فأصاب من كان مثله فهو عمد، يعني: أراد أن يقتل زيدًا فأصاب عمرًا فهذا عمد، لكن
لو أراد أن يقتل بعيرًا فأصاب رجلًا فليس بعمد؛ وذلك لظهور الفرق بين الآدمي وبين
البهيمة، ولا يمكن أن يقال: قصد قَتْل البهيمة كقصد قتل المؤمن، فالصواب في هذه
المسألة أن يقال: العمد يشمل ما إذا قصد هذا المؤمن بعينه أو قصد من كان في وصفه من
المؤمنين فإنه يعتبر عمدًا.
ومن فوائد الآية
الكريمة: أن من قتل مؤمنًا غير متعمد فلا عقوبة عليه، أي: لا يُعاقَب بهذه
العقوبة، وذلك لأن القيد يعتبر شرطًا في تَرتُّب ما يترتب عليه.
ومن فوائد الآية الكريمة: أن قاتل المؤمن عمدًا يخلد في
النار؛ لقوله: خَالِدًا فِيهَا.
وقد اختلف العلماء
رحمهم الله في معنى هذه الكلمة؛ فمنهم من قال: إن الخلود هو المكث الطويل، ولا
يُشْتَرط أن يكون دائمًا؛ ولهذا لم تقيد الآية بالأبديَّة، وعلى هذا القول لا يكون
في الآية إشكال إطلاقًا.
ومن العلماء من يقول: الخلود هو المكث الدائم، وعلى هذا
القول يرد على هذه الآية إشكال وهو: أن قاتل النفس عمدًا لا يخرج من الإيمان؛ لقول
الله تبارك وتعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَىإلى قوله: فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ [البقرة: ١٧٨]، مؤمن لا يُخَلَّد في
النار، فقيل: إن الآية محمولة على من استحل ذلك، أي: من استحل قتل المؤمن عمدًا،
لكن هذا القول ساقط؛ لأن من استحل قتل المؤمن عمدًا فهو كافر سواء قتله أم لم
يقتله؛ ولهذا لما قيل هذا التخريج للإمام أحمد تبسم، وقال: إذا استحل قتله فهو كافر
سواء قتله أم لم يقتله.
وهذا التخريج يشبهه تخريج من خرَّج أحاديث كفر تارك
الصلاة على أن المراد من استحل ذلك، فإنه يقال: من استحل ترك الصلاة فهو كافر سواء
ترك أم لم يترك، فحمل نصوص كفر تارك الصلاة على المستحلِّ الذي لا يعتقد فرضيتها
فيه تحريف للنص من وجهين: الوجه الأول: صرف اللفظ عن ظاهره، والثاني: تحميل النص
بمعنى لا يدل عليه، فالجناية على النصوص في هذه المسألة من وجهين.
وقال بعض
العلماء: إن الآية على تقدير شيء محذوف، والتقدير: فهذا جزاؤه إن جازاه، وإن لم
يُجازِه ففضل الله واسع إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ، ولكن هذا
التخريج لا نَخْرُج به من المأزق؛ لأن كلامنا على ما إذا جازاه فهل يخلد أو لا؟
والله عز وجل ذكر في الآية أنه سيجازيه بهذا، فيكون هذا التخريج ضعيفًا.
الوجه
الثالث: أن هذا الوعيد مُرتَّب على سبب، والسبب قد يوجد له مانع يمنع من نفوذه؛ لأن
الأشياء لا تتم إلا أيش؟ إلا بوجود أسبابها وانتفاء موانعها، فيقال: هذا جزاؤه،
ولكن إذا دلت النصوص على أن هناك مانعًا يمنع من الخلود الدائم قلنا: نأخذ بهذا
المانع.
أرأيتم قول الله تعالى: وَلِأَبَوَيْهِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ مِمَّا تَرَكَ إِنْ كَانَ لَهُ وَلَدٌ [النساء: ١١] لو كان أحد الأبوين كافرًا هل يستحق؟ لا، مع أن الآية ظاهرها العموم،
فيُقال: إن نصوص الشرع يُقَيَّد بعضها ببعض، وهذا الوجه أسلمها على تقدير: أن
الخلود هو المُكث الدائم، أما إذا قلنا: إن الخلود هو المُكث الطويل فإنه لا يرد
على الآية شيء مما ذكرنا.
ومن فوائد الآية الكريمة:
إثبات الغضب لله عز وجل.
والغضب صفة من الصفات الفعلية التي تقع بمشيئة الله
تعالى، وكل صفة مُرتَّبة على سبب فهي من الصفات الفعلية؛ لأنها توجد بوجود ذلك
السبب وتنتفي بانتفائه، ولكن هل الغضب على ظاهره؟ أي صفة في الغاضب يترتب عليها
الانتقام أو إنها شيء بائن عن الغاضب والمراد به الانتقام؟ نقول: أما السلف
فيقولون: إن الغضب صفة في الغاضب يترتب عليه الانتقام وليست هي الانتقام، ويدل لذلك
أن هذا هو ظاهر اللفظ، وأن الله تعالى قال: فَلَمَّا آسَفُونَا انْتَقَمْنَا مِنْهُمْ [الزخرف: ٥٥].
فلو قيل: إن الغضب هو الانتقام
لكان معنى الآية: فلما انتقمنا منهم انتقمنا منهم، وهذا معنى ينزه عنه كلام الله،
والآية صريحة في أن الانتقام كان سببه الغضب، والسبب غير المسبَّب.
إذن فالغضب
صفة قائمة بالله عز وجل وليست هي الانتقام، أما أهل التعطيل والتحريف فقالوا: إن
الغضب هو الانتقام أو إرادة الانتقام، ولكن أهل السنة قالوا: إننا نلزمكم بأن
تقولوا بأن الغضب صفة قائمة بالله؛ لأنه لا ينتقم إلا ممن غضب عليه، فالانتقام لازم
من لوازم الغضب، وإرادة الانتقام كذلك؛ لأن الله لم ينتقم منهم أو يريد الانتقام
منهم إلا لأنهم أغضبوه، وعليه فيتعين علينا أن نؤمن بأن الله تعالى يغضب.
فإن
قال قائل: الغضب جمرة يلقيها الشيطان في قلب ابن آدم يغلو منها دم القلب، وتنتفخ
الأوداج، ويحمر الوجه وينتفش الشعر، فهل تقولون بثبوت هذا لله؟ قلنا: لا، هذا غضب
المخلوق، أما غضب الخالق فلا نعلم كيفيته، لكن نؤمن بأنه جل وعلا يغضب.
فإن قيل:
الغضب صفة نقص بدليل أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم نهى عنه
حين قال الرجل: أَوْصِنِي، قال: «لَا تَغْضَبْ»، فردَّدَ مِرارًا، قال: «لَا
تَغْضَبْ» ، قلنا: هي صفة نقص بالنسبة للمخلوق، أما
بالنسبة للخالق فإنها صفة كمال؛ لأنها تدل على كمال السلطة وكمال القوة؛ ولهذا إذا
أسأت إلى شخص أقوى منك غضب، وإن أسأت إلى شخص دونك حزن، ذاك يغضب لأنه قادر على
الانتقام، والثاني يحزن؛ لأنه عاجز عن الانتقام.
طالب:
يا شيخ، بارك الله فيك في الآية السابقة قلنا: إن قوله تعالى: وَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ(...) فما الذي يمنع يا شيخ أن يكون مؤمن من قوم بيننا وبينهم ميثاق، من قبيلة
بيننا وبينهم ميثاق (...) يعود على أول آية: وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًاوَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًافسياق الآية يدل عليه؟
الشيخ: لا لا،
إن كان المقتول من قوم ما هو بالمؤمن؛ ولهذا ذكرنا أن الآية دلت على ثلاثة أنواع:
المؤمن، والمعاهَد، والمؤمن من قوم كفار ليس بيننا وبينهم عهد.
الطالب: (...).
الشيخ: أصله ها
المؤمن سواء كان من بيننا وبينهم ميثاق أو لا، إذا لم يكن أهله كفارًا فإن فيه
الدية، ولو قلنا بما قلت لكان سكت عمن بيننا وبينهم عهد.
طالب: (...) هل فيه قاعدة تقول: إن إذا ذكر الله (خالدين فيها)
ولم يذكر (أبدًا) فهو خلود دون الخلد؟
الشيخ: إذا قلنا:
إن الخلود في اللغة العربية بمعنى المكث الطويل صحت هذه القاعدة، مبنية على هذا على
خلاف في الخلود هل يقتضي التأبيد أو لا؟
طالب: شيخنا،
ليس من باب أولى القتل العمد في القتل الخطأ عليه كفارة على العموم إذا
قتله؟
الشيخ: ليس من باب أولى؛ لأن الله فرق بينهما،
وأشرنا إلى الحكمة في ذلك: أن قتل العمد لا تكفره الكفارة؛ لأنه أعظم.
طالب: إن قال قائل (...) ما الذي صرفها من المسلم للكافر (...)؟
الشيخ: للسنة الواردة في ذلك، وردت السنة في هذا، ولعل
الله ييسر لأننا لنا بحث في الموضوع في الدية.
طالب:
(...) في شرح مسلم (...) فيمن قتل نفسه متعمدًا (...).
الشيخ: إلى أن الذي قتل نفسه متعمدًا، فيها أنه خالد مخلد أبدًا،
نص على التأبيد.
الطالب: ما تشكل؛ لأنه مؤمن.
الشيخ: لا؛ لأنه ربما في تلك الساعة ما عنده إيمان.
طالب: ألا يخصص الآية بآيات التوبة والعمومات؟
الشيخ: من تاب؟
الطالب:
نعم.
الشيخ: من تاب ما فيه إشكال، من تاب ليس فيه
إشكال، الكلام على أنه مات وهو قاتل نفسًا عمدًا، أما من تاب فإن الله يغفر الذنوب
جميعًا ولا إشكال فيه.
الطالب: قصدي من يقتل مؤمنًا
متعمدًا.
الشيخ: من قتل مؤمنًا متعمدًا وتاب تاب الله
عليه.
طالب: شيخ بارك الله فيك، هل يشترط العلم
بالعقوبة لإقامة القصاص؟
الشيخ: لا، يقول: هل يشترط
العلم بالعقوبة لإقامة القصاص؟ نقول: لا يشترط، وهذا عام في كل شيء، متى علم
الإنسان أن هذا شيء محرم ترتب عليه أثره؛ ولهذا أوجب النبي صلى الله عليه وآله وسلم
على الذي أتى أهله في رمضان أوجب عليه الكفارة، مع أنه لا يدري، جاء يسأل ما الذي
عليه.
طالب: هل ما ينسب إلى ابن عباس -بارك الله فيكم-
هل هو صحيح من قوله بعدم قبول توبة القاتل؟
الشيخ: إي
نعم، هو صحيح، لكن ابن عباس رضي الله عنهما يقول: إن القاتل عمدًا لا توبة له، ولكن
قوله محمول على أن المراد لا توبة له باعتبار حق المقتول؛ لأن القتل عمدًا يتعلق به
ثلاث حقوق: حق الله، وحق أولياء المقتول، وحق المقتول.
أما حق الله فلاشك أنه
يسقط بالتوبة بنص القرآن وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا (٦٨) يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا (٦٩) إِلَّا مَنْ تَابَ [الفرقان: ٦٨ - ٧٠].
وأما حق أولياء المقتول فيسقط بتسليم القاتل
نفسه لهم؛ لأن حقهم أن يقتلوه وقد سلم نفسه.
وأما حق المقتول فالمقتول قد مات
فبقي حقه؛ لأنه لا يُعْلَم سماحه، فيحمل ما جاء عن ابن عباس رضي الله عنهما على
هذا: أنه لا توبة له باعتبار حق المقتول على أن القول الصحيح أن له توبة حتى
باعتبار حق المقتول؛ لأن الله تعالى يُوفِي عنه يوم القيامة حيث تاب توبة
نصوحًا.
طالب: الآن لو قتل شخص إنسانًا ثم مات هذا
المقتول فأولياؤه كلهم متفقون على قتله إلا طفلًا صغيرًا؟
الشيخ: الطفل الصغير ينتظر حتى يبلغ، لكن لو سمح أحد الورثة وهو
لا يرث إلا واحدًا من ألف سقط القصاص؛ لقوله: فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌو(شيء) نكرة في سياق الشرط تشمل القليل
والكثير.
طالب: الذين حملوا الآية وأحاديث تارك الصلاة
على المستحل ألا يلزم على حملهم هذا تعطيل النصوص عن الفائدة؟
الشيخ: إلا؛ ولهذا قلنا: يبقي النص لا فائدة منه.
طالب: لو قتل قاتل ومات في السجن قبل أن يجري الحكم
عليه؟
الشيخ: لو مات في السجن تعينت الدية في
ماله.
الطالب: وإذا ما عنده مال هل تحمل عنه العاقلة
شيئًا؟
الشيخ: لا، العمد ما تحمل العاقلة شيئًا، لكن
إذا لم يكن له مال؛ إما أن تسقط أو تؤخذ من بيت المال.
طالب: شيخ، بارك الله فيكم، ذكرنا أن الدية تجب على العاقلة في
الخطأ هل يعكر على قولنا هذا قول الله تعالى: وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى [النجم: ٣٩]، وقوله: وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى [الأنعام: ١٦٤]؟
الشيخ: نعم، لا يعكر عليه؛ لأن هذا من باب
التعاون؛ لأن الخطأ يقعُ كثيرًا فكان من رحمة الله عز وجل أن يُحَمَّل هؤلاء كما
يحملون في النفقة.
طالب: (...).
الشيخ: لا ما يتعين، أي هذا بعد أن يخلص أهل النار الذين يستحقون
العذاب ثم يخرجون، هذا بعد أن ينتهي كل شيء يؤتى بالموت فيذبح بين الجنة والنار
ويقال: «يَا أَهْلَ الْجَنَّةِ خُلُودٌ وَلَا مَوْتَ، وَيَا
أَهْلَ النَّارِ خُلُودٌ وَلَا مَوْتٌ» .
طالب: شيخ ما سمعنا السؤال، يا شيخ.
الشيخ: يقول هل قوله: «خُلُودٌ فَلَا
مَوْتٌ»، ألا يدل على القول بأن الخلود هو المكث الدائم؟ نقول: ما
يتعين.
طالب: (...).
الشيخ:
لكن هل هو مأذون له أن يرمي الإنسان؟ هل أُذِن له أن يرمي الإنسان؟
الطالب: لا، هو الذي جاء.
الشيخ: لا،
ما هو اللي جاء، أما نعلم لو فرضنا أن الرجل هذا بعد أن رأى الشخص يريد أن يقتل
الصيد قفز حتى صار في فم المدفع مثلًا، لا بأس، فهو الذي قتل نفسه.
طالب: (...) هل يكون عمدًا (...)؟
الشيخ: متعمد يعني؟ يكون عمدًا، لكنه لا يقتل المسلم بالكافر،
هذا عند الفقهاء عمد؛ لأنه ليس له أن يقتل المعاهد، وفي النفس من هذا شيء؛ لأن حرمة
المعاهد ليست كحرمة المسلم؛ ولأن المسلم لا يقتل بالمعاهد، فيُرْجع في هذا إلى رأي
الإمام إذا رأى أن يقتله يقتله.
***
طالب: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَتَبَيَّنُوا وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ السَّلَامَ لَسْتَ مُؤْمِنًا تَبْتَغُونَ عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فَعِنْدَ اللَّهِ مَغَانِمُ كَثِيرَةٌ كَذَلِكَ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلُ فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْكُمْ فَتَبَيَّنُوا إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا (٩٤) لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ عَلَى الْقَاعِدِينَ دَرَجَةً وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى وَفَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ عَلَى الْقَاعِدِينَ أَجْرًا عَظِيمًا (٩٥) دَرَجَاتٍ مِنْهُ وَمَغْفِرَةً وَرَحْمَةً وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا (٩٦) [النساء: ٩٤- ٩٦].الشيخ: أعوذ بالله من الشطيان الرجيم، قال الله تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِإلى آخره.
سبق في الآية التي قبلها أن الله تعالى توعَّد من قتل مؤمنًا متعمدًا بأمور، عدها علينا؟
طالب: جزاؤه جهنم، خالدًا فيها، أنه يدخل جهنم، والخلود، والغضب، واللعنة، والعذاب الأليم.
الشيخ: كم؟
طالب: خمسة أشياء.
الشيخ: طيب، وسبق لنا المناقشة؛ مناقشة أهل التعطيل الذين قالوا: إن الله لا يغضب ولا يفرح عند قوله: وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ، فما هو الذي تؤيده الأدلة؟
طالب: قول الله تعالى: وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُوآيات أخرى.
الشيخ: وآيات أخرى، مثل؟
طالب: قول الله تعالى: قُلْ هَلْ أُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذَلِكَ مَثُوبَةً عِنْدَ اللَّهِ مَنْ لَعَنَهُ اللَّهُ وَغَضِبَ عَلَيْهِ وَجَعَلَ مِنْهُمُ الْقِرَدَةَ وَالْخَنَازِيرَ وَعَبَدَ الطَّاغُوتَ [المائدة: ٦٠].
الشيخ: غيرها؟
طالب: قوله تعالى: فَلَمَّا آسَفُونَا انْتَقَمْنَا مِنْهُمْ.
الشيخ: آسَفُونَايعني: أغضبونا.
طالب: غير المغضوب عليهم.
الشيخ: ما صرح أن الغضب من الله.
طالب: آية الملاعنة يا شيخ: أَنَّ غَضَبَ اللَّهِ عَلَيْهَا إِنْ كَانَ مِنَ الصَّادِقِينَ [النور: ٩].
الشيخ: ورودها في عدة مواضع من القرآن ولم تفسر بأنها العقاب يدل على أيش؟ ورودها في القرآن في عدة مواضع ولم ترد في موضع واحد بأن المراد بها الانتقام، ماذا يدل عليه؟
طالب: يدل على أن الغضب يثبت بهذه الآيات لله تبارك وتعالى.
الشيخ: يدل أن المراد بالغضب حقيقة الغضب، نعم، تمام.
لماذا أنكر هؤلاء المعطلة أن يوصف الله بالغضب؟
طالب: قالوا: لأن الغضب جمرة يلقيها الشيطان في قلب ابن آدم، وهذا مما ينزه الله عنه.
الشيخ: نعم، قالوا: إن الغضب غليان دم القلب وهذا لا يليق بالله، فما هو الرد عليهم؟
طالب: الجواب: أن يقال: إن هذا الغضب هو في حق المخلوق، أما في حق الخالق سبحانه وتعالى فله الغضب صفة كمال لا يشبه غضب المخلوقين.
الشيخ: فهو غضب لا يماثل غضب المخلوقين، دليلنا قوله تعالى: لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ [الشورى: ١١].
لماذا فسروا الغضب بإرادة الانتقام أو بالانتقام نفسه؟
طالب: يغضون عن هذه الحقيقة؛ لأن هذا ملازم للغضب، الانتقام ملازم للغضب كذلك فسروا به.
الشيخ: لا.
طالب: لأنهم ينفون الصفات الاختيارية لله عز وجل.
طالب آخر: لأنهم يقولون: إن صفة الغضب إن أثبتناها تكون حادثة، والحوادث لا تقوم إلا..
الشيخ: لكن لماذا يفسرونها بالإرادة؛ بإرادة الانتقام أو بالانتقام؟
الطالب: إما يلحقونها بالأزل وإما يلحقونها بمفعول المتصل الحال.
الشيخ: نعم.
طالب: لأنهم يصرفون حادثة الغضب إلى غيرها.
الشيخ: نعم.
طالب: يثبتون صفة الإرادة.
الشيخ: صحيح، لأنهم يثبتون صفة الإرادة فيكون المراد بالغضب إرادة الانتقام.
ولماذا فسروه بالانتقام نفسه؟
طالب: (...) الصفة الحقيقية (...).
الشيخ: لكن لماذا أجازوا لأنفسهم أن يفسروا الغضب بالانتقام؟
طالب: ما ذكره الإخوة، أنهم يقولون: إن الغضب يعني لو أثبتوه يلزم منه مثلًا..، أن الغضب مثلًا هو غليان دم القلب وكذا يقولون: ويلزم من ذلك أن يكون لله كذلك، وهم -في زعمهم- يريدون أن ينزهوا الله عنه.
طالب آخر: لأن الانتقام صفة منفصلة عن الله تعالى.
الشيخ: صحيح، الانتقام هو عبارة عن العقوبة، والعقوبة بائنة من الله، ليست صفة في ذاته؛ فلهذا أثبتوها.
ذكر بعض العلماء أن أكبر ما نرد به عليهم قوله تعالى: فَلَمَّا آسَفُونَا انْتَقَمْنَا مِنْهُمْ [الزخرف: ٥٥] فما وجه ذلك؟
طالب: أنه إذا كان الغضب هو الانتقام لا يكون للآية فائدة، فيكون المعنى: فلما انتقمنا منهم انتقمنا منهم.
الشيخ: أحسنت، تمام، والآية صريحة بأن سبب الانتقام هو الغضب.
ونحن ذكرنا قاعدة حول هذا الموضوع بأن كل ما وصف الله به نفسه فإنه يجب علينا إثباته واعتقاد أنه لا يماثل صفات المخلوقين، هذا الواجب علينا، أما أن نصرفه عن ظاهره إلى معانٍ أخرى نُعيِّنُها بعقولنا وتراها متناقضة؛ لأنا قلنا: كل من أثبت صفة ونفى الأخرى فهو متناقض؛ لأن القول في بعض الصفات كالقول في البعض الآخر، كما قرره أهل العلم.
من فوائد الآية الكريمة: أن من قتل مؤمنًا متعمدًا فمن جزائه أن يُلْعن، أن يُطْرد عن رحمة الله؛ لقوله: وَلَعَنَهُ.
ويتفرع على هذه الفائدة: هل يجوز أن نلعن القاتل بعينه، ونقول: أنت ملعون مغضوب عليك أو لا؟ الجواب: لا، لكن نقول: أنت قاتلٌ لمؤمنٍ عمدًا، ومن قتل مؤمنًا فجزاؤه جهنم إلى آخر الآية، فنفرق بين أن نحكم على هذا الرجل بأنه ملعون أو لا؛ لأنه يجوز أن يتوب فتزول اللعنة.
من فوائد الآية الكريمة: أن الله تعالى هيأ العذاب فيمن يستحقه؛ لقوله: وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا.
ويتفرع على هذه الفائدة: أن النار موجودة الآن، وهو كذلك، النار التي يُعذَّب بها الكافرون موجودة الآن كما قال تعالى: أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ [البقرة: ٢٤]، ورآها النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم في صلاة الكسوف .
ومن فوائد الآية الكريمة: عظم عذاب النار؛ لقوله: عَظِيمًا، والعظيم إذا استعظم الشيء صار بقدر عظمة هذا المستعظِم، أي: أنه شيء عظيم عظمًا كبيرًا.
طالب: فوائد قوله تعالى: فَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ عَدُوٍّ لَكُمْ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍنسيناها يا شيخ، ما ذكرنا فوائدها.
الشيخ: ما التفتنا أيش؟ ولا ذكرنا معناها؟
الطالب: ذكرنا معناها.
الشيخ: معناها إيش؟ معناها أعطني إياه.
الطالب: فإن كان أولياء هذا الرجل.
الشيخ: إن كان الرجل، المقتول ولا القاتل؟
الطالب: المقتول، وألياؤه كثيرون، فتحرير رقبة مؤمنة، وما فيها دية.
الشيخ: ولا فيه دية، لماذا؟
الطالب: لأنهم كفار ما يستحقون الدية.
الشيخ: لماذا؟
الطالب: وما في بيننا وبينهم ميثاق.
الشيخ: لأنه لو كان هذا الرجل الذي من هؤلاء الكفار لو كان منهم -يعني: كافرًا مثلهم- وجبت له الدية إذا كان بيينا وبينهم ميثاق.
طالب: قلنا يا شيخ: الكافر لا يكون مسلمًا.
الشيخ: وأيضًا لو أعطيناهم لاستقووا به علينا.
إذن من فوائد الآية الكريمة: هو أنه إذا كان المؤمن المقتول ورثته كفار فإنه لا دية لهم، أولًا: لأنه لا يمكن أن يرثوه وهم كفار؛ لأنه لا يرث الكافر المسلم، وثانيًا: لأننا لو أعطيناهم لاستعانوا به علينا.
ثم قال الله تبارك وتعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَتَبَيَّنُواإلى آخره.
ما هي الفائدة بتصدير الخطاب بالنداء؟ لأن هذا مر علينا؟
طالب: (...) المخاطبة، ثانيًا: هذه الصفة التي (...) من صفات المنافق.
الشيخ: لا.
طالب: الإغراء.
الشيخ: الإغراء هذا للتنبيه، لا لا، نعم.
طالب: (...) المخاطبة.
الشيخ: هذا (...) المخاطب ذكره، ذكر هذا.
طالب: الدلالة على أهميته.
الشيخ: صحيح، الدلالة على أهمية الشيء، ولهذا صُدِّرَ بما يقتضي التنبه، وما الفائدة من كونه يُوَجَّه النداء إلى المؤمنين؟
طالب: (...).
الشيخ: أولًا؟
طالب: (...).
طالب: للدلالة على أن امتثال ما ذُكِر فهو من شرائط الإيمان.
الشيخ: التنبيه على أن امتثال ما ذُكِر سواء أمرًا أو نهيًا من مقتضيات الإيمان؛ ولهذا خوطب به المؤمن. ثانيًا؟
طالب: ثانيًا: أن عدم امتثال هذا الأمر يدل على نقص إيمان من لم يقم به.
الشيخ: نعم، الدلالة على أن مخالفة هذا من نواقص الإيمان، أي من منقصات الإيمان. ثالثًا؟
طالب: ثالث، والذين آمنوا.
الشيخ: إي نعم، توجيه النداء للمؤمنين.
طالب: الإغراء.
الشيخ: صحيح الإغراء؛ لأنك إذا وصفت الإنسان: يا فلان يا مؤمن، هذا يحثه ويجعله يقدم، كما لو قلت: يا رجل، يا أيها الرجل، تحثه تقول: مقتضى رجولتك كذا وكذا، فصار الفوائد كم؟ ثلاثة، ونحن لا نشرحها الآن لأنها شرحت من قبل.
قال الله تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِأي: إذا خرجتم مجاهدين في سبيل الله؛ لأن الضرب يكون في الأرض وتختلف النيات فيه كما قال تعالى: وَآخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الْأَرْضِ يَبْتَغُونَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ [المزمل: ٢٠] هؤلاء التجار، هؤلاء إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِأي: خرجتم مجاهدين في سبيل الله، فَتَبَيَّنُواوهذه نزلت في قوم خرجوا للجهاد فأصابوا قومًا قالوا: أسلمنا، لكنهم لم يقولوها بهذا اللفظ، بل قالوا: صبئنا، فظنوا أن معنى قولهم: صبئنا أي: بقينا صابئين، أي: غير مسلمين فقاتلوهم، فيقول الله عز وجل: فَتَبَيَّنُواوفيها قراءة: {فَتَثَبَّتُوا} في الموضعين، يعني: تقرأ: فَتَبَيَّنُوا، ثم اللي في آخر الآية: فَتَبَيَّنُوا، أو تقرأ {فَتَثَبَّتُوا} أولًا، وتقرأ {فَتَثَبَّتُوا} ثانيًا، وعلى هذا فليس فيها إلا قراءتان، ليس فيها أربع قراءات، بمعنى أنك إذا قرأت الأول فَتَبَيَّنُواأيش؟ فاقرأ الثاني فَتَبَيَّنُوا، وإذا قرأت الأول {فَتَثَبَّتُوا} فاقرأ الثاني {فَتَثَبَّتُوا}، ولا يجوز أن تخالف: تقرأ الأول فَتَبَيَّنُوا، والثاني {فَتَثَبَّتُوا} أو بالعكس، فالقراءة إذن قراءتان فقط.
وقوله: فَتَبَيَّنُواأي: اطلبوا بيان الأمر، والتبين نتيجة التثبت؛ ولهذا كانت القراءتان بمنزلة المعنيين اللذين يترتب أحدهما على الآخر، ما هو الذي يترتب على الآخر: التَّبَيُّن أو التثبت؟ التبين؛ لأنه تثبت أولًا ليتبين لك الأمر، فيكون في الآيتين –أي: في مجموعهما- فائدة عظيمة: أنك تتثبت وبالتثبت يتبين الأمر فلا تستعجل، وقد سبق لنا ذم أولئك المستعجلين في قوله تبارك وتعالى: وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ [النساء: ٨٣].
يقول: فَتَبَيَّنُواأي: تثبتوا ولا تقدموا على فعل شيء تندمون عليه، وما أكثر ما يندم الإنسان إذا أقدم على شيء قبل التَّبَيُّن حتى في خاصة نفسه، لو أراد أنه يفعل فعلًا ثم بمجرد ما طرأ على نفسه أو على قلبه فعل قبل أن يتروَّى في الأمر، قبل أن ينظر النتائج فتجده يندم، فكيف إذا كان الفعل متعلقًا بغيره؟ يكون أشد.
كثيرًا ما يدخل الإنسان بيته فيجد الولد يصيح، ويش بك يا بني؟ قال: ضربني الأخ، ثم يأتي الأب ضربًا على الأخ الذي ادعى الصغير أنه ضربه، وإذا تبين الأمر وإذا الخطأ ممن؟ من الصغير، نقول: تثبت لا تقدم حتى تتبين.
وسبب ذلك أن الإنسان تأخذه الغَيْرَة فيندفع، والغَيرة إذا لم تكن مربوطة بحد من الشرع وحد من العقل أصبح غِيرَة، تعرفون الغِيرة؟ الغِيرَة: فساد الطعام في المعدة حتى إذا تجشأ الإنسان ظهر له رائحة كريهة كأنها اللحم المنتن، فالغيرة لا بد أن تكون مضبوطة بحد من أيش؟ الشرع والعقل؛ ولهذا قال: تَبَيَّنُوا.
وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ السَّلَامَ لَسْتَ مُؤْمِنًاالسلام فيها قراءتان: {السَّلَمْ} والسَّلَامَ.
وقوله: لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ السَّلَامَأي: مد إليكم السلام، وأبلغه إياكم؛ لأنه مسلم، فالسلام هنا بمعنى الإسلام، لا تقولوا له: لست مؤمنًا، بل خذوه بإيش؟ بظاهر حاله؛ لأن هذا هو الواجب علينا أن نُجْرِي الأحكام في الدنيا على ظاهر الحال؛ لأننا لا نعلم ما في القلوب، وأما في الآخرة فالأحكام تجري على أيش؟
طلبة: القلوب.
الشيخ: على ما في القلوب كما قال تعالى: يَوْمَ تُبْلَى السَّرَائِرُ [الطارق: ٩]، وقال تعالى: أَفَلَا يَعْلَمُ إِذَا بُعْثِرَ مَا فِي الْقُبُورِ (٩) وَحُصِّلَ مَا فِي الصُّدُورِ [العاديات: ٩، ١٠]؛ ولهذا يجب على الإنسان أن يعتني بعمل القلب أكثر مما يعتني بعمل الجوارح؛ لأن عمل الجوارح قد يدخله الهوى، قد يتصنع الإنسان بعمله للدنيا، لكسب الناس، للجاه، للمال، لغير هذا، لكن عمل القلب لا يمكن أن يتصنع فيه الإنسان؛ لأنه لا يقع إلا بإخلاص إذا كان صالحًا.
وقوله: لَسْتَ مُؤْمِنًا تَبْتَغُونَ عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَاكأن الله عز وجل يشير إلى التوبيخ لهؤلاء القوم الذين تعجَّلوا، فإن منهم من يريد الغنيمة تَبْتَغُونَ عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا؛ لأن كل ما في الدنيا فإنه عرض، أي: عارض يزول، كما هو الواقع، فالدنيا لا شك أنها عرض، وأنها تزول أو يزول الإنسان عنها، فأنت إما أن تفقد الدنيا وإما أن تفقدك الدنيا، كل إنسان إما أن يفتقر ويفقد ما عنده من الدنيا وإما أن يموت فيفقده المال؛ ولهذا سمى الله سبحانه وتعالى متاع الدنيا، سماه عرضًا، لماذا؟ لأنه يزول.
فما هو الشيء الباقي؟ هو ثواب الآخرة، قال تعالى: بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا (١٦) وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَى [الأعلى: ١٦، ١٧]، فَعِنْدَ اللَّهِ مَغَانِمُ كَثِيرَةٌسبحان الله! لما وبخهم على إرادة الغنيمة في هذه القصة التي وقعت وعدهم بأن هناك مغانم كثيرة، كما قال تعالى في سورة الفتح: وَعَدَكُمُ اللَّهُ مَغَانِمَ كَثِيرَةً تَأْخُذُونَهَا [الفتح: ٢٠]، فالله سبحانه وتعالى عنده مغانم كثيرة، وما أكثر المغانم التي غنمها المسلمون في غزواتهم، غنموا أموالًا كثيرة حتى قيل: إنه يؤتى بالدنانير وتوضع في المسجد كأنها سُفْرَة من طعام، ما هي بالأكياس أو بالجلود، توضع هكذا على الأرض كأنها سُفْرَة من طعام أو كأنها تل من رمل، وغنم الناس غنائم عظيمة كثيرة في زمن الفتوحات الإسلامية.
قال الله تعالى: كَذَلِكَ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلُأي: كحال هؤلاء القوم، كُنْتُمْ مِنْ قَبْلُأي: مسلمين أو كافرين؟ كافرين، كنتم أنتم كفارًا قبل أن تكونوا مؤمنين تجاهدون الكفار على أن تكون كلمة الله هي العليا.
كَذَلِكَ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلُ فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْكُمْالمن هو العطاء بلا ثمن، أي: أعطاكم الله سبحانه وتعالى عطاء بلا ثمن إلا الشكر، والشكر في الواقع ليس ثمنًا، ليس ثمنًا للنعمة؛ لأن الله تعالى لا ينتفع به، من الذي ينتفع به؟ العبد الشاكر، فإذن نعمة الله عليك بالتوفيق للشكر نعمة عليك، ولو شاء الله تعالى ما شكرت، وفي هذا يقول الشاعر:
| إِذَا كَانَ شُكْرِي نِعْمَةَ اللَّهِ نِعْمَةً | عَلَيَّ لَهُ فِي مِثْلِهَا يَجِبُ الشُّكْرُ |
| فَكَيْفَ بُلُوغُ الشُّكْرِ إِلَّا بِفَضْلِهِ | وَإِنْ طَالَتِ الْأَيَّامُ وَاتَّصَلَ الْعُمْرُ |
فإذا وقفك الله لخير، إذا أعطاك الله خيرًا دينيًّا أو دنيويًّا ثم شكرته، فتوفيقك للشكر أيش؟ نعمة، يحتاج إلى شكر، فإذا شكرت هذا التوفيق للشكر صار نعمة أخرى، وإذا شكرتها صار نعمة أخرى، إذن لا يمكن أن تشكر الله عز وجل، لا يمكن أن تبلغ الشكر؛ ولهذا كان من الأذكار الواردة عن النبي عليه الصلاة والسلام أنه قال: «سُبْحَانَكَ لَا أُحْصِي ثَنَاءً عَلَيْكَ أَنْتَ كَمَا أَثْنَيْتَ عَلَى نَفْسِكَ» ، ومع ذلك يمُنُّ الله علينا بالإسلام، ونسلم ويجازينا عليه، ثم يقول: هَلْ جَزَاءُ الْإِحْسَانِ إِلَّا الْإِحْسَانُ [الرحمن: ٦٠] سبحان الله! أنت المحسن إلينا أولًا وآخرًا، وما عَمَلُنا بالنسبة لإحسانك، بل عملُنا من إحسانك أيضًا، وهو يقول: هَلْ جَزَاءُ الْإِحْسَانِ إِلَّا الْإِحْسَانُ، ويقول: إِنَّ هَذَا كَانَ لَكُمْ جَزَاءً وَكَانَ سَعْيُكُمْ مَشْكُورًا [الإنسان: ٢٢]، سبحان الله! من الذي وفقنا لهذا السعي؟ الله عز وجل، فيشكرنا على ذلك، وهو الذي وفقنا لذلك، والحقيقة أن الإنسان يعني مملوء من نعمة الله عز وجل، لا يمكن أن يحصي نعمة الله عز وجل إِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا [النحل: ١٨]؛ ولهذا قال: فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْكُمْ فَتَبَيَّنُواأعادها مرة أخرى للتوكيد لأهمية الأمر، والتوكيد للشيء يدل على أهميته؛ ولهذا قال: فَتَبَيَّنُوا إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًاإشارة إلى أنكم لو تعجلتم وزعمتم أو أظهرتم للناس أنكم متريثون فإن الله لا يخفى عليه حالكم، يعلم حالكم، والخبير هو: العليم ببواطن الأمور.
ففي هذه الآية الكريمة فوائد كثيرة:
أولًا: أهمية الحكم المذكور فيها، وجهه؟ التصدير بالنداء.
ثانيًا: أن امتثاله من مقتضيات الإيمان؛ لأنه صُدِّرَ بتوجيه الخطاب للمؤمنين.
ثالثًا: فضيلة المؤمنين حيث يخاطبهم الله عز وجل بما شاء من أحكامه، ولا شك أن مخاطبة الله للإنسان بشخصه أو وصفه لا شك أنها شَرَف، الناس يتدافعون عند ملوك الدنيا، فإذا قال هذا الملك: كيف أصبحت يا فلان، بس: كيف أصبحت يا فلان؟ ماذا يعده؟ يَعُدُّه شرفًا، فإذا وجه الله الخطاب للمؤمنين كان ذلك شرفًا لهم.
ومن فوائد الآية الكريمة: وجوب التثبت في الأمور حتى في الجهاد في سبيل الله لا بد أن تتثبت، وجه ذلك؟ قوله: فَتَبَيَّنُواوهذا فعل أمر، والأصل في الأمر الوجوب لا سيما في مثل هذه الأمور الخطيرة.
ومن فوائد الآية الكريمة: أن الواجب علينا معاملة الخلق بالظاهر؛ لقوله: وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ السَّلَامَ لَسْتَ مُؤْمِنًا، ولم يقل: لست مسلمًا؛ لأنه ألقى السلام واستسلم، لكن لا تقولوا: لست مؤمنًا، يعني: لم يدخل الإيمان في قلبه.
ومن فوائد الآية الكريمة: التحذير من هؤلاء الناس الذين يتهمون المسلمين بأن عملهم رياء، بعض الناس -والعياذ بالله- إذا كره شخصًا وأُثْنِيَ عليه عنده بأنه يعمل العمل الصالح قال: هذا مُرَاءٍ، فيكون بهذا القول وارثًا للمنافقين؛ لأن المنافقين هم الَّذِينَ يَلْمِزُونَ الْمُطَّوِّعِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فِي الصَّدَقَاتِ وَالَّذِينَ لَا يَجِدُونَ إِلَّا جُهْدَهُمْ [التوبة: ٧٩].
ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أنه لا يجوز لنا أن نتعدى الظاهر الذي يبدو من الإنسان، حتى وإن وجدت قرائن تدل على خلاف ظاهره، الدليل وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ السَّلَامَ لَسْتَ مُؤْمِنًا.
وقد وقع مثال تطبيقيٌّ لهذا في عهد النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، فإن أسامة بن زيد رضي الله عنه وعن أبيه وهو حِبُّ رسول الله صلى الله عليه وسلم أدرك رجلًا من المشركين، وقد لحقه بالسيف، فقال الرجل لما غشيه أسامة وأدركه قال: لا إله إلا الله، ولكن أسامة قتله، يظن أيش؟ أنه قالها خوفًا من القتل، ولم يقلها من قلبه، فأخبر بذلك النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم فجعل يقول: «أَقَتَلْتَهُ بَعْدَ أَنْ قَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ؟ كَيْفَ تَصْنَعُ بِلَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ إِذَا جَاءَتْ يَوْمَ الْقَيَامَةِ؟» الله أكبر، جعل يكرر هذا حتى قال أسامة: تمنيت أني لم أكن أسلمت ، يعني: تمنيت أن يكون هذا في حال كفري حتى أُسْلِم فيُغْفَر لي ما قد سلف؛ لأن من أسلم غفر الله له ما سلف في كفره مهما كان.
فأقول: إن هذا يدل على التحذير والحذر من الحكم على الناس لما يخالف الظاهر، ونحن لا نُكلَّف ما لا نطيق، واللهِ لو أن الله جعل حكمنا على الناس على حسب الباطن لهلكنا، من يحقق الباطن؟ لا يمكن، نحن ليس لنا إلا الظاهر.
طالب: بارك الله فيك، قلنا في الآية (...) أن هناك أربع قراءات (...)؟
الشيخ: لا، أنا ما قلت يعني في كل ما شابه هذا الموضع، لا، قد يكون مثلًا فيه قراءتان متبادلتان، لكن في هذا الموضع نصوا على إذا قرأ فَتَبَيَّنُوافي الأول يقرأ في الثاني.
طالب: (...)؟
الشيخ: لا، هذه صفات، الظاهر أنه لا بأس، لكن لا يغير في تشهد واحد.
طالب: إذا تترس الكفار بالمسلمين ماذا نفعل بهم؟
الشيخ: يقول: إذا تترس الكفار بالمسلمين فماذا نفعل؟ هل يجوز الإقدام على قتلهم أو لا يجوز؟ فيها خلاف بين العلماء، بعضهم يقول: إذا لم نتوصل إلى قتل الكفار إلا بذلك فيُقْتَل المسلم ويكون شهيدًا، وبعضهم يقول: لا؛ لأن درء المفاسد أولى من جلب المصالح، والأقرب أن يُنْظَر في ذلك إلى المصلحة قد يتترسون بعشرة وهم ألوف، وقد يتترسون بألف وهم عشرة مثلًا فينظر للمصلحة.
طالب: القراءات الثلاثة هل ثبتت في الموضعين فَتَبَيَّنُوافي الأولى والثانية؟
الشيخ: لا لا، كلها واحدة، ما فيها إلا قراءتان، إن قرأت تبينوا في الأول اقرأ فيما بقي.
(...) وهذا لم يُذْكَرِ اسْمُهُ، ومن لم يذكر اسمه فهو مجهول، ومن شرط قبول الخبر أن يكون المخبر معلومًا، ومن شرط جواب السؤال أن يكون السائل معلومًا، على كل حال الجواب، نقرأ، من التالي؟
***
طالب: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ عَلَى الْقَاعِدِينَ دَرَجَةً وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى وَفَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ عَلَى الْقَاعِدِينَ أَجْرًا عَظِيمًا (٩٥) دَرَجَاتٍ مِنْهُ وَمَغْفِرَةً وَرَحْمَةً وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا (٩٦) إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنْتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا فَأُولَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءَتْ مَصِيرًا (٩٧) إِلَّا الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ لَا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلَا يَهْتَدُونَ سَبِيلًا (٩٨) فَأُولَئِكَ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَعْفُوَ عَنْهُمْ وَكَانَ اللَّهُ عَفُوًّا غَفُورًا (٩٩) [النساء: ٩٥ - ٩٩].الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَتَبَيَّنُوا وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ السَّلَامَ لَسْتَ مُؤْمِنًا.
ما معنى فتبينوا؟
طالب: فسرتها القراءة الأخرى وهي التثبت، فتثبتوا.
الشيخ: إذن فيها قراءتان: تَبَيَّنُواو{تَثَبَّتُوا}، فما معنى تَبَيَّنُوا؟
طالب: التبين هو الاستفصال من الأمر والتحقق منه.
الشيخ: كيف؟ وتَثَبَّتُوا؟
طالب: نفس المعنى.
الشيخ: لا، ذكرنا بينهما فرقًا.
طالب: (...).
الشيخ: التبين والتريث والتثبت.
طالب: التثبت هو طلب حقيقة عامة.
الشيخ: حقيقة الواقع.
الطالب: والتبين هو حصول ذلك ووضوحه.
الشيخ: يعني الآيتان أو القراءتان مقدمة ونتيجة، {تَثَبَّتُوا} طلب حقيقة الأمر والواقع، وتَبَيَّنُواالتبين يعني بيان الشيء بعد التثبت، وهذه النتيجة، نتيجة التثبت أن الإنسان يتبين له الأمر، فتكون القراءتان إحداهما للمقدمة والثانية للنتيجة.
هل القراءتان موزعتان على كل كلمة وحدها أو للجميع؟
طالب: الأولى تَبَيَّنُواتَبَيَّنُواأو {تَثَبَّتُوا} {تَثَبَّتُوا}.
الشيخ: والثانية كررت؟
طالب: يعني: إذا قرأت الأولى تَبَيَّنُوافالثانية تَبَيَّنُوا، وإذا قرأت الأولى {تَثَبَّتُوا} فالثانية {تَثَبَّتُوا}.
الشيخ: لا، يعني معناه أن القراءة إن قرأت إحداهما بإحدى القراءتين فالثانية نفس القراءة، إذن ليس فيها إلا قراءتان، لو قلنا: إنها موزعة صار أربع قراءات.
قوله تبارك وتعالى: تَبْتَغُونَ عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَاما معنى تَبْتَغُونَ؟
طالب: تريدون.
الشيخ: (ابتغى) بمعنى (أراد)؟
طالب: نعم.
الشيخ: هل لك دليل على أن الابتغاء هنا بمعنى الإرادة؟ فيه دليل من القرآن؟
طالب: (...).
الشيخ: لا.
طالب: قول إخوة يوسف: قَالُوا يَاأَبَانَا مَا نَبْغِي [يوسف: ٦٥]، معناها ما نريد.
الشيخ: غيرها؟
طالب: وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ [آل عمران: ٨٥].
الشيخ: لا يا أخي، أنا أريد تفسير للآية بالضبط تَبْتَغُونَ عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَاهل في القرآن نظيرها بالضبط وعُبِّر عنه بالإرادة؟
طالب: وَآخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الْأَرْضِ يَبْتَغُونَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ [المزمل: ٢٠].
الشيخ: قال الله تعالى: تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا وَاللَّهُ يُرِيدُ الْآخِرَةَ [الأنفال: ٦٧].
لماذا سُمِّيَ ما في الدنيا عرضًا؟
طالب: عرضًا (...) لأنه يعرض ويزول.
الشيخ: عرضًا؛ لأنه يعرض ويزول، كم من غني فقر، وكم من فقير اغتنى، ثم إن الإنسان إما أن يموت أو يتلف ماله.
قول الله تعالى: فَعِنْدَ اللَّهِ مَغَانِمُ كَثِيرَةٌما موقع هذه الجملة مما قبلها في المعنى؟
طالب: في المعنى؟.
الشيخ: إي، في المعنى (...).
الطالب: (...).
الشيخ: أحسنت، ليطمئنوا على أن الله سبحانه وتعالى عنده مغانم كثيرة.
وهل وقع هذا؟
طالب: وقع.
الشيخ: أتذكر شيئًا؟
الطالب: ما حصل في غزوة خيبر.
الشيخ: وكذلك مال البحرين جاء وكُوِّمَ في المسجد، وكذلك الفتوحات الإسلامية فيما بعد، حدِّث ولا حرج.
قوله: كَذَلِكَ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلُ فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْكُمْموقع هذه الجملة مما قبلها في المعنى؟
طالب: يذكرهم بأن حالهم كان كحال هؤلاء الكفار.
الشيخ: أحسنت، يذكرهم بأن حالكم أنتم كحال هؤلاء الكفار، كنتم كفارًا فأسلمتم.
ما الفرق بين الخبير والعليم؟
طالب: الخبير هو الذي يضع الشيء في موضعه.
الشيخ: يعني الحكيم قصدك، هذا الحكيم، أنا أريد الخبير.
الطالب: الخبير هو العليم بالأمور.
الشيخ: والعليم؟
طالب: الخبير خاص ببواطن الأمور، والعليم بظواهرها.
الشيخ: صح، يعني: العليم إذا ذكر وحده شمل العلم ببواطن الأمور وظواهرها، وإذا ذكر مع الخبير صار الخبير هو العليم ببواطن الأمور، والعليم هو العليم بظواهرها مثل قوله تعالى: قَالَ نَبَّأَنِيَ الْعَلِيمُ الْخَبِيرُ [التحريم: ٣].
قوله تعالى: إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًالماذا قدم المعمول؟ هل المقصود إفادة الحصر كما هي القاعدة أو المقصود شيء آخر؟ وما الذي يمنع الوجه الأول؟
طالب: ليس المقصود هنا الحصر؛ لأن الله يعلم بما عمله الإنسان وغيره.
الشيخ: تمام، يمنعه أن الله خبير بما يعملون وبغيره، إذن ما المقصود؟
طالب: المقصود التهديد.
الشيخ: المقصود التهديد، تهديد هؤلاء، كأنه قال -والله تعالى منزه عما أفرضه- كأنه قال: إن لم أعلم شيئًا فأنا عليم بما تعملون، فيكون إذن فائدة ذلك ليس الحصر؛ لأن الله يعلم ما عمل هؤلاء وغيرهم، المقصود التهديد، يعني: لو فرض أني لا أعلم شيئًا فأنا عليم بأيش؟
طلبة: بما تعملون.
الشيخ: بما تعملون، انتبهوا لهذه الفائدة.
من فوائد الآية الكريمة: علم الله سبحانه وتعالى ببواطن الأمور؛ لقوله: كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا، ويدل لذلك أيضا قوله تعالى: هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ [الحديد: ٣]، فقد فسر النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم الباطن بأنه الذي ليس أيش؟ ليس دونه شيء ، يعني: ما هنا شيء دونه، كل شيء بأمره، كل شيء بعلمه، كل شيء بسمعه، كل شيء ببصره، فعلوُّه عز وجل فوق كل شيء لا يمنع من علمه بكل شيء، واضح؟
من فوائد الآية الكريمة: تهديد الإنسان أن يعمل ما لا يرضي الله عز وجل، يعني: لا تظن أنك إذا عملت شيئًا فإنه يخفى على الله، أبدًا، ومتى آمن الإنسان بهذا -ونسأل الله أن يجعلني وإياكم من المؤمنين به- متى آمن فإنه لن يُقْدِم على شيء لا يرضاه الله؛ لأنه يعلم أنه يعلم بهذا، حتى في قلبه، يحفظ قلبه من الانحراف والانجراف، إذا علم بأن الله تعالى خبير بما يعمل.
لكن هذه المسائل تحتاج إلى فطنة وأن الإنسان يكون دائمًا مراقبًا لله سبحانه وتعالى خائفًا منه، كل ما همَّ بشيء ذكر عظمة الله عز وجل وعلمه بما سيعمل حتى يمتنع -نسأل الله تعالى أن يحيي قلوبنا بذلك- لأننا في غفلة عن هذه الأمور، يغلب الهوى على الهدى، تجد الإنسان إذا هَوِي شيئًا فعله، ولا يفكر أن لديه رقيبًا عتيدًا، ولا يفكر أن الله سبحانه وتعالى في تلك الساعة يعلم ما يفعل؛ ولهذا قال النبي عليه الصلاة والسلام: «لَا يَزْنِي الزَّانِي حِينَ يَزْنِي وَهُوَ مُؤْمِنٌ» ، لو كان عنده إيمان ما زنى؛ لأنه يعلم أن الله يعلمه.
ثم قال الله تعالى: لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ(لا) هذه نافية، يَسْتَوِيفعل مضارع، والْقَاعِدُونَفاعل، والْمُجَاهِدُونَمعطوفة على الْقَاعِدُونَ؛ وذلك أن من الناس من تمنَّى على الله الأماني، تمنى أن يكون مثل المجاهدين في سبيل الله وهو قاعد، وهذا لا يمكن؛ ولهذا نفى الله المساواة فقال: لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَالقاعدون عن أيش؟ عن الجهاد.
ثم قال: غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِوفي غَيْرُقراءتان: الرفع على أنها صفة لـالْقَاعِدُونَ، والثاني: النصب على أنها مستثنى، وكلاهما قراءتان صحيحتان سبعيتان، فيجوز أن تقرأ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِأو {غَيْرَ أُولِي الضَّرَرِ}.
وهذا فيما بينك وبين نفسك، أو فيما بينك وبين طلابك أهل العلم الذين يفهمون، أما عند العامة فلا تذكر لهم قراءتين؛ لأن في ذلك مفسدتين: خاصَّة، وعامة، الخاصة أنهم يتهمونك بالخطأ، صلينا خلف إمام يلحن يقول: {لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غيرَ أُولِي الضَّرَرِ} واللي في المصحف: غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ، إذن هذا إمام ما يصلح لأيش؟ لأنه يلحن.
ثانيها: المفسدة العامة؛ أن الناس إذا قيل لهم: إنه لم يلحن ولكنه أخذ بقراءة ثانية ربما تهبط عظمة القرآن في نفوسهم، كيف القرآن يختلف؟ القرآن -سبحان الله- يختلف؟ فلهذا لا ينبغي أن يقال لكل إنسان: إن في هذا قراءتين، وقال علي رضي الله عنه: حدثوا الناس بما يعرفون –أي: ما يمكنهم معرفته من غير نفور- أتريدون أن يُكذَّب اللهُ ورسولُه؟ الجواب: لا، إذن حدِّث الناس بما تبلغه عقولهم وبما يمكن أن يهضموه ويعرفوه، وليس معنى قوله: حدثوا الناس بما يعرفون أن تحدِّثوهم بما كانوا قد عرفوه؛ لأن هذا ما فيه فائدة، الذي قد عرفوه لا حاجة إلى التحديث، اللهم إلا على سبيل التذكير بعد الغفلة فهذا يمكن.
يقول عز وجل: غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِوما هو الضرر؟ الذي يسقط وجوب الجهاد، بيَّنه الله تعالى في قوله: لَيْسَ عَلَى الْأَعْمَى حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْأَعْرَجِ حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ [الفتح: ١٧] هذه الأعذار الثلاثة، وقال تعالى: لَيْسَ عَلَى الضُّعَفَاءِ وَلَا عَلَى الْمَرْضَى وَلَا عَلَى الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ مَا يُنْفِقُونَ حَرَجٌ [التوبة: ٩١] شرط إِذَا نَصَحُوا لِلَّهِ وَرَسُولِهِ، هؤلاء هم أهل الأعذار.
وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْالمجاهد هو الذي بذل جهده –أي: طاقته- في إدراك ما يريد.
وقوله: فِي سَبِيلِ اللَّهِأي: في شريعة الله، وهذا يشمل القصد والتحرك، القصد بَيَّنَه الرسول صلى الله عليه وآله وسلم بقوله: «مَنْ قَاتَل لِتَكُونَ كَلِمَةُ اللَّهِ هِي الْعُلْيَا فَهُوَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ» ، التحرُّك أن يكون الجهاد على وفق الشرع، بحيث نقوم به حينما يكون فرضًا أو سنة، ونحجم عنه حينما يكون ضرره أكثر من التحرك به، انتبه، يعني مثلًا لو أن الأمة الإسلامية عندها تأخر في السلاح في العُدد في العَدد أيضًا والأمم ضدها أقوى منها سلاحًا وأكثر عَددًا فهل من المستحسن أن نقاتل؟ لا؛ ولهذا لم يوجب الله القتال على الأمة الإسلامية إلا حين كانت أيش؟ مستعدة وقادرة وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ [الأنفال: ٦٠].
إذن فِي سَبِيلِ اللَّهِيشمل معنيين: المعنى الأول: القصد بأن يكون قصد المجاهد إقامة شريعة الله أن تكون كلمة الله هي العليا، والمعنى الثاني: أن يكون على وفق الشريعة؛ لأن (في) للظرفية، والمظروف ما هو؟ سبيل الله، هذا المظروف، إذا قلت: الماء في الكأس، الظرف: الكأس، المظروف: الجهاد في سبيل الله، لا بد أن يكون في سبيل الله، أي: في شرعه الذي شرعه.
وقوله: بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْالباء هذه كقولك: قَطَعْتُ بالسكين، وضربت بالعصا، فهي للتعدية، يعني بمعنى أنها لبيان الأداة التي حصل بها الجهاد، والجهاد يكون بالأموال ويكون بالأنفس، وقدَّم الله الجهاد بالأموال لسببين: السبب الأول أنه أهون على الإنسان، أليس كذلك؟ القتال بالمال هو أهون على الإنسان في الغالب، والشيء الثاني: قد يكون نفعه أكثر؛ لأن الإنسان بنفسه يقاتل ويقتل من شاء الله، لكن إذا كان ذا مال كثير وبذل أموالًا عظيمة كم يمون من المجاهدين؟ عشرات أو مئات أو أكثر. وَأَنْفُسِهِمْيعني ذواتهم.
ثم بين الله عز وجل وجه انتفاء الاستواء فقال: فَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ عَلَى الْقَاعِدِينَ دَرَجَةً، وهذه الدرجة لم يبيِّنْها الله عز وجل، لكن قوله تعالى: وَلِكُلٍّ دَرَجَاتٌ مِمَّا عَمِلُوا [الأنعام: ١٣٢] يستفاد منها: أن هذه الدرجة درجة عظيمة كبيرة ليست هينة، وقد ذكر النبي عليه الصلاة والسلام: أَنَّ فِي الْجَنَّةِ مِئَةَ دَرَجَةً أَعَدَّهَا اللَّهُ تَعَالَى لِلْمُجَاهِدِينَ فِي سَبِيلِهِ .
وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَىكُلًّاقد يشكل علينا لماذا نصبت؟
طالب: مفعول مقدم.
الشيخ: مفعول مقدم لأيش؟
الطالب: (...).
الشيخ: والْحُسْنَى؟
طالب: مفعول ثانٍ.
الشيخ: مفعول ثانٍ أو أول؟ مفعول ثانٍ، ولا يكون هذا من باب الاشتغال، لماذا لا يكون من باب الاشتغال؟ لأن العامل لم يشتغل بضمير المفعول.
وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَىالحسنى هي الجنة، كما فسر ذلك النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم في قوله تعالى: لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ [يونس: ٢٦] قال: «الْحُسْنَى الْجَنَّةُ، وَالزِّيَادَةُ النَّظَرُ إِلَى وَجْهِ اللَّهِ» فالحسنى إذن الجنة، وهي وصف لموصوف محذوف تقديره: الموعدة الحسنى، وعد الله الموعدة الحسنى، وهي اسم تفضيل كما تعلمون، يعني: لا غاية في الحسن سواه، كل ما يوجد من الحسن فهو دونها؛ لأن (الحسنى) اسم تفضيل أعلى ما يكون الحسن.
وَفَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ عَلَى الْقَاعِدِينَ أَجْرًا عَظِيمًاشوف درجة في الأول، والثاني فَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ عَلَى الْقَاعِدِينَ أَجْرًا عَظِيمًاالأول في المنزلة، والثاني في الأجر، في الحجم، حجم الأجر والثواب.
فَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ عَلَى الْقَاعِدِينَ أَجْرًا عَظِيمًا (٩٥) دَرَجَاتٍ مِنْهُ وَمَغْفِرَةً وَرَحْمَةً وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًاالله أكبر دَرَجَاتٍهذه بدل أو عطف بيان من قوله: أَجْرًا.
دَرَجَاتٍ مِنْهُوقد أبهمت في الآية، لكن قال الرسول عليه الصلاة والسلام: «إِنَّ فِي الْجَنَّةِ مِئْةَ دَرَجَةً أَعَدَّهَا اللَّهُ لِلْمُجَاهِدِينَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ» .
وَمَغْفِرَةًأي: مغفرة للذنوب، وَرَحْمَةًأي: تيسيرًا للمطلوب، وباجتماع المغفرة والرحمة يزول المرهوب ويحصل المطلوب، يزول المرهوب بالمغفرة، يعني: مغفرة ذنب حصل واستحق العقوبة عليه، ثم غُفِرَ له، والرحمة تحصيل المطلوب وهي فوق المغفرة؛ ولهذا تأتي المغفرة سابقة للرحمة في الغالب؛ لأنه كما يقال: التخلية قبل التحلية، المغفرة تكررت في القرآن الكريم وفي غير القرآن أيضًا، ومر علينا أنها مشتقة من أين؟
طالب: من المِغْفَر.
الشيخ: من المِغْفَر، وهو؟ ما هو المغفر؟
طالب: يستره (...).
الشيخ: العمامة يعني؟
الطالب: لا لا، ساتر (...).
الشيخ: يعني: يُلبَس على البدن؟
الطالب: لا يلبس على البدن.
الشيخ: على أيش؟
الطالب: (...).
الشيخ: يعني: يلبس على الرأس؟ من خشب؟
الطالب: سيف.
الشيخ: سيف يُلبس على الرأس، ما هو سيف هذا.
الطالب: (...).
الشيخ: يستر بأيش؟ المغفر خشب، أو خزف؟
الطالب: (...).
الشيخ: جلد، هل الجلد يمنع من السيف؟
طالب: (...).
الشيخ: والسيوف أيضًا، لكن من أي مادة؟
الطالب: (...).
الشيخ: إي نعم، صحيح، يسمى الخوذة، وهي عبارة عن شيء مثل الإناء يلبس على الرأس كذا، من الحديد حتى يتقى به السهام ويتقى به السيف، إذن هو مشتق من (الْمِغْفَر) فما معنى مغفرة الذنوب؟
طالب: يعني: هو ستر الذنب، والتجاوز عنه.
الشيخ: أحسنت، ستر الذنب والتجاوز عنه؛ لأن هذا مقتضى الاشتقاق، الذين يقولون: الغَفْر في اللغة: الستر، هل أحاطوا بالمعنى أو لا؟
طالب: أحاطوا.
الشيخ: أحاطوا، إذن الطاقية هذه تعتبر مغفر؛ لأنها ساترة؟
طالب: لا يحيط.
الشيخ: إذن لا بد من تكميل؟
الطالب: مع الوقاية.
الشيخ: مع الوقاية، أحسنت، ليس كل ساتر واقيًا.
وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًافي هذه الآية الكريمة عدة فوائد:
منها: نفي التساوي بين الناس، والعجب أننا نسمع من يدندن كثيرًا فيقول: إن دين الإسلام دين المساواة، وهذا غلط على دين الإسلام، دين الإسلام ليس دين المساواة، ولكنه دين العدل، وهو إعطاء كل أحد ما يستحق؛ ولذلك تجد في القرآن الكريم أكثر ما في القرآن نفي المساواة، ما هو إثبات قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ [الأنعام: ٥٠]، هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ [الزمر: ٩] لَا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ [الحديد: ١٠]، وهلمَّ جرًّا.
فالقول بأن الإسلام دين المساواة في الحقيقة قد ينبني عليه مبدأ خطير، وهو أولًا: تسوية الذكور مع الإناث، وأن تفضيل الذكور على الإناث يعتبر مخالفًا لدين الإسلام، ثانيًا: الاشتراكية؛ تسوية الناس في الرزق بحيث نأخذ من مال الغني نعطيه الفقير؛ لأن الدين دين المساواة، لو قالوا: الدين دين المواساة لكان صحيحًا؛ ولهذا تُشْرَع التعازي في المصائب وما أشبه ذلك.
طالب: تنكير دَرَجَةًتفيد التعظيم أو التحقير؟
الشيخ: الظاهر أنها للتعظيم، أي: درجة عظيمة؛ ولهذا فسرها فيما بعد بأنها درجات.
طالب: في غير هذا السياق، غير القرآن تأتي للتقليل.
الشيخ: على كل حال تنكير الكلمة له معانٍ كثيرة حسب ما توصف به، قد توصف النكرة بما يدل على القلة أو بما يدل على الكثرة.
طالب: قوله: دَرَجَاتٍ مِنْهُ وَمَغْفِرَةً وَرَحْمَةًهل هو بيان لقوله أَجْرًا عَظِيمًاأو بيان لقوله: دَرَجَةً؟
الشيخ: لا، الظاهر أنه لـأَجْرًا عَظِيمًا؛ لأن المغفرة والرحمة ما تأتي في المرتبة.
طالب: (...) فكيف يمكن لنا (...) يجب علينا (...) وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ.
الشيخ: هذه مسألة خاصة، وكَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً [البقرة: ٢٤٩]، لكن هذه مسألة خاصة في بدر؛ ولهذا قال الله تعالى: الْآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفًا فَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ [الأنفال: ٦٦]، وأجاز للناس أن يفرُّوا من عدوهم إذا كانوا أكثر من مِثْلَيْهم.
طالب: أمثال هذه الآيات هل تؤيد قول القائل: إن الجهاد إذا وقع في الكتاب والسنة فالمراد به مجاهدة الأعداء الكفار، فتكون الآية: جاهد الكفار والمنافقينمحمولة على الغالب؛ أن الجهاد العلمي يحصل بامتثال هذه الآيات؟
الشيخ: لا، المنافقين، جهاد المنافقين لا يمكن إلا بالعلم.
الطالب: من باب المشاكلة.
الشيخ: لا لا، من باب الواقع، قد قال في القرآن: وَجَاهِدْهُمْ بِهِ جِهَادًا كَبِيرًا [الفرقان: ٥٢].
الطالب: يكون من باب التسمية؟
الشيخ: لا، من باب الحق، كم من إنسان يبلغ منك الجهد في مناظرته في الدين.
الطالب: استفدنا من الآية السابقة أنه لا يجوز تعدي ظاهر الإنسان ولو بالأقران.
الشيخ: تعدي؟
الطالب: ظاهر الإنسان.
الشيخ: ظاهر الإنسان، ويش لونه؟
الطالب: (...).
الشيخ: ظاهر الإنسان ولَّا ظاهر الحال؟





