إن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم أعطاه لحاجته؛ لأنه قال: وَاللهِ مَا بَيْنَ لَابَتَيْهَا أَهْلُ بَيْتٍ أَفْقَرُ
مِنِّي .
طالب: قبل ذلك قال: «تَصَدَّقْ بِهِ»
يعني قبل أن؟
الشيخ: قبل أن يعلم بحاله.
طالب: تصدق.
الشيخ: كيف؟
الطالب: لماذا قال له النبي صلى الله عليه وسلم في أول الأمر:
«تَصَدَّقْ بِهِ»؟
الشيخ:
إي، ظن أنه حاله ماشية، ظن أنه ما عليه حاجة، لكنه لا يجد ما يتصدق به، لكن أموره
ماشية.
الطالب: غير واضح.
الشيخ: قال له الرسول: «خُذْهُ تَصَدَّق
بِهِ» لأنه قال: لا أستطيع أن أتصدق، يعني ما عنده إلا مقدار كفايته فقط،
فقال: «خُذْ هَذَا تَصَدَّقْ بِهِ»، فلما قال: ما فيه
أهل بيت أفقر منه قال: «تَصَدَّقْ بِهِ عَلَى
أَهْلِكَ».
الطالب: يعني هذا يا شيخ إذا كان
رجل مثل حال هذا الشخص نعطيه؟
الشيخ: نعطيه منين؟
الطالب: نعطيه من بيت المال.
الشيخ: ليش؟
الطالب: ليكفّر، ليتصدق
به.
الشيخ: نعطيه ليكفّر؟
الطالب: ليتصدق به، كما أعطى النبي صلى الله عليه وسلم هذا
الرجل.
الشيخ: إي نعم، هذا الرجل أعطاه الرسول لحاجته،
في الأول قال: «خُذْ هَذَا تَصَدَّق بِهِ»؛ لأن التمر
الذي جاءه قد يكون من الزكاة، ما ندري عاد من الزكاة أو من غيرها، فإذا تبرع له أحد
من بيت المال أو من عند ماله يكفر به ولا بأس.
الطالب:
على سبيل التبرع، يعني ما يحتاج..
الشيخ: إي نعم. يعني
هذا قوله بالأول: «خُذْ هَذَا تَصَدَّق بِهِ» ، مع أنه لا يجد، هذا ما هو على
سبيل الوجوب.
هذا يقول: إن الحكم المرتب على وصف يقوى بقوة ذلك الوصف ويضعف
بضعفه.
معناه واضح، يعني مثلًا إذا قلت: أعط الفقير من مالك، كل من كان أفقر فهو
أيش؟ أحق، إذا أقول مثلًا: عزر الفاسق، كل من كان أفسق فهو أحق بالتعزير.
الشيخ: السؤال: إذا اغتسل إنسان وقد توضأ قبل البدء بالغسل ثم مر
يده أثناء الغسل على فرجه بدون قصد هل يبطل وضوؤه أم عبارة عن لمس خفيف؟
الصحيح:
أن مس الذكر لا ينقض الوضوء، إلا إذا كان لشهوة؛ وعلى هذا فلو أصابت يده ذكره في
أثناء الغسل فليستمر، ولا شيء عليه.
الشيخ: نعم، وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً [النساء: ٤٠] فيها قراءتان؟
طالب: نعم.
الشيخ: ما هما؟
الطالب:{حَسَنَةٌ}.
الشيخ: والثانية؟
الطالب:حَسَنَةً.
الشيخ: ويُضَاعِفْهَا.
الطالب:{يُضَعِّفهَا}.
الشيخ: قراءتان
أيضًا يُضَاعِفْهَاو{يُضَعِّفهَا}، كيف يكون التضعيف؟ الحسنة بحسنتين أو كيف؟
الطالب: الحسنة بعشر أمثالها أو أكثر.
الشيخ: نعم.
الطالب: إلى سبع مئة
ضعف.
الشيخ: أحسنت، ماذا يريدون بقولهم: رَاعِنَا؟
طالب: يريدون أن (...)
من الرعونة.
الشيخ: من الرعونة، يعني أصابك الله
بالرعونة، تمام.
طالب: الله سبحانه وتعالى يطمس على
وجوههم؛ فهل يطمس على وجوههم إما بالكناية عن تغيير قلوبهم أو المصدر
الحقيقي.
الشيخ: يعني تحتمل معنيين: الأول الطمس
الحقيقي، كيف يطمسها؟
طالب: يعني يمسخهم كما مسخ أصحاب
السبت يجعلهم قردة وخنازير.
الشيخ: يعني يزيل مثلًا
الأنف، الشفتين؟
طالب: أو يخلف وجوههم بدل أن تكون
أمام يرجعها خلف.
الشيخ: هذا معنى فَنَرُدَّهَا عَلَى أَدْبَارِهَا [النساء: ٤٧]؟
طالب: (...) هلا أنا لست متأكدًا.
طالب
آخر: قال العلماء: الطمس قد يكون على معناه الحقيقي أو على معناه المعنوي،
يكون طمسًا معنويًّا أو حسيًّا.
الشيخ:
أحسنت.
طالب: فإن كان معنويًّا فهو أن يردهم الله عز
وجل عن أن يستمعوا إلى الحق، أو ينتفعوا به، أو يكون حسيًّا على حقيقته
بأن..
الشيخ: فإذن طمس الوجوه يعني الوجهات، مثل قوله:
«لَيُخَالِف اللهُ بَيْنَ وُجُوهِكُمْ» .
طالب: الطمس الحقيقي بأن يطمس..؟
الشيخ: يطمس الوجه حتى يكون كخف البعير، ثم يدار إلى
الخلف.
من أصحاب السبت؟
طالب: قوم من بني
إسرائيل.
الشيخ: ويش شأنهم؟
الطالب: نعم، نهاهم الله سبحانه وتعالى عن الصيد يوم السبت
فاحتالوا، وكانوا ينصبون الشباك يوم الجمعة.
الشيخ:
احتالوا على طول؟
طالب: احتالوا، يعنى على..
الشيخ: على طول، حرم عليهم اليوم واحتالوا باكر؟
طالب: لا، يعني كانوا يوم أن يسبتوا يأتيهم حيتانهم شرعًا على
الماء، فلما طال عليهم الأمد وقست قلوبهم احتالوا، كانوا ينصبون الشباك يوم الجمعة
ويتركونها يوم السبت، ويوم الأحد يأخذونها فيقولون: نحن ما صِدنا يوم
السبت.
الشيخ: نعم.
الطالب:
فالله سبحانه وتعالى مكر بهم ومسخهم قردة وخنازير.
الشيخ: قردة، بأي دليل أنه مسخهم قردة؟
طالب: كما قال في سورة البقرة، لا أذكر الآية.
الشيخ: وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ.
طالب: وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ الَّذِينَ اعْتَدَوْا مِنْكُمْ فِي السَّبْتِ فَقُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ (٦٥) فَجَعَلْنَاهَا نَكَالًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهَا وَمَا خَلْفَهَا وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ [البقرة: ٦٥، ٦٦].
الشيخ: وأين الدليل على أنه جعلهم خنازير؟
طالب: هذه الآية، لكن ما ذكرت.
طالب
آخر: (...).
الشيخ: لكن يقول: وخنازير، يلا
قل.
طالب: لا أذكر الآن الآية، لكن ذكروا في هذا أنهم
صغارهم قردة وكبارهم جعلهم خنازير.
الشيخ: أين
الدليل؟
طالب: (...) ما أدري، ما أذكر الآن أنها آية
ذكرت فيها..
طالب آخر: قول الله تعالى: قُلْ هَلْ أُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذَلِكَ مَثُوبَةً عِنْدَ اللَّهِ مَنْ لَعَنَهُ اللَّهُ وَغَضِبَ عَلَيْهِ وَجَعَلَ مِنْهُمُ الْقِرَدَةَ وَالْخَنَازِيرَ وَعَبَدَ الطَّاغُوتَ [المائدة: ٦٠].
الشيخ: إي بس هل أن الخنازير هم أصحاب السبت أو قوم آخرون مسخوا
خنازير؟
طالب: (...).
الشيخ: يحتاج إلى تثبت.
الطالب:
(...).
الشيخ: وأيهما أرجح؟ ما سوى ذلك؟ إذن الكفر داخل
تحت المشيئة وسوى الشرك.
الطالب: (...).
الشيخ: الأرجح ما دون ذلك، يعني ما هو أقل من الشرك، وأما الشرك
والكفر فكلاهما لا يكفر.
هل في هذه الآية متمسك للمرجئة في أنه لا يضر مع
الإيمان معصية؟
طالب: ما أحدثه (...) فقد يفعل الإنسان
(...) ولا يشاء الله يغفر له.
الشيخ: وهم يقولون: إنها
تقع مكفَّرة. إذن ليس فيها دليل على قول المرجئة، بل هي دليل على ضد قولهم. من
الذين يزكون أنفسهم؟
طالب: الآية عامة.
الشيخ: عامة، وهل تذكر أحدًا من الطوائف قبلنا زكوا أنفسهم؟
طالب: اليهود.
الشيخ:
ماذا قالوا؟
الطالب: قالوا: نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ.
الشيخ:
والنصارى؟
الطالب: والنصارى.
الشيخ: قالوا ذلك؟
الطالب:
اليهود.
الشيخ: وَقَالَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ [المائدة: ١٨] إذن الجميع زكوا أنفسهم.
ما فائدة الإضراب في قوله: بَلِ اللَّهُ يُزَكِّي مَنْ يَشَاءُ [النساء: ٤٩]؟
طالب: إبطال ما قالوه.
الشيخ: إبطال
ما قالوه، يعني وهو أن التزكية ليست إليهم، بل هي إلى الله عز وجل -اللهم زكنا وأعط
نفوسنا تقواها وزكها- أولئك القوم الذين يقولون الغرب أهدى منا سبيلًا في صدق
الميعاد والدفاع عن حقوق الإنسان، وما أشبه ذلك هل يُشبهون هؤلاء أو لا؟
طالب: يشبهونهم نعم.
الشيخ: وجه
المشابهة؟
طالب: يقولون: أفضل من المؤمنين.
الشيخ: وهؤلاء يقولون لِلَّذِينَ كَفَرُوا هَؤُلَاءِ أَهْدَى مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا سَبِيلًا [النساء: ٥١].
ما هو
الحسد؟
طالب: عرفه بعض العلماء بأنه: تمني زوال النعمة
من الغير.
الشيخ: تمني زوال نعمة الله على
الغير.
الطالب: قال شيخ الإسلام: إنه كراهية نعمة الله
على الغير.
الشيخ: أحسنت، وقال شيخ الإسلام: الحسد
كراهة ما أنعم الله به على الغير، سواءٌ تمنى الزوال أم لا. يقع في بعض الأحيان حسد
في القلب بغير اختيار الإنسان فهل يأثم على ذلك؟
الطالب: لا يأثم على ذلك، إنما الإنسان يحاول ألا يلتفت لمثل هذا
الشيء.
الشيخ: لا يأثم بما يكون في قلبه من الحسد، ولكن
يجب عليه أن يحاول التخلص منه وألا يبغي على المحسود؛ لقوله في الحديث: «إِذَا حَسَدْتَ فَلَا تَبْغِ» .
ما
مناسبة فَقَدْ آتَيْنَا آلَ إِبْرَاهِيمَ [النساء: ٥٤]
لما قبلها؟ أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ فَقَدْ آتَيْنَا.
طالب:
(...) آل إبراهيم الكتاب والحكمة وآتاهم ملكًا عظيمًا.
الشيخ: مناسبتها لما سبق؟
الطالب:
أنه (...).
الشيخ: إي نعم.
طالب: أنهم لا يستطيعون منع ما أنعم الله به على هؤلاء، قال الله
تعالى: فَقَدْ آتَيْنَا آلَ إِبْرَاهِيمَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ.
الشيخ: يعني أن الناس هم آل
ابراهيم؟
الطالب: لا.
الشيخ: طيب، أجل، كيف يكون الجواب؟
طالب: مناسبتها أن الله سبحانه وتعالى فضله واسع يؤتيه من يشاء،
كما أن الله عز وجل أنعم على محمد عليه الصلاة والسلام بهذه الرسالة فقد أنعم فيما
سبق على ابراهيم عليه الصلاة والسلام وعلى ذريته النبوة والكتاب والحكمة.
الشيخ: إي، يعني كأنه قال: كيف تحسدون الناس وأنتم قد آتاكم الله
من فضله؛ لأنكم من بني إسرائيل.
هل في الآية ما يرد على الجهمية والأشاعرة الذين
ينكرون حكمة الله في أفعاله؟
طالب: نعم.
الشيخ: كيف؟
طالب: إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَزِيزًا حَكِيمًا.
الشيخ: ولا في شيء آخر بعد؟
طالب:
الحكمة من (...) أن يتضاعف (...).
الشيخ: لكن هل في
الآية ما يدل على ذلك؟ صحيح حكيم يؤخذ منها الحكمة، لكن نريد أيضًا في الآية دليلًا
آخر؟
الطالب: نعم، التبديل.
طالب
آخر: لام التعليل.
الشيخ: لام التعليل؛ أين
هي؟
الطالب: لِيَذُوقُوا.
طالب آخر: لِيَذُوقُوا الْعَذَابَ.
الشيخ:
لِيَذُوقُوا الْعَذَابَ، لام التعليل تفيد إثبات العلة
في أفعال الله عز وجل، وهذا هو المتعين، وهو الصحيح لا شك فيه.
فإن قال قائل:
إذا أثبتم تعليل أفعال الله فقد أثبتم أنه يفعل لغرض، والله منزه عن الأعراض
والأبعاض والأغراض، عِبارة منسقة تمام، الله منزه عن الأبعاض والأعراض والأغراض؟
طالب: نرد عليهم بقول الله سبحانه وتعالى: هو الذي حبب
إليهم الخشية والاستكانة.
الشيخ: ما يكفي.
طالب: أن هذا الأمر لم يفعله الله عز وجل غصبًا عنهم.
الشيخ: أحسنت، أن ربط الأحكام بالعلل ليس لحاجة الله بذلك، لكن
لحاجة من جعلت لهم. واضح؟
ما فائدة يذوقوا العذاب؟ نقول: لأن هؤلاء مجرمون، فمن
الحكمة أن يعاقبوا بقدر جرمهم.
الضابط الذي ذكرت الآن منزه عن الأغراض، يعني
الحكمة، فعله لمجرد المشيئة، لا لحكمة، والأعراض، ماذا يريدون بالأعراض؟
طالب: الصفات الفعلية.
الشيخ: الصفات
الفعلية، يقول: إن الله ما يمكن ينزل إلى السماء الدنيا ولا يستوي على العرش، ولا
يأتي يوم القيامة؛ لأن هذه أعراض؛ وعن الأبعاض؟ نعم.
طالب: أحسن الله إليك، إثبات اليد لله سبحانه وتعالى.
الشيخ: مثل اليد والوجه والعين؛ صحيح، بعده؟ (...).
يقول:
هل الاتصال بالتليفون على الأقارب البعيدين للسلام عليهم هل يدخل ضمن صلة
الرحم؟
الجواب: نعم لا شك أنه يدخل في صلة الرحم.
رجل اكتسب
مالًا من بيع المحرمات، ثم توفي وله مال، والورثة بِحَيرة من أمرهم، هل يتصرفون
بالمال ويقسمونه أم يتصدقون به على أنه لا يجوز لهم حيازته؟
إن كان هذا
المال له مُلاك معلومون فإنه يُرد إليهم، مثل الأموال الغصب والسرقة وما أشبهه؛
وأما إذا لم يكن له ملاك معلومون فإنه للورثة.
قال الله تعالى: أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَاجَّ إِبْرَاهِيمَ فِي رَبِّهِالآية [البقرة: ٢٥٨] هل نقول: إن إبراهيم عجز عن إجابة حُجة النمروذ الأولى عندما
قال: أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ [البقرة: ٢٥٨] انتقل إلى
جهة أخرى؟
ما تقولون؟
طلبة: ما عجز.
الشيخ: لا ما عجز، لكنه أراد ألا يطيل الجدل بذكر شيء لا يمكنه
أن يجيب عنه.
***
طالب: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا (٥٨) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا} [النساء: ٥٨، ٥٩].الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، الآية الأولى تكلمنا عليها؟ بقي الفوائد:
الآية الأولى من فوائدها: بيان عظمة الله عز وجل؛ وذلك حيث عبر عن نفسه تبارك وتعالى بصيغة الغائب: إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ، ومثل هذا التعبير قال علماء البلاغة: إنه يدل على التعظيم.
ومن فوائدها: وجوب حفظ الأمانات في ما تُحفَظ به عادة؛ فإذا أعطاك إنسان دراهم وجب عليك أن تحفظها فيما تحفظ به عادة؛ ووجه ذلك أنه من لازم أدائها حفظها؛ لأن من لم يحفظها لا يمكن أن يؤديها، فإذا أعطاك دراهم ووضعتها في فرجة أو في رفٍّ وسُرقت فأنت ضامن، لماذا؟ لأن هذا تفريط في الواجب.
فالواجب أن تحفظها في الصناديق؛ إذا أودع عندك بهيمة وتركتها للبرد أو للحر أو للجوع أو للعطش فأنت ضامن، لماذا؟
لأنك فرطت، فإن الله أمرك أن تؤدي الأمانات إلى أهلها، ومن لازم أدائها حفظها حتى تؤدَّى كما أُخذت.
ومن فوائد هذه الآية الكريمة: سمو الدين الإسلامي، حيث أمر برد الأمانات، وهذا لا شك أنه من حسن المعاملة.
ومن فوائد الآية الكريمة: ردّ، أنه يجب على المؤتمن أن يؤديَها إلى أهلها، وأهلها إما صاحبها أو من يقوم مقامه؛ فإذا أودعك شخص ما وديعة ومات، فمن أهلها من بعده؟ ورثته، كذلك لو وكل من يقبضها منك وجب عليك أن تؤديها إليه، أي إلى الوكيل، ولا تقل: إني لا أعطيك؛ لأن الذي أودعني سواك.
ومن فوائد الآية الكريمة: وجوب حفظ السر فيما يكون بينك وبين صاحبك من قول؛ لقوله: الْأَمَانَاتِ، وهو عام في أمانات الأموال وأمانات الأقوال وأمانات الأحوال أيضًا؛ ولهذا ورد الوعيد الشديد فيمن تفضي إليه زوجته ويفضي إليها ثم يصبح يتحدث بما جرى بينهما، وأن هذا شر الناس منزلة عند الله يوم القيامة .
ومن فوائد الآية الكريمة: وجوب أداء الشهادة كما تحمل، وجوب أداء الشهادة على الشاهد كما تحملها، لماذا؟ لأن الشاهد مؤتمن، فيجب عليه أن يؤدي الشهادة كما تحملها من غير زيادة ولا نقص.
وهل يجوز أن يؤديها بالمعنى؟
الجواب: نعم إذا كان عالمًا بالمعنى، ولم يحذف ما يتغير به المعنى، فإنه لا بأس أن يؤديها بالمعنى.
ومن فوائد الآية الكريمة: وجوب الحكم بين الناس بالعدل؛ لقوله تعالى: وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ.
والعدل أنواع كثيرة، ولنضرب لهذا مثلًا بالقاضي، القاضي يجب عليه أن يعدل بين الخصمين في كل شيء:
أولًا: في الدخول عليه، لا يُقدم أحدًا على أحدٍ، حتى لو كان الخصم كافرًا مع مسلم، فإنه لا يقدمه عليه؛ لأن المقام مقام حُكم، والحكم تجب فيه العدالة، فضل المسلم على الكافر لا شك فيه، لكن الآن هما سواء في الحكم، وإن كان بعض العلماء رحمهم الله قال: إنه يقدم المسلم في الدخول؛ لكن في هذا القول نظر، والصواب أنه يعدل بينهما في الدخول.
ثانيًا: في المجلس، لا يجلس أحدهما في مكان رفيع، كعلى كنب مثلًا والثاني على الأرض، أو أحدهما على فراش والثاني على الأرض، لا بد أن يعدل بينهما في المجلس، يكون مجلسهما سواء.
الثالث: لا بد أن يعدل بينهما في اللحظ؛ وأيش معنى اللحظ؟ النظر، لا ينظر إلى أحدهما نظرًا باردًا وإلى الثاني نظرًا حارًّا يكاد يخرق رأسه، بل الواجب أن ينظر إليهما نظرًا سويًّا.
الرابع: في اللفظ، لا يكلم أحدهما بشدة والآخر بلين.
والخامس: بالالتفات، لا ينظر إلى أحدهما عند مخاطبته بوجه، والثاني ينظر إليه بخده مصعرًا خده له.
والسادس: في استخلاص الحجة، لا يقاطع أحدهما في حجته والآخر يمهله، فإذن يجب عليه العدل في كل شيء يعاملهما فيه.
ومن العدل أيضًا العدل بين الزوجات في كل ما يستطيع.
ومن العدل أيضًا العدل بين الأولاد في كل شيء، كل شيء يستطيع في العطايا، إذا أعطى الأنثى أعطى الذكر، وإذا أعطى الذكر أعطى الأنثى. والصحيح أنه يعطي الذكر مثلَ حظ الأنثيين؛ حتى كان بعض السلف يعدِل بين أولاده في القُبل. أيش معنى: في القُبل؟ يعني إذا قبل واحدًا قبل الثاني، وهذا صحيح، الصبيان الصغار ما عدا الكبار شيء آخر، لكن الصبيان الصغار ترى الصبي إذا رآك قد قبلت الثاني يأتي ويزاحم يدخّل خده عليك، يعني لا بد أن تقبله، نعم، حتى في الجلوس مثلاً؛ إذا أجلسته على رجلك جاء الثاني يركض وجلس على الرجل الثانية، هذه مطالبة واحتجاج، لكن نحن لا نعرف، هو الآن يحتج ويقول: لماذا تفعل؟ ويأخذ حقه بالقوة.
فعلى كل حال الواجب على الإنسان أن يعدل بين أولاده. كذلك من العدل أن يعدل مع نفسه في معاملة غيره، لا يريد من الناس أن يعطوه حقه كاملًا وهو يبخس الناس، وقد قال الله تعالى: وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ (١) الَّذِينَ إِذَا اكْتَالُوا عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ [المطففين: ١، ٢] يعني يأخذون حقهم وافيًا وَإِذَا كَالُوهُمْ أَوْ وَزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ [المطففين: ٣]، يعطون الحق الذي عليهم ناقصًا، هذا ليس من العدل، العدل أن تعامل الناس بما تحب أن يعاملوك به. ولهذا شدد النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم في هذه المسألة وقال: «لَا يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ حَتَّى يُحِبَّ لِأَخِيهِ مَا يُحِبُّ لِنَفْسِهِ» وهذه هي آداب الإسلام العظيمة.
ومن فوائد هذه الآية الكريمة: التعبير بالعدل دون المساواة، والغريب أن كثيرًا من الناس العصريين تجدهم شغوفين في التعبير بالمساواة دون العدل، لا تكاد تجد أحدًا منهم يقول: الدين الإسلامي دين العدل؛ بل يقول: الدين الإسلامي دين المساواة، ولا أدري والله أعلم لماذا استخدمت هذه الكلمة (المساواة) هل هي واردة علينا من الخارج أم ما أدري؟! لأنك إذا قلت: (المساواة) دون (العدل) قالت الأنثى: أنا لا بد أن أعامل كما يعامل الرجل، وقال الرجل الساقط الذي لا خير فيه: لا بد أن أعامل كما يعامل الشريف، وهلم جرًّا، لكن إذا استعملنا العدل فمعناه أن ننزل كل إنسان منزلته.
الشيخ: يقول: أم تفرض على بنتها الموظفة مبلغًا من المال شهريًّا مع العلم بأنها ليست محتاجة، ولكن من باب الترضية عن النفس، والبنت لا تريد أن تعطي الأم، ولكن تخاف من غضب الأم عليها؟
إذا كان لا يضرها فهو من البر.
طالب: (...).
الشيخ: ما يلزمها شيء.
الطالب: ما عليها إثم؟
الشيخ: لا، ما عليها، ما دام لم يضرها ما عليها.
هذا يقول: ما حكم الصلاة في مسجد فيه قبر، سواء كان صحابيًّا أو تابعيًّا أو غيره كالذي في بلادنا؟
أين بلادك؟
الطالب: الأردن.
الشيخ: فهناك مسجد فيه قبر أبي عبيدة وآخر فيه ضرار بن أزور وغيره، بس هل نتحقق أن فيه هؤلاء؟
الطالب: ثابت عند كل الناس معروف.
الشيخ: الظاهر أنه ما يتحقق هذا الشيء، لكن على كل حال القاعدة في هذا الشيء: إن بني المسجد على القبر وجب هدم المسجد، ولا تجوز الصلاة فيه، وإن قُبر بعد بناء المسجد وجب نبش القبر ودفنه مع الناس، وأما الصلاة فإن كان القبر في القبلة فإنه لا تجوز الصلاة إليه؛ لحديث أبي مرثد الغنوي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لَا تَجْلِسُوا عَلَى الْقُبُورِ وَلَا تُصَلُّوا إِلَيْهَا» ، وإن كان في جانب آخر فالصلاة في المسجد صحيحة؛ لأن الإثم من الذي قَبر الميت في هذا المسجد.
طالب: لا يتحقق مثلًا أن ها المقبور هذا إنما قبر بعد بناء المسجد (...) الجامع الأموي في دمشق فيه قبر في وسط المسجد يقولون: هذا مقام يحيى بن زكريا عليه السلام، فقبر يحيى بن زكريا (...) قبل المسجد بقرون، ففي مثل هذه الحال..
الشيخ: هذا لا عبرة به، العبرة بالواقع.
الطالب: لا عبرة به (...).
الشيخ: لأن ما فيه أحد قبره معلوم إلا الرسول عليه الصلاة و السلام من الأنبياء، وقبر موسى كان الرسول يعلمه قال: «إِنَّهُ عِنْدَ الْكَثِيبِ الْأَحْمَرِ، وَلَوْ كُنْتُ هُنَاكَ لَأَرَيْتُكُمْ إِيَّاهُ» ، ولكن، أما هذا لا عبرة به.
***
طالب: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا} [النساء: ٥٩].الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله تبارك وتعالى: إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَاوأخذنا من هذه الآية فوائد أظن خمسًا؟ ثمانية، آخرها؟
طالب: التعبير بالعدل دون المساواة.
الشيخ: أيش، نعم التعبير عن العدل دون المساواة.
ومن فوائد الآية الكريمة: ثناء الله سبحانه وتعالى على ما يوجهه من الأحكام إلى العباد؛ لقوله: إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ [النساء: ٥٨] وشيء أثنى الله عليه لا بد أن يكون في قمة الخير.
ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن الأحكام الشرعية تسمى موعظة؛ لأن الله تعالى قال: إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ، مع أنه ليس فيها وعيد وليس فيها تهديد، وإنما فيها بيان أحكام.
ومن فوائد هذه الآية الكريمة: كمال حكم الله عز وجل؛ وذلك بثناء الله عليه وكونه موعظة للقلوب، ولهذا كلما ازداد الإنسان تمسكًا بطاعة الله ازداد إيمانًا ويقينًا ورغبة في الخير.
ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات هذين الاسمين من أسماء الله، وهما: السميع والبصير، وتكلمنا كثيرًا على معنى السميع، وأظن لا حاجة إلى إعادة الكلام فيه لوضوحه، والبصير كذلك اسم من أسماء الله متضمن للبصر، وتكلمنا عليه أيضًا فيما سبق بما لا يحتاج معه إلى إعادة.
هل فيه إثبات السمع والبصر لله؟
نعم؛ لأن القاعدة أن كل اسم لله فهو متضمن لصفة ولا عكس، الصفة لا يشتق منها اسم لله إلا إذا تسمى به جل وعلا، والاسم يثبت منه صفة؛ لأن جميع أسماء الله مشتقة من المعاني التي تدل عليها.
وعلى فهل نسمي الله بالواعظ؟ مع أنه قال: إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِلكن لا نسميه بالواعظ، أفعاله وصفاته لا يشتق منها أسماء له، أما أسماؤه فإنها تتضمن الصفات.
ثم قال الله تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَإلى آخره، صدّر الله هذه الآية بالنداء، وقد سبق أن تصدير الحكم بالنداء يدل على العناية به؛ لأن النداء يُطلب منه انتباه المنادى لما يلقَى إليه، أعرفتم ذلك؟
وفي النداء بوصف الإيمان إشارة إلى أن ما يذكَر من مقتضيات الإيمان، يعني أن ما يذكر وامتثاله من مقتضيات الإيمان.
وفيه أيضًا أن عدم القيام به نقص في الإيمان؛ لأنك إذا قلت للمؤمن: يا مؤمن افعل كذا، ولم يفعل؛ فإنه لا بد أن ينقص إيمانه؛ لأنه وجه إليه الخطاب باسم الإيمان أو بوصف الإيمان، فإذا لم يمتثل هذا الخطاب نقص إيمانه.
وقد روي عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه أنه قال: إِذَا سَمِعْتَ اللهَ يَقُولُ: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا، فَأَرْعِهَا سَمْعَكَ؛ فَإِمَّا خَيْرٌ تُؤْمَرُ بِهِ، وَإِمَّا شَرٌّ تُنْهَى عَنْهُ . والذي في هذه الآية خير نؤمر به.
قال: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواآمنوا بمن؟ آمنوا بالله وبما يجب الإيمان به. وأركان الإيمان كما عرفتم سابقًا كما هو معروف، أركان الإيمان ستة، يعني آمنوا بما يجب الإيمان به وهي ستة أشياء: الإيمان بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر، والقدر خيره وشره.
أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَالطاعة موافقة الأمر، وذلك بفعل المأمور وترك المحظور. ولهذا أُخذت من المطاوعة، وهي الانقياد، فالطاعة هي الانقياد وموافقة الأمر بفعل المأمور وترك المحظور.
أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَالرسول هو محمد عليه الصلاة والسلام، و(أل) فيه للعهد الذهني.
وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْالواو حرف عطف. أُولِيمعطوفة على الرَّسُولَ، وهي بمعنى: أصحاب، والأمر بمعنى: الشأن، يعني: أصحاب الشأن فيكم. فمن هم أصحاب الشأن؟
قيل: هم العلماء، وقيل: هم الأمراء، والآية صالحة للمعنيين جميعًا. وعلى هذا فتكون شاملة للأمراء والعلماء؛ أما كون العلماء أولي أمر فلأنهم يوكل إليهم الكلام في شرع الله، وهم الذين يوجهون الناس ويبينون لهم أحكام الله الشرعية، وأما كون الأمراء أولي أمر فلأنهم هم الذين يحملون الناس على شريعة الله. والشريعة تحتاج إلى أمرين: أمر سابق، وأمر لاحق، فالأمر السابق من شأن من؟ من شأن العلماء يبينونه ويوضحونه، كما قال تعالى: وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلَا تَكْتُمُونَهُ [آل عمران: ١٨٧]. وأمر اللاحق وهو من شأن الأمراء، يلزمون الناس بشريعة الله ويقيمون حدود الله على من خالف، فالكل عليه مسؤولية.
وبهذا التقسيم نعرف أن مسؤولية العلماء أشد من مسؤولية الأمراء؛ لأن العلماء لا يمكن أن يمشوا على شيء حتى يبينه مَن؟ العلماء، الأمراء لا يمكن أن يمشوا على شيء إلا بعد بيان العلماء؛ وعلى هذا فشأن العلماء في الأمة الإسلامية أعظم من شأن الأمراء، ويجب على الأمراء اتباع العلماء فيما يبينونه من شريعة الله.
وقوله: وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْقلنا: (الأمر) بمعنى أيش؟ بمعنى الشأن، يعني أصحاب الشأن، وهم العلماء والأمراء. ويَحتمل أن يكون المراد بالأمر طلب الفعل ممن هو دون الآمر، أو على وجه الاستعلاء، ويكون معنى أولي الأمر أي الذين لهم أن يأمروا الناس، والعلماء يأمرون الناس كما قال الله تعالى: وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَيَقْتُلُونَ الَّذِينَ يَأْمُرُونَ بِالْقِسْطِ مِنَ النَّاسِ [آل عمران: ٢١] وهم العلماء، والأمراء كذلك يأمرون، فالأمر هنا صالح لمعنيين أيضًا: الشأن، والأمر الذي هو طلب الفعل على وجه الاستعلاء.
وهنا يقول: وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْولم يُعِدِ الفعل أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْولم يقل جل وعلا: وأطيعوا أولي الأمر؛ لأن طاعة ولاة الأمور تابعة لطاعة الله، ولهذا لو أمروا بما يخالف طاعة الله لم يكن له طاعة، فهي -أي طاعتهم- تابعة لطاعة الله ورسوله.
ثم قال: فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍوهذا متوقع جدًّا أن يحصل النزاع، بين من ومن؟ بين أولي الأمر بعضهم مع بعض، وبين أولي الأمر مع عامة الناس؛ بين أولي الأمر بعضهم مع بعض كالعلماء يختلفون مثلًا، الأمراء يختلفون مع العلماء أو مع الناس، بأن يختلف العلماء مع الناس أو يختلف الناس مع الأمراء وما أشبه ذلك، المهم أن التنازع هنا غير مقيد، فيشمل التنازع بين العلماء وبين الأمراء، وبين العلماء مع الأمراء، وبين العلماء مع الناس، والأمراء مع الناس، وهذا لا بد أن يقع.
إِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍوفِي شَيْءٍهذه نكرة في سياق الشرط، فتكون للعموم، أيّ شيء يتنازع فيه فإنه يرد إلى الله والرسول.
ثم قال: إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ: إِلَى اللَّهِلا يمكن أن يقول قائل: إننا نذهب إلى الله عز وجل ونتحاكم عنده أو نرد الأشياء إليه، ولكن الرد إلى الله هو الرد إلى كتابه، أما إلى الرسول فهو الرد إليه شخصيًّا في حياته، وإلى سنته بعد وفاته صلى الله عليه وسلم.
إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِهذه جملة شرطية يراد بها الإغراء والحث، أي: إن كنتم صادقين في الإيمان بالله واليوم الآخر فامتثلوا هذه الأوامر: طاعة الله، طاعة الرسول، وأولي الأمر، والرد عند التنازع إلى كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم.
وقوله: تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِالإيمان بالله يتضمن الإيمان بوجوده وربوبيته وألوهيته وأسمائه وصفاته.
وَالْيَوْمِ الْآخِرِالإيمان بكل ما يكون بعد الموت، سواء في البرزخ أو بعد قيام الساعة، وإنما نص الله على اليوم الآخر لأنه اليوم الذي يقع فيه الجزاء، واليوم الذي يقع فيه الجزاء لا بد أن يحسب له الإنسان حسابه خوفًا من أن يجازى بالسوء في يوم القيامة.
ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا: ذَلِكَالمشار إليه كل ما سبق من طاعة الله وطاعة رسوله وولي الأمر، والرد إلى الله والرسول عند التنازع، ذَلِكَ خَيْرٌأي في الحال والحاضر وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًاأي أحسن مآلًا وعاقبة. فامتثال هذه الأوامر الأربعة يحصل به الخير في الحاضر والخير في المستقبل. والإنسان كل إنسان لا يسعى إلا لخير حاضر أو خير مستقبل؛ لأن الماضي مضى بخيره وشره ولا يمكن إعادته.
في هذه الآية فوائد:
أولًا: حسن التناسق بين الآيات في الكتاب العزيز؛ فإنه لما ذكر أداء الأمانات والحكم بين الناس بالعدل ذكر ما يحصل به الخير أيضًا إضافة إلى ذلك، وهو طاعة الله ورسوله.
ومن فوائد الآية الكريمة: وجوب طاعة الله وإن خالفت الهوى، وإن خالفت الواقع، وإن خالفت الحال، خلافًا لمن يمتثل طاعة الله إذا وافقت الواقع ولم يجد معارضًا؛ لأن من قيّد طاعة الله بهذا فهو في الحقيقة لم يُطع الله، وإنما اتبع هواه.
ومن فوائد الآية الكريمة: وجوب طاعة الرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم استقلالًا، وأن طاعته كطاعة الله؛ لقوله؟
طالب: أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ.
الشيخ: وجهه؟
الطالب: الأمر بالطاعة.
الشيخ: إي، لكن ما وجه أن طاعة الرسول مستقلة؟
الطالب: فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ.
الشيخ: لا.
طالب: لأنه أعاد الفعل.
الشيخ: لأنه أعاد الفعل أَطِيعُوا الرَّسُولَولم يجعل طاعة الرسول تابعة لطاعة الله.
ومن فوائد هذه الآية: الرد على من كَفر بالسنة وقال: لا نقبل إلا ما جاء في القرآن. واضح؟ لأن الله جعل طاعة الرسول استقلالًا، والحقيقة أن الذي يقول هذا القول لم يتبع ما جاء به القرآن، ليش؟ لأن القرآن أمر بأن يُتبع الرسول عليه الصلاة والسلام فقال: قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ يُحْيِي وَيُمِيتُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِمَاتِهِ وَاتَّبِعُوهُ [الأعراف: ١٥٨] ولم يقل: اتبعوه إن وجدتم لذلك أصلًا في القرآن، بل هو عام.
ومن فوائد هذه الآية الكريمة: وجوب طاعة ولاة الأمور؛ لقوله: وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ.
ومن فوائد هذه الآية: أن طاعة ولاة الأمور من طاعة الله؛ لأن الله تعالى أمر بذلك.
ومن فوائدها: أنهم لو أمروا بما يخالف طاعة الله ورسوله فلا طاعة لهم؛ لأن الله جعل طاعتهم تابعة وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ.
ومن فوائدها: أن طاعة ولاة الأمور واجبة، حتى وإن لم يأمر الله بذلك الشيء المعين الذي أمروا به، وهنا لا بد من التقسيم، فنقول: ما أمر به ولاة الأمور على ثلاثة أقسام:
القسم الأول: ما أمر الله به.
والقسم الثاني: ما نهى الله عنه.
والقسم الثالث: ما لم يَرد به أمر ولا نهي.
أما ما أمر الله به فإن ولاة الأمور إذا أمروا به صارت طاعتهم واجبة من وجهين:
الوجه الأول: طاعة الله.
والوجه الثاني: طاعة ولاة الأمر.
مثال ذلك أن يأمروا بالأذان بإعلان الأذان، أن يأمروا بإقامة الصلاة جماعة في المساجد، أن يأمروا بأداء الزكاة، هذا واجب، واجب بوجهين:
الوجه الأول: طاعة الله.
والثاني: طاعة ولاة الأمر.
الثاني أن يأمروا بما نهى الله عنه، مثل أن يقولوا للناس: افتحوا خانات الخمر، فهذا لا يطاعون فيه، أو يأمروا بقتل شخص لا يحل قتله، ونحن نعلم أنه لا يحل قتله، وإنما أمروا بقتله عدوانًا وظلمًا، فهنا لا طاعة لهم، أما إذا أمروا بقتله بحق كقِصاص أو ردة أو فساد في الأرض أو تعزير يسوغ لهم التعزير به، فإن طاعتهم في ذلك واجب، لكن إذا كنا نعلم أنه ظلمٌ بغير حق فإننا لا نطيعهم.
كذلك أيضًا لو أمروا بإدخال حدود الأراضي على الجيران ظلمًا وعدوانًا فإننا أيش؟ لا نوافقهم على ذلك ونعصيهم؛ لأن طاعتهم تابعة لطاعة الله ورسوله. ومن ذلك قصة أمير السرية الذي أمّره النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم على سرية وخرج بهم وغاضبهم يومًا من الأيام، فأمرهم أن يجمعوا حطبًا فجمعوا حطبًا امتثالًا لأمر الرسول عليه الصلاة والسلام؛ لأنه أمرهم بطاعته، ثم قال: أضرموا به النار، فأضرموا به النار، إلى هنا المسألة يعني ممكنة، ثم قال لهم: ألقوا أنفسكم في النار، فتوقفوا قالوا: نحن من النار فررنا، لم نؤمن إلا خوفًا من النار، كيف نقحم أنفسنا بالنار؟! وأبوا، فلما رجعوا إلى النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: «لَوْ دَخَلُوهَا مَا خَرَجُوا مِنْهَا»؛ لأنهم قتلوا أنفسهم « إِنَّمَا الطَّاعَةُ فِي الْمَعْرُوفِ» ، يعني في شيء لا ينكره الشرع.
القسم الثالث: أن يأمر ولاة الأمور بما لم يتعلق به أمر ولا نهي، وهنا معترك القول، فالمتمردون على ولاة الأمور يقولون: لا سمع ولا طاعة، هات دليل أن هذا واجب؟ والمؤمنون يقولون: سمعًا وطاعة؛ لأننا لو لم نطعهم إلا في أمر ورد فيه الشرع بعينه لكانت الطاعة ليست لهم، الطاعة لأيش؟ للأمر الشرعي.
مثلًا: لو قال إنسان: أنا لا أخطئ للتنظيم في السير، مثلًا افرض المرور سد هذا الطريق وقال للناس: سيروا مع الجهة الأخرى، قال: أنا لا أخضع لهذا الأمر، ثم جاء ليجادل ويقول: أين الدليل؟ هل قال الله تعالى: إذا قال لك المرور: لا تمش مع هذا الخط فلا تمش؟ الجواب: قاله ولا ما قاله؟ لالم يقله، لكن على سبيل العموم أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُم.
فيجب أن تمتثل، فإذا قال: ليس في هذا مصلحة، ليش أمتثل؟ قلنا: لو جعلنا المصلحة مربوطة برأي كل واحد من الناس ما عملنا بمصلحة قط؛ لأن أهواء الناس متباينة مختلفة، فالرأي لولي الأمر قبل كل شيء، فإذا كان عندك رأي ترى أن المصلحة فيه وجب عليك من باب النصيحة أن ترفعه لولي الأمر وتقول: نحن نمتثل أمرك سمعًا وطاعة لله عز وجل قبل كل شيء، ولكن نرى أن المصلحة في كذا وكذا، وتذكر، وحينئذٍ تكون ناصحًا لله ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم؛ عرفتم؟
ومن فوائد هذه الآية الكريمة: محبة الله عز وجل للنظام والانضمام والانزواء تحت رعاية واحدة؛ لقوله: وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُم؛ لأن الناس لو لم يكن لهم ذو أمر مطاع لصارت أمورهم فوضى؛ ولهذا يقول الشاعر:
| لَا يَصْلُحُ النَّاسُ فَوْضَى لَا سَرَاةَ لَهُمْ | ............................. |
لا بد من أمير، لا بد من قائد، لا بد من موجه، حتى الحيوانات العجم لا بد لها من أمير؛ كان منذ زمن بعيد لم ندركه، لكن يُنقل لنا، الطيور تأتي فِرقًا كثيرة، يعني يجتمع ثلاثون أربعون طيرًا، خمسون طيرًا، لكن لا يمكن أن تطير في جو السماء إلا بقائد يشاهده الناس يطير أمامها وتتبعه، الظباء كانت موجودة في الجزيرة هنا بكثرة، تأتي الجميلة، اللي يسمونها الجميلة، الجمع من الظباء يسمى الجميلة، تأتي هذه المجموعة قطيع من الظباء يشاهدها الصيادون يقودها واحدة تمشي خلفها، الصيادون عندهم حكمة في الصيد، يصيبون القائد، ما يذهبون يدورون اللي في الأطراف، إذا أصابوا القائد تشتت الجمع، إن كانت الطيور تشتت، إن كانت الظباء تشتت أو وقفت، هكذا يقول لنا يقول: اضرب القائد تدرك التابع.
فأقول: كل جمع لا بد له من قائد، لا بد من أمير، حتى إن الرسول عليه الصلاة والسلام أمر المسافرين إذا سافروا وكانوا ثلاثة أن يؤمروا أحدهم حتى يكون لهم رأي.
طالب: أحسن الله إليك، طاعة أولي الأمر أو السلطان من أهل العلم ويرى (...) مثل لو أمر بصيام ثلاثة أيام قبل الاستسقاء الإمام، المأموم يرى أن هذا بدعة، ويطيعه في هذا الشيء يجب إطاعته؟
الشيخ: هذا سؤال مهم، وتكلم فيه العلماء، يعني لو أمر الإمام بما يرى أنه مشروع والرعية أو واحد من الرعية يرى أنه غير مشروع، مثل أن يأمر بصوم يوم الاستسقاء، فإن الفقهاء رحمهم الله يقولون: ينبغي للإمام أن يأمر الناس بالصيام يوم الاستسقاء، فهل يلزم الصوم؟ قال الفقهاء أنفُسهم: لا يلزم الصوم ولا الصدقة؛ لأن هذا أمر بشريعة، والأصل في الصوم أنه ليس بواجب، والصدقة أنها ليست بواجبة، فلا يجبان بأمره، وإلا لقلنا: إن الإمام يمكن أن يُشرّع.
ثم قالوا: والمراد بقولنا: طاعة ولي الأمر فيما يعود إلى تنظيم الأمة، فإذا أمر بالصوم يوم الاستسقاء، وكان هذا العالم يرى أنه ليس بسنة؛ لأن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم لم يأمر الناس حين خرج للاستسقاء أن يصوموا، فله ألا يصوم. لكن هل يعلِن ذلك، يعلن مخالفة أمر ولي الأمر؟
نقول: لا يعلنه، هو فيما بينه وبين الله، لا يلزمه، لكن المنابذة وإعلان المخالفة هذا في أمر يسوغ فيه الاجتهاد، هذا خطأ، وبهذا يُنتقد على من يتكلم بما يرى مع إظهار الإمام رأيه في شيء من الموضوعات يُنتقد على من تكلم بخلافه وقال: إن هذه مسألة اجتهادية وللإمام اجتهاده ولي اجتهادي؛ لأن هذا يؤدي إلى استهانة الناس بما ينظمه ولاة الأمور وأن يقول كل واحد: ولي الأمر مجتهد وأنا مجتهد ولكل اجتهاده. والواجب نصيحة لله ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم، أن يتكلم مع ولي الأمر الذي خالفه في اجتهاده ويبين له.
طالب: بغض النظر عن الأمر؛ لأنه ربما يقال: إن الأمر بالمحرم قليل في بلادنا مثلًا.
الشيخ: الحمد لله.
الطالب: لكن فرض واقع معين، مثل: محلات تبيع المنكرات أو تتعامل بالمنكرات وشيء من هذا، أيش موقف المسلم تجاهها، هل يحذر منها مع أن السلطة فرضتها وأقرتها؟
الشيخ: يعني مثلًا لو أن ولي الأمر أقر أمرًا منكرًا فإنه يجب أن يبين إنكاره، لكن لا يوجه الإنكار على ولي الأمر، ولكن يحذر الناس منه، الآن مثلًا يوجد في بعض البلاد أشياء منكرة مقررة من قبل ولاة الأمور ولا يجوز إقرارها، فمثلًا يوجد في بعض البلاد الإسلامية الآن والبلاد القريبة منا بيع الخمر علانية في البقالات وفي المقاهي وفي كل مكان، هل نقول للناس: لا تحذروا الناس منها، بناء على أن ولي الأمر سمح بها؟ لا، يجب أن يحذر الناس منها؛ لكن لا ينتقد ولي الأمر لإقراره إياها، بل ينصح، يؤتى له النصيحة.
طالب: الاستدلال يا شيخ على ولاة الأمر بالتنظيم في الجماعات الإسلامية، وأنه لا بد أن يكون لها قائد حتى يسيرها وينظم أمورها، وأمور المساجد التي تحت يدها، فهل يستدل بها عليه؟
الشيخ: لا، يعني كون الرسول أمر المسافرين أن يؤمروا واحدًا منهم لا يدل على أنه يجوز الطوائف أن تؤمر واحدًا منها التي في داخل البلد الذي فيه سلطة الإمرة، لكن في السفر ما عندهم أحد يرجعون إليه فلا بد من أن نؤمر واحدًا منهم.
طالب: إذا قال قائل: ما يحدث بعيد جدًّا عن شرع الله؟
الشيخ: لا نجعل لنا إمامًا بهذه الصفة بحيث نبايع؛ لأنه يوجد بعض الطوائف يأتون إلى من يرونه إمامًا لهم ويبايعون مبايعة على السمع والطاعة، هذا لا يجوز.
طالب: بدون مبايعة يا شيخ؟
الشيخ: بدون مبايعة إذا رأوا صاحب رأي منهم يرجعون إليه في الاستشارة، لا في توجيه الأوامر، فلا بأس.
طالب: أيهم أقوى يا شيخ، بين سلطان العلماء وسلطان الأمراء؟
الشيخ: بالنسبة للتنفيذ: سلطان الأمراء أقوى، يعني يستطيعون أن يجبروا الناس على هذا الشيء، والعلماء لا يستطيعون، وأما بالنسبة لما تقتضيه الشريعة وللحكم الشرعي فالعلماء أقوى لا شك؛ لأن الأمراء يأخذون من العلماء.
طالب: بعض الناس يقول: أبايع العلماء فقط؟
الشيخ: أيش؟
طالب: بعض الناس الشباب يقول: نحن نبايع العلماء فقط؟
الشيخ: لا، غلط هذا، ما يجوز، حتى العلماء لا يرضون بهذا، العلماء يرون أنه تجب البيعة لمن ولاه الله أمرنا على ما فيه من الأمور التي قد لا ترضي.
طالب: (...) سنة يا شيخ (...)؟
الشيخ: سنة مثل أيش؟
طالب: مثل توجيه الناس، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
الشيخ: لا، إذا قال: يا أيها الناس لا تأمروا بمعروف ولا تنهوا عن منكر فلا يطاع.
طالب: في تعليم الناس أمور الإسلام؟
الشيخ: أبدًا لا يمنع، لكن إذا قال لشخص معين: لا تتكلم في هذا، فله ذلك إذا كان يرى أن في كلامه مضرة على الناس، أما إذا كان لا يرى لا يجوز له أن يمنع الناس من شرع الله، ولهذا امتثل الإمام أحمد رحمه الله حين منعوه من أن يحدث، وقال عمّار لعمر: إن شئتَ ألّا أُحدث به فعلتُ .
***
طالب: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلَالًا بَعِيدًا (٦٠) وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنْكَ صُدُودًا (٦١) فَكَيْفَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ ثُمَّ جَاءُوكَ يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ إِنْ أَرَدْنَا إِلَّا إِحْسَانًا وَتَوْفِيقًا (٦٢) أُولَئِكَ الَّذِينَ يَعْلَمُ اللَّهُ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَعِظْهُمْ وَقُلْ لَهُمْ فِي أَنْفُسِهِمْ قَوْلًا بَلِيغًا} [النساء: ٦٠ - ٦٣].الشيخ: أظن لم نتكلم على فوائد الآية التي قبل؟
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَتكلمنا على فوائدها؟
طالب: تسع فوائد.
الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم.
من فوائد هذه الآية الكريمة: وجوب رد الأمور المتنازع فيها إلى الله والرسول؛ لقوله: فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ.
ومن فوائدها: تحريم رد المسائل المتنازع فيها إلى القوانين الوضعية أو تحكيم أهل الكفر والإلحاد؛ لقوله: إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ.
ومن فوائدها: تحريم التقليد مع وضوح الدليل؛ لقوله: رُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ، وإنما قلنا: مع وضوح الدليل؛ لأن التقليد يجوز للضرورة إذا لم يعلم الإنسان؛ لقوله تعالى: فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ [النحل: ٤٣] ولم يأمر سبحانه وتعالى بسؤال أهل الذكر إلا للرجوع إلى ما يقولون، وإلا لم يكن فائدة من سؤال أهل الذكر.
ومن فوائد الآية الكريمة: أن الرد إلى الله والرسول من مقتضيات الإيمان؛ لقوله: إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ [النساء: ٥٩].
ومن فوائدها: أن من ادعى الإيمان بالله واليوم الآخر ولكنه لا يرد مسائل النزاع إلى الله ورسوله فإنه كاذب؛ لأن قوله: إِنْ كُنْتُمْبمنزلة التحدي، فيكون كاذبًا فيما يدعي، وقد قال الله تبارك وتعالى: فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا [النساء: ٦٥]، شوف الإقسام المؤكد فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَهذا القسم مؤكد بـ(لا) التي للتنبيه.
حَتَّى يُحَكِّمُوكَ، هذه المرتبة الأولى، تحكيم الرسول عليه الصلاة والسلام، فإن حكموا غيرك فليسوا بمؤمنين.
ثانيًا: ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَأي ضِيقًا، ولو كان على المحكوم عليه، يعني حتى المحكوم عليه إذا وجد في نفسه حرجًا وضيقًا فليس بمؤمن، هذه المرتبة الثانية: انتفاء الحرج والضيق، يعني ينشرح صدرك بما يحكم به الرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم.
المرتبة الثالثة: وَيُسَلِّمُواأي ينقادوا تَسْلِيمًا، هذا مؤكد، مصدر مؤكد، أي يسلموا ينقادوا انقيادًا تامًّا لما يحكم به الرسول عليه الصلاة والسلام، فنفى الخلاف الباطن والخلاف الظاهر، الخلاف الباطن أن يكون في صدرك ضيق وحرج، والظاهر ألا تسلم التسليم التام بل تماطل. ولا يكن أمرك أمر استسلام. هنا يقول: رُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ [النساء: ٥٩].
ومن فوائد الآية الكريمة: أنه كلما ازداد إيمان الإنسان بالله واليوم الآخر ازداد رجوعه إلى الكتاب والسنة؛ وذلك لأن الحكم المعلق بشرط متضمن بالوصف يقوى بقوة ذلك الوصف، ويضعف بضعف ذلك الوصف إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ.
ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات اليوم الآخر، وأنه سيكون بعث يجازى الناس فيه بأعمالهم، فمن كذب به فهو كافر ولو آمن بالله، من كذب به أو شك فيه -والعياذ بالله- فهو كافر ولو آمن بالله.
ومن فوائد الآية الكريمة: أن الرجوع إلى الكتاب والسنة خير في الحاضر والمستقبل؛ لقوله تعالى: ذَلِكَ خَيْرٌأي في الحاضر وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًاأي أحسن عاقبة في المستقبل.
ومن فوائدها: بطلان توهم من حكّم القوانين الوضعية، وظن أن الأمة تصلح بها، فإنا نقول: هذه القوانين الوضعية ما كان صالحًا موافقًا للكتاب والسنة فصلاحه وإصلاحه ليس بذاته، ولكن بموافقته للكتاب والسنة، ولا يصح أيضًا أن نجعل هذا الحكم من الحكم القانوني الوضعي، بل هذا الحكم هو حكم الكتاب والسنة، يعني كوننا نجد الأشياء المصلحة من القوانين منسوبة إلى وضع البشر هذا يعتبر سرقة من الشرع، سرقة من الحكم الإلهي؛ لأن كل شيء مصلح للخلق فمبناه على كتاب الله وسنة رسوله على الشريعة.
ومن فوائد الآية الكريمة: أن من تحاكم إلى غير الله ورسوله فهو كافر، ولكن هل هو الكفر المخرج من الملة أو لا؟ نقول: في هذا تفصيل بحسب حال المتحاكم، وذلك أنه إذا رأى أن الحكم الذي تقضي به هذه القوانين خير من حكم الله ورسوله أو مثله فهو كافر؛ لأنه مُكذب لقوله تعالى: وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ [المائدة: ٥٠]، ولقوله: أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَحْكَمِ الْحَاكِمِينَ [التين: ٨]، وأما إذا كان لا يعتقد ذلك ولكن مشى مع العالم فهذا لا يكفر؛ لأن من الناس، ولا سيما العامة من لا يدركون هذا الفرق، هذا لا يكفر.
وبقي أن يقال: إذا كنت في بلد لا يحكم إلا بالقوانين كبلد الكفار ومن أخذ بقوانينهم، وأنت الآن بين أمرين: إما أن يضيع حقك وإما أن تلجئك الضرورة إلى التحاكم إلى هؤلاء، فهل يجوز لك أن تتحاكم إلى هؤلاء؟ قد يظهر للإنسان أول وهلة أنه لا يجوز أن يتحاكم؛ لأن هذا تحاكم إلى الطاغوت، ولكن نقول: لك أن تتحاكم لا باعتقاد أن ذلك حُكم ملزم، ولكن لأجل الوصول إلى حقك الذي لا يمكن أن تصل إليه إلا عن هذه الطريق، ثم إذا حكموا لك بما يوافق الشرع فخذ به؛ لأنه شرع الله، وإن حكموا لك بخلاف ذلك فلا تأخذ به، وهذا هو الذي يحفظ للناس حقوقهم؛ لأنه من المشكل إذا كنت في بلد لا يحكم إلا بالقانون. وقد أشار إلى هذا ابن القيم رحمه الله في أول كتابه الطرق الحكمية.
فإن قال قائل: التعبير في الآية الكريمة فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ، و(إن) لا تدل على وقوع الشرط، بخلاف (إذا) فإنها تدل على وقوع الشرط لكن توقته؛ ولهذا تجد الفرق بين أن تقول: إذا قام زيد فأكرمه، أو تقول: إن قام زيد فأكرمه، الأولى تدل على أنه سيقوم، لكن إكرامه معلق بقيامه؛ والثانية لا تدل على أنه سيقوم، إن قام، فهنا فَإِنْ تَنَازَعْتُمْمعناها أن النزاع الأصل فيه أنه مرفوع فيما بيننا، وأن الأصل عدم المنازعة، لكن إن حصل النزاع فردوه إلى الله والرسول.
وفي هذا فائدة نضيفها إلى الفوائد السابقة وهي: الإشارة إلى أنه لا ينبغي النزاع بيننا، بل كلما أمكن درء هذا النزاع كان هو الأولى.
ثم قال الله تبارك وتعالى: أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ [النساء: ٦٠] الاستفهام هنا للتعجيب، يعني ألا تتعجب إلى هؤلاء؟ والخطاب في قوله: تَرَيجوز أن يكون موجهًا إلى الرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم، ويجوز أن يكون موجهًا لكل مخاطب بهذا الكتاب العزيز، وإذا دار الأمر بين هذا وهذا فالأولى الثاني أو الأول؟ الأولى الثاني؛ أن يكون محمولًا على العموم. وعلى الأول، وهو أن المخاطب بها الرسول صلى الله عليه وسلم لا يعني أن الأمة لا تخاطب به؛ لأن ما خوطب به الرسول، فهو خطاب للأمة؛ إما عن طريق الأُسوة وإما لأنه القائد، والخطاب للقائد خطاب له ولمن يتّبعه في قيادته.
فهاهنا أمور ثلاثة:
أولًا: هل الخطاب عام للرسول وللأمة؟ قلنا: إذا لم يكن مانع فهذا هو الأصل، وهو الأصح.
ثانيًا: إذا قلنا: خاص بالرسول هل هو خاص به وغيره من الأمة يكون تبعًا له عن طريق الأسوة، أو أنه وجّه للرسول خطابًا لا حكمًا بمعنى أنه لما كان هو القائد الإمام لهذه الأمة وجّه إليها الخطاب والخطاب الموجه للقائد يكون خطابًا له ولمن وراءه؟
فيه احتمالان، وأيًّا كان فإن الخطاب واضح، نقول: للعموم، يعني: ألم تر أيها المخاطب إلى الذين يزعمون. الآن هذا التقدير كله سوف يهدمه قوله: يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَمما يجعلنا نقول: إن الصحيح أنه خطاب للرسول صلى الله عليه وسلم، لكن كلامنا الأول باق على القاعدة أنه إذا لم يوجد مانع فالأصل حمله على العموم، هنا وجد مانع وهو قوله: إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَومعلوم أنه لم يُنزل إلى كل واحد منا وحي، فيكون هذا خطاب للرسول عليه الصلاة والسلام، والأمة تبع له، إما عن طريق التأسي، أو لأنه القائد، والخطاب للقائد خطاب لمن تبعه إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا، يَزْعُمُونَأي يقولون، وهذه المقولة يُنظر هل تكون صحيحة أو لا، يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَكاليهود مثلًا يقولون: نحن نؤمن بما أنزل إليك يا محمد، ونؤمن بالتوراة، والنصارى يقولون: نؤمن بما أنزل إليك ونؤمن بالإنجيل والتوراة، ولكنهم يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِهذا محل التعجب، يزعمون وهم يريدون أن يتحاكموا إلى الطاغوت، والطاغوت كل ما خالف الشرع، في هذه الآية كل ما خالف الشرع؛ لأن ما خالف الشرع فهو طغيان، فيريدون أن يتحاكموا إلى الطاغوت، وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِأي يكفروا بالطاغوت، ومن الآمر لهم؟ الآمر هو الله عز وجل، لكنه أتى بصيغة الاسم المفعول ليكون هذا الأمر وإن كان أصله من الله فهو أيضًا صادر من الرسول ومن كل مؤمن، كلُّ مؤمن يأمر أن يكون التحاكم إلى الله ورسوله وأن يكفر الإنسان بالطاغوت، وَقَدْ أُمِرُواأي من قبل الله ومن قبل أولياء الله أَنْ يَكْفُرُوا بِهِأي بالطاغوت.
وإنما قلنا: إنه من قبل الله ومن قبل أوليائه؛ لأنه نظير قوله: صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ [الفاتحة: ٧] يعني: ولم يقل: غير الذين غضبت عليهم؛ لأن طريقة هؤلاء تغضب الله وتغضب أولياء الله، وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلَالًا بَعِيدًا، إذن فهم تابعون للشيطان الذي يملي عليهم التحاكم إلى الطاغوت، فالشيطان يريد أن يضلهم ضلالًا بعيدًا، أي بعيدًا عن الحق؛ لأن التحاكم إلى الطاغوت يوجب للإنسان أن يبتعد عن الحق، وأن يعلق قلبه بهذا الطاغوت.
فإذا قال قائل: مثاله؟
نقول: المثال: دعي أحد من الناس إلى القرآن الكريم، ولكن قال: لا، نتحاكم إلى التوراة، نتحاكم إلى الإنجيل، نتحاكم إلى القانون الفلاني، نقول: كيف تزعمون أنكم تؤمنون بالله؟ أو مثلًا يقول: نتحاكم إلى المحاكم التجارية والقوانين التجارية، وهو يدعى إلى التحاكم إلى الله ورسوله، فيقول: لا، نرجع إلى أعراف التجارة ولو كانت تخالف الشرع، هذا يدخل في هذه الآية.
ثم قال: وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنْكَ صُدُودًا: إِذَا قِيلَ لَهُمْمن القائل؟ أي واحد من الناس، أي واحد من الناس يقول: تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنْكَ صُدُودًا، هنا قال: إِلَى مَا أَنْزَلَ اللَّهُأي القرآن، وَإِلَى الرَّسُولِإلى سنته؛ رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَوالرؤية هنا رؤية بصر، رؤية عين، وعلى هذا فيكون الْمُنَافِقِينَمفعولًا به ويَصُدُّونَحال، وهنا قال: رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ، ولم يقل: رأيتهم، فأظهر في موضع الإضمار، والإظهار في موضع الإضمار له فوائد:
الفائدة الأولى: الحكم على هؤلاء بالنفاق؛ لأنه لو قال: رأيتهم، لم يتبين أنهم منافقون.
طالب: (...).
الشيخ: هذا المفروض، من الذي أعطاني (...) فهمت؟ عندك يقول: الخالق اسم والصفه الخلق، وخرج من الصفه أنه يخلق، وبعدين كانت تحت دلالة المطابقة تضمن ولزوم، ما ذكرت دلالة اللزوم؟ دلالة اللزوم هي دلالته على العلم والقدرة.
الطالب: أنا عرفت (...).
الشيخ: سمعنا، أظن أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ.
***
طالب: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنْكَ صُدُودًا (٦١) فَكَيْفَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ ثُمَّ جَاءُوكَ يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ إِنْ أَرَدْنَا إِلَّا إِحْسَانًا وَتَوْفِيقًا (٦٢) أُولَئِكَ الَّذِينَ يَعْلَمُ اللَّهُ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَعِظْهُمْ وَقُلْ لَهُمْ فِي أَنْفُسِهِمْ قَوْلًا بَلِيغًا [النساء: ٦٠ - ٦٣].الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله تبارك وتعالى: أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ، ماذا تستفيد من قوله: يَزْعُمُونَ؟
طالب: يعني معناها يا شيخ؟
الشيخ: لا، ماذا تستفيد منها؟
طالب: بطلان ما ادعاه..
الشيخ: أن إيمانهم ليس حقيقة يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا، جملة يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِمحلها من الإعراب؟
طالب: حال.
الشيخ: حال منين؟
الطالب: في يَزْعُمُونَالواو.
الشيخ: من الواو في يَزْعُمُونَ. ما المراد بالطاغوت هنا؟ معنى الطاغوت هنا لأن في كل مكان بحسبه؟
طالب: من حكم بغير ما أنزل الله.
الشيخ: نعم.





