تفسير سورة النساء - 17
عدد الزيارات 4578

عناصر المادة :
تفسير الآية (47)
تفسير الآية (48)
تفسير الآية (49)

ويريدون الدعاء عليه بالرعونة، وهذا ليٌّ باللسان ولّا لا؟ لي باللسان، معنى اللي باللسان أن يريد باللفظ خلاف معناه الظاهر منه؛ لأنه لوى، تكلم لكن لوى هذا اللفظ إلى معنًى آخر غير الذي يُفهَم من اللفظ.
ولهذا قال: لَيًّا بِأَلْسِنَتِهِمْ [النساء: ٤٦]، لَيًّاأصلها (لويًا)، لكن اجتمعت الواو والياء في كلمة واحدة، وسبقت إحداهما بالسكون، فقلبت الواو ياء على القاعدة التصريفية، أما كون هذا ليًّا بألسنتهم فظاهر، لكن قالوا: وَطَعْنًا فِي الدِّينِ، طعنًا في الدين؟ كيف كان طعنًا في الدين؟ نقول: نعم واضح سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا، لماذا عصوا؟ لأنهم لم يرتضوا هذا الدين، وعدم ارتضاء الدين مستلزم للطعن في الدين، أي عيبه، مستلزم عيب الدين والقدح فيه؛ وذلك لأن من ارتضى شيئًا لا يمكن أن يقول إذا أُمر به: سمعنا وعصينا أبدًا. أيضًا طَعْنًا فِي الدِّينِإذا قالوا: اسْمَعْ غَيْرَ مُسْمَعٍهذا طعن في الدين؛ لأنه طعن في الرسول الذي جاء بالدين، والطعن في الرسول طعن فيما أرسل به.
وكذلك قولهم: وَرَاعِنَاإذا كانت من الرعونة فهي أيضًا طعن في الدين، فصار الطعن في الدين بكل الكلمات السابقة: سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا.
الثاني: اسْمَعْ غَيْرَ مُسْمَعٍ.
والثالث: رَاعِنَا.
كل هذا طعن في الدين.
ولهذا قال الله عز وجل: وَلَوْ أَنَّهُمْ قَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَابدل قولهم: سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا وَاسْمَعْوحذفوا غَيْرَ مُسْمَعٍقالوا: اسمع فقط، وحذفوا كلمة غَيْرَ مُسْمَعٍ، وَانْظُرْنَابدل رَاعِنَا؛ لأن هذه هي الكلمة التي أمر الله بها المؤمنين أن يقولوها بدلًا عن قولهم: رَاعِنَا، لو أنهم قالوا هكذا لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ وَأَقْوَمَ، الخيرية تشمل خيرية الدين والدنيا وخيرية الجزاء في الآخرة، وَأَقْوَمَأي في دينهم وفي حياتهم؛ لأن هذا القرآن كما قال الله تعالى: يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ [الإسراء: ٩] ولكن عدلوا عن هذا القول الذي هو خير لأن الله لعنهم بكفرهم وَلَكِنْ لَعَنَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْأي طردهم وأبعدهم عن رحمته بسبب كفرهم، فهم الجناة على أنفسهم، والرب عز وجل لم يمنع عنهم فضله، ولكن هم الذين تسببوا لذلك فكفروا.
فَلَا يُؤْمِنُونَ إِلَّا قَلِيلًافَلَا يُؤْمِنُونَيعني هؤلاء الذين قالوا ما قالوا، لَا يُؤْمِنُونَ إِلَّا قَلِيلًاكلمة قَلِيلًاهل تعود إلى الواو أو إلى الإيمان؟
قال بعض المفسرين: إنها صالحة أن تعود إلى الإيمان وأن تعود إلى الواو، والفرق بينهما إذا قلنا: إنها عائدة إلى الإيمان صار المعنى: فلا يؤمنون إلا إيمانًا قليلًا، وإذا قلنا: عائدة إلى الواو صار المعنى: فلا يؤمنون إلا قليلًا منهم، فالكافر منهم كافر لا إيمان معه، والمؤمن قليل.
ورجح بعضهم الأول وقال: إننا إذا قلنا: لا يؤمنون إلا قليلًا منهم لم يستقم الكلام؛ لأن الكلام كله قد سيق لبيان وصف هؤلاء، ولكن يبقى على هذا الترجيح يبقى قوله: إِلَّا قَلِيلًاأي إلا إيمانًا قليلًا، ما هذا الإيمان القليل وهم يقولون: سمعنا وعصينا؟ قالوا: إن القليل يأتي بمعنى العدم، أي: فلا يؤمنون إلا إيمانًا قليلًا لا ينفعهم، فيكون بمنزلة العدم؛ لأن ما لا نفع فيه كالمعدوم تمامًا.
طالب: الراجح؟
الشيخ: الراجح بعض العلماء أنكر أن يكون الاستثناء من الضمير من لَا يُؤْمِنُونَإنكارًا بينًا، ولكن الذي يظهر لي أن الآية محتملة، وأن منهم قوم يؤمنون، وهؤلاء الذين يؤمنون قد يُفهَمون من قوله: مِنَ الَّذِينَ هَادُوايعني: وبعض الذين هادوا لا يقولون هذا فيكونون مؤمنين، ولا شك أنه آمن من اليهود من آمن وحسن إيمانه وحسن إسلامه واستقام إيمانه مثل عبد الله بن سلام.
نعود إلى فوائد الآية:
مِنَ الَّذِينَ هَادُوا يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ.
يستفاد منها فوائد:
أولًا: أن من اليهود من استقام فلم يحرف الكلم عن مواضعه. من أين يؤخذ؟ من التبعيض، حيث جعل بعضهم يحرف الكلم عن مواضعه.
ومن فوائد هذه الآية: أن المحرفين للكلم عن مواضعه يشبهون اليهود في طريق استعمال الوحي.
ومن فوائد الآية الكريمة: عدل الله عز وجل، حيث تحدث عن اليهود بالقسط، فذكر الموصوفين بالعيب، وأخذ من هذا أن منهم من لم يوصف بذلك؛ لقوله: مِنَ الَّذِينَ هَادُوا، ولم يقل: كل الذين هادوا. وهكذا ينبغي للإنسان إذا تحدث عن قوم في مقام التقويم أن يذكر المحسن والمسيء، أما في مقام التحذير فإنه لا يذكر الإحسان؛ لأن الإحسان لا يتأتى، أو لا يتناسب مع إيراد التحذير.
ومن فوائد الآية الكريمة: شدة عناد اليهود الذين يحرفون الكلم عن مواضعه؛ لقوله: يَقُولُونَ سَمِعْنَا وَعَصَيْنَاهم لو قالوا: لم نسمع، أو قالوا: سمعنا ولم نفهم، لكان قد يقول قائل: إن هذا عذر، لكن يقولون: سمعنا وعصينا، فلم يمنعهم شيء عن الطاعة إلا مجرد العصيان.
ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن مَن عتَا من هذه الأمة وقال: أنا أعلم أن صلاة الجماعة واجبة ولكن لا أصلي مع الجماعة، نقول: من قال ذلك فهو مشبّه لمن؟ لليهود الذين قالوا: سمعنا وعصينا.
ومن فوائد هذه الآية: شدة حقد اليهود على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، حيث كانوا يجابهونه بهذه الكلمة السيئة اسْمَعْ غَيْرَ مُسْمَعٍ.
ومن فوائدها: تعالي هؤلاء اليهود، تعاليهم، يتعالون حتى على الرسول؛ لقولهم: اسْمَعْ؛ لأن كلمة (اسمع) إنما تكون في الغالب في المخاطبات ممن؟ من الأعلى إلى الأدنى: اسمع يا ولد، اسمع، ولهذا يُنتقض بعض الناس إذا قال لمن هو أكبر منه: (اسمع) لأبيه، أو قال لأمه: (اسمعي)، فهذا يدل على تعالي اليهود والعياذ بالله.
ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن الإنسان يحاسَب على ما أراد؛ لقوله: لَيًّا بِأَلْسِنَتِهِمْ، أما ما في قلوبهم فقال: لَوْ أَنَّهُمْ قَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَالَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ وَأَقْوَمَ.
فإذا قال قائل: وهل يحاسَب ظاهرًا على ما أراد في باب الحكومة والخصومة مع الناس؟
الجواب: لا، على الظاهر؛ لقول النبي صلى الله عليه وآله وسلم: «إِنَّمَا أَقْضِي بِنَحْوِ مَا أَسْمَعُ» ، ولقوله: «يَمِينَكَ عَلَى مَا يُصَدِّقُكَ بِهِ صَاحِبُكَ» ، لا على ما في قلبك، ففرق بين الحكم في أمر يتعلق بالعبادة وبين الحكم في أمر يتعلق فيما بين الناس.
ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن الطعن في الدين يكون بالصريح ويكون باللازم، الصريح أن يقول: هذا الدين يوجب لأهله التأخر والتقهقر والتزمت، وما أشبه ذلك، هذا صريح، الثاني ألا يكون صريحًا، لكن من لازم القول، فهنا إذا نظرت إلى كلامهم لم تشعر بالطعن على وجه صريح، لكنه من لازم القول.
ومن فوائد الآية الكريمة: أن الطعن في الدين من خصال من؟ من خصال اليهود، فمن طعن في الدين فهو مشبه لليهود والعياذ بالله.
ومن فوائد الآية الكريمة: تحريم الطعن في الدين، وأنه يجب أن يكون الدين محل احترام وتعظيم، لا محل طعن وقدح.
ومن فوائد هذه الآية الكريمة: عرض الحق على المستكبر عن الحق؛ لقول الله تعالى: وَلَوْ أَنَّهُمْ قَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا...إلى آخره. ومن نظائر ذلك قول الله تبارك وتعالى: إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَتُوبُوا فَلَهُمْ عَذَابُ جَهَنَّمَ [البروج: ١٠]، شوف قتلوا أولياءه وأحرقوهم بالنار، وعرض عليهم أيش؟ التوبة قال: ثُمَّ لَمْ يَتُوبُوا فَلَهُمْ عَذَابُ جَهَنَّمَ وَلَهُمْ عَذَابُ الْحَرِيقِ [البروج: ١٠].
ومن فوائد الآية الكريمة: أن المنكر إذا أنكر فإنه ينبغي للمنكر أن يضع بدله ما لا ينكر، فاهمين الفائدة دي؟ أن المنكر إذا أنكره المنكر فإنه ينبغي أن يضع بدله ما لا ينكر؛ لقوله: وَلَوْ أَنَّهُمْ قَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا، بدل وَعَصَيْنَا، وَاسْمَعْدون غَيْرَ مُسْمَعٍ، وَانْظُرْنَابدل رَاعِنَاكما قال تعالى في خطابه للمؤمنين بهذا لَا تَقُولُوا رَاعِنَا وَقُولُوا انْظُرْنَا [البقرة: ١٠٤]
ومن فوائد الآية الكريمة: أنه يجوز أو تجوز صيغة التفضيل بين شيئين لا يوجد في الطرف الآخر منه شيء، وأن قولهم: إن التفضيل بين شيئين يقتضي اشتراكهما في أصل المعنى ليس على إطلاقه، بل في غالب الأحوال كذلك، ولكن قد يخرج عن هذه القاعدة، فاهمين ولا؟ لغة عربية ولا إنجليزية؟ واضح؟ إذا قلت: فلان أفضل من فلان، فقد اشتركا في الفضل وزاد المفضل على المفضل عليه، هذا هو الأصل، الأصل في اسم التفضيل أن يشترك المفضل والمفضل عليه في أصل المعنى، لكن أحيانًا يأتي اسم التفضيل والطرف الآخر ليس فيه شيء منه، فهنا قال: لَوْ أَنَّهُمْ قَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَاسْمَعْ وَانْظُرْنَا لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ وَأَقْوَمَ، فهل في قولهم السابق خير؟ لا، وهل في قولهم السابق استقامة؟ لا، ومع ذلك قال: لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ وَأَقْوَمَ، هل مثل ذلك قول المؤذن في صلاة الفجر: الصلاة خير من النوم؟
الطلبة: لا.
الشيخ: أما الذي لا يحب النوم فسيقول: إنه مثله؛ لأن النوم ما فيه خير، والذي يحب النوم سيقول: ليس مثله؛ لأن النوم خير، فماذا تقولون؟
طالب: (...) النوم مقيد في هذا الوقت وليس على إطلاقه، فيكون مثل الآية.
الشيخ: نقول: النوم الذي يصد عن الواجب لا خير فيه، وإن كان الإنسان يعذر به. هل مثل هذه الآية قوله تعالى: أَصْحَابُ الْجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا وَأَحْسَنُ مَقِيلًا [الفرقان: ٢٤]؟ نعم، لأيش؟ لأن أصحاب النار لا خير في مستقرهم ولا حسن في مقيلهم، ويتمنون ألا يكونوا من أهل النار.
ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات أصل التفاضل بين الأعمال والأقوال؛ لأن الله قال: خَيْرًا لَهُمْ وَأَقْوَمَ، ولا شك أن التفاضل يبن الأقوال السيئة والحسنة والأفعال السيئة والحسنة لا شك أنه ثابت، لا أحد ينكر في هذا، لكن هل تتفاضل الأعمال الحسنة؟ وهل تتفاضل الأعمال السيئة؟ (...) نقول: الأعمال تتفاضل، ولهذا سئل النبي عليه الصلاة والسلام: أي العمل أحب إلى الله؟ قال: «الصَّلَاةُ عَلَى وَقْتِها». قال: ثم أيّ؟ قال: «بِرُّ الْوَالِدَيْنِ». قال: ثم أيّ؟ قال: «الْجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللهِ» . والسائل عبد الله بن مسعود رضي الله عنه.
وكذلك أيضًا قال الله تعالى في الحديث القدسي: «مَا تَقَرَّبَ إِلَيَّ عَبْدِي بِشَيْءٍ أَحَبَّ إِلَيَّ مِمَّا افْتَرَضْتُهُ عَلَيْهِ» ، فالأعمال الصالحة تتفاضل، كما أن الأعمال السيئة تتفاضل، منها صغائر ومنها كبائر، والكبائر منها أكبر ومنها دون ذلك، وكذلك الصغائر.
فإذا قال قائل: هل يلزم من هذا زيادة الإيمان ونقصه؟
قلنا: نعم، على أصل مذهب أهل السنة والجماعة ينبني على ذلك زيادة الإيمان ونقصه؛ لأن الإيمان يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية.
ومن فوائد الآية الكريمة: أن من لُعن -والعياذ بالله- وطرد عن رحمة الله فإنه ينقلب عليه الحق باطلًا، والباطل حقًّا، ولهذا لم يسلكوا الأحسن والخير في مقالهم؛ لأن الله لعنهم.
ويتفرع على هذه القاعدة: أن العاقل لا يتعرض لما فيه لعنة الله؛ لأن الإنسان إذا تعرض لما فيه لعنة الله لُعن وطرد وخذل، وفي الحديث الصحيح عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: «لَعَنَ اللهُ مَنْ لَعَنَ وَالِدَيْهِ». قالوا: يا رسول الله، كيف يلعن الرجل والديه؟ قال: «يَسُبُّ أَبَا الرَّجُلِ فَيَسُبُّ أَبَاهُ، وَيَسُبُّ أُمَّهُ فَيَسُبُّ أُمَّهُ» . وعلى هذا فلا تتعرض لسب الوالدين؛ لأنك إن تعرضت لعنت، وإذا لعنت طُردت وأبعدت عن رحمة الله.
ومن فوائد الآية الكريمة: أن الكفر سبب للعن؛ لقوله: وَلَكِنْ لَعَنَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ، وإذا كان في الإنسان خصال كفر فهل يناله من اللعنة بمقدار ما معه من خصال الكفر؟
الجواب: الظاهر نعم، وقد يقال: لا، قد يقال: إن اللعنة عقوبة عظيمة لا تكون إلا على فعل عظيم، وقد يقال: إن الحكم المعلق على فعل إن وجد الفعل كاملًا فالحكم كامل، وإن وجد بعضه فله بعض الحكم.
وينبني على ذلك قول النبي عليه الصلاة والسلام: «اثْنَتَانِ فِي النَّاسِ هُمَا بِهِمْ كُفْرٌ: الطَّعْنُ فِي النَّسَبِ وَالنِّيَاحَةُ عَلَى الْمَيِّتِ» ، فهل نقول: إن من طعن في النسب أو ناح على الميت فعليه جزء من اللعنة؟ لأن معه جزءًا من الكفر؟ يحتمل، يحتمل أن يقال: إن اللعنة تتبعض، كما أن الكفر يتبعض، ويحتمل أن يقال: إن اللعنة إنما هي على الكفر الأكبر، ولكنا إذا رجعنا إلى قول الرسول صلى الله عليه وآله وسلم: «لَعَنَ اللهُ مَنْ لَعَنَ وَالِدَيْهِ» ، ولعن الوالدين لا يخرج من الملة؛ تبين لنا أن من عمل عملًا أطلق عليه الكفر، فإنه يناله من اللعنة بمقدار ما حصل منه من هذا الوصف.
ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات الأسباب؛ لقوله: بِكُفْرِهِمْ.
ومن فوائد الآية: الرد على الجبرية والرد على القدرية، وكلاهما ضالتان في القضاء والقدر، أو كلتاهما فئتان ضالتان في القضاء والقدر، الجبرية يقولون: إن الإنسان مجبر على عمله، والقدرية يقولون: إن الإنسان مستقل بعمله وليس لله فيه تدبير، والآية ترد عليهم جميعًا، أما على الجهمية الذين هم الجبرية فلقوله: بِكُفْرِهِمْ، فأضاف العمل إليهم، وهم يقولون: لا يضاف العمل إلى العامل إلا على سبيل المجاز، وإلا فالحقيقة أنه ليس فعله لأنه ليس باختياره، وأما على القدرية فلإثبات الأسباب بِكُفْرِهِمْ، وهم -أي القدرية- يقولون: إن فعل الإنسان مستقل، ليس لله فيه تدخل إطلاقًا، فأنت تفعل وتتلو وتقوم وتقعد وتذهب وتجيء وليس لله تعالى فيك أي تعلق. أهل السنة والجماعة يقولون: عمل الإنسان باختياره، لا شك، ولكن من الذي جعله باختياره؟ هو الله، فيكون ناتجًا عن مشيئة الله وخلق الله، وخالق السبب التام خالق للمسبب.
ومن فوائد الآية الكريمة: أن هؤلاء اليهود يقل فيهم الإيمان، إن شئت فقل: يقل الإيمان بالنسبة للمؤمنين أو الإيمان بالنسبة لهم جميعًا، حسب ما قلنا في الاستثناء، هل هو عائد إلى الواو أو عائد إلى الفعل، ولا شك أن اليهود على قوة ما جاءهم من الوحي أن فيهم العتاة، وإلا فإن الرسول صلى الله عليه وسلم في المنام رأى أكثر الأمم أمة موسى بعد هذه الأمة؛ لأنه يقول: «فَنَظَرْتُ فَإِذَا سَوَادٌ عَظِيمٌ، فَظَنَنْتُ أَنَّهُمْ أُمَّتِي، فَقِيلَ لِي: هَذَا مُوسَى وَقَوْمُهُ» . وإلى هنا انتهت الفوائد.
طالب: (...).
الشيخ: هذا مر علينا بعد صلاة العصر.
طالب: (...).
الشيخ: ذكرنا أن الأكثر في اللغة العربية حذف الهمزة من خير وشر تخفيفًا؛ لكثرة استعمالهما، ولكن قد يوجد؛ كما في الحديث الذي مرّ: «إِنَّ أَشَرَّ النَّاسِ مَنْزِلَةً عِنْدَ اللهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ» .
طالب: (...).
الشيخ: يعني قصدك أخير وأقوم (...) الكلمتين، ربما يكون كذلك، وربما يقال: إن الجري على الأصل أولى.
طالب: (...).
الشيخ: لا، محيت مع الاستعمال، الأصل وجود الهمزة، صحيح، لكن مع الاستعمال محيت وصار لا ينطق إلا بحذفها.
طالب: (...) بأن اليهود متعالون؛ وذلك أنه من قوله تعالى: وَاسْمَعْ غَيْرَ مُسْمَعٍ، وأن (اسمع) هو يكون من فوق إلى أدنى.
الشيخ: في الغالب، في المخاطب.
طالب: في الغالب، ولكن نجد أن الله تعالى أقرهم وَلَوْ أَنَّهُمْ قَالُواوَاسْمَعْ وَانْظُرْنَا.
الشيخ: إي نعم، إحنا فهمنا التعالي لما قالوا: اسْمَعْ غَيْرَ مُسْمَعٍأنهم متعالون، لكن الله عز وجل رخص لهم أن يقولوا اسْمَعْ، وإلا لا شك أنه فيه شيء من قلة الأدب، لكن هذا من باب أن الله تعالى يسر لهم أن يقولوا مثل هذه الكلمة.
طالب: قوله تعالى مِنَ الَّذِينَ هَادُوا(...) اشتقت منها اسم اليهود، أو أن اليهود ينسبون إلى جدهم يهوذا؟
الشيخ: هذا فيه خلاف، كلمة اليهود هل أنها نسبة إلى يهوذا أو أنها نسبة إلى الفعل؛ لأنهم هادوا فسموا يهودًا، ولو قلنا بهذا وهذا لم يكن بعيدًا، نسبة إلى هذا وإلى هذا.
طالب: من هم أصناف الناس الذين ذكروا في القرآن بأن عليهم لعنة الله؟
الشيخ: إي نعم، المنافقون والكفار، واليهود من الكفار.
طالب: شيخ، بارك الله فيكم، قولنا في: قَلِيلًاأنها (...) للإيمان ألا يرجح هذا أن الله سبحانه وتعالى قال: مِنَ الَّذِينَ هَادُوا، فيخرج من آمن تمامًا، ويبقى الذي لم يؤمن، فيكون معنى (قليل) أي معدوم، فيتعين هذا المعنى؟
الشيخ: على كل حال، كل له وجهة، بعضهم قال كما قلت، لكن بعضهم قال: إن إخراج كلمة قَلِيلًاعن معناها الأصلي أيضًا فيه نظر؛ لأن استعمال القليل بمعنى معدوم لا بد من قرينة.
طالب: (...) ولا يطلق الإيمان إلا من أقر، هم لم يقروا أبدًا.
الشيخ: لا، من الذين هادوا من آمن.
الطالب: لكنه أخرج مِنَ الَّذِينَ.
الشيخ: ولهذا قال: إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالنَّصَارَى وَالصَّابِئِينَ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ [البقرة: ٦٢]، وقال: إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ [البينة: ٦] ولم يقل: إن أهل الكتاب.
طالب: شيخ، أحيانًا يقول الله تعالى: يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ، وأحيانا: مِنْ بَعْدِ مَوَاضِعِهِ [المائدة: ٤١] فما الفرق بين العبارتين؟
الشيخ: الفرق بينهما أن عَنْللتجاوز، أي: ينقلونه من المعنى الأصلي إلى معنًى آخر، وأما مِنْ بَعْدِ مَوَاضِعِهِفهي تدل على أن تحريفهم كان بعد التأمل وبعد النظر، ولكنهم انتشلوه عن أصله إلى المعنى الآخر.
طالب: في قوله: أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ [البقرة: ٨٥] ما يدل على أن قَلِيلًالا تعود على الواو؟
الشيخ: إي نعم، لكن الذين يؤمنون ببعض الكتاب ويكفرون ببعض ويش حكمهم عند الله؟ ما حكمهم عند الله؟ كفار، إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيُرِيدُونَ أَنْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ اللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ وَيُرِيدُونَ أَنْ يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا (١٥٠) أُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ حَقًّا [النساء: ١٥٠، ١٥١]؛ لأن الذي يؤمن ببعض ويكفر ببعض معناه أنه لا يؤمن إلا بما وافق هواه، فصار غير مؤمن حقيقة.
طالب: (...).
الشيخ: ويش تقولون؟ يقول: من تتبع الرخص فهل نقول: إنه ممن يؤمن ببعض ويكفر ببعض؟ نعم، هو لا شك؛ لأن اللي يوافقه يأخذ به، والذي لا يوافقه يطلب من يفتيه بما يوافق رأيه، لكن هذا أهون؛ لأن هذا لا يكفر بالقول الثاني، وإنما يرى رجحان هذا القول بناء على قول الذي أفتاه، فهو أهون، ومع ذلك قال العلماء: إنه يحرم تتبع الرخص، حتى إن بعضهم بالغ وقال: من تتبع الرخص تزندق.
طالب: (...)؟
الشيخ: حسب التتبع، قد يكون الحامل له كراهة ما دل عليه الشرع من الشدة التي يزعم أنها شدة، وقد يكون له عذر آخر، حسب ما (...) بالشخص.
طالب: قد يستدل أحد بآخر الآية على أن عوام الناس كفار من الباء السببية وَلَكِنْ لَعَنَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ [النساء: ٤٦]، فيقول اليهود: لعنوا بكفرهم، فلا بد أن يأخذوا بالأدلة الصحيحة، وكذلك من اتخذ ندًّا من دون الله بسبب اتخاذهم الند من دون الله فإنه سبب له (...) عن قبول الحق، فكيف الرد عليهم؟
الشيخ: هؤلاء يقولون: سمعنا وعصينا؟
الطالب: الباء السببية وَلَكِنْ لَعَنَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْبسبب كفرهم..
الشيخ: الكفر الصريح، هذا كفر صريح، بعد أن علموا قالوا: سمعنا وعصينا، ما قالوا: سمعنا ولم نفهم.
طالب: (...).
الشيخ: (...).
طالب: (...).
الشيخ: الكفر نعم، لا شك.
الطالب: (...).
الشيخ: إذا كان هل كل ذنب أطلق الله عليه الكفر، من كلامه على الذنب الذي أطلق عليه اسم الكفر ولكن لا يخرج من الملة، أفهمت؟
الطالب: غَيْرَ مُسْمَعٍيا شيخ ما يصلح، يكون معناها: غير مطاع.
الشيخ: يعني غير مسموع؟
الطالب: (...).
الشيخ: لا، ما يتناسب مع صيغة البنية، بنية الكلمة لا ما تناسب، لو قال: غير مسمِع صح، لو كان بكسر الميم صحيح، يعني ما ذكرته صحيح، أما إذا كان بالفتح السياق يأباه.
طالب: شيخ، هنا ذكرت -حفظك الله- أن المنكر إذا أنكره المنكر، يعني جاء بشيء بدل هذا المنكر، طيب الآن مثلًا في بلادنا يجتمع الناس للعزاء، التعزية، ويفعل بهذا العزاء مثلا نسميه مقرئًا، فإذا جاء هذا الشخص الملتزم وجلس يمتنع هذا الشيء فيتحدث هو بحديث، ولكن هذا يتكرر سبعة أيام، هل يجوز؟
الشيخ: لا، هو على كل حال مجابهة الناس بأمور اعتادوها، حتى صارت عندهم عقيدة مجابهة الناس بإنكارها صعب، لكن الأحسن بالتدريج.
الطالب: يحضر الأيام كلها يا شيخ ولا يحضر يوم وينكر..
الشيخ: يعني يبتدي يكون مثلًا يجلس معهم ثم يقول: لماذا أنتم جلوس، لماذا والرسول يقول: «إِنَّ الْمَيِّتَ يُعَذَّبُ بِمَا نِيحَ عَلَيْهِ وَإِنَّهُ يُعَذَّبُ بِبُكَاءِ أَهْلِهِ» ، هل ترضون أن أباكم أو أخاكم أو ابنكم يعذب؟!
طالب: استنبطنا من قوله تعالى من قول اليهود: وَاسْمَعْ غَيْرَ مُسْمَعٍاستنبطنا أنه من تعاليهم، وأن الله عز وجل صحح عبارتهم وَلَوْ أَنَّهُمْ قَالُوا سَمِعْنَاوقلت يا شيخ حفظك الله: إنه هذا من الله عز وجل تجوزًا لهم، يعني من باب أنه جائز لهم، وإلا فإن اسمع.
الشيخ: إي نعم، هي عادة لا تقال إلا من أعلى إلى أدنى، هذه العادة، حتى الخطاب الآن فيما بيننا لو قال: اسمع يا فلان، يعني فيه شيء من سوء الأدب.
الطالب: (...).
الشيخ: نعم، بس هؤلاء عصاة لنا أن نتنزل معهم من باب التأليف.
طالب: يؤخذ منها يا شيخ تعريف الكفر؟
الشيخ: ذكرتم أن (اللذان واللتان) معربتان، وتعرب على المثنى، ولكن لن نستطيع أن نقول: إن بناءهما أقرب إلى الصواب لمشابهتهما للحرف شبهًا افتقاريًّا؟ ذكرنا أن هذا رأي جمهور النحويين، ولكن الصحيح أنهما معربان، والمشابهة هذه عرضها تغيرهما باختلاف العوامل، وهذا من خصائص الأسماء.
هذا يقول: مسبوق بركعة أو ركعتين، فجاء رجل متأخر وأراد الائتمام بهذا المسبوق، فهل تصح صلاته مع إمام مسبوق؟ الصحيح أنها تصح، لكن الأولى ترك ذلك، ففيها وجهان للعلماء، بعضهم قال: تصح، وبعضهم قال: لا، ولكن الصحيح أنها تصح ولكن لا ينبغي (...).
طالب: ما الدليل على هذا؟
الشيخ: على أيش؟
الطالب: على أنها تصح.
الشيخ: الدليل أنه يجوز أن ينوي الإنسان الائتمام في أثناء الصلاة، كما فعل ابن عباس مع الرسول صلى الله عليه وسلم .

***

تفسير الآية (47)
00:37:41

طالب:
أعوذ بالله من الشيطان الرجيم يَا أَيُّهَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ آمِنُوا بِمَا نَزَّلْنَا مُصَدِّقًا لِمَا مَعَكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَطْمِسَ وُجُوهًا فَنَرُدَّهَا عَلَى أَدْبَارِهَا أَوْ نَلْعَنَهُمْ كَمَا لَعَنَّا أَصْحَابَ السَّبْتِ وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولًا (٤٧) إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدِ افْتَرَى إِثْمًا عَظِيمًا [النساء: ٤٧، ٤٨].
الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله تبارك وتعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ آمِنُوا بِمَا نَزَّلْنَا مُصَدِّقًا لِمَا مَعَكُمْ، النداء في قوله: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ، يراد به اليهود إرادة أولوية، وكذلك النصارى؛ لأنهم أوتوا الكتاب، والكتاب الذي أوتيه اليهود هو التوراة التي أنزلها الله على موسى، كتبها بيده سبحانه وتعالى، وأنزلها على موسى صلى الله عليه وعلى آله وسلم، أما الكتاب الذي نزل على عيسى فهو الإنجيل.
آمِنُوا بِمَا نَزَّلْنَا مُصَدِّقًا لِمَا مَعَكُمْوهو القرآن، وقال: نَزَّلْنَا؛ لأنه نزل شيئًا فشيئًا حسب ما تقتضيه حكمة الله عز وجل، قال العلماء: والفرق بين (نزلنا) و(أنزلنا) أن (نزلنا) إذا اجتمعت مع (أنزلنا) صار المراد بها التفريق، قال الله تبارك وتعالى: وَالْكِتَابِ الَّذِي أَنْزَلَ مِنْ قَبْلُ [النساء: ١٣٦] وقال تعالى: وَقُرْآنًا فَرَقْنَاهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَى مُكْثٍ وَنَزَّلْنَاهُ تَنْزِيلًا [الإسراء: ١٠٦] فالقرآن منزل تنزيلًا على حسب ما تقتضيه حكمة الله؛ إما أن تكون واقعة يتحدث الله عنها أو مشكلة يفتي الله تعالى بها، أو غير ذلك.
وقوله: مُصَدِّقًا لِمَا مَعَكُمْأي للذي معكم، والذي معهم هو التوراة بالنسبة لمن؟
طلبة: لليهود.
الشيخ: والإنجيل بالنسبة للنصارى، وكيف هذا التصديق؟
التصديق له وجهان: الوجه الأول أنه مصدق لها، أي شاهد بما جاءت به، شاهد بما جاءت به وأنها حق، والقرآن مملوء من ذلك، من أن الكتب السابقة المنزلة على الرسل كلها حق، والثاني من الوجهين أنه مصدق لها، حيث جاء على وفق ما أخبرت به؛ لأن هذا القرآن الكريم والنبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قد ذكرا في التوراة والإنجيل، كما قال تعالى: الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ [الأعراف: ١٥٧] إذن التصديق له وجهان: الوجه الأول؟
طالب: الوجه الأول أن في القرآن آيات تدل وتثبت صحة الكتب السابقة من التوراة والإنجيل.
الشيخ: فهو مصدق لها، أي شاهد لها بالصحة، والوجه الثاني؟
طالب: أنه شاهد لما جاءت به.
الشيخ: هذا الأول.
طالب: أنه مصدق لها، في حين أنه جاء بما أخبرت به.
الشيخ: أنه جاء موافقًا لما أخبرت به هي، جاء هذا القرآن موافقًا لما أخبرت به، فهذا الوجه غير وجه الأول.
مِنْ قَبْلِ أَنْ نَطْمِسَ وُجُوهًا فَنَرُدَّهَا عَلَى أَدْبَارِهَا أَوْ نَلْعَنَهُمْهذا تحذير وتهديد، إذا تأخروا عن الإيمان يحصل لهم هذا مِنْ قَبْلِ أَنْ نَطْمِسَ وُجُوهًا فَنَرُدَّهَا عَلَى أَدْبَارِهَا، وهذا الطمس اختلف العلماء فيه: هل هو طمس معنوي أو طمس حسي، فقيل: إنه طمس معنوي، بحيث لا ترى الحق ولا تسمعه ولا تنتفع به، ويردها الله على أعقابها فتهوي في الكفر.
وقيل: بل هو طمس حسي، وذلك بأن تطمس الوجوه حتى تكون كخف البعير، ليس فيها عين ولا أنف ولا شفة ولا حاجب، بل هي كالقفا تمامًا، فكما أن قفا الرأس ليس فيه شيء من ذلك، فهذه أيضًا تطمس حتى تكون وجوههم كأقفائهم، ثم بعد ذلك ترد على الأدبار.
وقيل: المراد بالطمس طمس حسي، ولكن هو أن تلوى الأعناق، وتكون الوجوه من الخلف، وهذا معنى قوله: فَنَرُدَّهَا عَلَى أَدْبَارِهَا، وكما قلنا لكم فيما سبق في القاعدة التفسيرية: إنه إذا كانت الآية تحتمل وجهين لا يناقض أحدهما الآخر، فإنها تحمل على الوجهين جميعًا؛ لأن كلام الله معناه واسع، فإذا كان اللفظ يحتمل هذا وهذا وليس بينهما مناقضة، فالواجب حمله على الوجهين، فهنا نقول: إن الله تعالى هددهم بالطمس الحسي والطمس المعنوي.
قال: أَوْ نَلْعَنَهُمْ كَمَا لَعَنَّا أَصْحَابَ السَّبْتِ، نَلْعَنَهُمْأي نطردهم عن رحمتنا ونوقع بهم من النكال ما وقع بأصحاب السبت، والذي وقع بأصحاب السبت هو أنهم قيل لهم: كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ [البقرة: ٦٥] فكانوا قردة خاسئة ذليلة تتعاوى، والعياذ بالله.
والفرق بين التهديدين أن الأول إذا قلنا: إنه حسي خاص بجزء من البدن، وهو أيش؟ الوجه، أما الثاني فهو عام، تقلب الصورة كلها -والعياذ بالله- إلى صورة قردة.
يُذكر أن عبد الله بن سلام رضي الله عنه لما سمع بهذه الآية أقبل مسرعًا ويده على وجهه يخشى أن يطمس؛ لإيمانه وتصديقه، حتى جاء إلى الرسول صلى الله عليه وآله وسلم وآمن به . وكذلك يُذكر عن كعب الأحبار في عهد عمر رضي الله عنه ، فالله أعلم، ولكن لا شك أن المؤمنين منهم سوف يخافون هذا الأمر.
فإن قال قائل: إنهم لم يؤمنوا ولم يقع بهم هذا التهديد، هم لم يؤمنوا ولكن لم يقع بهم هذا التهديد فما الجواب؟
الجواب: أنه لما آمن بعضهم ارتفع هذا التهديد؛ لأن هذا التهديد معلق بما إذالم أيش؟ إذا لم يؤمن أحد منهم، وقيل: إن الله عز وجل هددهم بهذا، والتهديد قائم إلى يوم القيامة، فإذا قدر أنه لم يقع فيما مضى فإنه متوقع؛ لأن الله سبحانه وتعالى هددهم به مِنْ قَبْلِ أَنْ نَطْمِسَ وُجُوهًا فَنَرُدَّهَا عَلَى أَدْبَارِهَا أَوْ نَلْعَنَهُمْ كَمَا لَعَنَّا أَصْحَابَ السَّبْتِ.
والوجه الأول قد يكون أقرب؛ لأن تهديد أهل الكتاب الذين في عهد الرسول عليه الصلاة والسلام بأمر لا يكون إلا قبيل قيام الساعة لا معنى له ولا وجه له، فيقال: إنه لما آمن بعضهم رفع عنهم هذا التهديد وقامت الحجة على الباقين، حيث آمن من كان منهم واعترف بالحق.
ثم قال تعالى: وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولًاإي والله أمر الله مفعول، من يرد أمر الله؟ لا أحد يرده، فأمر الله لا بد أن يقع، والأمر هنا بمعنى المأمور، يعني كان مأمور الله -أي ما أمر به- مفعولًا، ويحتمل أن يكون الأمر هو الأمر الكوني، أي القضاء، ويكون المفعول هنا بمعنى الواقع، وأيا كان، سواء قلنا: إن الأمر بمعنى المأمور، وهذا لا بعد فيه؛ لأن الأمر مصدر، والمصدر يأتي أحيانًا بمعنى اسم المفعول؛ كقوله تعالى: وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ [الطلاق: ٤]، أي وأولات المحمولين؛ لأن الأحمال جمع حمل، والحمل هو الجنين في البطن. وكما في قوله صلى الله عليه وآله وسلم: «مَنْ عَمِلَ عَمَلًا لَيْسَ عَلَيْهِ أَمْرُنَا فَهُوَ رَدٌّ» ؛ أي: مردود. وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولًا.
في هذه الآية الكريمة من الفوائد:
أولًا: وجوب الإيمان على أهل الكتاب بالقرآن الكريم؛ لقوله: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ آمِنُوا.
ومن فوائدها: إقامة الحجة على هؤلاء الذين أوتوا الكتاب وكفروا بمحمد، بأنه لا عذر لهم، كيف ذلك؟ لأنهم أوتوا الكتاب، فعندهم علم، ولأن الذي نزل على محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم مصدق لما معهم، فليس لهم عذر، كتابهم بين أيديهم، وهو وسيلة العلم، ثم مجيء هذا القرآن مصدقًا لما معهم يثبت أن محمدًا صلى الله عليه وعلى آله وسلم حق، فوجب عليهم الإيمان به.
ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات أن القرآن كلام الله، وجهه؟ بِمَا نَزَّلْنَا.
فإن قال قائل: التنزيل الذي يضاف إلى الله قد يكون في أمر مخلوق، مثل قوله تعالى: وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ [الحديد: ٢٥]، وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ الْأَنْعَامِ ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ [الزمر: ٦]؟
فالجواب عن ذلك يحصل بالتفصيل الآتي: وهو أن المنزل من عند الله ينقسم إلى قسمين: أعيان، وأوصاف:
فالأعيان بائنة منفصلة عن الله، فتكون أيش؟ تكون مخلوقة، مثل: وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ، وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورًا [الفرقان: ٤٨]، وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ الْأَنْعَامِ ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ، فهذه أشياء أعيان بائنة منفصلة عن الله، فتكون مخلوقة.
والقسم الثاني: أوصاف لا تقوم إلا بموصوف، مثل: الكلام، الكلام صفة لا تقوم إلا بموصوف، فإذا أضاف الله إنزال الكلام إليه فهو من صفاته، وهي غير مخلوقة، وعلى هذا فالقرآن غير مخلوق.
ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات علو الله، وجهه نَزَّلْنَا؛ لأن النزول إنما يكون من الأعلى، وهو كذلك. وأدلة علو الله عز وجل سبقت لنا مرارًا، وقلنا: إن علو الله عز وجل ينقسم إلى قسمين: قسم حسي، وقسم معنوي:
فالقسم المعنوي متفق عليه بين أهل الملة، حتى أهل التعطيل يدعون أنهم يعطلون تنزيهًا لله عن النقص، فالعلو المعنوي لا أحد ينكره من أهل الملة، كل أهل القبلة يقرون به. العلو الحسي الذاتي هو الذي أنكره من سوى أهل السنة والجماعة وقالوا: إن الله ليس عاليًا بذاته، بحجة باطلة.
وقد بينا فيما سبق أن العلو الذاتي قد دل عليه من الأدلة خمسة أنواع: الكتاب، والسنة، والإجماع، والعقل، والفطرة، وبينا وجه ذلك، وهو معلوم لأكثركم، ومن لم يكن عنده علم فليرجع إليه في الأشرطة.
ومن فوائد هذه الآية: أن القرآن الكريم مصدق للكتب السابقة، يشهد لها بالصدق، وأنه مصدق لها حيث جاء مطابقًا لما أخبرت به، فهو لا يتنافى معها ولا يتنافر معها، لكن الشرائع تختلف باختلاف الأمم حتى باختلاف الأحوال، حتى في الشريعة الإسلامية الشرائع تختلف باختلاف الأحوال، أليس كذلك؟ الفقير لا زكاة عليه، والغني عليه الزكاة، وهذا اختلاف، كيف يقال: هذا الرجل الذي هو اسمه زيد عليه الزكاة وهذا الرجل اسمه عمرو لا زكاة عليه؟
نقول: نعم؛ لأن الأول غني والثاني فقير، الشرائع تختلف كما قال تعالى: لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا [المائدة: ٤٨]، لكن الأصول -أصول الملل- ثابتة واحدة، هذا الكتاب العزيز مصدق لما بين يديه.
وفي سورة المائدة بيّن الله عز وجل أنه مهيمِن على ما سبق، ومعنى مهيمن أيش؟ أي: مسيطر، الهيمنة على الشيء: السلطة والسيطرة، وإذا كان كذلك لزِم أن يكون ناسخًا لما سبقه.
ومن فوائد هذه الآية: تهديد أولئك القوم -أعني بهم أهل الكتاب- إذا لم يؤمنوا بهذا القرآن بهذين الوعيدين: طمس الوجوه، وردها على أدبارها، والثاني أن يلعنوا كما لعن أصحاب السبت.
ومن فوائد الآية الكريمة: تحاشي التعبير بالمواجهة عند المؤاخذة، هنا قال: مِنْ قَبْلِ أَنْ نَطْمِسَ وُجُوهًا، ولم يقل: وجوهكم، وكان مقتضى السياق أن يقول: من قبل أن نطمس وجوهكم؛ لأنهم هم المهددون، لكن أتى بها على صيغة النكرة تحاشيًا لأيش؟ للمواجهة بالمؤاخذة، هذا من جهة، من جهة أخرى قد يقال: إن المراد بالتنكير هنا التعظيم، أي: وجوهًا معظمة عندكم، فتطمس، وهي وجوه زعمائهم الذين صدوهم عن سبيل الله عز وجل.
ومن فوائد الآية الكريمة: أن الإحالة على المعلوم تصح، ولو بلفظ الإبهام، من أين تؤخذ؟
طالب: (...).
الشيخ: لا، الإحالة على المعلوم تصح ولو بلفظ الإبهام.
طلبة: قوله: كَمَا لَعَنَّا أَصْحَابَ السَّبْتِ.
الشيخ: كَمَا لَعَنَّا أَصْحَابَ السَّبْتِ؛ لأن أصحاب السبت إذا قال قائل: ما هي اللعنة التي حلت بأصحاب السبت؟ ومن هم أصحاب السبت؟ نقول: ذكروا هنا على سبيل الإجمال؛ لأن أمرهم معلوم، وهذا يشبه ما يقول النحويون في (أل) التي للعهد الذهني.
ومن فوائد الآية الكريمة: أن الله سبحانه وتعالى يذكر نفسه بلفظ العظمة: نَطْمِسَ(نَرُدّ) (نَلْعَن) كَمَا لَعَنَّاليش؟ لأن المقام يقتضي ذلك، المقام مقام تهديد، ولا بد أن يظهر المهدد أيش؟ عظمته أمام المهدد، وهذا في غاية البلاغة؛ مراعاة حال المخاطب، هذه هي البلاغة.
ومن فوائد هذه الآية الكريمة: جواز تغيير، بل استحباب أو تفضيل تغيير الأسلوب إذا اقتضت الحاجة ذلك؛ لقوله: وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولًا، ولم يقل: وكان أمرنا مفعولًا، ففي الآية التفات من الخطاب إلى أيش؟ إلى الغيبة؛ لأن وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولًاهذا تحدث عن غائب، لكن (نلعن) (نطمس) وما أشبه ذلك هذه تحدث عن متكلم، ففيه التفات من التكلم إلى الغيبة للتعظيم؛ لأن قول العظيم: فعل فلان كذا، يعني نفسه، أبلغ من قوله: فعلت كذا.

***

تفسير الآية (48)
00:57:37

طالب:
وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدِ افْتَرَى إِثْمًا عَظِيمًا (٤٨) أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُزَكُّونَ أَنْفُسَهُمْ [النساء: ٤٨، ٤٩].
الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله تبارك وتعالى: إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ، ما المراد بقوله: بِمَا نَزَّلْنَا مُصَدِّقًا لِمَا مَعَكُمْ؟ أصحاب السبت معروفون لنا، الذين اعتدوا في السبت، فتحيلوا على صيد الحيتان حين حرم عليهم يوم السبت، وكانت تأتيهم شرعًا وَيَوْمَ لَا يَسْبِتُونَ لَا تَأْتِيهِمْ [الأعراف: ١٦٣]، فتحيلوا بنصب الشبك يوم الجمعة وأخذ الحيتان يوم الأحد؛ فقُلبوا قردة خاسئين.
ثم قال الله عز وجل: إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ، إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُتحدث سبحانه وتعالى عن نفسه بصيغة الغائب تعظيمًا له، كما يقول الملك، إن الملك يقول لجنوده: إن الملك يأمركم أن تتجهوا إلى المكان الفلاني، فيكون هذا من باب التعظيم، يعني تحديث المتحدث عن نفسه بصيغة الغائب يعتبر تعظيمًا.
وقوله: لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِالمغفرة هي الستر مع التجاوز، ويدل لذلك -أي لكون المعنى مركبًا من الستر والتجاوز- يدل على ذلك الاشتقاق؛ لأن المغفرة مأخوذة من المغفر، وهو الذي يوضع على الرأس ويسمى البيضة يتقى به السهام، وإذا وضع على الرأس ويتقى به السهام صار فيه ستر أيش؟ ووقاية.
إذن لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِأي لا يتجاوز ولا يستر الإشراك به، وقوله: أَنْ يُشْرَكَ بِهِ، (أن) هذه مصدرية، و(أن) المصدرية من الحروف أيش؟ الموصولة، فتسبك وما بعدها بمصدر، ويكون التقدير على هذا: إن الله لا يغفر شركًا به، أو إشراكًا به، عرفتم؟ لا يغفر إشراكًا به، وإذا حولنا هذا الفعل مع (أن) إلى مصدر صار نكرة في سياق النفي، والنكرة في سياق النفي للعموم.
وقوله تعالى: أَنْ يُشْرَكَ بِهِيشمل الإشراك في الربوبية والإشراك في الألوهية الذي هو الإشراك في العبادة، والثالث: الإشراك في الأسماء والصفات، فالله لا يغفره؛ لأن جانب التوحيد أعظم الجوانب حقًّا أن ينفى به، فإذا أخل به الإنسان فإن الله سبحانه وتعالى لا يغفره، بخلاف المعاصي الأخرى التي دونه، أو التي سوى الشرك، فإن الله تعالى يغفرها، إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ، فمن اعتقد أن مع الله خالقًا أو معينًا فهو مشرك، أو أن لأحد من الناس من الخلق شيئًا ينفرد به دون الله فهو مشرك، يعني من قال: السماء لله والأرض لغير الله فهو مشرك، ومن قال: السماء والأرض مشتركة بين الله وغيره فهو مشرك، ومن قال: إن الله له معين في خلق السماوات والأرض فهو مشرك، وكل هذا لا يغفره الله؛ في العبادة: من سجد لغير الله أو نذر لغير الله أو ذبح لغير الله فهو مشرك، من أشرك بالله بالعبادة رياء فهو مشرك، فالرياء شرك بنص الحديث .
إذن الرياء لا يغفر، كذلك من زعم أن لله مثيلًا في صفاته، وأن استواء الله على العرش كاستواء الانسان على السرير، وأن نزول الله إلى السماء الدنيا كنزول الإنسان من السطح إلى أسفل الدرجة، وما أشبه ذلك فهو مشرك، كل هذا لا يغفره الله.
وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ، مَا دُونَ ذَلِكَالمراد بقوله: مَا دُونَ ذَلِكَأي ما سوى ذلك، أو ما هو أصغر من ذلك؟ هل هو من الدون الذي هو الأصغر؟ أو من الدون الذي هو السوى؟
طلبة: (...).
الشيخ: نشوف، إذا قلنا: ما سوى ذلك لزم أن يغفر الله كفر الجحود؛ لأنه سوى الشرك، فلو قال شخص: إن الله لم يرسل محمدًا صلى الله عليه وسلم، هذا ليس بشرك، هو سوى الشرك لا شك، فهل هذا مغفور؟ أجيبوا؟
طلبة: لا.
الشيخ: إذن يتعين أن يكون معنى مَا دُونَ ذَلِكَأي ما هو أصغر من الدون الذي هو أقل، لا من الدون الذي بمعنى (سوى)؛ لأننا لو فسرناه بمعنى (ما سوى ذلك) لكان كفر الجحود داخلًا في الآية، وليس كذلك.
وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُقوله: لِمَنْ يَشَاءُأي للذي يشاؤه، فعلى هذا يكون الشرك وما كان بمنزلته من كفر الجحود ونحوه غير مغفور، وما دون ذلك فهو تحت المشيئة، ليس مغفورًا ولا مؤاخذًا به، بل هو تحت المشيئة.
ثم إننا نقول: كل شيء قيده الله بالمشيئة فإنه مقرون بالحكمة؛ إن اقتضته الحكمة شاءه، وإن لم تقتضه فإنه لا يشاؤه؛ لأن فوات الحكمة سفه، والله تعالى منزَّه عنه.
ويدل لهذا القيد -أن كل ما قيده الله بمشيئة فإنه مقرون بالحكمة - قوله تعالى في سورة الإنسان: وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا [الإنسان: ٣٠]، فقال: إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا، أعقبها قوله: وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُفبين أن مشيئة الله تابعة لعلمه وحكمته.
ثم قال: وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدِ افْتَرَى إِثْمًا عَظِيمًاصدق ربنا، من يشرك بالله فهذا أعظم مفترٍ، يعني من يشرك بالله في ربوبيته، أو في عبادته، أو في أسمائه وصفاته، فقد افترى إثمًا عظيمًا، أي كذب كذبًا عظيمًا أو كذب كذبًا يستحق به الإثم العظيم؛ لأن أعظم ذنب كما قال النبي عليه الصلاة والسلام: «أَنْ تَجْعَلَ لِلَّهِ نِدًّا وَهُوَ خَلَقَكَ» ، هذا أعظم ذنب أن تجعل لله ندًّا وهو خلقك، كيف تجعل لله ندًّا وهو الذي خلقك؟ هذا أعظم شيء إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ [لقمان: ١٣]. هذا معنى الآية، أما فوائدها فكثيرة.
طالب: شيخ بارك الله فيكم، أليس (سوى) يعم (...) لا يصير كفر في الشرك.
الشيخ: نعم.
الطالب: أليس الكفر شركًا؟
الشيخ: لا، لكن لا يسمى شركًا.
الطالب: لكن في العظم يا شيخ؟
الشيخ: إي نعم، ولهذا قلنا: مَا دُونَ ذَلِكَأي ما أقل، واضح؟ إذا قلنا: ما سوى ذلك، يغفر ما سوى ذلك، الكفر شرك ولّا غير شرك؟
الطالب: الكفر شرك يا شيخ.
الشيخ: إذا جحد ما جاء به الرسول هل أشرك أو جحد؟
الطالب: (...).
الشيخ: دعنا من الشرك المعنى العام حتى اللي يغتاب الناس مشرك بالمعنى العام، الشرك جعل ندًّا لله، فهل هذا جعل ندًّا لله؟
الطالب: لا.
الشيخ: طيب إذن ما دون ذلك أحسن مما سوى ذلك.

***

طالب: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُزَكُّونَ أَنْفُسَهُمْ بَلِ اللَّهُ يُزَكِّي مَنْ يَشَاءُ وَلَا يُظْلَمُونَ فَتِيلًا (٤٩) انْظُرْ كَيْفَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَكَفَى بِهِ إِثْمًا مُبِينًا (٥٠) أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا هَؤُلَاءِ أَهْدَى مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا سَبِيلًا} [النساء: ٤٩ - ٥١].
الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله تعالى: إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ.
في هذه الآية فوائد، منها: عظم الشرك، وأن الله سبحانه وتعالى لا يغفره؛ لأنه أعظم ذنب، فقد سئل النبي صلى الله عليه وآله وسلم: أَيُّ الذنب أعظم؟ قال: «أَنْ تَجْعَلَ لِلَّهِ نِدًّا وَهُوَ خَلَقَكَ» .
ومنها: إثبات الأفعال الاختيارية لله عز وجل، وأنتم تعلمون أن كثيرًا من المعطِّلة الأشاعرة والمعتزلة ونحوهم ينكرون أن يقوم بالله فعل متعلق بإرادته؛ لأنهم يقولون: إن الأفعال المتعلقة بالإرادة حادثة، والحادث لا يقوم إلا بحادث، ولا شك أن هذا كذب، كذب في التصور؛ لأن الشيء الحادث يمكن أن يقوم بالأزلي، كما أن الشيء الحادث الذي حدث اليوم يمكن أن يقوم بمخلوق خلق قبل خمسين سنة، فلا يلزم من حدوث الفعل أن يكون الفاعل حادثًا.
ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن ما دون الشرك تحت المشيئة؛ لقوله: وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُوليس مجزومًا بمغفرته، ولا مجزومًا بالمؤاخذة عليه، لما هو تحت المشيئة.
ويتفرع على هذه الفائدة: رد كلام المسوفين الذين يفعلون ما يفعلون من المعاصي ثم يقولون: إن الله يغفر ما دون الشرك لمن يشاء، فنقول له: ما الذي أدراك أن تكون أنت ممن شاء الله أن يغفر له؟ هل تعلم؟ إذن أنت مخاطر، لو فرضنا أن عملك المعصية يمكن أن يغفر، لكنه ليس بمتيقن، فالمعصية مفسدة ظاهرة حاصلة، ومغفرتها مصلحة لكنها أيش؟ تحت المشيئة، قد تحصل وقد لا تحصل.
ومن فوائد هذه الآية الكريمة: وجوب توحيد الله؛ لكون الشرك لا يغفر، ويلزم من ذلك أن يكون توحيد الله تعالى واجبًا، نعم هو أوجب الواجبات في ذاته وأسمائه وصفاته وأفعاله، يجب أن يوحد الله عز وجل في هذا كله.
ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن المشرك مفتر على الله؛ لقوله: وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدِ افْتَرَى إِثْمًا عَظِيمًا.
ومن فوائدها أيضا: أن هذا الكذب من أعظم الكذب؛ لقوله: إِثْمًا عَظِيمًا، وفي آية أخرى وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا بَعِيدًا [النساء: ١١٦] فهو ضال في دينه، وهو أيضًا مفترٍ في قوله: افْتَرَى إِثْمًا عَظِيمًا.
ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات المشيئة لله؛ لقوله: لِمَنْ يَشَاءُ، ولكنا قد نبهنا في التفسير على أن كل شيء علقه الله بالمشيئة فهو مقرون بالحكمة، واستدللنا لذلك بقوله تعالى: وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا [الإنسان: ٣٠].
وظاهر قوله تعالى: لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِأنه شامل للشرك الأصغر والشرك الأكبر، وبذلك صرح شيخ الإسلام رحمه الله في كتاب الاختيارات؛ أن الشرك لا يغفره الله ولو كان أصغر. ولكن يجب أن نعلم أنه ليس معنى قولنا: إن الشرك الأصغر لا يُغفر أن صاحبه يخلَّد في النار، بل يعذَّب على قدر عمله ثم يدخل الجنة، أما الشرك الأكبر فلا يغفر، وصاحبه مخلد في النار؛ لقوله تعالى: إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ [المائدة: ٧٢].
تفسير الآية (49)
01:14:00

ثم قال الله تعالى: أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُزَكُّونَ أَنْفُسَهُمْ [النساء: ٤٩] الاستفهام هنا للتعجب والتقرير؛ أي: ألا تتعجب من حال هؤلاء القوم؟
والخطاب في قوله: أَلَمْ تَرَإما لرسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، والخطاب الموجه إليه موجه للأمة عن طريق الفرع؛ لأن الأمة فرع، وقيل: إن الخطاب موجه لكل من يتأتى خطابه، أي لكل من يصح توجيه الخطاب إليه، وأيهما أعم؟ الثاني أعم.
لكن القولين لا يتنافيان؛ لأن حتى لو قلنا: إن أصل الخطاب للرسول عليه الصلاة والسلام، فخطاب الزعيم خطاب له ولمن تبعه.
وقوله: أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُزَكُّونَ أَنْفُسَهُمْيعني جواب الاستفهام محذوف: أتحصل لهم التزكية؟ هذا المعنى؛ لأنه إذا جاء مثل هذا الكلام فلا بد أن يكون هناك جملة استفهامية؛ إما مذكورة وإما محذوفة.
وقوله: يُزَكُّونَ أَنْفُسَهُمْأي: ينسبونها للزكاء، وهو ضد الشقاء، فمن المراد بهؤلاء؟ المراد بهم كل من زكى نفسه، وأول من يدخل في ذلك اليهود والنصارى؛ لأن اليهود والنصارى قالوا: نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ [المائدة: ١٨]، وهذه تزكية، وَقَالُوا لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كَانَ هُودًا أَوْ نَصَارَى [البقرة: ١١١]، وقَالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ [آل عمران: ٢٤] فزكوا أنفسهم في العمل والجزاء عليه؛ زكوا أنفسهم في العمل حيث قالوا: نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ، وزكوا أنفسهم بالثواب عليه حيث قالوا: لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كَانَ هُودًا أَوْ نَصَارَى، وزكوا أنفسهم أيضًا من وجه آخر بالجزاء، قالوا: لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ.
ومن كان مثلهم -يعني من زكى نفسه- فإنه آخذ بنصيب من مشابهتهم، من قال: أنا ولي، أو: أنا تقي، أو ما أشبه ذلك، فقد زكى نفسه، ولاسيما ما يحصل من بعض مشايخ الصوفية الذين يغرون الناس؛ يقولون: نحن أولياء، نحن أصفياء، وما أشبه ذلك، فهم يزكون أنفسهم من أجل أن يغتر الناس بهم.
وقوله: بَلِ اللَّهُ يُزَكِّي مَنْ يَشَاءُ، (بل) هنا للإضراب الإبطالي أو الانتقالي؟
طلبة: الانتقالي.
طلبة آخرون: الإبطالي.
الشيخ: الإبطالي؛ لأن التقدير: أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُزَكُّونَ أَنْفُسَهُمْأتحصل لهم التزكية؟
الجواب: لا، لا تحصل لهم التزكية، ولو كان كل من زكى نفسه حصلت له التزكية لكان أخبث الناس يزكي نفسه. الآن الذين يعبدون الأصنام، يعبدون البقر، يعبدون الأشجار، يعبدون أي ما يعبدون؛ يقولون: نحن الذين على حق، فيزكون أنفسهم، لكن إلى أي يرجع في التزكية؟ إلى الله.
ولهذا أبطل الله سبحانه وتعالى هذه التزكيات كلها وقال: بَلِ اللَّهُ يُزَكِّي مَنْ يَشَاءُ، فـ(بل) هنا للإضراب أيش؟ الإبطالي، و(بل) تأتي للإضراب الإبطالي وتأتي للإضراب الانتقالي، انظروا إلى قوله تعالى: بَلِ ادَّارَكَ عِلْمُهُمْ فِي الْآخِرَةِ بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ مِنْهَا بَلْ هُمْ مِنْهَا عَمُونَ [النمل: ٦٦] هل هذا إضراب انتقالي أو إبطالي؟
طلبة: انتقالي.
الشيخ: انتقالي، ينتقل من شيء إلى آخر، والشيء الأول باقٍ، لكن انتقال، تتنقل بهم الأحوال إلى أن يصلوا إلى هذا الحد.
فالحاصل أن الإضراب يكون إبطاليًّا ويكون انتقاليًّا.
بَلِ اللَّهُ يُزَكِّي مَنْ يَشَاءُهو الذي يزكي عز وجل، هو الذي يثني، قال الله تبارك وتعالى: لَا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُولَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقَاتَلُوا وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى [الحديد: ١٠] فأعطى الله تعالى التزكية لهؤلاء كل بحسب حاله، لَا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُولَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقَاتَلُواأعطى هؤلاء نصيبهم من الزكاة وهؤلاء نصيبهم ثم زكى الجميع على وجه عام فقال: وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَىهذه التزكية، وقال تعالى: لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ عَلَى الْقَاعِدِينَ دَرَجَةً وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى [النساء: ٩٥].
فالله تعالى هو الذي يزكي، وكذلك رسوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم يزكي أيضا: «خَيْرُ النَّاسِ قَرْنِي، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ» ، ومن زكاه الرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم فهو زكي؛ لأن النبي صلى الله عليه وآله وسلم في مثل هذه الأمور لا ينطق إلا عن وحي، بَلِ اللَّهُ يُزَكِّي مَنْ يَشَاءُ.
وقوله: مَنْ يَشَاءُهذا تابع للحكمة أيضًا، كل فعل مقيد بالمشيئة فهو تابع للحكمة، فيزكي عز وجل من كان أهلًا للزكاة، سواء كان الزكاة بعد العمل أو قبل العمل، فالتزكية بعد العمل كما سمعتم من الآيات، والتزكية قبل العمل أن يهب الله للإنسان العمل الصالح، فإنه كما أنه أعلم حيث يجعل رسالته فهو أعلم حيث يجعل أثر هذه الرسالة، وهي: الإيمان والعمل الصالح، فتزكية الله تزكية قبل العمل وتزكية بعده، وهو سبحانه وتعالى يزكي من يشاء قبل العمل وبعده، وإذا قلنا: إن المشيئة تابعة للحكمة فإنه لن يزكي إلا من كان أيش؟ أهلًا للزكاة.
قال: بَلِ اللَّهُ يُزَكِّي مَنْ يَشَاءُ وَلَا يُظْلَمُونَ فَتِيلًا، لَا يُظْلَمُونَالواو للجماعة، ومَنْ يَشَاءُ: (من) اسم موصول لفظه مفرد، فهنا عاد الضمير إلى (من) باعتبار المعنى، وَلَا يُظْلَمُونَأي من زكاهم الله عز وجل، أو وَلَا يُظْلَمُونَمن زكوا أنفسهم، فلن يعاقبوا إلا على حسب أعمالهم السيئة، وسواء هذا أو هذا فإن الله لا يظلم أحدًا، لا يزيد من سيئاته ولا يَنقص من حسناته.
يقول: وَلَا يُظْلَمُونَ فَتِيلًاالفتيل قيل: إنه الفتيل الذي في باطن النواة، النواة فيها ثلاثة أشياء كلها مذكورة في القرآن: القطمير، والنقير، والفتيل، كلها مذكورة في القرآن، القطمير: السلب الذي عليها، والنقير: النقرة التي في ظهرها، والفتيل: الخيط الذي في باطنها، وقيل: إن الفتيل ما تفتله بين أصابعك إذا كنت عرقان، فإن الإنسان إذا كان عرقان وفتل هكذا طلع شيء، وكذلك إذا حك صدره أو ظهره ظهر الفتيل، لكن الأول هو المشهور؛ أن الفتيل هو ما يكون في بطن النواة، الخيط الذي يكون في بطن النواة، وهو يضرب مثلًا في القلة.

***

(...) الرجل في المسجد ليأتي بحاجة ثم رجع هل يصلي تحية المسجد؟
الجواب: لا، لا يصلي تحية المسجد ما دام قام بنية الرجوع، أما إذا قام مثلًا على أنه خرج، ثم بدا له فرجع، فهذا يصلي تحية المسجد، ولو لم يخطُ إلا خطوة واحدة.
يقول: لقد وجدَ أحدُ الإخوة عند باب المسجد الجامع الكبير مبلغًا من المال، فماذا يفعل به؟ وإذا قلنا بتعريف المبلغ فهل نكتب إعلانًا على باب المسجد أم لا؟ أفيدونا.
نعم، اكتب إعلانًا على باب المسجد ولا بأس.
وهذا يقول: هل لو اجتمع للحكم أكثر من علة لا يثبت إلا بتوافر العلل كلها؟
نعم، إذا كان لا يثبت إلا بعلتين فلا يثبت إلا بهما، وتسمى إحداهما جزء العلة.
طالب: شيخ، كم مدة التعريف؟
الشيخ: سنة كاملة.
طالب: سنة؟
الشيخ: نعم.
طالب: شيخ ما يطلع بنية صاحبه؟
الشيخ: لا، إلا إذا كان ييئس منه، مثل اللي يوجد بالخطوط، اللي على الخطوط ما تقدر.. قد يكون الواحد من البادية بعيد وقد يكون من البلد اللي أمام أو اللي خلف، ما يدري، أما هذا فلابد من تعريفه.

***

طالب: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُزَكُّونَ أَنْفُسَهُمْ بَلِ اللَّهُ يُزَكِّي مَنْ يَشَاءُ وَلَا يُظْلَمُونَ فَتِيلًا (٤٩) انْظُرْ كَيْفَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَكَفَى بِهِ إِثْمًا مُبِينًا (٥٠) أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا هَؤُلَاءِ أَهْدَى مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا سَبِيلًا (٥١) أُولَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ وَمَنْ يَلْعَنِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ نَصِيرًا (٥٢) أَمْ لَهُمْ نَصِيبٌ مِنَ الْمُلْكِ فَإِذًا لَا يُؤْتُونَ النَّاسَ نَقِيرًا (٥٣) أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ فَقَدْ آتَيْنَا آلَ إِبْرَاهِيمَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَآتَيْنَاهُمْ مُلْكًا عَظِيمًا (٥٤) فَمِنْهُمْ مَنْ آمَنَ بِهِ وَمِنْهُمْ مَنْ صَدَّ عَنْهُ وَكَفَى بِجَهَنَّمَ سَعِيرًا} [النساء: ٤٩ - ٥٥].

الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، سبق لنا الكلام على قوله: إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ، وأظن ناقشنا فيها أيضًا؟
إذن نبدأ بالآية التي بعدها أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُزَكُّونَ أَنْفُسَهُمْ. أولًا الخطاب لمن؟
أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُزَكُّونَ أَنْفُسَهُمْالخطاب لمن؟
طالب: الخطاب للنبي صلى الله عليه وآله وسلم، وقيل: لمن يتوجه الخطاب له.
الشيخ: لما يصح توجيه الخطاب له.
الطالب: والثاني أعم (...).
الشيخ: والثاني عام، فيكون أولى، لكن هل يختلفان في مؤدى المعنى؟
الطالب: لا.
الشيخ: لا يختلفان.
الطالب: خطاب النبي صلى الله عليه وآله وسلم خطاب للأمة.
الشيخ: من المراد بهؤلاء؟
طالب: المراد بهم اليهود والنصارى.
الشيخ: نعم.
كيف كانت تزكية أنفسهم؟ بماذا؟
طالب: قالوا: نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ [المائدة: ١٨] وقالوا: وَقَالُوا لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ [البقرة: ١١١] بالعمل والجزاء.
الشيخ: نعم. قالوا: نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُوقالوا: وَقَالُوا لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كَانَ هُودًا أَوْ نَصَارَى.
هل أقرهم الله على ذلك؟
طالب: لا.
الشيخ: لا؟! كيف؟!
طالب: الذين يزكون أنفسهم لم يقرهم الله عز وجل، بل جعل الأمر إليه؛ التزكية.
الشيخ: الدليل؟
الطالب: بَلِ اللَّهُ يُزَكِّي مَنْ يَشَاءُ.
الشيخ: بَلِ اللَّهُ يُزَكِّي مَنْ يَشَاءُ، طيب و(بل) هذه إضرابيه للإبطال أو الانتقال؟
طالب: للإبطال.
الشيخ: للإبطال، طيب، صح.
قوله: وَلَا يُظْلَمُونَ فَتِيلًاما المراد بالفتيل؟
طالب: (...).
طالب آخر: الفتيل: ما يفتل في اليد.
الشيخ: أحسنت، قيل: إنه خيط النواة الذي في بطنها، وقيل: ما يفتل في اليد من الوسخ أو شبهه، والأول أشهر.
في القرآن مما يتعلق بالنواة ثلاثة أشياء، قلها؟
طالب: الفتيل والنقير والقطمير.
الشيخ: ما الفرق؟ ما هو الفتيل؟ وما هو القطمير؟ وما هو النقير؟
طالب: الفتيل: هو الخيط الأبيض الذي يكون في نفس النواة..
طالب آخر: الغشاء الذي على النواة غشاء رقيق، والنقير هي الحفرة التي في ظهر النواة.
الشيخ: النقرة التي في ظهر النواة. وبماذا يضرب بها؟
طالب: في القلة.
الشيخ: يضرب بها المثل في القلة.