تفسير سورة النساء - 27
عدد الزيارات 2979

عناصر المادة :
تفسير الآية (90)
تفسير الآية (91)
تفسير الآية (92)
تفسير الآية (93)

ثم قال تعالى: وَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ كَمَا كَفَرُوا فَتَكُونُونَ سَوَاءً [النساء: ٨٩] وَدُّواالفاعل هم المنافقون؛ لأن السياق فيهم، وقوله: لَوْ تَكْفُرُونَ كَمَا كَفَرُوا(لو) هنا مصدرية أي: ودوا كفركم، فهي بمنزلة (أن)، أي: ودوا أن تكفروا كما كفروا، و(لو) مر علينا عدة مرات أنها تأتي لمعانٍ متعددة؟
طالب: تأتي للتمني، وتأتي (...).
الشيخ: تأتي مصدرية، كما هنا، وتأتي للتمني.
الطالب: وتأتي شرطية.
الشيخ: وتأتي شرطية، تكون حرف امتناع لامتناع، وإذا أردت أن تعرف معاني الحروف فعليك بكتاب المغني لابن هشام رحمه الله، فإنه يأتي بكلمة ويبين معانيها، وقد اختصرنا المهم منه في كراسة ليست بكثيرة.
يقول عز وجل: وَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ كَمَا كَفَرُواأي: ككفرهم، وعلى هذا فـ(ما) هنا مصدرية، ولا يصح أن تكون موصولة؛ لأن المراد: ودوا لو تكفرون ككفرهم، وما نوع كفر المنافقين؟ كفر المنافقين كفر غريب؛ إِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ [البقرة: ١٤]، فهو كفر مستور ظاهره فيه الرحمة وباطنه من قبله العذاب، هم يودون أن كل الناس يفعلون هكذا مع النبي عليه الصلاة والسلام فيؤمنون ظاهرًا ويكفرون باطنًا؛ ولهذا قال الله عز وجل: حَتَّى إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا جَاءَهُمْ نَصْرُنَا [يوسف: ١١٠].
ما معنى أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا؟ أي: أن قومهم كذبوهم في دعوى الإيمان بهم، يعني أن قومهم قالوا: إنا مؤمنون وهم لم يؤمنوا، هذا معنى قوله: وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا، وفيه قراءة سبعية: {وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِّبُوا} أي: أيقنوا أنهم مُكذَّبون جاءهم نصرنا.
قال: فَتَكُونُونَ سَوَاءًهنا الفاء عاطفة وليست جوابًا لـ(لو)؛ لأن (لو) ليست شرطية، فَتَكُونُونَ سَوَاءًأي: فتكونون معهم سواء لا فضل لكم عليهم، وهذا في مقتضى طبيعة الإنسان أنه يود إذا سلك منهجًا أن يسلكه الناس معه، كل إنسان، لا صاحب الخير ولا صاحب الشر يود إذا سلك منهجًا أن يسلكه الناس، هؤلاء ودوا أن المؤمنين يكفرون كما كفروا فتكونون سواء.
قال الله تعالى محذِّرًا عنهم وعن موالاتهم: فَلَا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ أَوْلِيَاءَ حَتَّى يُهَاجِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِفَلَا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ أَوْلِيَاءَيوالونكم أو توالونهم أو المعنيين؟
الطلبة: المعنيين.
الشيخ: نعم المعنيين، يعني: لا تتخذوا منهم أولياء؛ لأنهم أعداء كما قال الله تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ [الممتحنة: ١]، وكذلك لا تتخذوا منهم أولياء توالونهم أنتم؛ لأن موالاة الكفار كفر.
حَتَّى يُهَاجِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ(حتى) هنا غاية أو علة؟ غاية، يعني: استمروا في عداوتهم حتى يهاجروا في سبيل الله، واعلم أن (حتى) تكون غاية وتكون علة، ففي قوله تعالى: هُمُ الَّذِينَ يَقُولُونَ لَا تُنْفِقُوا عَلَى مَنْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ حَتَّى يَنْفَضُّوا [المنافقون: ٧] هذه علة يتعين أنها علة، وفي قوله: لَنْ نَبْرَحَ عَلَيْهِ عَاكِفِينَ حَتَّى يَرْجِعَ إِلَيْنَا مُوسَى [طه: ٩١] هذه غاية.

***

طالب: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم وَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ كَمَا كَفَرُوا فَتَكُونُونَ سَوَاءً فَلَا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ أَوْلِيَاءَ حَتَّى يُهَاجِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَخُذُوهُمْ وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَلَا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا (٨٩) إِلَّا الَّذِينَ يَصِلُونَ إِلَى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ أَوْ جَاءُوكُمْ حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ أَنْ يُقَاتِلُوكُمْ أَوْ يُقَاتِلُوا قَوْمَهُمْ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَسَلَّطَهُمْ عَلَيْكُمْ فَلَقَاتَلُوكُمْ فَإِنِ اعْتَزَلُوكُمْ فَلَمْ يُقَاتِلُوكُمْ وَأَلْقَوْا إِلَيْكُمُ السَّلَمَ فَمَا جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ عَلَيْهِمْ سَبِيلًا (٩٠) [النساء: ٨٩، ٩٠].

الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله تبارك وتعالى: فَمَا لَكُمْ فِي الْمُنَافِقِينَ فِئَتَيْنِمن المنافق؟
طالب: المنافق الذي يظهر خلاف ما يبطن.
الشيخ: خطأ.
طالب: الذي يظهر الخير ويبطن الشر.
الشيخ: هو الذي يظهر الخير ويبطن الشر، ومنه الذي يبطن الكفر ويظهر الإيمان.
ومن المراد بالمنافقين في الآية؟
طالب: الكفار الذين رجعوا من بدر.
الشيخ: الذين رجعوا من؟ من أحد.
قوله: فِئَتَيْنِإعرابها؟
طالب: مفعول به.
الشيخ: مفعول به؟ ما تقدم فعل ولا ما بمعنى الفعل.
طالب: خبر (صار)، أو خبر لـ (كان).
الشيخ: خبر لـ (كان) أو لـ (صار) المحذوفة، أي: صرتم فئتين.
فيه وجه آخر؟
طالب: حال.
الشيخ: حال من أين؟
طالب: من (...) فَمَا لَكُمْ.
الشيخ: فَمَا لَكُمْ، نعم، يصح هذا، لكن الأول أظهر؛ لأنها تتحدث عن أمر واقع.
قوله: أَرْكَسَهُمْ بِمَا كَسَبُوامعنى أَرْكَسَهُمْ؟
طالب: ردهم وأرجعهم.
الشيخ: لكن ردًّا محمودًا أو؟
الطالب: ردًّا على وجه غير مرضٍ.
الشيخ: على وجه الإركاس، وأصل الركس هو الشيء النجس.
ما المراد بالاستفهام في قوله: أَتُرِيدُونَ أَنْ تَهْدُوا مَنْ أَضَلَّ اللَّهُ؟
طالب: (...).
الشيخ: وما معنى قوله: مَنْ أَضَلَّ اللَّهُ؟
طالب: أي الذين (...).
الشيخ: ومعنى تَهْدُوا، هداية؟
طالب: هداية التوفيق.
الشيخ: قوله: فَلَنْ تَجِدَ لَهُ سَبِيلًاإلى أَتُرِيدُونَ أَنْ تَهْدُوا مَنْ أَضَلَّ اللَّهُ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ سَبِيلًا.
طالب: طريقًا إلى الهداية.
الشيخ: إلى الهداية، أحسنت.
قال الله تبارك وتعالى: وَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ كَمَا كَفَرُوا فَتَكُونُونَ سَوَاءًوَدُّواالودُّ: خالص المحبة، والمعنى: أنهم يودون بكل قلوبهم لَوْ تَكْفُرُونَ كَمَا كَفَرُوا(لو) هذه مصدرية بمعنى (أن)، يعني: ودوا أن تكفروا، وقوله: كَمَا كَفَرُواالكاف هنا للتشبيه، و(ما) يحتمل أن تكون مصدرية أي:ككفرهم، ويحتمل أن تكون موصولة أي: كالكفر الذي كفروه، والمعنى واحد لا يختلف لكن من حيث الإعراب.
فَتَكُونُونَ سَوَاءًأي: تكونون معهم سواء، في الكفر ولا في الإيمان؟ في الكفر فَلَا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ أَوْلِيَاءَ حَتَّى يُهَاجِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِأي: لا تتخذوا أولياء توالونهم أو يوالونكم، أما كونكم لا توالونهم فظاهر؛ لأنهم لم يتموا ما عليه من المهاجرة، وأما كونه لا تتخذوهم أولياء تطمعون في أن يكونوا أولياء لكم؛ فلأن من كان على غير دينك لا يمكن أن يُعينك أو أن ينصرك.
وقوله: حَتَّى يُهَاجِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِاختلف في المراد بالهجرة هنا؛ فقيل: المراد حتى يهاجروا من بلاد الكفر إلى بلاد الإسلام، فإن كانوا في بادية وجب عليهم أن يهاجروا إلى المدينة، وإن كانوا في مكة فكذلك، وقيل: المراد بالهجرة الخروج مع النبي صلى الله عليه وآله وسلم للجهاد؛ لأن من خرج في الجهاد فقد هاجر، أي: ترك بلده إلى ميدان أيش؟ المعركة، إلى ميدان المعركة.
وقوله: فِي سَبِيلِ اللَّهِأي: في الطريق الموصلة إليه وهي دينه، واعلم أن الله سبحانه وتعالى أضاف السبيل إليه في عدة آيات مثل هذه الآية وأشباهها كثير، ومثل قوله تعالى: فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُوا وَاتَّبَعُوا سَبِيلَكَ [غافر: ٧] أي: طريقك، وسُمِيَ سبيل الله؛ لأن الله تعالى هو الذي وضعه لعباده، وهو -أي هذا السبيل- يوصل إلى الله، فالواضع له هو الله، وهو يوصل إلى الله عز وجل.
وقد أضافه الله تعالى إلى المؤمنين في قوله: وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ [النساء: ١١٥]، وإضافته إلى المؤمنين باعتبار أنهم سالكوه، فصار في إضافة السبيل؛ إما إلى الله، وإما إلى المؤمنين.
فأما إضافتها إلى الله فلوجهين؛ الأول: أن الله هو الذي وضعه لعباده يسيرون عليه، والثاني: أنه موصل إلى الله عز وجل، وأما إضافته إلى المؤمنين فباعتبار أنهم سالكوه.
ومثل ذلك أيضًا يقال في الصراط؛ فإن الله أضافه إلى نفسه في قوله: صِرَاطِ اللَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ [الشورى: ٥٣] وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا [الأنعام: ١٥٣]، وأضافه أيضًا إلى الذين أنعم الله عليهم في قوله: صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ [الفاتحة: ٧]، ويقال في توجيهه ما قيل في توجيه (السبيل).
فَإِنْ تَوَلَّوْاأي: تولوا عن الهجرة في سبيل الله، فَخُذُوهُمْيعني: إذا وجدتموهم خذوهم أسرى بدليل قوله: وَاقْتُلُوهُمْ، فالأخذ: أسرى، والقتل: إزهاق الروح.
حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْأي: في أي مكان وجدتموهم، سواء وجدتموهم في البر أو في بلادهم أو في غير ذلك ما داموا لم يهاجروا في سيبل الله وتولوا عن سبيل الله.
وَلَا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًاهذا كرره مرة أخرى؛ إما تمهيدًا لقوله: وَلَا نَصِيرًا، وإما من باب التوكيد، وإما للأمرين جميعًا؛ لأن قوله: وَلَا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ وَلِيًّاهو كقوله: فَلَا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ أَوْلِيَاءَ، لكن هنا زاد قال: وَلَا نَصِيرًا.
والفرق بين الولي والنصير: أن للنصير من يدافع عنه، من يعتدي عليه فهو ينصره، وأما الولي فهو: الذي يتولاك بالعناية بتحصيل مطلوبك ودفع مرهوبك.
في هذه الآية الكريمة من الفوائد: أن الكفار يودون بكل محبة أن يكفر المؤمنون كما كفروا؛ لقوله: وَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ كَمَا كَفَرُوا.
ويتفرع على هذه الفائدة: أنهم إذا كان هذا ودهم فسوف يسعون إليه بكل وسيلة، سواء كانت الوسيلة في تدمير الاقتصاد أو بالسلاح أو بنشر الأخلاق الرذيلة السافلة؛ لأن الأخلاق الرذيلة السافلة إذا انتشرت في الأمة فعليها الوداع.
المهم أننا ما دمنا نعلم أنهم يودون أن نكفر كما كفروا فلا بد أن يسعوا لذلك بكل طريق؛ بالتهديد تارة، وبالترغيب تارة، وبتزيين الباطل تارة، وكما نشاهد الآن أن دول الكفر تلعب لعبًا لا يستهان به بدول المسلمين.
ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن بني آدم بطبيعتهم يتسلى بعضهم ببعض ويقوى بعضهم ببعض؛ لقوله تعالى: كَمَا كَفَرُوا فَتَكُونُونَ سَوَاءً، ولا شك أنه إذا اشترك أحد معك فيما أصابك فإنه تشجيع لك؛ ولهذا قال الله تعالى: وَلَنْ يَنْفَعَكُمُ الْيَوْمَ إِذْ ظَلَمْتُمْ أَنَّكُمْ فِي الْعَذَابِ مُشْتَرِكُونَ [الزخرف: ٣٩]، بينما في الدنيا إذا تشارك المجرمون في العذاب هان عليهم، وتقول خنساء في رثاء أخيها صخر:
وَلَوْلَا كَثْرَةُ الْبَاكِينَ حَــــــــــــــــوْلِــــــي عَلَى إِخْوَانِهِمْ لَقَتَلْتُ نَفْسِــــي
وَمَا يَبْكُونَ مِثْلَ أَخِي وَلَكِــــنْ أُسَلِّي النَّفْسَ عَنْهُ بِالتَّأَسِّـــــــــــي

فالحاصل أن الاشتراك في العقوبة يخففها، هنا الاشتراك في الكفر يهون الكفر على أصحابه.
ومن فوائد هذه الآية الكريمة: اعتزاز الكفار بمن يدخل في دينهم؛ لقوله: وَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ كَمَا كَفَرُوا فَتَكُونُونَ سَوَاءً.
ومن فوائد الآية الكريمة: تحريم اتخاذ الأولياء من الكفار حتى يهاجروا في سبيل الله؛ لقوله تعالى: فَلَا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ أَوْلِيَاءَ حَتَّى يُهَاجِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ.
ومن فوائد الآية الكريمة: أن من لم يهاجر في سبيل الله فإن هذا دليل على عدم صدقه في إيمانه؛ لأنه متى صدق الإنسان في إيمانه فسوف يدع الغالي والرخيص من أجل الحفاظ على هذا الإيمان.
ومن فوائد الآية الكريمة: الإشارة إلى الإخلاص، من أين تؤخذ؟ من قوله: فِي سَبِيلِ اللَّهِ.
ومن فوائد الآية الكريمة: أن من تولَّى عن الهجرة في سبيل الله فإنه ليس وليًّا لنا ويجب علينا مقاتلته؛ لقوله: فَإِنْ تَوَلَّوْا فَخُذُوهُمْ وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ؛ وذلك لأنه لا إيمان لهم ولا عهد لهم؛ لكونهم تولوا عن دين الله ولم يهاجروا في سبيل الله.
ومن فوائد الآية الكريمة: تأكيد النهي عن اتخاذ الأولياء من الكفار؛ لقوله: وَلَا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا.
فإن قال قائل: كيف نجمع بين هذه الآية وبين محالفة النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم لخزاعة بعد صلح الحديبية؟ فالجواب: أن المراد باتخاذ الأولياء أن ينصرهم الإنسان ويناصرهم على من قاتلوه وحاربوه سواء كان مسلمًا أو كافرًا، وأما مجرد أن يتخذ معهم حلفًا يتقوى بهم ويدفع بهم شرورًا كثيرة، فهذا لا بأس به عند الحاجة إليه؛ لأن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أقر ذلك في صلح الحديبية.
تفسير الآية (90)
00:20:26

ثم قال الله تعالى: إِلَّا الَّذِينَ يَصِلُونَ إِلَى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌهذا استثناء مما سبق من قوله: فَخُذُوهُمْ وَاقْتُلُوهُمْوَلَا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًاقال: إِلَّا الَّذِينَ يَصِلُونَ إِلَى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌيعني: إلَّا قومًا وصلوا إلى قوم بينكم وبينهم ميثاق واستجاروا بهم وعقدوا معهم الأحلاف، فهؤلاء ليس لهم حكم ما سبقهم؛ ولهذا قال: أَوْ جَاءُوكُمْإلى آخره.
إِلَّا الَّذِينَ يَصِلُونَ إِلَى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌوالميثاق هو العهد المؤكد، مأخوذ من (الوِثَاق) الذي هو الرِّباط الذي يُرْبَط به الشيء.
أَوْ جَاءُوكُمْهذه معطوفة على يَصِلُونَيعني: أو الذين جاءوكم، يعني: لم يلتجئوا إلى قوم بينكم وبينهم ميثاق ولكنهم جاؤوا إليكم.
حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ أَنْ يُقَاتِلُوكُمْ أَوْ يُقَاتِلُوا قَوْمَهُمْ(حصرت) بمعنى ضاقت ولم تتسع للقتال، والجملة في قوله: حَصِرَتْقيل: إنها في موضع نصب على الحال، وعلى تقدير (قد)، أي: قد حصرت صدورهم أن يقاتلوكم.
أَوْ يُقَاتِلُوا قَوْمَهُمْهؤلاء الآن جاؤوا للمسلمين لئلا يقاتلوا المسلمين مع قومهم، ولكنهم لا يقاتلون قومهم مع من؟ مع المسلمين؛ ولهذا قال: أَنْ يُقَاتِلُوكُمْيعني: مع قومهم، أَوْ يُقَاتِلُوا قَوْمَهُمْيعني: معكم، هؤلاء قوم مسالمون.
فهؤلاء يقول الله عز وجل: وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَسَلَّطَهُمْ عَلَيْكُمْ فَلَقَاتَلُوكُمْيعني: هؤلاء الذين جاؤوكم لو شاء الله لسلطهم عليكم فلقاتلوكم، انتبه! (لو) هذه شرطية أو مصدرية؟ شرطية، فعل الشرط شَاءَ، وجوابه لَسَلَّطَهُمْ.
وقوله: فَلَقَاتَلُوكُمْهذه معطوفة على جواب (لو) بإعادة اللام الرابطة؛ ولهذا لو حذفت وقيل: لسلطهم عليكم فقاتلوكم، لاستقام الكلام، إذن فهي اللام الأولى أعيدت للتأكيد.
وقوله: لَسَلَّطَهُمْ عَلَيْكُمْأي: لجعل لهم سلطانًا عليكم في المقاتلة، وهل شاء الله؟ لا؛ لأنهم لم يقاتلوا المسلمين.
فَإِنِ اعْتَزَلُوكُمْ فَلَمْ يُقَاتِلُوكُمْ وَأَلْقَوْا إِلَيْكُمُ السَّلَمَ فَمَا جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ عَلَيْهِمْ سَبِيلًاإِنِ اعْتَزَلُوكُمْفسَّرها بقوله: فَلَمْ يُقَاتِلُوكُمْ وَأَلْقَوْا إِلَيْكُمُ السَّلَمَاعتزلوكم فلم يكونوا معكم ولم يقاتلوكم، وَأَلْقَوْا إِلَيْكُمُ السَّلَمَأي: السلام، فَمَا جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ عَلَيْهِمْ سَبِيلًا؛ لأنهم قوم مسالمون لم يقاتلوكم، ولم يقاتلوا قومهم فهؤلاء مسالمون.
فَمَا جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ عَلَيْهِمْ سَبِيلًاوقوله: فَمَا جَعَلَهذه جواب الشرط في قوله: فَإِنِ اعْتَزَلُوكُمْ، ومعنى سَبِيلًاأي: طريقًا يبيح لكم قتالهم.
في هذه الآية الكريمة من الفوائد: استثناء هؤلاء الصنف من الناس ممن أُمِرْنا بقتالهم، وهم طائفتان: طائفة وصلوا إلى قوم بيننا وبينهم ميثاق ودخلوا فيهم، والطائفة الثانية قدموا إلينا، جاؤوا إلينا فلم يقاتلونا مع قومهم، ولم يقاتلوا قومهم معنا فهم مسالمون.
ومن فوائد هذه الآية الكريمة: تمام وفاء الإسلام بالعهد؛ حيث حمى العهد من باشر عقد العهد معنا ومن لجأ إليهم، من أين يؤخذ؟ من قوله: إِلَّا الَّذِينَ يَصِلُونَ إِلَى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌإلى آخره.
ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن من سالمنا سالمناهم؛ لقوله: حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ أَنْ يُقَاتِلُوكُمْ أَوْ يُقَاتِلُوا قَوْمَهُمْ، وقد سبق لنا في الجهاد متى تكون الهدنة؟ وهل يصح أن تزيد على عشر سنوات؟ وبينا أن الصحيح أنه تصح الهدنة المطلقة المبنية على ضعفنا، ولنا إذا قوينا أن ننبذ إليهم.
ومن فوائد هذه الآية الكريمة: إثبات مشيئة الله سبحانه وتعالى؛ لقوله: وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَسَلَّطَهُمْ عَلَيْكُمْ.
ومن فوائدها: أن أفعال العباد واقعة بمشيئة الله؛ لقوله: وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَسَلَّطَهُمْ، فيستفاد منها الرد على طائفة مبتدعة زائغة وهم؟
الطلبة: الجبرية؟
الشيخ: لا، القدرية الذين يقولون: إن فعل الإنسان مستقل به لا علاقة لله به، ودليل ذلك: وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَسَلَّطَهُمْ عَلَيْكُمْ.
ومن فوائد قوله: فَلَقَاتَلُوكُمْ: الرد على الجبرية؛ حيث نسب القتال إلى الإنسان، وهم لا ينسبون الفعل للإنسان إلا على سبيل المجاز، فمتى يقول: الرجل صلى، هو صلى على سبيل المجاز، وإلا في الحقيقة أنه أجبر على الصلاة.
ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أنه إذا اعتزلنا من وصل إلينا بأمان فلم يقاتلنا وألقى السلم وجب الكف عنه؛ لقوله: فَإِنِ اعْتَزَلُوكُمْ فَلَمْ يُقَاتِلُوكُمْ وَأَلْقَوْا إِلَيْكُمُ السَّلَمَ فَمَا جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ عَلَيْهِمْ سَبِيلًا.
ومن فوائد الآية الكريمة -الحاصل بالمفهوم-: أنهم لو أخذوا منا الميثاق، ولكنهم خانوا فقاتلوا فإن العهد ينتقض، ينتقض ولا يكون بيننا وبينهم عهد، يؤخذ من مفهوم قوله: إِنِ اعْتَزَلُوكُمْ فَلَمْ يُقَاتِلُوكُمْ وَأَلْقَوْا إِلَيْكُمُ السَّلَمَ فَمَا جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ عَلَيْهِمْ سَبِيلًا.
ومن فوائد الآية الكريمة: أن من ألقى السلاح وجب الكف عنه؛ لقوله: فَمَا جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ عَلَيْهِمْ سَبِيلًا، لكن إن خيف أن إلقاءه السلاح خيانة وخداع فإنه لا عبرة بإلقائه؛ لأن العدو قد يلقي السلاح غدرًا وخيانة، وقد ينهزم أيضًا أمام جيوشنا غدرًا وخيانة، فالواجب التنبه.
فإن قال قائل: أليس ما وقع من أسامة بن زيد في قتله المشرك بعد أن قال: لا إله إلا الله، فأَنَّبَهُ النبي صلى الله عليه وسلم ووَبَّخَه وقال: «أَقَتَلْتَهُ بَعْدَ أَنْ قَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ؟!» مع أن الذي يظهر أنه قالها تعوُّذًا من القتل؟
قلنا: لا بد من قرينة قوية تدل على أنه يخشى منه الغدر والخيانة، وأما مجرد الظن فلا يكفي؛ لأن الأصل العصمة بالعهد، فيُبْنَى على هذا الأصل حتى يوجد ما يعارضه.
ومن فوائد الآية الكريمة: أن الشرع منعًا ودفعًا وإذنًا كله لله عز وجل؛ لقوله: فَمَا جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ عَلَيْهِمْ سَبِيلًا، وهذا يدل على أن الأمر بيد الله، هو الذي يحكم ما شاء من حِلٍّ وحرمة وإيجاب وغير ذلك.

***

طالب: كُلَّ مَا رُدُّوا إِلَى الْفِتْنَةِ أُرْكِسُوا فِيهَا فَإِنْ لَمْ يَعْتَزِلُوكُمْ وَيُلْقُوا إِلَيْكُمُ السَّلَمَ وَيَكُفُّوا أَيْدِيَهُمْ فَخُذُوهُمْ وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ وَأُولَئِكُمْ جَعَلْنَا لَكُمْ عَلَيْهِمْ سُلْطَانًا مُبِينًا (٩١) وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إِلَّا خَطَأً وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ إِلَّا أَنْ يَصَّدَّقُوا فَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ عَدُوٍّ لَكُمْ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ فَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ وَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ تَوْبَةً مِنَ اللَّهِ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا (٩٢) وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا (٩٣) [النساء: ٩١ - ٩٣].

الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، سبق الكلام على قول الله تعالى: إِلَّا الَّذِينَ يَصِلُونَ إِلَى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌفما معنى الآية؟
طالب: (...) من الناس الآن الذين نقاتلهم ينقسمون إلى ضربين: (...) للقتال ضربان: الضرب الأول من لهم ميثاق، والضرب الثاني الذين هاجروا من قومهم إلى المسلمين ولم يقاتلوا مع المسلمين ضد قومهم.
الشيخ: توافقون على هذا؟
طالب: (...).
الشيخ: أنا أقصد إِلَّا الَّذِينَ يَصِلُونَما معنى الآية: إِلَّا الَّذِينَ يَصِلُونَ إِلَى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ؟
طالب: إلى قوم (...).
الشيخ: ويش معنى يَصِلُونَ إِلَى قَوْمٍ؟
طالب: (...) إلى الكفار (...) اللي لهم ميثاق (...).
الشيخ: نعم تمام، صحيح، القسم الثاني الذين –أيضًا- لا نقاتل؟
طالب: القوم الثاني جاؤوا للمسلمين، هم من الكفار واعتزلوا المسلمين فلم يقاتلوهم، ولم يقاتلوا قومهم.
الشيخ: نعم، أحسنت، هذا الثاني يؤخذ من قوله: أَوْ جَاءُوكُمْ حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ أَنْ يُقَاتِلُوكُمْ أَوْ يُقَاتِلُوا قَوْمَهُمْ.
طالب: ما معنى قوله: فَإِنِ اعْتَزَلُوكُمْ فَلَمْ يُقَاتِلُوكُمْ وَأَلْقَوْا إِلَيْكُمُ السَّلَمَ فَمَا جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ عَلَيْهِمْ سَبِيلًا؟
طالب: الذين لم يقاتلونا واعتزلوا (...) ولم يقاتلوهم، فإن الله سبحانه وتعالى لم يجعل للمسلمين عليهم سبيلًا.
الشيخ: وألقوا إليهم السلم.
الطالب: ألقوا إليهم السلام أيضًا، فالله سبحانه وتعالى لم يجعل على الكفرة هؤلاء طريقًا لقتالهم.
الشيخ: تمام، في هذه الآية رد على طائفتين مبتدعتين: الجبرية والقدرية؟
طالب: رد على القدرية من قوله تعالى: (...).
الشيخ: أحسنت.
الطالب: وعلى الجبرية بقوله تعالى: فَلَقَاتَلُوكُمْ.
الشيخ: نعم، صح.
تفسير الآية (91)
00:34:35

ثم قال الله تعالى: سَتَجِدُونَ آخَرِينَ يُرِيدُونَ أَنْ يَأْمَنُوكُمْ وَيَأْمَنُوا قَوْمَهُمْ(السين) هنا للتنفيس، وأختها (سوف) للتسويف، والفرق بينهما: أن التسويف متأخر، والتنفيس حاضر، وكلتاهما تفيدان التقرير والثبوت والتحقيق، فمثلًا إذا قلت: أنت تجد زيدًا، أنت ستجد زيدًا، أيهما أوكد؟ الثاني أوكد، لكن كلتاهما تفيد التوكيد والثبوت، ولكن (سوف) للتراخي، و(السين) للقرب.
سَتَجِدُونَ آخَرِينَهؤلاء قسم رابع، يُرِيدُونَ أَنْ يَأْمَنُوكُمْ وَيَأْمَنُوا قَوْمَهُمْولا يمكن هذا إلا بالنفاق، يَأْمَنُوكُمْ: إذا جاؤوكم قالوا: آمنا فأمنوا، وإذا خلوا إلى شياطينهم قالوا: إنا معكم فأمنوا، فهم يريدون أن يكونوا مرضين لهؤلاء وهؤلاء ولا يمكن هذا، لا يمكن أن ترضي أولياء الله وأعداء الله في آن واحد؛ لأن أولياء الله وأعداء الله كلهم أعداء، لا يمكن لعدو الله أن يوالي وليًّا لله أو بالعكس، فهؤلاء ليسوا إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء؛ لأنهم ليسوا مع المسلمين ظاهرًا وباطنًا، ولا مع الكفار ظاهرًا وباطنًا، أو لا؟ ليسوا مع المسلمين ظاهرًا وباطنًا، ولا مع الكفار ظاهرًا لكن في الباطن هم معهم.
كُلَّ مَا رُدُّوا إِلَى الْفِتْنَةِ أُرْكِسُوا فِيهَايعني: معناه أن مآلهم الفتنة -والعياذ بالله- والضلال، والمراد بالفتنة هنا: الخروج من الإسلام.
أركسوا فيهايعني: ازدادوا ركسًا وعمقًا فيها وبعدًا عن الهدى، وهكذا كل إنسان يريد الفتنة فإنه يزداد شرًّا وإيغالًا في الفتنة.
فَإِنْ لَمْ يَعْتَزِلُوكُمْ وَيُلْقُوا إِلَيْكُمُ السَّلَمَ وَيَكُفُّوا أَيْدِيَهُمْ فَخُذُوهُمْ وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْيعني: إن ظهرت عداوتهم لكم، ولم يعتزلوكم حتى يتبينوا ويظهروا، ويلقوا إليكم السلميعني: الاستسلام أو المسالمة؟ الظاهر أن المراد المعنيان.
يُلْقُوا إِلَيْكُمُ السَّلَمَ وَيَكُفُّوا أَيْدِيَهُمْعنكم بالإيذاء، فَخُذُوهُمْ وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْخذوهم: أسرى، واقتلوهم: إماتة، حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْأي: حيث وجدتموهم كما قال تعالى: إِنْ يَثْقَفُوكُمْ يَكُونُوا لَكُمْ أَعْدَاءً [الممتحنة: ٢] أي: إن يجِدوكم.
وَأُولَئِكُمْ جَعَلْنَا لَكُمْ عَلَيْهِمْ سُلْطَانًا مُبِينًاأُولَئِكُمْالإشارة هنا إشارة بعيد مع قرب الذكر؛ لبعد منزلتهم وسفول منزلتهم؛ لأن القريب قد يشار إليه بإشارة البعيد؛ إما لبعده نزولًا، أو لبعده علوًّا، حسب ما يقتضيه السياق.
وَأُولَئِكُمْ جَعَلْنَا لَكُمْ عَلَيْهِمْ سُلْطَانًا مُبِينًاأي: حقًّا بينًا وسلطة بقتالهم وأخذهم؛ حيث لم يعتزلوكم ويلقوا إليكم السلم ويكفوا أيديهم.
هذه الآيات كلها في المنافقين وأشباه المنافقين؛ لأنها بُدئت بهم وانتهت بهم فهي في المنافقين وأشباههم، وخلاصتها في المعنى الإجمالي: أن الناس ينقسمون إلى أقسامٍ: مسلمون، ومُعاهَدون، وذِمِّيُّون، ومنافقون، وكلٌّ له حكم من هذه الأقسام، حكم يليق به.
في الآية الكريمة فوائد منها: علم الله عز وجل بالغيب؛ لقوله: سَتَجِدُونَ آخَرِينَ يُرِيدُونَ أَنْ يَأْمَنُوكُمْ وَيَأْمَنُوا قَوْمَهُمْ.
ومنها: إثبات الإرادة للعبد، من أين تؤخذ؟
طالب: تؤخذ من قوله تعالى: يُرِيدُونَ أَنْ يَأْمَنُوكُمْ.
الشيخ: كيف؟ قلنا: في هذه الآية إثبات الإرادة للإنسان؟
طالب: يُرِيدُونَ أَنْ يَأْمَنُوكُمْ.
الشيخ: تمام، يُرِيدُونَ أَنْ يَأْمَنُوكُمْ وَيَأْمَنُوا قَوْمَهُمْ.
ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أنه لا يمكن الجمع بين الولاية والعداوة، أن يكون الإنسان وليًّا لأولياء الله ووليًّا لأعداء الله، هذا الشيء لا يمكن؛ لقوله: يُرِيدُونَ أَنْ يَأْمَنُوكُمْ وَيَأْمَنُوا قَوْمَهُمْ، وهذا قاله في مقام الذم لا في مقام المدح.
فإن قال قائل: هل يمكن الجمع بين العداوة والولاية في شخص معين؟ نعم يمكن، إذا كان هذا الشخص يأتي بالإيمان والتقوى من جانب، وعنده شيء من الكفر والفسوق من جانب آخر، صار وليًّا من جانب وعدوًّا من جانب آخر، هذا هو الذي عليه أهل السنة والجماعة في أن الإيمان والكفر قد يجتمعان، لكن ليس الإيمان المطلق ولا الكفر المطلق؛ لأن الإيمان المطلق والكفر المطلق لا يمكن أن يجتمعا، لكن مطلق الإيمان ومطلق الكفر يمكن أن يجتمعان.
ومن فوائد الآية الكريمة: التحذير من الوقوع في الفتن، وأن الإنسان كلما وقع في الفتنة أُرْكِسَ فيها.

***

طالب: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إِلَّا خَطَأً وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ إِلَّا أَنْ يَصَّدَّقُوا فَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ عَدُوٍّ لَكُمْ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ فَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ وَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ تَوْبَةً مِنَ اللَّهِ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا (٩٢) وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا (٩٣) [النساء: ٩٢، ٩٣].

الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم.
من فوائد الآية الكريمة السابقة: سَتَجِدُونَ آخَرِينَ يُرِيدُونَ أَنْ يَأْمَنُوكُمْ وَيَأْمَنُوا قَوْمَهُمْ، أخذنا كما قلتم أربع فوائد:
الأولى: علم الله تعالى بالغيب؛ لقوله: سَتَجِدُونَ آخَرِينَ.
ومنها: الرد على الجبرية في قوله: يُرِيدُونَ أَنْ يَأْمَنُوكُمْ وَيَأْمَنُوا قَوْمَهُمْ.
ومنها؛ من فوائدها: أن هؤلاء القوم لمَّا لم يكونوا صادقين في الإيمان كُلَّ مَا رُدُّوا إِلَى الْفِتْنَةِ أُرْكِسُوا فِيهَا، وهكذا كل إنسان ليس صادقًا في إيمانه، فإنه كلما رُدَّ إلى الفتنة ازداد شرًّا وركسًا.
ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أنه يجوز أن يُقاتَل أمثال هؤلاء إذا لم يعتزلوا المسلمين، أي: لم يكفوا عنهم، ويلقوا إليهم السلَم، يعني: السلام.
ومنها: حسن البلاغة بلاغة القرآن حيث قال هنا: فَخُذُوهُمْ وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْوهناك في الآية الأولى: حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ؛ لأن اختلاف الألفاظ يؤدي إلى النشاط، واتفاقها يؤدي إلى الملل غالبًا.
ومن فوائدها: أن الله سبحانه وتعالى جعل للمؤمنين على هؤلاء سلطانًا مبينًا أي: سلطة شرعية، وربما تكون أيضًا سلطة قدرية مُبِينة، أي: ظاهرة بَيِّنَة.
تفسير الآية (92)
00:46:31

{وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إِلَّا خَطَأً}
الإعراب: مَا كَانَفعل ناقص منفيٌّ، وخبره لِمُؤْمِنٍ، واسمه أَنْ يَقْتُلَعلى أنه مؤول بالمصدر، أي: ما كان لمؤمن قَتلُ مؤمنٍ إلا خَطَأ، وأما (إلا) فهي أداة استثناء، وخَطَأًيحتمل أن تكون صفة لموصوف محذوف، أي: إلا قتلًا خطأً، كقوله تعالى: أَنِ اعْمَلْ سَابِغَاتٍ [سبأ: ١١] أي: أن اعمل دروعًا سابغات، فحذْف الموصوف مع بقاء الصفة كثير في اللغة العربية وفي القرآن الكريم.
يقول الله عز وجل: مَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إِلَّا خَطَأًوالمؤمن هو الذي استقر الإيمان في قلبه، والإيمان شرعًا أخص من الإيمان لغةً؛ إذ إن الإيمان شرعًا هو الإقرار بالقلب المتضمن للقبول والإذعان، أي: قبول الخبر وقبول الطلب والإذعان لذلك والانقياد وعدم الاستكبار.
وقوله: أَنْ يَقْتُلَالقتل هو: إزهاق الروح بأي وسيلة كانت، سواء بالسيف أو بالسهم أو بالإحراق أو بالإغراق أو بأي نوع من أنواع القتل.
قوله: إِلَّا خَطَأًيعني: أنه لا يمكنه أن يقتله خاطئًا بل مخطئًا، والفرق بين الخاطئ والمخطئ: أن الخاطئ من ارتكب الخطأ عمدًا، والمخطِئ من ارتكبه بغير عمد، بغير قصد، ويكون الخطأ إما بالقصد وإما بالآلة، أما الخطأ بالقصد فمثل أن يرمي صيدًا رَمْيَة قاتلة فيصيب إنسانًا لم يقصده، هذا خطأ بماذا؟ بالقصد، والخطأ بالآلة مثل أن يضربه عمدًا بسوط لا يقتل مثْلُه غالبًا، فهذا خطأ في الآلة؛ لأنه لم يظن أنها تقتله؛ ولهذا لم يكن قاصدًا لقتله، عصا يُؤدَّب بها الإنسان عادة ولكن قدَّر الله عز وجل أن تسري هذه الجناية حتى يموت المضروب.
ثم قال: وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ إِلَّا أَنْ يَصَّدَّقُوا(مِن) هذه شرطية، وفعل الشرط قَتَلَ، وفَتَحْرِيرُهذه جواب الشرط، وقُرنت بالفاء؛ لأنها جملة اسمية، وكلمة (تحرير) مبتدأ والخبر محذوف، والتقدير: فعليه تحرير رقبة، وتحرير الشيء هو تخليصه، والمراد بهذا التحرير تخليص الرقبة من الرق خاصَّة، لا تخليصها من الهلاك؛ ولهذا لا يعتبر من أنقذ شخصًا محرِّرًا له، بل من حرَّره من الرق وخلَّصه منه فهو المحرر، والمراد بالرقبة هنا من؟ النفس كاملة، لكن يُعَبَّر بالرقبة عنها؛ لأن الجسد لا يمكن أن يقوم بدون رقبة؛ ولهذا إذا قطعت رقبته هلك.
وقوله تعالى: مُؤْمِنَةٍالمراد بالإيمان هنا ما يشمل الإسلام، وليس المراد بالإيمان الإيمان المطلق، بل المراد مطلق الإيمان؛ ولهذا لو أعتق فاسقًا لأجزأه.
وَدِيَةٌمعطوفة على (تحرير)، يعني: وعليه دية مسلَّمة إلى أهلها، ولم يبين الله عز وجل من يُسلِّمها، بل قال: مُسَلَّمَةٌبالبناء للمفعول.
وقوله: إِلَّا أَنْ يَصَّدَّقُوامستثنى من قوله: دِيَةٌيعني: وعليه دية مسلمة إلى أهله إلا أن يصدقوا، أي: يتصدقوا على من وجبت عليه الدية بإسقاطها والعفو عنها فتسقط، والمراد بالتصدُّق هنا؟ المراد العفو والإسقاط؛ لأنه ليس المراد بذلًا بل إسقاط.
وقوله: إِلَّا أَنْ يَصَّدَّقُواأصلها: إلا أن يتصدقوا، ولكن أدغمت التاء بالصاد فصارت: إلا أن يصَّدَّقوا.
فَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ عَدُوٍّ لَكُمْ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍفَإِنْ كَانَالضمير يعود على المقتول وهو اسم (كان).
وقوله: وَهُوَ مُؤْمِنٌجملة في موضع نصب على الحال من الضمير المستتر لقوله: كَانَيعني: والحال أنه مؤمن، فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍأي: فعلى القاتل تحرير رقبة مؤمنة، وعليه فيكون (تحرير) مبتدأ، والخبر أيش؟ محذوف، والتقدير: فعليه.
وَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ فَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ وَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍيقول: إِنْ كَانَالمضير يعود على من؟ على المقتول، مِنْ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌأي: عهد، وسُمي العهد ميثاقًا؛ لأنه بمنزلة الحبل يوثق به المأسور؛ إذ إن العهد رباط بين المتعاهدين بحيث لا يجرؤ أحدهما على الآخر، ولا يعتدي أحدهما على الآخر.
وقوله: مِنْ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌيعني هل هم كفار أو مسلمون؟ كفار؛ لأن المؤمنين ذُكروا في الأول.
فَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِأي: فعليه، أي على القاتل، دِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِأي: أهل المقتول، ومَنِ المراد بالأهل في الموضعين؟ المراد بالأهل: الورثة؛ لأن الورثة هم الذين يرثون ما خلَّفه الميت والدية من مُخَلَّفَات الميت.
وَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍنقول فيها كما قلنا في الأولى.
وقوله: فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِمن لم يجد أيش؟ الدية؟ لا، من لم يجد الرقبة، إما أن تكون الرقاب معدومة، وإما أن يكون ثمنها معدومًا؛ ولهذا جاءت في الآية الكريمة: فَمَنْ لَمْ يَجِدْولم يذكر المفعول؛ ليكون ذلك أشمل وأعم، أي: فمن لم يجد الرقبة أو لم يجد ثمنها.
فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِأي: فعليه صيام، وعلى هذا فتكون (صيام) مبتدأ والخبر محذوف والتقدير: فعليه صيام شهرين متتابعين، يعني: يتبع بعضهما بعضًا بحيث لا يفطر بينهما.
وقوله: تَوْبَةً مِنَ اللَّهِهذه مصدر لفعل محذوف أي: يتوب بذلك توبة إلى الله، والتوبة إلى الله هي الرجوع إليه من معصيته إلى طاعته، وسيأتي أن لها شروطًا.
وقوله: مِنَ اللَّهِأي: أن ما شرعه الله من هذه الأحكام هي توبة منه على عبده، وإلا لو شاء لشق علينا وكان الواجب بقتل الخطأ أكبر من ذلك.
وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا(كان) هذه فعل ماضٍ ناسخ، ولفظ الجلالة اسمها، وعَلِيمًاخبرها، وحَكِيمًاخبر ثان، ولا يصح أن يكون صفة؛ لأن الضمير لا يوصف، الضمير لا يُوصَف ولا يوصف به، وعلى هذا فيتعين أن نعربها على أنها خبر ثانٍ، والعلم: إدراك الشيء على ما هو عليه إدراكًا جازمًا، هذا العلم، فإذا أدركتُ -مثلًا- أن هذه ورقة، سُمِّيَ هذا علمًا؛ لأنني أدركتُها على ما هي عليها إدراكًا جازمًا، وإذا قلت: يترجح عندي أنها ورقة، فهذا ليس بعلم؛ لأنه ليس جازمًا، وإذا قلت: لا أدري ما هي، فهذا أيضًا ليس بعلم؛ لأنني لم أدركها.
وأما (حكيم) فالحكيم مأخوذة من الحُكْم والإحكام، فهو حكيم بمعنى حاكم وبمعنى مُحكِم، فالحاكم بين عباده والحاكم على عباده هو الله، وتأمل كيف قلت: الحاكم على عباده وبين عباده، الحاكم بين عباده يعني: فصل النزاع بينهم، والحاكم عليهم يعني: الذي له الحكم على العباد يحكم فيهم بما شاء.
وهو أيضًا مشتق من الحِكمة، والحكمة قال العلماء: هي وضع الشيء في موضعه اللائق به، فيكون اسمه الحكيم مشتملًا على حكم وإحكام.
والحكم نوعان، والحكمة نوعان أيضًا، وإذا ضربت اثنين باثنين صار الحاصل أربعة، وسيأتي إن شاء الله في بيان الفوائد.
من فوائد هذه الآية الكريمة: أولًا امتناع قتل المؤمن للمؤمن عمدًا، يُؤخذ من قوله: وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إِلَّا خَطَأً، وإذا جاءت (ما كان)، أو (لم يكن)، أو (لا ينبغي)، أو (ما ينبغي)، فإنها تفيد الامتناع، ولكن هل هذا الامتناع شرعي أو قدري؟
طالب: شرعي.
طالب آخر: قدري.
الشيخ: الظاهر أنه شرعي، بل يتعين؛ لأنه قدرًا يمكن أن يقتله أيش؟ عمدًا لا خطأ، فإذن هو شرعًا لا يمكن؛ ولهذا يُعتبر من قتل المؤمن خطأ يعتبر ناقص الإيمان جدًّا، حتى إنه يصح أن ننفي عنه الإيمان، نقول: هذا ليس بمؤمن، أي: ليس بمؤمن كامل الإيمان؛ لأنه إذا كانت السرقة لا يسرق..، لا ينتهب الإنسان نُهْبَةً ذات شرف يرفع الناس إليه فيها أبصارهم حين يرفعها وهو مؤمن ، فما بالك بمن يقتل؟
ومن فوائد الآية الكريمة: أن المؤمن قد يقتل غير المؤمن عمدًا؛ لقوله: أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِنًاولكن هل هذا جائز؟ الجواب: لا، فيه تفصيل: إن كان محاربًا فقتله جائز، ثم قد يجب أو لا يجب على حسب ما تقتضيه الحال، وإن كان معاهَدًا أو مُستأْمِنًا أو ذميًّا فقتله أيش؟ حرام، نقول: ما كان له أن يقتله.
ومن فوائد هذه الآية الكريمة: حكمة الشرع حين فرق بين الخطأ والعمد؛ لأن الخطأ لا يقع عن قصد، والعمد يقع عن قصد، فالمخطئ أهل للمسامحة، والعامد ليس أهلًا لها، وهذا لا شك من الحكمة في الشرع، ولولا هذه الحكمة لاستوى العامد والمخطئ.
ومن فوائد الآية الكريمة: تقسيم القتل إلى خطأ وغير خطأ؛ لأن استثناءه في قوله: إِلَّا خَطَأًيدل على أن هناك عمدًا، وهو كذلك، وسيأتي ذكر العمد في الآية التي بعدها.
ومن فوائد الآية الكريمة: أن قتل الخطأ بنوعيه -على حسب ما فسرنا من قبل- يوجب شيئين: الأول: العتق، والثاني: الدِّيَة، يؤخذ من قوله: فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِفإن قيل: ومن قتل غير مؤمن فماذا يلزمه؟ نقول: إن الله قد بَيَّنَه فيما بعد في نفس الآية.
ومن فوائد هذه الآية الكريمة: فضيلة العتق وعلو منزلته؛ لأنه صار كفارة لهذا الذنب وهو قتل المؤمن، وهذا يدل على فضيلته وعلو مرتبته، وأنه هام، وهو كذلك.
ومن فوائد الآية الكريمة: نظر الشريعة إلى تحرير الرقاب من الرق.
ويتفرع على هذه الفائدة: الرد على من أنكر على المسلمين الاسترقاق، فيقال: إن الاسترقاق جاء نتيجة لأمر ضروري، ومع ذلك فإن هناك مشجعات كثيرة على التحرير.
ومن فوائد الآية الكريمة: اشتراط الإيمان في عتق الرقبة في القتل؛ لقوله تعالى: فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ.
وهل يُلْحَق بذلك كل رقبة كانت كفارة لمعصية؟ في هذا للعلماء قولان، فمنهم من قال باشتراط الإيمان في كل رقبة أعتقت كفارة، ففي قوله تعالى في كفارة اليمين: إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ [المائدة: ٨٩] الرقبة هنا مطلقة فهل يشترط فيها الإيمان؟ يرى بعض أهل العلم أنه يشترط، ويرى آخرون أنه لا يشترط، وهذا مبني على تخصيص النص بنص آخر.
وقد بينَّا أنه إذا اتفق السبب والحكم فإنه يخصص، وإن اختلف الحكم فإنه لا يخصص مع اتفاق السبب، وإن اتفق الحكم مع اختلاف السبب فأكثر العلماء على أنه يخصص، فالسبب في تحرير الرقبة هنا هو القتل، وفي كفارة اليمين هو الحَلِف، فالسبب مختلف لكن الحكم واحد وهو تحرير الرقبة، وأكثر العلماء على أنه يقيد المطلق في كفارة اليمين على المقيد في كفارة القتل.
ومن فوائد الآية الكريمة: جواز إعتاق الذكر والأنثى في كفارة القتل، من أين تؤخذ؟ من الإطلاق: تَحْرِيرُ رَقَبَةٍلم يقل: ذكر ولا أنثى، فيكون مطلقًا.
ومن فوائد الآية الكريمة: أنه لو أعتق رقبة كافرة مثل أن يعتق عبدًا لا يصلي فإنه لا يجزئه في كفارة القتل.
ومن فوائد الآية الكريمة: وجوب الدية بالقتل الخطأ.
ومن فوائد الآية الكريمة: تعظيم القتل؛ ولهذا أوجب الله به الكفارة مع أن القاعدة الشرعية: أن المخطئ لا كفارة عليه وأنه مرفوع عنه القلم «عُفِيَ لِأُمَّتِي الْخَطَأُ وَالنِّسْيَانُ وَمَا اسْتُكْرِهُوا عَلَيْهِ» ، لكن تعظيمًا لشأن القتل صار الذي يصدر منه القتل ولو مخطئًا عليه الكفارة.
ومن فوائد الآية الكريمة: أن من أعتق رقبة غير مؤمنة فإنه لا تجزئه، وهل يشترط في هذه الرقبة السلامة من العيوب الجسدية كما اشتُرِطت السلامة من العيب الشرعي؟ في هذا خلاف، فيرى بعض العلماء أنه لا بد أن تكون الرقبة سليمة من العيوب الضارة بالعمل؛ لأن إعتاق من فيه عيوب ضارة بالعمل يؤدي إلى أن يكون عالة على المجتمع، فمثلًا لو كان هذا الرجل قد قُطِّعَت يداه وهو عبد، فعلى القول باشتراط السلامة: لا يجزئ، وعلى القول بعدم الاشتراط: يجزئ، وأكثر العلماء -فيما أظن- على أنه يشترط أن يكون سليمًا من العيوب الضارة بالعمل؛ لأن إعتاق مثل هذا العبد يوجب أن يكون العبد عالة على الغير.
ومن فوائد الآية الكريمة: وجوب الدية في قتل الخطأ؛ لقوله: وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ.
ومن فوائدها: أنه يجب على من وجبت عليه الدية أن يرسلها إلى أهل الميت؛ لقوله: مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ، وهل تؤجل أو هي على الفور؟ في هذا اختلاف بين العلماء، منهم من قال: إنها لا تُؤجَّل إلا إذا رأى الحاكم أن في تأجيلها مصلحة؛ لأن الأصل في وجوب الدين قضاؤه على الفور، فإذا رأى الحاكم التأجيل أجلها، وتُؤجَّل ثلاث سنين.
وهل الدية واجبة على القاتل بالأصالة وعلى العاقلة بالتبعية؟ أو هي واجبة على العاقلة أصلًا؟ في هذا خلاف أيضًا.
فمن العلماء من يقول: إنها واجبة على القاتل بالأصالة وعلى غيره بالتبع؛ لأن القاتل هو المباشر للقتل، وقد قال الله تعالى: وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى [الأنعام: ١٦٤]، وتحميل العاقلة إنما هو من أجل إعانته ومساعدته، فإذا قدَّرنا أن هذا الرجل الذي قتل خطأ عنده ملايين الدراهم والعاقلة أحوالهم ماشية، فإنه قد لا يكون من الحكمة أن نُحمل العاقلة ونضيق عليها في معيشتها ثم ندع هذا القاتل الذي وقعت الجريمة منه مع غناه وكثرة ماله.
ومن العلماء من يقول: هي واجبة على العاقلة بالأصالة، وعلى هذا فلا يلزم القاتلَ شيء، حتى وإن كان من أغنى الناس والعاقلة فقراء فإنه لا يُلزم بدفع شيء من الدية؛ لأنها واجبة على من؟ على العاقلة.
والظاهر لي أن نقول بالقول الوسط: إذا كان عند العاقلة قدرة ألزمناها، بمعنى أن العاقلة ذات غنًى واسع فإننا نلزمها لما في ذلك من التعاون وإشعار القرابة أن بعضهم لبعض ظهير، وأما إذا كان العاقلة لا يستطيعون تَحمُّل الدية إلا بكُلْفَة ومشقة وفقد بعض الحوائج والقاتل غنيٌّ فإننا نلزمه؛ لأنه هو الأصل.
فإن قال قائل: ما هي الدِّيَة؟ قلنا: قد بينتها السنة: مئة من الإبل للذكر الحر، وخمسون من الإبل للأنثى الحرة، وهذا هو القول الصحيح: أن الإبل هي الأصل في الدية، وأما البقر والغنم والذهب والفضة والحُلل فإنها قيم، وإلا فالأصل هو الإبل، هذا هو الصحيح.
ومن فوائد الآية الكريمة: أن الدية تُسَلَّم إلى أهل المقتول؛ لقوله: إِلَى أَهْلِهِ، فمن أهله؟ أهله هم الورثة. (...)
طالب: وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا.
الشيخ: في الآية السابقة يقول الله عز وجل: إِلَّا أَنْ يَصَّدَّقُواهذا مستثنى من قوله: وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ.
فيستفاد منها: أن العفو عن الدية من الصدقة؛ يستفاد من الآية الكريمة: أن العفو من الصدقة، وذلك أن الصدقة إما إعطاء وإما إبراء، فالإعطاء ظاهر، والإبراء هو أن يبرئ الإنسان شخصًا مدينًا من الدين ويسقطه عنه، لكن هذا لا يجزئ في الزكاة عن زكاة العين، يعني: لو كان على إنسان زكاة وكان له دين على فقير فأبرأ الفقير من الدين واحتسبه من الزكاة، فإن ذلك لا يجزئ، أي: لا يجزئ الدين عن زكاة العين.
ومن فوائد هذه الآية الكريمة: جواز العفو عن الجاني، ولكن هذا مقيد بما إذا كان في العفو إصلاح؛ لقول الله تعالى: فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ [الشورى: ٤٠]، فإن لم يكن فيه إصلاح فترك العفو أولى، بل قد يجب الأخذ بالحق وترك العفو؛ لأن الإصلاح أهم من المصلحة الخاصة، العفو عن الدية مصلحة خاصة، لكن الإصلاح مصلحة عامة، فإذا كان هذا الذي قتل خطأً رجلًا متهورًا لو عفونا عنه لذهب يفعل مرة أخرى وثالثة ورابعة، فإن العفو عن هذا ليس من الإصلاح فلا ينبغي العفو.
ومن فوائد الآية الكريمة: أن قتل المعاهد حرام، ووجه الدلالة: أن الله أوجب في قتل من بيننا وبينهم ميثاق أوجب الدية والكفارة.
ومن فوائد الآية الكريمة: أن دية الكافر المعاهد ليست كدية المسلم؛ لأنه قال: وَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ فَدِيَةٌوهذه نكرة، وإعادة الكلمة بلفظ النكرة تدل على أن الثانيَ غيرُ الأول، كما في قوله تعالى: فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا (٥) إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا [الشرح: ٥، ٦] قال ابن عباس رضي الله عنهما: لن يغلب عسر يُسْرَيْنِ ، ولو كانت دية المعاهد كدية المؤمن لقال: فالدية مسلَّمة إلى أهله، فالدية يعني التي سبقت، ولكن هذه دية أخرى.
فإن قال قائل: فما هي إذن؟ نقول: اختلف فيها العلماء، منهم من قال: إن ديته ثلث دية المسلم، ومنهم من قال: إن ديته نصف دية المسلم، وهذا هو الصحيح، فمثلًا إذا كانت دية المسلم مئة بعير، فدية من بيننا وبينهم ميثاق من الكتابيِّين خمسون بعيرًا على النصف.
ومن فوائد الآية الكريمة: احترام الدين الإسلامي للعهود والمواثيق؛ ولذلك لم يهدر حق المعاهد الذي بيننا وبينه ميثاق بل أوجب الدية لأهله.
ومن فوائد الآية الكريمة أيضًا: وجوب الكفارة في قتل من بيننا وبينهم ميثاق وإن كانوا غير مسلمين؛ لقول الله تبارك وتعالى: فَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ وَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ.
ومن فوائدها: وجوب إيصال الدية إلى مستحقها، فلو قال: ديتك عندي في البيت، ائت فخذها، فإنه لا يلزمه؛ لأنه لا بد أن يسلِّمها من وجبت عليه إلى من هي له.
ومن فوائد الآية الكريمة: الإشارة إلى أن الدية في الخطأ لا تجب على القاتل؛ لأنه لم يقل: يُسَلِّمها، بل قال: مُسَلَّمَةٌفعلى من تجب؟ تجب على العاقلة وهم ذكور العصبة الأغنياء، ويجتهد الإمام أو القاضي في تحميل كل منهم ما يناسب حاله، فالأقرب يُحَمَّل أكثر من الأبعد، والغني يُحَمَّل أكثر من المتوسط، والفقير ليس عليه شيء؛ لأنه فقير.
ومن فوائد الآية الكريمة: أن من لم يجد الرقبة أو ثمنها فعليه صيام شهرين متتابعين؛ لقوله تعالى: فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ.
ومن فوائدها: أن من لم يستطع الصيام فلا شيء عليه، لا عتق رقبة لأنه لا يجد، ولا صيام لأنه لا يستطيع، كذا؟ ولا إطعام لأنه لم يُذْكَر في الآية؛ ولهذا لما أراد الله عز وجل أن يكون الإطعام بدلًا عن الصيام ذكره كما في آيات الظهار.
فإن قال قائل: أفلا يصح أن يقاس هذا على الظهار؟ قلنا: لا يصح؛ وذلك لاختلاف السبب فإن سبب الكفارة في الظهار هو الظهار، وسبب الكفارة في القتل هو القتل، وبينهما فرق؛ فالظهار سماه الله تعالى مُنْكَرًا من القول وزورًا، والقتل الخطأ لم يصف الله تعالى فاعله بما يقتضي قبح فعله.
ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن على قاتل الخطأ مع الكفارة أن يتوب؛ لقول الله تعالى: تَوْبَةً مِنَ اللَّهِ، وحينئذ يرد على ذلك إشكال وهو: كيف تجب عليه التوبة والكفارة مع أن فعله خطأ؟ نقول: لأن الخطأ قد يكون نتيجة للتساهل في عدم التحري، مثلًا: من الخطأ أن يرمي صيدًا فيصيب آدميًّا، نقول: هذا الرجل لو أنه تأنى حتى تحقق الأمر لسلم من هذا الخطأ؛ فلذلك لما كانت النفوس عظيمة والعدوان عليها عظيمًا وكان الإنسان قد يقصر في بعض الأحيان أوجب الله الكفارة وأوجب التوبة.
فإن قال قائل: وهل تجب الكفارة في قتل العمد؟ قلنا: لا، لا تجب في قتل العمد؛ لأن قتل العمد أعظم من أن يُكَفَّر بالعتق أو بالصيام، ومن قاسه على الخطأ فقد أخطأ، وذلك للفرق بين الجناية وبين مقتضيات الجناية، فإن مقتضى العمد أن يقتل القاتل، والخطأ؟
طالب: (...).
الشيخ: أو يقتل؟ لا يقتل.
كذلك العمد الدية في مال القاتل مُغلظَة، والخطأ على عاقلته مُخَفَّفَة أيضًا، فلا يمكن أن يُقاس هذا على هذا مع اختلاف السبب والمُقتضَى.
ومن فوائد هذه الآية الكريمة: إثبات اسمين من أسماء الله، أحدهما: العليم، والثاني: الحكيم، وكما تعلمون أن الله تعالى يقرن بين العليم والحكيم في مواضع كثيرة ليبين أن ما يحكم به سبحانه تعالى من الأحكام الشرعية والأحكام الكونية فإنه صادر عن علم وحكمة لا عن جهل وسفه، وأصل الخطأ في الحُكْم إما من الجهل وإما من السفه، فإن كان عن غير علم فهو من الجهل، وإن كان عن غير حكمة فهو من السفه؛ ولهذا يختم الله تعالى الآيات التي تتضمن أحكامًا يختمها جل وعلا كثيرًا بهذين الاسمين: إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا.
فإن قال قائل: إذا عفا أهل الدية عنها فهل تسقط الكفارة؟ فالجواب: لا؛ لأن الكفارة حق لله والدية حق للآدمي.
وكذلك لو عجز الإنسان عن خصال الكفارة، يعني عجز عن إعتاق الرقبة وعجز عن صيام شهرين متتابعين فهل تسقط الدية؟ الجواب: لا؛ وذلك لأن الدية حق للآدمي فلا تسقط إذا سقط حق الله عز وجل.
تفسير الآية (93)
01:25:55

ثم قال الله تبارك وتعالى: وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًاهذه من أعظم الآيات التي جاءت في الوعيد مَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ، المؤمن هنا يراد به المسلم، يعني: يراد به ما هو أعم من المؤمن، فالمؤمن يشمل ناقص الإيمان وكامل الإيمان.
وقوله: مُتَعَمِّدًاأي: متعمدًا للقتل، أي: قاصدًا له، ولا يكون هذا إلا بتعمد الفعل بما يقتل غالبًا، يعني أن يتعمد القتل بما يقتل غالبًا كالسيف والرصاص والحجر الكبير والسم والسحر، وما أشبه ذلك، وعلى هذا: فإذا لم يقصد الفعل فليس بعمد، وإذا قصده بما لا يقتل غالبًا فليس بعمد، لكن الأول يسمى خطأً، والثاني يسمى شبه عمد، شبه عمد لأنه تعمد الفعل لكن بآلة لا تقتل غالبًا، فسماه العلماء شبه عمد، وقد مر علينا أن الخطأ يكون في القصد ويكون بالآلة.
يقول: فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُهذه الجملة جواب الشرط في قوله: وَمَنْ يَقْتُلْ، جَزَاؤُهُأي: عقوبته التي يجازى بها، جَهَنَّمُوهي اسم من أسماء النار؛ وسُميت بذلك لقعرها وظلمتها، أعاذنا الله وإياكم منها.
خَالِدًا فِيهَاخَالِدًاالخلود بمعنى المكث، ولكن من نعمة الله أنه لم يصف ذلك بأنه أبدًا، بل قال: خَالِدًا فِيهَا.
وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِوالغضب أبلغ من العقوبة؛ لأن الله إذا غضب فإنه لا يُكَلِّم من غضب عليه، ولا يرحمه كما يرحم غيره، وينتقم منه بما يقتضيه ذنبه؛ لقوله تعالى: فَلَمَّا آسَفُونَا انْتَقَمْنَا مِنْهُمْ [الزخرف: ٥٥] أي: لما أغضبونا انتقمنا منهم.
وَلَعَنَهُأي: طرده وأبعده عن رحمته.
وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا(أعده) يعني: هيَّأه، هيَّأ له العذاب العظيم.
في هذه الآية الكريمة دليل على: أن قتل المؤمن عمدًا من كبائر الذنوب لورود الوعيد عليه، وكل ذنب رُتِّبَ عليه الوعيد والعقوبة فهو من كبائر الذنوب.
ومن فوائد الآية الكريمة: أنه لا بد من القصد؛ لقوله: مُتَعَمِّدًا، ولكن هل يُشترط في القصد أن يعلم أنه مؤمن، أو إذا تعمد أن يقتل هذا الرجل، وإن كان يشك هل هو مؤمن أو معاهد فإنه عمد؟ هذه فيها خلاف بين العلماء، منهم من قال: إنه إذا تعمد فعل ما لا يجوز وأصاب مؤمنًا فهو عمد، مثل أن يرمي معاهَدًا -والمعاهد لا يجوز رميه- فيصيب مؤمنًا، بل قالوا: لو رمى بعيرًا يحرم عليه رميها ثم أصاب إنسانًا فإنه يعتبر عمدًا.
ولكن الصحيح في هذه المسألة أنه إذا تعمد قتل شخص فأصاب من كان مثله فهو عمد، يعني: أراد أن يقتل زيدًا فأصاب عمرًا فهذا عمد، لكن لو أراد أن يقتل بعيرًا فأصاب رجلًا فليس بعمد؛ وذلك لظهور الفرق بين الآدمي وبين البهيمة، ولا يمكن أن يقال: قصد قتل البهيمة كقصد قتل المؤمن، فالصواب في هذه المسألة: أن يقال: العمد يشمل ما إذا قصد هذا المؤمن بعينه أو قصد من كان في وصفه من المؤمنين فإنه يعتبر عمدًا.
ومن فوائد الآية الكريمة: أن من قتل مؤمنًا غير متعمد فلا عقوبة عليه.