تفسير سورة النساء - 26
عدد الزيارات 1546

عناصر المادة :
تفسير الآية (84)
تفسير الآية (85)
تفسير الآية (86)
تفسير الآية (87)
تفسير الآية (88)
تفسير الآية (89)

أن أولي الأمر حقيقة هم العلماء؛ لقوله: وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ، وهذا كالتفسير لقوله تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ [النساء: ٥٩]، فإن (أولي الأمر) في هذه الآية تشمل العلماء والأمراء، ولكن العلماء في المقدمة؛ إذ إن الأمراء منفذون لما يقول العلماء من شريعة الله، فالأصل إذن هم العلماء، والأمراء يلزمهم أن ينفذوا ما قاله العلماء من شريعة الله، فهم في الحقيقة تابعون للعلماء، وليس العلماء تابعين لهم.
اللهم إلا أن يقدّر الله أمرًا تنعكس فيه الأحوال، وتكون العلماء وراء الأمراء، فإن هذا انقلاب وعكس؛ إذ إن الواجب أن يكون الأمراء خلف العلماء؛ لأن العلماء عندهم من شريعة الله ما ليس عند الأمراء لا سيما في الأزمان المتأخرة، أما في عهد الخلفاء الراشدين فالخليفة هو أعلم الناس بشريعة الله.
ومن فوائد الآية الكريمة: التعمق بالتثبت، يؤخذ من أين؟ من قوله: الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ [النساء: ٨٣] ولم يقل: لعلموه، فهنا إظهار في موضع الإضمار؛ لأن الأصل: ولو ردوه إلى الرسول وإلى أولي الأمر منهم لعلموه، لكنه قال: لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُفأظهر في موضع الإضمار لهذه الحكمة: أن هؤلاء لهم نظر بعيد عميق كالذي يستنبط أيش؟ الماء، وأنا قلت لكم في الدرس الماضي: إنه مأخوذ من استخراج الماء؛ لأن الأنباط كانوا هم الذين يتولون استنباط المياه حين كان في عهد الأمة الإسلامية الزاهية.
ومن فوائد الآية الكريمة: بيان فضل الله عز وجل علينا باتباع الشريعة؛ لقوله: وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ.
ومن فوائدها: أنه ينبغي للإنسان أن يلجأ إلى الله عز وجل في ابتغاء الفضل لا إلى غيره؛ لقوله: وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ.
ومن فوائد الآية الكريمة: أنه ليس أمامنا إلا سبيلان، ما هما؟
طالب: إما سبيل الهدى والرشاد أو سبيل الضلال.
الشيخ: نعم؛ لقوله: لَاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَفإذن الحق أو الضلال، قال الله تعالى: فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلَّا الضَّلَالُ [يونس: ٣٢]، وفي هذا رد على القائلين بالمنزلة بين منزلتين، وهم المعتزلة.
ومن فوائد الآية الكريمة: ذم من اتبع الشيطان، وأنه قد تخلى الله عنه فلم يؤتِه من فضله؛ الفضل الخاص؛ لقوله: لَاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ.
فإن قال قائل: بأي وسيلة نعلم أن هذا طريق الشيطان أو طريق الرحمن؟ قلنا: الأمر واضح، الحق بيِّن ظاهر أبلج، والباطل بيِّن لا يخفى على أحد، ما وافق شريعة الله فهو طريق أيش؟ الرحمن، وما خالف شريعة الله فإنه طريق الشيطان، هذا هو الميزان.

تفسير الآية (84)
00:04:31

ثم قال الله تبارك وتعالى: فَقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لَا تُكَلَّفُ إِلَّا نَفْسَكَ [النساء: ٨٤] الفاء عاطفة، وقَاتِلْفعل أمر، والخطاب للرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم؛ لقوله: لَا تُكَلَّفُ إِلَّا نَفْسَكَ، ولا يظهر أن يكون الخطاب موجهًا لمن يتأتى خطابه؛ لقوله: لَا تُكَلَّفُ إِلَّا نَفْسَكَ وَحَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ، وفِي سَبِيلِ اللَّهِمتعلق بـقَاتِلْ.
لَا تُكَلَّفُ إِلَّا نَفْسَكَفي هذه الآية إشكال ما هو؟ أيش الإشكال؟
طالب: (...).
الشيخ: إشكال من حيث الإعراب؟
الطالب: نصب نَفْسَكَ.
الشيخ: والقاعدة؟
الطالب: القاعدة الرفع.
الشيخ: الرفع على أنها؟
الطالب: على أنها نائب فاعل.
الشيخ: على أنها نائب فاعل، هذا ما يتبادر إلى ذهن بعض الناس، كالذي قرأ إن استثنى من حيوان يُؤكل رأسه، لكن الواقع أن الأمر ليس كذلك؛ لأن قوله: لَا تُكَلَّفُ إِلَّا نَفْسَكَنائب الفاعل مستثنى، يعني: لا تكلف أنت أحدًا إلا نفسك، يعني: لا نكلفك أحدًا من الناس بل نكلفك أيش؟ نفسك، وعلى هذا فتكون (نفس) هنا في مقام المفعول الثاني لـتُكَلَّفُ، والمفعول الأول هو أيش؟ نائب الفاعل المستتر.
لَا تُكَلَّفُ إِلَّا نَفْسَكَ وَحَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَأي: حثهم على القتال، عَسَى اللَّهُ أَنْ يَكُفَّ بَأْسَ الَّذِينَ كَفَرُوابأسهم أي: شدتهم، و(عسى) إذا جاءت من الله عز وجل فليست للترجي؛ لأن الله تعالى لا يترجى؛ إذ إن الرجاء في مقابل الشيء الصعب، ولكن الله على كل شيء قدير؛ ولهذا قيل: (عسى) من الله في القرآن واجبة، أي: واقعة حتمًا عَسَى اللَّهُ أَنْ يَكُفَّ بَأْسَ الَّذِينَ كَفَرُوا، ولكن الله عز وجل يجعلها على هذه الصيغة حتى لا يأمن الإنسان مكر الله عز وجل.
وَاللَّهُ أَشَدُّ بَأْسًا وَأَشَدُّ تَنْكِيلًايقول الله عز وجل لنبيه عليه الصلاة والسلام: قاتل في سبيل الله حتى وإن لم يقاتل معك أحد لا تكلف إلا نفسك، أما وظيفتك مع المؤمنين فهي وظيفة التحريض؛ حرضهم على القتال، لكنك مكلف بهم تأثم إذا لم يقاتلوا، لا، ليس كذلك، ثم إذا قاتلت وحرَّضت المؤمنين وقاتلوا فحينئذٍ يكون النصر، فيكفّ الله سبحانه وتعالى بأس الذين كفروا. وَاللَّهُ أَشَدُّ بَأْسًا وَأَشَدُّ تَنْكِيلًاإذن هذه الآية لها ارتباط بما سبق؛ لأن المقام كله مقام بيان المنافقين الذين هم أذل الناس وأخذلهم عند القتال.
في هذه الآية فوائد كثيرة؛ منها: وجوب القتال في سبيل الله؛ لقوله: قَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، والأصل في الأمر الوجوب، وقد اختلف العلماء رحمهم الله: هل قتال المؤمنين للكافرين قتال طلب أو قتال دفاع؟ والصواب: أنه قتال طلب، لكنه ليس لإكراه الناس على الإيمان؛ لأن هذا لا يمكن كما قال تعالى: أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ [يونس: ٩٩]، لكنه قتال طلب أن يكون دين الله هو الأعلى وكلمته هي العليا، فإن آمن فهو في الطبقة العليا، وإن بقي الإنسان على كفره واستسلم لحكم الله -أي لدين الله- فبذل الجزية فحينئذٍ نقره، لكنه في بذل الجزية يكون ذليلًا أو عزيزًا؟
طلبة: ذليلًا.
الشيخ: يكون ذليلًا.
إذن لو سألنا سائل: هل قتال الكفار قتال دفاع أو قتال طلب؟ فالجواب: قتال طلب، لكنه ليس قتال إكراه على الإسلام؛ لأن الله تعالى يقول: أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ، وهذا الاستفهام للإنكار، وكذلك يقول: لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ [البقرة: ٢٥٦]، لكنه يطلب قتال طلب أيش؟ ما هو المطلوب؟ أن تكون كلمة الله هي العليا، هذا المطلوب، يكون الإسلام هو الظاهر المهيمن، من أسلم فهو في الإسلام وفي ظله وهو في الطبقة العليا من طبقات بني آدم، ومن لم يُسلم فهو في ظل الإسلام أيضًا إذا بذل الجزية عن يد وهو صاغر.
ومن فوائد هذه الآية الكريمة: وجوب الإخلاص؛ لقوله: فِي سَبِيلِ اللَّهِما عدا سبيل الله فبماذا يوصف؟
طالب: في سبيل الطاغوت.
الشيخ: في سبيل الطاغوت، قال الله تعالى: الَّذِينَ آمَنُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ الطَّاغُوتِ فَقَاتِلُوا أَوْلِيَاءَ الشَّيْطَانِ إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفًا [النساء: ٧٦].
أسباب القتال أو الحوامل على القتال كثيرة؛ منها: أن تكون كلمة الله هي العليا، وهذا في سبيل الله.
ومنها: الحمية؛ يقاتل لقوميته، وهذا في سبيل الطاغوت، المقاتل حمية في سبيل الطاغوت اللهم إلا أن يقول: إني أقاتل حمية؛ لأن قومي مسلمون فأقاتل دفاعًا عن إسلامهم فحينئذٍ يكون قاتل أيش؟ في سبيل الله.
يقاتل شجاعة، هذا أيضًا ليس في سبيل الله، هذا في سبيل الطاغوت، ولكن كيف يقاتل شجاعة؟ الإنسان الشجاع يحب أن يقاتل، ويجد ألذ شيء في حياته أن يكون مقاتلًا في صف القتال فهو قُرَّة عينه، فحينئذٍ يقاتل شجاعة، هذا ليس في سبيل الله.
يقاتل ليتخلص من الدنيا؛ لأنه أصابته ضائقة فأراد أن يقاتل ليُقتل حتى يستريح من الدنيا؟ ليس في سبيل الله، هذا في سبيل الطاغوت، وربما نقول: إنه قاتل نفسه لو قُتل؛ لأنه ما أراد أن تكون كلمة الله هي العليا، لكنه بدل أن ينتحر بنفسه فيأخذ السكين ويقد بطنه ذهب يعرض رقبته لسيوف الأعداء، هذا ليس في سبيل الله.
يقاتل رياء ليقال: ما أشجع الرجل! هذا ليس في سيبل الله، هذا في سبيل الطاغوت -والعياذ بالله- وربما يكون هذا أخطرهم؛ لأنه أظهر أنه يريد التعبّد لله وهو عابد لهواه.
على كل حال أسباب القتال كثيرة وبواعثه كثيرة، لكن متى يكون في سبيل الله، يبين لنا؟
طالب: إذا قاتل لتكون كلمة الله هي العليا.
الشيخ: إذا قاتل لتكون كلمة الله هي العليا. بارك الله فيك.
من فوائد هذه الآية: أنه لا يكلف أحد هداية أحد، حتى الرسول صلى الله عليه وسلم الذي هو أهدى الخلق وأعظمهم هداية لا يمكن أن يكلف هداية أحد، دليله: لَا تُكَلَّفُ إِلَّا نَفْسَكَ.
وعليه: فإذا دعوت إلى الله، أمرت بمعروف نهيت عن منكر ولم يستجب لك فإن الله قال لنبيه: لَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ أَلَّا يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ [الشعراء: ٣]، لا تهلك نفسك، لا يكن في صدرك حرج ولا ضيق ما دمت قمت بالواجب، فإن أزِمَّة القلوب بيد من؟ بيد الله عز وجل وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً [هود: ١١٨]، كثير من الناس عنده غيرة ومحبة للخير، يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر، ويدعو إلى الله، فإذا لم يُجب ضاق صدره حتى اختلت عباداته بنفسه، وصار يهتم وينشغل بأحوال الناس عن أحوال نفسه، وهذا غلط، هذا كالنار تحرق نفسها وتضيء لغيرها، ومع ذلك قد يكون غيرها رطبًا لا يتأثر بها ولا يضيء بها.
ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أنه يجب على الإنسان مراعاة نفسه وقيادتها للحق؛ لأنه مكلف إياها؛ لقوله أيش؟ لَا تُكَلَّفُ إِلَّا نَفْسَكَأنت مكلف بنفسك، يجب أن تجرها إلى ما فيه الخير، وأن تنهاها عما فيه الشر، وقد قال الله عز وجل: وَمَا أُبَرِّئُ نَفْسِي إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلَّا مَا رَحِمَ رَبِّي [يوسف: ٥٣].
ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن من قام بالواجب في حق نفسه فلا ينسى إخوانه؛ لقوله: وَحَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَحثهم على القتال، فإن استجابوا فذلك مطلوب، وإن لم يستجيبوا فقد أبرأت ذمتك.
ومن فوائد الآية الكريمة: أن محل التحريض للقتال -أي قتال المشركين- هم المؤمنون؛ لأنه لم يقل: حرّض الناس، بل قال: حَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَفالمؤمن هو الذي ينفع فيه التحريض على القتال في سبيل الله.
ومن فوائد الآية الكريمة: أنه مهما بذلنا من الجهد والجهاد والإعداد فإن الأمر بيد الله لقول الله تعالى: عَسَى اللَّهُ أَنْ يَكُفَّ بَأْسَ الَّذِينَ كَفَرُوا، يعني: بعد اجتهادك وتحريضك المؤمنين على القتال واستعدادكم وإعدادكم الأمر بيد الله عَسَى اللَّهُ أَنْ يَكُفَّ بَأْسَ الَّذِينَ كَفَرُوا.
ومن فوائد الآية الكريمة: الاستدلال لأهل السنة بأن أعمال العباد مخلوقة لله عز وجل، منين تؤخذ؟
طالب: قوله تعالى: وَاللَّهُ أَشَدُّ بَأْسًا.
الشيخ: خطأ.
طالب: أَنْ يَكُفَّ بَأْسَ الَّذِينَ كَفَرُوا.
الشيخ: نعم، فنسب ذلك إليه مع أن هذا يأتي بفعل المؤمنين، لكن نسبه الله إليه، وأحيانًا يأتي بغير فعل المؤمنين مثل قوله تبارك وتعالى في سورة الأحزاب: وَرَدَّ اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِغَيْظِهِمْ لَمْ يَنَالُوا خَيْرًا وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتَالَ وَكَانَ اللَّهُ قَوِيًّا عَزِيزًا [الأحزاب: ٢٥].
ولنقف عند هذه النقطة لأهميتها، إذا قلنا: إن الله تعالى خالق أفعال العبد، فما وجه ذلك؟ وجه ذلك أن نقول: أفعال العباد لا تقع إلا بأمرين؛ هما: أولًا: الإرادة، والثاني: القدرة، الإرادة في القلب والقدرة في الجوارح، الإرادة وصف، لمن؟ للعامل، للإنسان، والقدرة كذلك وصف، وصف قائم بذاته، والخالق للذات هو الله بالاتفاق، وخالق الذات خالق لأوصافها، وبهذا نعرف أن أفعال العباد مخلوقة لله عز وجل؛ لأنها صادرة عن إرادة جازمة وقدرة لا عجز فيها على هذا المقدور، وكلاهما وصفان في مخلوق، ووصف المخلوق يكون مخلوقًا.
ويبقى النظر هل الإنسان مجبر أو مخير؟ نقول: مخير، ليس مجبرًا؛ ولهذا إذا وقع الفعل عن إجبار لم يؤاخذ به الإنسان حتى لو كان أكفر شيء مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ وَلَكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنَ اللَّهِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ [النحل: ١٠٦].
فالإنسان إذن أيش؟ مخيّر لا شك، لكننا نعلم أنه لن يفعل فعلًا أو يترك شيئًا إلا بعد مشيئة الله، إلا أن هذه المشيئة -أعني مشيئة الله- لا يمكن الاطلاع بها إلا بعد وقوع المشاء، صح ولَّا لا؟
الطلبة: صح.
الشيخ: لأن مشيئة الله غيب، لا ندري عنها حتى يقع الشيء، إذا وقع الشيء علمنا أن الله شاءه، أما قبل ذلك لا نعلم، فلا يكون في ملك الله عز وجل ما لا يشاؤه أبدًا، كل ما في الكون فهو في مشيئة الله عز وجل.
ومن فوائد الآية الكريمة: أن الكافرين لهم بأس وقوة، لكنهم تحت قوة الله؛ لقوله: عَسَى اللَّهُ أَنْ يَكُفَّ بَأْسَ الَّذِينَ كَفَرُوا، وأنت لا تنبهر بقوة الأعداء، فإنهم ليسوا عند قدرة الله شيئًا، ليسوا شيئًا، فرعون كان يفتخر بأن الأنهار تجري من تحته، وبماذا هلك؟
طالب: بالماء.
الشيخ: بالماء اللي هو من الأنهار، عادٌ افتخروا بقوتهم وقالوا: من أشد منا قوة؟ فأهلكوا بالريح اللطيفة السهلة، الأحزاب أعجبتهم كثرتهم وحاصروا المدينة، وأجلاهم الله تعالى بالريح، قال النبي عليه الصلاة والسلام: «نُصِرْتُ بِالصَّبَا وَأُهْلِكَتْ عَادٌ بِالدَّبُورِ» ، كذلك أيضًا الأمم الأخرى قوية شديدة أهلكها الله عز وجل، لو شاء الله عز وجل لأنزل على مصانع القنابل الذرية صواعق، رُب صاعقة واحدة تدمر كل ما صنعوا، لكن الله عز وجل له حكمة، قال تعالى: ذَلِكَ وَلَوْ يَشَاءُ اللَّهُ لَانْتَصَرَ مِنْهُمْ وَلَكِنْ لِيَبْلُوَ بَعْضَكُمْ بِبَعْضٍ، ثم سلّى المؤمنين فقال: وَالَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَلَنْ يُضِلَّ أَعْمَالَهُمْ (٤) سَيَهْدِيهِمْ وَيُصْلِحُ بَالَهُمْ (٥) وَيُدْخِلُهُمُ الْجَنَّةَ عَرَّفَهَا لَهُمْ [محمد: ٤ - ٦]، اللهم اجعلنا منهم.
إذن الله عز وجل قادر على كف بأس الكافرين وإن قووا، لكنه حكيم عز وجل.
ومن فوائد الآية الكريمة: جواز استعمال اسم التفضيل في الصفات المشتركة بين الله وبين الخلق، أين؟
طلبة: وَاللَّهُ أَشَدُّ بَأْسًا.
الشيخ: أَشَدُّ بَأْسًا وَأَشَدُّ تَنْكِيلًا، وهذا لا أقول: جواز اللي هو ضد المحرم، لكن جواز الذي هو ضد المستحيل فيكون هذا واجبًا، وقد تعجب من بعض العلماء رحمهم الله أنهم يمتنعون من اسم التفضيل، ويحولونه إلى اسم فاعل خوفًا من تنقص الله عز وجل، فيقولون: إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ [الأنعام: ١١٧] أي: إن ربك هو عالم، سبحان الله أنت أعلم بالله من نفسه! الله يقول عن نفسه: أعلم وأنت تقول: عالم؟
ثم إنك أيها المسكين إذا قلت: الله عالم جعلته مع الخلق مشاركًا على وجه السواء، لكن إذا قلت: أعلم جعلته أعلم من الخلق، ولا يمكن أن يكونوا مثله، لكن مشكلة الأمر أن الإنسان إذا لم تكن نيته على الاستقامة الطيبة -ولا ندخل في النيات- لكن من أراد الحق تبين له طريق الحق، والأمر واضح.
وعلى هذا فنقول: استعمال اسم التفضيل في الصفات المشتركة بين الله وبين الخلق هو الواجب، للإنسان علم والله أعلم، للإنسان قدرة والله أقدر، له قوة والله أقوى، له سمع والله أسمع، له بصر والله أبصر، وهلم جرًّا، له حياة والله أكمل؛ أكمل الحياة، وامشِ على هذا.
ومن فوائد هذه الآية الكريمة: إثبات البأس والتنكيل لله عز وجل، وهذا أيضًا جاءت بالقرآن: فَجَعَلْنَاهَا نَكَالًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهَا وَمَا خَلْفَهَا [البقرة: ٦٦]، ينكّل الخلق أي: يحذرهم من أن يقعوا فيما يكون سببًا لعقوبتهم.
تفسير الآية (85)
00:24:41

ثم قال الله تبارك وتعالى: مَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً حَسَنَةً يَكُنْ لَهُ نَصِيبٌ مِنْهَا وَمَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً سَيِّئَةً يَكُنْ لَهُ كِفْلٌ مِنْهَا [النساء: ٨٥] (من) هذه شرطية، فعل الشرط (يَشْفَعُ)، ردوا علي أنا غلطت.
طلبة: يَشْفَعْ.
الشيخ: يَشْفَعْ، ولا يجوز (يَشْفَعُ)؟ لا؛ لأن (مَن) شرطية تجزم مَنْ يَشْفَعْ، وجواب الشرط قوله: يَكُنْ.
وقوله: يَشْفَعْ شَفَاعَةً سَيِّئَةً يَكُنْ لَهُ كِفْلٌ مِنْهَا وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مُقِيتًاأي: حفيظًا، يقول: مَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً حَسَنَةًالشفاعة هي جعل الوتر شفعًا، يقال: شفع الشيء؛ جعله شفعًا بعد أن كان وترًا، فإذا جعلت الثلاثة أربعة؟ هذا شفع، الخمسة ستة شفع، لكنها في الاصطلاح: التوسط للغير بجلب منفعة أو دفع مضرة، شفاعة رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم في أهل الموقف أن يُقضى بينهم من أي قسمين؟ من دفع المضرة، وفي أهل الجنة أن يدخلوها من جلب المنفعة.
هنا يقول: مَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً حَسَنَةًيشفع شفاعة حسنة إما أن يكون المراد حسنة بالنسبة للمشفوع له وإن لم تكن من الحسنات الشرعية، وإما أن تكون حسنة؛ أي من الحسنات الشرعية، وكلاهما صحيح، من يشفع شفاعة حسنة شرعًا أو حسنة باعتبار المشفوع له.
طالب: (...).
الشيخ: إذن الأحوال أربعة، الأول؟
طالب: الأول: ما اتفق على الإضافة والقطع.
الشيخ: وحينئذٍ الثاني؟
الطالب: أن تضاف.
الشيخ: أن تضاف لفظًا ويوجد المضاف إليه وحينئذٍ تعرب، ومعروف أنها لا تنون. الحال الثالثة؟
الطالب: أن تنوى الإضافة له.
الشيخ: أن تنوى الإضافة له، وحينئذٍ؟
الطالب: تضاف.
الشيخ: بتنوين ولَّا بغير تنوين؟
الطالب: بغير تنوين.
الشيخ: نعم. الرابع؟
طالب: أن يكون هناك إضافة صريحة وحينئذٍ تعرب.
الشيخ: أيش؟ قلناها يا شيخ.
الطالب: هذا واقع.
الشيخ: لا، قلناها الآن.
طالب: أن تنوى الإضافة.
الشيخ: أن يحذف المضاف وينوى معناه، وحينئذٍ؟
الطالب: تعرب (...).
الشيخ: خطأ، تُبنى على إيه؟
طالب: تبنى على الضم.
الشيخ: شنو؟ تُبنى على الضم؟ تأكد.
الطالب: إي، إذا حذف المضاف إليه ونُوي معناه.
الشيخ: إذا حذف المضاف إليه ونوي معناه.
الطالب: يبنى على الضم.
الشيخ: حذف ونوي معناه، الحديث: «إِنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ» هذا نوى.
الطالب: أين الإشكال؟
الشيخ: الإشكال إذا حذف المضاف إليه ونوي معناه فماذا نصنع في إعرابها؟
طالب: تُبنى على الضم.
الشيخ: تُبنى على الضم؟
طالب: تبنى على الكسر.
الشيخ: تبنى على الكسر، من قاله؟ الظاهر من القول أنه انكسر يعني..، ما تقولون في قول أحمد؟
طلبة: صحيح.
الشيخ: صحيح؟
طلبة: نعم.
الشيخ: إي، تمام، فإن نوي لفظه، شوف إذا نوي لفظه أُعربت بدون تنوين، واضح يا شباب؟
طالب: والله يا شيخ، غير واضح.
الشيخ: ما عندي أكثر من هذا.
طالب: شيخ، الآن الأخذ والرد كثير جدًّا.
الشيخ: ما فيه أخذ ورد، وُجد المضاف إليه، حُذف، حذف ونُوي لفظه، حُذف ونوي معناه، ما فيه إشكال.
الطالب: (...).
الشيخ: عرفته، أنت عرفت ولَّا لا؟ لا إله إلا الله! ما خلتك هذا، وُجد المضاف إليه.
الطالب: (...).
الشيخ: حُذف المضاف إليه، حُذف ونوي لفظه، حُذف ونوي معناه، هل ترى شيئًا أوضح من هذا؟
الطالب: الآن واضح يا شيخ.
الشيخ: واضح؟ هذا هو الأول، لكن..، تبنى في حال واحدة فقط، تبنى على الضم في حال واحدة: إذا حذف المضاف إليه ونُوي معناه، يعني: ما نوي لفظه، معناه.
وفي الحقيقة: إن الإنسان قد يعجز عن معرفة هل نوي اللفظ أو نوي المعنى، فما هو العلامة؟ العلامة إن رأيتها مبنية على الضم فالمنوي المعنى، وإن رأيتها معربة بدون تنوين فالمنوي اللفظ، وفي الحقيقة هنا ما نعرف ما هو المنوي إلا بأثره، إن بُنيت فالمعنى منوي، إن لم تُبنَ فاللفظ، إذا لم تنون، فإن نونت؟
طلبة: مقطوعة عن الإضافة.
الشيخ: مقطوعة عن الإضافة، يعني كأن المتكلم لا يطرأ على باله أن تكون مضافة.
طالب: (...).
الشيخ: يقول الطالب: سمعت بعض الدعاة يذكر في قوله تعالى: فَقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لَا تُكَلَّفُ إِلَّا نَفْسَكَقال: هذا خطاب للنبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وأمته تتأسى به، فيجب على كل فرد من الأمة الإسلامية أن يفرط للقتال حيث لو لم يخرج للقتال سواه، فما قولكم في هذا تفسير هذا الداعية؟
نقول: هذا غلط، ولم يقل به أحد من العلماء، لكن نقول: إن هذا يقصد به حث الصحابة على أن يخرجوا مع النبي عليه الصلاة والسلام.
يقول: هل يجوز جمع العصر مع صلاة الجمعة في حالة السفر جمع تقديم؟
الجواب: لا يجوز أن تجمع العصر إلى الجمعة؛ وذلك لأن السنة إنما وردت في الجمع بين الظهر والعصر، والجمعة ليست ظهرًا.
طالب: شيخ، تتمة لهذا السؤال: أوليس الجمعة مبدلًا عن الظهر؟
الشيخ: لا، ليست بدلًا عنها، مستقلة إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ [الجمعة: ٩] هي مستقلة، الظهر بدلًا عنها إذا فاتت.
طالب: يعني لو فاتتنا يومًا الجمعة وصليناها ظهرًا فرضًا، فهل نجمع بينها وبين العصر؟
الشيخ: إي نعم.

***

طالب: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم مَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً حَسَنَةً يَكُنْ لَهُ نَصِيبٌ مِنْهَا وَمَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً سَيِّئَةً يَكُنْ لَهُ كِفْلٌ مِنْهَا وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مُقِيتًا (٨٥) وَإِذَا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ حَسِيبًا (٨٦) اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ لَيَجْمَعَنَّكُمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لَا رَيْبَ فِيهِ وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ حَدِيثًا (٨٧) [النساء: ٨٥- ٨٧].

الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله تبارك وتعالى: مَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً حَسَنَةً يَكُنْ لَهُ نَصِيبٌ مِنْهَا، أظن أننا شرحنا الآية.
طلبة: مَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةًفقط.
الشيخ: فقط؟ الإعراب: مَنْ يَشْفَعْهذه جملة شرطية، فعل الشرط فيها يَشْفَعْ، وجواب الشرط يَكُنْ، وكذلك يقال في مَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً سَيِّئَةً، والبقية واضحة.
مَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً حَسَنَةًقيل: من يشفع لأخيه شفاعة حسنة أي: يتوسط له؛ لأن الشفاعة هي التوسط للغير بجلب منفعة أو دفع مضرة، وقيل: مَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً حَسَنَةًأي: ينضم إلى من يفعل الحسنات فيفعل مثله؛ لأنها جاءت بعد قوله: فَقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لَا تُكَلَّفُ إِلَّا نَفْسَكَيعني: فمن شفع وقاتل معه فقد شفع شفاعة حسنة فيكون له نصيب منها.
والآية تحتمل المعنيين، وإذا كانت الآية تحتمل معنيين لا منافاة بينهما فالواجب حملها عليهما جميعًا لما في كلام الله عز وجل من سعة المعنى، أما إذا كان أحدهما لا يتفق مع الآخر فالواجب طلب المرجِّح ليؤخذ به.
وقوله: حَسَنَةًالحسنة ما يحسن فعله من قول أو فعل، يَكُنْ لَهُ نَصِيبٌ مِنْهَاأي: حظ وجزء مما شفع؛ لأنه أعان على الخير على أحد الاحتمالين السابقين، أو نصر أخاه على الاحتمال الثاني.
وَمَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً سَيِّئَةًيقال فيها كما قيل في الأول، مَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً سَيِّئَةًأي: يشارك ذا سيئة في سيئته؛ أي: فيكون شفعًا له، أو المعنى: يشفع لأحد شفاعة سيئة مثل أن يشفع له في الوصول إلى شيء محرم، فهذه شفاعة سيئة.
وقوله: يَكُنْ لَهُ كِفْلٌ مِنْهَاالكفل هو النصيب، وإذا كان هو النصيب، فلماذا غاير الله سبحانه وتعالى بين الحسنة وبين السيئة فقال في الحسنة: نَصِيبٌوقال في السيئة: كِفْلٌ؟ قيل: إن الكفل هو النصيب فيما يسوء، والنصيب هو الحظ فيما ينفع، وقيل: إنما غاير بينهما من أجل اختلاف اللفظ؛ لأن اختلاف اللفظ من أساليب البلاغة حيث لا يتكرر اللفظ مع اللفظ الآخر في مكان واحد، فعلى المعنى الأول يكون الخلاف بين النصيب والكفل خلافًا معنويًّا، وعلى الثاني يكون خلافًا لفظيًّا، لكن المعنى الأول يرد عليه أن الله سبحانه وتعالى سمى الأجر والثواب كفلًا في قوله تعالى: يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِنْ رَحْمَتِهِ [الحديد: ٢٨]، فيترجح القول الثاني وهو: أنه إنما غاير بينهما من أجل أيش؟ من أجل اختلاف اللفظ حتى لا يرد لفظ واحد بسياق واحد بمعنى واحد.
وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مُقِيتًا(كان) هذه ترد كثيرًا في القرآن العظيم مثل: وَكَانَ اللَّهُ سَمِيعًا بَصِيرًا [النساء: ١٣٤] وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا [النساء: ٩٦]، فهل (كان) هنا يراد بها الزمان والاتصاف بالمعنى، أو الثاني فقط؟ الثاني فقط؛ لأن الله لم يزل ولا يزال موصوفًا بالسمع والبصر والمغفرة والرحمة وما أشبه ذلك، وعلى هذا فكان هنا في هذا السياق وأمثاله مسلوبة الزمن؛ لأنه لو لم تكن مسلوبة الزمن لكانت دلالتها على أن الله متصف بهذه الصفات في زمن مضى وانقضى.
وقوله: مُقِيتًامعناها: إما مقتدرًا وإما حفيظًا، فقال بعضهم: معنى المقيت: الحفيظ، وقال بعضهم: معنى المقيت: المقتدر، وكلاهما صحيح، كلاهما جاءت هذه الكلمة في اللغة العربية ولا منافاة بينهما.
من فوائد هذه الآية الكريمة: الحث على الشفاعة الحسنة؛ لقوله: مَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً حَسَنَةً يَكُنْ لَهُ نَصِيبٌ مِنْهَا.
ومنها: الحث على التعاون على البر والتقوى، وذلك بإعطاء نصيب من المتعاونين على ما تعاونوا عليه.
ومن فوائد هذه الآية الكريمة: التحذير من الشفاعة السيئة.
ومن فوائدها: أن من شارك في عمل سيء كان له نصيب منه، وقد قال الله تبارك وتعالى: وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلَا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ إِنَّكُمْ إِذًا مِثْلُهُمْ [النساء: ١٤٠].
ومن فوائد الآية الكريمة: بلاغة القرآن وفصاحته، على القول بأن الاختلاف بين النصيب والكفل لفظي.
ومن فوائدها: أن الله سبحانه وتعالى مُقيت على كل شيء، أي: مقتدر عليه، ويلزم من هذا أن يحذر الإنسان من مخالفة الله؛ لأن الله تعالى حفيظ عليه ومقتدر عليه.
تفسير الآية (86)
00:40:43

ثم قال تعالى: وَإِذَا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ حَسِيبًا [النساء: ٨٦] إِذَاشرطية لكنها غير جازمة، وفعل الشرط فيها قوله: حُيِّيتُمْ، وجواب الشرط: فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ، و(أحسن) هنا نجد أنها دخل عليها حرف جر ولكنها لم تكن مكسورة، فلماذا؟ لأنها ممنوعة من الصرف، والمانع لها من الصرف الوصفية ووزن الفعل.
وقوله: أَوْ رُدُّوهَاهذه للتنويع؛ يعني: إن هذا أو هذا.
إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ حَسِيبًالا إشكال فيها.
يقول الله تعالى: إِذَا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍفما هي التحية؟ التحية هي البقاء، مأخوذة من (الحياة)، فمعنى (حيَّاه) أي: دعا له بالحياة والبقاء؛ ولهذا نقول في قول المصلي: (التحيات لله) أي: جميع ألفاظ العظمة والبقاء ثابتة لله، وقوله: بِتَحِيَّةٍنكرة في سياق الشرط يعم أيَّ تحية، كل ما يدل على أن هذا تحية فإنه داخل في الآية الكريمة.
وقوله: فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَاأي: ردوا هذه التحية بأحسن منها بالكمية والوصفية، أَوْ رُدُّوهَاأي: حيوا بمثلها، إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ حَسِيبًاأي: محاسبًا لكل أحد، كل شيء فالله حسيبه فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ (٧) وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ [الزلزلة: ٧، ٨]، وقيل: معناه حَسِيبًاأي: كافيًا؛ لقوله تعالى: وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ [الطلاق: ٣]، والمعنيان صحيحان.
في هذه الآية الكريمة فوائد؛ منها: وجوب رد التحية؛ لقوله: فَحَيُّواوالأصل في الأمر الوجوب.
ومن فوائدها: أن رد التحية يكون على وجهين: مجزئ، وأفضل، المجزئ مأخوذ من قوله: أَوْ رُدُّوهَا، والأكمل والأفضل من قوله: بِأَحْسَنَ مِنْهَا، وقدم الأحسن على المثل؛ لأنه أكمل وأفضل.
ومن فوائد هذه الآية الكريمة: مراعاة الإسلام للعدل؛ لقوله: فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا.
ومن فوائدها: أنها عامة في كل من ألقى إلينا التحية أن نحييه بمثل ما حيَّانا أو أكمل سواء كان مسلمًا أو كافرًا، صغيرًا أو كبيرًا، الآية عامة؛ ولهذا قال: حُيِّيتُمْبالبناء للمجهول، ولم يقل: حياكم المسلمون، وبناءً على ذلك نكون إذا سلّم علينا أهل الكتاب فقالوا: (السلام عليكم) بلفظ صريح نقول: (عليكم السلام)، أما بلفظ محتمل فإننا نقول: (عليكم) فقط.
ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أنه لا يجزئ الرد في السلام إذا قال المسلِّم: (السلام عليك) فقلت: (أهلًا وسهلًا)، لماذا؟ لأن هذه التحية ليست مثلها ولا أحسن منها؛ إذ إن قول المسلّم: (السلام عليكم) دعاء لك بالسلامة من كل الآفات، من كل الآفات البدنية والمالية والقلبية وكل الآفات، لكن أهلًا وسهلًا ماذا تفيد؟ ما تفيد إلا مجرد الترحيب بالإنسان، فهي ليست مثلها وليست أحسن منها.
ومن فوائد هذه الآية: أنه يُطلب من الْمُسلَّم عليه أن يرد بأكمل؛ إما بالكمية وإما بالكيفية، فإذا قال: (السلام عليك) فالأحسن: (عليك السلام ورحمة الله) هذا بأيش؟ بالكمية، الكيفية: إذا قال: (السلام عليك) بصوت مرتفع مسموع يدل على التواضع فقلت: (عليك السلام) بصوت مثله أو أبين، فهذا رد صحيح بالكيفية، لكن لو قال: (السلام عليك) بلفظ بيّن صريح رفيع، ثم رددت عليه بأنفك بكلام ربما يُسمع أو لا يسمع، فهذا لم يرُدّ ولم يقم بالواجب، بل هو آثم؛ لأن الله أمر بردها أو أحسن منها.
ومن فوائد هذه الآية: أنه لو حياك إنسان بقوله: (أهلًا وسهلًا) فقلت: (أهلًا وسهلًا بك) فإن ذلك جائز، لكن يحسن -ولا سيما لطلبة العلم- أن يبينوا لهذا الرجل أن السلام المشروع هو (السلام عليكم)، لكن هو إذا رد بمثل ما قال كفى.
ثم إن للسلام آدابًا معروفة مطوّلة مبسوطة في كتب أهل العلم، ففي كتب الفقهاء ذكروا كثيرًا في آداب السلام في آخر كتاب الجنائز حين ذكروا السلام على المقابر تطرقوا للسلام على الأحياء، وفي كتب الآداب أيضًا شيء كثير من هذا.
ومن فوائد الآية الكريمة: أن الله عز وجل حسيب على كل شيء؛ يعني أنه يحاسب كل من عمل عملًا بما يقتضيه عمله، على أحد القولين في حَسِيبًا، وعلى القول الثاني أنه كافٍ لكل من توكل عليه.
ومن فوائد الآية الكريمة: التحذير من عدم رد التحية بمثلها أو أحسن، يؤخذ من قوله: إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ حَسِيبًايعني: فاحذر أن تتعرض لمحاسبة الله عز وجل.
تفسير الآية (87)
00:48:14

ثم قال تعالى: اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ لَيَجْمَعَنَّكُمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لَا رَيْبَ فِيهِ وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ حَدِيثًا [النساء: ٨٧] الاسم الكريم (الله) مبتدأ، وجملة لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَخبر المبتدأ، و(إله) اسم (لا)، وخبرها محذوف تقديره: حق، و(هو) الواقع بعد (إلا) بدل من الخبر المحذوف، هذا أحسن ما قيل في إعرابها.
وقوله: لَيَجْمَعَنَّكُمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِاللام واقعة في جواب قسم مقدر، والتقدير: واللهِ ليجمعنكم، وعليه فتكون هذه الجملة مؤكدة بثلاثة مؤكدات وهي: القسم المقدر، واللام، ونون التوكيد.
وقوله: لَا رَيْبَ فِيهِهذه (لا) النافية للجنس واسمها وخبرها؛ (ريب) اسمها، وخبرها (فيه)، وهل النفي هنا بمعنى الأمر، أو بمعنى الطلب على الأصح؟ هل هو بمعنى الطلب أي: لا ترتابوا فيه، أو هو خبر على ظاهره؟ فيه قولان للعلماء، والصحيح أنه خبر على ظاهره.
وقوله: مَنْ أَصْدَقُمَنْمبتدأ، وأَصْدَقُخبر، والاستفهام هنا بمعنى النفي؛ أي: لا أحد أصدق من الله حديثًا.
بقينا حَدِيثًاإعرابها: تمييز؛ لأنها وقعت مُبينة لاسم التفضيل، وكل ما وقع مبينًا لاسم التفضيل فهو تمييز؛ لأن التمييز يبين ما انبهم من الذوات.
يقول عز وجل: اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَوهذا خبر يعتبر من أصدق الأخبار؛ فإنه لا إله إلا الله، والإله بمعنى (المأْلُوه) أي: المعبود حبًّا وتعظيمًا.
وقوله: إِلَّا هُوَالضمير يعود على الله عز وجل، فلا معبود حق إلا الله، وكل ما عُبد من دون الله فهو باطل؛ لقول الله تعالى: ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ هُوَ الْبَاطِلُ وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ [الحج: ٦٢]، هذا المعبود من دون الله هل يسمى إلهًا؟ نعم، لكنها تسمية لفظية لا حقيقية؛ لقوله تعالى: مَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِهِ إِلَّا أَسْمَاءً [يوسف: ٤٠] يعني: بدون مسميات، سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ؛ ولقوله تعالى: فَمَا أَغْنَتْ عَنْهُمْ آلِهَتُهُمُ الَّتِي يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ [هود: ١٠١]؛ ولقوله تعالى: لَا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ [الإسراء: ٢٢]، فكل معبود فهو إله، لكن منه ما هو بحق ومنه ما هو باطل.
وقوله: لَيَجْمَعَنَّكُمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِأقسم الله عز وجل -وهو الصادق- أنه سيجمعنا إلى يوم القيامة، يجمع مَن؟ الأولين والآخرين وكل ما فيه روح، قال الله تعالى: وَإِذَا الْعِشَارُ عُطِّلَتْ (٤) وَإِذَا الْوُحُوشُ حُشِرَتْ [التكوير: ٤، ٥]، كل شيء يبعث يوم القيامة ويجمع، وإنما أكد الله ذلك لسببين: السبب الأول: أن فيه من ينكره، ينكر هذا الجمع، قال الله تعالى: زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ لَنْ يُبْعَثُوا قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَّ ثُمَّ لَتُنَبَّؤُنَّ بِمَا عَمِلْتُمْ [التغابن: ٧].
فإن قال قائل: هذا السبب لا ينفع فيمن ينكره؛ لأن الذي ينكر سينكر سواء أُقسم له أم لم يقسم، أليس كذلك؟ المنكر لا يفيد فيه القسم؟
قلنا: هذا إذا أُكّد له الكلام وأنكر بعد التأكيد صار إنكاره مكابرة؛ لقيام ما يدل على تأكد هذا الشيء، هذا واحد.
ثانيًا: أنه جرت عادة العرب -والقرآن بلسان عربي- جرت عادتهم أنهم يؤكدون الحكم فيما إذا كان المخاطب أيش؟ منكرًا ويقولون: إنه يجب أن يكون الكلام مؤكدًا، أما الأمر الثاني أو السبب الثاني للتأكيد فلأن هذا من أهم الأمور، وكلما كان الشيء هامًّا كان توكيده أوكد حتى لا يبقى في النفوس شك أو تردد، ولا شك أن من أهم الأمور -إن لم أقل أهم الأمور بعد الإيمان بالله- أن تؤمن باليوم الآخر؛ لأن من لم يؤمن باليوم الآخر لا يمكن أن يعمل، إذا قال: ما هي إلا حياتنا الدنيا نموت ونحيا فما الفائدة من العمل؟!
فصار التوكيد هنا لسببين؛ السبب الأول: أن فيهم من ينكر ذلك فاحتيج إلى تأكيد الكلام أمامه، وأوردنا على هذا إيرادًا وأجبنا عنه، والثاني: أن هذا من أهم الأمور، وكلما كان الشيء أهم كان تأكيده أبلغ.
يقول: إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِيوم القيامة هو اليوم الذي يبعث فيه الناس، وسمي يوم القيامة لأمور ثلاثة:
الأول: أن الناس يقومون فيه من قبورهم لله، قال الله تعالى: يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ [المطففين: ٦].
الثاني: أنه يقام فيه العدل؛ لقوله تعالى: وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ [الأنبياء: ٤٧].
الثالث: أنه يقوم فيه الأشهاد إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ [غافر: ٥١]؛ ولهذا سمي هذا اليوم يوم القيامة، وله أسماء كثيرة في القرآن يذكره الله تعالى بها حسب ما يقتضيه السياق.
لَا رَيْبَ فِيهِهذه الجملة خبرية في ظاهرها، والريب هو الشك مع القلق، لكن اختلف المفسرون هل هي خبرية محضة أو هي خبرية طلبية؛ أي: أنها خبر بمعنى النهي؟
ذكرنا في ذلك قولين، والراجح أنها خبرية محضة؛ لأن الخبر المحض يفيد استقرار الشيء وثبوته سواء آمن به الإنسان أم لم يؤمن، وأنه شيء مستقر ليس فيه إشكال.
وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ حَدِيثًايعني: لا أحد أصدق من الله، فالاستفهام هنا بمعنى النفي، والبلاغة أو النكتة البلاغية في كون النفي يأتي بصيغة الاستفهام هو: أنه إذا أتى بصيغة الاستفهام صار مشربًا معنى أيش؟ التحدي يعني كأن المتكلم يتحدى المخاطب يقول: بيِّن لي: من أصدق من الله حديثًا؟ فهو متضمن للنفي لا شك، ومتضمن لأيش؟ للتحدي.
في هذه الآية فوائد كثيرة؛ أولًا: انفراد الله تعالى بالألوهية؛ لقوله: اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَفهل أحد أنكر انفراده بالألوهية؟ هل أحد أنكر انفراد الله بالألوهية؟
طالب: نعم، نعم، كفار قريش.
الشيخ: من؟ كفار قريش، قالوا للرسول صلى الله عليه وسلم: أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ [ص: ٥].
هل أحد أنكر توحيد الربوبية؟
طالب: فرعون، وكذلك المجوس جعلوا للخلق النور والظلمة.
الشيخ: نعم، لكن هل فرعون حينما أنكر أنكر حقيقة أو بلسانه؟
الطالب: لم ينكر حقيقة، قال الله تبارك وتعالى: وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ [النمل: ١٤].
الشيخ: نعم، وقال له موسى: لَقَدْ عَلِمْتَ مَا أَنْزَلَ هَؤُلَاءِ إِلَّا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ بَصَائِرَ [الإسراء: ١٠٢] ولم ينكر عليهم، ما قال: ما علمت.
هل أحد أنكر توحيد الأسماء والصفات؟ نعم، كثير من أنكره حتى من أهل الملة الذين ينتسبون إلى الإسلام أنكروا توحيد الأسماء والصفات؛ فمنهم من عطَّل ومنهم من مثَّل، وكلاهما يعتبر منكرًا.
من فوائد هذه الآية الكريمة: إثبات الجمع يوم القيامة؛ لقوله: لَيَجْمَعَنَّكُمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ، وهذا دل عليه آيات كثيرة مثل قوله تعالى: قُلْ إِنَّ الْأَوَّلِينَ وَالْآخِرِينَ (٤٩) لَمَجْمُوعُونَ إِلَى مِيقَاتِ يَوْمٍ مَعْلُومٍ [الواقعة: ٤٩، ٥٠].
ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات يوم القيامة؛ لقوله: إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ، والإيمان به أحد أركان الإيمان الستة لقول النبي صلى الله عليه وسلم في جواب جبريل: «أَنْ تُؤْمِنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْقَدَرِ خَيْرِهِ وَشَرِّهِ» ، فاليوم الآخر هو يوم القيامة.
ومن فوائد الآية الكريمة: وجوب الإيمان باليوم الآخر على وجه لا شك معه؛ لقوله: لَا رَيْبَ فِيهِ، فيجب علينا أن نؤمن بأن الله يجمعنا إلى يوم القيامة إيمانًا لا شك معه ولا تردد معه.
ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات الكلام لله عز وجل، يؤخذ؟
طالب: يوم القيامة..
طالب آخر: وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ حَدِيثًا.
الشيخ: مَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ حَدِيثًاتأخذها من قوله: مَنْ أَصْدَقُ، أو من قوله: حَدِيثًا، أو منهما جميعًا؟
طالب: منهما جميعًا.
الشيخ: كيف ذلك؟
الطالب: تؤخذ من وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ حَدِيثًا.
الشيخ: إي، لكن كيف تأخذ إثبات الكلام من هذه الآية؟
الطالب: إن كان بيتحدى بمن أصدق من الله حديثًا.
طالب آخر: شيخ، حَدِيثًايا شيخ تكفي لإثبات الكلام، كلمة حَدِيثًاتكفي لإثبات الكلام.
الشيخ: إي، لكن قلنا: من الكلمتين جميعًا.
طالب: أحسن الله إليك، (أصدق) اسم تفضيل مما يدل على وجود مفضول، فدل ذلك على وجوب الامتثال لمن هو أصدق منه فعلًا.
طالب آخر: لأن الصدق لا بد من الخبر عنه.
الشيخ: صح، الصدق إنما يوصف به الكلام، حَدِيثًاالحديث هو الكلام، خبر، وعلى هذا فيكون إثبات الكلام لله عز وجل من الكلمتين جميعًا من أَصْدَقُومن حَدِيثًا، والصدق مطابقة الخبر للواقع، أو مطابقة الواقع للخبر؟
طالب: الخبر للواقع.
الشيخ: والواقع للخبر؟
طالب: لا ممكن (...).
الشيخ: ما دمنا قلنا: مطابقة (مفاعلة) تكون من جانبين؛ إذن مطابقة الخبر للواقع أو الواقع للخبر، هذا هو الصدق.
ومن فوائد الآية الكريمة: أن كلام الله تعالى وخبره صدق لا كذب فيه بوجه من الوجوه؛ لقوله: مَنْ أَصْدَقُأي من اسم التفضيل؛ لأن اسم التفضيل يجعل المفضل في قمة الوصف، وعلى هذا فليس في كلام الله سبحانه وتعالى شيء من الكذب إطلاقًا.
ومن فوائد الآية الكريمة: وجوب الإيمان بما أخبر الله به عن نفسه وعن أمور الغيب كلها؛ لقوله: مَنْ أَصْدَقُ، فإذا أخبر الله عن نفسه بشيء أو عن أمور غائبة بشيء وجب علينا تصديقه.
ومن فوائد الآية الكريمة: وصف كلام الله تعالى بالحديث؛ لقوله: وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ حَدِيثًاوهو كذلك، لكن هل الحديث يعني الخبر، أو يجوز أن يكون المراد به أنه حادث يتكلم الله به؟ الثاني هو المراد، فكلام الله عز وجل باعتبار أصله من الصفات الذاتية بأنه تعالى لم يزل ولا يزال متكلمًا كما أنه (...) إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ [يس: ٨٢].
فإن قال قائل: فهل عندكم دليل على أن كلام الله حادث؛ يعني باعتبار آحاده؟ قلنا: عندنا أدلة، ما هو دليل واحد، استمع إلى قول الله تبارك وتعالى: قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا [المجادلة: ١]، فإن (قد) للتحقيق، و(سمع) فعل ماضٍ يقتضي أن يكون المسموع أيش؟ سابقًا للخبر عنه، وأن الخبر عنه لاحق، ومعلوم أن المرأة إنما شكت إلى النبي عليه الصلاة والسلام في أمر حادث، وقال تعالى: مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنْ رَبِّهِمْ مُحْدَثٍ [الأنبياء: ٢]، وقال تعالى: وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ تُبَوِّئُ الْمُؤْمِنِينَ مَقَاعِدَ لِلْقِتَالِ [آل عمران: ١٢١]، والآيات في هذا كثيرة.
فإن قيل: إذا قلت: بأن كلام الله حادث لزم أن يكون الله تعالى حادثًا؛ لأن الحوادث لا تكون إلا من حادث؟
فالجواب: هذا غير صحيح، لا يلزم، لا يلزم من قيام الحوادث بالله عز وجل أن يكون هو حادثًا، أليس الله تعالى يقول: خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ [الأعراف: ٥٤] و(ثم) تفيد أيش؟ الترتيب، إذن الاستواء -وهو فعل- كان بعد خلق السماوات والأرض، فقامت به الأفعال الاختيارية، ولا شك أن قيام الأفعال الاختيارية بالله عز وجل من كمال الله، من كماله أن يكون فاعلًا متى شاء فعل، ومتى شاء لم يفعل، وأما من قال: إنه يلزم من قيام الحوادث به أن يكون حادثًا فهذه قضية غير مسلَّمة ولا صحيحة، والله أعلم.
طالب: فضيلة الشيخ، كيف نقول: إن المشركين مشركي العرب.
الشيخ: أيش؟
الطالب: كيف نقول: إن مشركي العرب كانوا مؤمنين بتوحيد الربوبية، وهم يشركون في الأسباب ينسبون الأمور (...) هذا شرك في الأسباب وهو توحيد الربوبية.
الشيخ: نعم، لكن إذا سئل: من خلق السماوات والأرض؟ من رب السماوات والأرض؟
طالب: قد يكون يا شيخ إن (...).
الشيخ: لا، هم ما يرون هذه الأصنام تفعل كما يفعل الله عز وجل، يرون أنها وسائط.
طالب: شيخ، بارك الله فيكم، بعضهم يقول: إن (إله) هو من قُصد بعبادة، وليس المألوه حبًّا وتعظيمًا، واستدلوا بحديث أبي واقد الليثي عندما خرج عليهم صلى الله عليه وسلم فقالوا: اجعل لنا ذات أنواط، فأنكر عليهم النبي صلى الله عليه وسلم واستدل بالآية ، وهم لم يحبوها إنما أرادوا التبرك بها، فبم نجيب؟
الشيخ: نجيب عن هذا بأنهم: اجعل لنا ذات أنواط للتبرك بها، وهذا يتصل بتوحيد الربوبية، ثم إن قولنا: حُبًّا وتعظيمًا إنما هو للإله الحق، وقد يكون الباطل بما قام في قلب العابد من الشبهة، قد يحب الأصنام ويعظمها؛ ولهذا افتخر بها أبو سفيان في أُحد وقال: اعلُ هُبل؛ ولهذا كانوا يحلفون بها، كل هذا يدل على تعظيمها، لكنها ليست أهلًا للتعظيم؟
طالب: التعريف هذا يا شيخ، يعني يصدق فيما ليس له حيثية.
الشيخ: فيما ليس أيش؟
الطالب: فيما ليس.. في غير الله عز وجل.
الشيخ: أيهم؟
الطالب: الإله من قصد بالعبادة.
الشيخ: هم يقصدون عبادتها، لكن كونهم يقصدون عبادتها هل هو لمحبتها أو لتعظيمها لذاتها، أو لأنها تقربهم إلى الله زلفى؟ الثاني؛ لأنهم يقولون: مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى [الزمر: ٣].
طالب: شيخ، أحسن الله إليك، الذين يأتون بهذه الأناشيد اللي تحض على الجهاد (...)؟
الشيخ: وأيش لون؟
الطالب: هذه الأناشيد اللي تحض على الجهاد من باب المندوب أو المباح وَحَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ.
الشيخ: من باب الممدود؟
الطالب: المندوب.
الشيخ: من باب المندوب، أي القصائد؟
الطالب: أناشيد تحض على الجهاد.
الشيخ: هو لا شك أن الحث على الجهاد بالأناشيد والقصائد أنه مطلوب، فقد كان النبي عليه الصلاة والسلام يأمر حسان بن ثابت أن ينافح عنه ويقول: «اللَّهُمَّ أَيِّدْهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ» .
طالب: شيخ، قلنا: إن الذي يشارك في السيئة يكن له نصيب منها، بعض الناس يعمل في عمل يكون فيه ظلم للناس كالذين يجمعون الضرائب والجمارك، ولكنه يعمل بهدف تخفيف الظلم الواقع على الناس، فهل يكون عليه إثم في هذا الأمر؟
الشيخ: سمعتم سؤاله؟ يقول: بعض الناس يعمل في أمور تشتمل على الظلم كالجمارك مثلًا، فهل إذا عمل فيها بقصد التخفيف عن الناس يكون آثمًا؟
والجواب: لا، هذا من باب المدافعة عن المسلمين، فبدلًا من أن يُظلم عشرة يُظلم خمسة، وبدلًا أن يظلم الإنسان في جميع ماله يظلم في بعض ماله، فهذا لا بأس به؛ لأنه للإصلاح.
طالب: (...)؟
الشيخ: أبدًا، سمعتم كلامه؟ بعض العلماء يفسر اسم التفضيل فيما يكون من صفات الله باسم الفاعل فيقول: (أعلم) بمعنى (عالم)، (أصدق) بمعنى (صادق)، (أحسن) بمعنى (مُحسن)، وهذا غلط، هذا غلط عظيم، ونقص في مدلول الكلمة، أيهما أبلغ أن تقول: عالم يشترك فيه كل الناس على حد سواء، أو أعلم بحيث لا يساويه أحد في علمه؟ الثاني لا شك، صادق وأصدق، (صادق) يشاركه كثير من الناس، (أصدق) لا يشاركه أحد، بل إن الله قال: آللَّهُ خَيْرٌ أَمَّا يُشْرِكُونَ [النمل: ٥٩].
طالب: شيخ، إن قال قائل: ما الفرق بين المخلوق وبين الحادث؟
الشيخ: وبين أيش؟
الطالب: بين المخلوق وبين الحادث؟
الشيخ: نعم، المخلوق والحادث بينهما فرق عظيم، الفرق العظيم هو: أن الحادث قد يكون صفة وقد يكون مخلوقًا بائنًا، وكلام الله عز وجل ليس مخلوقًا بائنًا عن الله، لكنه يتكلم به، وكلامه به الآن ليس أزليًّا بل هو حادث.
طالب: يكون (...).
الشيخ: أيش؟
الطالب: (...) الموصوف.
الشيخ: لا، ما يصح، الصفة غير الموصوف، لكنها قائمة به، فالطول مثلًا ليس هو الطويل، لكنه قائم بالطويل، والعلم غير العالِم لكنه قائم به.

***

تفسير الآية (88)
01:11:32
طالب: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم فَمَا لَكُمْ فِي الْمُنَافِقِينَ فِئَتَيْنِ وَاللَّهُ أَرْكَسَهُمْ بِمَا كَسَبُوا أَتُرِيدُونَ أَنْ تَهْدُوا مَنْ أَضَلَّ اللَّهُ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ سَبِيلًا (٨٨) وَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ كَمَا كَفَرُوا فَتَكُونُونَ سَوَاءً فَلَا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ أَوْلِيَاءَ حَتَّى يُهَاجِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَخُذُوهُمْ وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَلَا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا (٨٩) إِلَّا الَّذِينَ يَصِلُونَ إِلَى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ أَوْ جَاءُوكُمْ حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ أَنْ يُقَاتِلُوكُمْ أَوْ يُقَاتِلُوا قَوْمَهُمْ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَسَلَّطَهُمْ عَلَيْكُمْ فَلَقَاتَلُوكُمْ فَإِنِ اعْتَزَلُوكُمْ فَلَمْ يُقَاتِلُوكُمْ وَأَلْقَوْا إِلَيْكُمُ السَّلَمَ فَمَا جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ عَلَيْهِمْ سَبِيلًا (٩٠) [النساء: ٨٨ - ٩٠].
الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله تبارك وتعالى: فَمَا لَكُمْ فِي الْمُنَافِقِينَ فِئَتَيْنِالخطاب في قوله: فَمَا لَكُمْللصحابة رضي الله عنهم، و(ما) اسم استفهام مبتدأ، والمراد بالاستفهام هنا الإنكار عليهم. و(لكم) جار ومجرور خبر المبتدأ؛ يعني: أي شيء لكم في المنافقين تختلفون فتكونون فئتين، وذلك أن الصحابة رضي الله عنهم بعد رجوع من رجع من المنافقين في أُحد، وتعرفون أنه رجع من الجيش في أُحُد نحو الثلث، كلهم منافقون، اختلف الصحابة فيما بعد؛ قال بعضهم: نقتلهم؛ لأنهم خانوا وتبيّن ردتهم، وقال آخرون: لا نقتلهم؛ لأنهم يظهرون بالإسلام، فاختلفوا وتنازعوا وصار المسلمون فئتين، وعلى هذا فيكون قوله: فِئَتَيْنِخبرًا لـ(صار) المحذوفة، والتقدير: فما لكم في المنافقين صرتم فئتين، أو كنتم فئتين، كلاهما صحيح، الفئة الأولى ماذا قالت؟ نقتلهم، والفئة الثانية قالت: لا نقتلهم، فئة أخرى قالت: هؤلاء مسلمون، فئة أخرى قالت: هؤلاء كفار منافقون.
فبين الله الحكم بين الفئتين فقال: وَاللَّهُ أَرْكَسَهُمْ بِمَا كَسَبُواوَاللَّهُ أَرْكَسَهُمْ(الإركاس) بمعنى الرد والإرجاع، لكن على وجه مذموم، فمعنى أَرْكَسَهُمْأي: ردهم وأرجعهم على وجه مذموم، بِمَا كَسَبُوا(الباء) للسببية، و(ما) يجوز في إعرابها أن تكون مصدرية ويكون التقدير: أركسهم بكسبهم، ويجوز أن تكون موصولة ويكون التقدير: بما كسبوه، فإذا كان الله أركسهم بما كسبوه فالصواب مع من قال: إنهم كافرون مرتدون، أما مسألة المقاتَلة فسيأتي التفصيل فيها في الآيات.
أَتُرِيدُونَ أَنْ تَهْدُوا مَنْ أَضَلَّ اللَّهُوهذا الاستفهام استفهام توبيخي، والإرادة هنا بمعنى المحبة أو بمعنى المشيئة، كلاهما صحيح، يعني: أتشاؤون أن تهدوا من أضل الله؟ أو أتحبون أن تهدوا من أضل الله؟
والجواب: ليس لكم ذلك؛ لأن من يرد الله أن يضله فإنه ليس له من الله من ولي ولا نصير.
أَتُرِيدُونَ أَنْ تَهْدُوا مَنْ أَضَلَّ اللَّهُالاسم الكريم (الله) بالرفع على أنه فاعل، وعلى هذا فيكون أَضَلَّفيها ضمير محذوف هو عائد الصلة، والتقدير: من أضله الله.
وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ سَبِيلًا(مَنْ) هذه شرطية، والدليل على أنها شرطية أن الفعل بعدها وقع مجزومًا، ولكنه حُرك بالكسر: مَنْ يُضْلِلِ اللَّهُلالتقاء الساكنين، وقد قال ابن مالك في الكافية:
إِنْ سَاكِنَانِ الْتَقَيَا اكْسِرْ مَا سَبَقْ وَإِنْ يَكُنْ لَيْنًا فَحَذْفَهُ اسْتَحَـــــــــــــــــقْ
يعني: إن كان حرف علة احذفه، إذا كان ساكنًا اكسره.
وقوله: فَلَنْ تَجِدَ لَهُ سَبِيلًا(لن) هذه جملة جواب الشرط، ولماذا اقترنت بالفاء؟ لأن الجواب لا يصح أن يكون فعلًا للشرط، ومتى امتنع أن يكون الجواب فعلًا للشرط وجب أيش؟ اقترانه بالفاء، وقد جُمعت المواضع التي يقترن الجواب فيها بالفاء في بيت ينشدنا إياه؟
طالب: (...)
الشيخ:
اسْمِيَّــــــــــــــــــــةٌ طَلَبِيَّـــــــــــــــــــــــــــــةٌ وَبِجَــــــــــــــــامِدٍ وَبِمَـــــا وَقَــــــدْ وَبِلَــــــــنْ وَبِالتَّنْفِيـــــــــــــــــــــــسِ
من أي هذه السبعة؟ (لن) فَلَنْ تَجِدَ لَهُ سَبِيلًا.
وقوله: فَلَنْ تَجِدَ لَهُ سَبِيلًاقد يقول قائل: كيف كانت بالإفراد والخطاب الذي قبلها بالجمع أَتُرِيدُونَ أَنْ تَهْدُوا مَنْ أَضَلَّ اللَّهُ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ سَبِيلًا؟
قلنا: كأنه -والله أعلم- انفصلت هذه الجملة عما قبلها وصار المراد بها المخاطَب؛ يعني: فلن تجد -أيها المخاطَب- له سبيلًا، ومعنى سَبِيلًاأي: طريقًا إلى الهداية.
في هذه الآية: الإنكار على المؤمنين في الاختلاف في المنافقين؛ لقوله: فَمَا لَكُمْ فِي الْمُنَافِقِينَ فِئَتَيْنِ.
ويترتب على هذه الفائدة: أن هذا يوحي بذم الاختلاف، وذم الاختلاف أمر ثابت؛ لأن هذه الأمة أُوصيت بأن تقيم الدين ولا تتفرق فيه، والاختلاف تفرّق، بل قد قال الله تعالى: وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ [آل عمران: ١٠٥].
ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن الإنسان يركس ويُرد على الوجه المذموم بسبب عمله، من أين يؤخذ؟ من قوله: وَاللَّهُ أَرْكَسَهُمْ بِمَا كَسَبُوا.
ومن فوائدها: إثبات الأسباب، تؤخذ منين؟ من قوله: بِمَا كَسَبُواالباء للسببية، والناس في الأسباب طرفان ووسط؛ فمن الناس من أنكر تأثير الأسباب إطلاقًا وقال: لا أثر للسبب في المسبّب، حتى كابروا المعقول والمحسوس وقالوا: لو رميت الزجاجة بحجر فانكسرت فإن الحجر لم يكسرها، ولكن انكسرت الزجاجة عنده لا به، لماذا؟ قالوا: لأننا لو أثبتنا تأثير الأسباب لأثبتنا خالقًا مع الله، سبحان الله! وهذا القول إذا نُسب للإسلام سوف يكون مثارًا للقدح في الإسلام؛ لأن غير المسلمين يشاهدون أن الأسباب تؤثر.
الطرف الثاني: من يقول: إن الأسباب لها تأثير بمقتضى طبيعتها لا بأن الله سبحانه وتعالى جعل فيها القوة المؤثرة، وهؤلاء قد ضلوا وأشركوا، جعلوا مع الله شريكًا، هؤلاء أيضًا على ضلال.
والقسم الثالث قالوا: إن للأسباب تأثيرًا بما أودع الله فيها من القوى الفاعلة، وليست هي التي تفعل، وهؤلاء هم أهل الحق وأهل الصواب، فالله تعالى هو الذي جعل الإحراق في النار فتحرق، وجعل الكسر في الحجر يقع على الزجاجة فتنكسر، والدليل على هذا أن الله تعالى قال في نار إبراهيم: كُونِي بَرْدًا وَسَلَامًا عَلَى إِبْرَاهِيمَ [الأنبياء: ٦٩]، وطبيعة النار أيش؟ الحرارة والإحراق الإهلاك، لكن قال لها: كُونِي بَرْدًا وَسَلَامًا عَلَى إِبْرَاهِيمَفكانت بردًا وسلامًا عليه، إذن الأسباب لا تؤثر بذاتها، ولكن بما أودع الله فيها من القوى الفاعلة.
ومن فوائد الآية الكريمة: أن الأعمال قد تكون سببًا لرِدَّة الإنسان وكثرة معاصيه، السيئة تجذب السيئة، والصغائر بريد الكبائر، والكبائر بريد الكفر، وهذا واضح أَرْكَسَهُمْ بِمَا كَسَبُوا، فإذا رأيت من نفسك إركاسًا -والعياذ بالله- فانتشلها بالتوبة والاستغفار إلى الله عز وجل وسؤال الله الثبات، ولا تتهاون، لا تقل: إن شاء الله يقوى إيماني بعد، من الآن، من حين أن تحس بالمرض فعليك بالدواء.
ومن فوائد هذه الآية الكريمة: الرد على الجبرية، من أين تؤخذ؟ من قوله: بِمَا كَسَبُوافأثبت لهم كسبًا، والجبرية يقولون: إن الإنسان لا كسب له وعمله مجبر عليه.
ومن فوائدها: الرد على القدرية أيضًا، من أين تؤخذ؟ من قوله: وَاللَّهُ أَرْكَسَهُمْأَرْكَسَهُمْ، والقدرية يقولون: إن أفعال العباد لا علاقة لتقدير الله تعالى بها إطلاقًا، فصار في الآية رد على كلتا الطائفتين المنحرفتين المبتدعتين، أهل السنة والجماعة يقولون: للإنسان فعل يُنسب إليه حقيقة، والمقدِّر لهذا الفعل من؟ الله عز وجل، وهذا هو المطابق للمنقول والمعقول والمحسوس.
ومن فوائد الآية الكريمة: توبيخ أولئك المؤمنين الذين يريدون أن يهدوا من أضل الله؛ لقوله: أَتُرِيدُونَ أَنْ تَهْدُوا مَنْ أَضَلَّ اللَّهُ.
فإن قال قائل: يُشكل على هذا إشكال كبير؛ الدعوة إلى الله عز وجل ومحاولة إصلاح الخلق، فإن الداعي يريد أيش؟ أن يهتدي المسلمون، أن يهتدي المدعوون؟
فيقال: الجواب عن هذا: أن الله أنكر على هؤلاء الذين يشاهدون أن الله أضل هؤلاء بالنفاق والعياذ بالله، ويحاولون أن يحكموا بإسلامهم، ويقولون: إنهم مسلمون كما هي الفئة الثانية.
ومن فوائد الآية الكريمة: أن الهداية والإضلال بيد من؟ بيد الله.
ويتفرع على هذه الفائدة: أن لا تسأل الهداية من الضلال إلا من الله عز وجل، وأن تجعل سؤالك لبعض الناس: كيف أهتدي تجعله سؤالًا عن السبب والطريق، وأما الذي بيده أزِمَّة الأمور فهو الله عز وجل؛ ولهذا قال الله لنبيه: إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ [القصص: ٥٦].
ومن فوائد الآية الكريمة: أن من قدَّر الله إضلاله فإنه لا يمكن لأحد أن يقوم بهدايته؛ لقوله: وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ سَبِيلًا.
فإن قيل: هذا يقتضي أن يكون للعاصي حجة على معصيته فيقول: مَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ سَبِيلًافما الجواب؟
الجواب عن هذا أن يقال: لا حُجّة في هذا للعاصي إطلاقًا؛ وذلك لأن الإنسان لا يعرف أن الله أضله إلا بعد أن يضل هو، وضلاله هو صادر عن إرادته، إرادة الإنسان وقدرة الإنسان، فهو الفاعل وهو الذي أضل نفسه، لكن لا يعلم أن الله قدر عليه الضلال إلا بعد أيش؟ بعد وقوعه، فكيف يحتج بحجة لا يعلم بها إلا بعد وقوع الشيء؟! هذا باطل.
ومن فوائد الآية الكريمة: بيان أن الأمور بيد الله سبحانه وتعالى: أَتُرِيدُونَ أَنْ تَهْدُوا مَنْ أَضَلَّ اللَّهُ، وإذا آمنت بذلك فلن تسأل الهداية إلا ممن؟ إلا من الله عز وجل.
تفسير الآية (89)
01:28:40

ثم قال تعالى: وَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ كَمَا كَفَرُوا فَتَكُونُونَ سَوَاءًوَدُّواالفاعل هم المنافقون؛ لأن السياق فيهم، وقوله: لَوْ تَكْفُرُونَ كَمَا كَفَرُوا(لو) هنا مصدرية؛ أي: ودوا كفركم، فهي بمنزلة (أن) أي: ودوا أن تكفروا كما كفروا، و(لو) مر علينا عدة مرات أنها تأتي لمعانٍ متعددة، يبينها لنا؟
طالب: تأتي للتمني، وتأتي امتناع لامتناع.
الشيخ: تأتي مصدرية كما هنا، وتأتي للتمني.
الطالب: وتأتي شرطية.
الشيخ: وتأتي شرطية، تكون حرف امتناع لامتناع، وإذا أردت أن تعرف معاني الحروف فعليك بكتاب المغني لابن هشام رحمه الله.