إذا أصابته الحسنة أن يُوليَها شكرًا لله عز وجل؛ لأنها منه تفضُّلًا وإحسانًا،
وإذا أصابته السيئة فلينظر في نفسه حتى يحاسبها ويستعتب فترتفع السيئة، فإذا قال
قائل: إذا كان الخطاب للرسول عليه الصلاة والسلام فهل الرسول عليه الصلاة والسلام
يفعل فعلًا يُعاقَب عليه؟
الجواب: أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أمره الله
أن يستغفر لذنبه وللمؤمنين، وقال: إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا (١) لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ [الفتح: ١، ٢]، وهو من بني آدم، وبنو آدم خطاء، وخير الخطائين
التوابون، فالنبي صلى الله عليه وآله وسلم قد يُخطئ؛ ولهذا قال: «اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي جِدِّي وَهَزْلِي وَخَطَئِي
وَعَمْدِي» .
لكن الفرق بينه وبين سائر البشر ممن أُرسل إليهم أنه لا بد أن يُوَفَّق
للاستغفار والتوبة، أما غيره فقد يُوَفَّق وقد لا يُوَفَّق، وبهذا نعرف أن النبي
صلى الله عليه وآله وسلم قد يحصل منه ما يكون سببًا في إصابته بالسيئة، ولكنه يزداد
بذلك رفعة ودرجة عند الله سبحانه وتعالى.
ومن فوائد هذه
الآية الكريمة: عموم رسالة النبي صلى الله عليه وسلم لجميع البشر؛ لقوله:
وَأَرْسَلْنَاكَ لِلنَّاسِ [النساء: ٧٩]، ويتفرع على
ذلك: الرد على النصارى الذي زعموا أن محمدًا صلى الله عليه وعلى آله وسلم رسول إلى
العرب خاصة؛ لأننا نقول لهم: أنتم الآن تؤمنون بأنه رسول، وأنه من عند الله، وقد
قال الله عنه: أَرْسَلْنَاكَ لِلنَّاسِفيلزمكم على
إقراركم بأنه رسول أن تُقِرُّوا بأن رسالته عامة، وإلا فقد كذبتموه، فمتى أقررتم
بأنه رسول -ولو إلى العرب- لزمكم بأن تُقِرُّوا بأنه رسول إلى كافة الناس.
ومن فوائد هذه الآية الكريمة: الإشارة إلى أن النبي صلى الله
عليه وسلم أهل للرسالة، وكفء لها، وقائم بها؛ لقوله: وَأَرْسَلْنَاكَ لِلنَّاسِ رَسُولًافهو ابتداءً أهل لها، وهو
غايةً مُنَفِّذٌ لها تمامًا.
ومن فوائد هذه الآية
الكريمة: أن شهادة الله له بالرسالة مغنية عن كل شهادة، لكن لمن اتقى، فما
وجه شهادة الله له؟
شهد الله لنبيه صلى الله عليه وسلم بأنه رسول حقًّا
بشهادتين؛ شهادة قولية، وشهادة فعلية؛ أما الشهادة القولية: ففي قوله تعالى: لَكِنِ اللَّهُ يَشْهَدُ بِمَا أَنْزَلَ إِلَيْكَ أَنْزَلَهُ بِعِلْمِهِ وَالْمَلَائِكَةُ يَشْهَدُونَ وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا [النساء: ١٦٦].
وأما الشهادة الفعلية فهو تمكينه من إبلاغ الرسالة ونصره على
أعدائه، وقد قال الله تعالى: وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الْأَقَاوِيلِ [الحاقة: ٤٤] بعض، ما هو كل الأقاويل لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ (٤٥) ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ [الحاقة: ٤٥، ٤٦] يعني: لأهلكناه، إذن فالنبي صلى الله عليه
وسلم قد شهد الله له بالرسالة شهادة قولية وفعلية، القولية؟
طالب: وَأَرْسَلْنَاكَ لِلنَّاسِ [النساء: ٧٩].
الشيخ: لا، نريد لفظ الشهادة.
الطالب: لَكِنِ اللَّهُ يَشْهَدُ بِمَا أَنْزَلَ إِلَيْكَ [النساء: ١٦٦].
الشيخ: أَنْزَلَهُ بِعِلْمِهِ وَالْمَلَائِكَةُ يَشْهَدُونَ،
الفعلية؟
طالب: الفعلية: أن الله عز وجل مكَّن لدينه
حتى..
الشيخ: مكن له ونصره.
الطالب: مكن له..
الشيخ:
ونصره.
الطالب: ونصره على أعدائه، ولو أنه كان
يعني..
الشيخ: غير رسول.
الطالب: لما مكنه الله عز وجل؛ لأنه يقول: وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الْأَقَاوِيلِ [الحاقة: ٤٤] وليس كل الأقاويل، لأخذناه..
الشيخ: لَأَخَذْنَا.
الطالب: لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ [الحاقة: ٤٥]، يعني: لما
تركناه على حاله.
الشيخ: أحسنت، بارك الله فيك، ومع
ذلك، مع هذا كله أيده الله تعالى بآيات بينات معجزات ظاهرة حسية ومعنوية.
وما
أحسن مراجعة ما كتبه شيخ الإسلام رحمه الله حول هذا الموضع في كتابه الجواب
الصحيح لمن بدل دين المسيح فإنه ذكر في آخر الكتاب من آيات النبي صلى الله عليه
وسلم الحسية والمعنوية ما لم أره لغيره، حتى إن ابن كثير رحمه الله في كتابه
البداية والنهاية نقله إما بلفظه أو بمعناه، فما أحسن مراجعة هذا البحث الذي
كتبه شيخ الإسلام رحمه الله حول هذا الموضوع.
من فوائد
الآيات؛ الآية الأولى وهذه: منع التطير؛ لقوله: قُلْ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ [النساء: ٧٨]، وإذا شئتم أن نؤجل البحث فيه،
لأنه مهم، فعلنا.
طالب: شيخ، ما يمكن يكون سياق هذه
الآيات في المنافقين حتى قوله تعالى: أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ [النساء: ٧٧]، كل هذا السياق
فيما بعد يأتي للمنافقين ، ما هم قوم من الصحابة هاجروا.
الشيخ: لا، الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُّوا أَيْدِيَكُمْليسوا كلهم قَالُوا رَبَّنَا لِمَ كَتَبْتَ عَلَيْنَا الْقِتَالَ [النساء: ٧٧]، إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْفريق، ما هو كلهم.
الطالب: يا
شيخ، الآيات اللي بعدها قولهم: وَإِنْ تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌ يَقُولُوا هَذِهِ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ [النساء: ٧٨]، ثم يأتي الله عز وجل
يقول: وَيَقُولُونَ طَاعَةٌ فَإِذَا بَرَزُوا مِنْ عِنْدِكَ بَيَّتَ [النساء: ٨١]، كلام في المنافقين: وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ [النساء: ٨٣]، ما هم كفار.
الشيخ: هو لا يستبعد، وقد قيل به، لكن كما قلت لكم في أثناء
التفسير: أكثر المفسرين على أنها في قوم كانوا في مكة مضطهدين فطلبوا من الرسول
عليه الصلاة والسلام أن يقاتلوا، فقيل لهم: كفوا أيديكم، وأيضًا المنافقون هل قالوا
يومًا من الدهر: دعونا نقاتل؟
طالب: بعضهم، يا شيخ..
الشيخ: أبدًا، بل إنه حتى في غزوة أحد لما خرجوا رجعوا
من أثناء الطريق.
طالب: لكن الأول كانوا يوعدون الرسول
أنهم سيبقون معه ويؤيدونه.
الشيخ: لا، اليهود، هؤلاء
اليهود هم الذين كانوا يستفتحون على الذين كفروا.
طالب:
يا شيخ، بعض الجرائد والمجلات (...) البروج؛ الحمل والعقرب والدلو وما أشبه ذلك،
فهل لهذا أصل؟
الشيخ: لا بأس، التقويم مبني على هذا،
التقاويم المكتوبة ما هي اللي تُنشر كل سنة المكتوبة؟! بنوا توقيتهم على
البروج.
الطالب: لكن فيه نقطة؛ يكتبون البرج ويكتبون
أمامه: حظك كذا.
الشيخ: هذا هو المحرم، هذا محرم،
تطيُّر.
طالب: شيخ -بارك الله فيك- قلتم يا شيخ على
موضوع الدعوة: إن الإنسان لا بد من أجل أن يدعو أن يكون على علم، هل من ضابط لهذا
الأمر، يعني: هل الإنسان اللي يدعو لا بد يكون عنده مقدار من العلم كبير
أو..؟
الشيخ: لا، ما هو لازم، المهم أن يكون لديه علم
بقدر ما يدعو به.
طالب: قال النبي صلى الله عليه وسلم:
«بَلِّغُوا عَنِّي وَلَوْ آيَةً» .
الشيخ: البلاغ غير الدعوة.
طالب:
شيخ، (...) العقبة، فإن قلت: مرجع الضمير في قوله: وَإِنْ تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌ [النساء: ٧٨] هل نقول: هم المؤمنون الذين كانوا في
مكة؟
الشيخ: لكن فريق منهم، ما هو كلهم، فريق منهم،
ولعل هؤلاء الفريق هم الذين لما هاجروا حصل فيهم نفاق، لما هاجروا إلى المدينة حصل
فيهم النفاق، وإن كان النفاق أكثره في الخزرج والأوس.
الطالب: يعني ما مصير هؤلاء ؟ منافقين ولَّا مؤمنين؟
الشيخ: من؟
الطالب: من هؤلاء
الذين..
الشيخ: هؤلاء الذين هاجروا، وقد قالوا: دعونا
نقاتل، فقيل: كفوا أيديكم، هاجروا، فريق منهم، ما كلهم، انحرفوا عن مبدئهم الأول،
ولما كُتب عليهم القتال تراجعوا ونافقوا ولا يُستبعد هذا، يكون أولهم مؤمنين ثم
كانوا منافقين.
الطالب: فسرنا فيما سبق أن الفريق هو
الطائفة، هل معنى هذا أن الفريق هو الطائفة كالبر والتقوى أيضًا؟
الشيخ: كالبر والتقوى.
الطالب: إي
نعم.
الشيخ: لا، هما لفظان لمعنى واحد، البر (...).
***
طالب: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ وَمَنْ تَوَلَّى فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا (٨٠) وَيَقُولُونَ طَاعَةٌ فَإِذَا بَرَزُوا مِنْ عِنْدِكَ بَيَّتَ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ غَيْرَ الَّذِي تَقُولُ وَاللَّهُ يَكْتُبُ مَا يُبَيِّتُونَ فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا (٨١) أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا [النساء: ٨٠ - ٨٢].الشيخ: نعوذ بالله من الشيطان الرجيم، سبق لنا أن أعداء الرسل يتطيرون بالرسل، وبيَّن الله سبحانه وتعالى أن كل ما يقع فهو من عند الله، وفي آية أخرى بيَّن أن طائرهم معهم، يعني: إن كان هناك شؤم فالشؤم منكم على أنفسكم، وسبق لنا أن ما أصاب الإنسان من حسنة فمن الله، وما أصابه من سيئة فمن نفسه.
وسبق لنا الجمع بين هذه الآية والتي قبلها أن السيئة والحسنة من الله خلْقًا وتقديرًا، والسيئة من الإنسان سببًا يعني يكون هو السبب، وليس هو الذي أوجده، وبهذا يحصل الجمع بين الآيتين.
وسبق لنا بيان عموم رسالة النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم لجميع الناس من قوله: وَأَرْسَلْنَاكَ لِلنَّاسِ رَسُولًا [النساء: ٧٩]، وهذه آية من آيات كثيرة تدل على رسالته وعمومها.
وسبق لنا أن الله شهد لصحة رسوله صلى الله عليه وسلم على وجهين: قول، وفعل.
ثم قال الله تعالى: مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ وَمَنْ تَوَلَّى فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا، فيه جملتان شرطيتان:
الأولى: مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَفـ (مَن) هنا شرطية، وفعل الشرط يُطِعِ، وفيه إشكالان؛ الإشكال الأول: أين ذهبت عين الكلمة؟ والإشكال الثاني: كيف كانت مكسورة مع أن (مَن) تجزم؟
والجواب عن الإشكال الأول: أن عين الكلمة حذفت؛ لأن لامها كانت مجزومة وعينها ساكنة، وقد قال ابن مالك:
| إِنْ سَاكِنَانِ الْتَقَيَا اكْسِرْ مَا سَبَقْ | وَإِنْ يَكُنْ لَيْنًا فَحَذْفَهُ اسْتَحَقْ |
فالياء ساكنة والعين ساكنة، فيُحذف حرف اللين: الياء، وأما كسر العين وهي مجزومة فمن أجل التقاء الساكنين، والأمثلة في هذا كثيرة مثل قوله تعالى: لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا [البينة: ١]، فأين جواب الشرط في مَن يُطِعِ؟ جوابه قوله: فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ.
الجملة الثانية: وَمَنْ تَوَلَّى فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا، الجملة الثانية فعل الشرط فيها (...)، وجملة الجواب جملة اسمية! فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًاجملة اسمية! مثل (...)، جملة فعلية؛ لأن (ما) نافية وأَرْسَلْنَاكَفعل ماضٍ.
أما وجه اقتران الجواب بالفاء في الجملتين فلأنه لا يصح أن يكون الجواب شرطًا، وإذا كان الجواب لا يصح أن يكون شرطًا وجب اقترانه بالفاء، كما قاله ابن مالك في ألفيته:
| وَاقْرُنْ بِـ (فَا) حَتْمًا جَوَابًا لَوْ جُعِلْ | شَرْطًا لِـ (إِنْ) أَوْ غَيْرِهَا لَمْ يَنْجَعِلْ |
وقد ذُكِر ذلك في بيت من الشعر وهو؟
طالب: (...)
الشيخ:
| اسْمِيَّةٌ طَلَبِيَّـــــــــةٌ وَبِجَــــــامِدٍ | وَبِمَا وَقَدْ وَبِلَنْ وَبِالتَّنْفِيسِ |
يقول الله عز وجل: مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَو(أل) في الرسول للعهد الذهني، وهو محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم؛ لأن القرآن نزل في عهد رسالته، ويصح أن نقول: إنه عامٌّ يشمل كل رسول، وعلى هذا فتكون (أل) للعموم وليست للعهد، لكن يضعف هذا الاحتمال قوله: وَمَنْ تَوَلَّى فَمَا أَرْسَلْنَاكَ؛ لأن هذا الخطاب للنبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وعلى هذا فالمراد بالرسول محمدًا صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وتكون (أل) للعهد أيش؟ الذهني.
فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَإذن طاعة الرسول طاعة لله عز وجل، فإذا أمرنا رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم بأمر فأطعناه فنحن قد أطعنا الله.
وَمَنْ تَوَلَّىيعني: فلم يُطع الرسول فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا؛ لأن عليك البلاغ، وقد بلَّغت، وحفظُ الناس وأعمالهم إلى الله عز وجل.
يستفاد من هذه الآية الكريمة فوائد، منها: أن الأصل فيما قاله الرسول عليه الصلاة والسلام أنه شرع؛ لعموم قوله: مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ، وينبني على ذلك أننا لو شككنا فيما فعله الرسول عليه الصلاة والسلام أو قاله هل هو شرع أو نسيان؟ فنحمله على أنه شرع، ومن ذلك أنه قرأ سورة الزلزلة في صلاة الفجر في الركعتين، قال الراوي: فلا أدري أنسي -يعني- أم كان على علم. فنقول: هذا الاحتمال وارد ولَّا غير وارد؟
طلبة: وارد.
الشيخ: لا، إذا قلنا: إن الأصل أن ما فعله فهو شرع يكون هذا الاحتمال غير وارد، وإن ورد عقلًا فهو ضعيف شرعًا، نقول: الأصل إن ما فعله فهو شرع ما هو نسيان.
ومن فوائد هذه الآية الكريمة: الاحتجاج بالسنة، وأنها كالقرآن في وجوب العمل بها، ولكن نحتاج في السنة إلى إثبات صحتها أو إلى إثبات نسبتها إلى رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، نحتاج إلى هذا؛ لأن ما دامت لم تثبت فإنها ليست من كلام الرسول.
ويستفاد من هذه الآية: جواز نسخ القرآن بالسنة، وجواز تخصيص القرآن بالسنة، أما الثاني فمحل اتفاق أن السنة تُخصِّص القرآن، وأما الأول فمختلَف فيه، فقيل: إنها -أي السنة- لا تنسخ القرآن من وجهين:
الوجه الأول: أن ثبوت القرآن قطعي؛ لأنه نُقل بالتواتر اللفظي والمعنوي، والسنة أيش؟ ليست كذلك.
الثاني: أن القرآن كلام الله منقول إلينا بالتواتر اللفظي والمعنوي، أما السنة فإن الرواة قد يتصرفون فيها فينقلونها بالمعنى وهذا كثير؛ لذلك قالوا: إن القرآن لا يُنسَخ بالسنة، والصواب: أن القرآن ينسخ بالسنة إذا ثبتت عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم؛ يعني فإن القرآن يُنْسَخ بالسنة، ولكن حتى الآن لم نجد دليلًا أو لم نجد مثالًا يسلم من المعارضة، لكن من حيث النظر نقول: إنه -أي نسخ القرآن بالسنة- ثابت.
من فوائد هذه الآية: أن معصية الرسول معصية لله، تؤخذ بطريق المفهوم؛ لأنه إذا كانت طاعته طاعة لله فمعصيته معصية لله عز وجل.
ومن فوائدها: إثبات رسالة النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم من وجهين؛ أولًا: وصفه بالرسول، وثانيًا: جعل طاعته كطاعة الله عز وجل.
وهنا مسألة: هل للنبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم أن يجتهد؟ الجواب: نعم، وسنته نوعان: اجتهادية، ووحي؛ فمن الوحي حين سئل عن الشهادة فقال: «إِنَّهَا تُكَفِّرُ كُلَّ شَيْءٍ» ، ثم أتاه جبريل فقال: «إِلَّا الدَّيْنَ». فإن قوله: «إِلَّا الدَّيْنَ» هذا بالوحي.
وأما ما يقوله عليه الصلاة والسلام دون أن ينسبه إلى الله فهو وحي باعتبار إقرار الله له كما نقول: إن النبي صلى الله عليه وسلم إذا أقرَّ أحدًا على قول أو عمل صار هذا من سنته، وسنته: قول وفعل وإقرار.
ومن فوائد هذه الآية الكريمة: تهديد من تولى وأعرض عن طاعة النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم؛ لقوله: وَمَنْ تَوَلَّى فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًاكأنه يقول: فنحن نحفظه، ونحفظ عليه أعماله، ودعنا معه.
ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم لا يُسْأَل عن إعراض أمته، وأن من أعرض من أمته فذنبه على نفسه؛ لقوله: وَمَنْ تَوَلَّى فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا.
ومن فوائد هذه الآية: إثبات العظمة لله عز وجل، وذلك حين جاء بضمير الجمع في قوله: فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا، وقد ذكر بعض العلماء أن النصارى يستدلون في مثل هذه الضمائر على تعدد الآلهة؛ لأنهم يقولون: هذه تفيد الجمع، فيقال: لا غرابة، لا غرابة أن يستدل النصارى بهذا المتشابه على باطلهم؛ لأن النصارى في قلوبهم زيغ، وقد قال الله تعالى: فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ [آل عمران: ٧].
والجواب على هذا سهل، هو أن نقول: ما لكم تشبثتم بهذه الآية المتشابهة وتركتم الآيات المحكمة البينة الظاهرة بأن الله إله واحد؟ كما في قوله: وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ [البقرة: ١٦٣].
ثم قال الله عز وجل: وَيَقُولُونَ طَاعَةٌ فَإِذَا بَرَزُوا مِنْ عِنْدِكَ بَيَّتَ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ غَيْرَ الَّذِي تَقُولُ وَاللَّهُ يَكْتُبُ مَا يُبَيِّتُونَ فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا.
يقولون: هؤلاء من المنافقين أو خليط من المنافقين والمؤمنين يَقُولُونَ طَاعَةٌيعني: إذا أمرتهم قالوا: طاعة، لا نخالفه، ولكنهم إذا خرجوا من عند الرسول عليه الصلاة والسلام بيَّت طائفة فَإِذَا بَرَزُواوالبروز معناه: الظهور، يعني: إذا فارقوا المجلس وظهر فراقهم إياه وصاروا بدلًا من أن يكونوا في الحجرة صاروا في السوق. والمقصود من هذا بيان أنهم إذا فارقوا المكان مفارقة تامة بَيَّتَ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ غَيْرَ الَّذِي تَقُولُ.
بَيَّتَيعني: عمل ليلًا، وإنما كان عملهم ليلًا؛ لأن الليل محل الخفاء ومحل السر، فتجدهم يقولون عند النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: طاعة، لكن إذا ذهبوا إلى بيوتهم بَيَّتوا غير الذي يقولون.
بَيَّتَ طَائِفَةٌ مِنْهُمْوليس كلهم، طائفة منهم، غَيْرَ الَّذِي تَقُولُو(غير) هنا بمعنى المخالفة، فإذا قال: افعلوا كذا، قالوا: طاعة، فإذا رجعوا إلى بيوتهم قالوا: لا طاعة، يعني يبيتون المخالفة فيما يقول الرسول عليه الصلاة والسلام.
قال الله تعالى: وَاللَّهُ يَكْتُبُ مَا يُبَيِّتُونَوالجملة هذه خبرية تفيد أمرين؛ أولًا: تهديد هؤلاء الذين يبيتون غير ما يقول الرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم، والثاني: تسلية الرسول صلى الله عليه وسلم، وأن أمرهم لا يخفى على الله، فقد يعاجلهم بالعقوبة وقد يؤخر، يقول جل وعلا: فَأَعْرِضْ عَنْهُمْأعرض عنهم؛ يعني: لا تهتم بهم، ولا تشغل بالك بهم.
وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِاعتمد عليه، واعلم أنهم وإن بيتوا ما يبيتون فلن يضروك، حتى لو بيتوا أن يبطشوا بالرسول عليه الصلاة والسلام، أو أن يردوا دعوته بالدعايات الباطلة أو ما أشبه ذلك، فتوكل على الله.
والتوكل على الله قال العلماء: هو صدق الاعتماد على الله عز وجل مع الثقة به وفعل السبب الذي أمر به، فهي مكونة من ثلاثة معانٍ؛ أولًا: صدق الاعتماد على الله، والثاني: الثقة بالله عز وجل؛ لأن التوكل لا ينفع إذا لم يكن واثقًا بوعد الله، وقد قال الله تعالى: وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ [الطلاق: ٣].
الثالث: فعل الأسباب التي أمر بها، فمن لم يفعل الأسباب فهو ليس متكلًا ولكنه متواكل، لا بد من فعل الأسباب، هذا هو التوكل على الله، صِدْقُ الاعتماد على الله، مع الثقة به، وفعل الأسباب التي أمر بها.
وقولنا: (التي أمر بها) احترازًا من فعل الأسباب التي لا حقيقة لها ولا أصل لها كما يفعله المشعوذون وأصحاب التمائم غير المباحة، وما أشبه ذلك.
يقول: وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًاسبق إعراب مثل هذه الجملة عند قوله تعالى: وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا؛ وقلنا: إن (الباء) حرف جر زائد، وأن لفظ الجلالة محله الرفع على أنه فاعل، ووَكِيلًاإما تمييز وإما حال.
في هذه الآية الكريمة: يبين الله عز وجل للرسول عليه الصلاة والسلام أن من الناس من يؤمن ظاهرًا ويكفر باطنًا؛ لقوله: وَيَقُولُونَ طَاعَةٌ فَإِذَا بَرَزُوا مِنْ عِنْدِكَ بَيَّتَ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ غَيْرَ الَّذِي تَقُولُ.
ومن فوائد هذه الآية: التحذير من النفاق، وأن الإنسان يجب أن يكون صريحًا بيِّنًا لا يظهر للناس بوجه، وإذا اختفى عنهم أعطاهم وجهًا آخر؛ ولهذا لا تجدون أحسن من الشخص الصادق الذي لا يُبالي ولا يماري ولا تأخذه في الله لومة لائم، وهذا هو الواجب على كل مسلم أن يكون ظاهره وباطنه سواء.
ومن فوائد هذه الآية الكريمة: بطلان التقية التي يتخذها الرافضة دينًا، من أين تؤخذ؟ من تهديد الله عز وجل هؤلاء الذين يتظاهرون بالطاعة ويبيتون خلاف الطاعة، وذلك في قوله: وَاللَّهُ يَكْتُبُ مَا يُبَيِّتُونَ.
ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات الفعل لله عز وجل؛ لقوله: يَكْتُبُ، لكن هل المراد بذلك أنه يكتبه هو بنفسه جل وعلا مباشرة، أو يأمر بكتابه؟ الثاني هو المراد، لكن ما فُعِلَ بأمر الآمر فهو منسوب إليه، وإلا فالذين يكتبون أعمال العباد هم الملائكة؛ لقول الله تبارك وتعالى: كَلَّا بَلْ تُكَذِّبُونَ بِالدِّينِ (٩) وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ (١٠) كِرَامًا كَاتِبِينَ [الانفطار: ٩ - ١١].
ويصح أن يُنسب الفعل إلى الآمر به شرعًا وعُرفًا؛ ولهذا يقال: بَنَى عمرو بن العاص مدينة الفسطاط. ومعلوم أن عمرو العاص لم يباشرها بنفسه ولكن أمر بها.
ويقال: بَنَى الأمير قصره، هل هو الذي أتى باللَّبِن والطين؟ لا، ولكنه أمر بذلك.
ومن ذلك قوله تعالى: وَالسَّمَاءَ بَنَيْنَاهَا بِأَيْدٍ [الذاريات: ٤٧]، أَأَنْتُمْ أَشَدُّ خَلْقًا أَمِ السَّمَاءُ بَنَاهَا [النازعات: ٢٧]، ليس باشرها عز وجل بيده كما خلق آدم بيده، لكنه قال: كن فيكون؛ لقوله تعالى: ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلْأَرْضِ ائْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ [فصلت: ١١].
طالب: أحسن الله إليك، هل الإنسان لو أعلن الطاعة، ثم سر في نفسه بخلاف الطاعة، ولكنه لم يجزم بها لم يتحدث؛ حديث نفس..
الشيخ: ولكن؟
الطالب: يعني: حدثت نفسه بخلاف الطاعة، فهل يغفر الله عز وجل هذا الحديث الذي تحدثه؟
الشيخ: لا، لا يُؤاخَذُ به؛ لقوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «إِنَّ اللَّهَ تَجَاوَزُ عَنْ أُمَّتِي مَا حَدَّثَتْ بِهِ أَنْفُسَهَا مَا لَمْ تَعْمَلْ أَوْ تَتَكَلَّمْ» .
طالب: شيخ، هل نقول: إن الله سبحانه وتعالى يخلق بيده؟
الشيخ: نعم، قال العلماء؛ علماء السلف في عقائدهم: كتب التوراة بيده.
طالب: حديث «اسْتَعِينُوا عَلَى قَضَاءِ حَوَائِجِكُمْ بِالْكتْمَانِ» ما ينافي هذا؟
الشيخ: أولًا، صحِّح لي هذا الحديث قبل كل شيء، وإذا صححته وأتيتني به مصححًا أجبتك.
الطالب: (...).
الشيخ: لا، هذا ليس بوجه، بل هذا دليل على أن السنة تُعتبر كما يُعتبر القرآن، وأنها قد تأتي بتفاصيل وتفسير ليس موجودًا في القرآن، وهذا هو الواقع؛ يعني: في القرآن آيات مجملة لم نتبين المراد بها إلا بواسطة السنة.
الطالب: عفا الله عنك، المشركون أهل مكة، على قوة حماهم وعلى قوة بأسهم (...) الرسول صلى الله عليه وسلم (...) لكن بصراحة ما يمكننا في مسألة يعني مثلًا (...) .
الشيخ: ويش المطلوب؟
الطالب: (...).
الشيخ: وَمِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مَرَدُوا عَلَى النِّفَاقِ [التوبة: ١٠١]، والسبب في ذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم لما قدم المدينة وظهر أمره في غزوة بدر بدأ المنافقون يخافون، بدؤوا ينافقون، ولّا حتى في أول قدومه ما كان يعرف النفاق، ما عرف ولا بزغ نجمه إلا حين حصل الظهور للرسول عليه الصلاة والسلام في بدر.
طالب: قوله تعالى: بَيَّتَ طَائِفَةٌما قلت لنا يا شيخ: إن (بيت) بمعنى النية تكون أعم (...)؟
الشيخ: نعم، فهي (بَيَّتَ) مدلولها اللغوي أنها للنية، وهذا هو الغالب، ولكن ما يمنع أن يكون النية التي أخفاها الإنسان مثل القول الذي أخفاه في الليل.
طالب: شيخ، قلنا: إن الطرق الأخذ بالأسباب، إذا قال قائل : يفهم من قوله تبارك وتعالى : أَيْنَمَا تَكُونُوا يُدْرِكْكُمُ الْمَوْتُ وَلَوْ كُنْتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ [النساء: ٧٨] أن ما نأخذ بالأسباب.
الشيخ: الموت لا بد منه.
الطالب: يعني كل..
الشيخ: ما له مفر.
الطالب: ولو ، هو رأس (...) أشياء أخرى.
الشيخ: يعني لو قال إنسان: أنا أتوكل على الله وأبغي أبني قصرًا مشيدًا، وأحط عندي حرس وجنود، وبتوكل على الله عشان ما يجيني الموت، حصل؟ ما حصل، الموت لا بد منه.
الطالب: إذا حضرت المعركة كيف يكون (...)؟
الشيخ: لا، إذا حضر المعركة لا بد أن يلبس الدروع، لا بد أن يتحصن.
الطالب: أيش الفائدة؟
الشيخ: الفائدة لأن أمامي عدو أستطيع أتخلص منه، لكن الموت الذي يأتي من الله ما يتخلص منه الإنسان.
الطالب: إذا كان الموت مقدرًا ما يقدر.
الشيخ: لكن ما دام عندي أسباب أتدافع بها الموت فهو المقدر، كما أن الإنسان لو جاع وأكل لا يموت، ولو ترك الأكل لمات.
لكن إذا قال قائل: كيف نعمل برجل قُتل، وفي ظننا أنه لو لم يقتل لبقي؟
فالجواب: أنه لا يمكن أن يتغير الأمر عن الواقع، فالمكتوب في اللوح المحفوظ أن هذا الرجل يموت بهذا القتل في ذلك الزمن وفي ذلك المكان، وظننا أنه لو لم يُقتل لبقي، هذا ظن لا حقيقة له، يعني: ظن غير وارد، وذلك أن ما وقع لا يمكن أن يتغير إطلاقًا، مهما عمل الإنسان لا يمكن أن يتغير.
طالب: قلتم يا شيخ: صدق الاعتماد على الله؛ أولا: صدق الاعتماد على الله، ثانيًا: الثقة بالله. ثالثًا..
الشيخ: فعل الأسباب المأمور بها.
الطالب: فإذا جاء رجل أو لم يأت، إذا مرض ولده ابنه يعني، فهل تعالجه بالطب النبوي أم أعالجه بالطب الحديث؟
الشيخ: عالجه بما هو أنفع، اجمع بين الأمرين.
الطالب: يعني؛ أولًا نجرب ..
الشيخ: لا، ما نقول: جرب. كلمة (جرب) ما تأتي في الأمور الشرعية، في الأمور اللي من مصنوع الخلق لا بأس، جرب.
الطالب: لكن الطب النبوي الآن نأخذه -كما قلتم بالأمس يا شيخ- والإنسان جازم عليه.
الشيخ: إي إي، معلوم هذه في الأمور الشرعية؛ لأن الله أخبر عنها، فلا بد أن تأخذها وأنت جازم، أما الأمور المصنوعة فهل تجزم بأن ما صنعه هؤلاء يكون موافقًا؟
الطالب: هل نفهم من الآية الإعراض (...)؟
الشيخ: الإعراض، لا، هذا المقصود بالإعراض أن لا يهتم بهم، وإلا فلا بد من بيان الباطل، لكن بدلًا من أن يقلق نفسه يعرض عنه، مثل ما نقول: أعرض عن الوسواس وما أشبه ذلك.
طالب: في قول الله تعالى: وَالسَّمَاءَ بَنَيْنَاهَا بِأَيْدٍ [الذاريات: ٤٧]تشبه الآية : ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا [فصلت: ١١].
الشيخ: بِأَيْدٍأي: بقوة.
الطالب: يكون هذا مدخلًا للأشاعرة؟
الشيخ: مدخل، إي، لكن لو حاول الدخول وجد الباب مغلقًا.
الطالب: لكن هو (...).
الشيخ: هل أضاف الله الأيدي إليه؟
الطالب: نعم.
الشيخ: هل أضاف الله الأيدي إليه؟ قال: بأيدينا؟
الطالب: لا.
الشيخ: إذن لو قلنا (بأيدٍ) أي: بأيدي الله لكنا قلنا: على الله ما لم يقله، فهمت؟ والأيدي في اللغة العربية تعني القوة، وانظر إلى قوله تعالى: وَبَنَيْنَا فَوْقَكُمْ سَبْعًا شِدَادًا [النبأ: ١٢] أي قوية عظيمة.
الطالب: من قال قولهم، هل يجوز لنا أن ننسب إليه لازمه؟
الشيخ: أما قول الله ورسوله فلازمه الصحيح حق؛ لأن الله تعالى عالم بما يترتب على قوله، ولكن يشترط أن يكون لازمًا صحيحًا؛ لئلا يأتي آتٍ فيقول: هذا من لازم كلام الله. وليس كذلك.
وأما غير الله ورسوله فلازم قوله ليس قولًا له إلا أن يلتزمه؛ وذلك لأنه ربما لا يقر بأنه من لازم قوله، وربما لا يكون على باله حين قال القول، فإذا ذُكِر له هذا اللازم وكان باطلًا رجع.
***
الطالب: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم وَيَقُولُونَ طَاعَةٌ فَإِذَا بَرَزُوا مِنْ عِنْدِكَ بَيَّتَ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ غَيْرَ الَّذِي تَقُولُ وَاللَّهُ يَكْتُبُ مَا يُبَيِّتُونَ فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا (٨١) أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا (٨٢) وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إِلَّا قَلِيلًا (٨٣) فَقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لَا تُكَلَّفُ إِلَّا نَفْسَكَ وَحَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَكُفَّ بَأْسَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَاللَّهُ أَشَدُّ بَأْسًا وَأَشَدُّ تَنْكِيلًا [النساء: ٨١ - ٨٤].الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله تعالى: وَيَقُولُونَ طَاعَةٌ فَإِذَا بَرَزُوا مِنْ عِنْدِكَ بَيَّتَ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ غَيْرَ الَّذِي تَقُولُ وَاللَّهُ يَكْتُبُ مَا يُبَيِّتُونَ فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا.
من فوائد هذه الآية التي ذكرتم، تقرؤون علينا لئلا تتكرر، اقرأ.
طالب:
الفائدة الأولى: أن من الناس من يبطن خلاف ما يظهر.
الثانية: التحذير من النفاق.
والثالثة: بطلان التقية.
الشيخ: التقية؟
الطالب: بطلان التقية التي يتخذها الرافضة دينًا، وهذا يؤخذ من تهديد الله لهم في قوله تعالى: وَاللَّهُ يَكْتُبُ مَا يُبَيِّتُونَ.
الرابع: هل المراد أنه يكتب مباشرة أو يأمر بالكتابة؟ المراد الثاني، ولكن ما فُعِلَ بأمر الله فهو من فعله، (...)، ومنه قوله تعالى: وَالسَّمَاءَ بَنَيْنَاهَا بِأَيْدٍ [الذاريات: ٤٧]، وَالسَّمَاءِ وَمَا بَنَاهَا [الشمس: ٥] (...).
الشيخ: ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن المنافقين يحرصون على أن يخفوا أعمالهم، ولهذا يوقعونها ليلًا؛ لقوله: بَيَّتَ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ غَيْرَ الَّذِي تَقُولُ.
ومن فوائد الآية الكريمة: أن قول النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم كقول الله في وجوب طاعته وترك ما نهى عنه؛ وجهه أنه حذر هؤلاء الذين يبيتون غير ما يقول الرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم.
ومن فوائد هذه الآية الكريمة: إثبات الأفعال الاختيارية التي تكون من فعل الله؛ لقوله تعالى: وَاللَّهُ يَكْتُبُ.
فإن قال قائل: لقد فسرتم الكتابة هنا بكتابة الملائكة؟
قلنا: ولكن كتابة الملائكة وقعت بأمره، والأمر من الصفات الاختيارية، وهذا الذي دلت عليه الآية الكريمة هو ما ذهب إليه أهل السنة والجماعة من أن أفعال الله أفعال اختيارية.
وذهب أهل التعطيل إلى أن الله تعالى ليس له أفعال اختيارية تقوم به، وأنه لا يمكن أن يتجدد له فعل؛ لأنهم يدعون أنه لا يقوم الحادِث إلا بحادِث، وهذا باطل.
بل نقول لهم عكس ما أرادوا: أن من لا يفعل ناقص، ومن يفعل أيش؟ كامل، لا شك أن من يفعل أكمل ممن لا يفعل، فالصفات الاختيارية وهي الصفات الفعلية لا شك أنها من كمال الله عز وجل، قال الله تعالى: إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ [هود: ١٠٧].
ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات العلم لله؛ لقوله: يَكْتُبُولا كتابة إلا بعد علم.
ومن فوائد الآية الكريمة: الإعراض عمن أيِسنا من إصلاحهم؛ لقوله: فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ [النساء: ٨١]، ولكن هل هذا يعني الإعراض المطلق بحيث أن لا نعيد عليه الكرة مرة ثانية؟ فالجواب: لا، إنما نُعرِض عنهم ما دمنا قد أيسنا من صلاحه.
ومن فوائد الآية الكريمة: وجوب التوكل على الله؛ لقوله: وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ؛ يعني: اعتمد عليه في جلب المنافع ودفع المضار، بمعنى أنك لا ترجو حصول المنافع إلا منه ولا دفع المضار إلا منه سبحانه وتعالى، والتوكل على الله معناه تفويض الأمر إليه، وصدق الاعتماد عليه والثقة به سبحانه وتعالى.
وهل يجوز أن يُطلق هذا اللفظ على المخلوق فيقول: توكلت على فلان في شراء سيارة لي؟ نعم، يجوز، والفرق بينهما -ما بينها وبين التوكل على الله- أن التوكل على الله تفويض مطلق يعتقد المتوكل فيه أنه مفتقر إلى الله عز وجل.
أما هذا فهو تفويض مقيد، ثم إن الموكِّل أو المتوكل يرى أن المتوكَّل عليه في رتبة أقل من رتبته، فهذا هو الفرق، لكن إن تحاشى الإنسان هذا القول: (توكلت على فلان) وأبدله بقوله: (وكَّلت فلانًا) كان خيرًا.
ومن فوائد الآية الكريمة: كفاية الله سبحانه وتعالى لمن توكل عليه؛ لقوله: وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا، وهذا كقوله: وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ [الطلاق: ٣].
ذكر بعض المفسرين على قول الله تبارك وتعالى عن يوسف أنه قال للذي نجا منهما: اذْكُرْنِي عِنْدَ رَبِّكَ فَأَنْسَاهُ الشَّيْطَانُ ذِكْرَ رَبِّهِ فَلَبِثَ فِي السِّجْنِ بِضْعَ سِنِينَ [يوسف: ٤٢] أن الله تعالى قدَّر أن ينسى هذا الرجل الموسط، لأن يوسف لما قال: اذكرني عند ربك، صار فيه نوع اعتماد على هذا السيد، هكذا زعم، والله أعلم.
وقد يقال: إن الله سبحانه وتعالى قدر أن ينسى هذا الرجل من أجل ابتلاء يوسف حتى يتم له الصبر بأنواعه الثلاثة.
ثم قال تعالى: أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ [النساء: ٨٢].
أولًا: الإعراب أَفَلَاالهمزة هنا للاستفهام، والفاء عاطفة، فأين المعطوف عليه؟
الطالب: على قولين؛ القول الأول أن المعطوف عليه محذوف، والقول الثاني: أنه ليس هناك معطوف عليه، إنما الأصل حرف العطف مقدم على حرف الاستفهام.
الشيخ: ليس هناك معطوف عليه؟
الطالب: إي نعم.
الشيخ: إذن (الفاء) حرف عطف؟!
الطالب: الاستفهام له الصدارة.
الشيخ: إذا كانت (الفاء) حرف عطف، أين المعطوف عليه؟
طالب: يقول: يعطف عليه ما سبق؛ فألا.
الشيخ: فألا، تمام، فيها قولان؛ القول الأول: أن الهمزة داخلة على محذوف تقديره: أغفلوا فلا يتدبرون القرآن، أو أنه ما سبق، وعلى هذا فيكون موضع الهمزة بعد الفاء، ولكن قدمت؛ لأن لها الصدارة، الأول أقعد والثاني أيسر، الأول أقرب للقواعد أنه يكون هناك شيء مقدر معطوف عليه، والثاني: أسهل وأيسر؛ لأنه لا يحتاج إلى تقدير، وربما في بعض الأحيان يصعب عليك جدًّا أن تعين هذا المحذوف.
وقوله: وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا [النساء: ٨٢] فيها (لو) الشرطية، فما هو فعل الشرط فيها؟ قوله: كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ، وجواب الشرط: لَوَجَدُوا، لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا.
واعلم أن (لو) إن كان جوابها مثبتًا فإنه يقترن باللام دائمًا أو غالبًا كما في هذه الآية: لَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا. وكما في قوله تعالى: لَوْ نَشَاءُ لَجَعَلْنَاهُ حُطَامًا [الواقعة: ٦٥].
وقد تُحذف اللام كقوله تعالى: لَوْ نَشَاءُ جَعَلْنَاهُ أُجَاجًا [الواقعة: ٧٠]، لكنه قليل، أما إذا كان خبره منفيًّا فإن الغالب حذف اللام؛ ووجهه: أن اللام تفيد التوكيد، والنفي يضاد التوكيد، فتقول: لو جاء زيد ما جاء عمرو، ولا تقول: لما جاء عمرو، عرفتم؟
لكن قد تقترن اللام أحيانًا مع وجود النفي بـ (ما)، مثل قوله:
| وَلَوْ نُعْطَى الْخِيَارَ لَمَا افْتَرَقْنَا | وَلَكِنْ لَا خِيَارَ مَعَ اللَّيَالِي |
لو نعطى الخيار لما افترقنا، والأفصح (ما افترقنا).
يقول الله عز وجل موبخًا هؤلاء: أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَوالهمزة هنا للتوبيخ، استفهام بمعنى التوبيخ.
ويَتَدَبَّرُونَأي: يتأملون ويتفكرون، مأخوذ من كون الإنسان يأخذ الشيء إدبارًا وإقبالًا؛ يعني المعاني يتدبرها ويتفهمها.
والْقُرْآنَ(فُعْلان) أي: على وزن (فُعْلان)، وهل هو بمعنى (مَفْعول) أو هو مصدر؟
قيل: إنه مصدر، وأنه مثل: الشكران والغفران، وقيل: إنه بمعنى المفعول، وحتى لو قلنا: إنه مصدر بناء فهو بمعنى المفعول معنى؛ لأن القرآن بمعنى المقروء، والمقروء هل معناه المتلو أو المجموع؟
هل هي من (قَرَى يَقْرَى) يعني جمع يجمع، ومنه القرية لأنها تجمع الناس، أو من (قرأ يقرأ) بمعنى (تلا)؟
فيه أيضًا لأهل اللغة قولان، والصحيح أنه من هذا ومن هذا، فالقرآن متلو ومجموع؛ مجموع حروفه بعضها إلى بعض.
والمراد بالقرآن كلام الله عز وجل الذي أنزله على محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم المتعبَّد بتلاوته المعجِز بأسلوبه ومعناه.
وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِلَوْ كَانَاسم (كان) يعود على القرآن؛ يعني لو كان القرآن من عند غير الله أي: من عند أحد غير الله.
لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا، أي: لوجدوا فيه تناقضًا إما في المعنى وإما في الأسلوب أو غير ذلك، لكن اختلافًا كثيرًا ليس اختلافًا قليلًا، بل اختلاف كثير، وإذا كان من عند الله فهل يجدون فيه اختلافًا قليلًا؟ لا، لكن قوله: اخْتِلَافًا كَثِيرًابيان لواقع ما كان من عند غير الله، وليس هذا قيدًا في أنه لو كان من عند الله لوجدوا فيه اختلافًا قليلًا، إذ إنه لا اختلاف في كتاب الله عز وجل.
في هذه الآية الكريمة فوائد؛ منها: الحث على تدبر القرآن، وجه ذلك؟
طلبة: (...).
الشيخ: لا، وجه ذلك؟
طالب: توبيخ من لم يستمع.
الشيخ: توبيخ من لم يتدبر، وإذا كان من لا يتدبر القرآن يُوبَّخ فمن يتدبره يُثنى عليه ويُمْدَح؛ إذن ففيه الحث على تدبر القرآن.
ومن فوائدها: الرد على من يقول: إن آيات الصفات مجهولة المعنى، وهم أهل التفويض الذين يقولون: فرْضُنا بالنسبة لآيات الصفات أن نتلوها فقط وأن لا نتكلم في معناها؛ لأن معناها مجهول.
فيقال لهم: كلمة (القرآن) عامة تشمل آيات الصفات وغيرها، والله تعالى وبَّخ من لم يتدبره، ولازم هذا أن يكون للآيات معنى؛ لأن الحث على تدبر ما لا يمكن الوصول إلى معناه حث على متعذر أو متعسر، وعلى هذا فيكون الحث من كلام اللغو، ويُنزَّه عنه كلام الله عز وجل، فإن قال قائل: إذا قلتم: إن آيات الصفات غير مجهولة المعنى، وإنها معلومة، فهل يلزم من ثبوت المعنى مماثلة المخلوق؟
فالجواب: لا، لا يلزم؛ لأن الله يقول: لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ [الشورى: ١١] ففي الآية إثبات ونفي المثل، إذن لو كان لا يمكن إثبات إلا بإثبات المماثلة لكان في الآية أيش؟
طلبة: تناقض.
الشيخ: تناقض، تناقض ظاهر، إذن آيات الصفات معلومة المعنى لكن بدون تمثيل.
فإن قال قائل: وهل يمكن إثبات معنى بدون تمثيل؟
فالجواب: نعم، ولنضرب مثلًا لقوله تعالى: بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنْفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ [المائدة: ٦٤]، فأهل التفويض يقولون: لا نعلم ما المراد بقوله: بَلْ يَدَاهُ.
وأهل التأويل يقولون: معناها النعمة والقدرة.
وأهل السنة والجماعة يقولون: معناه اليد الحقيقة التي نظير مسماها أجزاء وأبعاض لنا، اليد مثلاً جزء منا، لكنه لا يمكن إطلاق كلمة جزء على شيء من صفات الله؛ لأن الجزء ما يمكن انفصاله عن الكل، وبالنسبة ليد الله وقدم الله وعين الله لا يمكن فيها هذا المعنى.
إذن نقول: لله يد حقيقية، يطوي السماوات بيمينه، والأرض جميعًا قبضته يوم القيامة، كيف يمكن أن نتصور يدًا بدون مماثلة؟ نقول: هذا أمر سهل، ألست تشاهد الآن (للجمل يد) وتشاهد (للهر يد)؛ يعني تشاهد مضمون هذه الجملة؟
الجواب: بلى، نشاهد، وهل يلزم من إثبات اليد للجمل أو للهر أن تكون اليدان متماثلتين؟ لا، لا يلزم، بل نحن نشاهد أنها مختلفة.
ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن القرآن لا اختلاف فيه ولا تناقض؛ لقوله: وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا.
فإن قال قائل: إننا نجد في كتاب الله ما ظاهره التعارض، فكيف يتفق مع هذه الآية؟ نقول: إذا رأيت شيئًا في كتاب الله ظاهره التعارض، فهذا إما لقصور في فهمك، وإما لقلة في علمك، وإما لسوء في قصدك، كم الاحتمالات؟
الطلبة: ثلاثة.
الشيخ: ثلاثة، نقول: ما فيه تناقض، لكن أنت إذا ظننت التناقض فإما لقصور فهمك؛ يعني أن فهمك رديء قاصر، أو لقصور علمك؛ يعني هناك علم يبين الجمع بينهما ولكنك لم يبلغك هذا العلم، وإما لسوء في قصدك؛ لأن الإنسان إذا كان قصده سيئًا فإنه لا يُوفق، كيف يكون قصده سيئًا؟ يريد أن يظهر القرآن بأنه متعارض، لا يريد أن يصل إلى نتيجة سليمة وهي الجمع بين الاختلاف، ولهذا تجد المبتلى بهذا الشيء يُشكل عليه آيات واضحة ليس فيها تعارض، لكن نظرًا إلى أنه يُدَوِّر يُفتش لعل شيئًا من الآيات يُعارض بعضه بعضًا تجده -والعياذ بالله- يشتبه عليه الآيات الواضحات، واضح يا جماعة؟
ممكن أن نزيد احتمالًا رابعًا: وهو التقصير في الطلب؛ التقصير في الطلب نتيجته عدم العلم، لكن إذا أضفناه على أنه سبب رابع كان جيدًا، وعلى هذا فأسباب عدم فهم القرآن أربعة.
فيه آيات متعارضة ظاهرًا لكنها لا تتعارض حقيقة، وهي آيات متعددة ذكرها كثير من العلماء وألفوا فيها ومنهم الشيخ الشنقيطي رحمه الله في كتابه (دفع إيهام الاضطراب في آي الكتاب) وهو كتاب وسط لكنه مفيد.
ومن فوائد هذه الآية الكريمة: ضعف الآدمي فيما يكتبه، وأنه عرضة لأي شيء؟ للاختلاف والخطأ.
فإن قال قائل: هل من ذلك ما يُروى عن الأئمة -رحمهم الله- من أقوال متعددة في مسألة واحدة؟
الجواب: نعم، منه هذا، لكن ما يقع عن الأئمة ليس عن قصد، ولكنه عن زيادة علم، والإنسان بشر يزداد كل يوم علمًا، فمثلًا الإمام أحمد رحمه الله قد يُروى عنه في المسألة الواحدة عدة روايات، ونحن نعلم أنه لم يتقصد رحمه الله ذلك، لكن علمه يأتي أيش؟ شيئًا فشيئًا، ولهذا تجد عنه في ثبوت الهلال، ثبوت الهلال في رمضان تجد عنه عدة أقوال، حتى إنهم ذكروا في مذهبه سبعة أقوال؛ منها خمسة أقوال نص عليها رحمه الله.
من فوائد هذه الآية الكريمة: إثبات أن القرآن كلام الله، من أين؟
طلبة: مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ.
الشيخ: من قوله: وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِفإنه يدل على أن القرآن من عند الله عز وجل، إذا كان من عند الله صار صفة من صفاته، فهل يكون مخلوقًا؟ لا يمكن أن يكون مخلوقًا؛ لأنه صفة، وصفة الفاعل أو صفة الموصوف لازمة له ليست بائنة منه، ثم لو قلنا: إنه مخلوق -يا إخواني- بطل الأمر والنهي وبطلت الشريعة، كيف ذلك؟
إذا قلت: إنه مخلوق، معناه أن الله خلق (ص) مثلًا، خلقها مثل ما يخلق السماء، هل السماء فيها أمر ونهي؟ لا، مثلًا بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ [الفاتحة: ١]، خلق الله حروفًا على هذه الصورة لا تفيد شيئًا، أَقِمِ الصَّلَاةَ [الإسراء: ٧٨]، اعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا [النساء: ٣٦]، إذا قلنا: إنها مخلوقة ليس فيها أمر وليس فيها نهي، حروف خُلقت على هذا الشكل فقط، ليس فيها أمر ولا نهي؛ ولهذا كنا نتعجب حينما نسمع كلام ابن القيم رحمه الله أو شيخه أن القول بأن القرآن مخلوق يبطل الشريعة، لأنه يبطل الأمر والنهي، فنقول: كيف يتصور هذا؟
فتأملنا ووجدنا السبب أنه إذا كان مخلوقًا صار عبارة عن صورة كلام خلقها الله عز وجل، ما يتعلق بها أمر ولا نهي كما لو صورت سيارة أو بناء أو ما أشبه ذلك.
من فوائد الآية الكريمة: إثبات العِندية لله؛ أي أن الشيء يكون من عنده، وهو كذلك.
لكن العندية قد تكون صفة وقد تكون قربًا؛ فقوله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ [الأعراف: ٢٠٦] أيش العندية هذه؟ قرب؛ لأنهم ملائكة بائنة عن الله عز وجل.
وإذا قلت: القرآن من عند الله؟ هذه صفة، عندية الصفة.
ثم قال الله تبارك وتعالى: وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إِلَّا قَلِيلًا [النساء: ٨٣].
هذه الآية فيها الإعراب، فيها أدوات شرط متعددة؛ إِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِأين فعل الشرط؟
طلبة: جَاءَهُمْ.
الشيخ: والجواب: أَذَاعُوا بِهِوهذا الشرط يجزم أو لا؟
طلبة: لا يجزم.
الشيخ: لا يجزم، وقال: وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْأيضًا فيها شرط وهو (لو)، وفعل الشرط رَدُّوهُ، وجوابه: لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ.
ووَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إِلَّا قَلِيلًاهذه أيضًا شرط، لكنها ليست من النوع الأول، وتسمى حرف أيش؟ (لولا): حرف امتناع لوجود، وقد تقاسمت هذه الكلمات الثلاث -(لو)، و(لما)، و(لولا)- تقاسمت الوجود والعدم، فلو حرف امتناع لامتناع، تقول: لو جاء زيد لجاء عمرو، إذن لم يجئ عمرو ولا زيد.
و(لما): حرف وجود لوجود، لما جاء زيد جاء عمرو، و(لولا): حرف امتناع لوجود لَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَاتَّبَعْتُمُ، إذن امتنع اتباع الشيطان لأجل وجود فضل الله عز وجل.
وقوله: وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَاتَّبَعْتُمُذكرتم أن قوله: لَاتَّبَعْتُمُجواب الشرط، فأين خبر المبتدأ في قوله: فَضْلُوَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ؟
طالب: محذوف.
الشيخ: ويش التقدير؟
الطالب: (...).
الشيخ: ولولا فضل الله عليكم ورحمته موجود. يقول ابن مالك:
| وَبَعْد لَوْلَا غَالِبًا حَذْفُ الْخَبَرْ | حَتْمٌ ................... |
وقوله: لَاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إِلَّا قَلِيلًاإِلَّا قَلِيلًاهذا مُستثنى من الاتباع أو من التابعين؟
طالب: التابعين.
الشيخ: أو الاتباع؟
الطالب: كلاهما.
الشيخ: نعم، الأمرين، يحتمل الأمرين لا شك، لاتبعتم الشيطان في كل ما تفعلون إلا قليلًا من أفعالكم، أو لاتبعتم الشيطان كلكم إلا قليلًا منكم، في هذه الآية من البلاغة ما يُسمَّى بالجناس، يعني: المجانسة، ففي أي كلمة هي؟ جناس.
طالب: الخوف والأمن.
الشيخ: لا.
طالب: أمر وأمن.
الشيخ: أمر وأمن وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِالجناس تام؟
طالب: ناقص.
الشيخ: أيش اللي ناقص؟ لأيش؟
الطالب: الراء والنون.
الشيخ: اختلاف الحرف، راء ونون، أما إذا قيل:
| عَبَّاسُ عَبَّاسٌ إِذَا احْتَدَمَ الْوَغَى | وَالْفَضْلُ فَضْلٌ وَالرَّبِيعُ رَبِيعُ |
هذا أيش؟ هذا جناس تام، (عباسُ) عَلَم، (عباسٌ) صِفة، (الفَضل) عَلَم، (فَضلٌ) صفة، (الربيع) علم، اسم رجل اسمه الربيع، (ربيع) صفة، أحد الفصول الأربعة.
يقول الله عز وجل: إِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِيعني: إذا جاء هؤلاء بشيء مما يخاف أو مما فيه الأمن أَذَاعُوا بِهِيعني: نشروه على فهمهم الخاطئ لا على الصواب؛ لأنهم ليس عندهم ذاك العمق في فهم كتاب الله عز وجل، وهذه نتيجة لقوله في الآية التي قبلها: أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَفتجدهم يُذيعون الأمر من الأمن أو الخوف مع أن الأمن ليس فيه أمن، والخوف ليس فيه خوف، لكنهم فهموا ذلك فضلوا وأضلوا.
يقول: وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِوالرَّسُولهنا (أل) فيها للعهد؛ أي: العهود الذهني، وهو محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم.
وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ(أولو الأمر) هنا يتعين أنهم العلماء؛ لأنهم هم أهل العلم الذين ورثوا النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم بعد موته والذين شاركوه فيما شاركوه فيه في حال حياته، وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْوهم العلماء.
لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ، لَعَلِمَهُأي: علم الأمر على الوجه المراد من الأمن أو الخوف.
الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُأي: يستخرجونه، وأصل الاستنباط أصله من نَبَط، يعني: استخرج الماء، وسُمِّي استخراج الماء استنباطًا؛ لأنه كان يستخرجه فيما سبق الأنباط الذين ليسوا من العرب، هم الذين يحفرون للماء حتى يصلوا إلى غايته، ولكن المراد بالاستنباط في الألفاظ هو أيش؟ استخراج المعاني، أي: لعلمه الذين يستخرجون المعاني التي تخفى على هؤلاء.
ثم قال: وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَصدق الله عز وجل، (لولا فضله) أي: عطاؤه، (ورحمته) أي: إحسانه؛ فالمراد بالرحمة هنا ليست صفة الله عز وجل، بل المراد ثمرات هذه الصفة وهو إحسانه عز وجل إلينا.
وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَولكن الله عز وجل يتفضل عليكم ويرحمكم فيعصمكم من الشيطان.
إِلَّا قَلِيلًاهو على ما سلف أن قلناه؛ يحتمل أن يكون المراد إلا قليلًا منكم، أو أن المراد من أعمالكم.
في الآية الكريمة فوائد؛ أولًا: الحرص على عدم إذاعة الشيء إلا بعد التيقن من معناه والمعرفة به، يؤخذ من قوله: إِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِوهذا استنكار، بل هذا إنكار عليهم، ثم أرشدهم إلى ما هو الأصوب.
ومن فوائد الآية الكريمة: ما جرت به العادة في أن الله عز وجل إذا نهى عن شيء بين وجهًا آخر غير منهيٍّ عنه، تؤخذ؟
طالب: من أنه قال: وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ.
الشيخ: أحسنت، وهذه قاعدة جاءت في القرآن الكريم، وجاءت في السنة النبوية، في القرآن الكريم: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقُولُوا رَاعِنَا وَقُولُوا انْظُرْنَا [البقرة: ١٠٤] جاء بدلها، جاء بدلها بكلمة مباحة، في السنة لما جِيءَ إلى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَعَلى آلِهِ وَسَلَّم بِتَمْرٍ جَيِّدٍ، وَسَأَلَ: «مِنْ أَيْنَ هَذَا؟» قالوا: كُنَّا نَأْخُذُ الصَّاعَ مِنْ هَذَا بِصَاعَيْنِ، وَالصَّاعَيْنِ بِالثَّلَاثَة، فَقَالَ: «رُدُّوهْ»، ثم أرشدهم فقال: «بِعِ التَّمْرَ الرَّدِيءَ بِالدَّرَاهِمِ ثُمَّ اشْتَرِ بِالدَّرَاهِمِ تَمْرًا جَيِّدًا». أنا رويت الحديث بالمعنى.
إذن لا ينبغي للإنسان المبيِّن للناس أحكام شريعة الله إذا نهاهم عن شيء حتى يفتح لهم الباب، باب أيش؟ باب الحِلِّ؛ لأنك مثلًا افرض أن إنسانًا يعامل معاملة ربوية، فقلت: يا أخي، هذا حرام ما يجوز، ومعاملته كلها على هذا المنوال، أي على أنها ربوية، لم ينبهه أحد، إذا قلت: هذا حرام، هذا ربا، لا بد أن تفتح له أيش؟ باب البيع الحلال حتى يهون عليه ترك ما كان معتادًا له، وينتقل إلى الحلال بسهولة؛ لأن صرف الإنسان عما كان يعتاده صعب جدًّا، وهكذا ينبغي لطالب العلم إذا ذكر للناس شيئًا محرمًا أن يذكر لهم ما يستغنون به عن هذا المحرم من الشيء أيش؟ الحلال.
طالب: شيخ، ما يشاع بأن اختلاف علماء الأمة رحمة، ما رأيك فيه يا شيخ؟
الشيخ: ورد فيه حديث ليس بصحيح: «اخْتِلَافُ أُمَّتِي رَحْمَةٌ» وهذا ليس بصحيح، بل الوفاق هو الرحمة؛ لقوله تعالى: وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ (١١٨) إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ [هود: ١١٨، ١١٩] ولو صح الحديث لكان المعنى اختلاف أمتي رحمة بمعنى أن المختلفين فيما يسوغ فيه الخلاف لا يأثمون.
لكن عجيب من العامة، العامة إذا أرادوا شيئًا أتوا بنص ولو كان ضعيفًا، ثم فسروا النص بما يريدون، تأتي مثلًا إلى هذا الشخص يستفتيك، عامي، ويقول لك: هذا حلال ولّا حرام؟ تقول: هذا حرام، يروح إلى عالم آخر قال له: هذا حلال، فيحتج ويقول: اختلاف أمتي رحمة. الله رحمني بهذا الرجل اللي قال: هذا حلال.
يستفتيك إنسان في شيء تقول: هذا واجب، إذا لم تفعله أثمت يذهب إلى عالم آخر يقول: لا، هذا ما هو بواجب، ويش يقول؟
طالب: اختلاف أمتي رحمة.
الشيخ: الحمد لله، موسع الله، اختلاف الأمة رحمة، يجيء مثلًا إنسان يستفتي عالمًا يقول: أنا أريد أن أتعجل في اليوم الثاني عشر، هل يجوز أن أرمي قبل الزوال وأنصرف؟ تقول: لا، هذا ما يجوز؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم وقَّت هذا الرمي بما بعد الزوال، ولم يأذن للضعفاء أن يرموا قبل الزوال كما أذن لهم في الدفع من مزدلفة، فدل هذا على أنه ما فيه رخصة، يروح لعالم آخر، قال: ما فيه بأس، الناس الآن في حاجة أنك توسع لهم، خلوه يذبح ويمشي، فيرجع إليه ويقول: الحمد لله، اختلاف الأمة رحمة، خلي فتواك عندي (...) ويمشي.
فيقال: هذا غلط. والحاصل أن هذا الحديث لا يصح عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وأن الاختلاف لا شك أنه شر من الوفاق، وأن الرحمة في الوفاق.
ولكن -كما قلت لكم- لو صح الحديث لكان المعنى أيش؟ أن المختلفين مرحومون، فيما يسوغ فيه الخلاف؛ لأنهم مجتهدون، والمجتهد إن أصاب فله أجران، وإن أخطأ فله أجر.
الطالب: أحسن الله إليك، يا شيخ، هل يقال: كلام الله أبلغ من بعض؟
الشيخ: الكلام كلام الله عز وجل باعتبار المتكلم به لا يتفاضل أبدًا، لأنه كلام واحد، أما باعتبار معناه وأسلوبه فإنه يختلف (قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ) تعدل ثلث القرآن.
قارن بين سورة (قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ) وسورة (تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ) تجد الفرق العظيم في المعاني، كذلك في الأسلوب، أحيانًا تجد الأسلوب لينًا سهلًا لا يؤثر يعني إثارة في القلب، وأحيانًا تجده كالصواعق على القلب، فهو يختلف من هذه الناحية، أما باعتبار المتكلم به فهو لا يتفاضل، لأنه كلام واحد.
طالب: يا شيخ، ما رأيك في قول من قال في قوله تعالى: فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًامنسوخة بآية السيف؟ مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ وَمَنْ تَوَلَّى فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًاقال: إنها منسوخة بآية السيف؟
الشيخ: هذا غلط ما هو صحيح، الرسول حتى بعد نزول آية السيف ليس حفيظًا على النفس.
طالب: من يقول: الإرادة الكونية هي تقدير الأذى، فبعض الناس يفهم (...) الإرادة الكونية هي تقدير الأذى.
الشيخ: الإرادة الكونية -بارك الله فيك- نوعان: إرادة أن يفعل، وإرادة الفعل المقارنة، فإرادة أن يفعل هذه أزلية لا شك، والإرادة المقارنة بالفعل هذه حادثة، أفهمت؟ أنت الآن عندما تريد أن تفعل أن تزور فلانًا غدًا، هذه سابقة على الفعل فعند الذهاب للزيارة هذه الإرادة مقارنة بالفعل.
***
طالب: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إِلَّا قَلِيلًا.الشيخ: بسم الله الرحمن الرحيم، تكلمنا على هذه الآية الكريمة، وهي قوله تعالى: وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ، فما معنى قوله: أَمْرٌ، إِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ؟
طالب: حالهم إذا بلغتهم (...).
الشيخ: خبر، أمر بمعنى: خبر، وما معنى قوله: أَذَاعُوا بِهِ؟
طالب: أشاعوه ونشروه، أذاعوه.
الشيخ: ما معنى قوله: مِنَ الْأَمْنِ؟
طالب: (...).
الشيخ: نعم، والْخَوْفِ؟
طالب: الخوف هو عكس الأمن؛ هو ما يخيف نفسه.
الشيخ: نعم، قوله: لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُمَن المراد بـ (الذين يستنبطونه)؟
طالب: العلماء.
الشيخ: العلماء، ومعنى يَسْتَنْبِطُونَهُيستخرجونه، ويعرفون أن من الحكمة إذاعته أو عدم إذاعته.
قوله: وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إِلَّا قَلِيلًاهذا الاستثناء؟
الطالب: إما أن يكون من أعمالهم، يعني: لاتبعتم الشيطان في أعمالكم إلا قليلًا منها، أو لاتبعتم الشيطان إلا قليلًا منكم.
الشيخ: نعم، إما أن يعود إلى المتبعين أو إلى ما اتبعوا به.
في هذه الآية من الفوائد؛ أولًا: التحذير من التعجل في نشر الخبر؛ ووجهه: أن الله حكى ذلك ذامًّا له.
ومن فوائدها أيضًا: الرجوع إلى أولي الأمر، بل إلى الرسول في حياته وإلى سنته بعد وفاته، وإلى العلماء في نشر الأخبار وإذاعتها.
ومن فوائد الآية الكريمة: أن هذه الآية تنطبق تمامًا على ما نحن فيه الآن؛ حيث إن كثيرًا من الناس يعلنون الأخبار على عواهنها، ولا يبالون بما يترتب عليها من خير أو شر، ولا يزنون بين المصالح بعضها مع بعض، ولا بين المفاسد بعضها مع بعض، ولا بين المصالح وبين المفاسد، يُذيعون الشيء ينشرونه بدون تحقيق ولا تمحيص، وهذا من دأب المنافقين؛ لأن الله تعالى ذكرهم في هذا السياق في سياق الذين يَقُولُونَ طَاعَةٌ فَإِذَا بَرَزُوا مِنْ عِنْدِكَ بَيَّتَ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ غَيْرَ الَّذِي تَقُولُ وَاللَّهُ يَكْتُبُ مَا يُبَيِّتُونَ.
ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن أولي الأمر حقيقةً هم العلماء؛ لقوله: وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ، وهذا كالتفسير لقوله تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ [النساء: ٥٩]؛ فإن أولي الأمر في هذه الآية تشمل العلماء والأمراء، ولكن العلماء في المقدمة؛ إذ إن الأمراء منفذون لما يقول العلماء من شريعة الله، فالأصل إذن هم العلماء، والأمراء يلزمهم أن ينفذوا ما قاله العلماء من شريعة الله، فهم في الحقيقة تابعون للعلماء، وليس العلماء تابعين لهم، اللهم إلا أن يقدر الله أمرًا تنعكس فيه الأحوال، ويكون العلماء وراء الأمراء، فإن هذا انقلاب وعكس، إذ إن الواجب أن يكون الأمراء خلف العلماء؛ لأن العلماء عندهم من شريعة الله ما ليس عند الأمراء.





