تفسير سورة النساء - 19
عدد الزيارات 1911

عناصر المادة :
تفسير الآية (55)
تفسير الآية (56)
تفسير الآية (57)
تفسير الآية (58)

ما لي أحسد فلانًا وقد أعطاني الله تعالى كذا وكذا؟!
ومن فوائد هذه الآية الكريمة: بيان ما منّ الله به على آل إبراهيم من الكتاب والحكمة والملك العظيم، فمثلًا التوراة والإنجيل كلها كتاب وحكمة، والملك العظيم من أعظم من ترونه أعطي ملكًا من بني إسرائيل؟
طلبة: سليمان عليه السلام.
الشيخ: سليمان عليه السلام؛ فإنه أعطي ملكًا عظيمًا حتى قال: هَبْ لِي مُلْكًا لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي [ص: ٣٥] لعظمته.
ومن فوائد الآية الكريمة: أن الله عز وجل له التصرف في ملكه بما يشاء فإنه يقبض ويبسط؛ لقوله: فَقَدْ آتَيْنَا آلَ إِبْرَاهِيمَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَآتَيْنَاهُمْ مُلْكًا عَظِيمًا [النساء: ٥٤].

تفسير الآية (55)
00:01:12

ثم قال الله تعالى: فَمِنْهُمْ مَنْ آمَنَ بِهِ وَمِنْهُمْ مَنْ صَدَّ عَنْهُ [النساء: ٥٥] مِنْهُمْالضمير يعود على آل إبراهيم؛ يعني ليس كل آل إبراهيم تقبّلوا هذا الكتاب وهذه الحكمة وهذا الملك مِنْهُمْ مَنْ آمَنَ بِهِو(مِن) هنا للتبعيض، والدليل على ذلك قوله: وَمِنْهُمْ مَنْ صَدَّ عَنْهُفقسمهم الله تعالى إلى قسمين، والتبعيض قد يأتي بالحرف الدال عليه في كلا القسمين، وقد يأتي في أحدهما، ويحذف من القسم الثاني مثل قوله تعالى: فَمِنْهُمْ شَقِيٌّ وَسَعِيدٌ [هود: ١٠٥] المعنى: فمنهم شقي ومنهم سعيد؛ لأنه لا يمكن أن يكون شقيًّا وسعيدًا في آنٍ واحد، ولكنها حذفت من القسم أو القسيم الثاني، فَمِنْهُمْ مَنْ آمَنَ بِهِوقبله، وآمن بالكتاب والحكمة، وشكر النعمة على الملك وَمِنْهُمْ مَنْ صَدَّ عَنْهُصدّ عنه فلم يؤمن به، ولم يشكر الله على هذه النعمة والملك العظيم.
وقوله: مَنْ صَدَّ عَنْهُصَدَّهذه تستعمل لازمة ومتعدية، فاللازمة بمعنى أنه صد عنه بنفسه، والمتعدية أنه صد غيره عنه، وكلا الوصفين ثابتان لهؤلاء، فهم صادون عنه بأنفسهم، وهم صادون غيرهم عنه، حتى إن بني إسرائيل يدعون أن سليمان بن داود عليه الصلاة والسلام ليس نبيًّا، ولكنه ملك واسع الملك قويّ الملك قوي السلطان، وليس بنبي وكذلك داود، يرون أنه ليس بنبي، ولكنه ملك، والصواب أنهم من الرسل والأنبياء، ولكن الله تعالى أعطى سليمان ذلك الملك العظيم.
ثم قال: وَكَفَى بِجَهَنَّمَ سَعِيرًايعني ما أعظم السعير الذي يحصل لهؤلاء بجهنم!
وكَفَىسبق لنا أنها تتعدى بالباء، ولكنهم يقولون: إن الباء زائدة لفظًا؛ يعني من حيث الإعراب، وأما من جهة المعنى فلها فائدة وهي تعدية (كفى) إلى المعمول، ويقولون: إن الباء حرف جر زائد، وأن جهنم في هذه الآية هي الفاعل؛ أي: كفت، وأن سَعِيرًاأيش؟
طلبة: تمييز.
الشيخ: تمييز، والسعير بمعنى (المسعَّر) أو بمعنى (الساعِر)، وكلاهما يدل على الإحراق العظيم.
في هذه الآية الكريمة من الفوائد: أن الناس ينقسمون فيما يعطيهم الله تعالى من نعم الدين والدنيا إلى قسمين: قسم يؤمن، وقسم يكفر، وهذا هو سنة الله كما قال الله تعالى: هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ فَمِنْكُمْ كَافِرٌ وَمِنْكُمْ مُؤْمِنٌ [التغابن: ٢]، ولو شاء الله تعالى لجعل الناس أمة واحدة، ولكن من رحمته أن جعلهم يتفرّقون حتى يعلم الله الصادق من الكاذب، وحتى يقوم عَلَم الجهاد، وحتى يقوم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وحتى يعرف المؤمن قدر نعمة الله عليه بالإيمان، وحتى يجتهد المؤمن أن يثبته الله عز وجل حتى لا يكون مثل هؤلاء، والحاصل أن الله سبحانه وتعالى جعل الناس إلى قسمين لحِكم عظيمة.
ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن الذين لم يؤمنوا به أعرضوا عنه وصدوا الناس عنه أيضًا؛ لقوله: وَمِنْهُمْ مَنْ صَدَّ عَنْهُوقد ذكرنا أنها تستعمل لازمة ومتعدية، وأنها في هذه الآية صالحة على الوجهين.
ومن فوائد الآية الكريمة: تعظيم إحراق النار؛ لقوله: وَكَفَى بِجَهَنَّمَ سَعِيرًا.
ومن فوائدها: أن من صد عن ما آتاه الله من الكتاب والحكمة فإنه يكون من حطب جهنم والعياذ بالله.
تفسير الآية (56)
00:06:22

ثم قال: إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِنَا سَوْفَ نُصْلِيهِمْ نَارًاوقال بعدها: وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِوهكذا طريقة القرآن مثاني؛ يعني إذا جاء ذكر أهل النار جاء ذكر أهل الجنة، إذا جاء ذكر المتقين جاء ذكر المجرمين وهكذا حتى يكون الإنسان سائرًا إلى الله بين الخوف والرجاء، وحتى لا يمل لو كان الكلام على نسق واحد.
قال: إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِنَا سَوْفَ نُصْلِيهِمْكفروا بها أي: جحدوها وأنكروها، وأصل المادة (كفر) من الستر والتغطية، ومنه سمي (الكُفُرَّى) الذي هو غلاف طلع النخل.
وقوله: بِآيَاتِنَايشمل الآيات الكونية والآيات الشرعية، فمن الكفر بالآيات الشرعية تكذيب الرسل وعدم الالتزام بما جاءت به الرسل من الشرائع، ومن الكفر بالآيات الكونية أن ينسب هذا الكون إلى غير الله أو يقول: إن أحدًا أعان الله فيه، أو يقول: إن أحدًا له فيه شرك، كل هذا من التكذيب بالآيات، ومن ذلك إنكار الكسوف أن يكون وقع إنذارًا من الله عز وجل وتخويفًا؛ لأن بعض الناس يقولون: إن الكسوف سببه أمر عادي، وليس من أجل أن يخوّف الله به العباد، وهذا يعتبر نوعًا من الكفر، وليس كفرًا مخرجًا عن الملة، لكنه نوع من الكفر.
سَوْفَ نُصْلِيهِمْ نَارًاسوف يقول المعربون: إنها حرف أيش؟
طالب: تسويف.
الشيخ: تسويف؛ يعني تدل على تحقّق وقوع الشيء، لكن بعد زمن؛ لأن التسويف بمعنى التأخير، ومنه قولهم: سوّف في التوبة، سوف بالتوبة؛ يعني أخّرها؛ فمعنى (سوف) يعني أنهم سوف يصلون، لكن بعد زمن.
وقوله: نُصْلِيهِمْ نَارًاأي: نجعلهم يصلونها حتى تحرقهم كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا لِيَذُوقُوا الْعَذَابَكُلَّمَا نَضِجَتْالنّضج معناه بلوغ الغاية في الكمال؛ يعني أنها إذا نضجت من الاحتراق واحترقت فإنها تبدّل جلودًا غيرها غير الأولى؛ لأن الأولى احترقت وزالت، لماذا؟ لِيَذُوقُوا الْعَذَابَأي: الألم؛ لأن الجلد إذا احترق صار حائلًا دون بقية الجسم فلا يحسون بالنار، لكن إذا بُدّل بجلد آخر جديد حينئذٍ أحسّوا بحرّ النار أعاذنا الله وإياكم منها، فهم كلما نضجت بدلناهم.
وكُلَّمَاحرف شرط يدل على التكرار؛ يعني أنهم دائمًا وأبدًا كلما نضجت الجلود بُدِّلوا جلودًا غيرها لهذه الحكمة لِيَذُوقُوا الْعَذَابَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَزِيزًا حَكِيمًاالعذاب يعني الألم الذي يعذبون به.
إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَزِيزًا حَكِيمًاكَانَفعل ماضٍ، لكنه لا يراد بها الزمن، فهي تدل على تحقق الاتصاف بما دل عليه خبرها بدون التقيد بزمن، ولهذا يقولون: إنها مسلوبة الزمان في هذا، لماذا؟ لأننا لو قلنا: إنها دالة على الزمان لكانت العزة والحكمة قد انتهت وذهبتا.
وقوله: عَزِيزًاالعزيز قال العلماء: إنه له ثلاثة معانٍ: الأول: عزة القدر، والثاني: عزة القهر، والثالث: عزة الامتناع، أما عزة القدر؛ فمعناه أنه ذو قدر عظيم، لا يماثله شيء، وأما عزة القهر فمعناه أنه الغالب القاهر لكل ذي جبروت، وأما عزة الامتناع فمعناه الممتنع عن كل عيب ونقص وسوء، ومنه قولهم: أرض عزاز؛ يعني صلبة، صلبة ممتنعة عن الرخاوة، وكل هذه المعاني، وربما يحتمل معاني أخرى أيضًا كلها ثابتة لله فَلِلَّهِ الْعِزَّةُ جَمِيعًا [فاطر: ١٠]، وأما الحكيم فإنه مشتق من الحكمة وهي الإحكام والإتقان، ومن الحُكم وهو القضاء والفصل، والله سبحانه وتعالى حكيم ذو حكمة بالغة، وحكيم بمعنى حاكم فاصل بين عباده، ترجع الأمور كلها إليه كما قال الله تعالى: أَلَا لَهُ الْحُكْمُ وَهُوَ أَسْرَعُ الْحَاسِبِينَ [الأنعام: ٦٢].
وليعلم أن حكم الله سبحانه وتعالى ينقسم: إلى حكم كوني قدري، وحكم شرعي ديني، أما الحكم الكوني القدري: فمثّلوا له بقوله تعالى عن أحد إخوة يوسف: فَلَنْ أَبْرَحَ الْأَرْضَ حَتَّى يَأْذَنَ لِي أَبِي أَوْ يَحْكُمَ اللَّهُ لِي [يوسف: ٨٠] يريد بذلك حكمًا قدريًّا لا حكمًا شرعيًّا؛ لأن الله تعالى لم يمنعه شرعًا من الرجوع إلى أهله، ولكنه يريد بذلك أن يحكم له حكمًا قدريًّا، وأما الحكم الشرعي: فدليله ومثاله قوله تبارك وتعالى في سورة الممتحنة لما ذكر ما ذكر من الأحكام قال: ذَلِكُمْ حُكْمُ اللَّهِ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ [الممتحنة: ١٠]، هذا حكم شرعي، وقد يجتمع القسمان في آية واحدة مثل قوله تبارك وتعالى: لَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ [القصص: ٧٠]، ومثل قوله: أَلَا لَهُ الْحُكْمُ وَهُوَ أَسْرَعُ الْحَاسِبِينَ [الأنعام: ٦٢]، ومثل قوله: أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَحْكَمِ الْحَاكِمِينَ [التين: ٨]، فالمهم أن الحكم حكم الله عز وجل ينقسم إلى: كوني قدري، والثاني شرعي ديني، وذكرنا لكل واحد دليلًا ولكل واحد مثالًا وذكرنا ما يجمع القسمين، وكل ذلك موجود في القرآن.
فإن قال قائل: أيهما الذي يكون نافذًا في العباد ولا بد؛ الكوني أو الشرعي؟
الكوني القدري، هذا نافذ في العباد، ولا يمكن أحد أن يعاند فيه أو يمانع فيه، وأما الحكم الشرعي: الذي يحكم الله فيه بين العباد، فمن العباد من يقبل ويقوم به، ومن العباد من لا يقبل ولا يقوم به، الحكمة؛ وهي أحد المعنيين في قوله: حَكِيمًامأخوذة من الإحكام وهو إتقان الشيء، فالشيء المحكم هو الشيء المتقن، وفسّرها بعض العلماء بأنها: وضع الأشياء في مواضعها؛ بمعنى أنك إذا رأيت هذا الشيء قلت: لا يصلح به في مكانه إلا هو، ثم هي -أي الحكمة- حكمة في نفس الشيء، وحكمة في غاية الشيء؛ بمعنى أن هذا الشيء في نفسه مطابق للحكمة، والثاني: أن الغاية منه حكمة محمودة، لننظر إلى الوضوء مثلًا، كونه على هذا الوجه يبدأ أولًا بالوجه، ثم باليدين، ثم بالرأس، ثم بالأذنين، وكونه بعض الأعضاء غسْل، وبعض الأعضاء مسْح، هذا من الحكمة لا شك؛ يعني كونه على هذه الصورة المعينة حكمة، ثم الغاية منه وهو التطهير من الذنوب، والتطهير من الأحداث، هذه غاية حميدة بلا شك، إذن الحكمة تكون في ذات الشيء، وفي غاية الشيء، وكل هذا ثابت في حكمة الله عز وجل، وإذا قلنا: إن الحكم كوني وشرعي، والحكمة حكمة في ذات الشيء، وحكمة في الغاية منه صار الجميع كم قسمًا؟
الطلبة: أربعة.
الشيخ: أربعة أقسام. ويأتي -إن شاء الله- بقية الكلام على الآية.
طالب: يا شيخ، وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلُواالآية [البقرة: ٢٥٣] يا شيخ، تكون من السنن الربانية؟ أي: يجعل الكفار مؤمنين يا شيخ بالأمر، كيف هذا يكون حكمًا قدريًّا يا شيخ؟
الشيخ: إي نعم، هذا حكم قدري يقوم به الحكم الشرعي.
طالب: طيب يا شيخ، لو شفت واحد يقول: طيب كيف معناته، هذا مقدّر عليهم أنهم يصيروا كفارًا، كيف الجواب عليه؟
الشيخ: كيف؟
الطالب: لو واحد يحاجهم يا شيخ، يقول معناته الله سبحانه وتعالى حكم عليهم أنهم يصيروا كفارًا، كيف الرد عليهم؟
الشيخ: نرد عليهم بقوله تعالى: وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْرًا لَأَسْمَعَهُمْ وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ [الأنفال: ٢٣]. في الليلة الماضية تكلّمنا عن القدرية والجبرية، وقلنا: كل واحد منهم له شبهة، أليس كذلك؟
الطلبة: بلى.
الشيخ: ولكن هل هذه الشبهات منجلية لكم أو نبيّنها الآن؟
الطلبة: نبيّنها.
الشيخ: نعم، نبيّها؛ لأن بعض الناس قال لي: طيب الشبه هذه لماذا لم تُبيّن؟
ذكرنا أن شبهة القدرية أن الله سبحانه وتعالى قال: وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِينَ وَنَبْلُوَ أَخْبَارَكُمْ [محمد: ٣١] حَتَّى نَعْلَمَإذن هو الآن أيش؟
الطلبة: لا يعلم.
الشيخ: لا يعلم طيب، الجواب على هذا أن نقول: علم الله سبحانه وتعالى علمان؛ ينقسم إلى قسمين: علم بما سيكون، وعلم بما كان، فهو يعلم أن هذا العبد سوف يقوم بما أُمر به، أو أن هذا العبد لن يقوم بما أمر به، أليس كذلك؟
العلم بما سيكون لا يترتّب عليه ثواب ولا عقاب؛ لأنه لم يوجّه إلى المكلف شيء فيه، فلا يترتب عليه ثواب ولا عقاب، والثاني: علم بأيش؟
طالب: بما نعلم.
الشيخ: بما كان، هذا هو الذي قال الله تعالى: حَتَّى نَعْلَمَأي: حتى نعلم الشيء كائنًا واقعًا، وحينئذٍ يترتب عليه أيش؟ الجزاء؛ الثواب أو العقاب، ويدل لذلك أن الله سبحانه وتعالى بيّن في آيات كثيرة أن الله تعالى قد علم كل شيء أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِنَّ ذَلِكَ فِي كِتَابٍ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ [الحج: ٧٠]، وقال تعالى في آية الصيام: عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَخْتَانُونَ أَنْفُسَكُمْ [البقرة: ١٨٧]، وقال: عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ سَتَذْكُرُونَهُنَّ [البقرة: ٢٣٥]، وهم لم يذكروهن بعد سَتَذْكُرُونَهُنَّفالحاصل أنا نقول: العلم ينقسم إلى؟
طالب: قسمين.
الشيخ: ما هما؟
الطلبة: علم بما كان وما سيكون.
الشيخ: علم بما كان، وعلم بما سيكون، ما الذي يترتب عليه العقاب أو الثواب؟ العلم بما كان، وهذا هو المراد بقوله: حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِينَ. ولهذا قال بعض العلماء يعني فسّره بقوله: حتى نعلم علم ظهور؛ يعني علم وقوع الشيء.
بقينا في الجواب عن الجبرية الذين قالوا: إن الله قال: وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ [الأنعام: ١١٢] وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلَ الَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَلَكِنِ اخْتَلَفُوا فَمِنْهُمْ مَنْ آمَنَ وَمِنْهُمْ مَنْ كَفَرَ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلُوا [البقرة: ٢٥٣] نقول: نعم، اقتتالهم واقع بمشيئة الله لا شك وإشراكهم واقع بمشيئة الله كما قال تعالى: وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكُوا وَمَا جَعَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا وَمَا أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيلٍ [الأنعام: ١٠٧]، لكن هل منحهم الله مشيئة وإرادة أو لم يمنحهم؟
الطلبة: منحهم.
الشيخ: منحهم، مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الْآخِرَةَ [آل عمران: ١٥٢] وَمَنْ أَرَادَ الْآخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا [الإسراء: ١٩] مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ [الإسراء: ١٨]، فالإرادة للإنسان ثابتة ولا أحد ينكرها، وما قدّر الله عليك ليس عندك علم به قبل أن تفعله حتى تحتج به، أليس كذلك؟ ما قدّر الله عليك ليس عندك علم به قبل أن تفعله حتى تحتج بقدر الله؛ لأنا نقول لمن يحتج بقدر الله: ما الذي أعلمك أن الله قدّر عليك الشقاء؟
لماذا لم تقدّر أن الله قدّر عليك أيش؟ السعادة فتسعد؟ وحينئذٍ لا يكون لهم حجة، وقد أبطل الله هذه الحجة بالفعل سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلَا آبَاؤُنَا وَلَا حَرَّمْنَا مِنْ شَيْءٍ كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ حَتَّى ذَاقُوا بَأْسَنَا [الأنعام: ١٤٨] ولو كان لهم حجة ما ذاقوا بأس الله؛ لأنهم معذورون.
طالب: وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلُوانسبة القتال إليهم، ألا تدل على أن لهم مشيئة؟
الشيخ: بلى، تدل على أن الفعل فعلهم.
طالب: قول الله تعالى: بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَاهل يعني بَدَّلْنَاهُمْتبديل تجديد الجلد نفسه أم جلد غيره؟
الشيخ: نعم، يخلق جلدًا جديدًا غير الجلد الأول اللي احترق.
طالب: يا شيخ، رأينا في بعض الأمصار أناسًا يدّعون العلم، ولا يصلون، ولا يأمرون بالمعروف، ولا ينهون عن المنكر، ولا يزكون، ويحتجون بقوله تعالى: الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِالآية [الحج: ٤١]، قلنا لهم: إن النبي صلى الله عليه وسلم صلى في مكة وهو لم يمكن له آنذاك فقالوا: هذا على سبيل الاستحباب.
الشيخ: على سبيل أيش؟
الطالب: على سبيل الاستحباب؛ لأن القرآن هو الذي يبيّن.
الشيخ: نعم فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ [آل عمران: ٧] هذه يخبر الله بها عن شيء مستقبل وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ (٤٠) الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ [الحج: ٤٠، ٤١] فيقال لهؤلاء: إن الله وعد الذين ينصرون الله بهذا؛ بالنصر، وأنتم الآن لا تأمرون بالمعروف، ولا تنهون عن المنكر، فلستم مستحقين للنصر، إذا كنتم تريدون النصر فافعلوا ذلك، مروا بالمعروف، وانهوا عن المنكر، وأقيموا الصلاة، وآتوا الزكاة.
طالب: بارك الله فيكم، ذكرتم الآن أنهم سيبدلون جلودًا غير جلودهم، طيب هل ستكون أجسادنا يوم القيامة هي الأجسام التي عليها الآن؟
الشيخ: أيش؟
الطالب: أجسادنا الآن التي نحن الآن عليها؛ يعني الأجسام هذه هل ستكون يوم القيامة هي هي؟
الشيخ: لا، تكون أعظم أعظم.
الطالب: يعني ستكون ستين ذراعًا؟
الشيخ: أعظم، جاء في الحديث الصحيح أن «ضِرْس الْوَاحِدِ مِنْهُمْ مِثْلُ جَبَلِ أُحُدٍ»   والعياذ بالله، توسّع أبدانهم لأجل شدة العذاب.
طالب: شيخ، لو أورد علينا قدري يا شيخ وقال: قال تعالى: وَلَوْ شِئْنَا لَآتَيْنَا كُلَّ نَفْسٍ هُدَاهَا وَلَكِنْ حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ [السجدة: ١٣].
الشيخ: قدري ولا جبري؟
الطالب: جبري.
الشيخ: نعم.
الطالب: يقول: هذا شيء؛ يعني الله عز وجل كتب أنه سوف يملأ جهنم من الناس والجنة كذلك، إذن لو شاء الله لكان كل شيء؟
الشيخ: طيب (...) نهر الجنة، إحنا ما نرى به أنه يستعمل إلا لأهل الجنة، ما هو ينقسم قسمين، يصير من هؤلاء وما نبغي منك أكثر من هذا.
الطالب: يعني أن يوم القيامة إذا احتج يعني راح النار، وقال: أنا كتب الله عز وجل عليّ أدخل..
الشيخ: يوم القيامة ما يحتجون -بارك الله فيك- يقرون بالخطأ، يقولون: لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ [الملك: ١٠] ويسألون الله الرجوع ويقول: لو رجعنا لآمنا فَارْجِعْنَا نَعْمَلْ صَالِحًا [السجدة: ١٢] يوم القيامة ما فيه، حجة لكن الكلام الآن.
طالب: ما نضرب هذا كفًّا على وجهه يا شيخ؟!
الشيخ: من؟
الطالب: هذا الجبري.
الشيخ: والله إن أعطيته كفًّا على وجهه وقلت: والله أنا مجبر على هذا؛ ما فيه مانع!
طالب: شيخ، فَمِنْهُمْ مَنْ آمَنَ بِهِ [النساء: ٥٥] بعض الناس يعتقدون أن النبي صلى الله عليه وسلم لا يصح له نسب؟
الشيخ: لا، ما قلناه عام؛ لأن النبي عليه الصلاة والسلام من آل إبراهيم.
طالب: شيخ، أحسن الله إليكم، ذكرتم بأن الجلود غير الجلود الأولى.
الشيخ: يبدّلونها نعم.
الطالب: إي نعم، الإمام أحمد رحمه الله يقول: إنما تبديلها تجديدها. وذلك لما احتج عليه الجهمية فقالوا: كيف يُعذّب جلودًا لم تذنب؛ فقال: تبديلها تجديدها.
الشيخ: إي، ما يستبعد يعني أن يكون هذا معنى صحيحًا؛ يعني لا يستبدل أن يكون معنى صحيحًا، وقد يستشهد له بقوله تعالى: يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ [إبراهيم: ٤٨] مع أن هي الأصل، لكن الأصل في التبديل أنه بدل عن بدل، وهذه الجلود ليست مستقلة حتى تعذّب ويقال: إنها عذبت بدون جريمة، هذه الجلود مثل اللباس لهؤلاء فلا يعد، فما قاله الإمام أحمد محتمل رحمه الله.
طالب: ما قاله الإمام أحمد أن جلود تستبدل؟
الشيخ: الآن؟
الطالب: يقولون: كيف تعذّب وهي لم تذنب؟ أتبدل لا تحس الإنسان هو اللي يحس الإنسان هو اللي يشعر بالعذاب والجلد..
الشيخ: يقولون: إن الأطباء -بس ما أدري هل مؤكد ولَّا لا- إن اللي داخل الجلد ما يتأذى، ما يتألم، وأن الألم للجلد فقط؛ يعني عكس ما تقول أنت، نعم، والله جعل الجلد يتألم لأجل أن يحس الإنسان بما يصيبه، لكن اغرز الإبرة الآن أول ما توجس في الجلد، لكن في اللحم الداخلي ما تحس به، ثم من نعمة الله أن اللحم الداخلي ما فيه إحساس، لو فيه إحساس باتجاه قطع ها الخبز تمشي مع الأمعاء الدقيقة يقدر الواحد ينام؟! الآن لو تيجي ذرة على جلده ما يستطيع ينام، لو تمشي ذرة على جلده وهو نائم ما يستطيع ما يجيه النوم، لكن ما بالك بالأشياء هذه أنها تجري في الأمعاء الدقيقة، ولهذا من حكمة الله سبحان الله العظيم كلما تأمل الإنسان في حكمة الله رأى العجب العجاب، إذا صار هذا الطعام متهيئًا للخروج أحس به الإنسان؛ يعني إذا استأذن جاء عند الباب تحس به، لكن قبل أبدًا، يتردد في هذه الأمعاء الدقيقة الملتوية بعضها على بعض ولا تحس به.
طالب: عن المعجزات يا شيخ علميًّا.
الشيخ: أيش؟
الطالب: بعض الناس بيسند المعجزات العلمية من الطب وغيرها، ويرجعها لآيات بالقرآن؟
الشيخ: إذا كانت الآيات تحتمل هذه المعجزات العلمية فلا مانع.
الطالب: المشكلة يا شيخ أنه يأتي (...).
الشيخ: لا، أنا قلت: إذا كانت تحتمل، أما إذا كان مجرد وهم فلا يعني مثلًا لما وصلوا إلى القمر قالوا: إن هذا يدل عليه قوله تعالى: يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ إِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَنْ تَنْفُذُوا مِنْ أَقْطَارِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ فَانْفُذُوا [الرحمن: ٣٣] هذا ما هو صحيح.
الطالب: بعضهم يقول.. بعضهم يحتمل وهما..
الشيخ: لا، لا بد من ثبوت الدلالة وإلا فلا يجوز. (...)

***

«السَّلَامُ عَلَيْكَ أَيُّهَا النَّبِيُّ»، هذا دعاء، «السَّلامُ عَلَيْنَا وَعَلَى عِبَادِ اللَّهِ الصَّالِحِينَ»؛ دعاء، «اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ»، «اللَّهُمَّ بَارِكْ عَلَى مُحَمَّدٍ»، «أَعُوذُ بِاللَّهِ مِنْ عَذَابِ جَهَنَّمَ»، كل هذه دعاء، وكذلك بين السجدتين: «ربِّ اغْفِرْ لِي وَارْحَمْنِي»، كلها جمل دعائية.
طلبة: التعليل يا شيخ؟
الشيخ: هذا الذي يقول: هل يعتد بشهادة المرأة الواحدة في رؤية هلال رمضان؟
الجواب: نعم، يعتد بها؛ لأنها خبر ديني كما لو أخبرت بغروب الشمس مثلًا.
يقول: يشكل علينا فضيلة الشيخ في بعض المسائل الفقهية اختلاف المحدّثين والفقهاء فيها، فما هو الضابط الترجيحي لمثل هذه المسألة؟
أما طالب العلم الصغير والعامي فيتبع من يرى أنه أوثق في علمه ودينه، وأما طالب العلم الصاعد الذي أخذ من العلم حظًّا، فهذا هو بنفسه الذي يراجع أدلة هؤلاء وهؤلاء حتى يتبيّن له أيها الراجح.
يقول: أشكل عليّ قول من قال: وإن الرؤيا متى عبرت وقعت، فهل وقوع الرؤيا متوقّف على تعبيرها؟
لا، قد تقع قبل أن تعبر، لكن إذا عبرت وقعت على ما عبرت به، ولهذا لا ينبغي للإنسان إذا رأى ما يكره أن يعرضها على أحد؛ لأنها إذا عرضها، ثم فسرت وقعت بإذن الله، بل إذا رأى ما يكره يقوم ويتفل عن يساره ثلاثًا، ويقول: أعوذ بالله من شر الشيطان، ومن شر ما رأيت، وينقلب إلى الجنب الثاني، ولا يحدث بها أحدًا، هذا إذا رأى ما يكره، ويستريح مرة، حتى قال الصحابة: كنا نُمرض إذا رأينا رؤيا نكرهها، فلما حدثنا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بهذا الحديث استقر أمرنا   .
أما إذا رأيت ما تحب فإياك أن تقصّها على إنسان لا يحبك، لا تخبر بها إلا من يحبك؛ لأن الله قال عن يعقوب: لَا تَقْصُصْ رُؤْيَاكَ عَلَى إِخْوَتِكَ فَيَكِيدُوا لَكَ كَيْدًا [يوسف: ٥].
طالب: قول المخاطب يا شيخ؟
الشيخ: يعقوب يقوله ليوسف.
الطالب: إذا عرضها على واحد عامي ما يعرف يا شيخ، جاهل؟
الشيخ: لا يعرضها، الشيء اللي يكرهه، لا يعرضه.
الطالب: يا شيخ، (...)؟
الشيخ: لا.
الطالب: يعني تعذر يا شيخ؟
الشيخ: لا، أبدًا، اللي تكره لا تذكرها.

***

طالب: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَنُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا لَهُمْ فِيهَا أَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ وَنُدْخِلُهُمْ ظِلًّا ظَلِيلًا [النساء: ٥٧].
الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، سبق لنا تفسير قول الله تبارك وتعالى: فَمِنْهُمْ مَنْ آمَنَ بِهِ وَمِنْهُمْ مَنْ صَدَّ عَنْهُفإلى أي مرجع يعود الضمير في قوله: فَمِنْهُمْ مَنْ آمَنَ بِهِ؟
طالب: يعود على آلَ إِبْرَاهِيمَ.
الشيخ: من آمن بآل إبراهيم؟ أنا لست أسأل عن فَمِنْهُمْ، لا أسال عن الضمير في قوله: فَمِنْهُمْ، أسأل عن الضمير في قوله: بِهِ؟
الطالب: الكتاب والحكمة والملك العظيم الذي أوتيه.
الشيخ: نعم، مَنْ آمَنَ بِهِأي: بما آتينا آل إبراهيم من الكتاب والحكمة. وَمِنْهُمْ مَنْ صَدَّ عَنْهُ، كيف يكون الصدّ عنه؟
طالب: الصد عنه يكون لأجل الفعل لازم.
الشيخ: لا، كيف الصد؟
الطالب: الصد بتركه أو بالحيلولة بين الناس أن يدخل في هذا الحكم في هذا الدين، وأن..
الشيخ: هذا معناه صد، هل متعدية ولا لازمة؟
الطالب: لازم.
الشيخ: لكن ما معنى الصد؟ كيف الصد عن الملك؟ الصد عن الكتاب والحكمة واضح، كيف الصد عن الملك؟
الطالب: يكون بالتكذيب به.
الشيخ: الملك؟
الطالب: نعم.
الشيخ: التكذيب به؟
الطالب: (...).
طالب آخر: أن يحسد ما أوتي هذا الملك ليزول عنه.
الشيخ: أيش؟
الطالب: أن يحسده ليزول عنه الملك.
الشيخ: لا.
طالب: أن ينادي بالبغي والصد عنه.
الشيخ: لا بأس، لكن الملك كيف يكون الصد عنه؟
طالب: لم يشكروا الله عز وجل على نعمته.
الشيخ: تمام، هذا اللي ذكرناه لكم، قلنا: الصد عن الكتاب والحكمة التكذيب وترك العمل، الصد عن الكتاب والحكمة التكذيب أو الاستكبار، الصد عن الملك كيف؟ ألا يقوم بشكره، ولا يعطوه حقه.
قال الله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِنَا سَوْفَ نُصْلِيهِمْ نَارًاما معنى نُصْلِيهِمْ؟
طالب: نجزيهم.
الشيخ: لا.
طالب: نؤتيهم.
الشيخ: نؤتيهم؟
الطالب: أي: ندخلهم نارًا.
طالب: نقول: نوصل يا شيخ، نوصلهم.
طالب آخر: يصلونها.
الشيخ: يعني نحرقهم بالنار.
الطالب: إي نعم.
الشيخ: كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًاما معنى النضج؟
طالب: قيل: إنه التبديل.
الشيخ: أيش؟
الطالب: قيل: إنه التبديل، وقيل: إنه (...).
الشيخ: يعني نضجت من نضوج الجلد بالاحتراق، وهذا معروف.
بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَاما معنى التبديل هنا؟ هل المعنى أن هذه الجلود تعود حية بعد النضج أو أنه يخلق لهم جلود أخرى؟
طالب: تحتمل المعنيين.
الشيخ: تحتمل المعنيين؛ على المعنى الأول، بدّلناهم جلودًا غيرها، هل لها نظير؟
طالب: قوله تعالى: يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ وَالسَّمَاوَاتُ [إبراهيم: ٤٨].
الشيخ: نعم، قوله تعالى: يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ وَالسَّمَاوَاتُهي ما بُدلت ذاتها، لكن صفتها، فهذه أيضًا تُعاد بعد أن كانت نضجت واحترقت بالنار، تعاد هي نفسها، وبه يبطل إيراد أورده عليّ بعض الطلبة في تفسير الآية، ما هو الإيراد؟
طالب: أن الجلود التي تبدّلت تعذب.
الشيخ: نعم، وبينا أن هذا الإيراد باطل من أصله؛ لأنه إن كانت هذه الجلود المحترقة تنشأ من جديد؛ يعني تعود إلى حالها الأولى فلا إشكال، وإن كان غيرها فإن الجلود للإنسان بمنزلة أيش؟ بمنزلة الثياب تابعة له، وهي جماد نفسها ليست مكلّفة حتى يقال: إنها عُذّبت بدون ذنب، لكن هذا أورده من ليس له شغل.
قوله: لِيَذُوقُوا الْعَذَابَأي: بألسنتهم؟
طالب: يذوقوا العذاب؟
الشيخ: إي نعم.
الطالب: لا، إذاقة العذاب في جميع البدن.
الشيخ: كيف؟
الطالب: يعني يذوقوا العذاب من جميع جهات النفس.
الشيخ: أليس الذوق باللسان؟
الطالب: ذوق الطعام والشراب وما أشبه ذلك، لكن إذاقة العذاب هنا أقول: من جميع أنحاء الجسم؛ لأن يكون الجلود تُغطي جميع الجسم، فيكون من جميع أنحاء جسمه ليكون العذاب أكبر.
طالب آخر: هذه فيها فائدة بلاغية وهي التهكم بهؤلاء الكفار.
الشيخ: كيف؟
الطالب: كأنه جعل العذاب شرابًا لذيذًا أو أكلًا جميلًا ليتلذذ به.
طالب آخر: عبّر بالذوق هنا؛ لأن أعظم ما يكون في جسم الإنسان الذوق فعبر..
الشيخ: كناية يعني عن تحقق هذا الشيء كما يتحقق الإنسان اللقمة إذا ذاقها أو الشراب إذا ذاقه.
إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَزِيزًا حَكِيمًاهذا الاسم من أسماء الله عز وجل له عدة معانٍ، ما هي؟
طالب: العزيز أو الحكيم؟
الشيخ: العزيز.
الطالب: العزة ثلاث معانٍ: عزة قدر، وقهر، وامتناع.
الشيخ: طيب عزة قدر، وقهر، وامتناع.
الطالب: عزة القدر أن الله تعالى ذو قدر وشأن عظيم.
الشيخ: نعم، أن الله ذو قدر وشأن عظيم.
الطالب: عزة القهر أن الله تعالى قهر كل شيء وغلب كل شيء، عزة الامتناع أن الله تعالى ممتنع عن كل نقص وعيب.
الشيخ: أحسنت، ولهذا قال ابن القيم لما ذكر هذه المعاني الثلاث قال:
.................... فَالْعِزُّ حِينَئِذٍ ثَلَاثُ مَعَانِ

طيب الحكيم، هل هي من الحكم أو من الإحكام؟
طالب: من المعنيين.
الشيخ: من المعنيين.
الطالب: من الحكم ومن الإحكام.
الشيخ: من الحكم ومن الإحكام هذا صحيح، الحكم نوعان؟
طالب: حكم كوني، وحكم شرعي.
الشيخ: نعم، مثال الأول؟
الطالب: حَتَّى يَحْكُمَ اللَّهُ [الأعراف: ٨٧].
الشيخ: أيش لون؟
الطالب: حَتَّى يَحْكُمَ اللَّهُقال: إنهم لا يحكمون حتى يحكم الله.
الشيخ: حَتَّى يَحْكُمَ اللَّهُأي آية هذه؟
الطالب: إخوة يوسف فَلَنْ أَبْرَحَ الْأَرْضَ.
الشيخ: فَلَنْ أَبْرَحَ الْأَرْضَ حَتَّى يَأْذَنَ لِي أَبِي أَوْ يَحْكُمَ اللَّهُ لِي [يوسف: ٨٠]، الحكم الشرعي مثاله؟
طالب: ذَلِكُمْ حُكْمُ اللَّهِ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ [الممتحنة: ١٠].
الشيخ: في سورة؟
الطالب: سورة الممتحنة.
الشيخ: الممتحنة، لما ذكر أحكام المهاجرات وما يتعلق بذلك قال: ذَلِكُمْ حُكْمُ اللَّهِ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ.
قوله تعالى: وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا [المائدة: ٥٠] هل يراد به حكم الكوني أو الشرعي؟
طالب: الشرعي.
الشيخ: فقط؟
طالب: هو يحكم أن الله يحكم وقادر على الجميع مثلًا.
الشيخ: أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ [المائدة: ٥٠].
الطالب: الحكم حكم شرعي.
الشيخ: إي نعم، يراد به المعنيان جميعًا، صح.
الحكمة تكون معلومة للعباد أو مجهولة، أو بعضها معلوم وبعضها مجهول؟
طالب: قد يعني قد يعلمها بعض العباد وقد.. يعني بعضها معلوم وبعضها غير معلوم.
الشيخ: يعني بعضها معلوم وبعضها غير معلوم، أتمثّل لي بشيء حكمته غير معلومة؟
الطالب: نعم، كبعض الأحكام الشرعية التي أمرنا الله عز وجل بها ولا نعلم الحكمة منها.
الشيخ: أي: مثّل لي، مثّل لي؟
الطالب: الأحكام التعبُّدية.
الشيخ: مثّل لي؟
الطالب: مثلًا يا شيخ تحريك الأصبع في الصلاة.
الشيخ: لا، إشارة للعلو لعلو الله.
الطالب: أيوه، كما ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية ذكر بهذا حكمة، لكن على المذهب لم يذكر حكمة، لم يذكر لذلك حكمة..
الشيخ: لماذا لا تقول: صلاة الظهر أربعة؟ لماذا لم تكن ستة؟
الطالب: مثلًا لماذا يعني الصلاة عدد..؟
الشيخ: يعني عدد ركعات الصلاة غير معلوم لنا، صح؟
الطالب: صح.
الشيخ: طيب من الحكم المعلومة؟
طالب: من الحكم المعلومة، مثل تخصيص السجود بقول: سبحان ربي الأعلى حيث إنه..
الشيخ: نعم، خصص السجود بقول: سبحان ربي الأعلى.
طالب: نعم، نزول الإنسان مناسبًا يدعو الله في قلوبهم، مستحضرًا علو الله سبحانه وتعالى.
الشيخ: المنزه عن السفول، تمام هذه من الأشياء اللي..
من فوائد الآية الكريمة: قوله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِنَاإلى آخره [النساء: ٥٦]، الوعيد على من كفر بآيات الله بالنار.
ومن فوائدها: أن من كذّب أو من كفر ببعض الآيات فله نصيب من هذا الوعيد حسب كفره، وذلك بناءً على القاعدة المعروفة؛ أن الحكم المرتّب على وصف يقوى بقوة ذلك الوصف، ويضعف بضعفه، الحكم المرتّب على وصف يقوى بقوة ذلك الوصف ويضعف بضعفه.
ومن فوائد هذه الآية الكريمة: إثبات العقوبة بالنار.
ويتفرع عليها: وجوب اعتقاد ذلك؛ لأن الخبر صادر من عند الله عز وجل وهو أصدق القائلين: سَوْفَ نُصْلِيهِمْ نَارًا [النساء: ٥٦].
ومن فوائدها؛ من فوائد هذه الآية الكريمة: تمام قدرة الله عز وجل، حيث كان هذا العذاب كلما نضجت جلودهم بُدّلوا جلودًا غيرها، وهذا أبد الآبدين، ومتى تنضج؟ هل هي تنضج في الحال يعني أو تبقى مدة ليزداد ألمهم؟ لأنكم تعرفون أن اللحم إذا كانت النار قوية ينضج بسرعة، والعكس بالعكس، فهل هذه الجلود تنضج بسرعة، ثم تبدل، أو أنها تبقى متألمة لمدة الله أعلم بها، ثم تبدل؟
نقول: هذا خبر عن غيب، والأخبار عن الغيب لا يجوز أن نتعدّى أكثر مما أُخبرنا به، فنقول: إذا نضجت الجلود بُدّلوا جلودًا غيرها، أما هل تأخذ زمنًا كثيرًا قبل أن تنضج؟ فهذا ليس إلينا، ما ندري، ربما تأخذ زمنًا كثيرًا، وربما تأخذ زمنًا قليلًا، لكن القاعدة في الأمور الغيبيات أيش؟ أن نقتصر على ما ورد كمية وكيفية وزمنًا وقدرًا كل شيء، لا نتعدى.
ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن الإحساس إنما يكون في الظاهر؛ لقوله: كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْفهي التي يقع عليها العذاب -والعياذ بالله- هذا هو الظاهر.
وربما يقول قائل: إن العذاب قد يكون حتى على الداخل، لكن لما كانت الجلود هي التي تباشر النار -أعاذنا الله وإياكم منها- ذكر حالها، ويستشهد لذلك بقول النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم في أبي طالب: «أَنَّهُ فِي ضَحْضَاحٍ مِنْ نَارٍ، وَعَلَيْهِ نَعْلَانِ مِنْ نَارٍ يَغْلِي مِنْهُمَا دِمَاغُهُ»   . وغليان الدماغ لا شك أنه من شدة أيش؟ من شدة الحرارة، فهذا يدل على أن كل البدن -والعياذ بالله- يناله هذه الحرارة، لكن ذكر الجلود؛ لأنها المباشرة حيث إنها هي الظاهرة.
ومن فوائد هذه الآية؛ وهي فائدة لغوية: أن (كلما) لا تعاد في جوابها، كلما نضجت بدلناهم، خلافًا للغة الأخيرة العرفية العصرية المعصورة وهي يقولون: كلما جاء زيد كلما جاء عمرو، هذا غلط، غلط على اللغة العربية؛ (كلما) حرف شرط تأتي في أول الجملة، ولا تعاد في الجواب، أعرفتم؟
مع أنه نسمع هذا الكلام: كلما حصل كذا، كلما حصل كذا، نسمعه من أناس يعني نعتبرهم من أهل اللغة، ومع ذلك يخطئون هذا الخطأ الفاحش.
ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات الحكمة لله عز وجل في أفعاله، من أين تؤخذ؟ من قوله: لِيَذُوقُوا الْعَذَابَوهكذا كلما رأيت لام التعليل بعد حكم كوني أو شرعي فإنها تفيد إثبات الحكمة لله عز وجل، والعجيب أن قومًا من أهل الملة -ومنهم الأشاعرة- ينكرون الحكمة لله ويقولون: إن أحكام الله الكونية والشرعية لمجرد المشيئة، وليس لها حكمة، فأنكروا أشرف أو ما هو من أشرف صفات الله عز وجل؛ وهي الحكمة؛ لأن ضد الحكمة السفه، وسبحان الله عن السفه!
وإذا قررنا هذا التقرير، وهو أن كل حكم معلّل باللام فإنه دليل على ثبوت الحكمة صارت أدلة الحكمة لا تُحصى، كثيرة جدًّا، وإنما أنكروا الحكمة، قالوا: لأنه إذا فعل لحكمة فقد فعل لغرض يعود عليه بالنفع والله سبحانه وتعالى منزّه عن ذلك، شوف سبحان الله كيف زين لهم الشيطان هذا التركيب؟! إذا فعل لحكمة فالحكمة غرض، ومن فعل لغرض فهو محتاج إليه، والله تعالى منزّه عن ذلك.
فيقال: إن الله عز وجل يفعل لحكمة لا لنفع يعود عليه، ولكن لنفع يعود على العباد، ليس لشيء يعود إليه نفسه أبدًا، هو مستغنٍ عن ذلك مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ [المائدة: ٦] التطهير عائد نفعه لنا ولَّا لله؟ لنا، وهكذا بقية الأشياء، وإذا كان لمصلحة الغير كان ذلك دليلًا على كرمه وجوده عز وجل، وهذا كمال، وليس بنقص بحال من الأحوال.
ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات غضب الله عز وجل، من أين يؤخذ؟
طالب: من الْعَذَابَ.
الشيخ: نعم؛ لأن العذاب هل عذبهم عن رضا؟ عن غضب، لكن هل الاستدلال بهذه الآية على الغضب من باب الاستدلال باللفظ أو من باب الاستدلال باللازم؟
الطالب: الثاني.
الشيخ: نعم، الثاني؛ لأنه لا يمكن أن يعذّب من يرضى عنه، إذن كل آيات فيها إثبات الوعيد فإنها تدل على الغضب؛ لأن الله سبحانه وتعالى إنما يعذّب؛ لأنه يغضب هذا الشيء، لكن لا يلزم مثلًا لمن فعل معصية واحدة أن نقول: إن الله يغضب من هذا الفعل المعين، لا؛ لأن الفعل المعين لا نثبت له الغضب المعين إلا بدليل، وإلا لو قلنا: إن كل فعل محرّم يعني إثبات الغضب لصارت جميع المحرمات كبائر؛ لأن ما ثبت به الغضب فهو من كبائر الذنوب كما ذكر ذلك أهل العلم.
ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات اسمين من أسماء الله وهما؟
طالب: العزيز..
الشيخ: العزيز والحكيم، وما تضمناه من صفة، صفة العزة وصفة الحكمة، ثم باجتماع الاسمين وما تضمناه من الصفة وصف زائد، وصف زائد؛ وذلك لأن من له العزة والغلبة قد تأخذه العزة بالإثم فلا يكون في تصرفه حكمة، فجمع الله بين أيش؟ العزة والحكمة ليتبين أن عزته عز وجل لا تنافي الحكمة خلافًا لما يكون من الخلق، فإن الإنسان إذا غلب وانتصر ربما يتصرف تصرفًا ينافي الحكمة، إذن يُؤخذ من الجمع بين الاسمين معنى آخر زائد على ما دل عليه كل اسم على حدة، وهو أن عزة الله عز وجل مقرونة بالحكمة، وكذلك حكمته مقرونة بالعزة؛ لأن الإنسان قد يكون ضعيفًا فتكون الحكمة أن يتضاعف وأن يستذل، ولكن الله عز وجل منزّه عن ذلك، أعرفتم هذا ولَّا لا؟ إذا كان الإنسان ضعيفًا فالحكمة أن يستذل أمام القوي أو أن يقوى أمامه؟
طالب: يقوى أمامه، يستقيم أمامه.
طالب آخر: الأول.
الشيخ: لا، الأول، الآن لو دخل إنسان على الأمير هل هو على طول يقول: يا فلان، أنت ظلمتني، ما أعطيتني حقي؟! لا، أولًا الحكمة يقول: أطال الله بقاءك على طاعته أيها الأمير المحترم الموقّر المعظّم، ويأتي بأشياء تسهل الأمور، هذا هو الثاني، لكن حكمة الله عز وجل مقرونة بأيش؟ بالعزة، إذن قرن العزة بالحكمة له فائدة، وقرن الحكمة بالعزة كذلك له فائدة.
تفسير الآية (57)
00:55:49

ولما ذكر الله سبحانه وتعالى حال أهل النار -أعاذني الله وإياكم منهم- قال: وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِوالقرآن مثاني تثنّى فيه المعاني، إذا ذكر فيه أهل النار ذكر فيه أهل الجنة، وإذا ذكرت النار ذكرت الجنة، وإذا ذكر الحق ذكر الباطل، وهكذا، وهذا هو أحد المعاني في قوله تعالى: اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ [الزمر: ٢٣].
يقول عز وجل: وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِومثل هذا التركيب موجود في القرآن بكثرة، يقدّم الله الإيمان على العمل الصالح؛ لأن العمل الصالح مبنيّ على الإيمان، فعمل بلا إيمان لا فائدة منه، فالمنافقون يعملون، يذكرون الله، ويصلون، ويتصدقون، لكن ليس عندهم إيمان فلا ينفعهم، ولهذا يقدم الله عز وجل الإيمان على العمل الصالح؛ لأن العمل الصالح أيش؟ مبنيّ عليه.
فما هو الإيمان الذي يكثر ذكره في القرآن؟ الإيمان فسره النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم بقوله: «أَنْ تُؤْمِنَ بِاللَّهِ، وَمَلَائِكَتِهِ، وَكُتُبِهِ، وَرُسُلِهِ، وَالْيَوْمِ الْآخِرِ، وَالْقَدَرِ خَيْرِهِ وَشَرِّهِ»   . فالذين آمنوا بهذه الأصول وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِعملوا الصالحات، قال بعض المعربين، بل بعض النحويين أيضًا: إن الصَّالِحَاتِصفة لموصوف، والتقدير: الأعمال الصالحات، لماذا؟
قال: لأن الصالح وصف، والوصف لا يُفعل، وإنما الذي يُفعل هو الموصوف، هكذا قالوا، وعندي أنه لا حاجة لذلك عَمِلُوا الصَّالِحَاتِما دام الأمر معلومًا فلا حاجة أن نُقدّر ونقول: إن عَمِلُوامُسلّط على الصَّالِحَاتِ.
فما هي الأعمال الصالحة؟ الأعمال الصالحة ما كانت خالصة لله صوابًا في شريعة الله؛ يعني ما كان خالصًا صوابًا كما قاله الفضيل بن عياض   ما كان خالصًا صوابًا؛ يعني ما جمع بين الإخلاص لله والمتابعة لرسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، فمن عمل عملًا أشرك به مع الله غيره ولو يسير رياء كان عمله غير صالح، ومن أخلص لله، لكن على غير شريعة رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم كان عمله غير صالح.
يقول: وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَنُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُالسين هنا للتنفيس، وأنتم ترون الآن أن أصحاب النار قيل فيهم: سَوْفَ نُصْلِيهِمْ، وأن أصحاب الجنة قيل فيهم: سَنُدْخِلُهُمْ، فهل هذا من باب اختلاف التعبير وأن معنى الحرفين واحد؟ قال ابن هشام: كذلك معنى الحرفين واحد.
وقيل: بل معناهما مختلف، وأن السين تدل على القرب، وسوف تدل على المهلة، وهذا هو المعروف وهو الأصح، فإذا قيل: كذلك، فلماذا جاء الوعيد بالنسبة لأهل النار بـ(سوف)، ولأهل الجنة بالسين؟
الجواب على ذلك: أن أهل النار يفسح لهم لعلهم يتوبون، يتوبون إلى الله فيرجعون وحينئذٍ لا يكونون من أهل النار، أما أهل الجنة فإنهم يدخلون الجنة، ولكن ما هي جنة الآخرة؛ جنة الدنيا قبل جنة الآخرة أَفَمَنْ شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ فَهُوَ عَلَى نُورٍ مِنْ رَبِّهِ [الزمر: ٢٢].
مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً [النحل: ٩٧] ولا أحد أطيب حياة من حياة المؤمنين أبدًا؛ قال بعض السلف: لو يعلم الملوك وأبناء الملوك الذين تمت لهم الدنيا على ما يريدون، لو يعلم الملوك وأبناء الملوك ما نحن فيه لجالدونا عليه بالسيوف. قاتلونا مقاتلة، يريدون أن ينالوه ولكن لا يحصل لهم.
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: ما يصنع أعدائي بي -لما حُبس- إن جنتي في صدري، إن جنتي في صدري؟
وربما يدل على أن أهل الجنة منعّمون أتم نعيم، قوله تعالى: لَا يَذُوقُونَ فِيهَا الْمَوْتَ إِلَّا الْمَوْتَةَ الْأُولَى [الدخان: ٥٦] إذا جعلنا الاستثناء متصلًا صار المعنى أن الموتة الأولى التي ماتوها فيها الدنيا ذاقوها والنعيم مستمر من الدنيا إلى الآخرة، ولكن أكثر العلماء يقولون: إِلَّا الْمَوْتَةَ الْأُولَىأن الاستثناء هنا منقطع، وأن التقدير: لكن الموتة الأولى.
على كل حال نقول: إنما قال: (سوف) في أهل النار ليمد لهم في الأجل لعلهم يرجعون فأراهم العذاب وكأنه بعيد، لكن أهل الجنة أراهم النعيم كأنه قريب حتى ينشطوا على العمل، وأيضًا نقول: هم في الحقيقة في جنة، أهل السعادة في سعادة حتى في الدنيا، ولهذا قال الرسول عليه الصلاة والسلام: «عَجَبًا لِأَمْرِ الْمُؤْمِنِ إِنْ أَصَابَتْهُ ضَرَّاءُ صَبَرَ فَكَانَ خَيْرًا لَهُ، وَإِنْ أَصَابَتْهُ سَرَّاءُ شَكَرَ فَكَانَ خَيْرًا لَهُ»   فكل أمره خير، كل أمره خير إن أصابته الضراء صبر مع الله عز وجل وصبر لله، وانشرح صدره، وكما قالت رابعة العدوية لما أصابها جرح في أصبعها، أظنه انقطع الأصبع؛ قالت: إن حلاوة أجرها أنستني مرارة صبرها. فالمؤمن في الحقيقة حتى وإن أُصيب بالمصائب يوفّق للصبر، ويثيبه الله عز وجل على ذلك ولا كأنه أصيب، وإن أصابته السراء شكر فزيد في النعمة لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ [إبراهيم: ٧].
يقول: سَنُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُالمراد بالجنات هنا ما أعده الله عز وجل من الدار الآخرة لهؤلاء المؤمنين، ولا يحسن هنا أن نقول: الجنات جمع (جنة)؛ وهي البستان الكثير الأشجار؛ لأن هذا ينقّص من شأن الجنة؛ إذ لا ينصرف إلا إلى بساتيننا هنا في الدنيا مرة تيبس، ومرة تخضر، ومرة تفسدها الرياح، ومرة تستقيم، لكن إذا قلت: الجنات جمع (جنة)، وهي الدار التي أعدها الله سبحانه وتعالى للمتقين فيها ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر، حينئذٍ يبتهج القلب ويُسرّ.
وقوله: تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُكيف تجري من تحتها؟ أليس النهر لا يجري إلا من تحت؟ وإن قلت: مِنْ تَحْتِهَايعني تحت الأرض في جوف الأرض مشكل؟
قال العلماء: المراد من تحتها أي: تحت أشجارها وقصورها، أنهار مطردة؛ تحت الأشجار وتحت القصور فهي من تحتها، وهذه الأنهار أصنافها أربعة كما قال الله تعالى: مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ فِيهَا أَنْهَارٌ مِنْ مَاءٍ غَيْرِ آسِنٍ وَأَنْهَارٌ مِنْ لَبَنٍ لَمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ وَأَنْهَارٌ مِنْ خَمْرٍ لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ وَأَنْهَارٌ مِنْ عَسَلٍ مُصَفًّى [محمد: ١٥] هذه أربعة، أربعة أنهر، أو أربعة أنواع من الأنهار في الجنة.
خَالِدِينَ فِيهَاخَالِدِينَحال، حال فأين صاحبها؟ الضمير في قوله: سَنُدْخِلُهُمْأي: ضمير الهاء.
وقوله: خَالِدِينَ فِيهَابيّن أن هذا الخلود أبديّ، فقال: خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًاأبد الآبدين، لا منتهى لها.
فإذا قال قائل: كيف يعيش الإنسان وهو يرى أنه باقٍ دائمًا في هذا؟ نقول: نعم؛ لأنه كل ساعة تتجدد له لذة ونعيم كُلَّمَا رُزِقُوا مِنْهَا مِنْ ثَمَرَةٍ رِزْقًا قَالُوا هَذَا الَّذِي رُزِقْنَا مِنْ قَبْلُ وَأُتُوا بِهِ مُتَشَابِهًا [البقرة: ٢٥] في الدنيا ننتظر الموت حتى نرتحل عن هذه الدنيا، لكن في الآخرة لا تنتظر الموت، أنت دائمًا في سرور ونعيم وَلَهُمْ رِزْقُهُمْ فِيهَا بُكْرَةً وَعَشِيًّا [مريم: ٦٢] فهم في نعيم دائم نسأل الله أن يجعلنا وإياكم منهم.
لَهُمْ فِيهَا أَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ وَنُدْخِلُهُمْ ظِلًّا ظَلِيلًالَهُمْأي: للذين آمنوا وعملوا الصالحات فِيهَا أَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ. أَزْوَاجٌجمع (زوج)، وهي الأنثى، ويطلق على الرجل أيضًا، يقال: زوج فلانة، ويقال: زوج فلان، زوج فلان صح؟
الطلبة: صح.
الشيخ: يعني؟
طلبة: زوجته.
الشيخ: يعني زوجته، لكن في الفرائض يجب أن تأتي بالتاء، وفي غير الفرائض لا تأتي بالتاء؛ لأن الإتيان بالتاء لغة رديئة أو قليلة.
مُطَهَّرَةٌمن أي شيء؟ مطهّرة طهارة حسيّة، ومطهرة طهارة معنوية؛ فالطهارة الحسية مطهرة من البول، والغائط، والحيض، والاستحاضة، والنفاس، والصفرة، والكدرة، والعرق، والرائحة المنتنة، وغير ذلك من كل ما يستحب إزالته والتنزّه عنه هي مطهّرة منه، ومطهرة أيضًا طهارة معنوية؛ وذلك بأنها خالية من كل خلق سيئ، لا غضب، ولا تكرّب للزوج، ولا كراهة ولا عصيان، ولا اكفهرارًا في وجهه، فهي مطهّرة من كل خلق رزيل، ومن كل أذى وقذر، فالطهارة إذن حسية ومعنوية.
اشتكت النساء وقالت: الرجال لهم أزواج مطهّرة، فما بالنا نحن؟ ماذا نقول لهن؟
نقول لهن: أنتن لكن أزواج مطهرون، إن الله طيّب لا يقبل إلا طيبًا، ولا يكون جاره إلا الطيب، وأنتم في الآخرة كل واحدة منكن لا تريد إلا زوجها فِيهِنَّ قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ [الرحمن: ٥٦] كل واحدة قاصرة طرفها على زوجها ومتنعمة به، وأنتن خير من سواكن فلا تجزعن، ولكن لما كان الزوج هو الطالب غالبًا صار هو الذي يقال: لك زوجة فيها كذا وفيها كذا، أما الزوجة فلا تكون طالبة إلا نادرًا.
قال: وَنُدْخِلُهُمْ ظِلًّا ظَلِيلًاالظل معروف هو ما فاءت عنه الشمس، وإن شئت فقل: هو ما لم تحله الشمس سواء كان فيئًا أم ظلًّا من أول النهار، وأما الظليل فهو المؤدي معناه تمامًا؛ لأن من الظل ما ليس بظليل، لو جلست تحت ظل جدار في أيام الصيف فأنت في ظل، لكن هل هو ظليل؟
طالب: لا.
الشيخ: لماذا؟ لأن وهف الحر يأتيك، لكن الجنة ظل ظليل.
طالب: شيخ، بالنسبة للزوجة لها زوجان، فكيف يا شيخ؟
الشيخ: يقول: زوجة من أهل الجنة لها زوجان في الدنيا، فهل تختار الأخير أو الأول، أو من يعاملها معاملة حسنة؟
الثالث، تختار من يعاملها معاملة حسنة؛ لأنه أحسن أخلاقًا من الثاني.
طالب: والتي تموت ليس لها زوج؟
الشيخ: يسّر الله لها.
طالب: شيخ، يعاملها معاملة حسنة؛ حديث أسماء رضي الله عنها بنت أبي بكر ومعاوية (...).

***

طالب: إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا (٥٨) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا [النساء: ٥٨، ٥٩].
الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله تعالى: وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَنُدْخِلُهُمْإلى آخره.
في هذه الآية الكريمة فوائد؛ منها: أن الإيمان لا يتم استحقاق دخول الجنة به إلا إذا قُرن بالعمل الصالح؛ لقوله: وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِولهذا يقرن الله سبحانه وتعالى بينهما كثيرًا، فمن آمن وقال: إنه مؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله، لكن لا يعمل صالحًا فإن الجنة غير مضمونة له، ولكن من الأعمال ما نعلم أنه لن يدخل الجنة إذا تركها مثل: الصلاة.
ومن فوائد الآية الكريمة: أن العمل لا ينفع إلا إذا كان صالحًا، والصالح ما تضمن شيئين: الإخلاص لله، والمتابعة لرسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وإن شئت فقل: الإخلاص لله، واتباع شريعته ليكون هذا أعم؛ إذ إن المعنى الأول قد يتوهم واهم أن المراد بالرسول محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم، ولكن المراد أعم من هذا، حتى الذين عملوا الصالحات حين كانت شرائعهم قائمة يدخلون في هذه الآية وغيرها.
ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن الله سبحانه وتعالى وعدهم هذا الوعد المؤكد بالسين سَنُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ.
ومن فوائدها: أن الله تعالى عظّم نفسه؛ لأنه أهل للتعظيم في قوله: سَنُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ.
وقد التبس على النصراني مثل هذا التعبير الذي يأتي من قِبل الله إذا كان بهذه الصيغة فظن أن الإله متعدد، ولكن هذا من فهمه السيئ واتباعه للمتشابه، فإن ذكر الواحد بصيغة الجمع تعظيمًا أمر معروف في كل لغة، والوحدانية مفهومة ومعلومة بالضرورة من الأديان وبالفطر السليمة.
ومن فوائد هذه الآية الكريمة: بيان ما في الجنة من النعيم؛ لقوله: جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ.
ومن فوائدها: أن الجنة أنواع، وليست نوعًا واحدًا، يؤخذ ذلك من أي شيء؟ من صيغة الجمع جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ.
ومن فوائدها: أن أهل الجنة مخلدون فيها أبدًا؛ لقوله: خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا، وقد أجمع أهل الملة على أن نعيم الجنة دائم أبدًا، وكذلك جمهور أهل السنة على أن عذاب أهل النار دائم أبدًا.
ومن فوائد الآية الكريمة: الثناء على الأزواج في الجنة سواء كنّ من أهل هذه الدنيا أو من الحور؛ لقوله: لَهُمْ فِيهَا أَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ.
ثم هنا سؤال: لَهُمْجمع وأَزْوَاجٌجمع، فهل يقابل الجمع بالجمع على وجه الإفراد، أو الجمع بالجمع على وجه الجمع؟
بمعنى: هل لكل واحد زوجة فقط؟ فنقول مثلًا: لهم أزواج، لو فرضنا عشرة قلنا: لكم أزواج، هل المعنى أن لهؤلاء العشرة عشر زوجات فقط؟ أو لكل واحد عشر؟
مثل هذا يختلف فيه العلماء، هل يقابل كل فرد بفرد أو يقابل كل فرد بالجميع؟ فمن العلماء من قال: يقابل كل فرد بفرد، ومنهم من قال: يقابل الجميع لكل فرد، لو قلت مثلًا: أمامي رجال. لو قلت: لكم عشرة دراهم، هل المعنى أن العشرة تُوزّع بينهم، أو المعنى لكل واحد عشرة؟
على الخلاف؛ فهنا لَهُمْ فِيهَا أَزْوَاجٌهل المعنى لكل واحد أزواج؟ أو المعنى لكل واحد زوجة واحدة، لكن الأزواج هنا قُوبلت للجمع في قوله: لَهُمْ؟
يقال: إن السنة دلت على أن الواحد له أزواج متعددة سواء من أهل الدنيا أو ممن خلق الله في الجنة وهن الحور.
ومن فوائد هذه الآية الكريمة: الثناء على هؤلاء الأزواج، وأنهن مطهّرات من كل عيب حسي أو معنوي.
ومن فوائد الآية الكريمة: أن الجنة ليس فيها حَرّ، وإنما هي ظل ظليل لقوله تعالى: وَنُدْخِلُهُمْ ظِلًّا ظَلِيلًا.
وجملة الآية فيها: الحث على الإيمان والعمل الصالح؛ لأن الله سبحانه وتعالى إنما ساق بيان نعيمهم حثًّا على أن نعمل العمل الموصل إلى ذلك.
وهل يستفاد من هذه الآية أن أهل الجنة ينعّمون في الدنيا وفي الآخرة؟ لقوله: سَنُدْخِلُهُمْلأن السين تدل على القرب؟
الجواب: ذكرنا ذلك في التفسير، وأن أصحاب الجنة هم في الجنة في الدنيا وفي الآخرة؛ لأنه لا أحد أطيب عيشًا ممن آمن وعمل صالحًا.
تفسير الآية (58)
01:19:05

ثم قال الله تعالى: إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَاإِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْأبلغ في التعظيم من قول: إني آمركم؛ لأنها تدل على العظمة يعني كأنه قال: إن الله الذي له الألوهية عليكم وله الحكم عليكم يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها.
والأمر: طلب الكفّ على وجه الاستعلاء بصيغة (افعل)، أو ما ينوب منابه، هذا هو الأمر.
فقولنا: طلب الكفّ، كلمة طلب خرج به الخبر، وكلمة كفّ خرج به النهي، طلب الفعل، الفعل خرج به النهي؛ لأن النهي طلب الكف، وعلى وجه الاستعلاء خرج به الالتماس والدعاء.
وقولنا: على وجه الاستعلاء يشمل ما إذا كان الآمر عاليًا حقيقة أو مستعلٍ ادعاءً، انتبهوا!
فالآن عندنا قيود: طلب خرج به أيش؟ الخبر؛ لأنه ليس بطلب، الفعل خرج به النهي؛ لأنه طلب الترك، على وجه الاستعلاء خرج به الالتماس والدعاء.
رابعًا: كلمة الاستعلاء، ولم نقل: على وجه العلوّ ليشمل من ادعى العلو، وإن لم يكن عاليًا في الواقع، مثال ذلك: عبد مملوك أسر حُرًّا كريمًا فجعل يأمره: افعل كذا، افعل كذا، قرّب لي كذا، ابعد عني كذا، أيهما أعلى؟ الحُرّ لا شك، لكن هذا ادعى العلو لنفسه فاستعلى عليه واضح؟
هذا هو الأمر، وكل أمر موجّه من الله للعباد فالأصل فيه أنه لطلب الفعل، وأنه للوجوب، لكن قد تخرج الأوامر عن غير ذلك للقرائن.
أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَاالْأَمَانَاتِجمع (أمانة)، وهي كل ما ائتمن الإنسان عليه من أمتعة ونقود وأقوال وأفعال وغير ذلك، تؤدّيها إلى أهلها، ومَنْ أهلها؟
أهلها الضابط في ذلك هم الذين أُمرت بأدائها إليهم، فمثلًا: إذا قال لك شخص: خذ هذه الدراهم أدّها إلى فلان، من المؤتمِن؟ صاحب الدراهم، وأهلها الذي أمرت أن أؤدها إليه؛ يعني فلا أؤدها إلى أحد غيره، تكون الأمانة بالقول فأقول لك مثلًا: بلِّغ سلامي فلانًا، فإذا قلت: نعم، فقد تحمّلت فلا بد أن تؤديه، تؤدي إليه السلام، أما إن قلت: إن ذكرت، أو لا أتحمل، فأنت بالخيار، لكن إذا قال: بلّغ سلامي فلانًا، فقلت: نعم، أبلّغه، فلا بد أن تبلغه؛ لأن هذه أمانة، وقد أمرك الله أن تؤديها إلى أهلها.
وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِإِذَا حَكَمْتُمْوالحكم هنا الفصل؛ يعني إذا أردتم أن تفصلوا بين الناس في مشاجراتهم فاحكموا بالعدل.
وبَيْنَ النَّاسِلم يقيد أناسًا دون أناس فيكون عامًّا حتى لو أراد الإنسان أن يحكم بين أبيه وبين رجل أجنبي فهو داخل في الآية، بين مسلم وكافر هو داخل في الآية؛ لأن الآية عامة بَيْنَ النَّاسِ.
أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِفما هو العدل؟ العدل في الأصل الاستقامة، ومنه العصا المستقيمة التي ليس فيها ميل، ولا حكم أعدل من حكم الله، وعلى هذا فالحكم بالعدل أن تحكم بينهم بشريعة الله، هذا هو الحكم العدل؛ لأننا نعلم أنه لا أحد أحسن من الله حكمًا، ولا أحد أعدل من الله فصلًا، فإذن أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِأي: في أيش؟ أي: بشريعة الله.
فإن قال قائل: ما وجه الارتباط بين قوله: أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَاوقوله: إِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ؟
نقول: لأن الأمانات كالمقدمة بين يدي الأحكام، فمنها مثلًا الشهادة، الشهادة وهي تحمّل الإنسان أن يخبِر بحق غيره على غيره، هذه تكون مؤدّاة عند من؟
عند الحكام، فكان تأدية الأمانات كالمقدّمة بين يدي الحكم بين الناس، ثم أثنى الله على هذا الأمر فقال: إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ. وفي نِعِمَّاقراءتان: {نَعِمَّا} ونِعِمَّاوأصلها: (نِعْمَ ما)، لكن حصل فيها إدغام: إن الله نعم مَا يعظكم به.
والموعظة قال العلماء: هي ذكر الأحكام مقرونة بترغيب أو ترهيب، ذكر الأحكام؛ يعني تذكر حكم الله عز وجل مقرونًا بترغيب أو ترهيب، إن كان طلبًا فهو مقرون بالترغيب، وإن كان نهيًا فهو مقرون بالترهيب.
إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًاالجملة هذه استئنافية كالتحذير والتهديد لما سبق؛ يعني إن لم تفعلوا فتؤدوا الأمانات إلى أهلها وتحكموا بين الناس بالعدل فإن الله تعالى سميع بأقوالكم بصير بأفعالكم وسيعاقبكم على مخالفاتكم.
طالب: قول الله عز وجل: ظِلًّا ظَلِيلًاالظل لا يكون إلا من شيء يكون فوقه حرارة، فهل في الجنة شمس والله عز وجل يقول..؟
الشيخ: لَا يَرَوْنَ فِيهَا شَمْسًا وَلَا زَمْهَرِيرًا [الإنسان: ١٣]، تكلمنا على هذا في التفسير. ما بيناها؟
طالب: لا.
الشيخ: لا، ذكرنا ذلك، قلنا: إن هذا الظل عبارة عن شيء يحصل من نور يأتي من قِبل العرش، نور.
طالب: ما ذكرتم يا شيخ.
طالب آخر: ما ذكرت، آخر شيء: وَنُدْخِلُهُمْ ظِلًّا ظَلِيلًا، بل هو ما (...) سواء كان فيئًا هذا، هذا آخر شيء.
الشيخ: الظل أنه ما فيها شمس، ولا فيها قمر، ولا فيء، لكن يقول العلماء: إن ذلك يكون من نور يخرج من عند العرش فيكون هناك ظل، الآن تجد أنه لو كان بينك وبين نور الفجر جسم، أليس تجد لهذا الجسم ظلًّا؟
طالب: بلى.
الشيخ: هو هذا.
طالب: في البخاري -أحسن الله إليكم يسير الراكب في ظلها مئة عام؛ الشجرة.
الشيخ: نعم، هو من هذا النوع؛ إما أنه على سبيل التقدير يعني، لو كان لها ظل لصار به كذلك، أو من هذا النور الذي يكون كنور الفجر.

***

صلى الله عليه وسلم: .. تمر جيء به فهل يشرع الإعطاء من بيت المال للعاجز عن القيام بالكفّارة؟
لا، لا يعطى؛ لأنه إذا كان عاجزًا عن الكفارة سقطت عنه، لكن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم أعطاه لحاجته؛ لأنه قال: «وَاللَّهِ مَا بَيْنَ لَابَتَيْهَا أَهْلُ بَيْتٍ أَفْقَرُ مِنِّي»   .
طالب: قبل ذلك قال: «تصدّق»؛ يعني قبلها؟
الشيخ: قبل أن يعلم بحاله.
طالب: تصدق.
الشيخ: كيف؟
الطالب: يعني لماذا كرر له النبي صلى الله عليه وسلم في أول الأمر: «تَصَدَّقْ به»؟
الشيخ: إي، ظن أن حاله ماشية، ظن أنه ما عليه حاجة، لكنه لا يجد ما يتصدق به، لكن أموره ماشية.
الطالب: غير واضحة؟
الشيخ: قال له الرسول: «خُذْهُ تَصَدَّقْ بِهِ» لأنه قال: لا أستطيع أن أتصدق. يعني ما عنده إلا مقدر كفايته فقط، فقال: «خُذْ هَذَا تَصَدَّقْ به»، فلما قال: ما فيه أهل بيت أفقر مني، قال: «تَصَدَّقْ بِهِ عَلَى أَهْلِكَ».
الطالب: على هذا لو جاءنا رجل مثل حال هذا الشخص نعطيه؟
الشيخ: نعطيه منين؟
الطالب: نعطيه من بيت المال.
الشيخ: لأيش؟
الطالب: ليكفّر؛ ليتصدق به.
الشيخ: نعطيه ليكفّر؟
الطالب: ليتصدق به كما أعطى النبي صلى الله عليه وسلم هذا الرجل.
الشيخ: إي نعم، هذا الرجل أعطاه الرسول لحاجته، في الأول قال: «خُذْ هَذَا تَصَدَّقْ بِهِ» لأن التمر الذي جاءه قد يكون من الزكاة، ما ندري من الزكاة أو من غيرها، فإذا تبرع له أحد من بيت المال أو من عنده مال يعني يُكفّر به، ولا بأس.
الطالب: على سبيل التبرع يعني ما يحتاج..
الشيخ: إي نعم..