وهنا في هذه الآية: إظهار في موقع الإضمار وهو قوله: أَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَولم يقل: أعتدنا لهم، والإظهار في
موضع الإضمار له فوائد:
منها: إرادة العموم، فإن
قوله: أَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَيشمل هؤلاء وغيرهم.
ومنها: الحكم على هؤلاء بما يقتضيه هذا الوصف،
والذي معنا هو وصف الكفر، فيكون هؤلاء الذين ذكرهم الله هم الكافرون.
ومنها: إفادة عِلّية الحكم المذكور لهؤلاء؛ لأن الوصف الذي
علق عليه الحكم يكون علّة لذلك الحكم، ولهذا من القواعد المقررة أن الحكم إذا علّق
بوصف فإنه يقوى بقوة ذلك الوصف ويضعف بضعف ذلك الوصف.
من
فوائد هذه الآية: ذم البخل، وهو أنواع؛ البخل بما يجب شرعًا أعظم من البخل
بما يجب عرفًا، والبخل بالفضل دون البخل بالواجب، أعرفتم؟
الضيافة مثلًا تجب
يومًا وليلة، البخل فيها أشد من البخل في كامل الضيافة، وهو ثلاثة أيام، فمن بخل
بيوم وليلة أشد ذمًّا ممن بخل بثلاثة أيام.
ومن فوائد هذه
الآية الكريمة: أن هؤلاء الذين أساؤوا في عملهم كانوا دعاة سوء يأمرون الناس
بالبخل، وأيما أشد الأمر بالبخل أو الدعوة للبخل؟ الأمر بالبخل، وعلى هذا فيكونون
آمرين ومن باب أولى داعين للبخل فيكونون دعاة سوء.
ومن
فوائد هذه الآية الكريمة: ذم من يكتم ما آتاه الله من فضله، والكتمان نوعان:
كتمان فعلي، وكتمان قولي؛ الكتمان الفعلي ألا يُرى أثر نعمة الله على العبد، يعطيه
الله المال، فيخرج إلى الناس بلباس الفقراء وبمركوب الفقراء لا تعفّفًا ولكن بخلًا،
هذا أيش؟ كتمان فعلي، الكتمان القولي أن يتحدث عند الناس فيقول: أنا ليس عندي مال،
أنا متوسط الحال أو يزيد، ويقول: أنا فقير، أو ما أشبه ذلك، هذا كتمان قولي، فالآية
تدل على ذم كتمان ما آتى الله من فضله.
ومن فوائد هذه
الآية: الثناء على الكرماء الآمرين بالكرم المظهرين للفضل، من أين تؤخذ؟ أنه
إذا ذُمّ الشيء فضده ممدوح، فالكرماء والآمرون بالكرم، والمظهرون لفضل الله لا شك
أنهم يُمدحون على هذا، ولهذا جاء في الحديث: «إِنَّ اللَّهَ
يُحِبُّ إِذَا أَنْعَمَ عَلَى عَبْدِهِ نِعْمَةً أَنْ يُرَى أَثَرُ نِعْمَتِهِ
عَلَيْهِ» .
ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن ما بنا من النعم فهو من
الله؛ لقوله: مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِفالنعم كلها من الله كما قال تعالى: وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ [النحل: ٥٣].
ومن فوائد هذه الآية
الكريمة: أن هذه الصفات صفات كفر؛ لقوله: وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُهِينًا.
ومن فوائد
الآية الكريمة: إثبات وجود النار، هل يمكن هذا؟ يعني يمكن يؤخذ من الآية؟ من
قوله: (أعتدنا) بمعنى (هيَّأنا)، إذن النار وعذاب الكافرين مهيّأ الآن، وهذا مذهب
أهل السنة والجماعة أن النار والجنة موجودتان الآن، وأنهما لا تفنيان.
ثم قال تعالى: وَالَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ رِئَاءَ النَّاسِهذا وصف قبيح أيضًا، وعطَفه على ما سبق مع أن الموصوف واحد من أجل إثبات ما سبق، العطف يعني عطف الصفات بعضها على بعض يفيد إثبات ما سبق، وأن هذا أمر زائد عليه، وأنتم تعلمون أن الصفات المتكررة لموصوف واحد يجوز فيها وجهان في اللغة: إسقاط حرف العطف، وإثبات حرف العطف، فمن إثبات حرف العطف قوله تعالى: سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى (١) الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى (٢) وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدَى (٣) وَالَّذِي أَخْرَجَ الْمَرْعَى [الأعلى: ١ - ٤] هذه الآية جمعت بين الأمرين: بين حذف حرف العطف، وبين إثباته، الصفة الأولى فيها إسقاط حرف العطف سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى (١) الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّىوالصفة الثانية والثالثة فيها إثبات حرف العطف مع أن الموصوف واحد، ولكن التغاير هنا بين المعطوف والمعطوف عليه تغاير صفة لا تغاير ذات، ولكن حرف العطف يفيد إثبات ما سبق، هنا يقول: وَالَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ رِئَاءَ النَّاسِينفقونها: يبذلونها. ورِئَاءَ النَّاسِمفعول من أجله؛ أي: من أجل أن يراهم الناس فيمدحوهم على البذل، وليس ذلك من أجل التقرب إلى الله؛ لقوله: وَلَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِفلا يؤمنون بالله فيتقربون إليه ولا باليوم الآخر فيرجو ثوابه، بل هم منكرون -والعياذ بالله- لله ولليوم الآخر، وهذا من كان كفره تامًّا، أما من كان كفره ظاهرًا فإنه قد ينفق رئاء الناس، ولكن لا يصل ذلك إلى حد نفي الإيمان بالله واليوم الآخر.
وَلَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِوالإيمان بالله يتضمن أربعة أشياء: الإيمان بوجوده، والإيمان بربوبيته، والإيمان بألوهيته، والإيمان بأسمائه وصفاته، وأنه منفرد بذلك؛ الإيمان باليوم الآخر وهو يوم القيامة، وسُمّي يومًا آخر؛ لأنه لا يوم بعده، فكل ما سبقه فإن بعده شيئًا: الدار الأولى البطن، بعده الخروج إلى الدنيا، وبعد الخروج إلى الدنيا البرزخ، ثم اليوم الآخر النهاية، ولهذا نقول: إن الذي يقول عن الميت: إنه حُمل إلى مثواه الأخير نقول: هذه كلمة خطيرة جدًّا مضمونها إنكار البعث؛ لأنه إذا كان القبر مثواه الأخير معناه ما فيه بعده بعث، وهذه الكلمة يكثر ذكرها في الجرائد والمجلات، وعلى ألسنة بعض من يدّعون أنهم مثقفون، لكنها في الواقع غير صحيحة إلا لإنسان لا يؤمن بالبعث.
وَلَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَمَنْ يَكُنِ الشَّيْطَانُ لَهُ قَرِينًا فَسَاءَ قَرِينًاإشكال نحوي؛ وهو جرّ الفعل المضارع وَمَنْ يَكُنِ الشَّيْطَانُ، والمعروف أن الجر إنما يكون في الأسماء؟
طالب: لالتقاء الساكنين.
الشيخ: هل هذا مجرور أو غير مجرور؟
الطالب: غير مجرور لكنه..
الشيخ: غير مجرور، لكنه محرّك بالكسر لالتقاء الساكنين، ولولا الساكن الذي بعده وهو الهمزة؛ همزة الوصل، لولا ذلك لكان مجزومًا. يقول: وَمَنْ يَكُنِ الشَّيْطَانُ.
وإشكال آخر: لماذا لم يقل: ومن يكون الشيطان؟ لأن (من) شرطية و(من) الشرطية تجزم فعلين؛ الأول: فعل الشرط، والثاني: جوابه وجزاؤه، قال الله تعالى: مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ [النساء: ١٢٣].
يقول: وَمَنْ يَكُنِ الشَّيْطَانُ لَهُ قَرِينًا فَسَاءَ قَرِينًاأي شيطان هو؟ هل واحد معلوم أو المراد به الجنس؟ المراد به الجنس؛ لأن كل واحد من الناس له قرين.
وقوله: وَمَنْ يَكُنِ الشَّيْطَانُ لَهُ قَرِينًاالمراد بالشيطان الذي هو القرين السوء، قال الله تبارك وتعالى: وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَانًا فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ [الزخرف: ٣٦] والعياذ بالله يقارنه دائمًا إذا عشى عن ذكر الرحمن، وأعرض عن ذكر الله جاءه الشيطان، فصار يأمره بالمنكر وينهاه عن المعروف.
وقوله: فَسَاءَ قَرِينًاالجملة جملة إنشاء للذم، ولماذا اقترنت بالفاء في جواب (من)؟ لأن الفعل جامد، وقد قيل في ذلك نظم -أي فيما يجب اقترانه بالفاء إذا وقعت جوابًا للشرط- قيل فيه نظم؟
طالب:
| اسْمِيَّــــــــــــــــــــــــــةٌ طَلَبِيَّـــــــــــــــــةٌ وَبِجَامِـــــــــــــــــدٍ | وَبِمَا وَقَدْ وَبِلَـــــــــنْ وَبِالتَّنْفِيــــــــــــــــــــسِ |
الشيخ:
| اسْمِيَّــــــــــــــــــــــةٌ طَلَبِيَّــــــــــــــــــــةٌ وَبِجَامِــــــــــــــــــدٍ | وَبِمَا وَقَدْ وَبِلَــــــــنْ وَبِالتَّنْفِيـــــــــــــــــــس |
إذا وقع جواب الشرط واحدًا من هذه الجمل السبع وجب قرنه بالفاء، وقد تحذف قليلًا، قد تحذف قليلًا كقول الشاعر:
| مَنْ يَفْعَلِ الْحَسَنَاتِ اللَّهُ يَشْكُرُهَا | ............................ |
والتقدير: فالله يشكرها، لكن هذا قليل.
فَسَاءَ قَرِينًاكلمة (ساء) تحتاج إلى فاعل، أين الفاعل؟ الفاعل محذوف تقديره: فساء قرينًا قرينه، وهو كذلك.
في هذه الآية فوائد؛ منها: أن الذين يبخلون بما آتاهم الله من فضله ابتُلوا بإنفاق المال على وجه لا خير فيه، على أيش؟ أنهم يبذلونه رئاء الناس، على وجه لا خير فيه، بل إذا وقع تعبدًا كان شرًّا.
ومن هذه الفائدة يترتب عليها: أن من عدل عن المشروع ابتُلي بالممنوع؛ انظر قوم لوط لما عدلوا عن النساء ابتُلوا بماذا؟ بالذكران، أتوا الذكران شهوة، وانظر إلى البخيل الذي يبخل بالزكاة كيف تجده يبذل وبكل سهولة ويُسر يبذل ماله في غير فائدة، يبذله في التنزه، يخرج برّه البلاد الإسلامية فيستهلك من الأموال أضعاف أضعاف ما يجب عليه بذله من الزكاة والنفقات الواجبة.
ومن فوائد هذه الآية الكريمة: ذم من يُنفق ماله رئاء الناس؛ أي: لمراءاة الناس، وهنا نسأل: لو أنفق الإنسان ماله علنًا ليراه الناس فيقتدوا به، فهل يدخل في الآية؟
طلبة: لا.
الشيخ: لماذا؟ لأن هذا أنفقه لله، لكن جعله علانية لمصلحة، لمصلحة الإنفاق، وفرق بين من ينفق لا لشيء إلا ليراه الناس فيمدحوه وبين من ينفق علنًا ليقتدي به الناس، ولهذا امتدح الله الذين ينفقون أموالهم سرًّا وعلانية.
ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن الشيطان يلعب بابن آدم، فهؤلاء الذين بذلوا ما يحبون من الأموال، بذلوها في شيء لا ينفعه، ثناء الناس على المرء في غير ما يحبه الله سينقلب بعد ذلك ذمًّا ولا بد، انتبه، ثناء الناس على المرء بغير ما يريد الله سينقلب بعد هذا ذمًّا، دليله: «مَنِ الْتَمَسَ رِضَا النَّاسِ بِسَخَطِ اللَّهِ سَخِطَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَأَسْخَطَ عَلَيْهِ النَّاسَ» ولذلك تجد الذين يراؤون في الإنفاق إن حُمِدوا يُحمَدون ساعتهم فقط، ثم ينقلب هذا الحمد ذمًّا، فالشيطان يلعب بالإنسان ويغرّه وينفخه حتى يظن أنه إذا أنفق أو عمل مراءاة للناس رفعه ذلك عند الناس.
ومن فوائد الآية الكريمة: أن المرائي عنده نقص في الإيمان بالله واليوم الآخر؛ لقوله: وَلَا يُؤْمِنُونَ؛ لأن الذي حملهم على المراءاة ضعف إيمانهم بالله واليوم الآخر، ولو كان إيمانهم بالله واليوم الآخر قويًّا ما ابتغوا بالإنفاق إلا وجه الله والدار الآخرة.
ومن فوائد الآية الكريمة: ذم من لا يؤمن بالله واليوم الآخر؛ لأنه كافر والعياذ بالله، ومدح من آمن بالله واليوم الآخر؛ لأنه مؤمن.
ومن فوائد الآية الكريمة: الثناء على من آمن بالله واليوم الآخر، وأن الإيمان بالله واليوم الآخر من أسباب الإخلاص واجتناب الرياء؛ لقوله: يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ رِئَاءَ النَّاسِ وَلَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ.
ومن فوائد الآية الكريمة: أن الله قد يبتلي العبد بمقارنة الشيطان له؛ لقوله: وَمَنْ يَكُنِ الشَّيْطَانُ لَهُ قَرِينًا فَسَاءَ قَرِينًا.
ومن فوائد الآية الكريمة: الحذر من مقارنة الشيطان لك، أو الحذر من مقارنة الشيطان للإنسان.
فإن قال قائل: وأي علم، أو: وأي شيء أصل به إلى العلم بأن الشيطان كان قرينًا؟
نقول: بما يأمرك به الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشَاءِ [البقرة: ٢٦٨] فإذا وجدت في نفسك من يأمرك دائمًا بالمعصية والبخل والفحشاء فهذا هو الشيطان، فعليك أن تلجأ إلى الله عز وجل؛ لأن بذلك أمرك الله، قال الله عز وجل: وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ [فصلت: ٣٦] يسمع استعاذتك، ويعلم حالك، ويعلم كيف يدفع الشيطان عنك.
ومن فوائد الآية الكريمة: تقبيح وذم مقارنة الشيطان للإنسان؛ لقوله: فَسَاءَ قَرِينًا، وقد جاء في الحديث أن كل إنسان له قرين، ولكن القرين قد يسلم ويستسلم، ولا يأمر بشر؛ لأن الرسول صلى الله عليه وآله وسلم لما سُئل قيل: ولا أنت يا رسول الله؟ قال: «وَلَا أَنَا، وَلَكِنَّ اللَّهَ أَعَانَنِي عَلَيْهِ فَأَسْلَم» بالفتح ولَّا بالضم؛ الميم؟
يقال: إنه رُوي بالضم «فأسلمُ»، وروي بالفتح «فأسلمَ»، أما على رواية الضم فالمعنى: فأنا أسلمُ منه، أعانني الله عليه فأنا أسلمُ منه، وأما على رواية الفتح فليس المراد أنه أسلم -أي القرين- أسلم لله، ولكنه أسلم استسلامًا ظاهرًا، فهو استسلام لا إسلام، فهو من الاستسلام وليس من الإسلام؛ لأنه شيطان، فإذن على الوجه الثاني يكون الله تعالى أعان الرسول صلى الله عليه وسلم عليه حتى ذل وخضع واستسلم فلا يأمره إلا بخير.
طالب: شيخ، جاء في القرآن إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفًا [النساء: ٧٦]، وجعل كيد الإنسان: إِنَّ كَيْدَكُنَّ عَظِيمٌ [يوسف: ٢٨]؟ الناس يعتبرون يعني الشيطان عمل الشيطان أضعف من عمل النسوة؟
الشيخ: إي، اقرأ أول الآية: إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفًا.
الطالب: فَقَاتِلُوا أَوْلِيَاءَ الشَّيْطَانِ إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفًا [النساء: ٧٦].
الشيخ: فَقَاتِلُوا أَوْلِيَاءَ الشَّيْطَانِ إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفًاأي: كيد الشيطان أمامكم في القتال ضعيف، فأنتم جنود الله وهم جنود الشيطان، وجنود الله عز وجل تحرسهم وتعينهم ملائكة الله، فيكون كيد الشيطان الذي يعين أولياءه يكون ضعيفًا بالنسبة إلى جنود الرحمن، ما هو مطلقًا، وأما قوله: إِنَّهُ مِنْ كَيْدِكُنَّ إِنَّ كَيْدَكُنَّ عَظِيمٌ [يوسف: ٢٨]، فهو عظيم بالنسبة لنا؛ لأن كيد امرأة العزيز كان شديدًا وعظيمًا، وذلك أنه انتشر في المدينة أن امرأة العزيز امرأة الملك تراود فتاها عن نفسه قد شغفها حبًّا، شاع هذا، وهذا عيب أو غير عيب؟ عيب، أنها سيدته، ثم تراوده عن نفسه وهي امرأة العزيز امرأة الملك، ثم مع ذلك ليست تراوده عن أمر عادي؛ قَدْ شَغَفَهَا حُبًّا [يوسف: ٣٠] وصل حبه إلى شغاف قلبها، وهذا شيء يستغرب، هي ظنت أنهن قلن ذلك من أجل الاطلاع على هذا الفتى فَلَمَّا سَمِعَتْ بِمَكْرِهِنَّ أَرْسَلَتْ إِلَيْهِنَّ وَأَعْتَدَتْ لَهُنَّ مُتَّكَأً [يوسف: ٣١] أَعْتَدَتْيعني هيأت مُتَّكَأًيعني مكانًا مرتفقًا كالكراسي والكنبات وشبهها.
وَآتَتْ كُلَّ وَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ سِكِّينًاولم تعطِ كل واحدة أترجة كما قاله العوام. آتَتْ كُلَّ وَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ سِكِّينًا وَقَالَتِ اخْرُجْ عَلَيْهِنَّ فَلَمَّا رَأَيْنَهُ أَكْبَرْنَهُ [يوسف: ٣١]؛ يعني عظّمنه وانبهرن منه، وصارت كل واحدة تقطع إيدها بالسكين قَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ وَقُلْنَ حَاشَ لِلَّهِ مَا هَذَا بَشَرًا إِنْ هَذَا إِلَّا مَلَكٌ كَرِيمٌ [يوسف: ٣١] فصار كيد امرأة العزيز أعظم من كيدهن؛ لأنها حبلتهن هذه الحبالة فصار كيدها عظيمًا.
***
طالب: ذكرتم في «أَسْلَم» وجهين، ولكن السؤال ما الذي يمنع أنه أسلم حقيقة ودخل في دين الإسلام؟الشيخ: إي، لأنه قال: «وَلَكِنَّ اللَّهَ أَعَانَنِي عَلَيْهِ» والإعانة يقتضي محاولة إغواء الرسول، ولو كان أسلم لقال: ولكنه أسلم، فلما قال: «أَعَانَنِي عَلَيْهِ» علمنا أنه ما زال على محاولته لإغواء الرسول، لكن الله أعان الرسول عليه حتى استسلم. واضح؟
طالب: أحسن الله إليك، في قول النبي صلى الله عليه وسلم: «فَلَا يَأْمُرُنِي إِلَّا بِخَيْرٍ» ألا يكون دليلًا على أنه أسلم؟
الشيخ: لا، ما هو دليل.
الطالب: لو كان يعني الاستسلام ذلًّا كان باستطاعه أن لا يأمره يعني بخير؟
الشيخ: خوفًا منه، خوفًا منه كما يخاف المنافقون.
طالب: شيخ، (...).
الشيخ: لأنه لو كان أسلم لكان الرسول ما يهضمه حقه، ما يقول: أعانني عليه، لو كان كذلك لقال: ولكنه أسلم فلا يأمرني إلا بخير.
طالب: هل ينفق مثلًا والناس يقتدون به أم ينفق سرًّا؟
الشيخ: ويش تقولون؟
طلبة: ما سمعنا.
الشيخ: يقول: هل الأفضل أن ينفق جهرًا ليقتدي الناس به، أم ينفق سرًّا؟
هذا ينظر للمصلحة، إن خاف على نفسه الرياء أنفق سرًّا وإلا أنفق علنًا، ثم أيضًا إن خاف أن المنفَق عليه ينكسر قلبه إذا أنفق عليه علنًا فلينفق سرًّا، تختلف المسألة.
***
طالب: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم وَمَاذَا عَلَيْهِمْ لَوْ آمَنُوا بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقَهُمُ اللَّهُ وَكَانَ اللَّهُ بِهِمْ عَلِيمًا (٣٩) إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا وَيُؤْتِ مِنْ لَدُنْهُ أَجْرًا عَظِيمًا (٤٠) فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلَاءِ شَهِيدًا (٤١) يَوْمَئِذٍ يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَعَصَوُا الرَّسُولَ لَوْ تُسَوَّى بِهِمُ الْأَرْضُ وَلَا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثًا} [النساء: ٣٩ - ٤٢].
الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله تبارك وتعالى موبخًا أولئك القوم الذين يختالون ويفخرون ويبخلون ويأمرون الناس بالبخل أو الذين ينفقون أموالهم رئاء الناس ولا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر، قال موبخًا: وَمَاذَا عَلَيْهِمْ لَوْ آمَنُوا بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ(ماذا) استفهام، لكن هل ماذا كلها استفهام أو (ما) اسم استفهام، و(ذا) بمعنى الذي؟
في هذا قولان لعلماء النحو مع اتفاق الجميع على أن الجملة استفهامية. وَمَاذَا عَلَيْهِمْوالمراد بالاستفهام هنا التوبيخ، أيّ شيء عليكم إذا آمنتم؟ الجواب: لا شيء، لا شيء علينا، وكما قال مؤمن آل فرعون: إِنْ يَكُ كَاذِبًا فَعَلَيْهِ كَذِبُهُ وَإِنْ يَكُ صَادِقًا يُصِبْكُمْ بَعْضُ الَّذِي يَعِدُكُمْ [غافر: ٢٨] فلو آمنوا وجربوا، فماذا يكون عليهم؟
وقوله: وَمَاذَا عَلَيْهِمْ لَوْ آمَنُوا بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِلَوْهنا شرطية، وجوابها محذوف دل عليه ما قبله، وقيل: إنها في مثل هذا التركيب لا تحتاج إلى جواب أي ما كان جوابه مذكورًا في غير محله؛ يعني مقدمًا فإنه لا يحتاج إلى جواب، وهذا الذي نرى أنه أصح؛ لأنه ما دام قد تقدم ما يدل عليه أصبح ذكره مستغنى عنه، وحينئذٍ لا حاجة إلى تقديره؛ لأن الأصل عدم التقدير.
وقوله: آمَنُوا بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِسبق الكلام على مثلها فلا حاجة للإعادة.
وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقَهُمُ اللَّهُلكن أنفقوا مما رزقهم الله إخلاصًا لله لا رئاء الناس، والإنفاق بمعنى (البذل)، والرزق بمعنى (العطاء)، لو بذلوا مما أعطاهم الله على حسب ما يرضي الله عز وجل، وأعظم ما يُنفق هو الزكاة، وما دون ذلك فهو دونها.
وَكَانَ اللَّهُ بِهِمْ عَلِيمًاكَانَ اللَّهُ بِهِمْأي: بما هم عليه من كفر وبما هم عليه لو آمنوا بالله، ففي الجملة هنا ترغيب وترهيب؛ يعني لو آمنوا بالله وصدقوا الله لعلم الله بإيمانهم وأثابهم، ولو بقوا على كفرهم لكان الله بهم عليمًا.
في هذه الآية الكريمة: توبيخ من لم يؤمن بالله واليوم الآخر؛ لقوله: وَمَاذَا عَلَيْهِمْ.
ومن فوائدها أيضًا: أن الإنسان يجب أن يوازن في الأمور بين النافع والضار فينظر ماذا يترتب على إيمانه أو على كفره حتى يختار خير الطريقين.
ومن فوائد الآية الكريمة: وجوب الإيمان بالله واليوم الآخر لتوبيخ من لم يؤمن بالله واليوم الآخر، والتوبيخ لا يكون إلا على شيء محرّم.
ومن فوائدها: فضيلة الإنفاق؛ لقوله: وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقَهُمُ اللَّهُ.
ومن فوائدها: أن المنفق لا ينفق من كيسه، لكنه منفق مما رزقه الله؛ فالفضل كل الفضل لمن؟ لله عز وجل.
ومن فوائد هذه الآية: أنها قد تشعر بأن من أنفق أخلف الله عليه؛ لقوله: أَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقَهُمُ اللَّهُفالله تعالى سيعطيهم بقدر ما أنفقوا بل أكثر، ويشهد لهذا قوله تبارك وتعالى: وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ [سبأ: ٣٩] ما معنى يخلفه؟ أي: يعطيكم خلفه، وفي الحديث: «أَنْفِقْ يُنْفَقْ عَلَيْكَ» .
ومن فوائدها: بيان مِنّة الله سبحانه تعالى على عباده بما أعطاهم، وأن العطاء عطاؤه.
ويتفرع على هذه الفائدة: أن تعتمد على الله في حصول الرزق، ولكن إذا قلنا بهذا، فهل يعني أن لا نفعل الأسباب التي نصل بها إلى الرزق؟ الجواب: لا، لا بد أن نفعل الأسباب، لكن مع الاعتماد على الله عز وجل، قال النبي عليه الصلاة والسلام: «لَوْ أَنَّكُمْ تَوَكَّلُونَ عَلَى اللَّهِ حَقَّ تَوَكُّلِهِ لَرَزَقَكُمْ كَمَا يَرْزُقُ الطَّيْرَ تَغْدُو خِمَاصًا وَتَرُوحُ بِطَانًا» تغدو في أول النهار في الغداة خماصًا؛ جائعة، وتروح في آخر النهار بطانًا؛ شبعانة، ولم يقل: كما يرزق الطير تبقى في أوكارها ويأتيها رزقها، أبدًا، ولكن قال: تغدو وتروح، إذن لا بد من عمل مع الاتكال على الله عز وجل.
ومن فوائد هذه الآية الكريمة: إثبات العلم لله تعالى بأحوال عباده؛ لقوله: وَكَانَ اللَّهُ بِهِمْ عَلِيمًا.
ويتفرع على هذه الفائدة: الرغبة والرهبة، كيف الرغبة والرهبة؟ لأنك إذا علمت أن الله عليم بك خفت من مخالفته، ورجوت في موافقته؛ إذ لا يضيع شيء على الله عز وجل، والإيمان بعلم الله عز وجل يُكسب للإنسان مراقبة الله سبحانه وتعالى تمامًا؛ يعني أي شيء تفعله فهو عليم بك، فهذا يحمل الإنسان على الرجاء في فعل ما يحبه الله وعلى الخوف في فعل ما يكرهه الله عز وجل.
ثم قال: إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍإِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُأصل الظلم يا إخواني أصل الظلم النقص، هذا أصله؛ لقوله تعالى: كِلْتَا الْجَنَّتَيْنِ آتَتْ أُكُلَهَا وَلَمْ تَظْلِمْ مِنْهُ شَيْئًا [الكهف: ٣٣] أي: لم تنقص منه شيئًا، فهذا أصل الظلم، فالله لا ينقص الناس شيئًا ولا ينقص الناس حقهم وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَا يَخَافُ ظُلْمًا وَلَا هَضْمًا [طه: ١١٢] ظلمًا بعقوبته على شيء لم يفعله وَلَا هَضْمًا. أي: نقصًا من ثواب حسناته.
وقوله: مِثْقَالَ ذَرَّةٍأي: زنة ذرة، والذرة يضرب بها المثل في التحقير، وإلا فإن الله تعالى لا يظلم مثقال ذرة ولا دونه، وما جيء به على سبيل التحقير أو التكثير فإنه لا مفهوم له، كما قيل به في قوله تعالى: إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ [التوبة: ٨٠] قيل: إن المراد بذلك التكثير، وأن الرسول لو استغفر سبع مئة ألف ما غفر له، وحينئذٍ لا يكون له مفهوم، كذلك مثقال ذرة المقصود بها أيش؟ المبالغة في التحقير، وما كان المقصود به المبالغة في التحقير فإنه لا مفهوم له، وعلى هذا لو سألنا سائل هل يظلم الله دون مثقال ذرة؟
قلنا: لا. وَإِنْ تَكُ حَسَنَةًفيها قراءتان: {وَإِنْ تَكُ حَسَنَةٌ} وَإِنْ تَكُ حَسَنَةًويختلف الإعراب على الوجهين؛ {إِنْ تَكُ حَسَنَةٌ} تكون (كان) على هذه القراءة تامة أي: لا تحتاج إلى خبر، والمقصود بـ(كان) التامة مجرد الدلالة على الحدوث لا على صيرورة شيء إلى شيء آخر، وأما (كان) الناقصة فإنها تدل على صيرورة شيء إلى شيء آخر، كان الرجل قائمًا؛ يعني بعد أن لم يكن قائمًا، يقول هنا: {وَإِنْ تَكُ حَسَنَةٌ} بالرفع على أن (تك) تامة، وبالنصب على أنها ناقصة، لكن أين اسمها إذا كانت ناقصة؟ مستتر تقديره: هي، وَإِنْ تَكُ حَسَنَةًأي: وإن تك الفعلة التي يفعلها الإنسان حسنة يضاعفها.
وفي يُضَاعِفْهَاأيضًا قراءتان: {يُضَعِّفْهَا} ويُضَاعِفْهَاوهي على القراءتين ساكنة الفاء؛ لأنها جواب الشرط المذكور في قوله: وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً. ومعنى {يُضَعِّفْهَا} أويُضَاعِفْهَاأي: يجزي أكثر من الحسنة، وقد دلّت النصوص على أن الحسنة تكون بعشرة أمثالها إلى سبع مئة ضعف إلى أضعاف كثيرة، وأن السيئة بمثلها وَيُؤْتِ مِنْ لَدُنْهُ أَجْرًا عَظِيمًاهذا معنى قوله في الحديث: «إِلَى أَضْعَافٍ كَثِيرَةٍ» .
يُؤْتِمعطوفة على يضاعف، ولهذا جاءت مجزومة بحذف الياء.
مِنْ لَدُنْهُمن عنده. أَجْرًاثوابًا. عَظِيمًاذا عظمة كثيرة لا يتصورها الإنسان.
مِنْ لَدُنْهُقلنا: من عنده، والفائدة من ذكر مِنْ لَدُنْهُالإشارة إلى أن هذا الأجر عظيم جدًّا، وذلك لأن العطاء يعظم بعظم المعطِي، ونظير هذا ما علمه الرسول صلى الله عليه وآله وسلم أبا بكر قال: «قُلِ اللَّهُمَّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي ظُلْمًا كَثِيرًا». إلى قوله: «فَاغْفِرْ لِي مَغْفِرَةً مِنْ عِنْدِكَ وَارْحَمْنِي» .
***
طالب: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلَاءِ شَهِيدًا (٤١) يَوْمَئِذٍ يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَعَصَوُا الرَّسُولَ لَوْ تُسَوَّى بِهِمُ الْأَرْضُ وَلَا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثًا (٤٢) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ وَلَا جُنُبًا إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ حَتَّى تَغْتَسِلُوا وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَفُوًّا غَفُورًا (٤٣)} [النساء: ٤١ - ٤٣].الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله تبارك وتعالى: فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلَاءِ شَهِيدًا.
إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا وَيُؤْتِ مِنْ لَدُنْهُ أَجْرًا عَظِيمًافي قوله: وَإِنْ تَكُ حَسَنَةًقراءتان.
طالب: {وَإِنْ تَكُ حَسَنَةٌ}، وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً، بالرفع وبالنصب.
الشيخ: طيب على قراءة الرفع ما إعرابها؟
الطالب: تكون فاعلًا و(كان) تامة.
الشيخ: تكون فاعلًا لـ(تكن) وهي تامة. وعلى قراءة النصب؟
الطالب: خبر (كان).
الشيخ: خبر (كان). وفي يُضَاعِفْهَا؟
الطالب: يُضَاعِفْهَاو{يُضَعِّفْها}.
الشيخ: يُضَاعِفْهَاو{يضَعِّفْها}، نعم.
في هذه الآية الكريمة من الفوائد: انتفاء الظلم عن الله عز وجل؛ لقوله: إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ، وهذا النفي يتضمن إثبات كمال العدل، وليس المراد به مجرد انتفاء الظلم؛ لأن مجرد انتفاء الظلم لا يدل على كمال، وقد قال تعالى: وَلِلَّهِ الْمَثَلُ الْأَعْلَى [النحل: ٦٠] أي: الوصف الأعلى، وانتفاء الظلم المجرد لا يدل على الكمال، لماذا؟
لأن انتفاء الظلم قد يكون لعدم قبول المنفي عنه لهذا الظلم؛ بمعنى أنه ليس مما يقبل انتفاء الظلم أو ثبوت الظلم، فإذا نُفي الظلم عما لا يقبله فإنه لا يُعدّ مدحًا، لو قلت: إن الجدار لا يظلم، فهل في هذا مدح للجدار؟! لا، لماذا؟ لأن الجدار لا يمكن أن يظلم، فلا يكون نفي الظلم عنه مدحًا؛ لأنه أصلًا لا يظلم، وربما يكون نفي العين لعدم قدرة الشيء على هذا العيب، ولنجعل المثل الظلم؛ قد يكون نفي الظلم عن شخص لا لكمال عدله، ولكن لعجزه عن الظلم، وحينئذٍ لا يكون ذلك مدحًا، بل يكون ذمًّا، فصار انتفاء الظلم عما لا يقبل الظلم ليس مدحًا ولا ذمًّا، وانتفاء الظلم عما يمكنه الظلم ولكنه عاجز يعتبر ذمًّا، ومن ذلك قول الشاعر:
| قُبَيِّلَــــــــــــــــــــــةٌ لَا يَغْدِرُونَ بِذِمَّـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــةٍ | وَلَا يَظْلِمُونَ النَّاسَ حَبَّةَ خَرْدَلِ |
هل قوله: لا يغدرون بذمة؛ يعني أنهم أوفياء في الذمم؟ هل قوله: ولا يظلمون الناس حبة خردل؛ يعني أنهم ذوو عدل؟ لا، بل هذا تحقير لهم، لا يستطيعون أن يغدروا ولا يستطيعون أن يظلموا، وقرينة ذلك قوله: قُبَيِّلة، فإنها للتصغير، والتصغير يدل على التحقير، ومنه قول الحماسي يهجو قومه يقول:
| لَكِنَّ قَوْمِي وَإِنْ كَانُوا ذَوِي عَدَدٍ | ............................. |
يعني: كثيرين.
| ............................. | لَيْسُوا مِنَ الظُّلْمِ فِي شَيْءٍ وَإِنْ هَانَا |
| يَجْزُونَ مِنْ ظُلْمِ أَهْلِ الظُّلْمِ مَغْفِــــرَةً | وَمِنْ إِسَــاءَةِ أَهْـــــلِ السُّـــــوءِ إِحْسَـــانَا |
هذا ظاهره المدح، ولكن المراد به الذم، ولهذا قال:
| فَلَيْتَ لِي بِهِــــــــمُ قَــــــوْمًا إِذَا رَكِبُـــــــــــــــــــــوا | شَنُّوا الْإِغَـــــــــارَةَ فُرْسَـــــــــــــانًا وَرُكْبَــــــــــــانَا |
ليت لي بهم أي: بدلهم، قومًا إذا ركبوا شنوا الإغارة فرسانًا وركبانا، فصار نفي الظلم عنهم وكونهم يجزون بالسوء مغفرة وبالإساءة إحسانًا لعجزهم ليس لكمال أخلاقهم.
إذن فقوله عز وجل: إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍليس المراد به مجرد نفي الظلم عن الله، بل المراد به إثبات كمال العدل، وأنه لكمال عدله لا يظلم، قال الله تعالى: وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَا يَخَافُ ظُلْمًا وَلَا هَضْمًا [طه: ١١٢]، وهذه القاعدة تكون في جميع ما نفى الله عن نفسه، كل ما نفى الله عن نفسه فإنه لا يُراد به مجرد النفي، إنما المراد به أيش؟ إثبات كمال الضد، وأنه لكماله في ضد هذه المسألة انتفت عنه، وَمَا مَسَّنَا مِنْ لُغُوبٍ [ق: ٣٨] أي: من تعب، لماذا؟ لكمال قوته.
ومن فوائد الآية الكريمة: أن ما ذكر على سبيل المبالغة لا مفهوم له؛ لقوله: مِثْقَالَ ذَرَّةٍفلا مفهوم لقوله: مِثْقَالَ ذَرَّةٍ، وأنه يظلم دون ذلك، لا، لا يظلم لا مثقال ذرة ولا دونها، لكن عادة العرب ضرب المثل في الشيء الحقير بمثقال الذرة.
ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات علم الله عز وجل؛ من قوله: إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُفإنه يستلزم علمه بالظلم، ومن يستحقه، ومن لا يستحقه، مع أن الله تعالى لا يظلم أبدًا.
ومن فوائد الآية الكريمة: أن الله تعالى يضاعف الحسنات؛ لقوله: وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَاوقد بيّن الله هذه المضاعفة بأن الحسنة بعشر أمثالها إلى سبع مئة ضعف إلى أضعاف كثيرة.
ومن فوائد الآية الكريمة: أن رحمة الله تعالى سبقت غضبه؛ لأن الحسنات تضاعف والسيئات لا تزاد إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ، هذا نفي زيادة السيئات، والتضعيف للحسنات وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا.
ومن فوائد الآية الكريمة: أن الله تعالى يجزي على الحسنة ثوابًا أكثر من المقابلة؛ يعني ما يقول: الحسنة بعشر أمثالها إلى سبع مئة ضعف، بل هناك شيء فوق هذا وهو قوله: وَيُؤْتِ مِنْ لَدُنْهُ أَجْرًا عَظِيمًا.
ومن فوائدها: أن الحسنة تجذب الحسنة، من أين تؤخذ؟ وَيُؤْتِ مِنْ لَدُنْهُ أَجْرًا عَظِيمًالأن هذا الأجر قد يكون سببه زيادة الحسنات بسبب الحسنة الأولى، وهذا من نعمة الله عز وجل أن الإنسان إذا عمل العمل الصالح وُفّق لعمل آخر.
ثم قال تعالى: فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍلما ذكر أن الله عز وجل لا يظلم مثقال ذرة قال: فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍوالاستفهام هنا للتعظيم أو للتعجب؛ يعني كيف تكون الحال إذا جئنا من كل أمة بشهيد، وذلك يوم القيامة يأتي الله تعالى من كل أمة بشهيد، والشهيد هو الرسول؛ يشهد على أمته بأنه بلّغ رسالة ربه، هذا شهيد كل أمة، وهناك شهادة عامة، وهي شهادة هذه الأمة على من قبلها من الأمم كما قال الله تعالى: وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا [البقرة: ١٤٣].
وقوله: مِنْ كُلِّ أُمَّةٍأُمّة جاءت في القرآن الكريم لعدة معانٍ:
المعنى الأول: الطائفة، كهذه الآية وكقوله تعالى: وَجَدَ عَلَيْهِ أُمَّةً مِنَ النَّاسِ يَسْقُونَ [القصص: ٢٣].
المعنى الثاني: الإمامة، كقوله تعالى: إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا [النحل: ١٢٠].
المعنى الثالث: الزمن، كقوله تعالى: وَقَالَ الَّذِي نَجَا مِنْهُمَا وَادَّكَرَ بَعْدَ أُمَّةٍ [يوسف: ٤٥] أي: بعد زمن ومقداره: بضع سنين كما قال تعالى: فَلَبِثَ فِي السِّجْنِ بِضْعَ سِنِينَ [يوسف: ٤٢] هل لها معنى رابع؟ ما هو؟
الدين، كقوله: وَإِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً [المؤمنون: ٥٢]، وقوله: وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلَاءِ شَهِيدًاعَلَى هَؤُلَاءِالمشار إليه أمة محمد صلى الله عليه وآله وسلم، جئنا بك شهيدًا على هؤلاء ماذا تكون الحال؟
ولما بلغ عبد الله بن مسعود رضي الله عنه هذه الآية حين أمره رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أن يقرأ كان يقرأ في النساء؛ عبد الله بن مسعود، فقال له النبي عليه الصلاة والسلام: «اقْرَأْ». قال: كيف أقرأ وعليك أنزل؟ فقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: «إِنِّي أُحِبُّ أَنْ أَسْمَعَ الْقُرْآنَ مِنْ غَيْرِي» . فقرأ حتى إذا بلغ هذه الآية قال: «حَسْبُكَ». فقال: فنظرت فإذا عيناه تذرفان عليه الصلاة والسلام، فالله عز وجل سوف يستشهده على أمته يوم القيامة أنه بلّغ البلاغ المبين، ولهذا استشهدهم هو عليه الصلاة والسلام ليقروا على أنفسهم بذلك، استشهدهم في حجة الوداع حين خطبهم وقال: «أَلَا هَلْ بَلَّغْتُ؟». قالوا: نعم. فرفع أصبعه إلى السماء، وجعل ينكتها إلى الناس: «اللَّهُمَّ اشْهَدْ» ثلاث مرات، «أَلَا هَلْ بَلَّغْتُ؟». قالوا: نعم. قال: «اللَّهُمَّ اشْهَدْ، أَلَا هَلْ بَلَّغْتُ؟» قالوا: نعم. قال: «اللَّهُمَّ اشْهَدْ» . ولا شك أن الصحابة رضي الله عنهم يمثّلون الأمة كلها؛ فإقرارهم بأنه بلّغ هو إقرار للأمة جميعًا، ونحن نشهد أنه بلغ البلاغ المبين عليه الصلاة والسلام، وأنه ترك الأمة على محجّة بيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها إلا هالك.
وقوله سبحانه وتعالى: وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلَاءِ شَهِيدًاشَهِيدًاحال من الكاف في قوله: وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلَاءِ شَهِيدًا.
من فوائد هذه الآية الكريمة: بيان عظمة هذه الشهادة، يؤخذ من الاستفهام الدال على التفخيم والتعظيم.
ومن فوائد هذه الآية: أن الناس يوم القيامة تقام عليهم الأشهاد، يشهدون عليهم بأنهم بُلّغوا.
ومن فوائدها: أن كل رسول يشهد على قومه بأنه بلغهم؛ لقوله: فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ.
فإن قال قائل: كيف نجمع بين هذا وبين قوله تعالى عن عيسى: وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَا دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ وَأَنْتَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ [المائدة: ١١٧]؟
فالجواب: هذا لا يُعارض ما ذُكر هنا، فإنه شهد على أمته الذين باشر إبلاغهم الذي هو عيسى عليه الصلاة والسلام، أما بعد موته فإن الأمر إلى الله عز وجل هو الذي يتولاهم ويتولى مَنْ بعدهم.
ومن فوائد هذه الآية: أن نبينا صلى الله عليه وآله وسلم سيكون شهيدًا علينا؛ لقوله: وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلَاءِ شَهِيدًا.
فإن قال قائل: هل الذين ورثوا النبي صلى الله عليه وآله وسلم وهم العلماء هل يكونون شهداء على الأمة؟
الجواب: نعم، يكونون شهداء على الأمة؛ لأنهم هم الطريق الذين بلغوا رسالة محمد صلى الله عليه وآله وسلم، ولهذا جاء في الحديث: «أَنَّ الْعُلَمَاءَ وَرَثَةُ الْأَنْبِيَاءِ» .
ثم قال الله تعالى: يَوْمَئِذٍ يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُواهذا موقع الاستفهام والتفخيم.
يَوْمَئِذٍ يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَعَصَوُا الرَّسُولَ لَوْ تُسَوَّى بِهِمُ الْأَرْضُيَوْمَئِذٍيعني يوم إذ نأتي من كل أمة بشهيد وبك شهيدًا على هؤلاء. يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُواالمودة هي التمني وأعلى المحبة، يعني يحبون محبة هي أعلى المحبة.
الَّذِينَ كَفَرُواأي: جحدوا ما يجب الإيمان به والإقرار به.
وَعَصَوُا الرَّسُولَأي: خالفوا أمره فلم يمتثلوا الأمر، ولم يجتنبوا النهي؛ لأن المعصية هنا تشمل التفريط في الأوامر وكذلك فعل النواهي.
وقوله: وَعَصَوُا الرَّسُولَالرَّسُولَهنا المراد به الجنس، وليس المراد به العهد؛ لأنه يشمل كل رسول.
لَوْ تُسَوَّى بِهِمُ الْأَرْضُتُسَوَّىفيها قراءتان: {تَسَوَّى} وتُسَوَّىفعلى قراءة الضم تُسَوَّىتكون الْأَرْضُنائب فاعل، وعلى قراءة الفتح تكون الأرض فاعلًا، ومعنى تُسَوَّى بِهِمُ الْأَرْضُأي: يُدفنون فيها، ولا يظهرون فيها؛ يكونون كأنهم جزء من الأرض ولا يُحاسبون.
وقوله: وَلَا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثًاالواو حرف عطف، وجملة لَا يَكْتُمُونَمعطوفة على قوله: يَوَدُّوليست على قوله: تُسَوَّى. وذلك لأنها لو كانت عطفًا على تُسَوَّىلفسد المعنى؛ إذ يكون المعنى: يودون لو تسوى بهم الأرض، ولو لا يكتمون الله حديثًا، فيكون على هذا التقدير يكونون قد أقرّوا بما هم عليه، والحال أنهم لم يقرّوا، بالعكس يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَعَصَوُا الرَّسُولَ لَوْ تُسَوَّى بِهِمُ الْأَرْضُ وَلَا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثًايدل على أنهم كتموا الحديث لو جعلناها معطوفة على تُسَوَّىوالواقع أنهم لم يكتموا الله شيئًا، ولهذا يودون لو تسوّى بهم الأرض، والحال أنهم لا يكتمون الله حديثًا أي: يُقرّون بالكفر والشرك. وقوله: وَلَا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثًاأي: ما يحدّثون به عن أنفسهم، بل يقرّون إقرارًا كاملًا بأنهم كفروا وعصوا الرسول.
فمن فوائد هذه الآية الكريمة: بيان ما تؤول إليه حال الكفرة العاصين للرسول يتمنون أنهم لم يخلقوا، وأن الأرض سُويّت بهم.
ومن فوائدها: الحذر من معصية الرسول صلى الله عليه وآله وسلم؛ لقوله: وَعَصَوُا الرَّسُولَ.
ومن فوائدها: وجوب العمل بما في السنة وإن لم يكن في القرآن، من أين تؤخذ؟ وَعَصَوُا الرَّسُولَ؛ لأن هناك أوامر صدرت من الرسول صلى الله عليه وآله وسلم، ولم تكن في القرآن فيجب العمل بها.
ومن فوائد هذه الآية الكريمة: شدة حسرة أولئك الكفار يوم القيامة، أنهم يتمنون أنهم لم يخلقوا، وأن تسوّى بهم الأرض ويدفنون فيها، ولكن هذا لا ينفعهم.
ومن فوائد الآية الكريمة: أن هؤلاء الكافرين العاصين يقرّون بما هم عليه فلا يكتمون الله حديثًا.
ومن فوائد الآية الكريمة: أنهم لا يكتمون أيّ حديث كان؛ لأن حَدِيثًانكرة في سياق النفي فتعم كل شيء، فهم يقرّون بكل ما عملوا، ولهذا كلما ألقي في النار فوج سألهم خزنتها ألم يأتكم نذير؟ فيقولون: بَلَى قَدْ جَاءَنَا نَذِيرٌ فَكَذَّبْنَا وَقُلْنَا مَا نَزَّلَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا فِي ضَلَالٍ كَبِيرٍ (٩) وَقَالُوا لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ [الملك: ٩، ١٠].
فإن قال قائل: كيف تجمعون بين هذه الآية وقوله تعالى: ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ إِلَّا أَنْ قَالُوا وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ [الأنعام: ٢٣] فإن هذا صريح في أنهم ينفون أن يكونوا مشركين، وهذه الآية صريحة في أنهم لا يكتمون؟
فالجواب: أن القيامة ليست ساعة أو ساعتين حتى تتصادم الأحوال فيها، القيامة يوم مقداره خمسون ألف سنة، فالأحوال تتغير وتتبدّل، فهم أحيانًا يقولون: كذا، وأحيانًا يقولون: كذا؛ لأنهم يريدون الخلاص، فكل وسيلة يظنونها سببًا للخلاص يسلكونها حتى وإن تناقضوا، فهم لا يكتمون الله حديثًا، ولكن إذا رأوا نجاة أهل التوحيد قالوا: وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ [الأنعام: ٢٣] من أجل أن تحصل لهم النجاة، ولكنها لا تحصل. إذا قالوا: وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَمن الذي يفضحهم؟ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ [النور: ٢٤] وكذلك الجلود حتى إنهم يوبخون جلودهم لِمَ شَهِدْتُمْ عَلَيْنَا قَالُوا أَنْطَقَنَا اللَّهُ الَّذِي أَنْطَقَ كُلَّ شَيْءٍ [فصلت: ٢١].
إذن نقول: الجمع بينهما أيه؟ أن أحوال القيامة تتغير، وهكذا يأتيكم أشياء تظنون فيها التعارض مثل قوله تعالى: يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ [آل عمران: ١٠٦] وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ تَرَى الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى اللَّهِ وُجُوهُهُمْ مُسْوَدَّةٌ [الزمر: ٦٠]، وفي آية أخرى: وَنَحْشُرُ الْمُجْرِمِينَ يَوْمَئِذٍ زُرْقًا [طه: ١٠٢] فيأتي إنسان ويقول: كيف هذا؟ نقول: يوم القيامة أحواله تتغير، تسود الوجوه، ويحشرون زرقًا وتتغير؛ لأن المدة خمسون ألف سنة، كم بيننا وبين الرسول؟ ألفان؟ أقل، ألف وأربع مئة، هذا خمسون ألف سنة، أعاننا الله وإياكم على أهواله، المسألة ما هي هينة، فتختلف الأحوال وتتغيّر.
ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن هؤلاء المجرمين الكافرين العاصين يُسألون عن ذنوبهم، لكن سؤال توبيخ، بدليل قوله: وَلَا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثًافهل هم محاسبون كحساب المؤمن؟ وهل تُوزن أعمالهم؟
الجواب: لا، لا يحاسبون كما يحاسب المؤمن، المؤمن تُعرض عليه أعماله، فإذا أقرّ بها قال الله عز وجل: «سَتَرْتُهَا عَلَيْكَ فِي الدُّنْيَا وَأَنَا أَغْفِرُهَا لَكَ الْيَوْمَ» . ولا يناقش؛ لأنه لو نوقش لهلك، أما هؤلاء فإنهم ينادى على رؤوس الأشهاد يوم القيامة هَؤُلَاءِ الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى رَبِّهِمْ أَلَا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ [هود: ١٨]. ولهذا قال شيخ الإسلام رحمه الله في العقيدة الواسطية: إنهم لا يحاسبون حساب من توزن أعماله وسيئاته؛ لأنه لا حسنات لهم، فلا توزن لهم أعمال؛ لقوله تعالى: فَلَا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْنًا [الكهف: ١٠٥].
ثم قال الله تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَإذا صدّر الله الآية بـيَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوادل ذلك على اهتمام الموضوع؛ لأن النداء يسترعي أيش؟ الانتباه، فإذا خاطبك أحد وناداك: يا فلان، فإنه يريد منك أن تنتبه، ولهذا قال ابن مسعود رضي الله عنه: إذا سمعت الله يقول: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوافأرْعِها سمعَك؛ فإما خير تُؤمر به، وإما شرٌّ تُنهى عنه .
ثم إن الله تعالى إذا صدّر هذا النداء لوصف الإيمان دلّ ذلك على أن امتثاله إن كان أمرًا وتصديقه إن كان خبرًا من مقتضيات الإيمان؛ لأنك لا تنادي شخصًا بوصف، ثم توجه إليه الأمر أو الخبر إلا لأنه أهل لقبول هذا الأمر وتصديق هذا الخبر بما معه من هذا الوصف، ويفيد أيضًا أن مخالفة هذا نقص في الإيمان، فإذا كان أمرًا فخُولف أو خبرًا فكُذّب، فإن هذا ينافي الإيمان، ويفيد أيضًا معنًى ثالثًا؛ وهو ما يُعرف عندهم بالإغراء؛ يعني تحبيب الشيء إلى الإنسان؛ لأنه إذا قيل: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواكأنه قيل: إن كنت مؤمنًا فافعل كما تقول للرجل: يا أيها الكريم، قد نزل بك ضيف؛ يعني فأكرمه.
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَىلَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَأي: لا تصلّوا، ولا تتهيؤوا للصلاة، والحال أنكم سكارى، ولهذا نعرب الواو في قوله: وَأَنْتُمْ سُكَارَىحالية، والجملة: وَأَنْتُمْ سُكَارَىالجملة في محل نصب على الحال من الواو في قوله: لَا تَقْرَبُوا.
وقوله: وَأَنْتُمْ سُكَارَىجمع (سكران)، والسكران من زال عقله على سبيل الطرب والنشوة، وبهذا يظهر الفرق بين السكران والمغمى عليه والمبنّج وما أشبهه، السكران يتغطّى عقله، لكن يجد طربًا ولذة ونشوة حتى يتخيل أنه ملك من الملوك كما قال شاعر الجاهلية:
| وَنَشْرَبُهَــــــــــــــــــــا فَتَتْرُكُنَــــــــــــــــــــا مُلُوكًـا | ........................... |
وكما وقع لحمزة بن عبد المطلب رضي الله عنه حين شرب فثمل؛ سكر قبل أن تحرم الخمر، فمر به بعيران ناضحان لعلي بن أبي طالب رضي الله عنه، ناضح يعني تسقي بالسواني، وكان عنده مغنية تغنيه فقالت:
| أَلَا يَا حَمْــــــزُ لِلشُّـــــرُفِ النِّــــــــوَاءِ | ........................ |
فهيّجته، فأخذ السيف، وجبّ أسنمة البعيرين، وبقر بطونها، وأخرج أكبادها، نشوة طرب، فجاء عليّ إلى النبي صلى الله عليه وسلم يشتكي فقام النبي صلى الله عليه وآله وسلم إلى حمزة، فلما جاء إليه وجده لم يفق بعد، فكلّمه، فقال له حمزة: وهل أنتم إلا عبيد أبي؟! إذن تصوّر أنه أيش؟ أنه ملك وأن دول عبيد أبيه، فرجع النبي عليه الصلاة والسلام وعرف أن الرجل لا يدري ما يقول وتركه .
فهنا يقول: سُكَارَىمن السكارى؟ قلنا: جمع (سكران)، وهو من تغطَّى عقله على وجه اللذة والطرب، وذلك بشرب المسكر، أما البنج فليس بسكر، والإغماء ليس بسكر، وإن تغطى العقل.
وقوله: وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَحَتَّىهل هي للغاية أو للتعليل؟
طلبة: للغاية.
الشيخ: هي حَتَّىتأتي للتعليل، وتأتي للغاية، ففي قوله تعالى: لَنْ نَبْرَحَ عَلَيْهِ عَاكِفِينَ حَتَّى يَرْجِعَ إِلَيْنَا مُوسَى [طه: ٩١]. هذه لا شك أنها للغاية؛ لأن بقاءهم عاكفين على العجل لا يستلزم مجيء موسى.
وفي قوله تعالى: لَا تُنْفِقُوا عَلَى مَنْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ حَتَّى يَنْفَضُّوا [المنافقون: ٧] هذه للتعليل أو للغاية؟
طلبة: للتعليل..
طلبة آخرون: للغاية.
الشيخ: أمهلوا بارك الله فيكم، تأملوا لَا تُنْفِقُوا عَلَى مَنْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ حَتَّى يَنْفَضُّوا.
طلبة: للتعليل.
الشيخ: ما تصلح للغاية؟
طلبة: لا لا.
الشيخ: لو جعلناها للغاية كان المعنى: لا تنفقوا حتى ينفضّوا، فإذا انفضوا فأنفقوا، هذه الغاية، للتعليل: لا تنفقوا على من عند رسول الله لأجل أن ينفضّوا عنه، أيهما المعنى؟ الثاني لا شك؛ لأنهم ليسوا على استعداد أنهم إذا انفضوا عن رسول الله ينفقون عليهم. هذه الآية التي معنا: لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَىإلى أن تعلموا ما تقولون؟ أو المعنى: لتعلموا ما تقولون؟
الطلبة: (...).
الشيخ: فيها وجهان، وللطلاب قولان، تصلح لهذا وهذا: لا تقربوا الصلاة لتعلموا ما تقولون، لا تقربوا الصلاة إلى أن تعلموا ما تقولون، وإذا كانت صالحة للوجهين ولا منافاة بينهما فإنها تُحمل عليهما، فنقول: السكران لا يقرب الصلاة حتى يعلم ما يقول؛ يعني حتى يصحو صحوًا تامًّا، ولا يقربوا الصلاة لأجل أن يعلم ما يقول في صلاته وما يفعل في صلاته.
طالب: قوله سبحانه وتعالى: يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ [آل عمران: ١٠٦]، وقوله تعالى: وَنَحْشُرُ الْمُجْرِمِينَ يَوْمَئِذٍ زُرْقًا [طه: ١٠٢] ما نقول هذا من سبيل الترادف؛ يعني من نوع واحد، كلمتان مترادفتان على..؟
الشيخ: اللي هي الزرق والسواد، هل الأزرق هو الأسود؟
الطالب: إي نعم.
الشيخ: عجيب!
الطالب: نقول: أزرق أسود.
الشيخ: نعم، هذا لا نعرفه إلا في لغة بعض المصريين؛ الأزرق غير الأسود، لكن بعض العلماء وفّق في هذا نحن نشرح، بعضهم قال: إن الأزرق إذا كانت زرقته يعني شديدة مال إلى السواد صار أسود، وبعضهم قال: في بعض الأحيان يكون سودًا وفي بعض الأحيان زرقًا، وبعضهم قال: سود الوجوه زرق الأعين فيكون نَحْشُرُ الْمُجْرِمِينَ يَوْمَئِذٍ زُرْقًا [طه: ١٠٢] المراد البعض، الزرقة لبعض أجزائهم، وعلى كل حال هي لا يمكن أن تُجعل الزرقة والسواد شيئًا واحدًا؛ لأنه يمكن الجمع بغير هذا.
طالب: شيخ، بارك الله فيكم، أليس هناك وجه آخر للجمع بين هذه الآية اللي معنا وهي قوله تعالى: وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ [الأنعام: ٢٣] فيقول: إنهم لم يكونوا مشركين في شيء؛ لأنهم لن ينفعونا؟
الشيخ: إي، يعني ما هم شركاء لانتفاء نفعهم؟
الطالب: نعم، هم قالوا: لو قالوا شيئًا لنفوه.
الشيخ: إي: قصدك أن نفوا الشرك لانتفاء الانتفاع به، لكن الله يقول: انْظُرْ كَيْفَ كَذَبُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ [الأنعام: ٢٤] هذا صريح أنهم كذبوا في قولهم.
طالب: أحسن الله إليك، عرفنا الخمر وقلنا: زوال العقل.
الشيخ: السَّكَر.
الطالب: إي نعم، زوال العقل (...) لو قال قائل: لو كان شرب الخمر من أجل الانتقام هل نقول إنه سكران أو غير سكران؟
الشيخ: إي، ما فيه شك أنه سكران.
الطالب: (...) التعريف؟
الشيخ: نعم، نفس الذي أراد الانتقام يجد في نفسه طربًا ونشوة يتمكن بها، أو تحمله هذه النشوة والطرب على أن يوقع بمن أراد الانتقام به.
طالب: هل يصح أن نقول: يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌأهل السنة والآية الأخرى أهل بدعة؟
الشيخ: اقرأ آخر الآية: فَأَمَّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ أَكَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ [آل عمران: ١٠٦] إذا كانت البدعة مكفِّرة دخلوا في الآية، إذا لم تكن مُكفّرة لم يدخلوا في الآية.
طالب: تفسير الآية الأخرى كما قوله تعالى (...) الخمر (...) آمنوا من الخمر والميسر هل تعتبر هذه الآية ناسخة لما..؟
الشيخ: هذه -بارك الله فيك- سنتكلم عليها -إن شاء الله تعالى- في الفوائد؛ لأن الخمر له ثلاث مراتب بل أربع مراتب: إباحة، وتعريض، وتحريم في وقت دون وقت، وتحريم مطلق.
طالب: هل السكران يدرك يا شيخ بعد شرب الخمر ما يفعل؟
الشيخ: لا، يدرك، لكن ما هو الإدراك التام، لكن من خفة ما جاءه من الطرب، من الخفة صار يفعل شيئًا يندم عليه فيما لو صحا، ولهذا تجدهم -والعياذ بالله- يفعل الواحد بأمه، نشرت بعض المجلات اللبنانية منذ سنوات قديمة أن شابًّا دخل على أمه في الساعة الواحدة ليلًا بعد منتصف الليل فدعاها إلى نفسه قالت: لا، فقال: إن لم تفعلي لأقتلن نفسي فأدركتها الشفقة فمكّنته من نفسها ففجر بها، فلما أصبح أحس بما فعل، فجاء إلى أمه وقال: ماذا فعلتُ البارحة؟ قالت: لم تفعل شيئًا. خافت، قال: أخبريني أو أقتل نفسي! فأدركتها الشفقة فأخبرته، فذهب إلى الحمام وأخذ معه صفحة أو جرّة من البنزين وصبّه على نفسه، ثم أحرق بنفسه. نسأل الله العافية.
***
طالب: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ وَلَا جُنُبًا إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ حَتَّى تَغْتَسِلُوا وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَفُوًّا غَفُورًا} [النساء: ٤٣].الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، سبق الكلام على أول هذه الآية الكريمة: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَوقلنا: إن تصدير الكلام بالنداء يدل على أهميته؛ لأن النداء يوجب انتباه المخاطب، ثم كون النداء بوصف الإيمان يدل على أن امتثاله إن كان أمرًا وتصديقه إن كان خبرًا من مقتضيات الإيمان، ويدل على أن مخالفة ذلك من نواقص الإيمان، وذكرنا الأثر المروي عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه: إذا قال الله تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوافأرْعِها سمْعَك؛ فإما خيرٌ تؤمر به، وإما شرٌّ .
يقول الله عز وجل: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواوالذي يناديك هو رب العالمين جل وعلا، فأصغ إليه وانتبه حتى تنظر ماذا يريد منك.
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوالو نادانا أحد من خارج السوق: يا أهل المسجد. أفلا نشرئب لندائه ونطلع وننظر ماذا يريد منا؟ والذي ينادينا الآن هو الله رب العالمين عز وجل من فوق سماواته، يقول: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَىيعني: ابتعدوا عن الصلاة في حال السكر، ولا تأتوها إلا وأنتم على أتم ما يكون من الإحساس واليقظة، وذلك لأن الصلاة صلة بين العبد وبين الله، والمصلي يناجي الله عز وجل، يخاطبه، يحاوره، يقول: الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ [الفاتحة: ٢] فيقول الله: «حَمِدَنِي عَبْدِي» ، ويقول: الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ [الفاتحة: ٣] فيقول: «أَثْنَى عَلَيَّ عَبْدِي»، ويقول: مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ [الفاتحة: ٤] فيقول: مجّدني عبدي، ويقول: إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ [الفاتحة: ٥] فيقول: «هَذَا بَيْنِي وَبَيْنَ عَبْدِي نِصْفَيْنِ وَلِعَبْدِي مَا سَأَلَ» ، ويقول: اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ [الفاتحة: ٦] فيقول: «هَذَا لِعَبْدِي وَلِعَبْدِي مَا سَأَلَ». فما كان هذا شأنه فإنه يجب أن يُعتنى به، وأن يدخل الإنسان فيه وهو على أتم ما يكون صحوة وأتم ما يكون يقظة لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى، والصلاة اسم جنس يشمل صلاة الفريضة وصلاة النافلة، وقوله: وَأَنْتُمْ سُكَارَىالجملة حالية من فاعل تَقْرَبُوا. والسكر تغطية العقل على وجه اللذة والطرب، وخرج بقولنا على وجه اللذة والطرب: تغطية العقل على غير ذلك كالبنج مثلًا والإغماء، فإن ذلك لا يعد سكرانًا، ولا يثبت له أحكام المسكر، والسكر يكون بالشراب، ويكون بالشم، ويكون بالأكل، فكل ما أسكر فهو خمر؛ لقول النبي عليه الصلاة والسلام: «كُلُّ مُسْكِرٍ خَمْرٌ، وَكُلُّ مُسْكِرٍ حَرَامٌ» . وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَتَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَلفظًا ومعنى، وما تفعلون كذلك من باب أولى؛ لأن الذي لا يعلم القول لا يعلم الفعل فإن القول أفهم من الفعل، وكثير من الناس لا يفهم من الفعل شيئًا، وبعض الناس يفهم من الفعل أكثر مما يفهم من القول، فالمهم أن قوله: حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَيعني وما تفعلون.
وَلَا جُنُبًايعني ولا تقربوا الصلاة جنبًا. انتبه، لا تقربوا الصلاة جنبًا، الحال هنا صارت مفردة وفي الأول لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَىفالله أعلم، هل هذا من باب اختلاف التنوع في الألفاظ أو لسبب يظهر بالتأمل.
وقوله: وَلَا جُنُبًا إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍكلمة (جنب) مفردة لفظًا، ولكنها صالحة للجماعة وللواحد، ولهذا قال: إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍولم يقل: إلا عابرَ سبيل. إذن جُنُبًانقول: حال من فاعل تَقْرَبُواأو معطوفة على الجملة الحالية من فاعل: تَقْرَبُوا.
إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍأي: مجتازين مارين، وكيف يتفق هذا مع الصلاة؟
نقول: إن الله لم يقل لا تصلوا، قال: لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَوأماكن الصلاة ما هي؟ المساجد، وعلى هذا يكون المعنى: ولا تقربوا أماكن الصلاة وأنتم جنب إلا عابري سبيل أي: مارين بها مرورًا.





