عند هذه الآية أظن ذكرت لكم: (المؤمن كَيِّسٌ فَطِن)، هل ذكرتُه حديثًا أو
كلامًا؟
طلبة: كلامًا.
الشيخ: حديثًا؟
طلبة:
كلامًا.
الشيخ: كلامًا.
طالب: كلامًا، يعني المؤمن أن يكون كيِّسًا فَطِنًا.
الشيخ: على كل حال من فهم مني أني قلته حديثًا فهو لا يصح عن
النبي صلى الله عليه وسلم، ذكره في شرح الجامع الصغير: (المؤمن كيِّسٌ فَطِنٌ
حَذِر) وقال: إن فيه راويًا كذابًا، فيكون الحديث موضوعًا لكن معناه صحيح.
طالب: أنه يجب على الإنسان يا شيخ.
الشيخ: إي نعم.
الطالب: المؤمن ولَّا
الإنسان؟
الشيخ: لا، المؤمن والإنسان، حتى الإنسان.
ما معنى قوله: فَانْفِرُوا ثُبَاتٍ؟
طالب: انفروا متفرقين.
الشيخ: الدليل
على أن ثُبَاتٍهنا متفرقين؟
طالب: أنه أتى بعد قوله: فَانْفِرُوا ثُبَاتٍانْفِرُوا جَمِيعًا.
الشيخ: يعني إذن: انفروا متفرقين أو مجتمعين.
هل الخطاب هنا
للعموم؛ يعني كل الناس يجب عليهم أن ينفروا؟
طالب:
لا.
الشيخ: الدليل؟
الطالب: الآية.
الشيخ: وهي؟
الطالب: قوله تعالى: وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً [التوبة: ١٢٢].
الشيخ: وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ.
ما معنى قوله تعالى: وَإِنَّ مِنْكُمْ لَمَنْ لَيُبَطِّئَنَّ [النساء: ٧٢]؟
طالب: هذا
معناه أن الله عز وجل أخبرهم أن فيهم من يُخذِّل المؤمنين عن قتال العدو وعن (...)
أو (...) إلى العدو، والتخذيل قسمان: منهم من يخذل نفسه، ومنهم من يخذل غيره من
المؤمنين.
الشيخ: طيب، فصارت التبطئة هنا لنفسه ولغيره.
إعرابها؟
طالب: (مَنْ)..
الشيخ: وَإِنَّ مِنْكُمْ لَمَنْ لَيُبَطِّئَنَّ؟
طالب: (مَن) اسم موصول؛
لَلَّذي يُبَطِّئنَّ.
الشيخ: فاللام.
الطالب: (...) جواب القسم.
الشيخ:
اللام في قوله: لَمَنْ؟
الطالب: اللام لام الابتداء، اسم إن المؤخر، واقع في اسم إن
المؤخر إِنَّ مِنْكُمْ لَمَنْ.
الشيخ: ولَيُبَطِّئَنَّاللام؟
الطالب: موطئة للقسم، والتقدير: واللهِ ليُبطِّئنَّ.
الشيخ: تمام، طيب.
التقسيم في قوله: فَإِنْ أَصَابَتْكُمْ [النساء: ٧٢] وَلَئِنْ أَصَابَكُمْ [النساء: ٧٣] يدل على أيش؟
الطالب: (...).
الشيخ: التقسيم يعني
ويش معنى هذا التقسيم: (فإن أصاب)، (ولئن أصاب)، شو معنى التقسيم هذا؟
طالب: (...).
الشيخ: ما هو ظاهر،
الجواب غير ظاهر، أيش بالآية؟
الطالب: فَإِنْ أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ.
الشيخ: نعم، وَلَئِنْ أَصَابَكُمْ فَضْلٌ؟
الطالب: أنهم يصيبهم هذا
(...).
الشيخ: إي، طيب، ويش يدل عليه؛ على أن الرجل
ناصر أو فاضح أو ماذا؟
طالب: فإن أصابتكم مصيبة، حمد
الله أن لم يكن معهم.
الشيخ: إي، لكن ماذا يريد
بهذا؟
الطالب: (...).
الشيخ: طيب، إي نعم.
طالب: يقول:
إِنْ أَصَابَتْكُمْأي: هزيمة.
الشيخ: إي، لكن هذا التقسيم لحال هذا الرجل ماذا يدل
عليه؟
الطالب: في حال الهزيمة، إذا أصاب المؤمنين هزيمة
تكون قد (...)، أما في الأخرى فإن أصابهم نصر فهو قد يكون معهم.
طالب: يدل على افتخاره واحتقاره.
الشيخ: افتخاره في قوله؟
الطالب:
قَدْ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيَّ إِذْ لَمْ أَكُنْ مَعَهُمْ شَهِيدًا [النساء: ٧٢]، واحتقاره الذي قلتم، وافتخاره: فأفوز معهم فوزًا
عظيمًا.
الشيخ: لا.
طالب:
أما افتخاره فقوله: قَدْ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيَّ إِذْ لَمْ أَكُنْ مَعَهُمْ [النساء: ٧٢]، وأما احتقاره في الآية التي ذكرها.
طالب آخر: افتخاره واحتقاره في نفس الآيات، احتفى بنفسه واحتقر
بالآخرين.
الشيخ: صحيح، نفس الآية متضمنة لهذا، لكن
قوله: وَلَئِنْ أَصَابَكُمْالقسم الثاني
لحاله؟
طالب: القسم الثاني يوضح أنه مذبذب، إذا أصيبوا
بالنصر أصبح حاله احتقار (...)، أما إذا أصيبوا بالنصر فإنه يصبح نادما على عدم
ذهابه، يصبح بين الندم وبين الفرح.
الشيخ: وعلى كل حال
أنا أظن أن المسألة واضحة؛ يدل على أن الرجل لا يريد القتال في سبيل الله، إنما
يريد أيش؟ الدنيا، إن أصابتهم مصيبة افتخر أنه نجا، وإن فاته النصر قال: يَا لَيْتَنِي كُنْتُ مَعَهُمْ [النساء: ٧٣]، فهو يشبه من قال
الله فيهم: فَإِنْ أُعْطُوا مِنْهَا رَضُوا وَإِنْ لَمْ يُعْطَوْا مِنْهَا إِذَا هُمْ يَسْخَطُونَ [التوبة: ٥٨].
في قوله:
وَلَئِنْ أَصَابَكُمْ فَضْلٌ مِنَ اللَّهِ لَيَقُولَنَّإشكال في: أين جواب الشرط في (إن)؟ أو ما شرحناها؟
طالب: ما شرحناها.
الشيخ: ما
وصلناها؟ طيب.
***
الجملة شرطية وقسمية؛ شرطية لوجود (إنْ)، وقسمية لوجود اللام؛ فاللام في قوله: وَلَئِنْلام القسم؛ موطِّئة للقسم، و(إنْ) شرطية، ولَيَقُولَنَّواقعة في جواب القسم، وقد تنازعها الشرط والقسم، فهل نجعلها للقسم أو نجعلها للشرط؟ يوضح ذلك ابن مالك رحمه الله في قوله:
| وَاحْذِفْ لَدَى اجْتِمَاعِ شَرْطٍ وَقَسَمْ | جَوَابَ مَا أَخَّرْتَ فَهْوَ مُلْتَزَمْ |
أين المؤخر هنا؟
طلبة: الشرط.
الشيخ: الشرط، فجواب الشرط محذوف، والذي بقي جواب القسم، ولهذا قُرِن الجواب باللام ولم يقع مجزومًا جوابًا للشرط، وهذا قاعدة عند النحويين: أنه إذا اجتمع شرط وقسم فإنه يُحذف جواب المؤخر إما الشرط وإما القسم؛ تقول: واللهِ إنْ قام زيد، أيُّهما مؤخر؟
طلبة: الشرط.
الشيخ: الجواب: ليقومن عمرو، وتقول: إنْ قام زيدٌ واللهِ..؟
طلبة: (...).
الشيخ: لا، (...) إن قام زيد والله يقم عمرو، المهم أن المؤخر هو الذي يحذف جوابه، هذه قاعدة عند النحويين.
يقول: وَلَئِنْ أَصَابَكُمْ فَضْلٌ مِنَ اللَّهِالفضل هنا يراد به النصر والغنيمة، لَيَقُولَنَّأي: هذا المبَطِّئ، {كَأَنْ لَمْ يَكُنْ} وفي قراءة: كَأَنْ لَمْ تَكُنْ؛ القراءة المشهورة: كَأَنْ لَمْ تَكُنْوالثانية: {كَأَنْ لَمْ يَكُنْ}، بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُ مَوَدَّةٌأي: محبة وصحبة، يَا لَيْتَنِي كُنْتُ مَعَهُمْهذا مقول القول، مقول قوله: لَيَقُولَنَّ، يَا لَيْتَنِي كُنْتُ مَعَهُمْأي: أتمنى أني معهم فَأَفُوزَ فَوْزًا عَظِيمًا، والفعل هنا منصوب بفاء السببية على رأي ذوي التسهيل واليُسر، من هم؟ الكوفيون، وبـ(أنْ) مضمرة بعد الفاء على رأي الْمُقَعِّدين البصريين؛ فالتقدير: فأن أفوز فوزًا عظيمًا، وإنما نُصِب الفعل بذلك لأنه واقع في جواب التمني.
ومعنى الآيات أن هذا القِسم من الناس الذي يبطِّئ نفسه ويبطِّئ غيره فلا يخرج للقتال في سبيل الله يبقى متفرِّجًا، إن أصابكم مصيبة افتخر واحتقركم لكونكم خرجتم في حالٍ خُذِلتم فيها، وافتخر لكونه نجا من أيش؟ من هذه المصيبة، وإن أصابكم فضل فحينئذ يتمنى أن يكون معهم ليفوز بالفضل الذي هو النصر والغنيمة، وحينئذ نعرف أن هذا الرجل لا يقصد القتال في سبيل الله، وإنما يقصد الدنيا فقط.
وقوله: كَأَنْ لَمْ تَكُنْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُ مَوَدَّةٌالجملة لا يخفى أنها جملة معترضة، ولكن هل محلها هذا المكان؟
الجواب: قال كثير من المفسرين: إن محلها ما قبلها، والمعنى: قال كأن لم تكن بينكم وبينه مودة: قد أنعم الله عليَّ، ولكن الصحيح أنها ليس فيها تقديم وتأخير وأن مكانها هو مكانها، وليس شيء أفصح من كتاب الله، وإنه يقول: كَأَنْ لَمْ تَكُنْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُ مَوَدَّةٌ، يعني كأنه لا يريد أن يبين أن تمنيه لكونه معنا من أجل المودة التي بيننا وبينه، ولكن من أجل ما حصل من الفضل الذي هو النصر والغنيمة، وأما المودة فكأنها قُطِعت حتى في هذه الحال التي فيها الفوز بالنصر كأن لم تكن بينكم وبينه مودة.
والفوز في قوله: فَأَفُوزَ فَوْزًا عَظِيمًالأنه يرى أن أكبر شيء هو الفوز بالدنيا فقط، والحقيقة أن الفوز الأعظم الذي لا فوز أكبر منه هو ما ذكره الله في قوله: فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ [آل عمران: ١٨٥].
وخلاصة الآيتين: أن من الناس من هو منافق لا يريد قتالًا في سبيل الله وإنما يقاتل لأجل الدنيا، فإن أصابتكم مصيبة من هزيمة وذل افتخر عليكم واحتقركم وقال: قَدْ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيَّ إِذْ لَمْ أَكُنْ مَعَهُمْ شَهِيدًا، وأما إذا كان العكس وانتصرتم وأصابكم فضل من الله فحينئذ يتمنى أن يكون معكم ليفوز الفوز العظيم الذي هو غاية مناه، وهو النيل من الدنيا.
نأخذ الفوائد:
أولا: في قوله تعالى: وَإِنَّ مِنْكُمْ لَمَنْ لَيُبَطِّئَنَّ [النساء: ٧٢] دليل على أن التكاسل في الخير والتراجع عنه من أسباب النفاق، وهو كذلك، والتباطؤ عن الخير والتكاسل عنه ليس سببا للنفاق فحسب، بل هو سبب للضلال والعمى والعياذ بالله كما قال تعالى: وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَنَذَرُهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ [الأنعام: ١١٠]، وقال الله تعالى: بَلْ كَذَّبُوا بِالْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُمْ فَهُمْ فِي أَمْرٍ مَرِيجٍ [ق: ٥]، ولهذا يجب على الإنسان متى تبين له الحق أن يأخذ به وألَّا يتهاون لئلَّا يصيبه ما أصاب هؤلاء، بل يسارع ويعمل، وقد أحسن من انتهى إلى ما سلف.
ومن فوائد هذه الآية: بيان حال صنف من الناس الذين لا يريدون القتال في سبيل الله وإنما يريدون الدنيا، وأنهم إذا أُصيبَ من كانوا بصدد الخروج معه افتخروا بأنهم نجوا من ذلك، وإن أُصيبَ هؤلاء بالفضل والنصر تمنَّوا أن يكونوا معهم، فيكون مرادهم الدنيا وليس مرادهم القتال في سبيل الله، أما الذي مراده القتال في سبيل الله فإنه على العكس من ذلك؛ إذا أُصيبَ بمصيبة فاستُشهِد فإنه ينتقل من حالٍ إلى أفضل منها؛ وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ [آل عمران: ١٦٩]، وإن أصابه فضل ونصر حمِد الله عز وجل، وسأل الله أن يؤتيه من فضله وجعل هذا عونًا على طاعته.
***
ثم قال تعالى: فَلْيُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يَشْرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا بِالْآخِرَةِ [النساء: ٧٤] فَلْيُقَاتِلْالفاء عاطفة وتدل على ارتباط ما بعدها بما قبلها، والارتباط واضح؛ لأن الذي قبلها فيه ذكر من لا يريد القتال في سبيل الله، أما هذه ففيها ذكر الصنف الآخر الذي يقاتل في سبيل الله.
واللام في قوله: فَلْيُقَاتِلْلام الأمر، وسُكِّنت مع أنها مكسورة لوقوعها بعد الفاء، ولام الأمر تُسَكَّن إذا وقعت بعد الفاء أو الواو أو ثم؛ مثل قوله تعالى هنا: فَلْيُقَاتِلْومثل قوله تعالى: ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ [الحج: ٢٩]، ثُمَّ لْيَقْضُواوَلْيُوفُوا، بخلاف لام التعليل التي تسمى (لام كي) فإنه يجب أن تكون مكسورة بكل حال؛ مثل قوله: لِيَكْفُرُوا بِمَا آتَيْنَاهُمْ وَلِيَتَمَتَّعُوا [العنكبوت: ٦٦] يجب أن تكسرها، ولا تقل: ولْيتمتعوا؛ لأنك إذا قلت هكذا اختلف المعنى.
وقوله: الَّذِينَ يَشْرُونَالَّذِينَفاعل يُقَاتِلْ، وقوله: يَشْرُونَبمعنى يبيعون، مع أنها في لغتنا العامية بمعنى يشترون، وليس كذلك، يَشْرُونَبمعنى يبيعون، ومن هذا قوله تعالى: وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ [البقرة: ٢٠٧] يَشْرِي نَفْسَهُيعني: يبيع نفسه، أما إذا كان آخذًا فيقال: اشترى؛ فالمعطي شارٍ والآخذ مشترٍ.
الَّذِينَ يَشْرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا بِالْآخِرَةِأي: يبيعون الحياة الدنيا بالآخرة، فيجعلون البدل -بدل الحياة الدنيا- هو الآخرة، وهؤلاء هم الذين اغتنموا الأعمار، وهم الذين اكتسبوا في الحقيقة أن أخذوا الآخرة بالدنيا، ولم يكونوا كالذين قال الله فيهم بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا (١٦) وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَى [الأعلى: ١٦، ١٧].
وَمَنْ يُقَاتِلْ [النساء: ٧٤]، (من) هذه شرطية، والفعل بعدها مجزوم، وجواب الشرط قوله: فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا، أما فَيُقْتَلْ أَوْ يَغْلِبْفهي معطوفة على فعل الشرط.
وَمَنْ يُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِأي: أيُّ إنسان يقاتل في سبيل الله، وهو الذي قاتل لتكون كلمة الله هي العليا كما فسر ذلك النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم.
فَيُقْتَلْ أَوْ يَغْلِبْإن قُتِل فهو شهيد، أو غَلَب فهو فائز، ولا يُبطل غَلَبُه أجرَه، ولهذا قال: فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا، فهو غانم على كل حال؛ إن قُتِل قُتِل شهيدًا، وإن غَلَب غَلَب سعيدًا، وهذا كقوله تعالى: قُلْ هَلْ تَرَبَّصُونَ بِنَا إِلَّا إِحْدَى الْحُسْنَيَيْنِ-وهما: الشهادة، أو النصر والغَلَبة- وَنَحْنُ نَتَرَبَّصُ بِكُمْ أَنْ يُصِيبَكُمُ اللَّهُ بِعَذَابٍ مِنْ عِنْدِهِ أَوْ بِأَيْدِينَا [التوبة: ٥٢].
فَيُقْتَلْ أَوْ يَغْلِبْ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا [النساء: ٧٤] أي: ثوابًا عظيمًا، وسمَّى الله تعالى الثواب أجرًا تشبيهًا له بأجر العامل الذي يستأجره الإنسان لعمل شيء ما ثم يعطيه أجره، والمقصود بذلك أن الله تعالى التزم بإثابة هذا العامل كما يلتزم المستأجِر بإعطاء العامل أجره، ولهذا سمَّى اللهُ العملَ له قرضًا مع أن الله لا يحتاج، وسمَّى الثواب عليه أجرًا كأنه استأجر أجيرًا ليعطيه أجره.
وقوله: أَجْرًا عَظِيمًاهو أجر الجنة؛ كما قال النبي عليه الصلاة والسلام: «إِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْمُجَاهِدِينَ فِي سَبِيلِهِ مِئَةَ دَرَجَةٍ» يعني في الجنة، وهذا هو الأجر العظيم.
في هذه الآية الكريمة فوائد:
منها: وجوب قتال الأعداء؛ لقوله: فَلْيُقَاتِلْ.
ومنها: وجوب إخلاص النيَّة في القتال؛ لقوله: فِي سَبِيلِ اللَّهِ، ووجه ذلك أن المقاتِلين منهم من يقاتل شجاعةً، ومنهم من يقاتل حميَّةً ؛يعني: عصبيَّة لقوميَّته أو لوطنه، ومنهم من يقاتل ليُرَى مكانُه؛ أي: مُراءاةً، فسُئل النبي صلى الله عليه وسلم عن ذلك فقال: «مَنْ قَاتَلَ لِتَكُونَ كَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا فَهُوَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ» ، إذن القتال في سبيل الله هو القتال لتكون كلمة الله هي العُليا.
وهل المعنى: ليؤمن الناس؟
الجواب: لا، لتكون كلمة الله هي العُليا؛ إما بالإيمان؛ بإيمان المقاتَلين، وإما بِذُلِّهم وبَذْلهم الجزية؛ كقوله تعالى: قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ [التوبة: ٢٩].
ومن فوائد الآية الكريمة: بيان علوِّ هِمَّة هؤلاء المقاتلين، وهو أنهم يبيعون الحياة الدنيا بالآخرة، وهذا من قوة إيمانهم وصِدق عزائمهم وعلوِّ هِمَّتهم؛ لأنهم يؤمنون بأن هناك آخرة وعندهم عزيمة قوية يغلِبون بها أهواءهم، وإلا فكم من إنسان يُغَلِّب جانب الحياة الدنيا ويقول: درهم منقود خير من ألف درهم موعود -والعياذ بالله- ولا شك أن هذا يدل على عدم إيمانه، وإلا لو أنه مؤمن لكان هذا الموعود الذي وُعِد به -وهو خير مما نُقِد له- لكان يعمل له، ويعلم أنه ليس بينه وبين هذا الموعود إلا القليل من الزمن، وأن ما يحصل له من المنقود لا يساوي شيئًا بالنسبة للموعود، حتى قال النبي عليه الصلاة والسلام: «لَمَوْضِعُ سَوْطِ أَحَدِكُمْ فِي الْجَنَّةِ خَيْرٌ مِنَ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا» ، والسوط ليس بالطويل، وهو خير من الدنيا كلها وما فيها، وليست دنياك أنت أو الدنيا التي أنت في عهدها، بل الدنيا من آدم، من أولها، من قبل آدم أيضًا، من أولها إلى آخرها، موضع سوط أحدنا في الجنة خير من الدنيا وما فيها، فهذا هو العاقل الحازم المؤمن الصادق.
ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن المقاتل في سبيل الله ناجح على كل حال؛ لقوله: وَمَنْ يُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيُقْتَلْ أَوْ يَغْلِبْ، فهو غانم ناجح في كل حال، سواء قُتِل أو غَلَب، فهو على أجر عظيم.
ومن فوائد الآية الكريمة: بيان عظمة الرب عز وجل؛ لقوله: فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ، وجه ذلك ضمير الجمع؛ لأننا نعلم أن الله إله واحد، فكل ما أُضيفَ إلى الله عز وجل من ضمائر الجمع فالمراد بها التعظيم.
طالب: شيخ، بارك الله فيك، إذا كان اللي يقاتل هذا -الذي يقاتل في سبيل الله- عليه حقوق للعباد، فما يكون مصيره؟
الشيخ: مصيره أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم سُئل عن الشهادة فقال: «تُكَفِّرُ كُلَّ شَيْءٍ». ثم انصرف السائل، فناداه فقال: «إِلَّا الدَّيْنَ؛ أَخْبَرَنِي بِذَلِكَ جِبْرِيلُ آنِفًا» ، فدل هذا على أن حقوق الآدمي لا تسقط بالشهادة، وهو كذلك؛ لأن حقوق الآدمي لا بد أن تؤدَّى إليه، لكن ثبت عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم أن «مَنْ أَخَذَ أَمْوَالَ النَّاسِ يُرِيدُ أَدَاءَهَا أَدَّى اللَّهُ عَنْهُ» .
طالب: (...).
الشيخ: نعم.
طالب: أحسن الله إليكم يا شيخ، شخص أراد الجهاد أو الذهاب إلى بلد ما للجهاد في سبيل الله، فجاء آخر وقال له: (...) في هذه البلاد أو (...)، هل يكون الرجل متباطئًا، وما هو قيد التباطؤ؟
الشيخ: هذا إذا قاله على سبيل النصيحة فليس من باب التبطئة، أما إذا قاله يريد أن يُخذِّله وهو يعلم أنه لو ذهب إلى ذلك المحلِّ استفاد وأفاد فهو يدخل في الآية؛ أحيانًا يستشيرك رجل وتعلم أنه ليس من المصلحة أن يذهب إما لعدم جَدْوى أو لأسباب أخرى، فهذا ليس من باب التبطئة، هذا من باب النصيحة، وأحيانًا تقول: لا تذهب، ليس لهذا الغرض، لكن تريد أن تخذِّله، فهذا لا يجوز.
طالب: بعض العلماء ذهب إلى أن المخاطبين هم من المؤمنين في قوله: مِنْكُمْ، وقوله: كَأَنْ لَمْ تَكُنْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُ مَوَدَّةٌفما الجواب؟
الشيخ: الجواب أن الله يخاطب الناس عمومًا، والمنافقون كما تعلم يُظهِرون أنهم مؤمنون، فهم منَّا في الظاهر وليسوا منَّا في الحقيقة.
الطالب: نقول: المقصود بالمخاطبين هنا؟
الشيخ: العموم.
الطالب: العموم؟ فيدخل المؤمن المبطِّئ.
الشيخ: والمنافق.
الطالب: والمنافق؟
الشيخ: نعم.
(...)
***
طالب: لأن طاعة وُلاة الأمور من طاعة الله سبحانه وتعالى وتابعةٌ لطاعة الله.
الشيخ: وليست؟
الطالب: وليست مستقلة.
الشيخ: قال الله تعالى: وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنْكَ صُدُودًا [النساء: ٦١] لماذا لم يقل: رأيتهم؟
طالب: هي فيها إظهار في موضع الإضمار، وله فوائد.
الشيخ: هذا إظهار في موضع الإضمار، ومن فوائده؟
الطالب: بيان العِلِّية؛ أنهم تصدوا لأهوائهم.
الشيخ: تمام، هذه واحدة.
الطالب: ولأجل تنبيه المخاطب أنهم منافقون.
الشيخ: لا.
طالب: التسجيل على مرجع الضمير.
الشيخ: كيف؟
الطالب: التسجيل على مرجع الضمير.
الشيخ: بأيش؟
الطالب: بأن لو كان هناك ضمير كان..
الشيخ: لا.
طالب: التسجيل على موضع الضمير بالوصف، ويفيد أيضًا العموم.
الشيخ: بالوصف، وأنهم منافقون، لو قال: (رأيتهم) ما تبيَّن لنا أنهم منافقون، لكن لما قال: رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَمعناه أنه سجل عليهم أنهم منافقون، وإن شئت فقل: الحكم على مرجع الضمير بهذا الوصف؛ أي: بالنفاق.
الثالث؟
لأجل علِّية الحكم، والحكم على مرجع الضمير بهذا الوصف.
طالب: العموم.
الشيخ: العموم؛ يعني وأن كل من صد..
الطالب: عن الرسول فهو منافق.
الشيخ: فهو منافق، أحسنت.
أقسم الله عز وجل أنه لا يتم الإيمان إلا بأمور ثلاثة بالنسبة لتحكيم الرسول صلى الله عليه وسلم.
طالب: حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا [النساء: ٦٥].
الشيخ: ما الفرق بين هذه الثلاثة؟
الطالب: أول شيء التحكيم.
الشيخ: التحكيم.
الطالب: التحكيم.
الشيخ: بحيث لا يتحاكمون إلى غيره مهما بلغ في العقل والذكاء، هذه واحدة.
الطالب: الحرج هذا الشيء (...).
الشيخ: لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًايعنى ضيقًا.
الطالب: ضيقًا في هذا القسم.
الشيخ: الثالث؟
الطالب: التسليم: الانقياد الظاهر.
الشيخ: التسليم: الانقياد الظاهر بحيث لا يحصل منه المعارضة.
الطالب: في الحكم.
الشيخ: تمام، بارك الله فيك.
في قوله تبارك وتعالى: وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنَا عَلَيْهِمْ أَنِ اقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ أَوِ اخْرُجُوا مِنْ دِيَارِكُمْ مَا فَعَلُوهُ [النساء: ٦٦] فيه (لو) تحتاج إلى جواب للشرط، فما جوابها في هذه الآية؟
طالب: جواب الشرط محذوف تقديره: ولو ثبت أنهم.
الشيخ: جواب الشرط محذوف؟
الطالب: لا، هذا فعل الشرط.
الشيخ: أنا أسأل عن جوابه؟
الطالب: وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ [النساء: ٦٤].
الشيخ: لا، وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنَا عَلَيْهِمْ.
الطالب: وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنَا عَلَيْهِمْ...مَا فَعَلُوهُ.
الشيخ: جملة؟
الطالب: مَا فَعَلُوهُ.
الشيخ: مَا فَعَلُوهُ.
الطالب: جواب الشرط.
الشيخ: لماذا لم تقترن اللام في جواب (لو) مع أنها تقترن به، أو مع أنه الجواب يقترن باللام؟
الطالب: لأن الجملة هنا نافية.
الشيخ: لأن الجملة هنا منفية.
الطالب: منفية، واللام تفيد ثبوت الأمر وتأكيده، والنفي يضادُّ ذلك.
الشيخ: إذن نأخذ من هذا قاعدة: أنه إذا كان جواب (لو) مُصَدَّرًا بـ(ما) النافية لم يقترن باللام.
إذا كان مثبتًا فهل يقترن باللام أو لا؟
الطالب: يجوز فيه الوجهان.
الشيخ: يجوز فيه الوجهان.
الطالب: الاقتران باللام أو لا يقترن.
الشيخ: الاقتران وعدمه، اتل عليَّ آيتين من آيات الله تدل على ذلك.
الطالب: سورة الواقعة؛ قوله تعالى: لَوْ نَشَاءُ جَعَلْنَاهُ أُجَاجًا [الواقعة: ٧٠]، ثانيًا: لَوْ نَشَاءُ لَجَعَلْنَاهُ حُطَامًا [الواقعة: ٦٥].
الشيخ: صحيح، صح لَوْ نَشَاءُ لَجَعَلْنَاهُ حُطَامًا، لَوْ نَشَاءُ جَعَلْنَاهُ أُجَاجًا.
قوله تعالى: وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْمن المراد بالرسول؟
طالب: النبي صلى الله عليه وسلم.
الشيخ: يعني العموم أو محمدًا؟
الطالب: الأَوْلى أنه جنس الرسول، (...) النبي صلى الله عليه وسلم (...) السياق.
الشيخ: من قواعد التفسير: إذا تعارض التفسيران أحدهما خاص والآخر عام فبأيهما نأخذ؟
الطالب: (...) بالعام.
الشيخ: لماذا؟
الطالب: لأن (...).
الشيخ: لأن الخاص (...) العام ولا عكس، أو لا؟ فهمتم القاعدة هذه: إذا تعارض القولان في التفسير أحدهما عام والثاني خاص أخذنا بالعام؛ لأنه -أي: العام- يدخل فيه الخاص ولا عكس.
ما الذي يفيده قوله تعالى: ذَلِكَ الْفَضْلُ مِنَ اللَّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ عَلِيمًامن الناحية المسلكية؟
طالب: إشارة إلى الإخلاص؛ أن الإنسان لا يعتدُّ بنفسه.
الشيخ: الإشارة إلى أن الإنسان لا ينبغي له أن يعتدَّ بنفسه، بل يعتقد أن الفضل من الله، خلافًا لمن قال: إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِنْدِي [القصص: ٧٨].
***
قال الله تبارك وتعالى في سورة النساء: إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا [النساء: ٥٨] أخذ العلماء من هذه الآية أنه يجب على المؤتمن أن يحفظ الأمانة في حرز مثلها وألا يتعدى فيها ولا يفرِّط، فكيف أخذوا ذلك؟ أجب؟
طالب: لأنه تأدية الأمانة تختلف من نوع الأمانة (...).
الشيخ: لا.
طالب: لقوله تعالى: إِلَى أَهْلِهَا، فكما يحفظها أهلها يجب أن..
الشيخ: لا.
طالب: لا يمكن يؤدِّى الأمانة إلا إذا حفظها يا شيخ.
الشيخ: صحيح، لا يمكن أداؤها إلا بحفظها وعدم الاعتداء عليها.
طيب، قوله تعالى: أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ [النساء: ٦٠]، من هؤلاء؟
طالب: اليهود، أهل الكتاب.
الشيخ: أهل الكتاب، توافقون على هذا؟ مَن؟
الطالب: الآية عامة (...) المنافقون.
الشيخ: تشمل أهل الكتاب والمنافقين، كيف عرفنا أنها تشمل المنافقين؟
طالب: قوله تعالى: أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ [النساء: ٥١].
الشيخ: لا.
طالب: أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ [النساء: ٦٠].
الشيخ: إي، بس هذه ما تدل على دخول المنافقين.
طالب: شيخ، لأن المنافقين ظاهرهم الإسلام، فإذا قالوا لنا: آمنا بما أُنزِل على الرسول صلى الله عليه وسلم فهم كذلك يؤمنون بما أنزل إلى من هو قبله.
طالب آخر: يؤخذ من قوله تعالى: بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَهم يزعمون أنهم آمنوا بمحمد صلى الله عليه وسلم.
الشيخ: نعم.
طالب: أن أهل الكتاب لم يؤمنوا بالرسول صلى الله عليه وسلم.
الشيخ: لا إله إلا الله!
طالب: وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ [النساء: ٦١] (...) المنافقين.
طالب آخر: قوله تعالى: وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ.
الشيخ: تمام، نعم هذا رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنْكَ صُدُودًا، يقول شيخ الإسلام رحمه الله في الفتوى الحموية: إن المتكلمين يشبهون هؤلاء الذين تحدث الله عنهم في الأربعة الأوجه، فكيف ذلك؟
طالب: نعم، يقولون: نحن أردنا الإحسان والتوفيق.
الشيخ: لا تبدأ من الآخر، من الأول.
طالب: الوجه الأول: إذا..
طالب آخر: الوجه الأول: أن أهل الكتاب في خوضهم في هذا البحث يزعمون بأنهم يريدون الحق، هم يزعمون، وكذلك هؤلاء المنافقين في هذا الأمر أيضًا يزعمون ذلك، اشتركوا في دعوى طلب الحق وهم كاذبون في ذلك، هذا الأول.
الثاني: يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ [النساء: ٦٠] أيضًا أن كلًّا منهم قد حكَّم طاغوتًا من الطواغيت في طريقه، فأهل الكلام حكَّموا أهواءهم، والمنافقون حكَّموا أيضًا ما جعلوه يعني..
الشيخ: حكَّموا أهواءهم.
الطالب: أهواءهم. الثالث..
طالب آخر: (...) بالكتاب والسنة، بإضافة الكتاب والسنة، بخلاف (...) عن الكتاب والسنة.
الشيخ: والمتكلمون إذا دُعُوا إلى الكتاب والسنة وإلى إثبات ما أثبته الله ورسوله رأيتهم يصدون ولا يحبون البحث في هذا.
طالب: الرابع: قوله: إِنْ أَرَدْنَا إِلَّا إِحْسَانًا وَتَوْفِيقًا [النساء: ٦٢].
الشيخ: يعني إذا اطُّلِع عليهم قالوا..
الطالب: إِنْ أَرَدْنَا إِلَّا إِحْسَانًا وَتَوْفِيقًا.
الشيخ: يعني: ما أردنا إلا إحسانًا وتوفيقًا، كيف التوفيق بالنسبة للمتكلمين؟
الطالب: قالوا (...) نوفق بين (...) والعقل.
الشيخ: بين السمع والعقل، صحيح.
في قوله تعالى: وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللَّهِ [النساء: ٦٤]، إذا قال قائل: إن هذا قد تخلف لأن من الرسل من لم يُطَع بل كُذِّب.
طالب: (...) الرد عليهم أنه من كذب بالرسل فإنه مكذب بالحق، وهذا ما هو حجة هذا، حجة عليهم لا حجة لهم.
الشيخ: لكن الآية: إِلَّا لِيُطَاعَ، ما أرسلناه إلا لأجل أن يُطاع.
الطالب: ما أرسل من رسول من الرسل إلا ليطاع بإذن الله.
الشيخ: وكم من رسول لم يُطَع.
الطالب: (كم من رسول) ما هي حجة على الآية يا شيخ، الحجة أن الرسول صلى الله عليه وسلم عند أهل الحق أنه ما يَكْذِب على كل حال.
الشيخ: إي نعم.
طالب: قيَّد الله سبحانه وتعالى، قال: إلا بإذن الله.
الشيخ: لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللَّهِلا بأس، لكن أخبر أنه لا بد أن يطاع، كل شيء بإذن الله.
طالب: إذن الله سبحانه وتعالى ينقسم إلى قسمين: إذن كوني..
الشيخ: لا.
الطالب: يا شيخ، ما يمنع؟
الشيخ: لا لا.
طالب: اللام ليست للعاقبة، وهي هنا للتعليل في قوله: لِيُطَاعَ، للتعليل، أي: لكي يطاع، وكونه يطاع (...) أو لا يطاع هذا شيء آخر.
طالب آخر: فيه يا شيخ هذه إرادة شرعية؛ أن الله عز وجل أراد أن يطاع شرعًا، ولكن كل ما أراده الله شرعًا يقع كونًا.
الشيخ: نعم، هل لها نظير في القرآن؟
الطالب: وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ [الإسراء: ٢٣].
الشيخ: لا.
طالب: شيخ، وَاللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ [النساء: ٢٧].
الشيخ: لا.
طالب: وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ.
الشيخ: نعم، وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِومع ذلك ما ما عبدوه أكثر ممن لم يعبده، لكن هذه أيش؟ إرادة شرعية قد يتخلف مراده، هذا هو الصحيح.
طالب: لام العاقبة يا شيخ.
الشيخ: حتى لو كانت لام العاقبة، في الواقع ليست العاقبة كذلك، لا، يحسن أن يقال: الإرادة شرعية؛ أراد الله أن يطاع الرسل، أراد الله أن يُعْبد، ولكن تخلف المراد.
بعضهم قال إن هذا كقولك: بَرَيت القلم لأكتب به. وقد تكتب وقد لا تكتب، يعني: هذه إرادتي وقد تكون وقد لا تكون، لكن ما ذكرناه أحسن.
في قوله تعالى: أَنِ اقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ أَوِ اخْرُجُوا مِنْ دِيَارِكُمْ [النساء: ٦٦] فيها قراءتان؟
طالب: كسر النون وضمها.
طالب آخر: فيها قراءة: أَنِ اقْتِلُوا، وفيها قراءة: {أَنُ اقْتُلُوا}.
الشيخ: بضم النون.
الطالب: نعم.
الشيخ: طيب، الثاني: أَوِ اخْرُجُوا مِنْ دِيَارِكُمْ [النساء: ٦٦]؟
طالب: أَوِ اخْرُجُوا، {أَوُ اخْرُجُوا}.
الشيخ: كسر الواو وضم الواو، صحيح، إذن كسر النون وضمها، وكسر الواو وضمها.
مَا فَعَلُوهُ إِلَّا قَلِيلٌفيها أيضا قراءتان.
طالب: {قَلِيلًا} وقَلِيلٌ.
الشيخ: {قَلِيلًا} وقَلِيلٌ.
الطالب: والجواب هو إلا.. الاستثناء هنا، نقول: إن الاستثناء تام منفي.
الشيخ: الاستثناء من تام منفي.
الطالب: والاستثناء من تام منفي يجوز فيه الوجهان: النصب على الاستثناء، أو الإتباع.
الشيخ: طيب هنا الإتباع أيش؟
الطالب: على الرفع أتبعناه لما قبله.
الشيخ: وهو؟
الطالب: وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنَا عَلَيْهِمْمَا فَعَلُوهُعلى الضمير في فَعَلُوهُ.
الشيخ: (...) وين الواو.
الطالب: الواو ضمير الفاعل، وعلى النصب أنها مستثناة.
الشيخ: مستثناة، أحسنت، بارك الله فيك.
قوله تعالى: وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَبعض الناس قال: إن (مع) بمعنى؟
طالب: تقول (مع)؟ يعني أيش معناها؟
الشيخ: إي نعم، بمعنى أيش؟
طالب: (...) يحشروا معهم يوم القيامة.
الشيخ: لا، (مع) بمعنى؟
طالب: (مِنْ) بمعنى (مِنْ).
الشيخ: بمعنى (مِن)؛ فأولئك من الذين أنعم الله عليهم.
وهل يتعيَّن أن تكون (مع) بمعنى (مِن)؟
طالب: (...).
الشيخ: يعني هل يتعيَّن أن تكون (مع) بمعنى (مِن)، أو يجوز أن تكون على بابها وهو المصاحبة؟
الطالب: الثاني.
الشيخ: يعني يجوز، إذن يجوز أن تكون بمعنى (مِن) وأن تكون للمصاحبة على بابها، فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ، وإذا كان معهم مصاحبًا لهم فهو منهم، وحينئذٍ لا نُخرج الكلمة عن معناها الظاهر، ولكن المعنى يؤول إلى القول الثاني الذي هو بمعنى (مِن).
الشُّهَدَاءِفيها قولان؟
طالب: العلماء، الشهداء المقاتلون في سبيل الله (...).
الشيخ: المقاتل في سبيل الله أو المقتول في سبيل الله؟
الطالب: المقتول في سبيل الله.
الشيخ: ما الذي يؤيد الأول أنهم العلماء؟
طالب: في سورة آل عمران شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ [آل عمران: ١٨] (...) الشهادة.
الشيخ: تمام، صحيح، وما الذي يؤيِّد أنهم الشهداء؛ أي: الذين قُتِلوا في سبيل الله؟
طالب: قوله تعالى: وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ (١٦٩) فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ مِنْ خَلْفِهِمْ أَلَّا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ [آل عمران: ١٦٩، ١٧٠].
الشيخ: ما فيها ذكر الشهادة.
طالب: الحديث يجزئ؟
الشيخ: نعم، الحديث، لكن في القرآن ما يدل على هذا.
طالب: اقترانه يا شيخ مع الصِّدِّيقين والصالحين.
الشيخ: لا.
طالب: قوله تعالى: قَدْ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيَّ إِذْ لَمْ أَكُنْ مَعَهُمْ شَهِيدًا [النساء: ٧٢].
الشيخ: أي: حاضرًا.
أليس الله قد قال في سورة آل عمران: وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَدَاءَ [آل عمران: ١٤٠] يعني: من يُقْتَلون في سبيل الله.
طيب، لدينا قاعدة تبيِّن المعنيين؟
طالب: أن اللفظ إذا كان يحتمل معنيين ولا تنافي بينهما فإنه يحمل عليهما معًا.
الشيخ: صحيح، وحينئذٍ نقول؟
طالب: الآية تشمل شهداء المعركة، والشهداء من العلماء.
الشيخ: تمام، صحيح.
قوله تعالى: وَإِنَّ مِنْكُمْ لَمَنْ لَيُبَطِّئَنَّ(مِنْ)؟
طالب: (مِنْ) هنا للتبعيض.
الشيخ: للتبعيض. ما هي علامة (مِنْ) التبعيضية؟
الطالب: معلوم أن نقول: إن.. يعني وَإِنَّ مِنْكُمْ لَمَنْ لَيُبَطِّئَنَّأي: بعضكم ليُبَطِّئن.
الشيخ: يعني أن يحلَّ محلَّها؟
الطالب: بعض.
الشيخ: بعض، طيب.
اللام في قوله: لَمَنْ، وفي قوله: لَيُبَطِّئَنَّ؟
الطالب: الأولى للتوكيد، الأولى اللي تجيء في ابتداء الكلام.
الشيخ: الأولى لام الابتداء.
الطالب: نعم، وتفيد التوكيد، أما الثانية فهي للقسم، ولو حلَّ مكانها لفظ الجلالة لجاز.
الشيخ: إذن اللام الثانية واقعة في جواب القسم، واللام الأولى لام الابتداء التي هي للتوكيد.
هنا إشكال؛ كيف نقول لام الابتداء وليست في ابتداء الكلام؟
طالب: أتت باسم (إنَّ) المؤخر.
الشيخ: كيف؟
الطالب: أتت باسم (إنَّ) المؤخر.
الشيخ: لا.
الطالب: يعني لا يُجمع بينها؛ لام التوكيد لا يُجمع بينها وبين (إنَّ).
الشيخ: يعنى أخروها لئلَّا يجتمع في أول الكلام مؤكِّدان، ولهذا يسمِّيها بعضهم: اللام المزحلقة؛ يعني التي دُفِعتْ عن مكانها.
لو قال قائل: ما الفائدة من القَسَم في القرآن وهو حقٌّ وصِدقٌ بدون القَسَم؟
طالب: تبيِّن شك المخاطب فيؤكد بهذا، أو (...) المقسم عليه وأهميته.
الشيخ: يعني القرآن باللسان العربي، ولسان العرب يؤكدون الأخبار بالقسم.
***
الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، لما أمر الله سبحانه وتعالى بالقتال في سبيل الله ووجَّه الأمر للذين يشرون الحياة الدنيا بالآخرة؛ أي: يبيعون الحياة الدنيا بالآخرة، وبيَّن فضل القتال في سبيل الله وأنَّ المقاتل في سبيل الله سواء قُتِل أو غَلَب فله الأجر من عند الله :فَيُقْتَلْ أَوْ يَغْلِبْ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا [النساء: ٧٤]؛ وَبَّخَ الله أولئك الذين يمتنعون عن القتال وقال: وَمَا لَكُمْ لَا تُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ(ما) هنا للاستفهام، ومعناه الإنكار، ويحتمل أن يكون الإنكار والتعجب؛ يعني أن يكون معناه الإنكار على هؤلاء الذين لم يقاتلوا والتعجب من حالهم.
وقوله: فِي سَبِيلِ اللَّهِسبق مِرارًا كثيرة بأن القتال في سبيل الله هو القتال لتكون كلمة الله هي العليا لا غير.
وقوله: وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِيحتمل أن تكون معطوفة على لفظ الجلالة؛ أي: وفي سبيل المستضعفين، ويحتمل أن تكون معطوفة على سَبِيلِ؛ أي: وفي المستضعفين من الرجال، والمعنيان يصُبَّان في قناة واحدة سواء قلنا: في سبيل المستضعفين، أو: في المستضعفين أنفسهم. والمستضعفون من الرجال هم الذين لا يستطيعون أن يخرجوا من هذه القرية التي تسومهم سوء العذاب.
وَالنِّسَاءِمعطوفة على المستضعفين أو معطوفة على الرِّجَالِ، أيهما أولى؟ إذا قلنا: معطوفة على الرِّجَالِصار المعنى أن النساء ينقسمن إلى قسمين: قسم مستضعف وقسم غير مستضعف، والمراد بالآية القسم المستضعف، وإذا قلنا: معطوفة على الْمُسْتَضْعَفِينَصار النساء لا ينقسمن إلى قسمين، بل هنَّ قسم واحد، وأن المرأة لا يلزمها أن تهاجر، ولكن المعنى الأول أحسن؛ لأن من النساء من هاجرت ولم تبْقَ في دار الذل والهوان.
وقوله: وَالْوِلْدَانِهذا هو الذي يمكن أن نقول: إنه معطوف على قوله: الْمُسْتَضْعَفِينَ، وذلك لأن الولدان لا يستطيعون الهجرة ولا يستطيعون الخروج، وهم في هذه الأماكن مظلومون، لا يستطيعون حيلة ولا يهتدون سبيلا، فواجب علينا أن نقاتل في سبيل الله سبحانه وتعالى وفي هؤلاء المستضعفين من الرجال والنساء والولدان.
وقوله: الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَخْرِجْنَاالَّذِينَصفة لكل ما سبق من المعطوف والمعطوف عليه، يَقُولُونَأي: يقول كل واحد منهم، أو (يقولون) على معنى الجملة، وإن لم يكن هذا القول صادرًا من كل واحد؛ وذلك لأن الجماعة الذين على هدف واحد وعلى طريق واحد يكون قول القائل منهم قولا للجميع.
رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْ هَذِهِ الْقَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُهَا، أَخْرِجْنَا مِنْ هَذِهِ الْقَرْيَةِوالمشار إليه القرية التي هم ساكنوها وباقون فيها وهي مكة؛ لأن قريشًا كانت تسوم من يُسلم سوء العذاب.
وقوله: الظَّالِمِ أَهْلُهَاالظَّالِمِهنا نعت، لأيش؟
طلبة: للقرية.
طالب: لـ(أهل).
الشيخ: لاسم الإشارة في هَذِهِ، ولكن كيف يكون نعتًا والمعنى قائم بغير المنعوت؛ لأنه قال: الظَّالِمِ أَهْلُهَاولم يقل: الظالمة؟
والجواب عن هذا أن يقال: النعت نوعان: حقيقي، وسببي:
فالحقيقي: ما عاد فيه الوصف على المنعوت؛ كما تقول: مررت بزيدٍ الفاضلِ. هنا (الفاضل) هذا وصفٌ عائد أيش؟ على من؟ على زيد.
والسببي: ما كان الوصف فيه عائدًا إلى غير المنعوت، لكن له به علاقة؛ كما لو قلت: مررت بزيدٍ الفاضلِ أبوه. فهنا الفضل لا يعود على زيد بل يعود على أبيه، لكن له به علاقة وارتباط، ولهذا أُضيفَ إليه فقيل: (أبوه)، فالضمير في (أبوه) عائد على زيد، الظَّالِمِ أَهْلُهَامن هذا الباب، النعت فيه سببي ولَّا حقيقي؟
طلبة: سببي.
الشيخ: سببي، الظَّالِمِ أَهْلُهَا، وعلى هذا فنقول: الظَّالِمِصفة لـهَذِهِ، و(أهل) فاعل بالظالم، الظَّالِمِاسم فاعل، وأَهْلُهَا: (أهل) فاعل، و(أهل) مضاف، و(ها) مضاف إليه.
الظَّالِمِ أَهْلُهَالماذا هم ظالمون؟ هل المراد الظلم الذي هو العدوان على حقِّ هؤلاء المؤمنين، أو ما هو أعمُّ كظلمهم بالشرك والعدوان أيضًا؟
طلبة: الثاني.
الشيخ: الثاني؛ فأهل هذه القرية ظالمون في حق الله لإشراكهم به، وقد قال الله تعالى: إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ [لقمان: ١٣]، وهؤلاء أيضًا ظالمون بالنسبة لاعتدائهم على هؤلاء المؤمنين حيث كانوا يؤذونهم ويسومونهم سوء العذاب.
وَاجْعَلْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّاوَاجْعَلْ لَنَا: الواو هذه حرف عطف، واجْعَلْمعطوفة على أَخْرِجْنَا؛ يعني: ويقول أيضًا: اجْعَلْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَأي: من عندك وَلِيًّا وَاجْعَلْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ نَصِيرًا(اجعل لنا وليًّا) يعني: يتولَّانا؛ يتولى أمورنا، ونَصِيرًاينصرنا على أعدائنا.
وتأمَّل أن كلمة اجْعَلْجاءت مرتين؛ لأن المقام مقام دعاء، ومقام الدعاء ينبغي فيه البسط؛ لأن الداعي يُناجي اللهَ عز وجل، ومناجاة الحبيب لمحبوبه كلما زادت كان ذلك أقوى في المحبة، ولهذا ترى الإنسان إذا كان يحب شخصًا يحب أن يُكثر معه الكلام، وربما يجلس يتكلم معه مدة طويلة وكأنها أقلُّ من هذه المدة بكثير.
وَاجْعَلْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا وَاجْعَلْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ نَصِيرًاوالنصير هو الْمُدافع المانع من عدوِّك أن يعتدي عليك.
فإذا قال قائل: أليست الولاية تأتي بمعنى النُّصرة؟
قلنا: بلى، ولكن -كما أسلفنا قبل- قليل مقامُ الدعاء ينبغي فيه البسط.
***
الشيخ: نعوذ بالله من الشيطان الرجيم.
قال الله تبارك وتعالى: وَمَا لَكُمْ لَا تُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمُسْتَضْعَفِينَما نوع الاستفهام هنا؟
طالب: إنكاري، ويحتمل أن يكون إنكارًا وتعجبًا.
الشيخ: إي، إنكار وتعجب.
قوله: وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِمعطوفة على أيش؟
طالب: (...) معطوفة على لفظ الجلالة.
الشيخ: إي نعم، ويكون التقدير؟
الطالب: في سبيل الله وفي سبيل المستضعفين.
الشيخ: أو على سبيل؟
الطالب: (...) الله، والمستضعفين من الرجال.
الشيخ: يعني: وفي المستضعفين لتخليصهم.
طيب، ما المراد بـ(قرية) في قوله: الْقَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُهَا.
طالب: مكة.
الشيخ: مكة، هل هناك دليلٌ على أنها مكة؟
طالب: من الآية؟
الشيخ: نعم، من الآية أو غير الآية.
الطالب: الواقع يا شيخ عند نزول الآيات.
الشيخ: ما فيه آيات تدل على هذا؟
الطالب: آية أخرى؟
الشيخ: إي نعم.
طالب: (...).
الشيخ: لا.
طالب: وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ هِيَ أَشَدُّ قُوَّةً مِنْ قَرْيَتِكَ.. [محمد: ١٣].
الشيخ: أحسنت، تمام.
قوله: وَاجْعَلْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا وَاجْعَلْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ نَصِيرًاما الفرق بين الوليِّ والنصير؟
طالب: الوليُّ هو الذي يتولَّى أمر الإنسان، وليُّ الأمر.
الشيخ: بجلْب المنفعة له ودفْع؟
الطالب: المضرة.
الشيخ: والنصير؟
الطالب: النصير هو المعين الذي ينصرك ويؤازرك.
الشيخ: نعم، يعني: ويمنع أعداءه منه؛ لأن النصر معناه المنع؛ كما في قوله تعالى: فَمَنْ يَنْصُرُنَا مِنْ بَأْسِ اللَّهِ إِنْ جَاءَنَا [غافر: ٢٩].
ثم قال تعالى: الَّذِينَ آمَنُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِلَمَّا وبَّخ الله سبحانه وتعالى وتعجَّب من الذين لا يقاتلون في سبيل الله بيَّن أن المقاتلين ينقسمون إلى قِسمين فقال: الَّذِينَ آمَنُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، وهذه جملة مكوَّنة من مبتدأ وخبر؛ المبتدأ قوله: الَّذِينَ، والخبر قوله: يُقَاتِلُونَ.
وقوله: يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِأي: يقاتلون الكفار.
وقوله: فِي سَبِيلِ اللَّهِأي: في دينه وشرعه؛ أي: من أجْله، وقد بيَّن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم القتالَ في سبيل الله، هو قِتال من يُقاتِل لتكون كلمةُ الله هي العُليا، هذا هو القتال في سبيل الله، وما عدا ذلك فليس في سبيل الله.
وَالَّذِينَ كَفَرُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ الطَّاغُوتِهذه الجملة مكوَّنة من مبتدأ وخبر؛ المبتدأ: الَّذِينَ، والخبر: جملة يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ الطَّاغُوتِ.
والطَّاغُوتِصيغة مبالغة من الطغيان، فالتاء فيها كالتاء في قوله: إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً [النحل: ١٢٠]، فالتاء للمبالغة، وكما يقولون: فلانٌ عَلَّامَة، التاء أيضًا للمبالغة، وعلى هذا فيكون آخر الكلمة -يعني آخر أصول الكلمة- هو الواو في الطاغوت، وأما التاء فهي مزيدة للمبالغة، فمَنْ هو الطاغوت؟
يُعرف المعنى بذِكْر المقابل، فالطاغوت هو مقابل مَن يُقاتل في سبيل الله، فكل من قاتل لغير سبيل الله فهو مقاتِل في الطاغوت سواء قلنا: إنه الشيطان، أو أولياء الشيطان، أو العصبية، أو غير ذلك، المهم أننا نفهم أن المراد بسبيل الطاغوت هو ما كان لغير سبيل الله من المقابلة، وقد مرَّ علينا قاعدة مفيدة في هذا: أن الشيء قد يُعرف بمعرفة مقابله، ومرَّ علينا منه قوله تعالى: فَانْفِرُوا ثُبَاتٍ أَوِ انْفِرُوا جَمِيعًا [النساء: ٧١].
وقوله: الطَّاغُوتِيعني: كل ما تجاوز به الإنسان حَدَّه، فإنه طغيان وطاغوت.
فَقَاتِلُوا أَوْلِيَاءَ الشَّيْطَانِالفاء للتفريع على ما سبق؛ أي: قاتلوا أيها المقاتلون في سبيل الله أولياء الشيطان الذين اتخذوا الشيطانَ وَلِيًّا فغرَّهم وأضلَّهم، وهم الذين يقاتلون لا لتكون كلمة الله هي العليا.
إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفًالما أمر بقتال أولياء الشيطان بيَّن أنهم مغلوبون وأنَّ المقاتِل لأولياء الشيطان غالب؛ يؤخذ هذا من التعليل من قوله: إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفًا، وإذا كان ضعيفًا فإنه لا مقاومة منه للحق.
وقوله: إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِإذا كان كيد الشيطان ضعيفًا وهو الذي يأتي به مكرًا وخديعةً، فما كان صريحًا فهو من باب أَوْلى، والشيطان له كيد ومكائد، يكيد للإنسان، لكنه ضعيف، إذا ذُكِر اللهُ خَنَسَ، وإلا فهو يكيد حتى في غير القتال، يكيد للإنسان في العبادات؛ فيأتيه أولًا من باب التهاون بالعبادة ويُهوِّنها عليه ويقول: إذا تركتَ هذه المرَّة تفعلها المرَّة الأخرى، ثم إذا هَمَّ بها في المرة الأخرى أيضًا وسوس له وثبَّطه، ويُهَوِّن عليه المعصية ويقول: هذه معصية بسيطة، ولا يراك أحد، وليس عندك أحد، ليس عندك إلا الله، والله غفور رحيم، وما أشبه ذلك، فيُهَوِّنها عليه كيدًا ويُزيِّنها، ولكن مع ذلك فكيدُهُ ضعيف؛ لأنه لا يُقاوم الحقَّ أبدًا.
في هذه الآية عدة مسائل وفوائد:
أولًا: بيان أن الناس ينقسمون في الجهاد إلى قسمين..
طالب: اللي قبلها يا شيخ.
الشيخ: اللي قبلها؟ وَمَا لَكُمْ لَا تُقَاتِلُونَ؟
وَمَا لَكُمْ لَا تُقَاتِلُونَفيها فوائد:
أولًا: توبيخ من توانى عن الجهاد؛ لقوله: وَمَا لَكُمْ لَا تُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ.
ومن فوائدها أيضا: ذِكْر ما يشجِّع على القتال من الناحية النفسية؛ لقوله: وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ؛ لأن ذكر ما يثير الإنسان ويهيِّجه أمر مطلوب، ولا شك أن الإنسان إذا قيل له: إن هناك رجالًا مستضعَفين ووِلدانًا ونساءً، لا شك أنه سوف يزداد هِمَّةً وإقدامًا.
ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن الكفار قد استضعفوا هؤلاء وأهانوهم.
ومن فوائدها: وجوب الدفاع عن المستضعَفين عند الكفار؛ لأن الله تعالى وبَّخ على الأمرين: على ترك القتال في سبيل الله، وعلى ترك القتال في سبيل هؤلاء المستضعَفين لتخليصهم، وهذا أمرٌ واجبٌ على كل مسلم مع القدرة؛ أن يفكَّ أسيرَ المسلمين، وأن يرفع الظلم عنه بقدر المستطاع؛ لقول الله تعالى: فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ [التغابن: ١٦].
ومن فوائد هذه الآية الكريمة: جواز التوسل بالحال؛ لقوله: أَخْرِجْنَا مِنْ هَذِهِ الْقَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُهَا؛ توسَّلوا إلى الله تعالى بذِكْر حال أهل هذه القرية بأنهم ظالمون لهم، وذِكْر الحال؛ أن الإنسان مظلوم، يوجب الرقة والعطف.
واعلم أن التوسل إلى الله عز وجل يكون بأمور:
الأمر الأول: التوسل إلى الله بأسمائه؛ لقوله تعالى: وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا [الأعراف: ١٨٠] فتقول: يا غفور اغفر لي، ويا رحيم ارحمني، وهُنا ينبغي أدبًا وعقلًا وفِطنةً أن لا يُتوسَّل لمطلوب إلا بالاسم المناسب له؛ فإذا كان يريد أن يسأل الله المغفرة يتوسل بأيش؟ بـ(الغفور)، الرِّزق بـ(الرزاق)، البطش بالظالم بـ(شديد العقاب)، وما أشبه ذلك.
الثاني: التوسل إلى الله تعالى بصفاته، ومنه قوله ما جاء في الحديث المأثور: «اللَّهُمَّ بِرَحْمَتِكَ أَسْتَغِيثُ» ، فإن هذا توسلٌ إلى الله تعالى بصفة من صفاته، ومنه أيضًا: «اللَّهُمَّ بِعِلْمِكَ الْغَيْبَ وَقُدْرَتِكَ عَلَى الْخَلْقِ أَحْيِنِي إِذَا عَلِمْتَ الْحَيَاةَ خَيْرًا لِي» ، ومنه أيضًا: «اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْتَخِيرُكَ بِعِلْمِكَ وَأَسْتَقْدِرُكَ بِقُدْرَتِكَ» .
الثالث: التوسل إلى الله تعالى بأفعاله، والأفعال وإن كانت من الصفات لكن هي نوع آخر؛ كقولك: اللهم صلِّ على محمد وعلى آل محمد كما صلَّيتَ على إبراهيم وعلى آل إبراهيم. فإن الصحيح أن الكاف هنا للتعليل؛ أي: لأنك صلَّيتَ على إبراهيم، ولا غرابة أن تأتي الكاف للتعليل؛ فقد جاءت في قوله تعالى: وَاذْكُرُوهُ كَمَا هَدَاكُمْ [البقرة: ١٩٨] أي: لهدايته إياكم، على أحد الوجهين، وإذا قلنا: إن الكاف في قوله: «كَمَا صَلَّيْتَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ» زال عنا الإشكال الذي يعرضه كثير من العلماء، وهو أنه كيف يُشبِّه الصلاةَ على محمد صلى الله عليه وسلم بالصلاة على إبراهيم وعلى آل إبراهيم مع أنَّ محمدًا وآله أفضل من إبراهيم وآله، إذا جعلنا الكاف للتعليل زال الإشكال، وإذا جعلناها للتشبيه -وهو لا يصح، لكن تنزُّلًا- فإن ذلك على قول بعض العلماء: إن هذا من باب ذِكْر الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم مرتين: مرةً مطلوبة، ومرةً مُخبَرًا عنها؛ مطلوبة: «اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ»، مُخبَرًا عنها: «كَمَا صَلَّيْتَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ وَعَلى آلِ إِبْرَاهِيمَ» . فإن محمدًا لا شك أنه من آل إبراهيم؛ من آل إبراهيم نَسَبًا ومن آله اتِّباعًا؛ كما قال الله تبارك وتعالى: إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْرَاهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ وَهَذَا النَّبِيُّ وَالَّذِينَ آمَنُوا [آل عمران: ٦٨]، فهو من آله عليه الصلاة والسلام نَسَبًا واتِّباعًا، لكن ما ذكرناه أولًا أنَّه من باب أيش؟ التوسل إلى الله تعالى بأفعاله أَوْلى.
الرابع: التوسل إلى الله تعالى بحال الداعي؛ يعني بأن يذكر الإنسانُ حالَه لله عز وجل ويعرضها؛ فإنَّ ذِكْر الحال التي تقتضي الْحُنُوَّ والعطف توسلٌ بها، ومنه قول موسى عليه الصلاة والسلام: رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ [القصص: ٢٤].
الخامس: التوسل إلى الله تعالى بالإيمان بالله عز وجل ورسوله، ومنه قوله تعالى: الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا إِنَّنَا آمَنَّا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ [آل عمران: ١٦].
السادس: التوسل إلى الله عز وجل بدُعاء الصالحين؛ أن يتوسل الإنسان إلى الله بدُعاء رجلٍ صالحٍ؛ مثل قول عُكَّاشة بن محصن: ادْعُ الله أن يجعلني منهم. فقال: «أَنْتَ مِنْهِمْ» ، ومثل دخول الرجل الأعرابي الذي قال: يا رسول الله، هلكت الأموال وانقطعت السُّبُل، فادعُ الله أن يُغيثنا ، ومنه دعاء المؤمنين؛ فإن دعاء المؤمنين لمن سبقهم من هذا النوع، أو لا؟ فيه توسل؟ لا ليس فيه توسل، حقيقةً ليس فيه توسل.
السابع: التوسل إلى الله تعالى بالعمل الصالح؛ كتوسل الثلاثة الذين انطبق عليهم الغار؛ فإن ثلاثةً آواهم المبيت إلى غارٍ، فدخلوا فيه، ثم انطبقت عليهم صخرةٌ عجزوا عنها، فتوسلوا إلى الله تعالى بأعمالهم الصالحة: أحدهم بالبِرِّ، والثاني بالعِفَّة، والثالث بالوفاء، فانفرجت الصخرة وخرجوا يمشون . فهذه أقسام التوسل الجائز.
أما التوسل الممنوع فضابطه أن يتوسل إلى الله تعالى بما ليس بوسيلة؛ لأن هذا نوعٌ من الاستهزاء بالله عز وجل والسخرية به؛ إذ إن الوسيلة ما يُتوسل به إلى المطلوب، فإذا قدَّمتَها بين يدي دعائك وهي ليست بوسيلة صار هذا كالاستهزاء بالله عز وجل؛ مثل أن يتوسل الإنسان بنفس الشخص الصالح: اللهم إني أسألك بفلان. ومن ذلك على القول الراجح الجاه: اللهم إني أسألك بجاه فلان. فإن هذا التوسل حرام؛ لأنه توسلٌ إلى الله بما لم يكن وسيلة، ولهذا حرَّمنا على الإنسان تعليق التمائم إذا لم تكن من القرآن، لماذا؟ لأنها وسيلة غير صالحة، وكل من توسل إلى الله بوسيلة غير صالحة فإن توسُّله حرام.
ومن فوائد هذه الآية الكريمة: جواز الجهر بالسوء لمن ظُلِم؛ فتقول: فلانٌ ظلمني، فلانٌ أخذ مالي، وما أشبه ذلك، ولا يُعَدُّ هذا من باب الغِيبة؛ لقوله: الظَّالِمِ أَهْلُهَا، وقد قال الله تبارك وتعالى: لَا يُحِبُّ اللَّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ إِلَّا مَنْ ظُلِمَ [النساء: ١٤٨].
ومن فوائد الآية الكريمة: أن أيدي الكفار لها ولاية على ما تحتها، بمعنى أن الكافر إذا كان له بلد أو مدينة أو ما أشبه ذلك فإنَّ له ولاية عليها؛ لقوله: الظَّالِمِ أَهْلُهَا، فجعلهم أهلها، ومع ذلك فليسوا بأهلها في الحقيقة؛ كما قال تعالى: وَمَا كَانُوا أَوْلِيَاءَهُ إِنْ أَوْلِيَاؤُهُ إِلَّا الْمُتَّقُونَ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ [الأنفال: ٣٤].
ومن فوائد الآية الكريمة: جواز دعاء الإنسان ربَّه أن يُخرجه من القرية الظالمِ أهلُها؛ لقوله: رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْ هَذِهِ الْقَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُهَا، وإذا كان له قدرة فليخرج، ولكن هل المراد بـالظَّالِمِ أَهْلُهَاالذين اعتدوا علينا، أو الظَّالِمِ أَهْلُهَاالذين اعتدوا على حق الله؟
الظاهر الأول، يعني أن الإنسان لا يجوز أن يدعو الله أن يُخرجه من البلد إلا إذا كان أهلُها قد ظلموه بمنعه عن دينه وعن إقامته، أما إذا كانوا ظالمي أنفسهم ولكنه لا ينالون مسلمًا بسوء فإنه لا تجب الهجرة، ولا ينبغي أن يدعو الله تعالى بأن يخرج منها إلا إذا خاف على دينه.
ومن فوائد الآية الكريمة: أن للإنسان أن يطلب من الله تعالى وليًّا من عنده؛ لقوله: وَاجْعَلْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا، ولا يقال: إنه لا بد أن تقول: اللهم تولَّني. فأنت إما أن تدعو الله بأن يتولاك أو أن يُيَسِّر لك وليًّا، وكذلك يقال: وَاجْعَلْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ نَصِيرًا، واعلم أن الوليَّ والنصير إذا اجتمعا صار الولي فيما ينفع والنصير في دفع ما يضُرُّ، وأما إذا أُفرِد أحدُهما شمل الآخر، فإذا قيل (ولي) بدون (نصير) فالمراد به من يجلب لك الخير ويدفع عنك الشر، وإذا كان (نصير) بلا (ولي) فالمراد من يدفع الشر ويجلب الخير، وإذا اجتمعا صار الوليُّ فيمن يجلب الخير، والنصيرُ فيمن يدفع الشر.
ومن فوائد الآية الكريمة: بيان عُلُوِّ هِمَّة هؤلاء حيث قالوا: مِنْ لَدُنْكَفي الولي، ومِنْ لَدُنْكَفي النصير؛ لأن الولي إذا جاء من عند الله -وكذلك النصير- فهذا هو الذي ينفع، أما الولي الذي لا يأتي من عند الله عز وجل وإنما حملته الحمِيَّة والعصبية فهذا قد ينفع وقد لا ينفع.
وفي الآية أيضًا: التوسل بالربوبية؛ لقوله: رَبَّنَا، وهذا من أيِّ أنواع التوسل السبع التي ذكرنا؟
طلبة: الصفات.
الشيخ: في الصفات، وأكثر ما يكون الدعاء إذا كان فيه توسل يكون بالربوبية؛ لأن الربوبية هي التي بها الْمُلْك والخلق والتدبير، وإن كان يأتي بالألوهية مثل (اللهم)، لكن أكثر ما تكون بالربوبية.
ثم قال تعالى: الَّذِينَ آمَنُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ .. [النساء: ٧٦].
طالب: التوسل بجاه النبي صلى الله عليه وسلم وبجاه الله عز وجل؟
الشيخ: أما بجاه النبي فلا يجوز؛ لأنه ليس وسيلة؛ إذ إن جاه النبي عليه الصلاة والسلام هي منزلة رفيعة للرسول لا تنفعني أنا، عرفت؟ أما جاه الله فلا يجوز التوسل، إلى من تتوسل؟! إلا إذا أراد بالجاه: الوجه، وقال: أتوسل بصفة الله، فهمت؟
الطالب: (...).
الشيخ: مثل: «أَعُوذُ بِاللَّهِ الْعَظِيمِ وَبِوَجْهِهِ الْكَرِيمِ» .
الطالب: بعض العلماء منع التوسل بجاه الله.
الشيخ: إي، صحيح ما لم يُرِد بالجاه الوجه، جاه الله عند مَن؟! لأن الجاه معناه المنزلة عند الغير، فلان له جاه عند فلان؛ يعني: منزلة عالية، فمَنْ أعلى من الله؟!
الطالب: لا أحد.
الشيخ: طيب.
الطالب: فإذن التوسل بجاه الله ينقص من ذاته؟
الشيخ: إي، هذا ما يجوز، أما إذا أراد الإنسان الوجه فهذا لا بأس به؛ لأنه من باب التوسل بالصفات.
طالب: التوسل بشهادة أن لا إله إلا الله، لأن الله يحبها ومن صفات التوحيد؟
الشيخ: التوسل بشهادة أن لا إله إلا الله من العمل الصالح، أما التوسل بـ(لا إله إلا الله) فهو من التوسل بالصفة، عرفت؟
الطالب: (...).
الشيخ: من يعرف الفرق، التوسل بشهادة أن لا إله إلا الله من باب التوسل بالعمل الصالح، والتوسل بـ(لا إله إلا الله) من باب التوسل بالصفة؟
طالب: شيخ، التوسل بشهادة أن لا إله إلا الله توسل بالعمل على أساس أنه يشهد أن لا إله إلا الله..
الشيخ: بفعل الإنسان.
الطالب: والتوسل بـ(لا إله إلا الله) توسل بصفة؛ لأن من صفات الله تبارك وتعالى..
الشيخ: انفراده بالألوهية.
طالب: شيخ هل يؤخذ من الآية (...)؟
الشيخ: من أين هذا؟
الطالب: أَهْلُهَا.
الشيخ: الأهل ما تكون إلا في الملك؟ ما تكون الأهل ما تضاف إلا لمالك؟
الطالب: (...).
الشيخ: أهل الثناء والمجد؛ أي صاحب أو مستحق، فهمت؟ لكن على كل حال هو لولا أن هناك سُنَنًا تدل على عدم ذلك لكنا نقول: هذا ظاهر الحال؛ أن الأهل إذا كان مخلوقًا أُضيفَ لمخلوق فالأهل هو المالك، هذا هو الأصل.
وبيوت مكة فيها خلاف، والصحيح أنها تُملَك بذواتها، لكن الأرض لا تُملَك، ثم اختلفوا هل تُملَك بذواتها ومنافعها؟ المذهب: لا تُملَك لا بذواتها ولا بمنافعها، ولهذا حرَّموا على أهل مكة إيجار البيوت؛ قالوا: الرجل من أهل مكة لا يجوز له أن يؤجر بيته، حتى وإن استأجره لا يجوز أن يؤجره غيره؛ لأنه إذا ظُلِم لا يمكن أن يدفع الظلم عن نفسه بظلم غيره.
واختار شيخ الإسلام رحمه الله جوازَ البيع دون الإجارة؛ قال: البيع؛ لأنه يملك عين البناء، فهو ملكه، له أن يبيع، وأما المنافع فالناس سواء في المسجد الحرام.
ومذهب الشافعي جواز البيع والإجارة، وهو الذي عليه العمل الآن، لكن احتكارها هذا هو الممنوع؛ بمعنى أنه إذا جاء وقت الموسم زدنا في إجارتها لأن الناس محتاجون إليها، هذا هو الممنوع.
ولهذا يؤسف أن الناس في زمن الموسم -فيما سبق أما الآن ما أدري- يزيدون السلع الاستهلاكية؛ إذا كان الخبز أربعة بريال يجعلونه اثنين بريال.
طالب: ثلاثة بريال.
الشيخ: وبغير الموسم؟
الطالب: أربعة بريال.
الشيخ: أربعة بريال، يعني معناه الربع، وهذا خلاف عمل الجاهلية، الجاهلية يخدمون الحجاج ويسقونهم النبيذ مجانًا.





