تفسير سورة النساء - 18
عدد الزيارات 3135

عناصر المادة :
تفسير الآية (50)
تفسير الآيتين (51-52)
تفسير الآية (53)
تفسير الآية (54)

من فوائد هذه الآية الكريمة: الإنكار على من يزكي نفسه؛ وجه ذلك أن قوله: أَلَمْ تَرَ [النساء: ٤٩] استفهام إنكاري.
ومن فوائد هذه الآية الكريمة: النهي عن تزكية النفس؛ لأن الله تعالى أنكر ذلك كما صرح به في قوله: وهُوَ أَعْلَمُ بِكُمْ إِذْ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَإِذْ أَنْتُمْ أَجِنَّةٌ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ فَلَا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَى [النجم: ٣٢].
ومن فروع هذا: قول الإنسان: أنا مؤمن، فهل يجوز للإنسان أن يقول: أنا مؤمن؟ أو لا بد أن يقول: أنا مؤمن إن شاء الله؟
في هذا قولان للعلماء: منهم من قال: لا يجوز أن يقول: أنا مؤمن إلا باستثناء؛ لأن الإنسان لا يدري ماذا يموت عليه، والعبرة بالعاقبة، فقد يكون الإنسان اليوم مؤمنًا ويكون غدًا كافرًا، ولا يجوز الجزم بشيء مستقبل.
ومنهم من قال: لا يجوز أن يقول: أنا مؤمن، لا لهذه العلة، ولكن لأنه يلزم من قوله هذا تزكية النفس والشهادة لنفسه بالجنة؛ لأنه إذا قال: أنا مؤمن، فكل مؤمن في الجنة، فيلزم على هذا أن يجزم بأنه من أهل الجنة، وهذا لا يجوز.
ومنهم من علل بعلة ثالثة وقال: إن الإيمان على وجه الإطلاق يراد به الإيمان المطلق المتضمن لفعل الواجبات وترك المحرمات وفعل المستحبات وترك المكروهات، وهذا لا يمكن أن يجزم به العبد، فما أكثر المستحبات التي لا نفعلها بل والواجبات، وما أكثر المكروهات التي نفعلها بل والمحرمات، وعلى هذا فيجب أن يقول: أنا مؤمن إن شاء الله.
وقال آخرون: لا يجوز أن يقول: أنا مؤمن إن شاء الله؛ لأن هذا شك، أنا مؤمن إن شاء الله شك، والشك في الإيمان كفر؛ إذ إن الواجب في الإيمان الجزم، والتردد فيه كفر.
ولكن القول الراجح في هذه المسألة أن يقال: ما الحامل على قول الإنسان: أنا مؤمن، وعليه يترتب الحكم، فإذا كان الحامل له تزكية النفس فهذا القول حرام؛ لأن الله يقول أيش؟ لَا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ [النجم: ٣٢]، ثم إن هذا فيه الإدلال على الله عز وجل والمنة عليه، والله تعالى قال لنبيه صلى الله عليه وعلى آله وسلم: يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا قُلْ لَا تَمُنُّوا عَلَيَّ إِسْلَامَكُمْ بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَدَاكُمْ لِلْإِيمَانِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ [الحجرات: ١٧].
فإذا كان قوله: أنا مؤمن للإعجاب بالنفس، فهذا لا يجوز؛ لأنه تزكية للنفس ومنهي عنه فيكون حرامًا.
وإن كان المقصود بذلك الخبر، يعني بقوله: أنا مؤمن لست بكافر، فهذا لا بأس به، وقد قال النبي عليه الصلاة والسلام للقوم الذين لقيهم في طريقه إلى الحج: «مَنِ الْقَوْمُ؟» قالوا: المسلمون ، فأقرهم النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم على ذلك؛ لأنهم يريدون بذلك أيش؟ الخبر، فإذا قال إنسان: أنا مؤمن، يعني: لست بكافر، فلا بأس، ولا يلزم على ذلك اللوازم التي ذكرها من منع قوله: أنا مؤمن.
أما إذا قال: إن شاء الله، يعني بمعنى إذا ربط إيمانه بالمشيئة فهذا ينظر، أيضًا فيه التفصيل: إن قصد به التردد فهو أيش؟ كفر، يعني مثلًا قيل له: أنت مؤمن؟ قال: إن شاء الله، يعني متردد، فهذا كفر؛ لأنه لا إيمان مع شك، بل لا بد من الجزم.
وإذا كان الحامل له على ذلك أن إيمانه كان بمشيئة الله لا بحوله وقوته، فهذا لا بأس به، ليش؟ لأن الشيء المحقق قد يربط بالمشيئة إشارة إلى أنه يكون واقعًا بمشيئة الله، ومن ذلك قوله تعالى: لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ [الفتح: ٢٧] أي: لتدخلنه بمشيئته؛ لأن الجملة هنا خبر مؤكد بثلاثة مؤكدات لَتَدْخُلُنَّ، ورسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم لما قال له عمر: ألست تقول: إننا سنأتي البيت ونطوف به؟ قال له الرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «أَقُلْتُ لَكَ: هَذَا الْعَامَ؟» قَالَ: لَا، قَالَ: «إِنَّكَ آتِيهِ، وَمُطَوِّفٌ بِهِ» ، قال ذلك في المحاورة بينه وبين عمر في مسألة الصلح؛ صلح الحديبية.
ومن ذلك أيضًا قول زائر المقبرة: وإنا إن شاء الله بكم لاحقون، فإن اللحوق بهم مؤكد، الموت لا أحد ينكره، لكن المراد بـ(إن شاء الله) أي: لاحقون بمشيئة الله، متى شاء الله أن نلحق بكم لحقنا بكم.
الثالث: إذا كان قصده بـ(إن شاء الله) دفع التزكية، أي: دفع تزكية النفس، وأنه يخشى على نفسه أنه إن لم يقل: إن شاء الله صار في نفسه شيء من التزكية، فهنا يكون قوله: إن شاء الله أيش؟ واجبًا، يكون واجبًا.
فعندنا الآن -بارك الله فيكم- أن قول الإنسان: أنا مؤمن، إما أن يقرنه بالمشيئة أو لا يقرنه، فإن لم يقرنه بالمشيئة فله حالان:
الحال الأولى: التزكية، وهذا حرام.
والحال الثانية: مجرد الإخبار بأنه مؤمن لا كافر، وهذا جائز.
وإذا قرنه بالمشيئة فله ثلاث حالات:
إما أن يكون الحامل له على ذلك التردد، فهذا كفر.
أو الحامل له على ذلك بيان أن إيمانه بمشيئة الله، فهذا جائز؛ لأنه حق.
أو الحامل له على ذلك أيش؟
الطلبة: دفع التزكية.
الشيخ: نعم، دفع التزكية؛ تزكية النفس، فهذا واجب، وهذا التفصيل هو الذي تجتمع به الأدلة.
من فوائد الآية: أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُزَكُّونَ أَنْفُسَهُمْ [النساء: ٤٩]: أن تزكية الغير لا بأس بها؛ لأن النهي أو الإنكار منصب على أيش؟ تزكية النفس، أما لو زكى غيره، فإن ذلك لا بأس به.
وهنا نسأل هل يزكي غيره بمجرد المظهر أو لا بد من خبرة؟ الثاني، لا بد من خبرة، لا يكفي أن ترى مظهر الشخص وتقول: إنه عدل ثقة، بل لا بد من خبرة، لماذا؟ لأنه قد لا يكون عدلًا، قد يكون مرائيًا، منافقًا، مخادعًا، وربما يكون عدلًا في دينه، لكن عنده سوء حفظ، فإذا زكيته بما يتعلق بالخبر كالشهادة مثلًا دون أن تَخْبرَه، صار ذلك شهادة بما لا تعلم، أليس كذلك؟ ما اتضح؟ واضح ولّا غير واضح؟
الطلبة: واضح.
الشيخ: واضح، يعني يجيء إنسان يقول: زكِّ فلانًا، فلان شهد عندي بشيء هل تزكيه؟ قد أزكيه من جهة دينه وأعرف أنه رجل مستقيم في الدين ويصلي ويزكي ويصوم، كل عمل الدين قائم به، لكن من جهة الحفظ، والمسألة مسألة الشهادة خبر، فهذا لا بد أن يكون عندي من علم بباطن حاله واختبار، فلا تجوز التزكية في مثل الأخبار إلا إذا عرفت أن الرجل حافظ.
ومن فوائد الآية الكريمة: أن الأمر إلى الله عز وجل في تزكية الإنسان ورفع التزكية عنه، من أين تؤخذ؟
الطلبة: بَلِ اللَّهُ.
الشيخ: من قوله: بَلِ اللَّهُ يُزَكِّي مَنْ يَشَاءُ، فالحكم بالتزكية إثباتًا أو نفيًا إلى الله وحده، هو الذي يزكي من يشاء.
فإن قال قائل: كيف نجمع بين هذا وبين قوله تعالى: قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا (٩) وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا [الشمس: ٩، ١٠]؟
فالجواب أن نقول: إن كان الفاعل في قوله: مَنْ زَكَّاهَاهو الله فلا إشكال، صح؟
الطلبة: صحيح.
الشيخ: صحيح؛ لأن المزكي هو الله في هذا وفي هذا، وإن كان الضمير الذي هو الفاعل يعود على الإنسان، يعني: قد أفلح من زكى نفسه، وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا [الشمس: ١٠] أي: دسَّى نفسه، فالجمع أن نسبة التزكية إلى الإنسان هنا نسبةُ شيءٍ إلى سببه لا إلى حصوله، فالإنسان يفعل الطاعة فيكون زكيًّا، ومن الفاعل؟ الإنسان، فيكون المراد بالتزكية فعل سببها، وعلى هذا فلا إشكال أيضًا.
ومن فوائد الآية الكريمة: أنه ينبغي بل يجب على الإنسان أن يلجأ في طلب التزكية إلى من؟ إلى الله؛ لقوله: بَلِ اللَّهُ يُزَكِّي مَنْ يَشَاءُ، فأنت إذا علمت أن الله هو الذي يزكي فاسأل الله؛ ولهذا كان من الدعاء المأثور: «اللَّهُمَّ أَعْطِ نَفْسِي تَقْوَاهَا، وَزَكِّهَا أَنْتَ خَيْرُ مَنْ زَكَّاهَا، أَنْتَ وَلِيُّهَا وَمَوْلَاهَا» .
ومن فوائد الآية الكريمة: الرد على القدرية الذين يقولون باستقلال الإنسان في عمله، من أين يؤخذ؟
الطلبة: بَلِ اللَّهُ يُزَكِّي مَنْ يَشَاءُ.
الشيخ: بَلِ اللَّهُ يُزَكِّي مَنْ يَشَاءُ.
ومن فوائدها: إثبات المشيئة لله عز وجل؛ لقوله: مَنْ يَشَاءُ، وأن الله سبحانه وتعالى له مشيئة يدبر الأمر بحسب هذه المشيئة، ولكن هل هذه المشيئة مشيئة مطلقة، يعني يشاء ما يشاء لحكمة ولغير حكمة؟ لا، ولكنها مشيئة مقرونة بالحكمة.
ومن فوائد الآية الكريمة: نفي الظلم عن الله؛ لقوله: وَلَا يُظْلَمُونَ فَتِيلًاوالظلم محرم على الله ولَّا غير محرم؟
الطلبة: نعم.
الشيخ: محرم على الله؟
الطلبة: نعم.
الشيخ: من حرمه عليه؟
الطلبة: هو نفسه.
الشيخ: هو نفسه جل وعلا، ففي الحديث القدسي: «يَا عِبَادِي، إِنِّي حَرَّمْتُ الظُّلْمَ عَلَى نَفْسِي وَجَعَلْتُهُ بَيْنَكُمْ مُحَرَّمًا» .
في هذا نكتة جيدة وهو أن الله يفرض على نفسه ويحرم على نفسه؛ لأن الله هو الذي يدبر الأمر كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ أَنَّهُ مَنْ عَمِلَ مِنْكُمْ سُوءًا بِجَهَالَةٍ ثُمَّ تَابَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَصْلَحَ فَأَنَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ [الأنعام: ٥٤] (كتب) بمعنى؟
الطلبة: فرضه.
الشيخ: فرض، فقد فرض على نفسه، وهنا في الحديث القدسي: «إِنِّي حَرَّمْتُ الظُّلْمَ عَلَى نَفْسِي».
فإذا قال قائل: هل في صفات الله ما هو نفي محض، أو كل نفي في صفات الله فهو متضمن لإثبات؟
الطلبة: الثاني.
الشيخ: الثاني، كل نفي في صفات الله فهو متضمن لإثبات، فقول: لَا يُظْلَمُونَ فَتِيلًالأيش؟ لأن الله كامل العدل، ومن كان كامل العدل فإنه لا يظلم فتيلًا.
قال أهل العلم: ولا يمكن أن يكون في صفات الله نفي محض لا يتضمن مدحًا، لا يمكن أن يكون نفي محض لا يتضمن مدحًا، وعللوا ذلك فقالوا: النفي إن لم يتضمن كمالًا فقد يكون نقصًا، وقد يكون لا نقصًا ولا كمالًا، فالأقسام ثلاثة: نقص، وكمال، أيش؟ ولا هذا ولا هذا، فالنقص والذي لا هذا ولا هذا ممتنع على الله؛ لقول الله تعالى: وَلِلَّهِ الْمَثَلُ الْأَعْلَى [النحل: ٦٠].
فإن قال قائل: نريد مثالًا لنفي الظلم الذي ليس فيه مدح ولا ذم؟ فالجواب: إذا قلت: إن الجدار لا يظلم، والخشبة لا تظلم، والسيارة لا تظلم، هذا لا يتضمن كمالًا ولا نقصًا، لماذا؟ لأنه غير قابل أن يوصف بالظلم أو عدمه؛ لأن الجدار ليس له إرادة حتى يظلم أو لا يظلم.
وإذا قلت: مثل لنا بمثالٍ يكون فيه نفي الظلم نقصًا، قلنا: قول الشاعر:

قُبَيِّلَــــــــــــــــــةٌ لَا يَغْـــــــــــدِرُونَ بِذِمَّـــــــــــــــةٍ وَلَا يَظْلِمُونَ النَّـــــــاسَ حَبَّـــــةَ خَــــــرْدَلِ

هذا الكلام لا يغدرون بذمة، يعني عندهم وفاء، ولا يظلمون الناس حبة خردل عندهم عدل، فيقال: إن الشاعر لم يقصد ذلك وإنما قصد بيان ضعفهم وعجزهم، بدليل أنه قال: قُبَيِّلَةٌ تصغير، وكذلك قول الحماسي:
لَكِنَّ قَوْمِي وَإِنْ كَانُوا ذَوِي عَدَدٍ لَيْسُوا مِنَ الشَّـــــرِّ فِي شِيْءٍ وَإِنْ هَـــــانَا

يعني ما هم (...) الشر ولو كان هينًا
يَجْزُونَ مِنْ ظُلْمِ أَهْلِ الظُّلْمِ مَغْفِرَةً وَمِنْ إِسَاءَةِ أَهْلِ السُّـــــوءِ إِحْسَـــــــــــانَا

إذا ظلمهم أحد صبروا وغفروا وقالوا: غفر الله لك، ومن إساءة أهل السوء إحسانًا، يعني: إذا أساء إليهم إنسان أحسنوا إليه، فإذا خرب عليهم المزرعة أرسلوا له أكياسًا من البر، فهم يجزون أيش؟ من سوء أهل السوء إحسانًا، من سمع هذا الكلام قال: هؤلاء الجماعة طيبون، لكن اقرأ ما بعدها:
فَلَيْـــــتَ لِي بِهِمُ قَوْمًا إِذَا رَكِبُــــــــــــوا شَنُّــــــوا الْإِغَـــــــــارَةَ فُرْسَــــــــــانًا وَرُكْبَــــــــــــانَا

يعني: ليت لي بدلًا منهم، إذن هم ضعفاء لا يستطيعون أن يفعلوا ذلك، فهذا نقص.
فإذا نفى الله عن نفسه الظلم فلا يمكن أن يكون لا من هذا ولا من الذي قبله، ولكنه من نفي الظلم المتضمن لكمال العدل.
تفسير الآية (50)
00:20:35

ثم قال الله تعالى: انْظُرْ كَيْفَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ [النساء: ٥٠] انْظُرْالخطاب لمن؟
طالب: قولان.
الشيخ: إما للرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم أو لكل من يصح توجه الخطاب إليه، وبالمناسبة نستعيد ما سبق أن الخطاب الموجه للرسول عليه الصلاة والسلام ينقسم إلى ثلاثة أقسام:
القسم الأول: ما دل الدليل على أنه خاص به، فهذا خاص به مثل إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا (١) لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ [الفتح: ١، ٢] لَكَالخطاب للرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم، هل يشمل الأمة؟
الطلبة: لا.
الشيخ: نعم؟ لا، أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ [الشرح: ١] يشمل الأمة؟
الطلبة: لا.
الشيخ: أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآوَى [الضحى: ٦]؟
الطلبة: لا يشمل.
الشيخ: لا يشمل، وَأَرْسَلْنَاكَ لِلنَّاسِ رَسُولًا [النساء: ٧٩] لا يشمل، هذا واضح، هذا خاص بالرسول عليه الصلاة والسلام بلا نزاع ولا إشكال.
القسم الثاني: ما دل الدليل على أنه عام مثل قوله تعالى: يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّإلى آخره [الطلاق: ١]، فهنا دل الدليل على أن الخطاب يَا أَيُّهَا النَّبِيُّليس خاصًّا به، وجه الدلالة؟
الطلبة: إِذَا طَلَّقْتُمُ.
الشيخ: قال: إِذَا طَلَّقْتُمُولم يقل: إذا طلقتَ، إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَإلى آخره.
القسم الثالث: ما لا دليل عليه، أي على الخصوصية أو على العموم، فالعلماء اختلفوا فيه على قولين:
القول الأول: أنه عام موجه لكل من يصح توجه الخطاب إليه.
والقول الثاني: أنه خاص بالرسول، ويكون شموله للأمة من باب العموم المعنوي لا العموم اللفظي؛ وذلك لأن الحكم الثابت في حق الرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم حكم له وللأمة؛ لقول الله تعالى: لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ [الأحزاب: ٢١].
انْظُرْمن أي الأقسام؟
طلبة: الثالث.
الشيخ: الثالث الذي ما فيه الدليل لا على هذا ولا على هذا، والمراد بالنظر هنا انْظُرْ كَيْفَالنظر العقلي لا النظر البصري؛ لأن افتراء الكذب على الله عز وجل ليس مما ينظر بالعين ولكنه مما ينظر بأيش؟ بالعقل وعين البصيرة، انْظُرْ كَيْفَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَبقولهم: لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ [آل عمران: ٢٤]، وبقولهم: نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ [المائدة: ١٨]، وبقولهم: لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كَانَ هُودًا أَوْ نَصَارَى [البقرة: ١١١]، فانظر كيف يفترون على الله الكذب، وكيف جرأتهم على الله! نعوذ بالله.
وَكَفَى بِهِأي: بالافتراء، إِثْمًا مُبِينًاهذه الجملة معناها معنى التعجب، يعني ما أكبر هذا الإثم وهو الافتراء على الله؛ لأن الافتراء على الله أعظم افتراء على مفترى عليه، وإذا كان النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم يقول: «مَنْ كَذَبَ عَلَيَّ مُتَعَمِّدًا فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ» ، فالكذب على الله أشد وأعظم.
وقوله: كَفَى بِهِ إِثْمًا مُبِينًامُبِينًاهنا بمعنى بيِّنًا، وقد ذكرنا فيما سبق ونعيده الآن: أن (أبان) الرباعي يأتي لازمًا ويأتي متعديًا، فإن كان متعديًا فمعناه الإظهار، (أبان) أي: أظهر، وإن كان لازمًا فمعناه الوضوح، تقول: أبان الفجر، هذا لازم أو متعدٍّ؟
طالب: لازم.
الشيخ: لازم، معناه: وضح وتبين.
وتقول: أبان القرآن أن الكذب حرام، بمعنى بيّن وأوضح.
قوله تعالى: وَالْكِتَابِ الْمُبِينِ [الزخرف: ٢] من أي النوعين؟
طالب: من النوعين.
الشيخ: يشمل هذا وهذا، فهو بين في نفسه مبين لغيره.
في هذه الآية الكريمة من الفوائد: دعوة الإنسان إلى العجب فيما يتعجب منه، وأن هذا من طرق القرآن؛ لقوله: انْظُرْ كَيْفَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ.
ومن فوائد الآية الكريمة: تعظيم الكذب على الله؛ لأنه لم يؤمر بالتعجب منه إلا لأنه شيء عظيم، والكذب على الله يشمل الكذب عليه في ذاته، وفي أسمائه، وفي صفاته، وفي أفعاله، وفي أحكامه، وإن شئت فقل: في أحكامه الكونية والشرعية، في ذاته وأسمائه وصفاته، وأحكامه الكونية والشرعية.
فالكذب على الله في ذاته مثل أن يتحدث شخص عن ذات الله عز وجل، فأي إنسان يتحدث عن ذات الله بغير علم فهو كاذب على الله.
الكذب على الله في أسمائه مثل ما فعل المعطلة في قولهم: إن أسماء الله مجرد أعلام لا معنى لها، فيقول: الغفور الرحيم السميع البصير العزيز الحكيم ليس لها معنى، ما هي إلا مجرد علم فقط دلالة على المسمى بها ولا تحمل أي معنى، هذا كذب على الله، كيف تقولون: إنها مجرد أعلام، والله عز وجل يقول في القرآن: إنه بلسان عربي مبين؟! ومقتضى هذا اللسان العربي المبين أن اسم الفاعل يدل على أصل المعنى وثبوت أصل المعنى، ولا يمكن أن يقال لمن لم يضرب: إنه أيش؟ إنه ضارب، ولا لمن لم يسمع: إنه سميع، ثم إن الله قد بين أن هذا المعنى مقصود في قوله: قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَوَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا [المجادلة: ١]، أَمْ يَحْسَبُونَ أَنَّا لَا نَسْمَعُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُمْ [الزخرف: ٨٠] وأمثال ذلك، فهؤلاء الذين قالوا: إن الله أراد بأسمائه مجرد التسمية دون المعنى مفترون على الله الكذب ولّا لا؟ مفترون على الله الكذب.
كذلك في صفاته من حرَّف في صفات الله، وقالوا: المراد بالاستواء الاستيلاء، فهذا مفترٍ على الله الكذب، فالله عز وجل يقول عن نفسه: اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ [الأعراف: ٥٤]، والقرآن بلسان عربي مبين، واستوى على كذا باللسان العربي معناه أيش؟ علا عليه واستقر عليه، فإذا قالوا: استوى بمعنى استولى، فقد كذبوا على الله، هل أراد الله هذا؟ أبدًا، نحن نجزم أن الله لم يرده، لماذا جزمنا؟ لأن الله قال في القرآن الكريم: إنه بلسان عربي مبين، واللسان العربي المبين لا يقتضي سوى ذلك أنه علا عليه واستقر عليه، إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا [الزخرف: ٣] يعني: صيرناه باللسان العربي، لماذا؟ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَأي: تفهمون معناه على مقتضى هذا اللسان العربي.
والذين يقولون: هذا حرام وهذا حلال بدون علم؟ قد افتروا على الله الكذب، قد افتروا على الله كذبًا لأيش؟ لأنهم ما الذي أدراهم أن الله حرم هذا أو أوجبه؟ ولهذا كان من ورع الإمام أحمد رحمه الله -كما نقله عنه شيخ الإسلام- أنه لا يمكن أن يقول: هذا حرام إلا بما نص على تحريمه، الميتة يقول: إنها حرام؛ لأنه منصوص عليها، نكاح الأم يقول: إنه حرام؛ لأنه منصوص عليه، أما الذي هو نهي فإنه تجده يقول: أكره هذا، لا يعجبني، أستقبحه، وما أشبه ذلك.
ومع هذا فقد حفظ الله له هذا الطريق فقال أصحابه؛ أصحاب الإمام أحمد: إذا قال الإمام أحمد: لا يعجبني فهو للتحريم، وإذا قال: أكره هذا فهو للتحريم، فالله سبحانه وتعالى قد حفظه فيما يريد من الأحكام مع تورعه عن إطلاق الحرام إلا على ما كان مصرحًا به.
فما بالك بمن يقول الآن: قال الإسلام: كذا وكذا، ومع ذلك تجده من أجهل الناس بأحكام الإسلام، ثم ينسب هذا القول الذي قاله وهو خطأ إلى الإسلام! وإذا تبين للناس أنه خطأ فسوف يخطئون الإسلام.
فالحاصل أن الافتراء على الله كذبًا يشمل الكذب عليه في ذاته، وفي أسمائه، وفي صفاته، وفي أحكامه الكونية والشرعية، الشرعية فهمتموها؟ قال: هذا حرام، هذا حلال.
الكونية أن يقول: إن جزاء هذا الذنب كذا وكذا من العقوبات بلا علم، مثل أن يقول: إذا نهر الإنسان والديه تزلزل العرش، تزلزل العرش من قال هذا؟ قاله العامة، العامة يقولون هكذا، من نهر والديه تزلزل عرش الرحمن منه، إذا ركب الذكر على الذكر اهتز العرش، تزلزل العرش، من يقول هذا؟ فأي إنسان يحكم بعقوبة معينة على ذنب بدون علم فقد افترى على الله الكذب.
من فوائد هذه الآية الكريمة: تعظيم الكذب على الله عز وجل؛ لقوله: وَكَفَى بِهِ إِثْمًا مُبِينًايعني: ما أعظمه وما أكثره إذا افترى على الله الكذب أن يأثم هذا الإثم!
عندنا إعراب لهذه الجملة كَفَى بِهِ إِثْمًا مُبِينًاوهي ترد في القرآن كثيرًا كَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا [الرعد: ٤٣]، وهنا كَفَى بِهِ إِثْمًا مُبِينًاأين الفاعل في كَفَى؟
طالب: ضمير.
الشيخ: فاعلها يكون مجرورًا دائمًا أو غالبًا، فيكون مدخول الباء هو الفاعل بزيادة الباء، ويأتي بعد ذلك الاسم منصوبًا فيقولون: إنه تمييز، وبعضهم يعربه حالًا وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا [الرعد: ٤٣] أي: حال كونه شهيدًا، وبعضهم يرى أنه تمييز للكفاية؛ لأن الكفاية هى تكون في أي شيء فيميز، كَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًاوما أشبه ذلك.
طالب: قلنا: إن قول الإنسان: أنا مؤمن قد يحتمل التزكية وغيرها، فهل من ذلك لو كان يتكلم عن أهل البدع أو الجماعات المنحرفة فقال: يلزمون –مثلًا- أنهم أهل السنة والجماعة، بل نحن أهل السنة والجماعة، فهل هذا تزكية؟
الشيخ: هذا ما نعرف ماذا قام بقلبه؟
الطالب: مجرد الخبر.
الشيخ: هل مراده أن يخبر بأنه هو من أهل السنة والجماعة أو يريد أن يتفاخر على أهل البدع؟
الطالب: لا، مجرد الإخبار حتى يقبل الناس إلى قوله.
الشيخ: لا، هذا خبر، خبرٌ ولا شيء فيه.
الطالب: يا شيخ، ذكرنا أن الراجح في قول الإنسان: أنا مؤمن إن شاء الله ، أو أنا مؤمن يعود إلى ما يقصده في نفسه، ما يريده إن كان أراد التزكية أو غيرها، فإما (...) أو ما أشبه ذلك، ومن المعلوم أننا لم نؤمر أن نشق عن قلب الإنسان أو عن (...) ما يضمره، عدا ذلك؟
الشيخ: لا، نحن نتكلم عن قول الإنسان بنفسه ما هو عن حكمنا عليه، عن قول الإنسان نفسه، يعني فرق بين (...) واحد يقول: أنا مؤمن، فأحكم عليه، لا، هو نفسه يقول: هل يجوز لي أن أقول: أنا مؤمن أو لا (...).
ثم قال النووي رحمه الله في كتاب الأذكار: إن الإمام لو قال حال رفعه من الركوع: من حمد الله سمع له، وأن هذا الكلام قد ذكره الشافعي وأجازه، فما رأيكم -حفظكم الله- في هذا الرأي؟
رأيي أنه ليس بصحيح، وأن الإنسان يقول ما جاءت به السنة.

***

طالب: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا هَؤُلَاءِ أَهْدَى مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا سَبِيلًا (٥١) أُولَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ وَمَنْ يَلْعَنِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ نَصِيرًا (٥٢) أَمْ لَهُمْ نَصِيبٌ مِنَ الْمُلْكِ فَإِذًا لَا يُؤْتُونَ النَّاسَ نَقِيرًا (٥٣) أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ فَقَدْ آتَيْنَا آلَ إِبْرَاهِيمَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَآتَيْنَاهُمْ مُلْكًا عَظِيمًا (٥٤) فَمِنْهُمْ مَنْ آمَنَ بِهِ وَمِنْهُمْ مَنْ صَدَّ عَنْهُ وَكَفَى بِجَهَنَّمَ سَعِيرًا} [النساء: ٥١ - ٥٥].

الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله تبارك وتعالى: أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِوقد سبق الكلام في قوله تعالى: انْظُرْ كَيْفَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَكَفَى بِهِ إِثْمًا مُبِينًا، وبينا أن هذا يدل على عظم القول على الله عز وجل، وأظن أخذنا الفوائد؟
من فوائد الآية الكريمة: انْظُرْ كَيْفَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَتنبيه المخاطب على ما يقتضيه كلام أهل الباطل من الزيغ والضلال؛ لقوله: انْظُرْ كَيْفَ.
ومن فوائد هذه الآية الكريمة: تعظيم الكذب على الله عز وجل، ويدخل في ذلك أمور:
منها: الكذب على الله في أسمائه وصفاته، فيقول مثلًا: إن أسماء الله يراد بها مجرد العَلَم لا الدلالة على الوصف، كما قال ذلك المعتزلة، فيقولون: إن الله سميع بلا سمع، وبصير بلا بصر، وهلم جرًّا.
ومن ذلك أيضًا؛ من القول على الله بلا علم: تحريف الكلم عن مواضعه بنفي ظاهره وإثبات ما يخالف ظاهره، كتحريف أهل التعطيل قول الله تعالى: ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ [الأعراف: ٥٤] إلى: استولى على العرش، وتحريف اليد إلى النعمة والقدرة وما أشبه ذلك.
ومن ذلك أيضًا: القول على الله بلا علم في أحكامه الشرعية، مثل أن يقول: هذا حلال، وهذا حرام، مع أن الله لم يحله ولم يحرمه، وقد قال الله تبارك وتعالى: وَلَا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلَالٌ وَهَذَا حَرَامٌ لِتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لَا يُفْلِحُونَ (١١٦) مَتَاعٌ قَلِيلٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ [النحل: ١١٦، ١١٧].
ومن فوائد هذه الآية الكريمة: بيان عظم ما يحصل لهؤلاء من الإثم؛ لقوله: وَكَفَى بِهِ إِثْمًا مُبِينًا.
ومن فوائدها: أن إثم هؤلاء بيِّنٌ ظاهر، ووجه ظهوره وبيانه أنه إذا كان الإنسان -عقلًا- يعني إذا كان الإنسان بدلالة العقل لا يمكن أن يتقول على أحد شيئًا وهو من جنسه فتقوله على الله من باب أعظم وأشد؛ ولهذا قال الله تعالى في رسوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم: وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الْأَقَاوِيلِ [الحاقة: ٤٤] ما هو كل الأقاويل، لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ (٤٥) ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ (٤٦) فَمَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ عَنْهُ حَاجِزِينَ [الحاقة: ٤٥ - ٤٧].
تفسير الآيتين (51-52)
00:41:40

ثم قال الله تعالى: أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِويقال في أَلَمْ تَرَكما قيل في الآية التي قبلها: إن الاستفهام للإنكار والتعجيب، يعني يقول تعجب من حال هؤلاء، إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًاأي: أعطوا نصيبًا، و(آتى) تنصب مفعولين وهنا نصبت مفعولين، الأول منهما نائب الفاعل وهو (الواو)، والثاني نَصِيبًا.
وقوله: الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًاأي: أعطوا نصيبًا، أي قسطًا، مِنَ الْكِتَابِأي: الكتاب المنزل على الرسل عليهم الصلاة والسلام، نَصِيبًايعني: قسطًا من الكتاب، الكتاب المنزل على الرسل، فمن المراد بهؤلاء؟ المراد بهؤلاء اليهود؛ لأن الله آتاهم نصيبًا من الكتاب وهو التوراة ولم يعطهم علم كل شيء.
يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِهذا محل التعجب أنهم أعطوا نصيبًا من الكتاب وقامت عليهم الحجة ومع ذلك يؤمنون بالجبت ويؤمنون بالطاغوت، الجبت: كل ما لا فائدة فيه، كل ما لا فائدة فيه في الدين فإنه جبت، ومنه السحر والكهانة والطرق والعيافة وما أشبه ذلك، فإن هذه كلها من الجبت.
وأما الطاغوت فالطاغوت: كل ما طغى به الإنسان فهو طاغوت، وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيَاؤُهُمُ الطَّاغُوتُ [البقرة: ٢٥٧]، فأئمة الكفر ودعاة الكفر طواغيت، والشيطان طاغوت؛ ولهذا قال عمر رضي الله عنه: الجبت: السحر، والطاغوت: الشيطان ، يعني: أن السحر فرد من أفراد الجبت، والشيطان فرد من أفراد الطاغوت، وإلا فإن التعريف العام للطاغوت ما ذكره ابن القيم رحمه الله: كل ما تجاوز به العبد حده من معبودٍ أو متبوعٍ أو مطاعٍ.
يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِومعنى إيمانهم به إقرارهم إياه وعدم إنكاره.
وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا هَؤُلَاءِ أَهْدَى مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا سَبِيلًايَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُواقال بعض المفسرين: إن (اللام) هنا بمعنى (في)، أي يقولون في شأنهم هَؤُلَاءِأي: الذين كفروا، أَهْدَى مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا سَبِيلًا، وقيل: إن اللام كقولك: قلت لفلان، أي هي اللام المعدية للفعل، وأن قوله: هَؤُلَاءِبمعنى (أنتم)، يعني يقول هؤلاء للذين كفروا: أنتم أهدى من الذين آمنوا سبيلًا، وعلى هذا تكون الإشارة في مقام ضمير المخاطب؛ لأنك إذا قلت: قلت لفلان كذا، صار فلانٌ مخاطبًا، فلا بد أن يؤتى بضمير المخاطب، و(هؤلاء) اسم إشارة ليس ضمير مخاطب لكن قالوا: إنها بمعنى (أنتم)، وهذا ما مشى عليه الجلالين.
وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُواوالمراد بالذين كفروا أهل مكة؛ لأن طائفة من اليهود قابلوا أهل مكة فقالوا لهم أهل مكة: هذا محمد، فرق بيننا وبين أبنائنا، وبيننا وبين غلماننا، وبيننا وبين أزواجنا، وفرق بيننا وبين العرب، وسب آلهتنا، وسفه أحلامنا، أما نحن فإننا أهل البيت نسقي الحجيج، ونفعل كذا وكذا، وذكروا أشياء، فأينا أهدى أنحن أم محمد؟ فاليهود انتهزوا هذه الفرصة وقالوا: أنتم أهدى من محمد؛ لأنهم لا يريدون أن يقوم للنبي صلى الله عليه وآله وسلم قائمًا ويحسدونه، فانتهزوا هذه الفرصة أن يسألهم قوم هم شيعة محمد عليه الصلاة والسلام وقرابته فقالوا هذا الكلام.
هَؤُلَاءِ أَهْدَى مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا سَبِيلًاأي: طريقًا، وسَبِيلًاهنا تمييز؛ لأنها وقعت بعد اسم التفضيل، والمنصوب بعد اسم التفضيل يكون تمييزًا، هَؤُلَاءِ أَهْدَى مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا سَبِيلًا.
قال الله تعالى: أُولَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُأُولَئِكَالمشار إليه هؤلاء الذين أوتوا نصيبًا وقالوا للكفار: أنتم أهدى من الذين آمنوا سبيلًا، أُولَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ، وهذه الجملة تفيد الحصر لتعريف طرفيها؛ المبتدأ والخبر، فالمبتدأ (أولاء) وهو اسم إشارة معرفة، والخبر (الذين) وهو اسم موصول معرفة. أُولَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُأي: طردهم وأبعدهم عن رحمته، والعياذ بالله.
وَمَنْ يَلْعَنِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ نَصِيرًامَنْهنا اسم شرط، ويَلْعَنِفعل الشرط مجزوم به ولكنه حرك بالكسر لالتقاء الساكنين، وَمَنْ يَلْعَنِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ نَصِيرًاأي: لن تجد له من ينصره فيقربه من رحمة الله ويدخله في رحمة الله؛ لأن الله سبحانه وتعالى إذا أراد بقوم سوءًا فلا مرد له.
يستفاد من هذه الآية والتي قبلها فوائد:
أولًا: التعجب أو التعجيب من حال هؤلاء الذين أوتوا نصيبًا من الكتاب ومع ذلك ينكرون ما دل عليه الكتاب.
ومن فوائدها: بيان قبح صنيعهم؛ حيث إن الله تعالى قد أعطاهم نصيبًا من الكتاب ومع ذلك قالوا للكفار: إنهم أهدى من المؤمنين، ومعلوم أن من حكم بخلاف ما يعلم فهو أقبح ممن حكم بما لا يعلم، والكل قبيح، لكن الأول أشد.
ومن فوائد هذه الآية: بيان حقد اليهود على المؤمنين.
ومن فوائدها: أنهم يؤمنون بالجبت ويؤمنون بالطاغوت، فلا ينكرون الجبت ولا الطاغوت بل يقرونه.
ومن فوائدها: الإشارة إلى أن أصل السحر متلقى ممن؟ من اليهود؛ ولهذا سحروا النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، فإن لبيد بن الأعصم سحر النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم بسحر عظيم ، ولكن الله تعالى حمى نبيه صلى الله عليه وعلى آله وسلم من أن يؤثر فيه ذلك التأثير الذي كانوا يريدونه.
ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن اليهود أهل حسد؛ لأنهم يعلمون في قرارة أنفسهم أن محمدًا أهدى من المشركين؛ لأنهم يعرفونه كما يعرفون أبناءهم، لكن لما امتلأت قلوبهم من حسده صاروا يفضلون عليه الكفار عليه وعلى من اتبعه.
ومن فوائد هذه الآية الكريمة: تأثير الدعاية بلبس الحق بالباطل، وإلا من المعلوم أن الكافر ليس فيما يرمي إليه أو فيما يذهب إليه ليس فيه هداية إطلاقًا، ومع ذلك قالوا: إنهم أهدى من الذين آمنوا سبيلًا.
ويتفرع على هذه الفائدة: ما كان عليه بعض الناس اليوم من قولهم: إن الكفار أوفى بالعهد من المؤمنين، وإنهم أخلص من المؤمنين، وأنصح من المؤمنين، وما أشبه ذلك، فمن قال هذا في المسلمين فإن فيه شبهًا من اليهود، ونحن لا ننكر أن في المسلمين من خالف طريق الإسلام بعدم الصدق في القول، وعدم الوفاء بالعهد، وعدم الوفاء بالوعد، وعدم النصح في العمل، ولكن كل هذه الأخلاق حذر منها النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم أشد التحذير ، فهي أخلاق دخيلة على الشعب المسلم، وسببها ما كان عليه هؤلاء من النقص في العلم والنقص في الإيمان.
ومن فوائد هذه الآية الكريمة: تحريم تفضيل الكفار على المؤمنين؛ لأن الله تعالى أنكره بقوله: أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِإلى آخره.
ومن فوائد الآية الثانية: بيان أن كل من قال مثل هذا القول فإنه مستحق للعنة؛ لقوله: أُولَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّه، وأحكام الله سبحانه وتعالى الشرعية والجزائية لا تتعلق بالأشخاص أبدًا، فإذا استحق هؤلاء اللعن بإيمانهم بالجبت والطاغوت وقولهم للذين كفروا: هؤلاء أهدى من الذين آمنوا سبيلًا، فمن جرى مجراهم استحق ما يستحقون من العقاب.
ومن فوائد الآية الكريمة: أن من لعنه الله فلا ناصر له؛ لقوله: وَمَنْ يَلْعَنِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ نَصِيرًا.
ومن فوائدها: التحذير من التعرض للعنة الله؛ لأن الإنسان إذا تعرض للعنة الله وحقت عليه لن يجد من ينصره.
تفسير الآية (53)
00:53:29

ثم قال تعالى: أَمْ لَهُمْ نَصِيبٌ مِنَ الْمُلْكِ فَإِذًا لَا يُؤْتُونَ النَّاسَ نَقِيرًاأَمْ لَهُمْكيف نعربها هنا؟
طالب: أَمْعاطفة؟
الشيخ: لا.
طالب: تكون بمعنى (بل) وهمزة الاستفهام.
الشيخ: نعم، هنا بمعنى (بل) وهمزة الاستفهام، ففيها إضراب عما سبق، وقيل: إنها للاستفهام فقط، لكنه خلاف مشهور عند النحويين، أَمْ لَهُمْ نَصِيبٌيعني: بل ألهم نصيب من الملك؛ حيث يريدون أن يحولوا بين النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم وبين ما أعطاه الله من النبوة التي يكون بها ملك مشارق الأرض ومغاربها، يعني: هؤلاء الذين قالوا هذا الكلام وفضلوا طريق الكفار على طريق المؤمنين هل لهم نصيب من الملك بحيث يمنعون فضل الله سبحانه وتعالى على نبيه ويجعلون الفضل لهؤلاء الكفار؟!
يقول الله عز وجل: فَإِذًايعني: لو كان لهم نصيب من الملك، لَا يُؤْتُونَ النَّاسَ نَقِيرًاأي: لا يعطون الناس، والنَّاسَمفعول أول يُؤْتُونَ، ونَقِيرًامفعول ثانٍ، والنقير هو: النقرة التي على ظهر النواة، وهو يضرب به المثلة للقلة، يعني: لو كان عند هؤلاء ملك ولهم نصيب من الملك، فإنهم لبخلهم لا يؤتون الناس نقيرًا؛ لأن اليهود من أشد الناس بخلًا، وأشدهم طمعًا وحرصًا على المال.
إذن معنى الآية: هل لهؤلاء نصيب من الملك حتى يحاولوا أن يمنعوا فضل الله على رسوله وأن يجعلوا هذا الفضل لهؤلاء الكفار؟ لا، ولو قدر أن لهم نصيبًا من الملك فإنهم لن يعطوا أحدًا منهم شيئًا؛ ولهذا قال: فَإِذًايعني: لو أعطوا نصيبًا من الملك لا يؤتون الناس نقيرًا، وما فوقه؟
الطلبة: من باب أولى.
الشيخ: من باب أولى.
من فوائد هذه الآية الكريمة: أن هؤلاء اليهود الذين أرادوا أن يحول بين فضل الله على رسوله وبين رسوله وأن يرحلوا هذا الفضل إلى هؤلاء الكفار ليس لهم نصيب من الملك، الملك لمن؟ لله وحده.
ومن فوائدها: الإشارة إلى أن اليهود من أبخل الناس؛ لقوله: فَإِذًا لَا يُؤْتُونَ النَّاسَ نَقِيرًا.
تفسير الآية (54)
00:56:52

ثم قال تعالى: أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِأَمْنقول فيها كما قلنا في سابقتها: إنها بمعنى (بل) وهمزة الاستفهام، يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِوالمراد بالناس محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم وأصحابه، أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِوالحسد في تعريف أكثر العلماء: تمني زوال نعمة الله على الغير، سواء أردت أن تكون لك أو أن تزول إلى غير أحد.
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: الحسد كراهة ما أنعم الله به على غيره. أن يكره ما أنعم الله به على غيره، بحيث إذا قيل له: فلان حصل له كذا، اضطرب قلبه من كراهة ما حصل لهذا الرجل، وعلى هذا فيكون ما قاله الشيخ أعم مما قاله جمهور العلماء؛ لأن ما قاله جمهور العلماء لا بد أن يتمنى أن يزيل الله هذه النعمة، أما هذا فيكون مجرد كراهته لها يعتبر حسدًا، ومن المعلوم أن من كره شيئًا فسوف يتمنى أن يزول.
وقوله: عَلَى مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِأي: أعطاهم من فضله، وما هو الفضل الذي أعطيه الرسول؟
طالب: القرآن.
الشيخ: القرآن أو ما هو أعم؟
الطالب: الإسلام.
الشيخ: نعم، الإسلام كله، والشريعة كلها، هذا من أعظم ما آتاها الله الرسول هو النبوة والرسالة.
عَلَى مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ فَقَدْ آتَيْنَا آلَ إِبْرَاهِيمَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَآتَيْنَاهُمْ مُلْكًا عَظِيمًايعني: فإن فضلنا لم يزل موجودًا، ليس هذا أول فضل تفضلنا به على عباد الله، بل إن الفضل لم يزل موجودًا، آتَيْنَا آلَ إِبْرَاهِيمَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ، والمراد بـآلَ إِبْرَاهِيمَهنا المراد به كل من تبعه على دينه، وهو أولهم عليه الصلاة والسلام، آتاهم الله الكتاب، وآتاهم الحكمة، وجعل في ذريته النبوة والكتاب، وأكثر الأنبياء الذين قصهم الله علينا من ذرية إبراهيم، أكثرهم من بني إسرائيل وهو يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم، والواحد الوحيد في آل إبراهيم محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم وهو من ذرية إسماعيل؛ ولهذا كان أكثر الأنبياء الذين قص الله علينا من بني إسرائيل.
لكن هذا الواحد محمد عليه الصلاة والسلام كان عن الجميع، دينه مهيمن على جميع الأديان، ورسالته خاتمة للرسالات، وأمته باقية إلى يوم القيامة.
الْكِتَابَبمعنى المكتوب، والكتب المنزلة على الأنبياء كلها تكتب باليد، وَالْحِكْمَةَهي الصواب، الحكمة هي الصواب، فالقرآن صواب، والتوراة صواب، والإنجيل صواب، وكل ما جاءت به الرسل فهو صواب، وإلى هذا قيل: إن الحكمة هي وضع أشياء في مواضعها.
وَآتَيْنَاهُمْ مُلْكًا عَظِيمًا(آتينا) أي: آل إبراهيم ملكًا عظيمًا، وأبلغ مثل في ذلك ما أعطاه الله تعالى سليمان فقد آتاه الله ملكًا عظيمًا، حتى قال: هَبْ لِي مُلْكًا لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي [ص: ٣٥]، حتى إن الشياطين المردة يَعْمَلُونَ لَهُ مَا يَشَاءُ مِنْ مَحَارِيبَ وَتَمَاثِيلَ وَجِفَانٍ كَالْجَوَابِ وَقُدُورٍ رَاسِيَات [سبأ: ١٣]، وحتى إنهم الشَّيَاطِينَ كُلَّ بَنَّاءٍ وَغَوَّاصٍ (٣٧) وَآخَرِينَ مُقَرَّنِينَ فِي الْأَصْفَادِ [ص: ٣٧، ٣٨]، بنَّاء يبني على ظاهر البر، غواص يغوص في البحر ليأتي بالجواهر والدراري، كل ما يكون في البحر، والقسم الثالث مقرنون في الأصفاد؛ لأنهم عصوا أمره فقرنهم في الأصفاد وحبسهم، هذا ملك عظيم.
كذلك أيضًا سخر الله له الريح تَجْرِي بِأَمْرِهِ رُخَاءً حَيْثُ أَصَابَ [ص: ٣٦] يعني: حيث أراد، رُخَاءًيعني: بدون اضطراب وبدون مشقة، والمعروف أن الريح يكون فيها قلق ومشقة وإن لم تحمل الإنسان، فضلًا عن إذا لو قدر أن هناك ريحًا تحمله لكان فيها القلق والاضطراب، لكن الله تعالى جعلها رخاءً مع أنها عاصفة، وَلِسُلَيْمَانَ الرِّيحَ عَاصِفَةً تَجْرِي بِأَمْرِهِ [الأنبياء: ٨١]، لكن مع كونها عاصفة ليس فيها قلق رُخَاءً حَيْثُ أَصَابَ، قال العلماء: إنه إذا أراد أن يتجه إلى ناحية وضع بساطًا وجلس عليه هو وحاشيته ومن أراد أن يسافر معه، ثم أمر الريح فحملتهم فطارت بهم، غُدُوُّهَا شَهْرٌ وَرَوَاحُهَا شَهْرٌ [سبأ: ١٢]، وهذا من قدرة الله عز وجل، هذا من جملة الملك الذي أعطيه آل إبراهيم، وهذا لا شك أنه ملك عظيم حيث يسخر له الشياطين والرياح.
ولما قال: أَيُّكُمْ يَأْتِينِي بِعَرْشِهَا قَبْلَ أَنْ يَأْتُونِي مُسْلِمِين [النمل: ٣٨] وكان عرشها في الجنوب في اليمن وهم في الشمال في الشام، قَالَ عِفْرِيتٌ مِنَ الْجِنِّ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ تَقُومَ مِنْ مَقَامِكَ [النمل: ٣٩]، وكان له حد يقوم فيه معين، مثل بعد ساعة أو ساعتين أو ما أشبه ذلك، وَإِنِّي عَلَيْهِ لَقَوِيٌّ أَمِينٌ (٣٩) قَالَ الَّذِي عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنَ الْكِتَابِ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ [النمل: ٣٩، ٤٠] يعني: مد الطرف ثم رده آتيك به، فَلَمَّا رَآهُ مُسْتَقِرًّا عِنْدَهُ قَالَ هَذَا مِنْ فَضْلِ رَبِّي [النمل: ٤٠]، وتأمل قوله: فَلَمَّافإن (الفاء) تدل على الترتيب والتعقيب، وأنه رآه فورًا، ثم رآه مستقرًا كأن له عشرات السنين؛ ولهذا جاءت كلمة مُسْتَقِرًّاولم يقل: فلما رآه عنده، رآه عنده يحتمل إلى الآن ما بعد ركد لكن مستقر، كأنه جاء لبضع سنين، قَالَ هَذَا مِنْ فَضْلِ رَبِّي لِيَبْلُوَنِي أَأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ [النمل: ٤٠].
وهذه الكلمة ينبغي أن تكون على كل لسان إذا أنعم الله عليك نعمة، فقل: هذا من فضل ربي ليبلوني أأشكر أم أكفر؛ لأن كثيرًا من الناس لا تحصل لهم هذه النعمة.
في هذه الآية الكريمة: بيان ما كان عليه اليهود من الحسد.
وفيه: إنكار الحسد؛ لأن الله ساق هذه الآية في الإنكار عليه.
وما حكم الحسد؟ هل هو من الصغائر أو من الكبائر؟ الجواب: هو من كبائر الذنوب؛ لأنه يأكل الحسنات.
وهل يستفيد الحاسد شيئًا؟ أبدًا.
ففي الحسد مفاسد:
أولًا: أنه من كبائر الذنوب، وكبائر الذنوب لا تغفر إلا بتوبة.
ثانيًا: أنه اعتراضٌ على قضاء الله وقدره؛ لأن كونك تكره أن يعطي الله هذا الإنسان شيئًا هذا اعتراض على الله؛ ولهذا قال: أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ.
ثالثًا: أن فيه عدوانًا على المحسود، وهذا في الغالب وليس دائمًا، قد يقوم في قلب الإنسان حسد لكن لا يعتدي على المحسود لا بقول ولا بفعل؛ ولهذا جاء في الحديث: «إِذَا ظَنَنْتَ فَلَا تُحَقِّقْ، وَإِذَا حَسَدْتَ فَلَا تَبْغِ» ، فالحسد قد يقوم بقلب الإنسان، والإنسان بشر، ولكن إذا أحسست به في قلبك، فحاول طرده عن قلبك حتى يكون نزيهًا، فإن عجزت فأقل ما يلزمك ألا تبغي على من حسدت، يعني لا تعتدي عليه؛ لا بقول ولا بفعل.
فمن القول: أن يتهم المحسود باتهامات ويتقول عليه ما لم يقل، أو يحال بينه وبين أعماله، أو يسب عند كبرائه وأمرائه، أو يسب أيضًا عند أصحابه وقرنائه، أو ما أشبه ذلك، هذا اعتداء بالقول.
الاعتداء بالفعل: أن يعتدي عليه بيده حتى يحول بينه وبين ما آتاه الله من فضله، مثل أن يغرق ماله، أو أن يحرقه حتى لا يكون عنده مال؛ لأنه حسده على كثرة المال.
رابعًا: المشابهة لليهود، يعني: من مضار الحسد أنه مشابهة لليهود، وبئس الخصلة خصلة يكون الإنسان فيها مشابهًا لليهود.
خامسًا: أن الحاسد يكون دائمًا في قلق؛ لأن نعم الله على غيره تترى تتتابع، كلما تجددت نعمة على غيره نبغ في قلبه الحسد، فيكون دائمًا في قلق مستمر.
سادسًا: أن الحاسد في الغالب يستحسر، ويتصور أنه عاجز أن يلحق بالمحسود، فتجده يستحسر ولا يحاول أن يصل إلى الفضائل، لكن لو أعرض عن الناس، ومن زاده الله من فضله فهو على نعمة وحاوله هو أن يسعى في النعم لسلم من هذا كله.
ومن مضار الحسد: إحداث العداوة والبغضاء بين الناس؛ لأن الحاسد في الغالب لا يخلو من عدوان والعدوان على الغير يؤدي إلى العداوة والبغضاء أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِإلى آخره.
طالب: شيخ الآن (...) الطاغوت وقلنا: إنه ما تجاوز به العبد، الطاغوت هو المتجاوَز به أم المتجاوِز؟
الشيخ: المتجاوَز.
الطالب: المتجاوز؟
الشيخ: نعم، سواء كان تجاوزه لمعبودٍ أو متبوعٍ أو مطاعٍ.
الطالب: المتجاوز به يا شيخ أليس طاغوت؟
الشيخ: ربما يكون طاغوتًا إذا دعا إلى عبادة نفسه، وربما لا يكون، مثلًا عيسى بن مريم ومن عبد من دون الله من الأولياء والأنبياء ليسوا طواغيت، لكن هم محل الطاغوت، أي محل الطغيان.
طالب: شيخ أحسن الله إليك، بعض العلماء يقسم الحسد إلى قسمين: صغائر وكبائر، قال: إنها يكون الإنسان يجد في نفسه من أخيه شيء دون أن يبغي، فهذا ليس من الكبائر (...)، وأما شيخ الإسلام فقال: إن في المسألة قولان، ونقل نص لشيخ الإسلام من كتاب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وأنه عرف الحسد بتمني زوال النعمة، فهل هذا يصح يا شيخ؟
الشيخ: الحسد المحرم كله من الكبائر، وأما الحسد الذي يكون في قلب الإنسان وهو يدافعه، فهذا ليس من الصغائر ولا من الكبائر.
طالب: شيخ، قلنا: إن الطاغوت الذي يتجاوز به ربما يكون طاغوت (...) قال الله عز وجل يقول: إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ [الأنبياء: ٩٨]، هل هذا يعني.. فكيف بمن يعبد من دون الله كعيسى بن مريم وعزير وغيره؟
الشيخ: وَلَمَّا ضُرِبَ ابْنُ مَرْيَمَ مَثَلًااقرأ الآية؟ إِذَا قَوْمُكَ مِنْهُ يَصِدُّونَ (٥٧) وَقَالُوا أَآلِهَتُنَا خَيْرٌ أَمْ هُوَ [الزخرف: ٥٧، ٥٨]، قال الله تعالى: مَا ضَرَبُوهُ لَكَ إِلَّا جَدَلًا بَلْ هُمْ قَوْمٌ خَصِمُونَأي: ذوو خصام، عيسى بن مريم لما قال الله تعالى: إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنْتُمْ لَهَا وَارِدُونَ (٩٨) لَوْ كَانَ هَؤُلَاءِ آلِهَةً مَا وَرَدُوهَا وَكُلٌّ فِيهَا خَالِدُونَ (٩٩) لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ وَهُمْ فِيهَا لَا يَسْمَعُون [الأنبياء: ٩٨ - ١٠٠]، وجاء المشركون يقولون: هذا عيسى بن مريم أتقول: إنه حصب جهنم؟ قال الله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى أُولَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ [الأنبياء: ١٠١]، وعيسى ممن سبقت لهم من الله الحسنى.
طالب: (...).
الشيخ: إي معلوم، هذا الذي يعبد من دون الله وهو من أنبياء الله أو أولياء الله أو الصالحين ما ذنبه حتى نقول: هو طاغوت؟ لكن هو محل الطغيان، يعني طغى به غيره.
طالب: شيخ بارك الله فيك، إذا تكلم أحدهم شعرت أن في كلامه هذا يعني حسدًا ولم يقل: ما شاء الله هل تذكره بـ: ما شاء الله؟
الشيخ: لا، يعني معناها تكلم شبهه بشيء مثلًا (...)؟ أو تريد العين؟
الطالب: لا، يعني رجل تكلم هو شعرت كأن في كلامه هذا يعني يستخشى أنه يكون حسدًا، يعني ولدك مثلًا معك صغير تكلم به يعني (...) ما شاء الله؟
الشيخ: ويش قال؟ ماذا قال؟
الطالب: قال: يعني الولد هذا جميل مثلًا، قال: جميلٌ ما جماله! يعني من غير: ما شاء الله، ما قال: ما شاء الله؟
الشيخ: لا، (...) الحسد أن الإنسان يكره نعمة الله على غيره، أما ما تشير إليه فهو حسد العين، حسد العين إذا رأى الإنسان ما يعجبه ينبغي أن يبرك عليه فيقول: بارك الله عليك.
الطالب: لو ما قال؟
الشيخ: كيف؟
الطالب: لو ما قال أذكره؟
الشيخ: لا، كل إنسان يشعر بنفسه هذا يقول: بارك الله عليك، أما الإنسان إذا رأى ما يعجبه من مال أو ولد فليقل: ما شاء الله لا قوة إلا بالله.
الطالب: وإن لم يقل؟
الشيخ: ما في شيء.
الطالب: يعني هو زارك في بيتك عندك مثلًا خير فنظر إلى هذا الخير، يعني وأنت شعرت أنه يريد هذا الخير له، أحسست يعني من كلامه..؟
الشيخ: لا، هو الناس يقولون هذا إذا نطق بشيء، إذا نطق بشيء قالوا: قل: ما شاء الله، أو قل: تبارك الله، أو ما أشبه ذلك فيذكر.
الطالب: يذكر يعني.
الشيخ: أما بس مجرد أنه رأى ابني معي وهو جميل أو خفيف (...) ذكر الله ما يصح.
طالب: بعض الناس يقول: إن الحديث «الْحَسَدُ يَأْكُلُ الْحَسَنَاتِ» حديث ضعيف، هل ينفع (...) ما فيه دليل على أن الحسد من الكبائر؟
الشيخ: لا، فيه كونه من خلق اليهود «وَمَنْ تَشَبَّهَ بِقَوْمٍ فَهُوَ مِنْهُمْ» .
طالب: يا شيخ، قوله تعالى: وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا هَؤُلَاءِمن المقصود بـهَؤُلَاءِالراجح؟
الشيخ: هَؤُلَاءِيعني كفار قريش؛ ولهذا قلت لكم: إن اللام إما أن تكون بمعنى (في)، فيكون (هؤلاء) على بابها، وإما أن تكون (اللام) للتعدية، كما لو قلت: قلت لفلان: كذا، فتكون هَؤُلَاءِبمعنى أيش؟ (أنتم)، يعني هم يقولون للكفار مصارحة: أنتم أهدى من الذين آمنوا سبيلًا.
طالب: شيخ بارك الله فيك، لو حسد إنسان ماذا يفعل لاتقاء هذا الحسد؟ وهل له عند الله أجر؟ إذا أصابه ما الذي يكون له عند الله؟
الشيخ: إذا حسد إنسان بمعنى أصيب بعين فإنه مأجور على صبره بلا شك، وما أصابه فهو تكفيرٌ لذنوبه، لكن ذاك الآخَر -وهو الآخِر أيضًا- هو المعتدي يكون ظالمًا معتديًا.
واختلف العلماء فيما إذا تلف شيء بسبب عينه هل يضمنه أو لا؟ والصحيح أنه يضمنه، يعني هو يضمنه؛ لأن حق الآدمي لا فرق فيه بين العمد وغير العمد، لكن لو أنه عانه حتى قتله فهل نقتله؟ نعم، بعض العلماء يقول: نقتله؛ لأن العين تقتل، وبعض العلماء يقول: نعم نقتله، لكن بعين عائن آخر، وهذا مشكل متى يحصل هذاه؟ وقد قالوا: يعني حسب التجارب، قالوا: إن الإنسان إذا تحدى العائن فإنه لا يستطيع أن يصيبه، لو قال للعائن: تعال أنا أتحداك، فإنه لا يصيبه؛ لأنه يكون معه نفس قوية تدفع نفس الثاني.
طالب: شيخ، الآية قَالَ عِفْرِيتٌ مِنَ الْجِنِّ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ تَقُومَ مِنْ مَقَامِكَ وَإِنِّي عَلَيْهِ لَقَوِيٌّ أَمِينٌ (٣٩) قَالَ الَّذِي عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنَ الْكِتَابِ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ [النمل: ٣٩، ٤٠] ما المراد بـالَّذِي عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنَ الْكِتَابِهل هو من العفاريت؟
الشيخ: المراد الَّذِي عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنَ الْكِتَابِرجلٌ مؤمن سأل الله تعالى فجاءت به الملائكة، جاءت به الملائكة، والملائكة أقوى من الشياطين.
طالب: هل للحسد دواء إذا حسد إنسان؟
الشيخ: إي نعم، له أدوية كثيرة، منها ما أرشد إليه النبي عليه الصلاة والسلام أنه يتوضأ ويغسل مغابنه يعني مساقط الركبة وما أشبه ذلك ثم يسقى المريض ويصب على رأسه ويشفى بإذن الله حالًا ، ومنها ما هو معروف عندنا بالتجارب تؤخذ فنيلته وتؤخذ طاقيته، الشيء اللي باشر، ويوضع في ماء ويشربه المصاب ويبرأ على طول.
فيه شيء ثالث أيضًا يقولون -ولا أدري هل يصح أم لا-: أن يصلى على العائن صلاة الميت، تصلى عليه صلاة الميت، وإذا صليت عليه صلاة الميت ماتت عينه، ما عاد يبقى يعين أحدًا، لكن هذا لا أدري ما تأكدت.
وكان بعض من اتهم بالعين ذات يوم نائمًا، فإذا بإخوانه الذين عنده في البيت يجتمع بعضهم إلى بعض، فلما قال -يريدون أن يصلوا عليه صلاة الغائب- لما قال: الله أكبر، قال: الله أكبر كبيرًا، وقام وقال: كيف تفعلون هذا؟ قالوا: لأن الإنسان إذا كان عائنًا ثم صلي عليه صلاة الجنازة فإنها تبطل عينه، لكن هذا ما تأكدنا.
أما مسألة الأخذ من شعاره، يعني مما يلي جسده، فهذا شيء مجرب متواتر مشهور.
طالب: ماذا لو أصبت السنة يا شيخ، حديث في قصة سهل بن حنيف ما تكن أصل في هذا؟
الشيخ: بلى، لكن هل نقول: إننا لا نتعدى ما فعل الرسول عليه الصلاة والسلام، أو نقول: إذا ثبت بالتجارب شيء فلا بأس باستعماله.
طالب: الصلاة على هذا العائن شرعية، يعني كونهم يصلوا صلاة الغائب على العائن؟
الشيخ: لا، هو ما ينفع يشترط حضوره بين يديه.
الطالب: من جهة شرعية يا شيخ؟
الشيخ: لا، أنا ما أدري، ما أعرف عن هذا.
هذا يقول: ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان يقرأ في المغرب بالطور ، فهل كان يقرؤها كلها؟
نعم، يقرأ في المغرب بالطور، الباء تدل على الاستيعاب.
طالب: والأعراف يا شيخ.
الشيخ: والأعراف كلها.
هل يجوز الإيداع في البنوك بدون فوائد؟
هو على كل حال البنوك إن حصلت ألا تودع فيها شيئًا، فهذا هو الأحسن، وإن اضطررت إلى ذلك فلا بأس بشرط أن لا تأخذ ربًا، واحرص على أن تودع عند أقلها مراباة.
إذا اجتهد عالم في مسألة وعمل بها ثم بدا له رأي آخر، فهل فعدل عن الأول فلا ينقض اجتهاده الثاني حكمه الناشئ عن اجتهاده الأول؟ وما صورته؟ وما موقف المقلد من الاجتهادين؟
إذا اختلف اجتهاد العالم فإن صرح بالرجوع عن الأول فقوله هو الثاني، وإن لم يصرح كان له قولان، ولا يهدم الاجتهاد الثاني الاجتهاد الأول؛ لأن كلًّا من الاجتهادين يحتمل أن يكون خطأ ويحتمل أن يكون صوابًا، أما بالنسبة للمقلد فإن ترجح عنده أحد، يعني مالت نفسه إلى أحد الاجتهادين فعل، وإلا فهو مخيرٌ.

***

طالب: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم فَمِنْهُمْ مَنْ آمَنَ بِهِ وَمِنْهُمْ مَنْ صَدَّ عَنْهُ وَكَفَى بِجَهَنَّمَ سَعِيرًا (٥٥) إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِنَا سَوْفَ نُصْلِيهِمْ نَارًا كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا لِيَذُوقُوا الْعَذَابَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَزِيزًا حَكِيمًا (٥٦) وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَنُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا لَهُمْ فِيهَا أَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ وَنُدْخِلُهُمْ ظِلًّا ظَلِيلًا} [النساء: ٥٥ - ٥٧].

الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله تبارك وتعالى: أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِإلى آخره.
من المراد بـالَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِفي هذه الآية؟
طالب: اليهود.
الشيخ: اليهود طيب. وما المراد بالجبت؟
طالب: الجبت، ما لا فائدة فيه في الدين، وعلى قول عمر بن الخطاب رضي الله عنه: هو السحر .
الشيخ: نعم، إما السحر، وقيل: إنه صنم، يعني فيه أقوال متعددة، يجمعها: كل ما لا خير فيه في الدين، أو ما فيه ضرر في الدين فهو جبت. والطاغوت؟
طالب: قال عمر رضي الله عنه: هو الشيطان ، وعرفه ابن القيم: هو كل ما تجاوز به العبد حده من متبوع أو مطاع.
الشيخ: أو معبود.
الطالب: أو معبود أو مطاع.
الشيخ: طيب، وعلى هذا فيكون تفسير عمر رضي الله عنه من باب التمثيل.
يَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُوااللام هنا؟
طالب: اللام هنا فيها قولان.
الشيخ: تحتمل معنيين.
الطالب: إما أن تكون بمعنى (في)، فيكون المعنى: ويقولون في شأن الذين كفروا.
الشيخ: وعلى هذا فيكون اسم الإشارة؟
الطالب: على ظاهره.
الشيخ: وعلى هذا فيكون اسم الإشارة على ظاهره.
الطالب: والمعنى الثاني: أن اللام على أصلها لتعدية الفعل، فيكون المعنى: ويقولون للذين كفروا: هؤلاء -أي أنتم- أهدى من الذين آمنوا سبيلًا.
الشيخ: فتكون اسم الإشارة بمعنى الخطاب، أي: أنتم. ما الذي يشيرون إليه؟ يعني ما الذي يريدون بقولهم: الذين كفروا وبقولهم: أَهْدَى مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا سَبِيلًا؟
طالب: (...).
الشيخ: والَّذِينَ آمَنُوا؟
طالب: الَّذِينَ آمَنُواالرسول صلى الله عليه وسلم والصحابة.
الشيخ: أحسنت، تمام.
ما هو الجزاء الذي جعله الله عليهم؟
طالب: لعنهم الله.
الشيخ: أن الله لعنهم واللعن معناه؟
الطالب: الطرد والإبعاد.
الشيخ: الطرد والإبعاد عن رحمة الله.
ما معنى قوله: أَمْ لَهُمْ نَصِيبٌ مِنَ الْمُلْكِ فَإِذًا لَا يُؤْتُونَ النَّاسَ نَقِيرًا؟
طالب: أي هل لهم نصيب من الملك، أي فليس لهم نصيب ولو كان لهم نصيب لم يؤتوا الناس نقيرًا، والنقير هو ما يوجد في ظهر النواة ويضرب به المثل للقلة.
الشيخ: أحسنت، يعني هل لهم نصيب من الملك حتى يتصرفون فيقولون: هؤلاء أهدى وهؤلاء أشقى؟ أو يعطون هؤلاء ويمنعون هؤلاء؟ ولو كان لهم نصيب فإذن؟
الطالب: لا يؤتون الناس.
الشيخ: لا يؤتون الناس نقيرًا؛ لأنهم من أشد الناس بخلًا.
من فوائد الآية: أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَا آتَاهُمُ اللَّهُإلى آخره: الإنكار على أهل الحسد؛ لقوله: أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ.
وقد ذكرنا في الدرس الماضي مضار الحسد، ما هو دواؤه؟ فنقول في دوائه:
أولًا: أن يرضى الإنسان بقضاء الله وقدره، وأن يعلم أن الفضل بيد الله يؤتيه من يشاء، فإذا علم ذلك اطمأن ولم يعترض على ربه سبحانه وتعالى فيما آتاهم من فضله.
ومنها: أن يعلم أن حسده لن يمنع فضل الله عن المحسود أبدًا، ولو كان يمنع فضل الله على المحسود لكان كل إنسان يحسد غيره.
ومنها: أن يتجه إلى الله عز وجل في سؤاله أن يعطيه مثل ما أعطى هذا، كما قال تعالى في آية آخرى: وَلَا تَتَمَنَّوْا مَا فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبُوا وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبْنَبعدها وَاسْأَلُوا اللَّهَ مِنْ فَضْلِهِ [النساء: ٣٢].
ومنها: أن يذكر عواقب الحسد وشؤمه وعقوبته حتى يخشى هذا الشؤم والعقوبة، فيدع.
ومنها: أن يعلم أنه من أخلاق اليهود.
المهم أن الإنسان إذا تأمل في مضاره كان هذا التأمل دواء يحتمي به عن الحسد.
ومن فوائد الآية الكريمة: بيان أن الله أنعم على هؤلاء الحسدة بما ذكره في قوله: فَقَدْ آتَيْنَا آلَ إِبْرَاهِيمَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَإلى آخره، فلا وجه للحسد مع ما أعطاهم الله تعالى من الفضل، وهذا أيضًا من الدواء الذي يداوي به الإنسان الحسد، فيقول مثلًا: ما لي أحسد فلانًا وقد أعطاني الله تعالى كذا وكذا.
ومن فوائد هذه الآية الكريمة: بيان ما منَّ الله به على آل إبراهيم من الكتاب والحكمة والملك العظيم، فمثلًا التوراة والإنجيل كلها كتاب وحكمة، والملك العظيم، مَن أعظم من ترونه أعطي ملكًا من بني إسرائيل؟
الطلبة: سليمان عليه السلام.
الشيخ: سليمان عليه السلام؛ فإنه أعطي ملكًا عظيمًا حتى قال: هَبْ لِي مُلْكًا لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي [ص: ٣٥] لعظمته.
ومن فوائد الآية الكريمة: أن الله عز وجل له التصرف في ملكه بما يشاء.