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبْنَ وَاسْأَلُوا اللَّهَ مِنْ فَضْلِهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا (٣٢) وَلِكُلٍّ جَعَلْنَا مَوَالِيَ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدًا (٣٣)} [النساء: ٣٢ - ٣٣].

الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، بسم الله الرحمن الرحيم، من فوائد الآية: إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ.
من فوائدها: إثبات عظمة الله عز وجل؛ لقوله: نُكَفِّرْوَنُدْخِلْكُمْ؛ لأن (النون) هنا للتعظيم، وقد قال النصراني الخبيث: إن هذا يدل على تعدد الآلهة؛ لأن الضمير هنا للجمع، فنحن أحق بالحق منكم أيها الموحدون، فنقول له: إن هذا من باب التعظيم، وأنت قد طبع الله على قلبك، وغفلت عن قول الله تعالى: وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ [البقرة: ١٦٣].
ومن فوائد هذه الآية الكريمة: سعة فضل الله سبحانه وتعالى؛ وذلك لتكفير السيئات باجتناب كبائر الذنوب، وإلا لو جازى الناس بالعدل لعاقبهم على الصغائر وعلى الكبائر، كل منها بحسبه، الكبائر عقوبتها شديدة، والصغائر دون ذلك، ولكن من فضله عز وجل جعل الصغائر مكفرة باجتناب الكبائر، وهذا من أثر قوله سبحانه وتعالى في الحديث القدسي: «إِنَّ رَحْمَتِي سَبَقَتْ غَضَبِي» .
ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن من كفر الله عنه السيئات فهو من أهل الجنة؛ لقوله: وَنُدْخِلْكُمْ مُدْخَلًا كَرِيمًا.
ومن فوائدها: بيان أن الجنة هي أعلى ما يكون، بل هي من المداخل الكريمة، والكريم كل شيء بحسبه، فكرائم الأموال أحاسنها، وكرائم المساكن أحاسنها، قال النبي صلى الله عليه وسلم لمعاذ بن جبل: «فَإِيَّاكَ وَكَرَائِمَ أَمْوَالِهِمْ» .
تفسير الآية (32)
00:13:19

ثم قال تعالى: وَلَا تَتَمَنَّوْا مَا فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍلَا تَتَمَنَّوْا(لا) ناهية، وجزم الفعل بها بحذف النون، ومَا فَضَّلَمفعول تَتَمَنَّوْا، فما هو التمني؟ التمني: الطمع فيما يعسر نيله أو يتعذر نيله، هذا التمني، الطمع فيما يتعسر أو يتعذر نيله، كقول الشاعر:
أَلَا لَيْتَ الشَّبَابَ يَعُودُ يَوْمًا فَأُخْبِرَهُ بِمَا فَعَلَ الْمَشِيــــــــــــبُ

هذا طمع فيما يتعذر نيله، وقول الفقير: يا ليت لي مالًا فأتصدق منه، هذا الطمع فيما يتعسر نيله، وقد يطلق التمني ويراد به الرجاء، مطلق الرجاء بأن يطمع الإنسان في أمر يسهل نيله وإن كان لا يحصله، لكنه يسهل نيله لو شاء الله.
فقوله: لَا تَتَمَنَّوْاأي: لا تطمعوا في أمر فضل الله به بعضكم على بعض، وقوله: فَضَّلَ اللَّهُأي: زاد، بِهِ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍسواء كان ذلك في العلم، أو في المال، أو في الولد، أو في الجاه، أو في الملك، أو في غير ذلك، لا تتمنى ما فضل الله به غيرك عليك؛ لأن الفضل بيد من؟ بيد الله يؤتيه من يشاء.
ثم قال: لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبُوا وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبْنَلِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبُوا، وذلك النصيب هو ما يعطيهم الله إياه من الثواب على الأعمال الصالحة، وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبْنَأي: من الأعمال الصالحة لهن نصيب، كل بحسب ما قدر الله له، فللرجال الجهاد، وللنساء حفظ البيوت، هناك فرق بين الجهاد وحفظ البيوت، لكن من الذي فضل هؤلاء بهذا وهؤلاء بهذا؟ أو من الذي خص هؤلاء بهذا وهؤلاء بهذا؟ هو الله، إذن ما دام الأمر إلى الله، فالله سبحانه وتعالى حكم عدل يعطي كل واحد من الجنسين ما يليق به.
وسيأتي أيضًا بيان ما فضل الله به الرجال في قوله: الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ [النساء: ٣٤].
فالمهم أن ما فضل الله به بعض الناس على بعض -سواء بسبب الذكورة أو بسبب الغنى أو العلم أو الصحة أو المال أو غير ذلك- فهو من فضل الله، لا تتمنى ما فضل الله به غيرك عليك.
ثم قال: وَاسْأَلُوا اللَّهَ مِنْ فَضْلِهِاسْأَلُواوقراءة: {سَلُوا اللَّهَ}، كلاهما قراءتان سبعيتان، وَاسْأَلُوا اللَّهَ مِنْ فَضْلِهِأي: من الذي فضل بعضكم على بعض اسألوه، وإذا سألتم الله من فضله أعطاكم، فمثلًا إذا رأيت شخصًا قد فضلك في المال، فلا تتمنَّ هذا المال الذي أعطاه الله هذا الرجل، ولكن اسأل الله من فضله، وجدت رجلًا فضلك في العلم لا تتمنَّ هذا العلم الذي أعطاه الله غيرك، ولكن اسأل الله من فضله وخلِّ علمه يبقى له، وماله يبقى له في المسالة الأولى.
وَاسْأَلُوا اللَّهَ مِنْ فَضْلِهِالسؤال هنا سؤال عطاء ولَّا سؤال علم؟
طلبة: ويش سؤال العطاء؟
الشيخ: سؤال العطاء أن تسأله، أي طلب منه أن يعطيه مالًا، كما في قوله تعالى: لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ [الذاريات: ١٩]، وسأله: استخبره، يعني سؤال علم، يعني يريد أن يخبره، فهل هذا سؤال مال أو سؤال علم؟
الطلبة: سؤال عطاء.. سؤال مال.
الشيخ: سؤال عطاء، أي سؤال مال، يعني: اسألوا الله أن يعطيكم، فهو سؤال عطاء، وعدلنا عن قولنا: سؤال المال؛ لأن الإنسان قد يسأل الله غير المال، كالعلم والجاه والذكاء والعقل وما أشبه ذلك.
وَاسْأَلُوا اللَّهَ مِنْ فَضْلِهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًاالجملة هذه استئنافية، والدليل على أنها استئنافية أن همزة (إن) كسرت، وهمزة (إن) تكسر في الابتداء، وعلى هذا فهي جملة استئنافية لبيان قطع التمني، أي: تمني الإنسان ما فضل الله به غيره عليه، يعني: أن ما فضل الله به الغير فهو صادر عن علم بأن هذا المفضل أهل للتفضيل، فالرجال أهل للجهاد، أهل لحماية الأوطان، أهل لحماية الدين، وما أشبه ذلك، بخلاف النساء فإنهن قاصرات.
في هذه الآية فوائد كثيرة؛ منها: نهي الإنسان أن يتمنى ما فضل الله به غيره عليه؛ لقوله: وَلَا تَتَمَنَّوْا، وهل النهي للتحريم؟ الجواب: نعم، هو للتحريم؛ لأن هذا النوع من التمني هو الحسد، هو الحسد بعينه؛ لأنه قال: مَا فَضَّلَ اللَّهُولم يقل: مثل ما فضل الله، لو قال: لا تتمنوا مثل، صار في المسألة إشكال، وصار أول الآية يناقض آخرها في قوله: وَاسْأَلُوا اللَّهَ مِنْ فَضْلِهِ، لكن معنى: لا تتمنوا أن ما فضل الله به الغير يكون لكم ويحرم إياه الغير، وعلى هذا فنقول: النهي هنا للتحريم، وهذا النوع هو الحسد.
ولكن ليعلم أن تمني ما أعطاه الله الغير ينقسم إلى ثلاثة أقسام: القسم الأول: أن يتمنى زواله لغير أحد. والثاني: أن يتمنى زواله لغيره؛ لغير المتمني. والثالث: أن يتمنى زواله لنفسه، فما هو الذي في الآية هنا؟ الأول أو الثاني أو الثالث؟
طلبة: الثاني.
الشيخ: لا، وَلَا تَتَمَنَّوْا مَا فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ.
طلبة: الثالث.
الشيخ: الثالث، لا شك أنه هو الثالث، يتمنى ما أعطى الله غيره من الفضل، ولكن الأول والثاني معلومان من أدلة أخرى: أنه يحرم على الإنسان أن يتمنى زوال نعمة الله على غيره، سواء تمنى أن تزول إلى شخص أو أن تزول مطلقًا، وهذا هو الحسد عند جمهور أهل العلم، وقال شيخ الإسلام رحمه الله: إن الحسد كراهة ما أعطى الله هذا الرجل من فضله، سواء تمنى زواله أم لم يتمنَّ زواله، فإذا كرهت ما ينعم الله به على غيرك فهذا هو الحسد.
ومن فوائد هذه الآية الكريمة: حكمة الله سبحانه وتعالى في العطاء والمن؛ حيث يفضل بعضًا على بعض، ولا شك أن هذا صادر عن حكمة وليس مجرد اختيار، خلافًا لمن أنكر حكمة الله وقال: إن فعله لمجرد الاختيار، بل هو –الاختيار- لاختيار صادر عن حكمة.
ومن فوائد هذه الآية الكريمة: إثبات أن الأحكام تدور مع عللها؛ لقوله: لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبُوا وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبْنَ، فنصيب الرجال يليق بهم، ونصيب النساء يليق بهن.
ومن فوائد الآية الكريمة: جواز أن يتمنى الإنسان مثل ما فضل الله به غيره عليه، وجهه قوله: اسْأَلُوا اللَّهَ مِنْ فَضْلِهِ، فنحن لا نقول لك: لا تتمنَّ أن يعطيك الله مثل ما أعطى فلانًا، نقول: لا بأس، ولكن لا تتمنَّ ما أعطاه الله فلانًا، وبينهما فرق.
ومن فوائد هذه الآية الكريمة: الفرق بين الجنسين: الرجال، والنساء، وقد قيل: إن الآية نزلت بسبب قول بعض النساء لما أنزل الله تعالى: لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ [النساء: ١١]، فقال بعضهن: يا ليتني ذكرًا حتى يكون لي مثل الذكر ولا أنقص عنه . وسواء صح هذا السبب أم لم يصح فإن الآية تدل على أن بين الجنسين فرقًا، خلافًا لمن يحاول أن يجعل الجنسين على حكم واحد، بل يحاول أن يفضل النساء على الرجال.
ومن فوائد الآية الكريمة: سعة فضل الله عز وجل وكرمه؛ لقوله: وَاسْأَلُوا اللَّهَ مِنْ فَضْلِهِ، فهو سبحانه وتعالى لم يأمرنا بالسؤال إلا ليعطينا؛ لأنه لو أمرنا بالسؤال من غير أن يعطينا لكان هذا أيش؟ عبثًا لا فائدة منه، ولكنه عز وجل كريم هو الذي يتعرض لعباده يقول: اسألوني؛ وَاسْأَلُوا اللَّهَ مِنْ فَضْلِهِ.
وينبغي في السؤال أن يكون على الأدب المطلوب، وذلك بأن تسأل الله سبحانه وتعالى سؤال مفتقر لا مستغنٍ، هذه واحدة، تسأل الله سبحانه وتعالى سؤال من يثق بربه وأنه قادر، لا سؤال تجربة، سؤال من يثق بالله وأنه قادر على الإعطاء، سؤال من يثق بوعد الله وأنه يعطي السائل ما سأله.
وينبغي أن يختار الإنسان الأزمان والأماكن والأحوال التي تكون سببًا في الإجابة، مثال الأزمان: آخر الليل، وما بين الأذان والإقامة، ومثال الأماكن أيش؟
طلبة: السجود.
الشيخ: لا.
طلبة: مكة والأماكن الفاضلة.
الشيخ: نعم، أن يكون في الأماكن الفاضلة.
ومثال الأحوال: حال السجود، حال السفر، حال نزول المطر، فينبغي أن يختار الإنسان ما يكون أقرب إلى الإجابة.
خامسًا: أن يكون مجتنبًا للحرام؛ لأن أكل الحرام حائل يمنع من قبول الدعاء؛ لأن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: «إِنَّ اللَّهَ طَيِّبٌ لَا يَقْبَلُ إِلَّا طَيِّبًا، وَإِنَّ اللَّهَ أَمَرَ الْمُؤْمِنِينَ بِمَا أَمَرَ بِهِ الْمُرْسَلِينَ، فَقَالَ تَعَالَى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَاشْكُرُوا لِلَّهِوَقَالَ تَعَالَى: يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا، ثُمَّ ذَكَرَ الرَّجُلَ يُطِيلُ السَّفَرَ أَشْعَثَ أَغْبَرَ يَمُدُّ يَدَيْهِ إِلَى السَّمَاءِ: يَا رَبِّ، يَا رَبِّ، وَمَطْعَمُهُ حَرَامٌ، وَمَلْبَسُهُ حَرَامٌ، وَغُذِيَ بِالْحَرَامِ قَالَ: فَأَنَّى يُسْتَجَابُ لِذَلِكَ» ، (أنى) هذه استفهام استبعادٍ، يعني: بعيد أن يستجاب لهذا الرجل.
سادسًا: أن لا يعتدي في الدعاء، قال الله تعالى: ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ [الأعراف: ٥٥]، فإن اعتدى في الدعاء بأن سأل ما لا يحل له، بل بأن سأل ما يمتنع شرعًا أو قدرًا فإنه لا يجاب.
لو سأل إثمًا بأن قال -والعياذ بالله-: اللهم يسر له امرأة، يزني بها، أو كأس خمر يشربه، فهذا لا يستجاب له، عدوان، استهزاء بالله عز وجل، هذا لا يمكن أيش؟ شرعًا، لا يمكن قبوله؛ لأنه ممتنع شرعًا.
ممتنع قدرًا مثل أن يقول: اللهم اجعلني نبيًّا؛ لأن هذا ممتنع قدرًا بخبر الله، لا لأنه مستحيل لذاته، هو غير مستحيل لكن بخبر الله صار مستحيلًا؛ لقوله تعالى: مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ [الأحزاب: ٤٠]، كل هذه آداب ينبغي للإنسان أن يراعيها في الدعاء.
ومن فوائد هذه الآية الكريمة: إثبات عموم علم الله؛ لقوله: إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا.
ومن فوائدها: الاقتناع بما حكم الله به شرعًا أو قدرًا، كيف ذلك؟ لأني إذا علمت أنه صادر عن علم اقتنعت، قلت: لولا أن المصلحة في وجود هذا الشيء ما فعله الله؛ لأن الله سبحانه وتعالى لا يفعل إلا عن علم، فيزيدني هذا اقتناعًا بما قضاه الله شرعًا أو قدرًا.
ومن فوائدها: وجوب المراقبة، مراقبة الله؛ لأن العاقل إذا علم أن الله سبحانه وتعالى يعلمه فسوف يراقب ربه بلسانه وجنانه وأركانه، بلسانه كيف يراقب الله بلسانه؟
طالب: لا يقول ما حرم الله.
الشيخ: لا يقول ما حرم الله. جنانه؟
طالب: بقلبه لا يؤمن بشيء حرمه الله.
الشيخ: يعني لا يعتقد شيئًا حرمه الله، أو يقول شيئًا حرمه الله بالقلب؛ لأن قول القلب هو حركته وعمله. أركانه: جوارحه.
نسأل الله أن يرزقنا وإياكم الإيمان؛ لأن الإنسان إذا آمن حقيقة بهذا فسيراقب الله؛ لأن الله يعلمه، بل قال تعالى: وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي أَنْفُسِكُمْ فَاحْذَرُوهُ [البقرة: ٢٣٥].
تفسير الآية (33)
00:31:13

ثم قال الله تعالى: وَلِكُلٍّ جَعَلْنَا مَوَالِيَ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَلِكُلٍّجار ومجرور متعلق بـجَعَلْنَا، وهو المفعول الثاني مقدمًا، ومَوَالِيَالمفعول الأول.
وقوله: لِكُلٍّهذه من الكلمات التي لا تقع إلا مضافة لفظًا أو تقديرًا، أما لفظًا فهو كثير فَسَجَدَ الْمَلَائِكَةُ كُلُّهُمْ [الحجر: ٣٠]، وأما تقديرًا فيُقدَّر مضاف إليه مناسب للمقام، فما هو المناسب في هذا؟ تقدير: ولكل أحد جعلنا موالي، ولكل أحد من الذكور والإناث.
جَعَلْنَا مَوَالِيَأي: صيرنا، مَوَالِيَجمع (مولى)، والمولى يطلق على عدة معانٍ، منها الناصر، فإن المولى يطلق على الناصر، مثل قوله تعالى: وَإِنْ تَظَاهَرَا عَلَيْهِ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ مَوْلَاهُ وَجِبْرِيلُ [التحريم: ٤] أي: هو ناصره، ويطلق على متولي غيره، يعني الذي يتولى على غيره، مثل: فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَوْلَاكُمْ نِعْمَ الْمَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِيرُ [الأنفال: ٤٠].
ويطلق المولى على المعتق، ويطلق على العتيق، صح؟ يطلق على المعتق؛ لقول النبي صلى الله عليه وآله وسلم: «إِنَّمَا الْوَلَاءُ لِمَنْ أَعْتَقَ» ، ويطلق على العتيق؛ لقوله صلى الله عليه وآله وسلم: «إِنَّ مَوْلَى الْقَوْمِ مِنْهُمْ» أي: عتيقهم.
ويطلق على متولي الأمور من ملك أو أمير أو وزير أو ما أشبه ذلك، ويسمى ولي الأمر أيضًا.
بقي الإطلاق الأخير الذي هو في هذه الآية المولى: من يتولى مالك من بعدك وهو الوارث، ودليله قوله صلى الله عليه وآله وسلم: «فَمَا بَقِيَ فَلِأَوْلَى رَجُلٍ ذَكَرٍ» ، ومنه قوله تعالى: وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ [الأنفال: ٧٥].
جَعَلْنَا مَوَالِيَأي: يلون تركته من بعده؛ ولهذا قال: مَوَالِيَ مِمَّا تَرَكَ.
وقوله: الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَالْوَالِدَانِهذه مبتدأ، وَالأَقْرَبُونَمعطوف عليها وهي بيان للموالي، هذا أحد التفسيرين في الآية، وعلى هذا فيكون الوقف على قوله: وَلِكُلٍّ جَعَلْنَا مَوَالِيَ مِمَّا تَرَكَالْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ.
القول الثاني: أن الوالدان فاعل تَرَكَوَلِكُلٍّ جَعَلْنَا مَوَالِيَ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَأي: جعلنا وارثين من المتروك من الوالدين والأقربين.
والمعنيان متلازمان، لكن أيهما أقرب إلى اللفظ؟ يرى بعض العلماء أن الأقرب الثاني وأن تكون الْوَالِدَانِفاعل تَرَكَ، وَالْأَقْرَبُونَمعطوف عليه، والمعنى: لكل أحد من الناس جعلنا موالي -أي وارثين- من الذي ترك الوالدان والأقربون، فعلى هذا يكون الوالدان موروثين أو وارثين؟ على الأخير موروثين، وعلى الأول وارثين، وكما قلت لكم: المعنيان متلازمان؛ لأنه ما من وارث إلا وله موروث، فسواء قلت: جَعَلْنَا مَوَالِيَ مِمَّا تَرَكَأي: يلونه مما ترك وهم الوالدان والأقربون، أي الوارثون، أو مما ترك الوالدان والأقربون وهم الموروثون.
وقوله: الْأَقْرَبُونَإنما جاءت باسم التفضيل دون (القريبون)؛ لأنه يبدأ في الأقارب بالأقرب فالأقرب.
طالب: المولوية تطلق على المشايخ؟
الشيخ: يمكن تطلق يصح؛ لأنهم يتولون أمور الناس بالعلم.
طالب: وَاسْأَلُوا اللَّهَ مِنْ فَضْلِهِهل هي عائدة على أول الآية أو عائدة على تفضيل الرجال على النساء؟
الشيخ: هي عامة.
الطالب: ما فيه إشكال؟
الشيخ: ما فيه إشكال؛ لأنه قد يعوض المرأة شيئًا آخر إذا نقصت عن الرجل.
طالب: شيخ أحسن الله إليك، قوله: إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُفيه دليل على أن قتل النفس من الكبائر؟
الشيخ: الآية قلت: ما عيَّنت كبيرة من الكبائر، أي كبيرة، ومعلوم أن قتل النفس كبيرة.
طالب: شيخ، هل نقل: تمني زوال نعمة الغير هذا من الحسد؟
الشيخ: ما فيه شك.
الطالب: طيب، كيف أنا يا شيخ نخالف شيخ الإسلام رحمه الله؟
الشيخ: إي نعم؛ لأن كلام شيخ الإسلام كراهة تفضيل الله عز وجل لهذا فيها نوع من الاعتراض على قدر الله عز وجل.
طالب: شيخ، أنا قرأت للشيخ في رسالة ذكر هذا المعنى.
الشيخ: أيهم؟
الطالب: قال: هي تمني زوال النعمة.
الشيخ: لا، قال: هي الكراهة، وقال: هذا أولى من تعريف (...).
طالب: لو أن عبدًا أعتق يا شيخ ثم اشترى عبدًا آخر فأعتقه، فصار الآن هو والي أعلى (...) وله موالي أدنى منه، فقال: وصيت (...)؟
الشيخ: يحمل الموالي على المباشر الأول؟ الأول، طيب إحنا ذكرنا المولى من أسفل، ولسنا بصدد ذكر الإرث هل يرث المولى من الأسفل أو لا يرث؟ المشهور أنه لا يرث، واختار شيخ الإسلام رحمه الله أنه يرث إذا فقدت أسباب الإرث الثلاثة.
طالب: ما رأيكم فيمن يسأل الله سبحانه وتعالى ولكن ليس على ثقة بالإجابة لا سوء ظن بالله ولكن اتهام نفسه؟
الشيخ: لا، ما ينبغي هذا، هذا لا ينبغي منه، بل يجزم؛ ولهذا قال النبي عليه الصلاة والسلام: «لَا يَقُلْ أَحَدُكُمُ: اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي إِنْ شِئْتَ» .
طالب: حفظكم الله، إذا مرت مثل هذه الآية في الصلاة هل يدعو الإنسان؟ وهل يبدأ بالحمد والصلاة على النبي كما مر في الحديث؟
الشيخ: ما تقولون؟ يقول إذا مرت في الصلاة وَاسْأَلُوا اللَّهَ مِنْ فَضْلِهِهل يسأل الله من فضله؟ أو أن هذه مقيدة بحال من الأحوال وهي ما إذا صار في نفس الإنسان أن يتمنى ما فضل الله به غيره؟ على كل حال السؤال من فضله هذه لا شك أنها مشروعة في كل وقت، لكن هل نقول: إن الله قال: وَاسْأَلُوا اللَّهَ مِنْ فَضْلِهِيعني: حينما يقع في قلوبكم تمني ما فضل الله به بعضكم على بعض؟ إذا قلنا هذا فإنه لا يشرع أن يسأل الإنسان من فضله في حال قراءتها.
طالب: إعراب يا شيخ الْوَالِدَانِبأنه مبتدأ على وجه الرفع؟
الشيخ: قلنا: في إعرابها وجهان: الوجه الأول أنها خبر لمبتدأ محذوف، والثاني أنها فاعل تَرَكَ، ويختلف المعنى.
طالب: شيخ، تعريف شيخ الإسلام وهو كراهة ما فضل الله به غيره هل يترتب عليه الإثم مع أنه حديث نفس؟
الشيخ: وإذا كره ذلك فالكراهة ليست حديث نفس، الكراهة عمل قلب كما أن المحبة عمل قلب، فإذا اطمأن إلى الكراهة صار عاملًا، أما لو وقع في قلبه هذه الكراهة ثم دفعها فقال لنفسه: لماذا تحسدين غيرك؟ الحسد من صفات اليهود، والحسد لا يأتي إلا بالنكد، إذا طرده لا بأس صار مثل الوارد الذي يرد على الإنسان ثم يطرده، كالرياء مثلًا، لكن إذا اطمأن إليه وبقي قلبه كارهًا لهذا الشيء، وكلما أنعم الله على عبده بنعمة اعتصر قلبه من شدة الكراهة، فهذا عمل.
طالب: لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبُواالميم هنا تقتضي التبعيض والعمل أنه بعض هذا الشيء؟
الشيخ: ما تقولون؟ يقول: (من) للتبعيض نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبُواومِمَّا اكْتَسَبْنَكذلك، والفضل عند الله لا يضيع؟
طالب: (من) ممكن تكون سببية، بسبب هذا.
الشيخ: طيب، هذا هو لا.
طالب: (من) لا تكون للتبعيض مطلقًا.
الشيخ: هذه لبيان؛ لبيان الجنس، نصيبٌ مِن هذا.
لكن الذي قد يشكل قوله: نَصِيبٌلماذا لا يكون لهم كل ما اكتسبوا؟ إذن الإشكال في كلمة نَصِيبٌ؟
طالب: لا، يا شيخ.
الشيخ: عندك جواب؟
الطالب: نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبُواقد يكون صالح وقد لا يكون صالح.
الشيخ: إذا قال الله: نصيب من كسبهم، فهذا النصيب قد بينه الله.
طالب: التمني في الآية يا شيخ، خاص بالمؤمنين هل يجوز أن أتمني زوال نعمة الكافر؟
الشيخ: إي نعم، لكن لا حسدًا ولكن انتقامًا، هذا لا بأس به.
طالب: بعض المفسرين في قوله تعالى: وَاسْأَلُوا اللَّهَ مِنْ فَضْلِهِبعضهم قيدها بالدنيا وبعضهم بالآخرة، فهل هذا صحيح؟
الشيخ: ويش ودك أنت؟ ماذا تود: أن يكون القول صحيحًا أو غير صحيح؟ الآية عامة.

***

طالب: عَلَيْهِنَّ سَبِيلًا إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيًّا كَبِيرًا.
الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله تبارك وتعالى: وَلِكُلٍّ جَعَلْنَا مَوَالِيَ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدًالما ذكر الله سبحانه وتعالى، بل لما نهى عن تمني ما فضل الله به بعضنا على بعض ومن تفضيل الرجال على النساء في الميراث بين عز وجل أنه جعل لكل من ذكر أو أنثى موالي، و(الموالي) جمع (مولى)، والمولى يطلق على معانٍ متعددة، منها: متولي الأمور، ومنها: الناصر، ومنها: المعتق، ومنها: العتيق، فهو له عدة معانٍ، واللفظة الواحدة إذا تعددت معانيها تسمى عند أهل العلم بالمشترك.
وقد انتقد بعض الناس ولا سيما الزنادقة انتقد اللغة العربية، وقال: إن اللغة العربية فقيرة بسبب الأسماء المشتركة أن تكون معانٍ متعددة للفظ واحد، وأن العرب عجزوا أن يجعلوا لكل معنًى لفظًا مستقلًّا، وهذا القائل جائر، جائر في حكمه؛ لأنه إذا زعم أن الاشتراك في اللفظ فقر وإعواز في اللغة وعجز عن إعطاء كل معنى لفظًا خاصًّا به، فإنه قد أغفل شيئًا آخر ضده وهو الترادف، فإن الترادف فيه إثراء للغة العربية وسعة للغة العربية، حيث تطلق كلمتان فأكثر على معنى واحد، فالإنسان العادل ينظر هذا وهذا.
ثم إن في الأسماء المشتركة دليل على فطنة العرب وذكائهم وحذقهم؛ حيث يفسرون كل لفظ بما يناسبه بالسياق، فالعين مثلًا تأتي في سياق ويراد بها كذا، وفي سياق آخر ويراد بها شيء آخر، فهذا دليل على أن العرب عندهم حذق وفطنة قوية بحيث يتعين المعنى في اللفظة الواحدة ذات المعاني المتعددة بحسب السياق.
وهو أيضًا فتح باب للتأمل والتفكر أن الإنسان يقف: هذه الكلمة تطلق على عدة معانٍ، فما معناها في هذا السياق؟ فيقتضي أن يشد الإنسان ويتأمل وينظر، ولكن بعض الناس يكون مغرضًا أو سطحيًّا فيرمي اللغة العربية بما هي بريئة منه.
إذن المولى يطلق على عدة معانٍ، فما الذي يعين المعنى؟ السياق وقرائن الأحوال، هذا هو الذي يعين المعنى، فالسياق قرائن لفظية، والأحوال قرائن حالية تبين المراد.
وقوله: جَعَلْنَا مَوَالِيَ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَمَوَالِيَ مِمَّا تَرَكَمِمَّا تَرَكَهذه متعلقة بشيء محذوف ولا يستقيم المعنى إذا جعلناها متعلقة بـمَوَالِيَ، الشيء المحذوف مقدر بما يناسب المقام، تَرَكَيناسبها (إرث).
قال الله تعالى: يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِوقال في الآية الثانية التي تليها: وَلَكُمْ نِصْفُ مَا تَرَكَ أَزْوَاجُكُمْ، فلما قال: مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِعلمنا أن المقدر: يرثون مما ترك الوالدان والأقربون، ويؤيد هذا التقدير قول النبي صلى الله عليه وآله وسلم: «أَلْحِقُوا الْفَرَائِضَ بِأَهْلِهَا، فَمَا بَقِيَ فَلِأَوْلَى رَجُلٍ ذَكَرٍ» .
إذن مِمَّا تَرَكَ(من) بيانية أو تبعيضية، والمتعلق محذوف والتقدير: يرثون، مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِوهما الأب والأم، وَالْأَقْرَبُونَوهم من عدا الوالدين، وإنما فسرنا الأقربين بمن عدا الوالدين مع أن الوالدين أقرب الناس؛ لأن العطف يقتضي المغايرة، فالله تعالى جعل الموالي يرثون مما ترك الوالدان.
ومن هم هؤلاء الموالي الذين يرثون مما ترك الوالدان؟ هم الفروع، الْوَالِدَانِ، إذن الوارث هو المولود وهم الفروع، وقد بين الله سبحانه وتعالى في كتابه كيف يرثون: إذا انفرد الذكور، أو انفرد الإناث، أو اجتمعوا، فإذا انفرد الإناث فإرثهم في الفرض فقط، وإذا انفرد الذكور فإرثهم بالتعصيب فقط، وإذا اجتمعوا فإرثهم بالتعصيب لكن تختلف جهته، فالذكور عصبة بالنفس، والإناث عصبتهم بالغير، يعني وهم الذكور، أي عصبة بسبب غيرهم.
وقوله: وَالْأَقْرَبُونَهذه كلمة واسعة، ولم يقل: القرابات بل قال: الْأَقْرَبُونَ؛ لأن الميراث يكون للأقرب فالأقرب، حتى ذوي الفروض يفضل الأقرب على الأبعد، فالبنت مع بنت الابن: لها النصف، ولبنت الابن السدس، والبنتان يسقطان بنات الابن، والأخت الشقيقة مع الأخت لأب: لها النصف، والأختان الشقيقتان تسقطان الأخوات لأب، وهلم جرًّا؛ ولهذا قال: الْأَقْرَبُونَأي: الأقرب فالأقرب.
وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْفيها قراءتان سبعيتان: عَقَدَتْو{عَاقَدَتْ}، من (المعاقدة) وهي المعاهدة، وسميت المعاهدة عقدًا؛ لأنها إبرام لميثاق بين المتعاهدين، وكانوا في الجاهلية يتعاقدون على الولاء والإرث، على حسب شروط بينهم، إما أن يقول: لك أنت سدس ما ورائي أو ثلث أو ربع، حسب ما يتفقون عليه.
وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْآتوهم أي: أعطوهم، وفي اللغة العربية: أتَوْا ائْتُوهم وآتُوهم، وأْتُوهم وآتُوهم، فالتي بالمد بمعنى الإعطاء، والتي بالقصر بمعنى المجيء، والتي بمعنى الإعطاء تنصب مفعولين كلاهما فضلة ليس عمدة، أي ليس أصلهما المبتدأ والخبر.
فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْهذه نصبت مفعولين ليس أصلهما المبتدأ والخبر وهما مفعولان، (آتوا): أعطوهم نصيبهم، ما نصيبهم؟ نصيبهم مقدر بحسب ما يتفق المتعاقدين عليه؛ لأن هذا من الوفاء بالعهد، والوفاء بالعهد مما جاءت به الشريعة، حتى إن الرسول صلى الله عليه وآله وسلم حذر من إخلاف الوعد وبيَّن أنه من خصال من؟
طلبة: المنافقين.
الشيخ: المنافقين.
فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدًاإِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدًاالجملة -كما نعلم- خبرية مؤكدة بـ(إن)، و(كان) فعل ماضٍ تفيد اتصاف اسمها بخبرها على وجه الدوام والاستمرار فهي مسلوبة الزمان، يعني ليست دالة على زمان مضى كما هو شأن الفعل الماضي، بل هي دالة على ثبوت الاتصاف بهذا الوصف أزلًا وأبدًا.
إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدًاشَهِيدًاأي: رقيبًا مطلعًا على كل شيء، وهذه الجملة استئنافية تفيد التهديد، تهديد من أخفى شيئًا مما يستحقه الوالدان والأقربون والذين عقدت أيمانكم؛ لأنه إذا أخفاه فلن يغيب عن الله سبحانه وتعالى، بل هو على كل شي شهيد.
وهذه الآية نسخت بآيات المواريث، وهل هو نسخ مقيد أو نسخ مطلق؟ على قولين للعلماء، منهم من قال: إنها نسخ مقيد بما إذا وجد ذوي الأرحام، فإن لم يوجد توارث المتعاقدان بما اتفقا عليه، ومنهم من قال: إنه نسخ مطلق، فلا إرث بالموالاة مطلقًا، والثاني هو الذي عليه جمهور العلماء، والأول عليه شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله.
الظاهر أن الآية ما فيها إشكال من جهة الإعراب.
طلبة: الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ.
الشيخ: الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ، فيها إشكال؟ ما أظن فيها إشكال.
طالب: الراجح؟
الشيخ: الراجح هو ما ترجح بالدليل، هذا هو الراجح.
في الآية من الفوائد: إثبات الجعل لله عز وجل، وهذا من الصفات الفعلية؛ لأنه يتعلق بمشيئته.
ثم إن الجعل الذي نسبه الله لنفسه عز وجل ينقسم إلى قسمين: جعل شرعي، وجعل كوني، شرعي وكوني، فقوله تعالى: وَجَعَلْنَاكُمْ أَكْثَرَ نَفِيرًا [الإسراء: ٦] هذا جعل كوني، وقوله: وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ لِبَاسًا (١٠) وَجَعَلْنَا النَّهَارَ مَعَاشًا [النبأ: ١٠، ١١] وما أشبهها كلها جعل كوني، وقوله تعالى هنا: وَلِكُلٍّ جَعَلْنَا مَوَالِيَهذا جعل شرعي، وكذلك قوله تعالى: مَا جَعَلَ اللَّهُ مِنْ بَحِيرَةٍ وَلَا سَائِبَةٍ وَلَا وَصِيلَةٍ [المائدة: ١٠٣] هذا جعل شرعي، ولا يصح أن يكون جعلًا كونيًّا، لماذا؟ مَا جَعَلَ اللَّهُ مِنْ بَحِيرَةٍلا يصح أن يكون جعلًا كونيًّا؟
طالب: (...).
الشيخ: لا يصح أن تكون جعلًا كونيًّا؛ لأنها موجودة وهنا منفية، إذن ما جعلها شرعًا ولكن جعلها قدرًا، الفرق بين الجعل الشرعي والجعل القدري كالفرق بين الإرادة الكونية والشرعية، الفرق بين الشرعي والقدري كالفرق بين الإرادة الشرعية والكونية، فالجعل الشرعي محبوب إلى الله، وقد يقع من العباد وقد لا يقع، والجعل الكوني لا يتعلق بما يحبه الله، بل يكون فيما يحبه وفيما لا يحبه، وهو واقع ولا بد.
ومن فوائد هذه الآية الكريمة: إثبات الإرث بالنسب والسبب، بالنسب لقوله: مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ، وبالسبب بقوله: وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ، فإن هذا سببه الإنسان؛ فعل الإنسان، كالزوجية فإنها سبب وليست بنسب، والعتق سبب وليس بنسب.
من فوائد هذه الآية الكريمة: الإشارة إلى أن الأقرب مقدم على الأبعد في باب الميراث، أخذناها من قوله: وَالْأَقْرَبُونَ، وذكرنا في الشرح ما يتبين به هذا الأمر.
ومن فوائد الآية الكريمة: كمال الشريعة الإسلامية بإيجاب الوفاء بالعهود والعقود؛ لقوله تعالى: وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ.
ومن فوائدها: وقوع النسخ في الشريعة؛ لأن هذه الآية منسوخة إما مطلقًا، وإما نسخًا مقيدًا، وقد اختلف علماء الملة في النسخ؛ فأكثر الأمة على أن النسخ ثابت في الشريعة في قوله تعالى: مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا [البقرة: ١٠٦]؛ ولقوله تعالى: فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ [البقرة: ١٨٧] الْآنَكان بالأول حرامًا فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَكُلُوا وَاشْرَبُواإلى آخره، ولقوله تعالى: الْآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفًا [الأنفال: ٦٦] وهذا صريح في النسخ، ولقول النبي صلى الله عليه وآله وسلم: «كُنْتُ نَهَيْتُكُمْ عَنْ زِيَارَةِ الْقُبُورِ فَزُورُوهَا» .
وقال بعض العلماء؛ أبو مسلم الأصبهاني: لا نسخ في الشريعة، وحمل النسخ على التخصيص وقال: إن مقتضى الحكم الأول استمراره إلى يوم القيامة، فإذا ألغي فهذا تخصيص بالزمن، أي أنه صار بعد أن كان شاملًا للزمن كله صار خاصًّا للزمن الذي قبل النسخ، ولكن هذا تكلف، وما الذي يجعلنا نفر من كلمة (نسخ) وهي موجودة بلفظها في القرآن، وموجودة بمعناها في القرآن، وموجودة بمعناها في السنة أيضًا، ما الذي يجعلنا نفر؟
وأنكر اليهود النسخ وقالوا: لا يمكن أن الله ينسخ حكمًا بحكم؛ لأنه إن كانت المصلحة في الحكم الثاني فلماذا كان الحكم الأول؟ وإن كانت المصلحة في الحكم الأول فلماذا كان الحكم الثاني؟ وإن كانت الأول قد خفيت على الله فالأول يستلزم وصف الله بالسفه -والعياذ بالله- لأنه فعل خلاف الحكمة، والثاني يستلزم وصف الله بالجهل، واضح؟
فيقال لهم: المصلحة تختلف باختلاف الزمان والمكان والأمة، أليس كذلك؟ بلى، وإذا كان كذلك فالله عز وجل يثبت هذا الحكم ما دام فيه مصلحة للأمة، وينسخه إذا كان ليس لمصلحة، وهذا غاية الحكمة، وأنتم يا بني إسرائيل كان حلًّا لكم اللحم وبظلمكم حرم الله عليكم طيبات أحلت لكم، حرمها عليكم بعد أن كانت حلالًا، ثم إن شريعتكم ناسخة للشريعة التي سبقها، وإذا قلتم: لا نسخ، أبطلتم شريعتكم؛ لأنها تنسخ ما قبل.
إذن في الآية الكريمة وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْفيها إثبات النسخ.
ومن فوائد الآية الكريمة: وجوب الوفاء بالعهد؛ لقوله: فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ.
فإذا قال قائل: كيف نؤتيهم نصيبهم والمعاقدة باطلة، المعاهدة هذه؟ قلنا: لم تبطل إلا بعد أيش؟ بعد النسخ بعد نزول الآية، أما ما ثبت قبل ذلك فالواجب أن يؤتوا نصيبهم.
ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات شهادة الله عز وجل على كل شيء، وأن كل شيء مهما بعد ومهما بطن فإنه مشهود لله.
ويترتب على ذلك: التحذير من مخالفة الله سبحانه وتعالى، لأيش؟ لأن الإنسان إذا علم بأن الله شاهد عليه أمسك عن كل ما يغضب الله وقام بما يجب لله، وهذه الأسماء التي تختم بها الآيات ينبغي للإنسان أن لا يكون جامدًا فيفهم منها المعنى فقط، بل ينبغي أن يتربى عليها ويكون مسلكه على حسب ما تقتضيه هذه الأسماء، فمثلًا: إذا علمت أن الله علام الغيوب ليس معناها أن تدرك بأن الله يعلم بكل شيء فقط، هذا الإدراك يستوي فيه الكافر والمسلم، حتى الكفار الذين يعرفون اللغة العربية يعرفون مثل هذا اللفظ، لكن المهم هو التربي بمقتضى هذا الوصف وهو علم الغيب، وهذه مسألة مهمة لا يفطن لها كثير من الناس.
فيقال مثلًا: من فوائد الآية الكريمة: أن الإنسان إذا آمن بأن الله على كل شيء شهيد، ماذا يصنع؟ يحذر ويخاف ويتقي الله عز وجل.
وهل الشهيد من أسماء الله أو من أوصافه؟
طالب: من أسمائه.
الشيخ: من أسماء الله، الشهيد من أسماء الله.
تفسير الآيتين (34-35)
01:07:27

ثم قال الله تعالى: الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ فَالصَّالِحَاتُ قَانِتَاتٌ حَافِظَاتٌ لِلْغَيْبِإلى آخره.
الرِّجَالُجمع (رجل) وهو جمع تكسير، ورجل هو البالغ من بني آدم الذكور، البالغ من بني آدم الذكور يسمى رجلًا، والذكر يطلق على البالغ وغير البالغ؛ ولهذا جاء في الحديث: «وَمَا بَقِيَ فَلِأَوْلَى رَجُلٍ ذَكَرٍ» ، مع أنه لو قال: فلأولى ذكر، اكتفي به، ولو قال: لأولى رجل، لخرج بذلك الصغير فلا يكون عاصبًا، لكن جاءت كلمة (ذكر) ليبين أن الكبر ليس بشرط في استحقاق التعصيب، بل ولو كان دون الرجولة.
فإذا قال قائل: إذن ذكر (الرجل) زيادة، زيادة لا معنى لها؟ فالجواب: بلى لها معنى وهو الإشارة إلى أنه -أي الذكر- كان أولى بالتعصيب؛ لأنه رجل يترتب عليه مسؤوليات لا تترتب على المرأة.
الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِقَوَّامُونَجمع (قوّام)، و(قوّام) صيغة مبالغة من (قائم)، فلو قيل في غير القرآن: الرجال قائمون على النساء، لكان المعنى دون كلمة (قوّامون)؛ لأن (قوّامون) صيغة مبالغة تقتضي القوامة على النساء في كل حال.
وقوله: عَلَى النِّسَاءِجمع أيش؟ جمع نسوة، وإن شئت قل: جمع (امرأة)، لكنه من غير اللفظ؛ لأنه أحيانًا يجمع المعنى على غير لفظ المفرد، فـ(إبل) جمعٌ لا واحد له من لفظه؛ جمع (بعير).
ويقول على النساء: بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍالباء هنا للسببية و(ما) يجوز أن تكون مصدرية ويجوز أن تكون موصولة، فإن جعلتها موصولة صار التقدير: بالذي فضل الله بعضهم على بعض، وحينئذ نحتاج إلى عائد يعود إلى الموصول فيكون العائد محذوفًا تقديره: بما فضل الله به بعضهم على بعض، وحذف العائد المجرور مشهور في اللغة، ومنه قوله تعالى: يَأْكُلُ مِمَّا تَأْكُلُونَ مِنْهُ وَيَشْرَبُ مِمَّا تَشْرَبُونَ [المؤمنون: ٣٣] أي: منه.
يقول: بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍفَضَّلَزاد، الفضل هو الزيادة، أي: زاد بعضهم على بعض، والمزيد هو من؟ من المزيد؟ الرجال، والمزيد عليه النساء، إذن بَعْضَهُمْ(بعض) هنا تعود على الرجال، عَلَى بَعْضٍتعود على النساء، فما الذي فضل الله به الرجال على النساء؟
طالب: (...).
الشيخ: تقتضي بعد: وَبِمَا أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ.
طالب: (...).
الشيخ: لا.
طالب: فضلهم بعضهم.
الشيخ: يعني بالقوة الظاهرة والباطنة، فبالقوة الظاهرة قوة البدن؛ ولهذا تجد الرجل، بل تجد الذكر حتى من غير بني آدم تجده أقوى من الأنثى وأكبر عضلات وأشد، هذه من القوى الظاهرة، القوى الباطنة: التحمل والصبر والذكاء والعقل وما إلى ذلك.
طالب: والشجاعة.
الشيخ: إي نعم، والشجاعة والعزم. المهم أن الله فضل الرجال على النساء بالقوى الظاهرة والقوى الباطنة.
السبب الثاني: قال: وَبِمَا أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْوهذا تفضيل خارجي، وَبِمَا أَنْفَقُواأي: الرجال، مِنْ أَمْوَالِهِمْأي: على النساء، فالرجل هو المسؤول عن الإنفاق على المرأة والمرأة ضعيفة لا تستطيع أن تكتسب، فالرجل هو المسؤول.
وقوله: مِنْ أَمْوَالِهِمْأي: أموال الرجال، فبسبب التفضيل الجسدي القوة الظاهرة والقوة الباطنة، وبسبب التفضيل الخارجي وهو الإنفاق بالمال صار الرجل أفضل من المرأة.
طالب: (...)؟
الشيخ: لا، الوصية مستقلة، يوصي لهولاء ولغيرهم حسب ما يرى المصلحة.
طالب: النبوة والرسالة (...)؟
الشيخ: هو الظاهر؛ لأن استعداد الرجل للنبوة والرسالة أكمل من استعداد المرأة.

***

طالب: بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ فَالصَّالِحَاتُ قَانِتَاتٌ حَافِظَاتٌ لِلْغَيْبِ بِمَا حَفِظَ اللَّهُ وَاللَّاتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلَا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلًا إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيًّا كَبِيرًا (٣٤) وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُوا حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِنْ أَهْلِهَا إِنْ يُرِيدَا إِصْلَاحًا يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا خَبِيرًا (٣٥) [النساء: ٣٤، ٣٥].

الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله تعالى: الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ.
هذا مبتدأ درس الليلة، وقبل البدء بذلك نهنئكم بما من الله به علينا جميعًا من إكمال هذا الشهر المبارك شهر رمضان صيامًا وقيامًا، ونسأل الله تعالى أن يتقبل منا ومنكم صالح الأعمال، وأن يتجاوز عن التفريط والإهمال، ومن حكمة الله عز وجل ورحمته بعباده أنه ما انتهى هذا الشهر الكريم -الذي صيامه وقيامه سبب لتكفير السيئات ومغفرة الذنوب- إلا وأعقبه مباشرة شهور الحج إلى بيت الله الذي قال فيه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: «مَنْ حَجَّ فَلَمْ يَرْفُثْ وَلَمْ يَفْسُقْ رَجَعَ كَيَوْمِ وَلَدَتْهُ أُمُّهُ» ، فمواسم الخير -ولله الحمد- متعددة كثيرة؛ وذلك لأن الله سبحانه وتعالى كتب كتابًا عنده أن رحمته سبقت غضبه؛ ولهذا كانت أسباب الرحمة أكثر بكثير من أسباب العقوبة والأخذ، كل هذا من رحمة الله سبحانه وتعالى بالعبد.
والذي ينبغي للمسلم إذا عمل الطاعة أن يكون إلى الرجاء أقرب منه إلى الخوف، فإذا كنا نرجو الله سبحانه وتعالى الذي منَّ علينا بالعمل أن يتقبله منا حتى ندرك هذا الفضل العظيم، فلا ينبغي أن نرجع بعده إلى سوء الأعمال والإهمال والتفريط، بل يكون ذلك حافزًا لنا على الجد والاجتهاد في العمل الصالح، من فعل العبادات الخاصة، ونفع العباد على سبيل العموم بكل ما نستطيع ولو بالكلمة الطيبة، بالأمر بالمعروف، بالنهي عن المنكر، بالتعليم، حتى بإلقاء السلام، فإن إلقاء السلام من أسباب دخول الجنة كما قال النبي عليه الصلاة والسلام: «وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَا تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ حَتَّى تُؤْمِنُوا، وَلَا تُؤْمِنُوا حَتَّى تَحَابُّوا، أَفَلَا أُخْبِرُكُمْ بِشَيْءٍ إِذَا فَعَلْتُمُوهُ تَحَابَبْتُمْ؟ أَفْشُوا السَّلَامَ بَيْنَكُمْ» ، فإفشاء السلام من أسباب المحبة، والمحبة من كمال الإيمان، والإيمان من أسباب دخول الجنة، فهي حلقات سلسلة يتبع بعضها بعضًا.
ومع الأسف إن كثيرًا من الناس ولا سيما خواص الطلبة نجدهم لا يفشون السلام فيما بينهم، يمر الواحد بأخيه فلا يلقي إليه السلام، وهذا لا شك أنه خطأ وخلاف الآداب الشرعية التي هي من ثمرات طلب العلم، والعلم إذا لم يكن نافعًا فالجهل خير منه؛ لأن الجاهل يعرف نفسه وقد يتعلم، والجاهل معذور بخلاف العالم.
كذلك يجب علينا إلقاء المودة بيننا ولا سيما الأقارب، فإن «مَثَلُ الْمُؤْمِنِينَ فِي تَوَادِّهِمْ وَتَرَاحُمِهِمْ وَتَعَاطُفِهِمْ كَمَثَلِ الْجَسَدِ الْوَاحِدِ، إِذَا اشْتَكَى مِنْهُ عَضْوٌ تَدَاعَى لَهُ سَائِرُ الْجَسَدِ بِالسَّهَرِ وَالْحُمَّى» .
ومما ينبغي -بل يجب- على طالب العلم إذا كان يريد العلم حقيقة أن يحرص على العلم بقدر استطاعته ليلًا ونهارًا، سرًّا وجهارًا؛ لأن العلم مناله رفيع وعالٍ، وقد قيل: أعط العلم كلك تأخذ بعضه، فإن أعطيته بعضك فاتك كله، فلا بد من الحرص والجمع؛ جمع الفوائد والضوابط والقواعد؛ لأن هذا أنفع لطالب العلم من معرفة المسائل الفردية، معرفة المسائل الفردية يشترك فيها العامي وطالب العلم، لكن الجمع بين النظائر وجمع القواعد والضوابط هذه مفيدة لطالب العلم، فمثلًا نجد في كتب الفقهاء تعليلات دائمة للأحكام الشرعية.
لو أن طالب العلم قيدها -هذه التعليلات- لكانت ضوابط ينبني عليها مسائل كثيرة، وبإمكانه إذا رأى أن هذه الضابط لا ينضبط وأنه ينتقض في بعض المسائل أن يسأل ويبحث مع من هو أكبر منه في العلم ويقول: لماذا نعلل بهذا ثم تنتقض العلة؟ لأنه قد يظن طالب العلم أن هذه العلة منتقضة وهي في الحقيقة غير منتقضة، لكن يشتبه عليه الأمر فيظن أنها منتقضة، ولكنها ليست منتقضة؛ لأن الصورة التي نقضت بها يكون بينها وبين ما تقتضيه هذه القاعدة وهذا الضابط فرق لا يشعر به طالب العلم الصغير؛ لذلك ينبغي لطالب العلم أن يجمع الضوابط والقواعد والمسائل المتماثلة حتى يدرك العلم تمامًا.
أما العلم السطحي الذي يلقطه الإنسان كما يلقط الجرَّاد حبة حبة، فهذا يوشك أن يطير ولا ينتفع به صاحبه، لكن العلم الراسخ الذي يتمكن الإنسان به من تطبيق المسائل على أصولها هو ما ذكرت هنا، وأؤكد عليه بمعرفة الضوابط والقواعد والجمع والتقسيم حتى يحصل الإنسان على العلم.
ثم إنه من المعلوم ولا سيما في عصرنا الحاضر لكثرة طلبة العلم -ولله الحمد- ولقصور بعض الطلبة من وجه آخر تحصل الاختلافات، تحصل الاختلافات بين مدرسيكم مثلًا في الكلية أو بين من تسمعون من الخارج، فيحصل لبس على طالب العلم، وذلك أن بعض الناس يكون شغوفًا بالعلم محبًا للنفع فيتسرع في نشر ما يراه علمًا بين الناس من أجل أن ينتفع به الناس، ولكنه يكون فيه خلل، فيلتبس على طالب العلم؛ ولهذا يحسن إذا رأى الإنسان من الناس اختلافًا في شيء من المسائل أن يناقش فيها من يكون بينهم الاختلاف حتى يتبين الأمر؛ لأن بعض الناس ينظر إلى المسائل أو إلى الدلائل بعين واحدة، فيحصل بذلك خلل كثير، وربما يكون قاصر العلم أو قاصر الفهم فيشتبه عليه الأمر، ويكون محبًّا لنشر العلم فينشر ما تبين له أو ما ظهر له وإن كان على خلاف الحق؛ لأنه يحب أن ينشر العلم.
وما كثرة الرسائل الآن أو النشرات التي تنشر حتى على أبواب المساجد تلصَّق وعلى الجدران ببعيد، فإن من هذه النشرات ما هو خطأ قطعًا، لا يشك طالب العلم أنه خطأ، إما أحاديث موضوعة أو ضعيفة أو أحكام خطأ، كل هذا من محبة بعض الناس لنشر علمه لكن على غير أساس. فمثل هذه الأمور ينبغي التحرز منها، وأن يبحث الإنسان ويناقش حتى يكون على بينة.
أحببنا أن نقول هذه الكلمة في افتتاح الدرس بعد شهر رمضان المبارك -أعاده الله علينا وعليكم وعلى المسلمين بالخير واليمن والبركة- لأن هذه يكون الإنسان فيها نشيطًا، يجد من نفسه أن معه نشاطًا في استقبال وقته في طلب العلم، نسأل الله لنا ولكم العون.
أما الآية التي قرأتموها الآن فقد فسرناها فيما أظن أو فسرنا أكثرها؟ أليس كذلك؟ نعم.
الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْقَوَّامُونَهذه صيغة مبالغة أو نسبة، والمراد بالقيام هنا ليس القيام الذي هو الوقوف على الرجلين ولكنه قيام الولاية، فمعنى قَوَّامُونَأي: بالولاية والسلطة، فيحتمل أن تكون نسبة، ويحتمل أن تكون مبالغة، ويحتمل المعنيين جميعًا أنها نسبة ومبالغة، فالرجل قوَّام على المرأة الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ؛ ولذلك تكون لهم الولاية والقضاء والإمارة وغير ذلك مما فيه سلطة دون النساء.
وقوله: عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ(الباء) هنا للسببية، و(ما) يحتمل أن تكون مصدرية، ويحتمل أن تكون موصولة، فإن كانت مصدرية لم تحتج إلى عائد، وإن كانت موصولة احتاجت إلى العائد بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ، فعلى القول بأنها مصدرية يكون تقدير الكلام: بتفضيل الله بعضهم على بعض، وعلى أنها موصولة يكون تقدير الكلام: بالذي فضل الله به بعضهم على بعض، ويكون العائد محذوفًا بحرف الجر، كقوله تعالى: يَأْكُلُ مِمَّا تَأْكُلُونَ مِنْهُ وَيَشْرَبُ مِمَّا تَشْرَبُونَ [المؤمنون: ٣٣] أي: منه، مما تشربون منه، وحذف العائد المجرور جائز إن اتفق الحرفان لفظًا ومعنًى.
وقوله: بِمَا فَضَّلَ اللَّهُالتفضيل بمعنى الزيادة، بما فضل الله به بعضهم على بعض، والتفضيل بين الرجال والنساء ظاهر، في العقل والتفكير والجسم والشجاعة وكل شيء، جميع الخصال والأخلاق نجد أن الرجال مفضلون على النساء، وهذا التفضيل باعتبار الجنس، فلا يرد علينا أنه يوجد من النساء ما هو أفضل من كثير من الرجال؛ لأننا إذا قلنا بتفضيل الجنس صار العبرة بالعموم لا بالخصوص، كما نقول مثلًا: التابعون أفضل من تابعي التابعين، لكن هذا يعني أن كل واحد من التابعين أفضل من كل واحد من تابعي التابعين؛ إذ يوجد في تابعي التابعين من هو أفضل من كثير من التابعين.
فقوله: بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍأي: من حيث الجملة لا باعتبار كل فرد؛ ولهذا لا يرد علينا أو لا يورد علينا مورد فيقول: نجد رجلًا أبله لا يعرف، تقابله امرأة ذكية فاهمة تعرف؟ نقول: هذا لا عبرة به؛ لأن العبرة بماذا؟ بالجنس بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ.