تفسير سورة النساء - 14
عدد الزيارات 3116

عناصر المادة :
تفسير الآية (36)
تفسير الآية (37)

وَبِمَا أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ [النساء: ٣٤] هذه عطف على قوله: بِمَا فَضَّلَأي: وبالذي أنفقوا من أموالهم؛ لأن المنفق على النساء هم الرجال، فالرجال منفقون على النساء لأنهم هم الذين يكتسبون، الزوج ينفق على زوجته ولو كانت غنية، والأب ينفق على أهله، وهو مصدر الإنفاق، فمن أجل ذلك صار لهم القوامة بتفضيلهم خِلْقةً وخُلُقًا وعقلًا وفكرًا، ولفضلهم على النساء بأيش؟ بالإنفاق، فهم قوامون بتفضيل الله إياهم وبفضلهم هم على النساء وَبِمَا أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ.
ثم قسم الله عز وجل النساء إلى قسمين فقال: فَالصَّالِحَاتُ قَانِتَاتٌ حَافِظَاتٌ لِلْغَيْبِ بِمَا حَفِظَ اللَّهُالصَّالِحَاتُ قَانِتَاتٌالصَّالِحَاتُمبتدأ، وقَانِتَاتٌخبره، حَافِظَاتٌخبر ثان.
الصَّالِحَاتُيعني الموصوفات بالصلاح، وهنا يمكن أن نقول: إن الصَّالِحَاتُصفة لموصوف محذوف، والتقدير: فالنساء الصالحات؛ ومَن هي الصالحة؟ الصالحة ضد الفاسدة، وهي التي قامت بحق الله وحق زوجها، هذه الصالحة.
وقوله: قَانِتَاتٌأي: مديمات للصلاح؛ لأن القنوت يُراد به الدوام، وهو المراد هنا، ويحتمل أن المراد بالقانتات هنا: المطيعات لله، ويكون من باب التوكيد. الصَّالِحَاتُ قَانِتَاتٌأي: مطيعات لله، وبطاعتهن لله يكُنَّ طائعات لأزواجهن.
فَالصَّالِحَاتُ قَانِتَاتٌ حَافِظَاتٌ لِلْغَيْبِيعني يحفظن ما غاب عن الناس، وهو السر الذي يكون في بيت الزوج ويكون بينها وبين زوجها أيضًا، فتجد المرأة الصالحة لا يمكن أن يطَّلع على ما في بيتها أحد، بل إذا سُئلتْ عما في بيتها قالت: نحن بخير. وانظر إلى إحدى امرأتي إسماعيل؛ إحداهما لما سألها إبراهيم عن حالهم شكت وتضجرت، فقال لها: إذا جاء زوجك فقولي له يغير عتبة بابه. والثانية أثنت خيرًا وقال: إذا جاء الزوج فقولي يمسك عتبة بابه. فمن النساء من تكون شكَّاية فاضحة تحدث الناس بكل ما يكون في بيتها، بل بعضهن -والعياذ بالله- يتجرأن إلى أكثر من ذلك؛ تحدث ما يكون بينها وبين زوجها حتى في أمور السر التي لا يطَّلع عليها إلا الزوج، تحدِّث، هذه ليست من الصالحات بشيء، فقدت من الصلاح بمقدار ما فقدت من الحفظ.
حَافِظَاتٌ لِلْغَيْبِ بِمَا حَفِظَ اللَّهُأي: بحفظ الله عز وجل، أو: بالذي حفظ الله؛ أي: أمر بحفظه وعدم إفشائه؛ فهنَّ حافظات للغيب لا يُظهِرن بحفظ الله لهنَّ ومنَّته عليهن بالحفظ، أو بالذي حفظ الله؛ أي: أمر بحفظه، والمعنيان متلازمان.
القِسم الثاني على خلاف ذلك؛ قال: وَاللَّاتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّاللَّاتِييعني: والنساء اللاتي تخافون نشوزهن، وكيف نخاف نشوزها؟ نخاف نشوزها بظهور أماراته، والنشوز هو الارتفاع، ومنه الأرض النشز؛ أي المرتفعة، والمراد بالنشوز: ترفُّع المرأة عن زوجها بحيث لا تبذل ما يجب عليها من حقوقه، أو تبذل لكن متكرِّهة متملِّلة لا يأنس بها ولا يركن إليها، فالنشوز معناه الترفُّع عما يجب لها نحو زوجها؛ وذلك بأن لا تطيعه بما تجب عليها طاعته أو تطيع لكن متبرِّمة متكرِّهة متملِّلة لا تأتيها على ما ينبغي، هذا هو النشوز، إذا نشزت المرأة سقطت الحقوق التي لها من نفقة وغيرها؛ لأن النفقة معاوضة، إذا لم يوجد عِوضها سقطت.
وَاللَّاتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّفالنشوز داء، النشوز داء، وهل له دواء؟ نعم؛ ذكر الله له دواء على ثلاث مراحل: الأولى قال: فَعِظُوهُنَّ، الثانية: وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ، الثالثة: وَاضْرِبُوهُنَّ، الرابعة لم يذكرها الله لأنها مكروهة عنده: طلقوهن. وهذه الأخيرة مع الأسف هي أول مرحلة عند كثير من الناس؛ كثير من الناس إذا خالفته زوجه بأدنى شيء طلقها، لكن المراحل الثلاث التي ذكرها الله هي المراحل الشرعية؛ أولًا: الموعظة؛ تعظها بأن تذكِّرها بما يلين به قلبها، هذا الموعظة، تذكِّرها بما يلين به قلبها، بأيش؟ بأن تذكِّرها بحق الزوج وما لها من ثواب إذا قامت به وما عليها من عقاب إذا خالفت، وتقول لها مثلًا: أنتِ إذا كنتِ مطيعة قائمة بما يجب لي عليكِ فإني سوف أقابلكِ بالمثل أو بأحسن، فتعدها خير الدنيا وخير الآخرة، وتخوفها من الله عز وجل إذا نشزت، فإن امتثلت فهذا المطلوب، وإلا قال: وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِالهجر بمعنى الترك، ومنه الهجرة، وهي ترك الإنسان وطن الكفر إلى وطن الإسلام، اتركوهنَّ في المضاجع؛ يعني: لا تضاجعوهن، تكون أنت في فراش وهي في فراش، أو أنت في حجرة وهي في حجرة، هجران المضاجع، فإن استقامت فهذا هو المطلوب، وإلا ننتقل إلى المرحلة الثالثة وهي قوله: وَاضْرِبُوهُنَّ، وهذا فائدة القوامة التي قال: قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ، اضْرِبُوهُنَّ، ولكن بماذا؟
المقصود من الضرب هو التأديب، فتضرب ضربًا يحصل به تأديبها ولا يحصل به تجريحها؛ أي: جرحها؛ فتضرب ضربًا غير مبرِّح كما قال النبي عليه الصلاة والسلام في خطبة حجة الوداع قال: «وَلَكُمْ عَلَيْهِنَّ أَنْ لَا يُوطِئْنَ فُرُشَكُمْ أَحَدًا تَكْرَهُونَهُ، فَإِنْ فَعَلْنَ ذَلِكَ فَاضْرِبُوهُنَّ ضَرْبًا غَيْرَ مُبَرِّحٍ» ، فتُضرب، لكن ضربًا غير مبرِّح، ويجب أن يُتَّقى في ضربها ما أُمِر باتقائه كالوجه مثلًا فإنها لا تُضرب به، وسيأتي إن شاء الله في بيان الفوائد.
وَاضْرِبُوهُنَّ فَإِنْ أَطَعْنَكُمْيعني: قُمْن بما يجب عليهن من الطاعة.
فَلَا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلًاتَبْغُوابمعنى تطلبوا عليهن سبيلًا؛ أي: واتركوا الماضي، فإن قوله: فَلَا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلًاليس للمستقبل فقط، بل حتى للماضي، اتركوه، تناسوه، لا تأتوا له ببحث أو إثارة؛ لأن تذكير الماضي يؤدي إلى استمرار النشوز والمعصية، لَا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلًاكأنَّ شيئًا لم يكن.
إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيًّا كَبِيرًاالجملة هنا استئنافية للتحذير من التعالي والكبرياء على النساء؛ لأن الرجل إذا شعر بأنه قائم على المرأة وذو سلطة عليها إلى حد أن الشرع مكَّنه من ضربها في المرحلة الثالثة ربما يتعالى عليها ويتكبر، فقال عز وجل: إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيًّا كَبِيرًايعني: فاعلموا أن علوكم على النساء فوقه ما هو أعلى منه وهو علو الله عز وجل وكبرياء الله عز وجل، فلا تتعالوا عليهن ولا تتكبروا عليهن؛ لأن فوقكم من هو أعلى وأكبر وهو الله عز وجل.
ثم قال: وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُوا حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِنْ أَهْلِهَا [النساء: ٣٥] وهذه المرحلة الرابعة، المرحلة الرابعة بعد المراحل الثلاث وهي؟
الطلبة: الموعظة.
الشيخ: الموعظة.
الطلبة: الهجر.
الشيخ: الهجر في المضاجع.
الطلبة: الضرب.
الشيخ: الضرب. إن خفن الشقاق؛ بمعنى أنها لم تثمر هذه المراحل الثلاث، فحينئذٍ يوجه الخطاب للأمَّة فَابْعَثُوا حَكَمًا، ولم يقل: فليبعثا حكمًا، فهنا انعزل الزوجان وصار المجال مجال غيرهما، مجال من؟ مجال الحاكم الشرعي الذي يمثل الأمَّة، وعلى هذا فيكون ابْعَثُواخطابًا للأمَّة، لكن ليس المعنى أن كل واحد في السوق وفي المسجد وفي الدكان يبعث، ينوب عن الأمَّة من؟ الحاكم الشرعي، فيكون الخطاب هنا للأمَّة مرادًا بها من يمثلها وهو الحاكم الشرعي.
ابْعَثُواأي: أرسلوا، البعث بمعنى الإرسال.
ابْعَثُوا حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِنْ أَهْلِهَا(حَكَم) الْحَكَم: ذو الْحُكْم النافذ؛ يعني المحكَّم، فهو أخص من الحاكم، الْحَكَم أخص من الحاكم لأنه ذو الْحُكْم النافذ، فهو محكَّم، مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِنْ أَهْلِهَا، والْحَكَم لا بد أن يكون ذا علم، وأن يكون ذا بصيرة في الواقع، ومعلوم أنه لا بد أن يكون بالغًا عاقلًا رشيدًا عالمًا بالحكم الشرعي وعالمًا بالواقع -واقع الزوجين- وما هي المشاكل وما الذي أثار هذه المشاكل؛ لأن الْحَكَم لا بد فيه من هذه الأوصاف، أما أن يأتي إنسان عاميٌّ أو غشيمٌ ثم يريد أن يكون حَكَمًا بين الزوجين هذا لا يصح، لا بد أن يكون هذا الْحَكَم عالمًا بالشرع، عالمًا بأحوال الزوجين، ذا تعقل وتأن وبصيرة، فإذا اجتمع الْحَكَمان فهنا تأتي النية ويكون لها تدخل؛ فإما أن يريد الْحَكَم من أهل الزوج أن ينتصر الزوج والْحَكَم من أهل الزوجة أن تنتصر الزوجة وفي هذه الحال لا يوفَّق الرجلان، لا يوفَّقان؛ لأن النية هنا غير سليمة، وإما أن يكون المراد من الْحَكَم من أهل الزوج والْحَكَم من أهل المرأة الإصلاح بينهما، فحينئذٍ يقول الله عز وجل وهو القادر الصادق في قيله يقول: إِنْ يُرِيدَا إِصْلَاحًا يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا، الضمير في قوله: إِنْ يُرِيدَا إِصْلَاحًايعود إلى الْحَكَمين؛ لأنهما هما اللذان يريدان أن يحكما ونية الإصلاح تكون منهما لا من الزوجين؛ لأن الزوجين بينهما شقاق، كل واحد منهما يريد أن ينتصر لنفسه، فالغالب أنهما لا يريدان الإصلاح، لكن الذي يريد الإصلاح هما الْحَكَمان.
وقوله: يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَاالضمير في بينهما هل يعود على الزوجين اللذين خفن الشقاق بينهما أو يعود على الْحَكَمين اللذين يُدلي كل واحد منهما بما يرى أنه حجة؟ فيه احتمالان؛ الاحتمال الأول: أن يعود إلى الزوجين؛ لأن القضية في شأنهما، قضية أيش؟ القضية الشقاق، لكن الْحَكَمان ينظران في شأن الزوجين، فيكون الضمير عائدًا إلى من؟ إلى الزوجين. ويحتمل أن يكون الضمير عائدًا إلى الْحَكَمين؛ يعني الْحَكَمان سيأتي كل واحد منهما بما يقابل الآخر، فيكون المراد يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَاأي: تلتئم أقوالهما ولا يحصل بينهما نزاع، فلا ينتصر الْحَكَم من أهل الزوج للزوج ولا الْحَكَم من أهل الزوجة للزوجة.
طيب، فإذا قيل: لماذا لا نقول بأنه عام لهذا وهذا؟
فالجواب: نقول بهذا، الجواب أن نقول بهذا، يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَابين الْحَكَمين، فإذا اتفقا فإن الله تعالى أيضًا بمنِّه وكرمه يوفِّق بين الزوجين.
يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا خَبِيرًاأي: عالم خبير، والخبرة هي العلم ببواطن الأمور، العلم ببواطن الأمور هو الخبرة، والعلم بالظواهر والبواطن هو العلم، وعلى هذا فيكون ذكر الخبير بعد العليم من باب ذكر الخاص بعد العام، والجملة استئنافية لبيان لطف الله عز وجل فيما يجري من الْحَكَمين بأنه عز وجل عالم خبير بما يحدث بينهما من الْحُكْم بين الزوجين.
في هاتين الآيتين من الفوائد فوائد كثيرة:
أولا: فضل الرجال على النساء، وجهه أن الله جعل الرجال قوامين على النساء.
ثانيا: بيان أن أحكام الله عز وجل الكونية والشرعية معلَّلة بعلل، منين نأخذها؟
طالب: بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ.
الشيخ: السببية يعني، ذكر السببية، إذن أفعال الله معلَّلة بعلل، كذا؟ طيب.
يلزم من كون أفعال الله أو أحكام الله الشرعية والكونية معلَّلة بعلل إثبات الحكمة وأن الله تعالى حكيم.
ومن فوائد هاتين الآيتين الكريمتين: التفضيل بين البشر.
طالب: بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ.
الشيخ: طيب، بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ.
فإن قال قائل: هل للمفضَّل عليه أن يحتج على الله فيقول: يا رب لِمَ فضلتَ هذا عليَّ؟
طالب: ليس له ذلك.
الشيخ: ليس له ذلك، لماذا؟
الطالب: الله عز وجل (...).
الشيخ: ما هو بواضح.
طالب: ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ [الحديد: ٢١]
الشيخ: نعم، يقال للمفضَّل عليه: هل منعك الله حقك؟ إن كان الأمر كذلك فلك الحجة، وإلا ففضل الله يؤتيه من يشاء، ولهذا لما ضرب النبي صلى الله عليه وسلم مثلًا لليهود والنصارى وهذه الأمَّة برجل استأجر أُجَراء من الصباح إلى الظهر ومن الظهر إلى العصر فأعطى كل واحد قيراطًا قيراطًا، ومن العصر إلى الغروب أعطاهم على قيراطين قيراطين، فقال الأولون: لماذا نُعطَى على دينار ونحن أكثر عملًا؟ فقال: هل نقصتكم من أجركم شيئًا؟ قالوا: لا. قال: ذلك فضلي أوتيه من أشاء . عرفتم؟ إذن لا حجة للمفضَّل عليه على الله عز وجل بالتفضيل. ولكن ماذا يصنع المفضَّل عليه؟
أشار الله إلى ذلك في آية سبقت فقال: وَاسْأَلُوا اللَّهَ مِنْ فَضْلِهِ [النساء: ٣٢]، اسأل الله من فضله.
ومن فوائد الآية الكريمة: أن للمنفِق على المنفَق عليه فضلًا، من أين تؤخذ؟
طالب: وَبِمَا أَنْفَقُوا.
الشيخ: من قوله: وَبِمَا أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ.
ومن فوائد الآية الكريمة: كراهة السؤال، كراهة سؤال الناس.
طالب: وَاسْأَلُوا اللَّهَ مِنْ فَضْلِهِ.
الشيخ: لا.
طالب: أن الله عز وجل بيَّن سبب التفضيل أنه سبب التفضيل الإنفاق، هو عكس السؤال.
طالب آخر: شيخ قوله: أَمْوَالِهِمْيعني (...).
الشيخ: لا.
طالب: قوله تعالى: وَبِمَا أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْهم أنفقوا على النساء ولم يطلبوا منهم النفقة.
الشيخ: لا.
طالب: (...) ولم يسألوا.
الشيخ: كون المنفق له فضل على المنفق عليه يكون سؤالك إياه ذلا؛ لأنك إذا سألته فقد أثبتَّ له فضلًا عليك، إذا سألته وأعطاك أثبتَّ له فضلًا عليك، وهذا ذل، ولهذا بايع النبي صلى الله عليه وآله وسلم أصحابه على أن لا يسألوا الناس شيئًا، على أن لا يسألوا الناس شيئًا مطلقًا، حتى كان سوط أحدهم يسقط من على ظهر بعيره فينزل فيأخذه ويركب ولا يقول للناس أعطوني إياه ؛ لأن سؤالك الناس ذل.
طيب، جعل الله للرجال فضلًا على النساء بإنفاق المال، إذن الذي ينفق عليك له فضل عليك، إذا سألته صار له فضل ولَّا لا؟
طالب: نعم.
الشيخ: له فضل، إذن أذللتَ نفسك أمامه حيث جعلتَ له فضلًا عليك.
طالب: إذا كان الإنفاق من الواجبات ففيه الذل؟ يعني إذا كان لنفقة الزوجة وهو فرض واجب ففيه ذل؟ يعني أي ذل؟
الشيخ: ما فيه شك أنه كونه ينفق عليها لا شك أنه له سيطرة عليها بهذا الإنفاق، له فضل عليها لا شك، حتى لو هو واجب.
طالب: الإنفاق على الأب واجب إذا كان الأب يعني لا يستطيع أن..
الشيخ: الآن الذي ينفق على النساء -ولو كانت النفقة واجبة- يرى المنفَق عليه أن له فضلًا عليه.
طالب: شيخ، بارك الله فيكم، قلتم في البداية بأن الضوابط تفيد طالب العلم، فكيف نعرف الضوابط ونجمعها؟
الشيخ: إي، أنا أشرت إلى هذا، قلت لك: إن تعاليل الفقهاء رحمهم الله كلها ضوابط؛ التعليلية تجدها في الروض المربع مثلًا أو في الشرح الممتع والإقناع أو المجموع للنووي أو غيرها، كل التعاليل هذه ضوابط، وأنا قلت لكم أول ما بدأنا في درس زاد المستقنع قلت لكم: لو أن أحدكم انتدب ليجمع هذه الضوابط أو التعليلات التي يعلل بها أفادنا وأفاد نفسه.
ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أنه لا ولاية للنساء على الرجال لا في قضاء ولا إمارة ولا أي شيء؛ لقوله: الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ، فمن عكس فقد خالف سُنَّة الله عز وجل، من جعل للمرأة الولاية فقد خالف سُنَّة الله.
فإن قال قائل: أليست الأم تكون ولية على أولادها وعلى أموالهم؟
قلنا: هذه ولاية خاصة وولاية طارئة بخلاف الولاية العامة، ولهذا قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: «لَنْ يُفْلِحَ قَوْمٌ وَلَّوْا أَمْرَهُمُ امْرَأَةً» .
فإن قال قائل: نجد بعض النساء تكون رئيسة للوزراء، تكون رئيسة الجمهورية، تكون ملكة.
قلنا: ولكن انظر إلى حال المولَّى عليهم، لو لم تقم عليهم هذه المرأة لكانوا أصلح حالًا بلا شك ولكانوا أفلح وأنجح، ولكن تأخروا بمقدار ما تولت عليهم هذه المرأة، وانظر مثلًا إلى بريطانيا، كانت بريطانيا أكبر دول المستعمرين استعمارًا حتى قيل: إنها لا تغيب الشمس عن مستعمراتها. والآن تقلصت حتى صارت في المرتبة الثالثة، كل ذلك لأنها تستولي عليها النساء.
انتهينا إلى قوله تعالى: وَبِمَا أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْوقلنا: إنه يُستنبط منها كراهة السؤال -سؤال المال- لأن الله جعل للمعطي فضلًا على المعطَى، ويشهد لهذا قوله صلى الله عليه وآله وسلم: «الْيَدُ الْعُلْيَا خَيْرٌ مِنَ الْيَدِ السُّفْلَى، وَالْيَدُ الْعُلْيَا يَدُ الْمُعْطِي، وَالْيَدُ السُّفْلَى يَدُ الْآخِذِ» .
ومن فوائد هاتين الآيتين قوله: مِنْ أَمْوَالِهِمْ، والمال كما هو معروف كل ما يتموَّل من أعيان ومنافع وغيرها، كل ما يتموَّل، فيؤخذ منه: أن هؤلاء لا ينفقون إلا مما تيقنوا أنه مالهم وأنهم لا يعتدون على أموال أحد.
ومن فوائد الآية الكريمة: أن النساء ينقسمن إلى قسمين.
طالب: النساء تنقسم إلى قسمين: حافظات، وغير حافظات.
طالب آخر: صالحة مطيعة لزوجها، وناشزة.
الشيخ: نعم، صالحة مطيعة لزوجها، وناشزة.
ومن فوائد الآية الكريمة: الثناء على حفظ الغيب؛ أي: على ما كان سرًّا بينك وبين أخيك. من أين تؤخذ؟
طالب: حَافِظَاتٌ لِلْغَيْبِ.
الشيخ: حَافِظَاتٌ لِلْغَيْبِ بِمَا حَفِظَ اللَّهُ.
ومن فوائد الآية الكريمة: أن للزوج السلطة على زوجته. من أين تؤخذ؟
طالب: شيخ، وَاللَّاتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلَا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلًا.
الشيخ: طيب.
ومن فوائد الآية الكريمة: التدرج في التأديب.
طالب: التدرج: فَعِظُوهُنَّبعدين اهْجُرُوهُنَّبعدين اضْرِبُوهُنَّ.
الشيخ: طيب.
ومن فوائدها: الإشارة إلى أن الله يزع بالسلطان ما لا يزع بالقرآن.
طالب: عند أمره بالتأديب ياشيخ، فقال..
الشيخ: يزع بالسلطان ما لا يزع بالقرآن.
الطالب: حيث إنه ربما لا يفيد الوعظ، فينتقل إلى الهجر في المضجع أو الضرب لأنه قد يكون أكثر نتيجة.
الشيخ: نعم، طيب.
ومن فوائد الآية: أنه إذا أمكن التأديب بالخطاب الديني الشرعي فإنه لا يرجع إلى التأديب بالفعل المحسوس.
طالب: ما تبغون عليهن؛ فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ.
الشيخ: لا.
طالب: لأن الله سبحانه وتعالى جعل الهجر والضرب بعد الموعظة.
الشيخ: بدأ بالموعظة التي هي تليين القلب بالشرع، فإذا لم يمكن فبالعقوبة.
ومن فوائد هذه الآيات: الإشارة إلى أن فراش الزوج والزوجة واحد.
طالب: من قوله تعالى: وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ.
الشيخ: وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ، فدل ذلك على أن هجر الإنسان لفراش زوجته لا يكون إلا عند النشوز.
ومن فوائد الآية الكريمة: تحريم نشوز المرأة على زوجها.
طالب: هو ترتيب هذا التعذيب يدل على أنه حرام النشوز.
الشيخ: نعم؛ حيث قوبل هذا النشوز بالموعظة ثم الهجر ثم الضرب.
ومن فوائد الآية: الإشارة إلى أنه لا يجوز الهجر بالكلام.
طالب: فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلَا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلًا.
الشيخ: لا.
طالب: حين أتبع قوله تعالى: وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِأتبعه بقوله: فِي الْمَضَاجِعِ.
الشيخ: فِي الْمَضَاجِعِ، وهل يجوز الهجر في الكلام؟
الجواب: يجوز في خلال ثلاثة أيام فقط؛ لقول النبي صلى الله عليه وآله وسلم: «لَا يَحِلُّ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَهْجُرَ أَخَاهُ فَوْقَ ثَلَاثٍ، يَلْتَقِيَانِ فَيُعْرِضُ هَذَا وَيُعْرِضُ هَذَا، وَخَيْرُهُمَا الَّذِي يَبْدَأُ بِالْكَلَامِ» .
ومن فوائد الآيات: بطلان قول بعض علماء التربية المعاصرين الذين يقولون: إنه لا تحصل التربية بالضرب؛ من قوله: وَاضْرِبُوهُنَّ.
وهل في السُّنَّة الشاهد على ذلك أيضًا؟
نعم، هو قوله صلى الله عليه وسلم: «وَاضْرِبُوهُمْ عَلَيْهَا لِعَشْرٍ» ، وبهذا يبطل قول علماء التربية الذين قالوا: إن الضرب لا يفيد وإنما يقسي القلب.
ومن فوائد الآيات: المكافأة بالمثْل.
طالب: عند الطاعة؛ فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلَا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلًا.
الشيخ: أنه عند الطاعة لا يجوز للإنسان أن يبغي عليها سبيلا.
ومن فوائدها: التغاضي عما مضى.
طالب: من قوله: فَلَا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلًا.
الشيخ: كيف ذلك؟
الطالب: (...).
الشيخ: لأنه يشمل فَلَا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلًايشمل الماضي والمستقبل.
ومن فوائد الآية الكريمة: الإشارة إلى أن الذي له العلو المطلق هو الله، فلا تتعالَ على غيرك.
طالب: إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيًّا كَبِيرًا.
الشيخ: من قوله: إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيًّا كَبِيرًا. ورأى النبي صلى الله عليه وسلم رجلًا يضرب غلامه، فقال له عليه الصلاة والسلام؛ سمع الرجل -هذا الصحابي- صوتًا: «يَا فُلَانُ، يَا فُلَانُ، اللَّهُ أَقْدَرُ عَلَيْكَ مِنْكَ عَلَى هَذَا الْعَبْدِ». فالتفت فإذا هو رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فأعتق العبد . ففي هذا الإشارة.. كل إنسان يتعالى في نفسه أن يتذكر علو الله عز وجل.
ومن فوائد هذه الآية الكريمة: إثبات هذين الاسمين لله عز وجل وهما: العلي، الكبير.
هل علو الله معنوي أو حسي؟
طالب: علو حسي ومعنوي.
الشيخ: حسي ومعنوي، يشمل؟
الطالب: يشمل علو الذات وعلو القدر.
الشيخ: وعلو الصفات؛ علو الذات، وعلو الصفات يشمل القدر والقهر.
ما هو مذهب أهل السنة والجماعة في هذه المسألة ومذهب من خالفهم؟
طالب: (...) يثبتون لله (...) بجلاله وعظمته (...).
الشيخ: يثبتون لله المعنيين: علو الذات وعلو الصفات. من خالفهم؟
طالب: قالوا: الله حالٌّ بين العباد.
الشيخ: في كل مكان، هذا واحد، وطائفة أخرى؟
الطالب: الاتحادية.
الشيخ: لا.
طالب: المعتزلة والأشاعرة.
الشيخ: الذين قالوا؟
طالب: علو الصفات دون علو الذات.
الشيخ: إي، لكن ماذا يقولون؟ حتى الذين قالوا: بذاته في كل مكان، ينكرون علو الذات.
طالب: يقولون: إن الله سبحانه وتعالى لا فوق ولا تحت ولا محايد.
الشيخ: تمام، يعني إذن طائفتان متطرفتان: طائفة أثبتت أن الله في كل مكان، وطائفة نفت أن يكون الله في مكان، عرفتم؟ طائفة قالت: نقول: إن الله لا فوق العالم ولا تحته ولا داخله ولا خارجه ولا متصل ولا منفصل ولا مباين ولا محايد، ولا نصفه بأي شيء من هذا. وهؤلاء في الحقيقة كما قال محمود بن سبكتكين لابن فورك؛ قال: بيِّن لي الفرق بين إلهك وبين العدم. وصحيح هذا هو العدم، والذين قالوا: الله بيأتي في كل مكان، أيضًا لم يقدروا الله حق قدره؛ لأنهم جعلوه في أماكن القذر وأماكن الشرف وأماكن اللغو وفي كل مكان، إذن نحن نؤمن بأن الله سبحانه وتعالى عالٍ بذاته فوق جميع الخلق، وأن كل الخلق بالنسبة إليه ليس إلا أيش؟ كحبة خردل في كف أحدنا، وليس بشيء بالنسبة لله عز وجل.
الكبير هنا المراد بالكبير عَلِيًّا كَبِيرًايعني الكبرياء أو ما هو أعم؟
طالب: ما هو أعم.
الشيخ: ما هو أعم؛ يعني الكبرياء الذي هو الكبر المعنوي؛ كما قال تعالى: وَلَهُ الْكِبْرِيَاءُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ [الجاثية: ٣٧] وقال سبحانه وتعالى: الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ [الحشر: ٢٣]، وكذلك أن كل شيء بالنسبة إلى ذاته ليس بشيء.
من فوائد الآية الكريمة الثانية: وجوب عناية ولاة الأمور بالمجتمع.
طالب: من قوله: وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُوا.
الشيخ: فَابْعَثُوا، والخطاب هنا قلنا لولاة الأمور.
ومن فوائد الآية الثانية الكريمة: أن المبعوثين حَكَمان وليسا وكيلين كما قاله بعض العلماء.
طالب: من قوله: فَابْعَثُوا حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ.
الشيخ: من قوله: فَابْعَثُوا حَكَمًا، والْحَكَم مستقل ولَّا وكيل؟
طالب: مستقل.
الشيخ: مستقل؟ طيب.

***

طالب: فَابْعَثُوا حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِنْ أَهْلِهَا إِنْ يُرِيدَا إِصْلَاحًا يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا خَبِيرًا (٣٥) وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَبِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى وَالْجَارِ الْجُنُبِ وَالصَّاحِبِ بِالْجَنْبِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ مَنْ كَانَ مُخْتَالًا فَخُورًا [النساء: ٣٥، ٣٦].

الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم.
نحن بصدد استنباط الفوائد والأحكام من الآية التي قرأ الأخ، وهي قوله تعالى: وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُوا حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِنْ أَهْلِهَاوذكرنا فوائد، كم؟
طالب: واحد وعشرين.
الشيخ: واحد وعشرين فائدة.
من فوائد الآية الكريمة: أنه لا بد أن يكون عند الْحَكَمين علم بالشرع؛ لأن الْحَكَم لا يمكن أن يحكم إلا بعد العلم، ولا بد أن يكون لديهما أمانة وثقة دينية؛ لأن غير الثقة لا يؤمَن، وقد قال الله تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا [الحجرات: ٦].
والحاكم مخبر وملزِم وفاصل؛ فهو مخبر عن حكم الله، ملزِم بما يحكم به، فاصلٌ بين الخصمين، فلا بد أن يكون عدلًا في دينه.
ومن فوائد الآية الكريمة: الإشارة إلى أنه ينبغي أن يكون الحاكم عالمًا بأحوال من يحكم فيهم؛ لقوله: مِنْ أَهْلِهِ، مِنْ أَهْلِهَا؛ لأن الذي من أهله وأهلها أقرب إلى العلم بحالهما من الرجل الأجنبي، وعلى هذا فلا ينبغي أن يولي قاضيًا على قوم لا يعرف طبائعهم ولا يعرف لسانهم ولا يعرف أحوالهم؛ فإن هذا يفوت به شيء كثير من القضاء.
ومن فوائد الآية الكريمة: جواز حكم القريب لقريبه أو عليه؛ أما حكمه عليه فلا إشكال فيه لانتفاء التهمة، وأما حكمه له فقد يكون فيه تهمة، حكم القريب للقريب، فما هو الشيء الذي يمكن أن تكون فيه التهمة التي تمنع من نفوذ الحكم؟
قال بعض العلماء: إن الإنسان لا يحكم لأصله ولا لفرعه ولا لزوجه؛ لأنه متهم لقوة الصلة؛ ففرْعُه بعضٌ منه؛ لقول الرسول عليه الصلاة والسلام: «إِنَّمَا فَاطِمَةُ بَضْعَةٌ مِنِّي» ، وأصله هو بعض منه، وعلى هذا فلا يحكم لأصله ولا لفرعه.
والقول الصحيح أنه يحكم لأصله وفرعه إذا قويت الثقة، ونتأكد هنا في الثقة أكثر مما نتأكد من الأجنبي أو من القريب البعيد.
ومن فوائد هذه الآية الكريمة: الإشارة إلى حُسن النية في الحكم؛ لقوله تعالى: إِنْ يُرِيدَا إِصْلَاحًا يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا، وأنه يجب على الإنسان المحكَّم أن يكون رائده الإصلاح لا غير، لا إرضاء فلان ولا فلان، الإصلاح.
ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن النية الطيبة سبب لصلاح العمل.
طالب: لقوله تعالى: إِنْ يُرِيدَا إِصْلَاحًا يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا.
الشيخ: إِنْ يُرِيدَا إِصْلَاحًا يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا، وعلى هذا فنأخذ فائدتين معاكستين: تحريم سوء النية في الحكم، وأن سوء النية يُفضي إلى فساد الأمر؛ لأن ما حصل بشيء فات بفواته.
ومن فوائد الآية الكريمة: أن الأمور بيد الله عز وجل، حتى الأمور الجزئية؛ لقوله: يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا، فيكون في هذا ردٌّ على المعتزلة الذين يرون أن العباد يخلقون أفعالهم ولا علاقة لله بها، وهم القدرية، هم المعتزلة قدرية.
ومن فوائد الآية الكريمة: أن الجزاء من جنس العمل، وجهه أنهما لما أرادا الإصلاح أثابهم الله عز وجل بالتوفيق؛ لقوله: إِنْ يُرِيدَا إِصْلَاحًا يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا.
ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات صفتي العلم والخبرة من قوله تعالى: إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا خَبِيرًا، والخبرة أخصُّ من العلم؛ لأنها العلم ببواطن الأمور.
وهل يستفاد من قوله: كَانَ عَلِيمًا خَبِيرًاأنه الآن ليس كذلك؟
طالب: لا، كان ولا زال.
الشيخ: كيف نفهم كان ولا زال مع أن كَانَفعل ماض؟
الطالب: لأنها ليست على بابها.
الشيخ: ليست على بابها، ما المراد بها؟
الطالب: المراد بها التحقيق.
الشيخ: تحقيق الصفة، تمام، فهي مسلوبة الزمان.
أظن ذكرنا أن الْحَكَمين لهما أن يفرقا ويجمعا بعوض وبغير عوض.
إذن يستفاد من الآية الكريمة: أن لهذين الْحَكَمين التفريق والتوفيق بين الزوجين اللذين خيف الشقاق بينهما سواء بعوض أو بدون عوض.
ومن الفوائد أيضا: أن حكمهما ملزِم؛ لأن الله سماهما حَكَمين، والْحَكَم قوله لازم وفصله فصل.

***

تفسير الآية (36)
00:47:54

ثم قال الله تعالى: وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا ...إلى آخره.
اعْبُدُواالعبادة: التذلل والتطامن والخضوع والتواضع وما أشبه ذلك، وكلها تدور على الذل، ومنه قولهم: طريق معبَّد؛ يعني مُذلَّلًا للسالكين مهيَّئًا لهم، والمراد بعبادة الله سبحانه وتعالى: القيام بأمره، القيام بأمره هو عبادته.
اعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا(لا) ناهية؛ والشرك أن يساوى غير الله بالله فيجعل ندًّا له، وقوله: شَيْئًانكرة في سياق النهي فتعم: لا تشركوا بالله نبيًّا ولا رسولًا ولا ملكًا ولا غيره، أيّ شيء، ثم النهي عن الشرك يشمل أي نوع من أنواع الشرك، وسيأتي إن شاء الله في استنباط الفوائد ما فيه الكفاية.
وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًامعنى لَا تُشْرِكُوا بِهِلا تساووا غيره به فيما هو من حقوق.
وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًاعطف حق الوالدين على حق الله عز وجل لأن حق الله أعظم الحقوق، وحق الرسول صلى الله عليه وسلم أعظم من حق الوالدين لكنه داخل في حق الله؛ لأن العبادة لا تتم إلا بإخلاص ومتابعة، والمتابعة هي أداء حق الرسول عليه الصلاة والسلام. (الوالدين) تثنية والد، وهما: الأم والأب، ويدخل في ذلك الجد والجدة، ولكن حق الأقرب فالأقرب أولى من الأبعد.
وقوله: إِحْسَانًامصدر أَحْسَنَ يُحْسِنُ، وهل الجار والمجرور متعلق به أو هو متعلق بفعل محذوف دل عليه المصدر؟ فعلى الأول يكون تقدير الكلام: وإحسانًا بالوالدين، ويكون المصدر هنا بمعنى الفعل، وعلى الثاني يكون التقدير: وأحسِنوا بالوالدين إحسانًا، وهذا أقرب أن يكون الجار والمجرور متعلقًا بمحذوف دل عليه المصدر الموجود؛ وذلك لأن عمل المصدر ضعيف فلا يسبقه معموله، فالمصدر لا يعمل فيما قبله، وعلى هذا فنقول: إِحْسَانًامفعول مطلق عامله محذوف: أحسِنوا بالوالدين إحسانًا.
معاملة الوالدين لا تخلو من إحدى حالات ثلاث: إساءة، إحسان، لا إساءة ولا إحسان؛ والمأمور به هو الإحسان، وضده الإساءة، أو لا إساءة ولا إحسان، فلا بد من إحسان بالوالدين.
وَبِذِي الْقُرْبَى(ذي) بمعنى صاحب، والْقُرْبَىبمعنى القرابة، والدليل على أن القربى بمعنى القرابة قوله تعالى: قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى [الشورى: ٢٣]؛ أي: المودة في القرابة، هذا هو الصحيح؛ أي: بسبب القرابة، أي: لا أسألكم عليه أجرًا، ولكن ودُّوني بسبب قرابتي منكم لأنني ابنكم. فهنا بِذِي الْقُرْبَىأي: بصاحب القرابة، فنص على الوالدين أولًا وثنَّى بالقرابة؛ وذلك لأنه لا قرابة لك إلا بواسطة الوالدين؛ من الذي وصلك بعمك أو بخالك أو بأخيك أو بأختك إلا الوالدان، فلهذا جُعِلت منزلة القرابة بعد منزلة الوالدين.
وَالْيَتَامَىجمع يتيم، وهو من مات أبوه قبل أن يبلغ، أي: من مات أبوه قبل أن يبلغ؛ أي الولد، وإنما أمر بالإحسان إلى اليتامى لانكسار قلوبهم بفقد مربيهم وهو الأب، فأما من ماتت أمه دون أبيه فليس بيتيم.
وَالْمَسَاكِينِجمع مسكين، وهو المعدِم من المال، ويدخل فيه هنا الفقير؛ لأن الفقير والمسكين كلمتان إن ذُكِرتا جميعًا اختلف المعنى فيهما جميعًا، وإن انفصلت إحداهما عن الأخرى صارت كل واحدة بمعنى الأخرى، وسُمِّي المعدِم مسكينًا لأن الفقر أسكنه وأذله -نسأل الله لنا ولكم العافية- الإنسان الفقير ذليل، ولهذا لا يطمع أن يصل إلى المرتبة التي وصل إليها الأغنياء إلا إذا كان فيه وصف يصعد به إلى درجة الأغنياء؛ فمثلًا: الإنسان الفقير يعرف نفسه أنه منحط الرتبة عن الأغنياء، لكن لو فُرِض أن هذا الإنسان الفقير شجاع مقدام صار هذا الوصف الذي فيه يرقيه إلى أن يكون في مرتبة الأغنياء أو أكثر، لو فرضنا أن هذا الفقير ذو علم صار في منزلة يرقيه إلى درجة الأغنياء أو أكثر، لكن مجرد كونه آدميًّا وهو فقير لا يطمع في أن ينال مرتبة الأغنياء؛ ولهذا وصى به الله عز وجل.
وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى وَالْجَارِ الْجُنُبِالجار هو من كان قريبًا منك في منزلك، القريب في المنزل، الجار من كان قريبًا منك في المنزل، ومن المعلوم أنه يختلف قربه بحسب المسافة؛ ولكن القريب الجار إما أن يكون قريبًا منك في النسب أو بعيدًا، وأشار الله تعالى إلى الصنفين فقال: ذِي الْقُرْبَىأي: ذي القرابة.
وَالْجَارِ الْجُنُبِأي: البعيد؛ لأن الجيم والنون والباء كلها مادة تدل على البعد، فالمعنى: الجار البعيد الذي ليس بينك وبينه قرابة، وقيل: المعنى الْجَارِ ذِي الْقُرْبَىالقريب منك في السكن، وَالْجَارِ الْجُنُبِالبعيد في السكن، ولكن المعنى الأول أصح، والمعنى الثاني يغني عنه قوله: وَالْجَارِ؛ لأن الجار هو من قرب منك في المنزل، يُعلم منه أنه كلما قرب منك في المنزل كان أقرب جوارا٠
وَالصَّاحِبِ بِالْجَنْبِالصاحب بالجنب يعني: الذي يصاحبك في جنبك، وقد اختلف المفسرون فيه فقيل: إنه الزوجة، وقيل: إنه صاحبك في السفر، واللفظ يحتمل المعنيين فيُحمل عليهما؛ فالإنسان مأمور بأن يُحسن بالصاحب بالجنب؛ أي: بالزوجة أو بالصاحب في السفر؛ لأن كلًّا منهما له حق بالصحبة.
وَالصَّاحِبِ بِالْجَنْبِ وَابْنِ السَّبِيلِابْنِ السَّبِيلِأي: المسافر، والسَّبِيلِ: الطريق، وسُمِّي المسافر ابن سبيل لملازمته له -أي: للطريق- كما يقال: ابن الماء، لطير الماء الملازم للماء؛ فيه طيور الآن دائما تلازم الماء، دائما تحوم على البحار تلتقط ما يحصل من سمك وغيره، فيُسمَّى هذا الطير يُسَمَّى ابنَ الماء، يُسَمَّى المسافر الذي جدَّ به السير يُسَمَّى ابنَ السبيل؛ لأنه ملازم للطريق.
وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْأي: أحسِنوا بما ملكت أيمانكم. كلمة (ما) اسم موصول؛ أي: والذي ملكت أيمانكم، والاسم الموصول يفيد العموم فيشمل ما ملكت أيماننا من الإنسان وما ملكت أيماننا من الحيوان، وكلاهما مأمور بالإحسان إليه، والإحسان إلى الإنسان أوكد من الإحسان إلى البهائم، ولهذا نجد أننا نقتل البهائم من أجل مصلحتنا؛ نذبح هذه الشاة نتفكَّه بها لحما.
وعلى هذا فنقول: ما ملكت الأيمان يشمل أيش؟ الإنسان والحيوان، ولكنه بالإنسان أوكد؛ لأن حق الإنسان أعظم من حق الحيوان.
ثم قال الله عز وجل في ختام الآية: إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ مَنْ كَانَ مُخْتَالًا فَخُورًاإن الله لا يحب الذي كان مختالًا، كَانَهنا فعل ماضٍ لكنها مسلوبة الزمنية، والمراد: لا يحب من اتصف بالاختيال والفخر. والمختال في هيئته، والفخور بلسانه؛ فالاختيال يكون بالفعل والفخر يكون باللسان، فمن كان مختالًا بفعله فإن الله لا يحبه، ومن كان فخورًا بقوله فإن الله لا يحبه أيضًا، وختم الآية بهذه الجملة لأن الغالب أن من يستكبر عن عبادة الله وعن هذه الوصايا النافعة الغالب عليه أن فيه اختيالًا وفيه فخرًا واستنكافًا واستكبارًا، فلهذا ختم الله هذه الآية المشتملة على هذه الوصايا العظيمة بهذه الجملة إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ مَنْ كَانَ مُخْتَالًا فَخُورًا.
هذه الآية كما ترون فيها بيان الحقوق: حق الله وحق غيره من الناس وغير الناس.
فمن فوائدها: وجوب عبادة الله؛ لقوله: وَاعْبُدُوا اللَّهَ، والأمر هنا للوجوب بالإجماع، ولا أحد ينكر، ولا أحد يمكن أن يقول: هذا الأمر للاستحباب.
ومن فوائد هذه الآية الكريمة: تحريم الشرك؛ لقوله: وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا.
ومن فوائدها: أن الشرك بأنواعه صغيره وكبيره خَفِيَّه وجليَّه كله محرَّم؛ لقوله: وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا، عامٌّ، وعليه يكون الرياء حرامًا لأنه شرك، ويكون الحلف بغير الله حرامًا لأنه شرك، ويكون تسوية الله بغيره حرامًا في مثل: ما لي إلا الله وأنت، وما أشبه ذلك لأنه شرك، والعلماء رحمهم الله كتبوا في هذا الموضوع -أي: في الشرك وأنواعه- كتابات كثيرة، من أحسنها كتاب التوحيد لشيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب رحمه الله؛ فإنه بيَّن أنواعًا كثيرة من الشرك.
ومن فوائدها: أن الإثبات المحض لا يدل على التوحيد، من أين تؤخذ؟
الطلبة: وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا.
الشيخ: وَاعْبُدُوا اللَّهَأنه كما أمر بالعبادة قال: وَلَا تُشْرِكُوا؛ وذلك أن الإنسان قد يعبد الله لكن يعبد غيره، فنقول: إذا عبد مع الله غيره فإنه لم يخلص العبادة لله، والمطلوب إخلاص العبادة له.
ومن فوائد الآية الكريمة: وجوب الإحسان إلى الوالدين؛ لقوله: وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا، ولكن التعبير القرآني يقول: وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًاولم يقل: وإلى الوالدين؛ لأن المطلوب مباشرة الإنسان بالإحسان إلى الوالدين لا إيصال الإحسان فقط؛ لو قال: إلى الوالدين إحسانًا، كان المطلوب إيصال الإحسان فقط، ولكن نقول: المطلوب الإحسان بالوالدين حتى في مباشرة إيصال الإحسان إليهما، يجب أن تكون محسنًا بذلك.
ومن فوائد الآية الكريمة: أن أعظم حقوق البشر حق الوالدين؛ لأن الله جعله في المرتبة الثانية بعد حقه، ولا يرِد على هذا حق الرسول عليه الصلاة والسلام؛ لأن حق الرسول داخل في حق الله، ووجهه أن العبادة لا تتم إلا بالإخلاص لله والمتابعة لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وإذا تحققت متابعة الرسول فقد أديت حقه، الرسول لا يسألنا أجرًا، إنما يسألنا أن نتعبد لله بما شرعه.
ومن فوائد الآية الكريمة: تحريم الإساءة إلى الوالدين؛ لأن الأمر بالشيء نهيٌ عن ضده.
وهل نقول من فوائدها أيضًا: أن من لم يُحسِن ولم يُسِئْ فهو مقصر؟ يمكن أن نقول هكذا؟
طلبة: إي نعم، ممكن.
الشيخ: نعم، من لم يُحسِن ولم يُسِئْ فهو مقصر؛ لأن الله أمر بالإحسان، وخلاف الإحسان شيئان: إساءة، وعدم الإساءة والإحسان، وهذا خلاف ما أمر الله به.
ومن فوائد الآية الكريمة: الأمر بالإحسان إلى القرابة؛ لقوله: وَبِذِي الْقُرْبَى، وفائدة إعادة الحرف حرف الجر بِذِي الْقُرْبَىالإشارة إلى أن الإحسان إلى القرابة مستقل؛ بمعنى أنه لو فُرِض أن الرجل ليس له والدان فحق القرابة ثابت، لا نقول: إن حقهما مبني على حق الوالدين تابع له؛ لأن الوالدين قد يكونان ميتين، فحق القرابة باقي.
ومن فوائد الآية الكريمة: أن الأقرب فالأقرب أولى بالإحسان، من أين يؤخذ؟
أن الله قدَّم الوالدين وهما أقرب القرابات، هذه واحدة، فقياسًا على ذلك أن نقول: من كان أقرب من بقية القرابات فهو أحق، هذا وجه.
الوجه الثاني: أن المعلَّق على وصف يقوى بقوة ذلك الوصف ويضعف بضعف ذلك الوصف، والحكم هنا معلَّق على أيش؟
الطلبة: القرابة.
الشيخ: على القرابة، فكل من كان أقرب كان حقه أوكد، فصارت دلالة على أننا نقدِّم الأقرب فالأقرب من وجهين: الوجه الأول قياسي، والثاني معنوي. القياسي؟
طالب: قوله سبحانه: بِذِي الْقُرْبَى(...) الوالدين.
الشيخ: نعم، والوالدان أقرب القرابات. الثاني؟
الطالب: ذِي الْقُرْبَىعُلِّق بوصف.
الشيخ: أن الحكم هنا معلَّق على وصف، والقاعدة أن ما عُلِّق على وصف فإنه يقوى بقوَّته وينقص بنقصه، تمام.
من فوائد الآية الكريمة: الأمر بالإحسان إلى الأيتام؛ لقوله: وَالْيَتَامَى. والإحسان إلى الأيتام يكون بالمال ويكون بالقول ويكون بالفعل، يعني كغيرهم أيضًا، الإحسان يكون بالقول والفعل والمال والجاه وكل شيء.
ومن فوائد الآية الكريمة: الأمر بالإحسان إلى المساكين؛ لقوله: وَالْمَسَاكِينِ.
وهل نقول في المساكين كما قلنا في القربى بأن من كان أشد مسكنةً كانت الوصية به أوكد؟
الطلبة: (...).
الشيخ: نعم؛ لأنه عُلِّق على وصف. واليتامى أيضا؟
طالب: كذلك.
الشيخ: كذلك؟
طالب: اليتيم واحد.
الشيخ: اليتيم لا يتنوع، اليتيم واحد؛ يعني من له أربع عشرة سنة ومن له سنة واحدة هما سواء في اليتم.
ومن فوائد الآية الكريمة: الأمر بالإحسان إلى الجار سواء كان قريبًا أم بعيدًا؛ لقوله تعالى: وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى وَالْجَارِ الْجُنُبِ. وقد ثبت عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: «مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَلْيُكْرِمْ جَارَهُ» ، فعلَّق الرسول عليه الصلاة والسلام الإيمان -يعني كمال الإيمان- على إكرام الجار، والإكرام ضد الإهانة.
ومن فوائد الآية الكريمة: الأمر بالإحسان إلى الصاحب بالجنب: الزوجات والأصحاب في السفر؛ لقوله: وَالصَّاحِبِ بِالْجَنْبِ.
وهل يمكن أن نقول ما قلنا فيما سبق في الأوصاف؟
نقول: نعم، لا شك، فالنساء -أعني الزوجات- تختلف صفتهن لأزواجهن، وكذلك المسافرون أصحاب السفر تختلف صحبته معك في السفر، فكل من كان أقْوَمَ بهذه الصحبة كان أحق بالإحسان.
ومن فوائد الآية الكريمة: الأمر بالإحسان إلى ابن السبيل؛ لأن الغالب أنه يكون محتاجًا، وإذا قُدِّر اندفاع حاجته بغناه فإنه يكون غريبًا في البلاد، والغريب يحتاج إلى عناية، يحتاج إلى من يدله على الطريق، إلى من يدله على ما فيه مصالحه، فهو في حاجة.
ومن فوائد الآية الكريمة: الأمر بالإحسان إلى ما ملكت الأيمان؛ لقوله: وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْمن آدمي أو حيوان؛ لأنه كله ملك لأيماننا.
ومن فوائد الآية الكريمة: جواز التعبير بالبعض عن الكل؛ لقوله: مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ، والمراد: ما ملكتم، لكن هذا شيء معلوم.
هل نأخذ من هذه الآية الكريمة: تحريم الإساءة إلى من ذُكِر؟
الطلبة: نعم.
الشيخ: وجهه؟ أن الأمر بالشيء نهيٌ عن ضده، فإذا كان الله تعالى أمر بالإحسان إلى هؤلاء فالإساءة إلى هؤلاء محرَّمة، ومِن أشد ما يكون الإساءة إلى الوالدين، ثم ذي القربى، ثم اليتامى، ثم المساكين، ثم الجيران، وقد قال النبي عليه الصلاة والسلام: «وَاللَّهِ لَا يُؤْمِنُ -أو قال: وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَا يُؤْمِنُ- مَنْ لَا يَأْمَنُ جَارُهُ بَوَائِقَهُ» ؛يعني ظُلمه وغشمه، فنفى الإيمان عن الشخص الذي لا يأمن جاره بوائقه، فكيف بمن أصابته بوائق جاره! يكون أشد، نسأل الله السلامة.
ومن فوائد الآية الكريمة: عناية الله سبحانه وتعالى بعباده من وجوه في هذه الآية؛
أولًا: من جهة القيام بالحق في الوالدين والقرابات.
وثانيًا: من جهة جبر النقص الذي يحصل على بعض الناس مثل المساكين واليتامى.
وثالثًا: أن حسن الجوار سبب للالتحام والالتئام بين الناس وعدم الكراهية والبغضاء، ولهذا يوجد في وقتنا الآن مع الأسف أن كثيرًا من الجيران لا يعرف جاره، ولا يدعوه في المناسبات، ولا يرسل إليه الهدايا، وقد قال النبي عليه الصلاة والسلام: «إِذَا طَبَخْتَ مَرَقَةً فَأَكْثِرْ مَاءَهَا وَتَعَاهَدْ جِيرَانَكَ» ، وهذا مع الأسف غير موجود مع أنه فيه فائدة اجتماعية عظيمة؛ فهو من عناية الله بالخلق.
ومن فوائد الآية الكريمة: أن الله تعالى أرحم بالإنسان من أولاده، من أين يؤخذ؟
طالب: وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا.
الشيخ: من قوله: وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا؛ حيث أمر الولد أن يُحسن إلى والده، وهذا يدل على أن الله أرحم بالإنسان من أولاده، كما أن قوله تعالى: يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ [النساء: ١١] يدل على أن الله أرحم بالإنسان من والديه، وهذا هو الواقع؛ كانت امرأة فقدت صبيًّا لها في السبي، فجاءت إلى النبي عليه الصلاة والسلام المدينة تنظر في السبايا وقد زاغ عقلها، فلما وجدت صبيها أخذته وضمَّته على صدرها، فقال الرسول عليه الصلاة والسلام: « أَتَرَوْنَ هَذِهِ تُلْقِي وَلَدَهَا فِي النَّارِ؟». قالوا: لا يا رسول الله، لا يمكن، قال: « اللَّهُ بِعِبَادِهِ أَرْحَمُ مِنْ هَذِهِ الْوَالِدَةِ بِوَلَدِهَا» -اللهم لك الحمد- « اللَّهُ أَرْحَمُ بِعِبَادِهِ مِنْ هَذِهِ الْوَالِدَةِ بِوَلَدِهَا » . ولا يصيبنا ما أصاب -ما يصيبنا مما يخالف الرحمة- إلا بأسباب ذنوبنا؛ وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ [الشورى: ٣٠].
من فوائد الآية الكريمة: إثبات محبة الله. منين؟
طالب: إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ مَنْ كَانَ مُخْتَالًا فَخُورًا.
الشيخ: هذا نفي للمحبة.
الطالب: المعنى مفهوم المخالفة أنه يحب من ليس مختالًا ولا فخورًا.
الشيخ: لكن لو قال قائل: هذا نفي وليس بإثبات، ماذا تقول؟
نقول: لو كانت المحبة منتفية ولا تجوز على الله لم يكن لنفيها فائدة هنا، وعلى هذا فإنها تدل على إثبات المحبة لله، ومذهب السلف وأهل السنة إثبات المحبة لله حقيقة وأنه جل وعلا يحب، وأن محبته تتعلق بالأعمال، وتتعلق بالأشخاص، وتتعلق بالأزمنة، وتتعلق بالأمكنة؛ فقد سئل الرسول عليه الصلاة والسلام: أيُّ العملِ أَحَبُّ إلى الله؟ قال: «الصَّلَاةُ عَلَى وَقْتِهَا» ، وهذا تعليق المحبة بماذا؟
الطلبة: بالعمل.
الشيخ: بالأعمال.
وقال الله تعالى: إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا [الصف: ٤].
الطلبة: بالأشخاص.
الشيخ: بالأشخاص المعيَّنين بالوصف.
وتكون بالأشخاص المعيَّنين بالشخص كقول الرسول عليه الصلاة والسلام: «إِنَّ اللَّهَ اتَّخَذَنِي خَلِيلًا كَمَا اتَّخَذَ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا» ، والْخُلَّة أعلى أنواع المحبة.
وتكون معلَّقة بالأماكن؛ «أَحَبُّ الْبِقَاعِ إِلَى اللَّهِ مَسَاجِدُهَا» .
وربما تكون متعلقة بالزمن مثل قوله: «مَا مِنْ أَيَّامٍ الْعَمَلُ الصَّالِحُ فِيهِنَّ أَحَبُّ إِلَى اللَّهِ مِنْ هَذِهِ الْأَيَّامِ الْعَشْرِ» ، فإن الزمن كان محبوبًا إلى الله فيها لأن الله يحبها، وفي هذا الاستدلال ضعف، لكن على كل حال محبة الله عز وجل تكون مقيَّدة بما قيَّده الله به، فهي ثابتة لله حقًّا.
طالب: القول؟
الشيخ: القول من الأعمال.
الطالب: لقوله صلى الله عليه وسلم : «كَلِمَتَانِ خَفِيفَتَانِ» ..
الشيخ: إي، أقول: القول من الأعمال، إي نعم.
طيب، هل أحد من الناس أنكر المحبة؟
طالب: نعم.
الشيخ: نعم، أنكرها المعطلة من الأشاعرة والمعتزلة والجهمية ومن شابههم؛ قالوا: لا يمكن الله يحب؛ المحبة لا تكون إلا بين شيئين متناسبين؛ يحب الرجل زوجته، يحب ابنه، يحب صديقه، ولا تناسب بين الخالق والمخلوق. فكيف يحب الله الشخص؟ كيف يحب الرسول؟ كيف يحب كذا؟
طيب في القرآن؛ قالوا: المراد بالمحبة إرادة الثواب أو الثواب نفسه.
طيب إذا قلنا: إرادة الثواب، فالإرادة لا تكون إلا على شيء محبوب؛ يعني إرادة الثواب لا تكون إلا على شيء محبوب؛ هل يريد الله أن يثيب أحدًا وهو يكرهه؟ لا يمكن، إذن ما دمتم أثبتم الثواب يلزمكم أن تثبتوا المحبة؛ إذ لا يمكن أن تكون إرادة الثواب أو الثواب نفسه إلا على شيء محبوب لله.
وأما قولكم: إن المحبة لا تكون إلا بين شيئين متناسبين، فقول باطل؛ فقد ثبت عن النبي عليه الصلاة والسلام أنه قال: «أُحُدٌ جَبَلٌ يُحِبُّنَا وَنُحِبُّهُ» ، والجبل كومة من الأحجار والأتربة وغيرها، جماد، ومع ذلك قال: «يُحِبُّنَا وَنُحِبُّهُ»؛ وكذلك أيضًا حيوانٌ يحبُّه الإنسان وهو يحبُّ الإنسان، كون الإنسان يحبه واضح؛ كثيرًا ما تحب مثلًا هذه البعير؛ بعيرك على بعير غيرك، أو شاتك على شاة غيرك، هذا واضح، لكن هي تحبك؟ كيف؟ مشاهدٌ هذا؛ البعير تأتي إلى راعيها –صاحبها- من بين الناس، تأتي إليه وتَدَلَّكُ به وتستجديه، وقد شوهد في الإبل أن الإنسان إذا أراد أن ينام في الليالي الباردة يجعل البعير بينه وبين الريح وينام تحتها؛ تحت البعير في حضنها، وأن البعير -يعني- تميل عليه لتكون عليه كالغطاء، يحدثنا بذلك أهل الجِمال يقول: ترجع عليه حتى يدفأ منها وتقيه الريح. وهذا يدل على أنها تحبه، لو كانت تكرهه طحنته، ما راح تقيه البرد.

***

تفسير الآية (37)
01:21:31

طالب:
أعوذ بالله من الشيطان الرجيم الَّذِينَ يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبُخْلِ وَيَكْتُمُونَ مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُهِينًا (٣٧) وَالَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ رِئَاءَ النَّاسِ وَلَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَمَنْ يَكُنِ الشَّيْطَانُ لَهُ قَرِينًا فَسَاءَ قَرِينًا (٣٨) وَمَاذَا عَلَيْهِمْ لَوْ آمَنُوا بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقَهُمُ اللَّهُ وَكَانَ اللَّهُ بِهِمْ عَلِيمًا} [النساء: ٣٧- ٣٩].
الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم. قال الله تبارك وتعالى في ختام آية الحقوق العشرة: وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًاقال في ختام هذه الآية: إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ مَنْ كَانَ مُخْتَالًا فَخُورًامختالًا في هيئته، فخورًا في لسانه بقوله، والمراد بالفخور: الذي يتحدث بما هو عليه من الصفات افتخارًا على الناس لا إخبارًا بنعمة الله عز وجل، فأما إذا كان إخبارًا بنعمة الله فإنه تحدُّثٌ بنعمة الله وهو مشروع، بيَّن من صفات هذا المختال الفخور قال:
الَّذِينَ يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبُخْلِالَّذِينَيجوز أن تكون بدلًا من مَنْفي قول الله تعالى: مَنْ كَانَ مُخْتَالًا فَخُورًاباعتبار المعنى؛ لأن (مَن) مفردة اللفظ مجموعة المعنى؛ يعني صالحة للجمع والمفرد؛ ولفظها مَنْ كَانَ مُخْتَالًا فَخُورًامفرد، ويجوز أن يوصف بالجمع باعتبار المعنى؛ فـالَّذِينَ يَبْخَلُونَيجوز أن تكون صفة لـمَنْ، ويجوز أن تكون خبر مبتدأ محذوف؛ التقدير: هم الذين يبخلون ويأمرون الناس بالبخل.
وقوله: بِالْبُخْلِفيها قراءتان: بِالْبُخْلِو{بِالْبَخَلِ}، فقوله: الَّذِينَ يَبْخَلُونَما معنى البخل؟ البخل هو إمساك ما يجب بَذْله، إمساك ما يجب بذله بخل مِن مال أو علم أو جاه أو عمل، كل ما يجب بذله من هذه الأشياء فإنه بخل، ولهذا جاء في الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم: «الْبَخِيلُ مَنْ إِذَا ذُكِرْتُ عِنْدَهُ لَمْ يُصَلِّ عَلَيَّ» . اللهم صلِّ وسلم عليه، هذا بخل بأيش؟ بما يجب من عمل. وما يجب من جاهٍ كالشفاعة الواجبة إذا بَخِل بها الإنسان فإن هذا بُخْل، وما يجب من مال -وأعلاه الزكاة- هذا البخل فيما يجب من المال، والرابع: ما يجب من العِلم، هذا أيضًا بُخْل، وهو من أشد أنواع البخل؛ وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلَا تَكْتُمُونَهُ [آل عمران: ١٨٧]، وفي الحديث: «مَنْ سُئِلَ عَنْ عِلْمٍ يَعْلَمُهُ فَكَتَمَهُ أُلْجِمَ بِلِجَامٍ مِنْ نَارٍ يَوْمَ الْقِيَامَةِ» ، فهذه أنواع البخل، فيه أيضًا البخل بالبدن، خامس، البخل بالبدن؛ إذا وجب عليك إعانة مسلم كإنقاذه من حريق أو غرق أو هدم أو غير ذلك فلم تفعل فإنك تكون من أهل البخل.
إذن تعريف البخل هو منع ما يجب بَذْله من مال أو علم أو عمل أو جاه أو بدن، وإن شئنا أدخلنا كلمة –الأخيرة- بدن بالعمل؛ لأن حقيقة الأمر أنه عمل.
الَّذِينَ يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبُخْلِفيتعدى ضررهم إلى غيرهم، إذا جاءهم من يستشيرهم في أمر فيه بَذْل قالوا: لا، ما له داعٍ، ادخر مالك، ربما تحتاجه في المستقبل؛ بل إذا رأوا من يريد أن ينفق وإن لم يستشرهم ذهبوا يأمرونه بالبخل.
وَيَكْتُمُونَ مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِيكتمونه: يسترونه، ومَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِيشمل ما آتاهم من فضله من المال أو ما آتاهم الله من فضله من العلم أو غير ذلك، كل ما آتاهم الله من فضله يتسترون به، لماذا؟ لئلَّا يلومهم الناس إذا بخلوا؛ فإنهم إذا كتموا ما عندهم مما آتاهم الله من فضله لم يعلم الناس أن عندهم فضلًا يمكن أن يبذلوه، فيكتمون لئلَّا يلومهم الناس إذا بخلوا به.
وقوله: مِنْ فَضْلِهِأي: من عطائه وإفضاله.
وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُهِينًاأَعْتَدْنَايعني هيَّأْنا وأعددناه لهم، والكافرون هم الذين كفروا بالله ورسوله، والكفر أنواع كثيرة؛ منه أصغر، ومنه أكبر، والأكبر قولي وفعلي وجحدي، وهو أنواع معروفة عند أهل العلم، ذكره الفقهاء في باب حكم المرتد، وذكره المتكلمون على التوحيد في أبواب التوحيد.
وقوله: عَذَابًا مُهِينًاأي: ذا إهانة يُهينهم ويُذِلُّهم؛ لأنهم كما مرَّت عليكم آيات كثيرة أنهم إذا دخلوا النار وُبِّخوا عليها -على أعمالهم- وقيل لهم: أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ، وفي هذا إهانة لهم مع ما هم عليه من العذاب الأليم.