هذه الآية الكريمة فيها إشكال كبير، جرى بين أهل السنة وأهل البدعة فيه مناظرات
كثيرة، ما هذا الإشكال؟
طالب: نفس الآية يا
شيخ؟
الشيخ: إي نعم، وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا [النساء: ٩٣].
الطالب: الخلاف مع الخوارج، هم قالوا في قتل العمد أنه وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا، يعني: متعمد أو غير
متعمد.
الشيخ: لا، غير المتعمد بُيّن في الآية التي
قبلها.
الطالب: يعني الذي يقتل كافرا كالذي يقتل
مؤمنًا.
الشيخ: لا يا شيخ، مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا، مُؤْمِنًا، أنت بدأت أول جوابك جوابا صحيحا، بين الخوارج وأهل
السنة، لكن كيف ذلك؟
طالب: بالنسبة للكبيرة يا
شيخ..
الشيخ: قتل النفس المؤمنة، قَتَل مؤمنا متعمدا،
قلنا هذه الآية فيها اختلاف ومناظرات بين أهل السنة وطائفة من أهل البدع، فمن هذه
الطائفة؟ قلت: الخوارج، كيف الخلاف والمناظرات؟
طالب:
أن فاعل الكبيرة..
الشيخ: استدل الخوارج بهذه الآية
على؟
الطالب: أن صاحب الكبيرة في النار.
الشيخ: لا، هو ما في النار، هم لا يقولون إنه في النار فقط.
الطالب: كافر.
الشيخ:
كافر.
الشيخ: ما وجه استدلالهم بالآية مع أن الله تعالى
لم يقل إنه كافر؟
الطالب: التخليد في النار.
الشيخ: التخليد في النار، فالحكم بالتخليد يدل على أن مستحقه
كافر؛ إذ لا يُخَلَّد في النار إلا الكافرون، أحسنت بارك الله فيك، ما هو جواب أهل
السنة عن هذه الشبهة؟
طالب: (...) إنهم يقولون: إن
الخلود هنا المكث الدائم أو..
الشيخ: دائم ولّا كثير،
الطويل يعني؟
الطالب: الطويل على قولين؛ إما إن المكث
الطويل أو المكث كثيرا، فلو قلنا إن الطويل إذا كان المكث كثيرا فيكون انتهى
الإشكال، وإذا قلنا: إنه المكث الدائم تخرج المسألة على عدة أقوال.
الشيخ: يعني أن نقول: إن الخلود هو المكث الطويل، وهذا يخرج منه
الكافر، الكافر دائما خالد، (...) على طائفة من المبتدعة.
طالب: (...).
الشيخ: رد على من؟
الطالب: على المعتزلة.
الشيخ: المعتزلة؟
طالب: رد على
الجبرية.
الشيخ: على الجبرية الذين يقولون: إن الإنسان
مجبر على عمله، فيه طائفة أخرى أيضًا فيما يتعلق بأفعال العباد في الآية رد
عليهم؟
طالب: الذين قالوا: ليس بمدبر، ليس لهم
(...).
الشيخ: هي الجبرية.
الطالب: والطائفة الأخرى اللي لم ينسبوا الأفعال للعباد، وإنما
قالوا: (...).
الشيخ: ما راجعت.
طالب: الذين قالوا: إن أفعال العباد غير متعلقة بالمشيئة.
الشيخ: غير متعلقة بالمشيئة، من هم؟
طالب: القدرية؟
الشيخ: القدرية، كيف
القدرية؟
طالب: في قوله: لَسَلَّطَهُمْ عَلَيْكُمْرد على القدرية.
الشيخ: لا، الرد على من؟
الطالب:
الرد على القدرية في لَسَلَّطَهُمْ عَلَيْكُمْ.
الشيخ: على القدرية، في قوله؟
الطالب: لَسَلَّطَهُمْ عَلَيْكُمْ.
الشيخ: في قوله أيش؟
الطالب: لَسَلَّطَهُمْ.
الشيخ: وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَسَلَّطَهُمْالقدرية، نعم.
طالب: (...).
الشيخ: لا ما قلت، تقول: يا الله، تلمّس تلمّس، تقوم
تقول: يا شيخ ليه كده.
طالب: لا (...) يا شيخ.
الشيخ: لا، هل تفهمون من الجواب أنه أحاط بها علما؟
طلبة: لا.
الشيخ: لا.
طالب: (...).
الشيخ: علم الله
بالغيب.
طالب: سَتَجِدُونَ آخَرِينَ يُرِيدُونَ أَنْ.
الشيخ: لقوله: سَتَجِدُونَ آخَرِينَ، وهذا في المستقبل، طيب ما هو السلطان
الذي جعل الله لهم هنا، قدري أو شرعي؟
طالب: قدري.
الشيخ: نعم، ما تقولون؟
طالب: (...) يكون شرعيًّا قدريًّا.
الشيخ: شرعيًّا قدريًّا.
***
طالب: فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا (٩٣) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَتَبَيَّنُوا وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ السَّلَامَ لَسْتَ مُؤْمِنًا تَبْتَغُونَ عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فَعِنْدَ اللَّهِ مَغَانِمُ كَثِيرَةٌ كَذَلِكَ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلُ فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْكُمْ فَتَبَيَّنُوا إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا} [النساء: ٩٣، ٩٤].الشيخ: أحسنت، قوله تبارك وتعالى: وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًامتعمدًا للفعل ولّا للقتل؟
طالب: متعمدًا للقتل.
الشيخ: للقتل، أحسنت، ما الفرق بين قولنا: متعمدًا للفعل ومتعمدًا للقتل؟
الطالب: الفرق بينهما أن المتعمد للفعل مثلًا قد يريد مثلًا يرى أمامه شيئًا يحسبه صيدًا أو هدفًا ولا يظن أن هناك ترى إنسانًا يعني خلفه فيقع مثلًا يعني يصيبه.
الشيخ: هذا خطأ.
الطالب: هو متعمد للفعل لكن مثلًا كونه يرمي هذا هو متعمد.
الشيخ: لكن ما تعمد الفعل بالإنسان الذي قتل؟
الطالب: ما تعمد الفعل بالإنسان الذي قتل، فهو متعمد للفعل وليس عامدًا للإنسان، أما إذا تعمد القتل فهو يعني يقتله مباشرة يعلم أنه قاتله.
الشيخ: هو على كل حال جوابك صحيح، متعمد للقتل لا للفعل، لكن الصورة اللي ذكرت لا تنضبط.
طالب: الأول خطأ، المتعمد للفعل (...).
طالب آخر: المتعمد للفعل يشمل شبه العمد، والمتعمد للقتل هو العمد.
الشيخ: أحسنت، المتعمد للفعل يشمل شبه العمد، يعني مثلًا ضربه بسوط صغير، ثم أراد الله عز وجل فمات، هذا ما تعمد القتل لكن تعمد الفعل، هذا يسميه العلماء شبه العمد، وبعضهم يقول: هذا عمد الخطأ.
هذه الآية أشكلت على أهل العلم من أهل السنة؛ حيث إن ظاهرها أن قاتل المؤمن عمدًا يُخَلَّد في النار، وهذا كما تعرف مذهب المعتزلة والخوارج، فأشكلت هذه الآية على أهل السنة، فبماذا أجابوا عنها؟
طالب: أجابوا عنها أن التخليد يعبر به عن المكث الطويل ولا يستلزم الأبد المؤبد.
الشيخ: أحسنت، (...)، نعم، هذا وجه، الوجه الثاني؟
طالب: الوجه الآخر أنهم قالوا الكلام على تقدير محذوف، وهو: فجزاؤه إن جازاه.
الشيخ: نعم، فجزاؤه إن جازاه، ويكون هذا من باب التهديد الذي لا يراد وقوعه، الوجه الثالث؟
طالب: قيل: إن المراد بالآية من استحل قتل المؤمن.
الشيخ: من استحل قتل المؤمن، الوجه الرابع؟
طالب: أن هذا داخل في قوله تعالى: إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ [النساء: ٤٨].
الشيخ: كيف داخل؟ يقدر إنسان يقول: هذا مخصص؟
الطالب: يحمل (...) المحكم.
الشيخ: طيب، وهذا محكم يخصص قوله: مَا دُونَ ذَلِكَ، يعني: إلا القتل.
طالب: أنه إذا وجدت الشروط وانتفت الموانع فإنه يستحق هذا الجزاء، لكن قد يثبت المانع بدليل آخر مثل الإيمان، فلا يثبت عليه هذه العقوبة.
الشيخ: يعني أن هذا سبب، إن قتل المؤمن عمدًا سبب للخلود في النار والغضب واللعن والعذاب العظيم، هذا سبب، والسبب لا بد فيه من انتفاء المانع، وهنا انتفى المانع، مانع الخلود الدائم، مانع الخلود الدائم وُجد وهو الإيمان، كما دلت عليه الأحاديث، فيه وجه خامس؟
طالب: أن هذا متعلق بمشيئة الله، إن شاء الله أن يعذبه فهو خالد فيها.
الشيخ: هذا قاله الأخ، قال: بتقدير: إن جازاه.
طالب: الوجه الخامس أنه غير (...)، وهو أنه يحمل على من استحل هذا الفعل.
الشيخ: قيل هذا، وهو غير صحيح.
طالب: قد يكون له توبة عظيمة وحسنة إن ظنوا فيه هذا كله.
الشيخ: كما قال الأخ وجود مانع.
طالب: هذا دون الشرك يا شيخ، (...) فالآية تقول: يَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ.
الشيخ: عندي الآن فيه وجه أنه يمكن أن يقال: إن من قتل مؤمنًا عمدًا أوشك أن يُمسخ ويُطبع على قلبه ويموت على الكفر، ويؤيده قول النبي صلى الله عليه وسلم: «لَا يَزَالُ الْمَرْءُ فِي فُسْحَةٍ مِنْ دِينِهِ مَا لَمْ يُصِبْ دَمًا حَرَامًا» ، يعني يمكن أن يجاب بهذا، ويكون المعنى أن مآله -والعياذ بالله- أن يزول الإيمان منه بالكلية، ثم يموت على الكفر، فهذه خمسة أوجه.
في قوله: السَّلَامَعدة قراءات ما هي؟
طالب: السَّلَامَوَ{السَّلَمَ} قراءتان.
الشيخ: قراءتان، ما فيها غيرها؟ أنا قلت: عدة قراءات.
الطالب: ذكرنا هذه الـ..
الشيخ: قل لي: والاثنان عدة، فهمت؟ والاثنان عدة، كيف عدة؟ يعني: لا قراءة واحدة، إذن ما فيها إلا قراءتان {السَّلَمَ} والسَّلَامَ.
كلمة تَبْتَغُونَمحلها من الإعراب؟
طالب: في محل نصب حال.
الشيخ: من أين؟
الطالب: الآية تقول: وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ السَّلَامَ لَسْتَ مُؤْمِنًا تَبْتَغُونَ عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا، حال من تَقُولُوا.
الشيخ: أحسنت، بارك الله فيك، جيد.
طالب: (...).
الشيخ: وبالرفع؟
طالب: غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِقد يقول القائل إن غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِظرف.
الشيخ: ظرف؟
طالب: صفة.
الشيخ: صفة لأيش؟
طالب: (...).
الشيخ: (...)، بالفتح؟ طيب، في هذه الآية ما يسمى في البلاغة بالاحتراس، ما هو؟
طالب: (...).
الشيخ: في قوله: وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى؛ لئلا يتوهم واهم انتقاص القاعدين غير أولي الضرر، طيب، هل في الآية دليل على أن من تأخر لضرر فإنه يكون كالذي ما جاهد؟
الطالب: أي نعم.
الشيخ: وجهه؟
الطالب: (...) استثناهم غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ.
الشيخ: غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ، بارك الله فيك.
***
طالب: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنْتُمْ} [النساء: ٩٧].الشيخ: في هذه الآية إشكال مع آيتين أخريين، ما هما؟
طالب: نسب التوفي إلى الملائكة، لكن في سورة السجدة: قُلْ يَتَوَفَّاكُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ [السجدة: ١١]، نسبه إلى ملك الموت، وفي الزمر: اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ [الزمر: ٤٢]، فنسب التوفي إلى الله تعالى، والجمع بين هذه الآيات أن الوفاة وقعت بأمر الله سبحانه وتعالى، كما يقال: بنى عمرو بن العاص مدينة الفسطاط، بينما بنيت بأمره ما هو بناها.
الشيخ: يعني إسناد التوفي إلى الله؛ لأنه بأمره؟
الطالب: نعم.
الشيخ: أحسنت.
الطالب: وإسناد التوفي إلى ملك الموت لأنه الذي يقوم به حقيقة، وإلى الملائكة لأنهم أعوانه.
الشيخ: نعم هذا وجه، وجه آخر أن المراد بالملائكة الجنس، وتصدق بملك واحد، طيب، كيف تعرب فَتُهَاجِرُوا فِيهَا؟
الطالب: الفاء للسببية، و(تهاجروا) فعل مضارع منصوب بالفاء وعلامة النصب حذف النون، وواو الجماعة فاعل.
الشيخ: ألا يجوز أن تكون معطوفة على تَكُنْ؟
الطالب: لا، غير معطوفة عليها.
الشيخ: ما يصح.
الطالب: لأن الفاء الثانية وقعت بعد استفهام.
الشيخ: ألم تكن أرض الله واسعة فلم تهاجروا فيها؟
طالب: (...).
الشيخ: يصح (...)، فيوبخونهم على عدم الهجرة.
طالب: (...) تصير الفاء سببية..
الشيخ: لا، إذا كان الاستفهام للتقرير..
الطالب: يصير عطفا.
***
طالب: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: فَمَا لَكُمْ فِي الْمُنَافِقِينَ فِئَتَيْنِ وَاللَّهُ أَرْكَسَهُمْ بِمَا كَسَبُوا أَتُرِيدُونَ أَنْ تَهْدُوا مَنْ أَضَلَّ اللَّهُ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ سَبِيلًا (٨٨) وَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ كَمَا كَفَرُوا فَتَكُونُونَ سَوَاءً فَلَا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ أَوْلِيَاءَ حَتَّى يُهَاجِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَخُذُوهُمْ وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَلَا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا} [النساء: ٨٨، ٨٩].الشيخ: ما معنى قوله: فِئَتَيْنِ؟
طالب: أي طائفتين، (...) طائفتين على رأيين.
الشيخ: نعم، يعني فريقين، اذكر؟
الطالب: لما رجعوا من غزوة أحد طائفة منهم من قال إنهم منافقون لتخلفهم عن الغزوة، ومنهم من قالوا إنهم مؤمنون، فوبخهم الله سبحانه وتعالى.
الشيخ: منهم من قال: إنهم مسلمون منا لكن رجعوا للعذر.
الطالب: نعم، فوبخهم الله على هذا الكلام، والأمر واضح، أمرهم واضح، المنافقون (...).
الشيخ: طيب، أَتُرِيدُونَ أَنْ تَهْدُوا مَنْ أَضَلَّ اللَّهُما معنى أَنْ تَهْدُوا؟
الطالب: أن تقروا بالهداية (...).
الشيخ: أن تقروا بها أو تحكموا بها، وقد (...) الله.
قوله: فَلَا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ أَوْلِيَاءَ حَتَّى يُهَاجِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِحَتَّىهنا غائية أو تعليلية؟
طالب: غائية.
الشيخ: غائية؟ ما الفرق بين الغائية والتعليلية؟
الطالب: أن الغائية لها أمد (...)، والتعليلية (...).
الشيخ: ما كان على تقدير (إلى)؟
الطالب: فهي غائية.
الشيخ: وما كان على تقدير اللام؟
الطالب: تعليلية.
الشيخ: تعليلية، طيب، مَثِّل الأول؟
الطالب: من القرآن؟
الشيخ: أي نعم.
الطالب: التعليلية، كما في قوله تعالى في سورة المنافقون: حَتَّى يَنْفَضُّوا [المنافقون: ٧].
الشيخ: وأيش اللي قبله؟
الطالب: قوله تعالى هُمُ الَّذِينَ يَقُولُونَ لَا تُنْفِقُوا عَلَى مَنْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ حَتَّى يَنْفَضُّوا [المنافقون: ٧].
الشيخ: نعم، كان ينبغي أن يقول: أحسنوا إن الله يحب المحسنين؟ الآية تعليلية أو غائية؟
الطالب: تعليلية.
الشيخ: تعليلية؛ لأنهم لا يريدون: لا تنفقوا إلى أن ينفضوا، ولكن لكي ينفضوا، أحسنت، هات الغائية.
الطالب: (...).
الشيخ: هذه الآية مثل قوله تعالى: لَنْ نَبْرَحَ عَلَيْهِ عَاكِفِينَ حَتَّى يَرْجِعَ إِلَيْنَا مُوسَى [طه: ٩١].
الولاية التي نهى الله عنها ولاية الكافرين، هل معناها أي مناصرة للكافر فهي ولاية؟ أو المراد أن تتولاه على كفره؛ لكونه بالمعنى.
***
طالب: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم وَمَنْ يُهَاجِرْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يَجِدْ فِي الْأَرْضِ مُرَاغَمًا كَثِيرًا وَسَعَةً وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهَاجِرًا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا} [النساء: ١٠٠]الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله تبارك وتعالى: وَمَنْ يُهَاجِرْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يَجِدْ فِي الْأَرْضِ مُرَاغَمًا كَثِيرًا وَسَعَةً.
قال الله تبارك وتعالى: إِلَّا الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ لَا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلَا يَهْتَدُونَ سَبِيلًا [النساء: ٩٨].
في هذه الآية من الفوائد وما بعدها: عفو الله عز وجل عن هؤلاء الصنف من الناس في تركهم الهجرة.
ومن فوائدها: أن الدين الإسلامي دين اليسر والسهولة، وأنه مع وجود مشقة ينتفي الحرج.
ومن فوائدها: أن من الرجال البالغين من لا تجب عليهم الهجرة، وذلك لكونهم مستضعفين.
ومن فوائد هذه الآية: أن الواجب الوصول إلى القيام بالواجب بأي حيلة تكون؛ لقوله: لَا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً، وهل يُستدل بهذا على جواز استعمال الحِيَل؟ نقول: لا، بل الحيل فيها تفصيل، ما كان تحيلًا على واجب فهو واجب، وما كان تحيلًا على محرم فهو محرم، وما كان تحيلًا على مباح فهو مباح، الأخير بشرط أن لا يؤدي ذلك إلى اتهام المحتال وعدم الثقة بقوله أو بفعله، الاحتيال على معرفة الحق بإظهار خلاف الواقع واجب أو لا؟ الاحتيال على إظهار الحق بإيهام خلاف المقصود؟
طلبة: واجب.
الشيخ: واجب، مثل صنيع سليمان عليه الصلاة والسلام في المرأتين المتنازعتين في شخص، كبرى وصغرى، قالت الكبرى: هو لي، وقالت الصغرى: هو لي، فقال: ائتوا بالسكين لِأَشُقَّهُ بينكما، فقالت الصغرى: هو لها يا نبي الله، وقالت الكبرى: شُقَّهُ ، هذه حيلة لكن على أيش؟ لإظهار الحق، الحيلة على المحرم أن يحتال على الربا بصورة عقد غير مقصود كمسائل العِينة مثلا، هذا حرام، الحيلة على مباح أن يحتال على أخيه في معاملة مباحة ليتوصل إلى مقصوده بها، هذه جائزة لكن بشرط -كما قلت لكم- ألا يؤدي ذلك إلى تهمة الإنسان وعدم الثقة بقوله أو بفعله، هذا إذا قلنا: إن الحيلة هي التوسل إلى الشيء بما يخالف ظاهره، أما إذا قلنا: إن الحيلة المراد بها الحوْل، وأصلها: (حِوْلَة)، يعني: لا يستطيعون قوة على الهجرة، فإنه لا يكون فيها دلالة أصلًا على التحيل.
ومن فوائد الآية: أنه تجب الهجرة على من يقدر عليها من أي سبيل، سواء كان من السبيل السلطاني الأعظم الذي يمشي معه الناس، أو من السبل الأخرى؛ لقوله: وَلَا يَهْتَدُونَ سَبِيلًا، وسَبِيلًانكرة في سياق النفي، فتعم.
ثم قال تعالى: فَأُولَئِكَ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَعْفُوَ عَنْهُمْ وَكَانَ اللَّهُ عَفُوًّا غَفُورًا [النساء: ٩٩].
من فوائد هذه الآية: أنه يُرجى لهؤلاء أن يعفو الله عنهم؛ لقوله: فَأُولَئِكَ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَعْفُوَ عَنْهُمْ، فالرجاء هنا باعتبار ما يقوم في قلب المخاطب، أما باعتباره منسوبًا إلى الله فإن (عسى) كما قال بعض السلف: (عسى) من الله واجب، يعني أن الله وعدهم أن يعفو عنهم.
ومن فوائد هذه الآية الكريمة: إثبات اسمين من أسماء الله، هما: العفوّ والغفور، فالعفو هو المتجاوز عن السيئات، والغفور هو الماحي لها، لكن إذا اجتمع العفو والغفور صار المراد بالعفوّ ما يقابل ترك الواجب، والغفور ما يقابل فعل المحرم، أي عفوّ عن التفريط في الواجب، غفور عن فعل المحرم.
ومن فوائد هذه الآية: إثبات الصفتين الدال عليهما قوله: عَفُوًّا غَفُورًا، وذلك لأن كل اسم من أسماء الله متضمن لصفة، وليست كل صفة متضمنة لاسم، وبهذا عرفنا أن الصفات أوسع من الأسماء؛ لأن كل اسم لا بد أن يتضمن صفة، وليس كل صفة يشتق منها اسم، بل من الصفات ما ليس معنويًّا أصلًا مثل اليد والوجه والعين، هذه ما هي معنوية، فهي صفات خبرية لولا إخبار الله بها ما اعتقدناها ولا علمنا بها.
هل يشتق من قوله تعالى: وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا [النساء: ١٦٤] اسم من أسماء الله، ونسمي الله: متكلم؟ لا؛ لأنه لم تأت متكلم، طيب: صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ [النمل: ٨٨] نشتق منه الصانع؟ لا.
ثم قال تعالى: وَمَنْ يُهَاجِرْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يَجِدْ فِي الْأَرْضِ مُرَاغَمًا كَثِيرًا وَسَعَةً، الإعراب: من يهاجر يجد، هذه الجملة الشرطية فأين فعل الشرط؟
طالب: فعل الشرط يُهَاجِرْ.
الشيخ: نعم، يهاجر، وجوابه؟
الطالب: يَجِدْ.
الشيخ: يَجِدْ، تمام، وإذا كان فعل الشرط مضارعًا وجوابه مضارعًا وجب جزمهما، أما إذا كان بعد الماضي يعني إذا كان فعل الشرط ماضيًا وجوابه مضارعًا فإنه يجوز الرفع، قال ابن مالك:
| وَبَعْدَ مَاضٍ رَفْعُكَ الْجَزَا حَسَـــنْ | وَرَفْعُـــــهُ بَعْــــــدَ مُضَـــــــــــارِعٍ وَهَـــــــــــــــــنْ |
فيجوز مثلًا: مَنْ قَامَ يَفُوزُ، مَنْ قَامَ يَفُزْ، أما: مَنْ يَقُمْ يَفُزْ، صحيح، مَنْ يَقُمْ يَفُوزُ، ضعيف.
وقوله: وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهَاجِرًا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللَّهِأين فعل الشرط في هذه الجملة؟
طالب: يخرج.
الشيخ: أين جوابه؟
الطالب: فَقَدْ وَقَعَ.
الشيخ: فَقَدْ وَقَعَ، لماذا اقترن بالفاء؟
طالب: لأن الفعل ماضٍ.
الشيخ: لا يا أخي.
الطالب: فَقَدْ وَقَعَلأنه مسبوق بـ(قد)، فالجواب مسبوق بـ(قد).
الشيخ: وهل لديك بيت في الضوابط؟
الطالب: أي نعم.
الشيخ: ما هو؟
الطالب:
| اسْمِيَّـــــــــــــــــــةٌ طَلَبِيَّـــــــــــــــــــةٌ وَبِجَامِــــــــــــــــدٍ | وَبِمَا وَقَــــــدْ وَبِلَــــــــــــنْ وَبِالتَّنْفِيـــــــــــــسِ |
الشيخ: أحسنت بارك الله فيك، إذا وقع جواب الشرط أحد هذه الأشياء وجب اقترانه بالفاء، وضابطه أنه كلما كان الجواب لا يصلح أن يلي أداة الشرط وجب اقترانه بالفاء، قال ابن مالك:
| وَاقْرِنْ بِفَا حَتْمًا جَوَابًا لَوْ جُعِــــلْ | شَرْطًا لِـ(إِنْ) أَوْ غَيْرِهَا لَمْ يَنْجَعِـــــــلْ |
هذا الضابط، كلما كان جواب الشرط لا يصح أن يلي الأداة وجب اقترانه بالفاء، والضوابط التي في البيت أيضًا تسهل عليك هذا.
طيب، وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا، (كان) هذه هل تفيد الحدوث؟
طالب: (...) ولكنها هنا تفيد حدوث هذه الصفة لله (...).
الشيخ: المقصود تحقيق ثبوتها لله، يقول الله عز وجل: وَمَنْ يُهَاجِرْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يَجِدْ فِي الْأَرْضِ مُرَاغَمًا كَثِيرًا وَسَعَةً، سبق لنا معنى الهجرة وهي أن الهجرة لغة بمعنى التَّرْك، وشرعًا: ترك البلاد التي لا يقيم الإنسان فيها دينه إلى بلاد أخرى يقيم فيها دينه، وعبّر عنه بعضهم بقوله: الانتقال من بلد الشرك إلى بلد الإسلام.
وقوله: فِي سَبِيلِ اللَّهِ؛ فِيللظرفية، وسبيل الله تعالى طريقه، وكون الهجرة في سبيل الله تتضمن شيئين: الإخلاص والتزام الشريعة؛ لأن من نوى غير الله لم يكن في سبيل الله، كما قال النبي عليه الصلاة والسلام حين سئل عن الرجل يقاتل شجاعة وحمية ويُرى مكانه، قال: «مَنْ قَاتَلَ لِتَكُونَ كَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا فَهُوَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ» ، والثاني: أن تكون في شريعته، ضمن الشريعة لا مخالفة للشريعة، إذن فِي سَبِيلِ اللَّهِيعني: إخلاصًا واتباعًا.
يَجِدْ فِي الْأَرْضِ مُرَاغَمًا كَثِيرًا وَسَعَةً، يَجِدْ فِي الْأَرْضِ؛ الْأَرْضِهنا المراد بها الجنس، يعني أرض الله عمومًا، مُرَاغَمًاأي: مهاجَرًا يرغم به أعداءه، وبناء على هذا تكون مُرَاغَمًاصفة لموصوف محذوف، أي: مهاجرًا مراغَمًا، يعني: يراغم به أعداءه؛ لأن الإنسان إذا خرج من بلاد الكفر التي ضُيِّق عليه فيها إلى بلاد أخرى فإنه يراغم الأعداء، كما تعلمون أن الصحابة لمّا هاجروا إلى الحبشة ماذا صنعت قريش؟ أرسلت في إثرهم من يتكلم فيهم عند من؟ عند النجاشي ؛ لأن هذا يراغمهم، ويعرفون أنهم إذا خرجوا ربما يكونون أمة، وهذا هو الذي وقع، وعلمتم قصة أبي بصير رضي الله عنه حينما هاجر من مكة إلى النبي صلى الله عليه وسلم بعد صلح الحديبية من لحقه؟ لحقه اثنان من المشركين يطلبون من النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم أن يرده، فلما وصلَا إلى النبي صلى الله عليه وسلم وأبو بصير قال: يلا امش معهم، الشرط، فمشى معهم راجعًا إلى مكة، في أثناء الطريق بعد أن أمنوا منه قال لأحدهما، وأخذ سيفه: هذا سيف ما شاء الله فيه، يمدح السيف، قال صاحب السيف، افتخر، قال: وكم ضربت به من هام، قال: أعطني إياه أشوفه؟ أعطاه إياه فسلّه فضرب هامه به، الصاحب الثاني هرب إلى المدينة، فلما وصل إلى المدينة وإذا أبو بصير في إثره، قال أبو بصير: يا رسول الله، إن الله قد أوفى بعهدك أو بذمتك، سلّمتني لهم لكني نجوت، قال: «وَيْلُ أُمِّهِ مِسْعَرُ حَرْبٍ، لَوْ يَجِدُ مَنْ يَنْصُرُهُ» ، وعرف أبو بصير أن الرسول بيرده، فخرج من المدينة، أين صار؟ صار على الساحل، كلما أتى عير لقريش غار عليها، فسمع به أناس من أهل مكة من المستضعفين وغير المستضعفين فخرجوا إليه فكوّنوا جماعة، فتعبت قريش من ذلك، وأرسلت إلى النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم أنها ألغت هذا الشرط، إذن صار في هجرة الإنسان من بلاد الشرك أيش؟ مراغمًا لأهل البلد، يرغمهم، يعني ترغم أنوفهم، والرغام كما نعرف هو التراب، ورَغْم الأنف بالتراب معناه غاية الذل، وقوله: كَثِيرًا، مُرَاغَمًا كَثِيرًا، قد تشير إلى تجمع القوم؛ لأنه كان المتبادر أن يقال: مراغمًا عاصمًا، لكنه قال: كَثِيرًاولعل ذلك -والله أعلم- إشارة إلى أيش؟ إلى أنه سيجتمع إليه من يكثر بهم، وقوله: وَسَعَةً، سعة في أي شيء؟ في الرزق، في الدين، في الصدر، في كل شيء، عام، سعة في الرزق لا يقول: إني غادرت بلدي فمن أين آكل وأشرب، سعة في الدين؛ لأنه ليس له أحد يقوم بضده ويُضَيِّق عليه في دينه، سعة في الصدر تتسع صدروهم؛ لأنهم كانوا بالأول في بلاد الشرك مخنوقين مضيَّقًا عليهم، والآن هم أحرار طلقاء، وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ، اللهم لك الحمد، يقال: إن رجلًا خرج من مكة مهاجرًا، وإنه مات في التنعيم أثناء سفره، فقالوا: بطلت هجرته، فأنزل الله هذه الآية: وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهَاجِرًا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ، مَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ، انظر إلى كلمة مِنْ بَيْتِهِ، البيت يحوي الإنسان، والإنسان يألفه وهو وطنه، فيخرج من هذا البيت الأليف الذي هو الوطن إلى الله ورسوله، مهاجرًا إلى الله ورسوله، يترك مأواه ومثواه من أجل الهجرة إلى الله ورسوله، الهجرة إلى الله بالإخلاص، وإلى رسوله بالاتباع، فيريد أن يهاجر إلى الله عز وجل ليقيم شرعه، وإلى رسوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم ليتبعه وينصره أيضًا، ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ، يعني: ثم يموت، كلمة يُدْرِكْهُقد تعطي أنه كالفارِّ الذي يريد أن يصل إلى مهاجره، لكن الموت لحقه فأدركه، فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ، وَقَعَبمعنى ثبت، ثبت أجره على الله عز وجل، والأجر هو الثواب، ولم يقل: وقع أجره على الله ورسوله مع أن الهجرة كانت إلى الله ورسوله؛ لأن الهجرة إلى الرسول وسيلة، والغاية؟ هي الهجرة إلى الله عز وجل، فلهذا كان الذي يثيب على الهجرة ليس الرسول بل هو الله سبحانه وتعالى، فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ، وكلمة (الله) سبق لنا مرارًا وتكرارًا ولكن لا مانع من أن نعيد، (الله) يقال: إن أصلها (الإله)، كالناس أصلها الأناس، وكقولهم: هذا خير من هذا، أي: هذا أخير من هذا، والعرب يحذفون الهمزة أحيانًا للتخفيف، والإله فِعَال بمعنى مَفْعُول، فمن هو الْمَأْلُوه؟ الْمَأْلُوهُ الذي تألهه القلوب، تحبه وتعظمه في نفس الوقت، تحبه وتعظمه، بالمحبة يكون فعل المأمور، وبالتعظيم يكون ترك المحظور خوفًا من هذا العظيم، هذا هو هذه اللفظة العظيمة وهي (الله).
وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا، سبق الكلام على مثل هذه الجملة، وأنها تفيد ثبوت هذين الاسمين لله وما تضمناه من صفة، الغفور يتضمن المغفرة، والرحيم يتضمن الرحمة، وبالجمع بينهما يحصل المطلوب والنجاة من المرهوب؛ لأن المغفرة للذنوب التي يتخلى عنها الإنسان بمغفرة الله، والرحمة للأعمال الصالحة التي توصل إلى رحمة الله عز وجل.
في هذه الآية الكريمة من الفوائد فوائد عظيمة:
منها: أن من ترك شيئًا لله عوَّضه الله خيرًا منه، من أين تؤخذ؟
طالب: يَجِدْ فِي الْأَرْضِ مُرَاغَمًا.
الشيخ: يَجِدْ فِي الْأَرْضِ مُرَاغَمًا كَثِيرًا وَسَعَةً، فقد خرج من الضيق فوجد السعة.
ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن فضل الله عز وجل على عبده أكثر من عمل عبده له، من أين تؤخذ؟
طالب: فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ.
الشيخ: خطأ.
طالب: مُرَاغَمًا كَثِيرًا وَسَعَةً.
الشيخ: يَجِدْ فِي الْأَرْضِ مُرَاغَمًا كَثِيرًا وَسَعَةًثوابان له: المراغم، والسعة.
من فوائد الآية الكريمة: أن من أُذِلّ بطاعة الله صار العز له في النهاية، من أين يؤخذ؟
طالب: من قوله: كَثِيرًا.
الشيخ: كَثِيرًالو أخذنا كثيرا وحدها ما استفدنا.
طالب: مُرَاغَمًا كَثِيرًا.
الشيخ: مُرَاغَمًا كَثِيرًا، هكذا؟ هذا الذي أُذِلّ الآن يُذِلّ هو أنوف الذين أذلوه بالأمس.
ومن فوائد الآية الكريمة: الشاهد، أنها تشهد لقول الرسول عليه الصلاة والسلام: «وَاعْلَمْ أنَّ النَّصْرَ مَعَ الصَّبْرِ، وَأنَّ الْفَرَجَ مَعَ الْكَرْبِ، وَأنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا» ، من أين؟
طالب: يَجِدْ فِي الْأَرْضِ.
الشيخ: لا.
الطالب: يَجِدْ فِي الْأَرْضِ مُرَاغَمًا كَثِيرًا وَسَعَةً.
الشيخ: (سعة)، السعة تفريج بعد كرب، بعد الضيق والكرب.
ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن من سعى في الهجرة وأدركه الموت فإن أجره ثابت كاملا؟
طالب: فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ.
الشيخ: من قوله: وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهَاجِرًا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ، طيب، وهل يقاس على ذلك بقية الأعمال؟ بمعنى هل من خرج إلى المسجد يريد الصلاة فمات في أثناء الطريق يُكتب له أجر الصلاة؟
طلبة: نعم.
الشيخ: طيب، يقال: إن الثواب لا قياس فيه، أنتم ستقولون: نعم، بناء على أيش؟ بناء على القياس، لكن يقولون: إن ثواب الأعمال ليس فيه قياس؛ لجواز أن يكون تخصيص هذا العمل بهذا الثواب لحكمة لا نعلمها، لكن قال بعض أهل العلم: إن لنا شاهدًا على العموم، وهي قصة الرجل الذي مات في أثناء الطريق، وهو رجل قتل تسعًا وتسعين نفسًا، قتلهم عمدًا، تسعًا وتسعين نفسًا، ثم جاء إلى رجل عابد، وكلمة (عابد) معناها أن العبادة خُلُقٌ له، فسأله قال له: هل لي من توبة؟ أنا قتلت تسعًا وتسعين نفسًا عمدًا، هل لي من توبة؟ استعظم العابد هذا؛ لأنه عابد يخشى الله يخاف عقابه، استعظم هذا الشيء قال: لا، ما لك توبة، قال: نكمل بك المئة، فقتله وأتم به المئة، شوف سوء الجهل، هذا العابد مسكين جاهل جهلًا مركبًا، ثم دُلَّ على عالم، فسأل، فقال له إنه قتل مئة نفس عمدًا فهل له من توبة؟ قال العالم: ومن يحول بينك وبين التوبة؟ سبحان الله شوف، العلم كله خير، من يحول بينك وبين التوبة؟ ولكن أنت في أرض ظالمٍ أهلُها، اذهب إلى القرية الفلانية ففيها الصالحون، أو كلمة نحوها، فذهب الرجل تائبًا إلى الله، في أثناء الطريق أدركه الموت، فنزلت عليه ملائكة الرحمة وملائكة العذاب، ملائكة العذاب تريد أن تقبض روحه باعتبار سوابقه، وملائكة الرحمة تريد أن تقبض روحه باعتبار مآله؛ الرجل تاب وخرج، تنازعت الملائكة، أيهما يقبض روحه، والله تعالى هو الذي أرسلهم عز وجل اعتبارًا لما يحصل، ثم بعث الله إليهم ملَكًا وحكم بينهم، قال: قيسوا ما بين القريتين، فإلى أيتهما كان أقرب فهو من أهلها، فقاسوا، فوجدوا أنه أقرب إلى الأرض الصالحة بشبر، وقيل إنه لما حضره الموت من شدة شوقه صار يدفع بنفسه إلى الأرض الصالحة، فتقدم هذا التقدم، فتولت روحه ملائكة الرحمة ، قالوا: إذا كان هذا فيمن قبلنا فنحن أفضل الأمم، إذا شَرَعْنا في عمل صالح وأدركَنا الموت فإنه يُكتب لنا، وهذا ما نرجوه من الله عز وجل، وبناء على ذلك نقول: من شرع في طلب العلم، يريد بذلك ما يريده المخلصون في طلب العلم من حفظ الشريعة والدفاع عنها ونفع الخلق، ثم أدركه الموت فإنه يُكتب له ما نوى، يكتب له ما نوى لأنه شرع، لكن بشرط أن يكون شروعه شروعًا حقيقيًّا، يعني عنده اجتهاد وحرص، لا أن يكون المراد بذلك أن يُقَطِّع الوقت، يقول: أنا ما لي شغل بدل ما أروح الأسواق، أحضر حلقات العلم، هذا ما هو طالب علم، طالب العلم الذي يفرِّغ نفسه تمامًا لطلب العلم.
***
طالب: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنَّ الْكَافِرِينَ كَانُوا لَكُمْ عَدُوًّا مُبِينًا } [النساء: ١٠١].
الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله تبارك وتعالى: وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا، الخطاب في قوله: إِذَا ضَرَبْتُمْللناس جميعًا، ويدخل فيه بالأولى المؤمنون؛ لأنهم هم الذين يخاطَبون بالتكاليف الشرعية، وقوله: إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِالضرب في الأرض هو السفر فيها، وسُمِّي ضربًا؛ لأن الإنسان لا يخلو من أن يكون معه راحلة تحتاج إلى الضرب، ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم: «أمَّا أَبُو جَهْمٍ فَلَا يَضَعُ الْعَصَا عَنْ عَاتِقِهِ» ، وحمله بعض العلماء على أنه كثير الأسفار.
وقوله: إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِلم يقيده الله عز وجل؛ لكون هذا الضرب مشروعًا أو مباحًا أو مكروهًا أو محرمًا، وقوله: فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ، الجناح يعني الإثم، وقوله: أنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِزعم بعضهم أن (من) هنا زائدة، وأن المعنى: أن تقصروا الصلاة، وعلَّل هذا القول بأن صلاة السفر فُرِضَت ركعتين، فلا يصح أن يقال: إنه قُصِر منها، بل يقال: إنها قُصِرَت، ولكن هذا القول ضعيف كما سنبين إن شاء الله ذلك في الفوائد.
وقوله: إِنْ خِفْتُمْ أنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُواهذا شرط للحكم الثابت بقوله: فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ، فالجملة إذن شرطية، وجواب الشرط الصحيح أنه لا حاجة إليه؛ لأنه معلوم من السياق، وقال بعضهم: إنه محذوف دل عليه ما سبق.
وقوله: أنْ يَفْتِنَكُمُأي: أن يصدكم عن دينكم، وذلك بقتالهم إياكم أو بأسباب أخرى يصدونكم بها عن الدين، ثم علَّل ذلك بقوله: إِنَّ الْكَافِرِينَ كَانُوا لَكُمْ عَدُوًّا مُبِينًا، الجملة هنا موقعها مما قبلها أنها تعليل للحكم وهو قصر الصلاة، قلنا: إن الضرب في الأرض هو السفر فيها، ووجه تسمية السفر ضربًا أن المسافر يحمل العصا معه ليضرب راحلته، وقد جاءت الآية الكريمة، أعني الضرب في الأرض، في عدة آيات، منها قوله تعالى: لَا يَسْتَطِيعُونَ ضَرْبًا فِي الْأَرْضِ [البقرة: ٢٧٣]، ومنها قوله تعالى: وَآخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الْأَرْضِ يَبْتَغُونَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ [المزمل: ٢٠]، ففي هذه الآية يبين الله سبحانه وتعالى انتفاء الجناح عن قصر الصلاة إذا كان الإنسان ضاربًا في الأرض خائفًا أن يفتنه الكفار، ويبين عز وجل إِنَّ الْكَافِرِينَ كَانُوا لَكُمْ عَدُوًّا مُبِينًا، وقد سبق لنا الكلام على مثل هذا التعبير في كَانُوا لَكُمْ عَدُوًّا مُبِينًا، وأن (كان) هنا يراد بها أيش؟ إثبات الحكم لا حدوث الحكم؛ لأنه لو أريد بها الحدوث لكان هذا يقتضي أن عداوتهم كانت سابقة، وليس الأمر هكذا.
في هذه الآية من الفوائد، أولًا: بيان تيسير الله عز وجل على العباد حين يوجد السبب الذي يقتضي ذلك، وذلك بقصر الصلاة في السفر، فإن هذا لا شك تيسير على العباد، وسُهِّلت الصلاة في السفر من وجه آخر، وهو جواز الجمع بين الصلاتين المجموعتين، وسُهِّلت من وجه ثالث، وهو جواز التيمم إذا لم يجد الماء، فإن قال قائل: هذا حتى في الحضر؟ قلنا: لكنه في السفر أيسر منه في الحضر؛ لأن الحضر يجب على الإنسان أن يبحث بحثًا دقيقًا، أما في السفر فلا يلزمه أن يحمل الماء معه إلا إذا كان ذلك يسيرًا جدًّا، أما أن يتكلفه بنوع من الكلفة فلا (...).
ومن فوائد الآية الكريمة: أن القصر ليس بواجب؛ لقوله: فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ، هكذا استدل جمهور العلماء بهذه الآية على أن القصر ليس بواجب؛ لأن الله نفى الجناح عن القصر أو في القصر، فدل ذلك على أنه ليس بواجب، لكن هذا الاستدلال فيه نظر، وجه النظر أنه قد يُنْفَى الجناح أو الحرج خوفًا من توهمه، كما في قوله تعالى: إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا [البقرة: ١٥٨]، فهنا نفى الجناح دفعًا لتوهم بعض الصحابة أن الطواف بهما محرم؛ لأنه كان فيهما صنمان، وقال بعض أهل العلم وهم الأكثر: إن القصر ليس بواجب، ولكلٍّ دليله فلنتعرض لشيء قليل من المناقشة في هذا الباب.
استدل القائلون بأن القصر واجب بحديث عائشة رضي الله عنها: أن الصلاة أول ما فُرِضت كانت ركعتين، فلما هاجر النبي صلى الله عليه وسلم زِيد في صلاة الحضر وبقيت صلاة السفر على الفريضة الأولى ، فقالوا: إن قولها: أول ما فرضت ركعتين، مع قولها: على الفريضة الأولى، يدل على أنه لا تجوز الزيادة على الركعتين في السفر، كما أنه لا تجوز الزيادة على الأربع في الحضر، واستدلوا لذلك أيضًا بحديث عمر: صلاة السفر ركعتان ، فجزم بأن صلاة السفر ركعتان، وكذلك روي عن ابن عباس أنه قال: صلاة السفر ركعتان، وصلاة الحضر أربع، وصلاة الخوف ركعة .
وأما الجمهور فأجابوا عن ذلك بأن معنى قول عائشة: أُقِرَّت على الفريضة الأولى، أنها لم تُزَد، فالمراد به نفي الزيادة لا تحريم الزيادة، ويدل لهذا أن الصحابة رضي الله عنهم لما كان عثمان يُتِمّ في منى أنكروا عليه ولكنهم تابعوه ، ومتابعتهم إياه يدل على أن القصر ليس بواجب؛ إذ إنه لو كان واجبًا ما صح أن يتابعوه، كما أن الإمام لو صلى خمسًا فإنه لا يتابَع ولو كان ساهيًا، فكذلك إذا صلى المسافر أربعًا فإننا نقول: لو كان الواجب هو الركعتان ما تابعوه على ذلك، وهذا دليل واضح جدًّا على أن القصر ليس بواجب، وهو الأقرب عندي بعد أن كنت أرجّح أن القصر واجب، لكن بعد التأمل رأيت أن قول الجمهور أقرب للصواب، والله أعلم.
من فوائد هذه الآية الكريمة: أن قصر الصلاة ثابت في كل ما يسمى ضربًا في الأرض؛ لقوله: إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ، وهذا مطلق، لم يقيَّد بيومين أو ثلاثة أو أربعة أو عشرة، فدل ذلك على أن كل ما يسمى ضربًا في الأرض فإنه تُقْصر فيه الصلاة، وإلى هذا ذهب شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله، وقال: كل ما يسميه الناس سفرًا وضربًا في الأرض فإنه سفر يثبت له أحكام السفر، ودليله؟ دليله الإطلاق، ودليل آخر أنه ثبت في صحيح مسلم أن أنس بن مالك قال: كان النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم إذا خرج ثلاثة أميال أو فراسخ صلى ركعتين.
وقال الجمهور: بل السفر هنا مطلق لكنه مقيَّد، قيّدته السنة، وهو يومان قاصدان، وتقريبه بالفراسخ ستة عشر فرسخًا، يعني أربعة بُرُد، والبُرُد جمع بريد، وسميت بذلك لأنها مسافات كانوا يقطعونها رسل البريد، قد كانوا فيما سبق يجعلون المراحل للبُرُد كل أربعة فراسخ بريد، والفرسخ ثلاثة أميال، يعني كل اثني عشر ميلًا يكون بريدا، كيف ذلك؟ يذهب الفارس من هذا المكان إلى المكان الآخر، وإذا فارس ينتظره فيسلمه ما معه من الرسائل إلى مثله، وإذا الفارس الثالث ينتظره، وهلم جرًّا حتى يصلوا إلى آخر المرحلة، فيكون لا بد من أن تكون لهذه المسافة، وما دونها وإن سمي سفرًا وإن حُمِل له المتاع وإن شُدَّت له الرواحل فإنه لا يحصل فيه القصر، فيقال: أين الدليل على هذا؟ لم يَرِد عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه حدد هذا، بل حديث أنس الذي ذكرناه آنفًا يدل على أنه يقصر في ثلاثة أميال أو فراسخ، إذا قلنا: الأعلى ما هو، الفراسخ ولّا الأميال؟ الفراسخ، والفراسخ ثلاثة أميال، أين هي من ستة عشر فرسخًا؟ فإذن يُرجع في ذلك إلى العرف، لكن إذا اختلف العرف فحينئذ يمكن أن نلجأ للضرورة إلى التحديد، ونقول بأنه يحدَّد بالفراسخ، نقول ذلك عند الضرورة، أما إذا أمكن ضبط العرف فلا نعدل عنه، وقد قال شيخ الإسلام رحمه الله: إن هذا التحديد بالفراسخ غير صحيح، بحسب الواقع؛ لأنه في عهد الرسول صلى الله عليه وسلم ليس هناك أناس مسّاحون يقيسون الأرض حتى بالذراع، بل حتى بالشبر، بل حتى بالأصبع، بل حتى بحبة الشعير، بل حتى بشعرة البرذون؛ لأن الفقهاء الذين حددوا هذا حددوه إلى هذا الحد، قالوا: ستة عشر فرسخًا هي كذا وكذا، وهذا كذا وكذا، إلى أن وصلوا إلى شعرة البرذون، وبناء على ذلك لو كان هنا أناس نازلون وبينهم وبين الآخرين شعرة برذون، ولكن الأولون أقرب إلى البلد صار الأولون أيش؟ غير مسافرين، والذين بينهم وبينهم شعرة مسافرون، وهذا صعب أن يحقق الإنسان هذا ويجعله حدًّا للناس، فعلى كل حال الذي نرى أن المرجع في هذا إلى العرف، وأن نطلق ما أطلقه الله، ومن المعلوم أن العرف يختلف، لو أن قومًا خرجوا في رحلة، تَغَدّوا في البر ثم رجعوا، فإن هذا لا يسمى سفرًا ولا ضربًا في الأرض، ولو خرجوا في هذه المسافة في رحلة لكنهم أقاموا يومين أو ثلاثة لَعُدّ ذلك سفرًا؛ لأن الناس يتأهبون له، وإن كان في العرف الآن لا يعدون النزهة سفرًا حتى لو بعدت وحتى لو بقيت أيامًا، لكن هذا لا عبرة له، السفر كل ما يُحمل له المزاد ويستعد له فإنه سفر.
فإن قال قائل: الآن فيه فنادق وفيه سيارات وطيارات ولا يحتاج الإنسان إلى أن يحمل متاعًا؟ قلنا: هذا لا عبرة به، العبرة بنفس المسافة والطريق الذي إذا أراده الإنسان استعد له، أما كون المتاع والزاد تسهل في الأماكن فهذا لا يمنع أن يكون سفرًا.
من فوائد الآية الكريمة: أن الإنسان إذا أقام في سفره في مكان فإنه لا يلزمه الإتمام، بل يبقى قاصرًا؛ لأن الله أطلق إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ، ولم يقل: ما لم تمكثوا أربعة أيام أو عشرة أيام أو ما أشبه ذلك، وبناء على هذا لو أن الإنسان سافر إلى بلد غير بلده وأقام فيها شهرًا فهو مسافر، وذلك لأن النصوص جاءت مطلقة غير مقيدة، وجاءت نصوص أخرى إيجابية تدل على عدم التقييد، وذلك فيما يأتي:
أولًا: أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم أقام عام الفتح في مكة تسعة عشر يومًا يقصر الصلاة ، ولم يقل للناس: أتموا، وأقام في تبوك عشرين يومًا يقصر الصلاة ولم يقل للناس: أتموا.
ثانيًا: أن الرسول صلى الله عليه وسلم قدم مكة في حجة الوداع وهي آخر سفرة سافرها في اليوم الرابع من ذي الحجة ، ومكث فيها وهو يقصر الصلاة ، ولم يقل للناس: من قدم قبل اليوم الرابع فليتم، أو من قدم قبل عشرة أيام فليتم، أو ما أشبه ذلك، فعُلِمَ من هذا أنه لا حد للإقامة التي تمنع أو التي تقطع حكم السفر، وهذا القول هو الذي اختاره شيخ الإسلام رحمه الله ونصره بأدلة قوية ظاهرة، ذكر ذلك في أول باب صلاة الجمعة في الفتاوى وفي المواضع كثيرة من كلامه، ونصره نصرًا عزيزًا، وهو جدير بالنصر؛ لأن أي إنسان يقيد بأربعة أيام أو بخمسة أو بأكثر أو أقل يقال له: أين الدليل؟ لو كان هذا القيد لازمًا لبَيَّنَه الله تعالى في القرآن أو جاءت به السنة بيانًا واضحًا؛ لأن هذا مما تتوافر الدواعي على نقله، ومما يحتاج الناس إليه، فكيف يُترك هملًا بلا بيان، ولهذا اختلف العلماء في هذه المسألة على نحو عشرين قولًا أو أكثر ذكرها النووي رحمه الله في شرح المهذب: فمنهم من قال: أربعة أيام صافية. يعني: يُحْذَف منها يوم الدخول ويوم الخروج، وهذا مذهب الشافعي، ومنهم من قال: أربعة أيام بيوم الدخول والخروج، وهذا مذهب الحنابلة، ومنهم من قال: خمسة عشر يومًا، وهذا مذهب أبي حنيفة، ومنهم من قال: تسعة عشر يومًا، وهذا مذهب ابن عباس، ومنه أيضًا آراء أخرى لا تحضرني الآن، لكن من أراد أن يطلع عليها فليرجع إلى شرح المهذب فإنه قد بينها.
ومن فوائد الآية الكريمة: أنه لا يجوز قصر الصلاة إلا عند الخوف؛ لقوله: إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا، وهذا ظاهر الآية، لكن جاءت السنة تبين أن هذا ليس بشرط، يعني أنه لا يُشترط لجواز القصر الخوف، وذلك فيما ثبت في صحيح مسلم أن رجلًا قال لعمر: إن الله يقول: فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا، ونحن الآن آمنون. فقال عمر: لقد عجبتُ مما عجبتَ منه، فسألت النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم عن ذلك فقال: «هَذِهِ صَدَقَةٌ تَصَدَّقَ اللَّهُ بِهَا عَلَيْكُمْ فَاقْبَلُوا صَدَقَتَهُ»، وهذه سُنَّة قولية تدل على أن الخوف ليس بشرط، هناك سنة فعلية تدل على أن الخوف ليس بشرط، وهو أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قصر في حجة الوداع وهو آمَنُ ما يكون ، ما فيه خوف إطلاقًا، وقال بعض العلماء: إن الآية لا تدل على أن هذا القيد شرط، لماذا؟ قالوا: لأن هذا القيد جاء على الغالب، وأن الناس حين نزول الآية أسفارهم مَخُوفة، وما جاء بناء على الغالب فإنه لا يكون قيدًا، وهذا معروف في أصول الفقه، أن القيد إذا كان بناء على الغالب فإنه لا مفهوم له، واستدلوا بقوله تعالى: وَرَبَائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسَائِكُمُ اللَّاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ [النساء: ٢٣] فإن الربيبة لا يشترط لتحريمها على زوج أمها أن تكون في حَجْره، لكن هذا بناء على الغالب، وبقوله تعالى: وَلَا تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ عَلَى الْبِغَاءِ إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّنًا [النور: ٣٣] ؛ لأن هذا هو الغالب، فقالوا: إن الآية خرجت مخرج الغالب فلا مفهوم لقيدها، شوف سبحان الله، هؤلاء عكس الذين يقولون: إنه يشترط أيش؟ الخوف، وقال بعض العلماء: إن هذا القيد قيد للقصر من صلاة السفر، والقصر من صلاة السفر أن يجعلها واحدة، وعلى هذا فيكون المراد بقصر الخوف أن تُجعل الثنائية واحدة، واستدلوا لذلك بأنه جاء عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم في صلاة الخوف أنه صلى بأصحابه ركعتين، كل طائفة صلت ركعة واحدة فقط وانصرفوا ، وهذا أيضًا قول في هذه الآية، فيكون المراد بقصر الصلاة هنا أيش؟ قصر صلاة الخوف إلى ركعة لا إلى ركعتين، وقال بعض أهل العلم وهو القول الرابع: إن القصر قصران: قصر عدد، وقصر صفة، فقصر العدد لا يشترط فيه الخوف، وقصر الصفة يشترط فيه الخوف؛ قصر الصفة في صلاة الخوف مرّ علينا قريبًا أنه يُفعل فيها أشياء لو فُعِلت في حال الأمن لأبطلت الصلاة، فخُفِّفَ في هيئتها وكيفيتها، وهذا نوع من القصر، فهو قصر كيفية وليس قصر كمية، فهذه أقوال الناس التي تحضرني في هذه الآية، ولكن نقول:
| إِذَا قَالَـــــــــــتْ حَـــــــــــذَامِ فَصَدِّقُوهَـــــــــــــــــا | فَإِنَّ الْقَــــــــــــوْلَ مَـــــا قَالَـــــــتْ حَــــــــذَامِ |
وإذا كان النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: «إِنَّهَا صَدَقَةٌ تَصَدَّقَ اللَّهُ بِهَا عَلَيْكُمْ فَاقْبَلُوا صَدَقَتَهُ» ، ما بقي لأحد كلام، فنقول: إن الله تعالى شرط ذلك في أول الأمر، ثم سهّل على عباده وتصدق عليهم ورفع هذا الشرط إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا.
ومن فوائد الآية الكريمة: أن الخوف له أثر في تغيير الأحكام؛ لقوله: إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا، وهذا أمر معلوم، حتى إن الله قال: حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ (٢٣٨) فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجَالًا أَوْ رُكْبَانًا [البقرة: ٢٣٨، ٢٣٩] ، حتى وأنت راجل تمشي أو راكب لك أن تصلي، حتى وأنت تمشي وأنت راكب ما دام الخوف محققًا، ثم إن الوضوء أو الغسل من الجنابة إذا خاف الإنسان على نفسه يتيمم، فالخوف له تأثير في تغيير الأحكام الشرعية، حتى إن العلماء قالوا: لو صلى خلف جدار وعدُوّه يطلبه فإن قام رآه العدو وإن صلى قاعدًا لم يَرَه فإنه يصلي قاعدًا.
ومن فوائد هذه الآية الكريمة: حرص الكفار على فتْن المؤمنين حتى في العبادات؛ لقوله: إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا.
ومن فوائد الآية الكريمة: أن جميع الكفار أعداء لنا؛ لقوله: إِنَّ الْكَافِرِينَ كَانُوا لَكُمْ عَدُوًّا مُبِينًا.
ومن فوائدها: أن عداوة الكفار لنا بيّنة ظاهرة؛ لأن الْمُبِين هنا بمعنى بيّن واضح، فإن قال قائل: كيف كانت بيّنة وقد اغترّ بهم بعض الناس وظنوا أنهم أولياء وليسوا بأعداء؟ قلنا: إن الأعشى يعميه ضوء النهار، أليس كذلك؟ والأعمى لا يرى الشمس، فهؤلاء الذين يظنون أن الكفار ليسوا بأعداء لنا لا شك أنهم قد أعماهم الله عز وجل إما لمصالح دنيوية أو لغير ذلك، وإلا فمن تأمل أحوال الكفار وجد أنهم أعداء لنا، وأنهم يغزوننا بالسلاح ويغزوننا بالسلم، يغزوننا بالحرب وبالسلم، يعني لا تظنوا أن غزو الكفار لنا بالحرب، لا، بل بالحرب وبالسلم، فإنهم إذا سالمونا أوفدوا علينا من أخلاقهم السافلة وعقائدهم المنحرفة ما يفسد المسلمين، ثم إنهم إذا سالمونا فإن منتوجاتهم وصنائعهم تستهلك عندنا، ويتوفر لهم اقتصادنا، فهم يسلبوننا أموالنا ويسلبوننا أخلاقنا، وربما يسلبونا عقائدنا، ويهدون إلينا أيش؟ أخلاقهم وأفكارهم، وبهذا نعرف أن الكافر عدو في الحرب وفي السلم؛ لأن الله تعالى لم يقيد ذلك في حال الحرب، إِنَّ الْكَافِرِينَ كَانُوا لَكُمْ عَدُوًّا مُبِينًا.
ومن فوائد الآية: التحذير من الاغترار بما يبديه الكافر من الموالاة، وجهه؟ أن العالم بما في الصدور والعالم بكل حال أخبرنا بأنهم -أي الكافرين- كانوا لنا عدوًّا مبينًا، ولا أحد أعلم من الله بعباد الله.
طالب: بارك الله فيكم، قال الله تعالى في سورة البقرة: وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ، مفهوم الآية أن بعض أهل الكتاب لا يود ذلك وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّارًا [البقرة: ١٠٩]، فمفهوم الآية أن بعضهم لا يود ذلك، هل هذا متعارض مع ظاهر..
الشيخ: لا ما يتعارض؛ لأن التخصيص جاء في كل النصوص، فبعض أهل الكتاب آمنوا بالرسول عليه الصلاة والسلام.
طالب: لو قال قائل نسالم أعداء الله، يكذبون بآيات واضحة في كتاب الله سبحانه وتعالى، على أساس أن الله يقول: إِنَّ الْكَافِرِينَ كَانُوا لَكُمْ عَدُوًّا مُبِينًا، وهذا ينطبق عليهم حكم معين فهل القول هنا فيه شيء من الصحة؟
الشيخ: لا؛ لأن مسالمة الكفار عند الحاجة بشرط الحذر لا بأس به، فقد سالم النبي صلى الله عليه وسلم قريشًا وصالح اليهود أيضًا أول ما قدم المدينة.
طالب: شيخ، فرقوا مثلًا بين الضارب في الأرض والمسافر..
الشيخ: أبدًا.
الطالب: من حيث اللغة فغيروا الأحكام؟
الشيخ: ما هو صحيح هذا، هذه دعوى غير صحيحة، كل المفسرين إِذَا ضَرَبُوا فِي الْأَرْضِ [آل عمران: ١٥٦] قالوا: إذا سافروا.
طالب: أورد بعض العلماء قول شيخ الإسلام في السفر أنه قال: إن بعض العلماء والأئمة الكبار كان يخرج في طلب الحديث، ثم يستقر به المقام في بلد ويعرف أنه سيجلس مثلًا سنة أو سنتين، فهل يجلس ويصبح إمامًا لهم ويصلي بهم الجمع والجماعات، ثم ينتقل إلى بلد أخرى أيضًا ويصبح حاله كذلك حتى يرجع إلى بلده، فيقولون في هذه الحالة استقر به المقام، فجلس وهو يعلم أنه سيرتحل وأتى لغرض معين ثم يسافر وهو يصلي بهم الجمع والجماعات، فما..
الشيخ: نحن لا ننكر أن المسألة خلافية.
الطالب: هنا فعل هؤلاء الأعلام.
الشيخ: هذه قضايا أعيان، ما ندري، لعله حين قدم البلد أراد أن يقيم إقامة مطلقة غير مقيدة بزمن ولا بعمل، والإقامة المطلقة ترفع أحكام السفر، ولهذا نقول: السفراء الآن اللي في البلد يعتبرون مقيمين إقامة مطلقة؛ لأن الأصل أنه باق في مكانه.
الطالب: حتى لو علم أنه سيُغَيَّر بعد خمس سنوات.
الشيخ: إذا علم فحينئذ يكون حكمه حكم المسافر، لكن إذا لم يعلم، وأن الأصل بقاؤه وعدم تغييره فيكون مقيما إقامة مطلقة.





