في هذه الآية الكريمة عدة فوائد:
منها: نفي التساوي بين الناس، والعجب أننا نسمع من يدندن
كثيرًا فيقول: إن دين الإسلام دين المساواة، وهذا غلط على دين الإسلام، دين الإسلام
ليس دين المساواة، ولكنه دين العدل، وهو إعطاء كل أحد ما يستحق؛ ولذلك تجد في
القرآن الكريم أكثر ما في القرآن نفي المساواة، ما هو إثبات قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ [الأنعام: ٥٠]،
هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ [الزمر: ٩] لَا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ [الحديد: ١٠]، وهلمَّ
جرًّا.
فالقول بأن الإسلام دين المساواة في الحقيقة قد ينبني عليه مبدأ خطير،
وهو أولًا: تسوية الذكور مع الإناث، وأن تفضيل الذكور على الإناث يعتبر مخالفًا
لدين الإسلام، ثانيًا: الاشتراكية؛ تسوية الناس في الرزق بحيث نأخذ من مال الغني
نعطيه الفقير؛ لأن الدين دين المساواة، لو قالوا: الدين دين المواساة لكان صحيحًا؛
ولهذا تُشْرَع التعازي في المصائب وما أشبه ذلك.
طالب:
تنكير دَرَجَةًتفيد التعظيم أو التحقير؟
الشيخ: الظاهر أنها للتعظيم، أي: درجة عظيمة؛ ولهذا فسرها فيما
بعد بأنها درجات.
طالب: في غير هذا السياق، غير القرآن
تأتي للتقليل.
الشيخ: على كل حال تنكير الكلمة له معانٍ
كثيرة حسب ما توصف به، قد توصف النكرة بما يدل على القلة أو بما يدل على
الكثرة.
طالب: قوله: دَرَجَاتٍ مِنْهُ وَمَغْفِرَةً وَرَحْمَةًهل هو بيان لقوله أَجْرًا عَظِيمًاأو بيان لقوله: دَرَجَةً؟
الشيخ: لا، الظاهر أنه
لـأَجْرًا عَظِيمًا؛ لأن المغفرة والرحمة ما تأتي في
المرتبة.
طالب: (...) فكيف يمكن لنا (...) يجب علينا
(...) وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ.
الشيخ: هذه مسألة خاصة، وكَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً [البقرة: ٢٤٩]، لكن هذه مسألة خاصة في بدر؛ ولهذا قال الله تعالى: الْآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفًا فَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ [الأنفال: ٦٦]، وأجاز للناس أن يفرُّوا من عدوهم إذا كانوا أكثر من
مِثْلَيْهم.
طالب: أمثال هذه الآيات هل تؤيد قول
القائل: إن الجهاد إذا وقع في الكتاب والسنة فالمراد به مجاهدة الأعداء الكفار،
فتكون الآية: جاهد الكفار والمنافقينمحمولة على
الغالب؛ أن الجهاد العلمي يحصل بامتثال هذه الآيات؟
الشيخ: لا، المنافقين، جهاد المنافقين لا يمكن إلا
بالعلم.
الطالب: من باب المشاكلة.
الشيخ: لا لا، من باب الواقع، قد قال في القرآن: وَجَاهِدْهُمْ بِهِ جِهَادًا كَبِيرًا [الفرقان: ٥٢].
الطالب: يكون من باب التسمية؟
الشيخ: لا، من باب الحق، كم من إنسان يبلغ منك الجهد في مناظرته
في الدين.
الطالب: استفدنا من الآية السابقة أنه لا
يجوز تعدي ظاهر الإنسان ولو بالأقران.
الشيخ:
تعدي؟
الطالب: ظاهر الإنسان.
الشيخ: ظاهر الإنسان، ويش لونه؟
الطالب: (...).
الشيخ: ظاهر الإنسان
ولَّا ظاهر الحال؟
الطالب: ظاهر الحال، وقررنا فيما سبق
أنه يشترط في باب القرائن (...) الأيمان والنذر.
الشيخ:
تدخل في التبين، العمل بالقرائن يدخل في التبين.
الطالب: حتى لو جاءت قرائن هنا (...).
الشيخ: إي، لكن حساب الناس في الإسلام على الظاهر، حسابهم على
الظاهر، أما في مسألة الأحكام والحكم بينهم فيعمل بالقرائن، لكن فيما بينهم وبين
الله يعمل بالظاهر.
***
الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، تكلمنا على قول الله تعالى: لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِوفيها قراءتان غَيْرُو{غَيْرَ}، فعلى قراءة الرفع تكون صفة، وعلى قراءة النصب تكون استثناء.
وأظن أننا بدأنا باستنباط الفوائد ووصلنا إلى؟
طالب: التسوية.
الشيخ: فائدة واحدة، وهي نفي التساوي أو الاستواء بين القاعدين عن القتال والمجاهدين في سبيل الله بأموالهم وأنفسهم.
ومن فوائد هذه الآية الكريمة: حكمة الشريعة؛ حيث لا تساوي بين المفترقين، كما أنها لا تفرق بين المتساويين، الشريعة الإسلامية من لدن حكيم خبير، لا يمكن أن تجد فيها حكمين متناقضين، ولا يمكن أن تجد فيها شيئين متساويين ثم يختلفان في الحكم أبدًا، بل إذا تراءى لك أن هذين الشيئين متساويان وقد اختلفا في الحكم شرعًا فأعد النظر، أعد النظر مرة بعد أخرى حتى يتبينَ لك، فإن لم يتبينْ لك فاتهم فَهْمَك ولا تتهم الأحكام الشرعية.
من فوائد هذه الآيات الكريمة: أن من قعد عن الجهاد لضرر فإنه كالذي أتى بالجهاد؛ لقوله: لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَوَالْمُجَاهِدُونَثم استثنى فقال: {غَيْرَ أُولِي الضَّرَرِ}، فأولو الضرر إذن مساوون للمجاهدين، ويشهد لهذا قول النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم في غزوة تبوك: «إِنَّ فِي الْمَدِينَةِ لَأَقْوَامًا مَا سِرْتُمْ مَسِيرًا وَلَا قَطَعْتُمْ وَادِيًا إِلَّا وَهُمْ مَعَكُمْ» قالوا: كيف يا رسول الله، وهم في المدينة؟ قال: «وَهُمْ فِي الْمَدِينَةِ، حَبَسَهُمُ الْعُذْرُ» .
وهل يقاس على ذلك كل من تخلف عن عبادة لعذر؟ الجواب: نعم، ولذلك جاء في الحديث الصحيح عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «مَنْ مَرِضَ أَوْ سَافَرَ كُتِبَ لَهُ مَا كَانَ يَعْمَلُ صَحِيحًا مُقِيمًا» .
ومن فوائد الآية الكريمة: فضل الجهاد في سبيل الله بالمال والنفس، ووجهه: أنهم أعلى درجة من القاعدين الذين لا يجاهدون.
ومن فوائد الآية الكريمة: أن الجزاء من جنس العمل، اذكر لي الدليل من الآية، ما هو التعليل؟
طالب: أن الله سبحانه وتعالى (...).
الشيخ: لا.
طالب: أن الله جازاهم على (...).
الشيخ: فَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَصريح، فَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ عَلَى الْقَاعِدِينَ دَرَجَةً، يلزم من هذه الفائدة: أن تفاضل الجزاء يدل على تفاضل العامل.
ويمكن أن يستنبط منه فائدة ثانية وهو: الاستدلال به على ما ذهب إليه أهل السنة من أن الإيمان يزيد وينقص؛ يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية، كما هو معروف وبغير ذلك من الأسباب.
ومن فوائد الآية الكريمة: حسن الاحتراس في كلام الله عز وجل، وجهه: أن الله لما ذكر فضل المجاهدين على القاعدين، فربما يتوهم الواهم نزول درجة القاعدين من المؤمنين، فأزال الله هذا الوهم بقوله: وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى، وهذه طريقة القرآن.
انظر إلى المثال الثاني المطابق لهذا: لَا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُولَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقَاتَلُوا وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى [الحديد: ١٠]، وانظر إلى مثال ثالث: وَدَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ إِذْ يَحْكُمَانِ فِي الْحَرْثِ إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شَاهِدِينَ (٧٨) فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ وَكُلًّا آتَيْنَا حُكْمًا وَعِلْمًا [الأنبياء: ٧٨، ٧٩]، الشاهد في قوله: وَكُلًّا آتَيْنَا حُكْمًا وَعِلْمًا، فهذه ثلاثة أمثلة تفيد أنه من بلاغة الكلام الاحتراس بدفع ما يتوهم وقوعه.
ومن فوائد الآية الكريمة: البَشارة لعامة المؤمنين من القاعدين والمجاهدين بالحسنى؛ لقوله: وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى.
فهل ينبني على هذه الفائدة أن نشهد لكل مؤمن أنه في الجنة؟ الجواب: أما على سبيل العموم فنعم، وأما على سبيل الخصوص فنتوقف على ما جاء به النص، فمثلًا نحن نقول: الصحابة كلهم وعدهم الله الجنة؛ المجاهد والقاعد، لكن الشخص بعينه لا يمكن أن نشهد له إلا إذا شهد له النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وزاد شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: من أثنى عليه الناس خيرًا فإننا نشهد له بالجنة، واستدل لذلك بقول الله تبارك وتعالى: وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ [البقرة: ١٤٣]، واستدل بما ثبت بالسنة حيث مرت جنازة فأثنى عليها الحاضرون خيرًا، فقال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «وَجَبَتْ». ثم مرت أخرى فأَثْنَوْا عليها شرًّا فقال: «وَجَبَتْ». فقالوا: يا رسول الله، ما وَجَبَتْ؟ قال: «أَمَّا الْأَوَّلُ فَأَثْنَيْتُمْ عَلَيْهِ خَيْرًا فَوَجَبَتْ لَهُ الْجَنَّةُ، وَأَمَّا الثَّانِي فَأَثْنَيْتُمْ عَلَيْهِ شَرًّا فَوَجَبَتْ لَهُ النَّارُ» ثُمَّ قَالَ: «أَنْتُمْ شُهَدَاءُ اللَّهِ فِي الْأَرْضِ» ، فقد استدل شيخ الإسلام رحمه الله بأنه تجوز الشهادة لمن اتفقت الأمة على الثناء عليه، وضرب لذلك أمثلة بالأئمة المشهورين المشهود لهم بالعدالة والإيمان والتقوى، مثل الأئمة الأربعة: الإمام أحمد والشافعي ومالك وأبي حنيفة، وسفيان الثوري وسفيان بن عيينة وغيرهم ممن اتفقت الأمة على الثناء عليهم.
ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أنه لا فضل أعظم من الجنة، من أين يؤخذ؟ من قوله: الْحُسْنَى؛ لأن (الحسنى) اسم تفضيل مؤنث (أحسن).
ومن فوائد الآية الكريمة: الحث على الجهاد في سبيل الله، وجه الدلالة: تفضيل الله عز وجل للمجاهدين على القاعدين بالدرجة بل بالدرجات.
ومن فوائد هذه الآية الكريمة: عظم مِنَّة الله سبحانه وتعالى على العباد؛ حيث جعل إثابتهم على الأعمال مثل الأجرة التي استحقها الإنسان فرضًا على المستأجر؛ لقوله: أَجْرًا عَظِيمًا، فسماه أجرًا كأجرة الأجير مع أن الفضل لله تعالى أولًا وآخرًا، هو الذي وفقك للعمل، وهو الذي منَّ عليك بالجزاء عليه.
فإن قال قائل: هل من تأييد لهذا المعنى الذي ذهبتم إليه؟
قلنا: نعم، قال الله تعالى: كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ أَنَّهُ مَنْ عَمِلَ مِنْكُمْ سُوءًا بِجَهَالَةٍ ثُمَّ تَابَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَصْلَحَ فَأَنَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ [الأنعام: ٥٤] كتب الرحمة، كتب على نفسه، وهو سبحانه وتعالى يوجب على نفسه وعلى عباده ما شاء، ولا أحد يعترض عليه.
ومن فوائد الآية الكريمة: عِظَم درجات المجاهدين في سبيل الله، وجه ذلك قوله: دَرَجَاتٍ مِنْهُمِنْهُفأضافها إلى نفسه، ومعلوم أن العطاء يَعْظُم بِعِظَمِ المعطي، لو قلت مثلًا: فلان تصدق، وهو من أغنى الناس، ذهب بالك إلى أنه تصدق بشيء كثير، ولو قلت: فلان تصدق، وهو فقير، لم يذهب بالك إلا أنه تصدق بشيء قليل؛ ولهذا قال: دَرَجَاتٍ مِنْهُ، فإضافة الشيء إلى الله يدل على عظمته، ومنه قوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم في الدعاء الذي علمه أبا بكر رضي الله عنه يدعو به في صلاته: «فَاغْفِرْ لِي مَغْفِرَةً مِنْ عِنْدِكَ وَارْحَمْنِي» .
ومن فوائد هذه الآية الكريمة: إثبات المغفرة لله؛ لقوله: وَمَغْفِرَةً.
وهل تثبُت المغفرة لغير الله؟ نعم، تثبت لغير الله، قال الله تعالى: يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ وَأَوْلَادِكُمْ عَدُوًّا لَكُمْ فَاحْذَرُوهُمْ وَإِنْ تَعْفُوا وَتَصْفَحُوا وَتَغْفِرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ [التغابن: ١٤]، وقال تعالى: وَلَمَنْ صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ [الشورى: ٤٣].
ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات الرحمة لله، والرحمة التي أضافها الله إلى نفسه نوعان: صفة، ومخلوق، يعني: نوعان؛ منها صفة لله، ومنها مخلوق من مخلوقات الله سماه الله تعالى رحمة، فمن الأول قول الله تبارك وتعالى: وَرَبُّكَ الْغَفُورُ ذُو الرَّحْمَةِ [الكهف: ٥٨] هذه صفة، ومن الثاني قوله تبارك وتعالى: وَهُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ الْغَيْثَ مِنْ بَعْدِ مَا قَنَطُوا وَيَنْشُرُ رَحْمَتَهُ [الشورى: ٢٨]، فالمراد بالرحمة هنا ما يكون أثرًا للمطر من النبات وغير النبات.
ومن ذلك أيضًا: قوله سبحانه وتعالى: وَأَمَّا الَّذِينَ ابْيَضَّتْ وُجُوهُهُمْ فَفِي رَحْمَةِ اللَّهِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ [آل عمران: ١٠٧] المراد بالرحمة أيش؟ الجنة، بدليل قوله: فَأَمَّا الَّذِينَ شَقُوا فَفِي النَّارِ [هود: ١٠٦]، وهذه الرحمة مخلوقة ولَّا غير مخلوقة؟ هذه مخلوقة، ومنه قوله في الحديث القدسي للجنة: «أَنْتِ رَحْمَتِي أَرْحَمُ بِكِ مَنْ أَشَاءُ» .
فتبين بهذا أن الرحمة تنقسم إلى أيش؟ قسمين: مخلوقة وصفة، فالمخلوقة من جملة المخلوقات، شيء بائن من الله عز وجل، لا ينسب إليه إلا نسبة خلق وإيجاد لكنه من آثار الرحمة التي هي الصفة، وأما الرحمة التي هي الصفة فهي صفة تابعة للذات، أي: لذات الله عز وجل.
ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات هذين الاسمين لله، وهما أيش؟ الغفور الرحيم وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًاوقد مضى تفسيرهما.
ثم قال الله تبارك وتعالى: إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ [النساء: ٩٧] قوله: إِنَّ الَّذِينَهذه (إن) المؤكدة واسمها.
وقوله: ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْحال من (الهاء) في قوله: تَوَفَّاهُمُإلى قوله: فَأُولَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُالظاهر أن خبر (إن) فَأُولَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ، وما بين ذلك فهو اعتراض.
قوله: إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُتَوَفَّاهُمُأي: تقبضهم، والمراد بذلك قبض أرواحهم من أبدانهم.
وقوله: الْمَلَائِكَةُالملائكة هم عالم غيبي محجوبون عن العباد لهم أوصاف معلومة في الكتاب والسنة، ما عَلِمْنا منه وجب علينا الإيمان به على ما عَلِمْنَا، وما لم نَعْلَم منه فالواجب علينا السكوت كما هو الشأن فيما وصف الله به نفسه.
قالوا: والملائكة مأخوذة من (الألوكة) وهي الرسالة؛ لقوله تعالى: جَاعِلِ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا [فاطر: ١]، فهي من (الألوكة) أي: الرسالة، وبناء على ذلك يكون فيها إعلال بالقلب؛ لأن (ملائكة) جمع (مَلْأَك) وأصله (مَأْلَك)، لكن فيها تقديم وتأخير إعلالًا صرفيًّا حسب قواعد الصرف التي كتبها العلماء.
وقوله: ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْأي: حال كونهم ظالمي أنفسهم، بماذا؟ بكونهم بَقُوا في أرض يجب عليهم الهجرة منها؛ لأن بقاءهم مع وجوب الهجرة معصية وظلم لأنفسهم.
قَالُواأي: الملائكة فِيمَ كُنْتُمْأي: في أي مكان كنتم؟ وقيل: على أي حال كنتم؟ فعلى المعنى الثاني تكون (في) بمعنى (على)، كما هي في قوله تعالى: قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ [الأنعام: ١١] أي: على الأرض، ويكون المراد بقوله: فِيمَ كُنْتُمْأي: على أي حال كنتم؟ بدليل قولهم في الجواب: قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ، أما على القول بأن المراد بقوله: فِيمَ كُنْتُمْالسؤال عن المكان والموضع، فيكون الجواب: قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِعلى تقدير شيء محذوف، أي: قالوا: بَقِينا في هذا؛ لأننا كنا مستضعفين في الأرض.
وعلى كلٍّ فالمعنيان يدوران على شيء واحد، وهو أن هؤلاء بَقُوا في أرض تجب عليهم الهجرة منها، فتأتي الملائكة لقبض أرواحهم فيُوَبَّخُون فِيمَ كُنْتُمْلماذا كنتم في هذا المكان؟
قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِكُنَّا مُسْتَضْعَفِينَيعني: أننا نعامل معاملة الضعيف من قِبَل مَنْ؟ من قبل الكفار الذين استضعفونا، ولكن هذا ليس بعذر؛ ولهذا تقول لهم الملائكة: أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا؟ وهذا الاستفهام للتقرير والتوبيخ يعني: أن أرض الله واسعة، فلماذا لا تهاجرون؟
وقوله: أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُواالفاء عاطفة أو سببية؟
طالب: سببية.
الشيخ: انتبه، هل هي عاطفة أو سببية؟ أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً، هل سبقها شيء من المعاني التي تكون بعدها فاء سببية؟
طالب: نعم، استفهام.
الشيخ: الاستفهام، أين الاستفهام؟
الطالب: أَلَمْ.
الشيخ: وهل الاستفهام موجب لنصب الفعل بعد فاء السببية؟
الطالب: (...).
الشيخ: ما هو البيت الجامع لهذا؟
الطالب: (...).
الشيخ: فإذا قلنا: الاستفهام في قوله: أَلَمْ تَكُنْللتقرير والإثبات، وأن تقدير الكلام: قد كانت أرض الله واسعة، على هذا التقدير تكون الفاء عاطفة، والمعنى: ألم تكن أرض الله واسعة، ألم تهاجروا فيها؟
وقوله: أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةًيعني: أن هناك أراضٍ غير الأرض التي أنتم فيها مستضعفون.
فَتُهَاجِرُوا فِيهَا(هاجر) مأخوذة من (الهَجْر) وهو الترك، والمهاجرة: ترك البلد الذي عاش فيه الإنسان إلى بلد آخر، حتى الذي يخرج من بلد مستوطن له كان ثم يستوطن بلدًا آخر يقال: إنه مهاجر؛ لأنه ترك بلده، لكن الهجرة شرعًا هي: الانتقال من بلد الكفر إلى بلد الإسلام.
وهل إذا جاء لفظ له معنى لغوي ومعنى شرعي في كتاب الله أو سنة رسوله، هل يحمل على المعنى اللغوي أو الشرعي؟ يحمل على المعنى الشرعي؛ لأن حقيقة كل متكلم على حسب ما يقتضيه كلامه.
فَأُولَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءَتْ مَصِيرًاالفاء عاطفة أو واقعة في خبر المبتدأ إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ.
وقوله: مَأْوَاهُمْأي: مصيرهم. وجَهَنَّمُاسم من أسماء النار، أعاذنا الله وإياكم منها.
وَسَاءَتْ مَصِيرًاأي: ساءت مرجِعًا ومردًّا، وهذا إنشاء ذم لها؛ لأن (ساء) مثل (بئس)، فهي جملة لإنشاء الذم.
طالب: قوله: قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ، ثم بعد ذلك في الآية التي بعدها استثنى المستضعفين، فهل هم ليسوا مستضعفين حقيقة؟
الشيخ: إي نعم، ليسوا مستضعفين وسيأتي في الفوائد؛ ولهذا قال الله تعالى: أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَافهم قادرون على الهجرة.
طالب: هل كل (...)؟
الشيخ: رؤية الله.
الطالب: نعم، (...)؟
الشيخ: دخول الجنة متضمن لرؤية الله، كل من دخل الجنة فإنه سيرى الله عز وجل.
طالب: العاجز عن العبادة وعن الجهاد، نحن قلنا: إنه يكتب له أجر (...) كيف يكتب لهذا الخائف نفس الأجر؟
الشيخ: أليس النبي عليه الصلاة والسلام قال: «إِنَّكُمْ مَا قَطَعْتُمْ وَادِيًا وَلَا سِرْتُمْ مَسِيرًا إِلَّا وَهُمْ مَعَكُمْ» ؟ هؤلاء يَتَمَنَّون بكل قلوبهم أن يخرجوا، ثم الظاهر -والله أعلم- أنه كان من عادتهم الخروج حتى يتضح معنى قوله: «مَنْ مَرِضَ أَوْ سَافَرَ كُتِبَ لَهُ مَا كَانَ يَعْمَلُ صَحِيحًا مُقِيمًا» .
طالب: ما نقول: تساووا فقط في الأجر، أما الثواب والزيادة في الأجر هذا يؤخذ للذين جاؤوا؟
الشيخ: لا، إذا كان من عادتهم فلا شك أنهم يساوون؛ لأن قوله: «كُتِبَ لَهُ مَا كَانَ يَعْمَلُ صَحِيحًا مُقِيمًا».
طالب: في قوله تعالى: وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَىألا تكذب الرافضة في دعواهم بأن الصحابة ارتدوا وكفروا (...)؟
الشيخ: بلى، بارك الله فيك، لأن الأصل بقاء العموم على عمومه، أما على رأي الرافضة -قبحهم الله- فكلًّا وعد الله النار إلا ما استُثْنِي؛ لأنهم لا يستثنون إلا نفرًا قليلًا ثلاثة عشر نفرًا أو ما أشبه ذلك من مئة وأربع عشرين ألفًا، إي نعم.
طالب: بارك الله فيكم، جرى كثير من العلماء على تسمية شيخ الإسلام وغيره بـ(شيخ الإسلام)، وهناك حديث يا شيخ «أَنَّ أَخْنَعَ اسْمٍ عِنْدَ اللَّهِ اسْمُ رَجُلٍ تَسَمَّى: مَلِكَ الْأَمْلَاكِ، لَا مَالِكَ إِلَّا اللَّهُ» ، وقاس العلماء عليه غيره مثل: شاهان شاه، وأشباه ذلك، من هذا -يا شيخ- تسميتهم بـ(شيخ الإسلام) على سبيل الإطلاق أم على سبيل التقيد؟
الشيخ: هذا المعنى: شيخ الإسلام في زمانه، أو: شيخ الإسلام لمن بعده؛ لأنه إمام لمن بعده، وأما (قاضي القضاة) و(ملك الملوك) فهذه فيها نوع من السلطة؛ لأن القاضي يحكم ويلزم، والحاكم كذلك، والأمير والسلطان يحكم ويلزم، أما المفتي فلا يلزم، يفتي ولا يُلزم فهو أهون، على أن قولهم: (شيخ الإسلام) لا يعني الحصر؛ لأن هناك علماء كثيرين يلقبون بهذا اللقب: شيخ الإسلام.
طالب: قول الله تعالى: كَذَلِكَ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلُهل المقصود: كنتم من قبل كفارًا فأسلمتم فعصم الله دماءكم بالإسلام، أو المقصود: كَذَلِكَ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلُكنتم مستضعفين، فلم تجهروا بإسلامكم فلما قويتم جهرتم به (...) كذلك؟
الشيخ: كلاهما صحيح.
طالب: قوله تعالى: فَتُهَاجِرُوا فِيهَايعني المتبادر إلى الذهن أن الفعل يتعدى بـ(إلى) فهل هناك فرق في المعنى؟
الشيخ: لأن قوله: فَتُهَاجِرُوا فِيهَاأبلغ من قوله: فتهاجروا إليها.
الطالب: وجه ذلك؟
الشيخ: وجه ذلك: إذا قلت: (تهاجر إليها) لزم من هذا أن يكون بين البلد الذي هاجرت منه وهاجرت إليه مسافة؛ لأن الغاية لا بد لها من مُغَيَّا، وأما (فيها) فهذا يشمل أول نقطة يمكنك أن تسلم من الاضطهاد في دينك، ولو قريبة جدًّا.
طالب: بارك الله فيكم، قلنا يا شيخ: إن الهجرة هي هجرة المؤمن أو المسلم من بلد الكفر إلى بلد الإسلام، فإذا قال: أنا أجلس في دار الكفر لكي أدعوهم للإسلام من أجل الدعوة، يعني: رجل له دعوة في هذا المكان، فهل يجب عليه الرجوع؟
الشيخ: هل هذا عاجز عن إظهار دينه؟
الطالب: هو عاجز ولكنه يجاهد.
الشيخ: الذي يدعو ويمكن من الدعوة لا يقال: إنه عاجز عن إظهار دينه فلا تجب عليه الهجرة.
الطالب: عاجز يا شيخ ويحارب كثيرًا.
الشيخ: لكن هل يثمر في بقائه؟
الطالب: يثمر ولكن..
الشيخ: إذن هذا ما بقي لأجل السكنة والراحة، بقي لأجل الجهاد، فهو نافع.
طالب: شيخ: ما تقول في تعريف من يقولون في تعريف الملائكة: هم أجسام نورانية لطيفة يتشكلون بأشكال مختلفة بمشيئة الله؟
الشيخ: الأحسن نقول: عالمٌ غيبيٌّ.
الطالب: عالمٌ غيبيٌ؟
الشيخ: إي، أجسام لطيفة نورانية، لا شك أنهم خلقوا من نور، لكن هل يلزم من كونهم خلقوا من نور أن يكونوا نورانيين؟ لهم أجنحة، والأجنحة ما يمنع أن تكون من نور، لكن ما له داعٍ التكلم، عالم غيبي لكنهم يظهرون لمن أراد الله أن يظهروا له.
طالب: قوله تعالى: وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى(...)؟
الشيخ: عمومًا الصحابة كلهم وعدهم الله الحسنى؛ القاعد والمجاهد.
طالب: هل نأخذ من هذه الآية: لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَعلى أن الجهاد فرض كفاية؟
الشيخ: ماذا تقولون؟ هل يؤخذ من الآية الجهاد فرض كفاية؟
الطلبة: نعم.
الشيخ: إي نعم، يؤخذ؛ لأنهم لم يُؤَثَّمُوا، بل بُيِّنَ لهم أنهم تأخروا عن القوم المجاهدين.
طالب: هل كانت الهجرة زمن الرسول صلى الله عليه وسلم للمبايعة كما في حديث النواس بن سمعان: ما منعني من الهجرة إلا المسألة مع أنه أقام في المدينة سنة؟
الشيخ: الهجرة معناها: المهاجر من بلد الكفر إلى بلد الإسلام، وكان النبي عليه الصلاة والسلام إذا أَمَّر أميرًا على جيش أو سرية، ثم دَعَوْا القوم فأسلموا أُمِرُوا أن يتحولوا إلى دار المهاجرين، ليكون لهم ما للمهاجرين وعليهم ما عليهم، فإن أَبَوْا فهم كأعراب المسلمين ليس لهم من الغنيمة والفيء شيء إلا أن يجاهدوا مع المسلمين.
طالب: شيخ، المجاهدون بأموالهم هل يُعْتَبَرون من القاعدين أم من المجاهدين؟
الشيخ: لا، من المجاهدين؛ لأنه الله قال: الْمُجَاهِدِينَ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْفهذا جاهدَ بماله.
طالب: ترجمة القرآن باللغة الفارسية (...) يقول: وهذه الترجمة (...) أَلْقِيَا فِي جَهَنَّمَ كُلَّ كَفَّارٍ عَنِيدٍ [ق: ٢٤] يعني هذه الرواية هم يروونها عن محمد الباقر: سيقول الله تعالى يوم القيامة لمحمد وعلي: ألقيا كل عدو لكما في جهنم؟
الشيخ: ألقيا، من يعني؟
طالب: الله سيقول يوم القيامة لهم.
الشيخ: لمن؟
طالب: لمحمد صلى الله عليه وسلم وعلي.
الشيخ: إذا كانوا قرناء لكل واحد من الكفار والمسلمين، هذا القرين.
الطالب: هذه تقال لأيش؟
الشيخ: ولو، وإذا قالوا، حرفوا أشياء كثيرة، قالوا: الشجرة الملعونة في القرآن هم بنو أمية. إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً [البقرة: ٦٧] قالوا: هي عائشة -أعوذ بالله- تحريف ما يمكن يقوله عاقل فضلًا عن مؤمن أو مسلم.
طالب: بالنسبة لقول شيخ الإسلام: إن من أثنى الناس عليه خيرًا فإن هذا يشهد له هو بعينه الجنة، وهل كذلك من أثنى عليه الناس شرًّا؟
الشيخ: إي نعم.
طالب: عندما نقول مثلًا: لعنة الله على (...)؟
الشيخ: إي نعم، حتى من أثنوا عليه شرًّا، إذا مات وأثنوا عليه شرًّا بعد موته يقول شيخ الإسلام: يُشْهَد له.
الطالب: وهذا صح؟
الشيخ: لا، أنا في شك حتى من الأول، نحن نقول: الصحابة أثنوا على هذا الرجل خيرًا، وأيدهم الرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وليس شهادة من بعدهم كشهاتهم.
***
الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْإلى آخره، والآيات السابقة انتهى الكلام عليها وعلى فوائدها وأظن مناقشاتها أيضًا؟
قوله: إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ.
من فوائد هذه الآية الكريمة: أن الملائكة تَتَوفَّى بني آدم؛ لقوله: إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ، وظاهر هذا اللفظ أنهم جَمْع فيطابق قول الله تعالى: حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا [الأنعام: ٦١] أي: الملائكة؛ لأن الله تعالى قال: جَاعِلِ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا [فاطر: ١]، وحينئذٍ يبدو التعارض بين هذه الآية وبين آيتين أخريين هما: قوله تعالى: اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا [الزمر: ٤٢]، وقوله: قُلْ يَتَوَفَّاكُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ [السجدة: ١١].
والجواب عن هذا: الظاهر أن يقال: نسَب الله تعالى التَّوَفِّي إليه؛ لأنه بأمره، وما وقع بأمر الملك فإنه كفعله حتى في عامة حديث الناس؛ ولهذا يقال: (بنى عمرو بن العاص مدينة الفسطاط) وعمرو لم يَبْنِها وإنما أمر.
وأما الجمع بين كونه ذُكِر في هذه الآية وأمثالها بصيغة الجمع وفي آية السجدة في صورة الإفراد ملك الموت، فإما أن يُقَال: ملك الموت مفرد مضاف فيَعُمُّ ولا ينافي الجمع؛ لأن المفرد المضاف يعم فلا ينافي الجمع، وهذا وجه ضعيف، أو يقال: إن الملائكة تساعد ملك الموت كما جاء في الحديث الصحيح: أنهم يَأْمرون الروح فتخرج من الجسد حتى إذا لم يبقَ إلا قبضُها تولَّى قبضها ملك الموت ، فإضافة الوفاة أو التوفي إلى الملائكة بالجمع؛ لأنهم أعوان لملك الموت، وإضافة التوفي إلى ملك الموت؛ لأنه هو المباشر لقبض الروح.
وهنا يَرِدُ إشكال يقال: إننا نجد أنفسا تقبض في المشرق وفي المغرب وبينهما من المسافات ما لا يعلمه إلا الله عز وجل فكيف تقولون: إن ملك الموت واحد؟ وكيف يتصور أن واحدًا يقبض العديد من الناس في أماكن بعيدة متفرقة؟
فيُقال: قد يكون المراد بملك الموت جنس الملك، أي: الملك الموَكَّل بقبض الأرواح وإن كان أكثر من واحد، فيكون المراد به الجنس لا العين، وهذا وجه ضعيف.
ويُجَاب بوجه آخر: أن هذه من أمور الغيب، والواجب علينا في أمور الغيب أن نصدِّق وإن لم تدركها عقولُنا، وهذا أبلغ في التسليم لخبر الله عز وجل حتى لا نتمحَّل في الجواب.
ونقول: إن ملك الموت يراد به الجنس وهو أكثر من واحد، فنقول: إن الله سبحانه وتعالى على كل شيء قدير، وملك الموت يقبض الأرواح وإن كانت متباعدة، وإن كانت في آن واحد، وعلينا أن نصدق ونسلم.
ومن فوائد الآية الكريمة: أن الملائكة أجسام تقبض الأرواح وتخاطب تتكلم، وكلامها مفهوم، خلافًا لمن يقول: إنَّ الملائكة هي القوة الخيرة، وإن الشياطين هي القوة الشرِّيرة، فإن هذا قول باطل يكذبه القرآن والسنة والإجماع، قال الله تعالى: جَاعِلِ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا أُولِي أَجْنِحَةٍ [فاطر: ١]، ورسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم رأى جبريل على صورته التي خُلِقَ عليها وله كم جناح؟ ست مئة جناح، قد سد الأفق .
فالصحيح الذي يجب علينا اعتقاده: أن الملائكة أجسام، وأنهم يقولون ويفعلون ويصْعَدون وينزلون بأمر الله عز وجل.
ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن العبرة في الأعمال بالخواتيم؛ لقوله: ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْيعني: هم وقت الوفاة ظالمون لأنفسهم، فالعبرة بالخواتيم؛ ولهذا يجب على الإنسان أن يكون خائفًا من سوء الخاتمة، وأن يسأل الله سبحانه وتعالى دائمًا حسن الخاتمة، وأن لا يموت إلا وهو مسلم، وقد أخبر النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم في الحديث الذي رواه عبد الله بن مسعود: بِأَنَّ الرَّجُلَ يَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ الْجَنَّةِ حَتَّى مَا يَكُونُ بَيْنَهُ وَبَيْنَهَا إِلَّا ذِرَاعٌ ، والمراد: ذراع بالنسبة لقرب الأجل لا بالنسبة للعمل، لكن يعني: معناه أنه يعمل بعمل أهل الجنة حتى لا يبقى عليه إلا شيء يسير فيموت، وليس المراد حتى ما يبقى بينه وبينها إلا ذراع في الوصول إليها بعمله؛ لأن هذا الحديث مقيد بالحديث الآخر «لَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ الْجَنَّةِ فِيمَا يَبْدُو لِلنَّاسِ وَهُوَ مِنْ أَهْلِ النَّارِ» .
وأيضًا لا يمكن أن الله سبحانه وتعالى (...) عبدًا قام بعبادته إلى أن يبقى عليه ذراع واحد، ثم يخذله فيسيء خاتمته، هذا ينافي كرم الله عز وجل ورحمة الله عز وجل، فإذا قررنا هذا التقرير بأن المعنى يكون بينه وبينها ذراع بأيش؟ بالأجل المدة لا بالعمل، إذا الأعمال بالخواتيم.
ومن فوائد الآية الكريمة: توبيخ أولئك القوم الذين يموتون وهم ظالمون لأنفسهم توبخهم الملائكة: قَالُوا فِيمَ كُنْتُمْ، وسبق لنا في التفسير ما معنى فِيمَ كُنْتُمْهل المعنى: في أي مكان كنتم، أو: في أي حال كنتم أو ما أشبه ذلك؟
طلبة: الاثنين.
الشيخ: الاثنان، وخرَّجنا قوله: قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِهذه تؤيد أن الاستفهام عن حالهم، وقوله: فِيمَ كُنْتُمْسياق الكلام يؤيد المراد الاستفهام عن المكان، وكأنهم يقولون: كنا هنا؛ لأننا مستضعفين.
ومن فوائد الآية الكريمة: وجوب الهجرة، وأن من لم يهاجر يموت وقد ظلم نفسه، ولكن وجوب الهجرة مشروط بشروط، منها: القدرة؛ لقوله في الآية الكريمة هنا فيما بعد هذه الآية: إِلَّا الْمُسْتَضْعَفِينَ، ولأن القاعدة العامة العظيمة العريضة العميقة في الشريعة الإسلامية: أنه لا واجب أيش؟ مع العجز، هذه قاعدة فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ [التغابن: ١٦]، فيشترط لوجوب الهجرة أيش؟ القدرة.
ثانيًا: أن يكون الإنسان مغموصًا ومغمورًا بحيث لا يستطيع أن يؤدي شعائر دينه في بلاد الكفر، فإن كان يستطيع فإنه لا تجب عليه الهجرة، بل إذا كان يستطيع أن يدعو إلى دين الله ويجد قبولًا من الناس، ربما نقول: إن بقاءه واجب؛ لأن ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب.
الشرط الثالث: أن يجد مكانًا خيرًا من هذا المكان الذي هو فيه، فإن كانت الدنيا كلها متساوية في أنه لا يستطيع الإنسان إظهار دينه سواء في هذا البلد أو في هذا البلد أو في هذا البلد فلا يجب؛ لأن الوجوب هنا لغو، بل لأن الإيجاب هنا لغو لا فائدة منه.
كيف نقول: يجب أن تهاجر من هذا المكان إلى مكان آخر لا تستطيع فيه إظهار دينك، ما الفائدة إلا مجرد التعب والعنت والقلق واختلاف البلدان عليه، وما أشبه ذلك، فالشروط إذك كم؟ ثلاثة شروط.
من فوائد هذه الآية الكريمة: أن الظالم يَحْتَجُّ بأيِّ حجة كانت؛ لقول هؤلاء: كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ، والواقع أنهم غير مستضعفين؛ لأن الملائكة قالت: أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا، لكن الإنسان إذا ابْتُلِي حاول أن يدافع عن نفسه بأي حجة حتى وإن لم تكن صحيحة.
وهذا نجده كثيرًا في مقام المناظرات بين العلماء في المسائل العقدية والعملية، تجد بعض العلماء مثلًا يجيب عما هو عليه من المذهب عقديًا كان أم عمليًا تجده يجيب بأجوبة باردة، تقول: كيف يجيب هذا العالم النحرير بهذا الجواب مع أن أجهل الناس يدري أن هذا الجواب لا يفيد؟ لكن مقام الضيق والضنك يحرج العبد، فتجده يجيب بغير ما هو حق حتى في نفسه، لو أنه رجع لنفسه لوجد أن إجابته غير صحيحة.
ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن الله سبحانه وتعالى إذا ضيَّق شيئًا وسع شيئًا.
طالب: (...)؟
الشيخ: من الآية: أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا، فالله تعالى لم يَحْجُر عليهم، الأرض واسعة، وهذا كقوله تعالى: فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا (٥) إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا [الشرح: ٥، ٦].
ومن فوائد الآية الكريمة: أن التخلف عن الهجرة من كبائر الذنوب، عن الهجرة الواجبة، أعطنا الدليل أن التخلف عن الهجرة الواجبة من كبائر الذنوب؟
طالب: فَأُولَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءَتْ مَصِيرًا.
الشيخ: وجه الدلالة؟
الطالب: أنه رُتِّبَ عليه عقوبة خاصة.
الشيخ: أحسنت.
ومن فوائد الآية الكريمة: قبح هذا المأوى الذي هو جهنم؛ لقول الله تبارك وتعالى: وَسَاءَتْ مَصِيرًافأثنى الله عليها بالذم؛ لأن (ساء) و(حسن) متضادان، (سَاءَ) ذَمٌّ، و(حَسُنَ) مَدْحٌ.
هل يمكن أن يؤخذ من الآية أن النار مظلمة مُجْهِمَة؟
طالب: من قوله: وَسَاءَتْ مَصِيرًا.
الشيخ: لا، قد يكون المصير سيِّئًا والأنوار كواشف تعمي العيون.
طالب: قوله تعالى: جَهَنَّمُ.
الشيخ: من قوله جَهَنَّمُ.
الطالب: وجه الدلالة: مأخوذة من الجُهْم.
الشيخ: وهي الظلمة، وعلى هذا فتكون (جهنم) اسمًا عربيًّا، وقيل: إن (جهنم) اسم فارسي وأصله (كهنام)، لكن لما عرب تحول إلى هذا، أهكذا؟ أيش عندكم فارسي؟
الطالب: (هَاتِشْ)، وهذا غير معروف عندنا.
الشيخ: اللي هو (كَهَنَّام) يمكن في الفارسية.
الطالب: لا في الفارسية، الفارسية كذلك يعني.
الشيخ: (هَاتِشْ)، والله إحنا نقول للصبيان الصغار إذا أراد أن يأخذ الجمرة ولا شيء نقول: (تِشْ)، يمكن مأخوذة منكم، سبحان الله، شوف اللغات تتبادل.
الطالب: (...).
الشيخ: يعني: إذن من العمق.
ثم قال الله تعالى: إِلَّا الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ لَا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلَا يَهْتَدُونَ سَبِيلًا} [النساء: ٩٨].
وكذلك لو قال قائل: إنها مستثناة من قوله: ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ، قلنا: أيضًا لا يصح الاستثناء متصلًا؛ لأن هؤلاء المستضعفين ليسوا ظالمي أنفسهم؛ ولهذا يترجح القول بأن الاستثناء هنا منقطع، والاستثناء المنقطع ليس المستثنى فيه من جنس المستثنى منه، هذا من حيث المعنى.
ثانيًا: أداة الاستثناء فيه بمعنى أداة الاستدراك، وما هي أداة الاستدراك؟ (لكن)، فتكون (إلَّا) بمعنى (لكن)، قلنا: الاستثناء هنا منقطع؛ لأنه لا يصح أن يكون مستثنى من قوله: ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ، ولا من قوله: فَأُولَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ، وعلى هذا فيكون منقطعًا.
وقلنا: إن الفرق بين المنقطع والمتصل من وجهين؛ الأول: أن المتصل بعض من المستثنى منه وليس المنقطع، الثاني: المنقطع تكون أداة الاستثناء فيه بمعنى أداة الاستدراك، أي بمعنى (لكن)، فيه حكم ثالث: وهو أن المستثنى إذا كان منقطعًا وجب نصبه فيما إذا كان الكلام تامًّا منفيًّا، وتعلمون أن المستثنى المتصل إذا كان الكلام تامًّا منفيًا يجوز فيه الوجهان: النصب على الاستثناء، والثاني: الإتباع، وأما إذا كان منقطعًا فإنه يتعين فيه النصب.
يقول: إِلَّا الْمُسْتَضْعَفِينَيعني: الذين أصابهم الضعف، فـ(مستضعف) بمعنى أصابه الضعف، يقول: مِنَ الرِّجَالِ(من) هذه بيانية تبين المستضعفين، و(أل) إذا قال قائل: كيف تحتاج إلى تبيان؟ نقول: لأن (أل) في (المستضعفين) اسم موصول، والاسم الموصول من أقسام المبهم، إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِفـ(من) هنا بيانية من الرجال والنساء.
وَالْوِلْدَانِالرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِأليس الولدان إما رجال وإما نساء؟ لا، الولدان إما ذكور وإما إناث، لكنهم صغار، و(الرجال) جمع (رجل)، والرجل إنما يكون إذا بلغ، و(النساء) كذلك جمع (امرأة) من غير الجنس، والمرأة لا يطلق عليها امرأة إلا إذا بلغت.
إذن المستضعفون من الرجال إلا لمرض أو كِبَر أو غير ذلك مما لا يتمكنون معهم من الهجرة، وكذلك يقال: في النساء، أما الوِلْدَان فالغالب عليهم الضعف مطلقًا؛ لأنهم لا يستطيعون، كما قال عز وجل: لَا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةًيعني: لا يستطيعون أن يتحيَّلوا حتى يخرجوا، وَلَا يَهْتَدُونَ سَبِيلًافيأتون الأمر على وجه صريح، فهم لا حيلة عندهم فينفذون، ولا يستطيعون الخروج صراحة، فامتنع عليهم الخروج.
و(الحيلة): فِعْلَة من (الحَوْل)، لكنها قلبت الواو ياءً لانكسار أيش؟ ما قبلها، وإذا كانت من (الحول)، فـ(الحول) من (التحول)، وكأن المحتال يتحول من حال إلى أخرى على وجه لا يشعر به الغير.
وقوله: لَا يَهْتَدُونَ سَبِيلًاأي: طريقًا ينفذون إليه بأنفسهم فيهاجرون.
قال الله تعالى: فَأُولَئِكَالفاء حرف عطف، و(أولاء) اسم إشارة يعود على الْمُسْتَضْعَفِينَ، فَأُولَئِكَ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَعْفُوَ عَنْهُمْجملة عَسَىوما بعدها في محل رفع خبر أولئك، عَسَى اللَّهُ أَنْ يَعْفُوَ عَنْهُمْ(عسى) فعل للترجي، وقيل: إنها تأتي للتوقع، والفرق بين الترجِّي والتوقع: أن الترجِّي رجاءُ ما لم يوجد سبب وقوعه لكنه ممكن، والتوقع ما يوجد سبب وقوعه فيتوقع أن يكون.
يقول: عَسَى اللَّهُ أَنْ يَعْفُوَ عَنْهُمْهل هذا من الرجاء أو من التوقع؟ إذا نُسِبَت (عسى) إلى الله فهي من التوقع؛ ولهذا قال بعض العلماء: إن (عسى) من الله واجبة، ولا يمكن أن تأتي للترجي؛ لأن الله لا يترجَّى شيئًا، هو قادر على كل شيء، الرجاء إنما يكون من شخص قد يتعسر عليه أن يفعل، أما الله عز وجل فلا، وعلى هذا فتكون للتوقع يعني: هؤلاء يتوقع أن الله يعفو عنهم.
لكن قول بعض العلماء: (عسى) من الله واجبة، إذا قلنا بهذا القول، فلماذا عبر بـ(عسى) التي لا تعطي الإنسان يقينًا في الوقوع؟ نقول: لئلا يغترَّ الإنسان فيقول: أنا معفو عني ولا يهتم، بل يقال: أنت يُتَوَقَّع أن الله يغفر لك مثلًا، يتوقع أن تكون من المهتدين مثل قوله: فَعَسَى أُولَئِكَ أَنْ يَكُونُوا مِنَ الْمُهْتَدِينَ [التوبة: ١٨]، فَعَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَ بِالْفَتْحِ أَوْ أَمْرٍ مِنْ عِنْدِهِ [المائدة: ٥٢]، وأمثلة هذا كثيرة، حتى لا يغلب الطمع على الإنسان فيأمن من مكر الله.
قال: فَأُولَئِكَ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَعْفُوَ عَنْهُمْيَعْفُوَالعفو هو: التجاوز عن الذنب، ولكنه لا يكون ممدوحًا إلا إذا كان مع القدرة، أما إذا كان بدون القدرة فهو مذموم؛ لأنه عجز وذُل؛ ولهذا يقال دائمًا: فلان يعفو مع القدرة؛ لأن هذا هو محل العفو المحمود، كقوله تعالى: إِنْ تُبْدُوا خَيْرًا أَوْ تُخْفُوهُ أَوْ تَعْفُوا عَنْ سُوءٍ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ عَفُوًّا قَدِيرًا [النساء: ١٤٩] يعني: يعفو مع القدرة على المؤاخذة، فاعفوا أنتم حتى يعفوَ الله عنكم.
طالب: هل نقول: إنه يجب الهجرة من بلاد الفسق؟
الشيخ: لا، الهجرة ما تجب من بلاد الفسق، لكنه لا شك أنه أفضل وأحسن؛ لأن الفسق لا يُخرج من الإيمان.
طالب: جزاك الله خيرًا يا شيخ، إِلَّا الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِالرجال والنساء مكلفون، فلماذا ذكر الولدان؟
الشيخ: لا، إنه سيأتينا إن شاء الله الكلام على الفوائد.
طالب: قلنا: من وجوب الهجرة من بلاد الكفر ألا يستطيع يقيم، أو يقيم شعائر الإسلام، فما المقصود بشعائر الإسلام هنا؟
الشيخ: الصلاة.
الطالب: بعض دول الكفر تسمح له أن يقيم العبادات الخاصة به، لكن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر أو رفع الأذان بصوت عالٍ؟
الشيخ: الصلاة جماعة، الجمعة، شعائر العيدين وما أشبهها، أما الدعوة فهي محل نظر، قد يقال: إن من أساسيات الدين الإسلامي الدعوة إلى الله عز وجل، فإذا عجز عنها فهو عاجز، وقد يقال: لا، الدعوة واجبة فرض كفاية، وأيضًا ليست متعلقة بشخص الإنسان، فهي عندي محل نظر، والله أعلم.
طالب: هل نستطيع تنزيل هذه الآية على القاعدة الأصولية (الأمر إذا ضاق اتسع)؟
الشيخ: لا، هو بهذا اللفظ يعني: كلما ضاق اتسع، بهذا اللفظ ما هو جيد.
الطالب: (...).
الشيخ: أصولية، لا، هي أصولية في الواقع، المهم أنه في هذا التعبير خطأ، إنما يقال: (كلما تعسرت الأمور يسر الله تعالى)، كما قال صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «وَاعْلَمْ أَنَّ النَّصْرَ مَعَ الصَّبْرِ، وَأَنَّ الْفَرَجَ مَعَ الْكَرْبِ، وَأَنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا» .
طالب: شيخ، هل (...) قوله تعالى: لَا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً(...)؟
الشيخ: يعني معناه: لا يستطيعون أن يخرجوا من هذا البلد بحيلة، ولا يهتدون سبيلًا بصراحة يطلعون أمام الناس.
طالب: شيخ، بارك الله فيك، قلنا: إن ملك الموت يعني فيه أقوال، قلنا: ثلاث أقوال أو قولان، وهو ما تعلمنا، وقد تم الأمر إلى أنه علم برزخي يعلمه الله عز وجل، فيه ملك الموت يقبض أرواح عشرة هنا وعشرون هناك، فيه بعض الأئمة يا شيخ يقولون: ‘ن ملك الموت قد زوى الله عز وجل الأرض أمامه يقبض منها كيف يشاء؟
الشيخ: هذا قاله بعض السلف، قالوا: الأرض تكون مثل الطشت بين يدي ملك الموت، لكن ما هو بظاهر حتى في هذه الحال ما هو بظاهر، الأَوْلى كما قلت: إننا نسلم ونؤمن بما جاء من أمور الغيب، ولا نحاول أن نقول: لم؟ وكيف؟
طالب: لو قال قائل: إن الله سبحانه وتعالى قادر على أن يجعل الملك يعني (...) المشرق والمغرب (...) الله؟
الشيخ: هو قادر، نقول: صدقت.
الطالب: (...).
الشيخ: إحنا قلنا: إن الله أعطاه قدرة يأخذ، هذا إذا قلنا: إن ملك الموت واحد، ليس معناه نقول: لا يمكن يقبض هذا وهذا، إحنا نقول: هو يقبض، والله على كل شيء قدير، يعطيه الله تعالى قدرة.
طالب: شيخ، بالنسبة، إحنا ذكرنا أن الهجرة من بلاد الفسق لا تجب، لكن إذا كان في بلد إسلامية لكن لا يستطيع أداء الشعائر فيها، فإذا خرج إلى بلد أهلها كفار استطاع أن يؤدي بعض الشعائر، كمن يمنع عن الصلاة جماعة في بلد فيهاجر إلى بلد أخرى؟
الشيخ: والله، هذا سؤال جيد لأنه واقع، يقول: إذا كنت في بلاد إسلام قد شاع فيها الفسق، وتسلط عليها الولاة بحيث لا يُمَكِّنُون أحدًا من إقامة الجماعة، صلاة الجماعة، وهذه -أولًا- نطالبك بالواقع، هل هذا واقع في بلاد الإسلام؟
الطالب: نعم.
الشيخ: موجود؟
الطالب: نعم.
الشيخ: يغلقون المساجد، يقول: لا تصل مع الجماعة.
طالب: إذا صلى أحد في المسجد لا يُرَى ثانيًا، الشباب بالذات، الشباب.
الشيخ: أقول: هذا يوجد في البلاد الإسلامية، تغلق المساجد؟
الطالب: (...) إذا صلى الفجر (...).
الشيخ: نسأل الله العافية، المهم على كل حال إذا كان هذا واقعًا وصار لا يستطيع أن يقيم شعائر دينه في هذه البلاد الإسلامية لكن يستطيع أن يقيمها في بلاد الكفر فهل يهاجر، أو الأَوْلى أن لا يهاجر؟ لأن هذه الحال ربما لا تدوم، الله قد يغيِّر الحال، وهي -إن شاء الله- ليست دائمة، بإذن الله، نسأل الله تعالى أن يزيل عن المسلمين هذا الكابوس من أولئك الولاة الظلمة الذين -والعياذ بالله- يصح أن نصفهم بأنهم ملحدون، إذا كانوا يمنعون المسلمين من الصلاة فهؤلاء لا أحد يشك في كفرهم.
طالب: واقع، ترى المرأة إذا خرجت بحجابها ينزعوه عنها يا شيخ.
الشيخ: هينة هذه، إي نعم، على كل حال هذا لا شك أن بلاد الكفر خير لهذا من بلاد الإسلام التي تقولون: إنها على هذا الوصف، لكن أنا أقول: إنه إذا هاجر أهل الخير عن البلد ولم يبق إلا المستضعف الذي يوافق الحكومة على ما تريد صار الأمل ضعيفًا في عود هذه البلاد إلى حظيرة الإسلام، لكن إذا بقي هؤلاء وعالجوا الأمور بحكمة فالغالب أن الله يجعل لهم فرجًا.
طالب: (...).
الشيخ: إي نعم، خطر النشء الذين يكونون في بلاد الكفار، على كل حال أنا رأيي ألا يهاجروا بل يصبرون وسيجعل الله لهم فرجًا.
طالب: (...) وقد يمنعونهم من الصلاة (...) حتى في الدعوة (...).
الشيخ: فبماذا أجاب؟
الطالب: بوجوب الهجرة.
الشيخ: والله على كل حال هذا نظره، لكن أنا نظري أن الصبر والمصابرة وانتظار الفرج أولى؛ لأن خُلُوَّ البلاد من أناس لهم غَيْرة ولهم ثبات ولهم قوة وعزم هذه خطيرة على سبيل العموم، ثم مسألة النشء هناك خطر؛ لأن في ناس ذهبوا إلى أمريكا وأوروبا من السعوديين انقلبوا على أعقابهم -والعياذ بالله- بناتهم وأولادهم.
طالب: (...)؟
الشيخ: ما حصل، مع الأسف البلاد الإسلامية ما تتمكن من دخولها ولا الإقامة فيها إلا بشروط قد تحصل وقد لا تحصل، لو وجد بلاد إسلامية تقبل كل من جاء من المسلمين لاجئًا إليها كان هذا طيبًا، لكن هذا ما هو موجود.
طالب: كما تفضلتم، والذين بقوا هل..؟
الشيخ: صحيح، من سيكون معهم في المستقبل.
الطالب: (...).
الشيخ: نعم نعم، والله أنا رأيي هو هذا: أن يصبروا؛ لأنها البلاد بلاد إسلامية يُؤَذَّن فيها ويصام فيها رمضان، وتنتسب إلى الإسلام، وها الكوابيس -إن شاء الله- تروح.
طالب: نريد أن نسأل من الناحية الفكرية عند الشخص نفسه إذا بقي هناك مع المقاومة من أجل الدين (...) وكذلك إقامة شعائر الدين الأخرى (...) أفلا نقول: إنه يؤجر بمثل نيته (...)؟
الشيخ: بلى، على النية يؤجر لا شك، يؤجر على النية.
طالب: (...) أين حسن الخلق، يا شيخ الآن (...) ما في النفس بسرعة؟
الشيخ: لا، هذا -سلمك الله- مرن نفسك، والناس يختلفون في سرعة الغضب؛ ولهذا لما قال الرجل: يا رسول الله، أوصني. قال: «لَا تَغْضَبْ» ، ولم يوصه بتقوى الله ولا بالعبادة ولا بالإحسان للخلق، قال: «لَا تَغْضَبْ»؛ لأنه يعلم عليه الصلاة والسلام أن هذا الرجل غضوب، فأنت مرن نفسك، وتحمَّل، سيكون صعبًا أن تَطْفَأ هذه الحرارة التي حصلت من الغضب، لكن مرن نفسك حتى يكون هذا خلقًا مكتسبًا، لكن بعض الناس يكون سريع الغضب وسريع الفيئة، هذه بتلك.
طالب: (...)؟
الشيخ: يكون معناه بأن تعطي نفسك ما تهواه في غير معصية الله، «إِنَّ لِنَفْسِكَ عَلَيْكَ حَقًّا» .
طالب: (...).
الشيخ: النفس مما خلق.
طالب: (...).
الشيخ: لا، عامة.
***
الشيخ: فَمَا لَكُمْ فِي الْمُنَافِقِينَ فِئَتَيْنِكيف كانوا فئتين؟
طالب: اختلف الصحابة في المنافقين، بعضهم حكم، قال: إنهم مسلمين بما أن ظاهرهم معنا فهم منا، والبعض الآخر قال: لا، بما أنهم نافقوا وكذبوا الله ورسوله فهم ليسوا منا.
الشيخ: أحسنت، جملة وَاللَّهُ أَرْكَسَهُمْ بِمَا كَسَبُواما محلها من الإعراب؟
طالب: في محل نصب حال.
الشيخ: بارك الله فيك.
يُستفاد من هذه الآية الكريمة الردُّ على من نفى الأسباب؟
طالب: وَاللَّهُ أَرْكَسَهُمْ بِمَا كَسَبُوا.
الشيخ: وجه الرد عليهم؟
طالب: وجه الرد على الطائفة التي تنكر الأسباب بما كسبوا، فأثبت لهم الأسباب.
الشيخ: إي، ما وجهه؟
طالب: بما كسبوا.
الشيخ: لا، هذه فيها رد على القدرية أو على الجبرية؟
طالب: نعم، والرد على الطائفة الأخرى الذين..
الشيخ: إلى الآن ما أعطيتنا وجه الرد على من أنكر الأسباب.
طالب: أنكر الأسباب، الله أركسهم بما كسبوا؛ فعلَّل الله سبحانه وتعالى إركاسهم بكسبهم فدل على فعل الأسباب.
الشيخ: يعني لأن الباء للسببية؟
طالب: نعم.
الشيخ: أحسنت.
إِلَّا الَّذِينَ يَصِلُونَمعطوفة على أيش؟
طالب: على الذين لا يريدون أن يقاتلوهم أو يقاتلوا المؤمنين.
الشيخ: لا.
طالب: على يَصِلُونَ.
الشيخ: على يَصِلُونَ، يعني: إلا الذين يصلون أو الذين جاؤوكم.
يستفاد من هذه الآية الكريمة أن أفعال العبد واقعة بمشيئة الله، ففيها رد على القدرية، من أين تؤخذ؟
طالب: وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَسَلَّطَهُمْ عَلَيْكُمْ فَلَقَاتَلُوكُمْ.
الشيخ: وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَسَلَّطَهُمْ عَلَيْكُمْ فَلَقَاتَلُوكُمْ، أحسنت.
قوله: فَمَا جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ عَلَيْهِمْ سَبِيلًاهل هذا جعلٌ كوني أو شرعي؟
طالب: شرعي.
الشيخ: ما الفرق بين الجعل الشرعي والقدري؟
طالب: الشرعي: أن الله عز وجل أمرنا به وقد يقع وقد لا يقع.
الشيخ: يعني: الشرعي ما جعله الله شرعًا للعباد.
والقدري أو الكوني: ما قضى به عليهم قدرًا. أيمكنك أن تأتي بمثال للشرعي؟
الطالب: قوله تعالى: مَا جَعَلَ اللَّهُ مِنْ بَحِيرَةٍ وَلَا سَائِبَةٍ وَلَا وَصِيلَةٍ وَلَا حَامٍ وَلَكِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا [المائدة: ١٠٣].
الشيخ: مَا جَعَلَ اللَّهُ مِنْ بَحِيرَةٍ وَلَا سَائِبَةٍ وَلَا وَصِيلَةٍ وَلَا حَامٍهذه جعلٌ شرعي، ما هو دليلك على أنها جعل شرعي وليست جعلًا قدريًّا؟
طالب: أنها وقعت.
الشيخ: أنها واقعة، أحسنت، الجعل القدري؟
طالب: جَاعِلِ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا أُولِي أَجْنِحَةٍ [فاطر: ١].
الشيخ: إي نعم، كثيرة في القرآن، أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ مِهَادًا (٦) وَالْجِبَالَ أَوْتَادًا [النبأ: ٦، ٧] كثيرة.
طالب: سَتَجِدُونَ آخَرِينَ يُرِيدُونَإلى الرسول صلى الله عليه وسلم وأصحابه.
الشيخ: إلى الرسول وأصحابه، هؤلاء الآخرين يعني ما حالهم هل هم كفار صرحاء يريدون أن يأمنوكم؟
الطالب: منافقين.
الشيخ: منافقون؛ لأنهم يريدون؟
الطالب: أن يأمنوكم ويأمنوا قومهم.
الشيخ: على أي كيفية، يعني ما هو الدليل على أنهم يريدون هذه الإرادة؟
الطالب: يريدون أمانهم.
الشيخ: لكن ما هو الدليل على أنهم يريدون هذا وهذا؟ ما هو الدليل على أنهم يريدون أن يأمنوا قومهم ويأمنوا الرسول وأصحابه؟
الطالب: هم جاؤوا إليه.
الشيخ: ما هو الدليل؟ جب لي آية من القرآن تشهد لما قلت.
طالب: يُرِيدُونَ أَنْ يَأْمَنُوكُمْ [النساء: ٩١] وَإِذَا لَقُوكُمْ قَالُوا آمَنَّا [آل عمران: ١١٩].
الشيخ: وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ [البقرة: ١٤].
قوله تعالى: وَأُولَئِكُمْ جَعَلْنَا لَكُمْ عَلَيْهِمْ سُلْطَانًا مُبِينًاهذا السلطان، هل هو القتل أو الحجة أو ماذا؟
طالب: يعني الدليل.
الشيخ: الحجة، الدليل ما هو حجة؟ كيف هذه الحجة؟
الطالب: رب إنك آتيت (...)، ولم يلقوا إليكم السلام، ولم يكفوا أيديهم عن الأذى، هذا هو الدليل عليه.
الشيخ: يعني: فلنا سلطان عليهم أن نقاتلهم.
طالب: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إِلَّا خَطَأً(...) وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا.
الشيخ: في هذه الآية كُرِّرَت (مؤمنة) كم مرة؟
طالب: (مؤمنة) هذا النص أو السورة؟
الشيخ: لا، (مؤمنة) بهذا اللفظ؟
طالب: (مؤمنًا) مرة واحدة.
الشيخ: كررت مرة واحدة في الآية هذه؟
طالب: (مؤمنة) مرتين.
الشيخ: لك مخالف، كم؟
طالب: ثلاث مرات.
الشيخ: توافقون؟
الطلبة: نعم.
الشيخ: الأول أو الثاني؟
الطلبة: الثاني.
الشيخ: الثاني.
لو نذر إنسان أن يصوم شهرين فهل يلزمه التتابع أو لا؟
طالب: إن قال: شهرين فنعم (...) يلزمه كل شهر أن تتابع أيامه (...).
الشيخ: من أين أتاك هذا التفسير؟
الطالب: لأنه لا يطلق على الأيام شهرًا إلا أن تكون متتابعة.
الشيخ: لكن هل الآية تدل على ما قلت أو على خلاف ما قلت؟
الطالب: على خلاف ما قلت.
الشيخ: سبحان الله، تعلم أن الآية تدل على خلاف ما قلت ثم تقوله؟ إذن.
طالب: (...) تسعًا وخمسين (...).
الشيخ: ويتابع؟
الطالب: نعم.
الشيخ: خالفت الآية من وجهين.
ماذا تقول؟ نذر شخص أن يصوم شهرين فهل يلزم التتابع أو لا؟
طالب: فيه تفصيل يا شيخ.
الشيخ: ما هو؟
الطالب: إن أطلق.
الشيخ: قال: لله علي نذر أن أصوم شهرين؟
الطالب: إن كان بنية التتابع فيلزمه التتابع.
الشيخ: ما قلت إلا هذا، ما على بالي متتابع ولَّا غير متتابع، قال: لله علي نذر أن أصوم شهرين؟
الطالب: يصدق عليه يا شيخ التتابع، ويصدق عليه الإطلاق.
الشيخ: هل يجب التتابع أو لا؟
الطالب: لا يجب.
الشيخ: من أين تأخذه من الآية؟
طالب: الله سبحانه وتعالى قيده بالتتابع.
الشيخ: وجه الدلالة؟
الطالب: يعني متتابعين، فلو دل على الإطلاق، فهذا فيه تتابع.
الشيخ: دل على أن إطلاق الشهرين لا يستلزم التتابع؛ إذ لو كان يستلزم التتابع لم يكن للقيد فائدة؛ ولهذا إذا قال: لله علي نذر أن أصوم شهرين، قلنا: بالخيار، صم متتابعًا وغير متتابع.
فإن قال: لله علي نذر أن أصوم شهر شعبان ورجب؟
الطالب: يلزمه.
الشيخ: يلزمه التتابع؟
طالب: شعبان ورجب كيف يمكن التتابع فيهما؟
طالب: يلزمه.
الشيخ: يلزمه، لأيش؟
طالب: لأنه هو سمَّى، قال: شعبان ورجب.
طالب آخر: بس ما يلزم، شعبان ثم رجب.
الشيخ: كيف؟ لا دعني من مسألة شعبان قبل رجب، أو رجب قبل شعبان، قصدي هل يلزم التتابع؟
طالب: لا يلزمه التتابع.
الشيخ: لماذا؟
طالب: لأنه قد يصوم شعبان ورجب، قد يصوم رجب في عام ألف وأربع مئة عشر وشعبان.
الشيخ: لا لا، هذه بعيدة.
طالب: يصدق على من صام شعبان.
الشيخ: لا، ما يصدق، قرينة الحال القوية تقتضي هذا، وحتى لو قلنا: هل يلزمه التتابع في رجب إذا شرع فيه، سواء في هذا العام أو فيما بعده؟
طالب: يلزمه.
الشيخ: إذن يلزمه، لكن إذا قيل: ما هو الدليل؟ نقول: ضرورة أنه لا يمكن أن يصوم رجب أو شعبان إلا متتابعًا؛ لأن هذا شهر معين.
طالب: بس شهرين يا شيخ؟
الشيخ: والشهرين أيضًا، إذا قال: رجب وشعبان لا بد من التتابع.
هذه الآية الكريمة فيها إشكال كبير جرى بين أهل السنة وأهل البدعة، فيه مناظرات كثيرة ما هذا الإشكال؟
طالب: (...).
الشيخ: إي نعم، وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا.
الطالب: الخلاف (...).





