قول شيخ الإسلام في السفر أنه قال: إن بعض العلماء والأئمة الكبار كان يخرج في
طلب الحديث، ثم يستقر به المقام في بلد، ويعرف أنه سيجلس مثلًا سنة أو سنتين، فهل
يجلس ويصبح إمامًا لهم ويصلّي بهم الجُمع والجماعات، ثم ينتقل إلى بلد أخرى أيضًا
ويصبح حاله كذلك حتى يرجع إلى بلده، فيكون في هذه الحال استقر به المقام، فجلس وهو
يعلم أنه سيرتحل وأتى لغرض معين، ثم يسافر، وهو يصلي بهم الجمع والجماعات؟ فما
الحكم؟
الشيخ: نحن لا ننكر أن المسألة خلافية.
الطالب: هنا، فعل هؤلاء الأعلام؟
الشيخ: هذه قضايا أعلام، ما ندري، لعله حين قدم البلد أراد أن
يقيم إقامة مطلقة غير مقيدة بزمن ولا بعمل، والإقامة المطلقة ترفع أحكام السفر،
ولهذا نقول: السفراء الآن اللي في البلد يعتبرون مقيمين إقامة مطلقة؛ لأن الأصل أنه
باقٍ في المكان.
الطالب: حتى لو علم أنه سيغيّر بعد خمس
سنوات؟
الشيخ: إذا علم فهذا يكون حكمه حكم المسافر، لكن
إذا لم يعلم، وأن الأصل بقاؤه وعدم تغييره، فهو يكون مقيمًا إقامة مطلقة.
***
طالب: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلَاةَ فَلْتَقُمْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا أَسْلِحَتَهُمْ فَإِذَا سَجَدُوا فَلْيَكُونُوا مِنْ وَرَائِكُمْ وَلْتَأْتِ طَائِفَةٌ أُخْرَى لَمْ يُصَلُّوا فَلْيُصَلُّوا مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا حِذْرَهُمْ وَأَسْلِحَتَهُمْ وَدَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ تَغْفُلُونَ عَنْ أَسْلِحَتِكُمْ وَأَمْتِعَتِكُمْ فَيَمِيلُونَ عَلَيْكُمْ مَيْلَةً وَاحِدَةً وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ كَانَ بِكُمْ أَذًى مِنْ مَطَرٍ أَوْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَنْ تَضَعُوا أَسْلِحَتَكُمْ وَخُذُوا حِذْرَكُمْ إِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُهِينًا [النساء: ١٠٢].
الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، بعد أن ذكر الله عز وجل أن الضارب في الأرض يقصر من الصلاة إن خاف أن يفتنه الذين كفروا، وبيّن أن الكفار أعداء لنا عداوة بيّنة ظاهرة ذَكَر حكم الصلاة إذا تقابل الصفّان؛ لأن الآية الأولى في الخوف، إذا خيف، أما الثانية وهي التي في درسنا الليلة فهو إذا تقابل الصفان، فكيف تكون الصلاة؟
قال الله تعالى: وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ، والخطاب للنبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، والضمير في قوله: فِيهِمْيعود على الصحابة.
فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلَاةَأَقَمْتَها؛ يحتمل أن يكون المراد الإقامة التي هي الإعلام بالقيام للصلاة، ويحتمل أن المراد بالإقامة إقامة أركانها وواجباتها وشروطها وغير ذلك. وعلى الثاني يكون معنى قوله: فَأَقَمْتَأي: أردت أن تقيم لهم الصلاة.
فَلْتَقُمْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَالفاء هنا رابطة للجواب، جواب شرط غير جازم، وعلى هذا فلا يكون للجملة التي بعدها محل من الإعراب؛ لأن جواب الشرط الذي لا يجزم ليس له محل من الإعراب، واللام في قوله: فَلْتَقُمْللأمر، وسُكِّنَت لوقوعها بعد الفاء، ولام الأمر تُسَكَّن إذا وقعت بعد الفاء أو الواو أو (ثم)؛ قال الله تعالى: ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ [الحج: ٢٩]، وفي هذه الآية: فَلْتَقُمْ، وهي الحرف الثالث الذي إذا وقع قبل لام الأمر سُكِّنت لام الأمر.
أما لام (كي) وهي للتعليل فإنها مكسورة، ولو وقعت بعد هذه الحروف الثلاثة، مثل قوله تعالى: لِيَكْفُرُوا بِمَا آتَيْنَاهُمْ وَلِيَتَمَتَّعُوا [العنكبوت: ٦٦]، لا بد من كسر اللام.
وقوله: فَلْتَقُمْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ، (مِن) لبيان الجنس، والطائفة هي الفرقة من الناس، وَلْيَأْخُذُوا أَسْلِحَتَهُمْ، هذه نقول في قوله: وَلْيَأْخُذُوامثل ما قلنا: فَلْتَقُمْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ.
وَلْيَأْخُذُواالضمير في قوله: وَلْيَأْخُذُوايعود على الذين قاموا مع الرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وليس مع الطائفة الأخرى.
وقوله: أَسْلِحَتَهُمْ: السلاح ما يُقاتَل به دفاعًا أو طلبًا، وتعلمون أنه ينقسم إلى أقسام كثيرة: ثقيل، وخفيف، ومتوسّط، وسلاح يكون من بعيد، وسلاح يكون من قريب، والآية عامة، فيكون المراد أسلحتهم التي يحتاجون إليها في الدفاع عن أنفسهم، والتي لا تشغلهم عن الصلاة.
فَإِذَا سَجَدُوا فَلْيَكُونُوا مِنْ وَرَائِكُمْ، إِذَا سَجَدُواالفاعل يعود على الطائفة باعتبار المعنى؛ لأن الطائفة مفرد لكن معناها أيش؟ الجمع، كما قال تعالى: وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا [الحجرات: ٩]، ولم يقل: اقتتلتا؛ لأن الطائفة للجمع.
فَإِذَا سَجَدُوا فَلْيَكُونُوا مِنْ وَرَائِكُمْ، سَجَدُواأي: أتموا صلاتهم، وخص السجود؛ لأنه أفضل أركان الصلاة؛ حيث إنه أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد، والمراد بذلك إذا أتموا صلاتهم فَلْيَكُونُوا مِنْ وَرَائِكُمْأي: من وراء المصلين.
وهنا قد يشكل قوله: مِنْ وَرَائِكُمْمع أنه لم يبقَ بعد إتمام صلاتهم إلا الرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم، لكن باعتبار ما يؤول إليه الأمر؛ فإن الطائفة الثانية سوف تأتي وتصلي.
وفي قوله: مِنْ وَرَائِكُمْإشارة إلى أن العدو خلفهم وليس أمامهم فَلْيَكُونُوا مِنْ وَرَائِكُمْ.
وَلْتَأْتِ طَائِفَةٌ أُخْرَى لَمْ يُصَلُّوا فَلْيُصَلُّوا مَعَكَ، نقول في قوله: وَلْتَأْتِفي اللام نقول فيها ما قلنا فيما سبق.
وقوله: وَلْتَأْتِهذه مجزومة بحذف حرف العلة، وأصل تَأْتِ(تأتي) بالياء، لكن دخل عليها جازم فحُذفت الياء.
وَلْتَأْتِ طَائِفَةٌ أُخْرَىأي: ثانية.
لَمْ يُصَلُّوا فَلْيُصَلُّوا مَعَكَ، وهنا تجد أنه قال: فَلْيُصَلُّوا مَعَكَ، أما الأولى فلم يقل: فَلْيُصَلُّوا مَعَكَ، بل قال: فَإِذَا سَجَدُوا فَلْيَكُونُوا مِنْ وَرَائِكُمْ، فأضاف السجود إليهم وحدهم.
فَلْيُصَلُّوا مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا حِذْرَهُمْ وَأَسْلِحَتَهُمْ، حِذْرَهُمْالحِذر معناه: التثبت في الأمر والاستعداد له.
وَدَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ تَغْفُلُونَ عَنْ أَسْلِحَتِكُمْ وَأَمْتِعَتِكُمْ فَيَمِيلُونَ عَلَيْكُمْ مَيْلَةً وَاحِدَةً، وَدَّبمعنى (أحب)، لكنه قيل: إن الود هو صافي المحبة، فـ(وَدَّ) أعلى من (أَحبَّ).
وقوله: لَوْ تَغْفُلُونَ عَنْ أَسْلِحَتِكُمْ.
لَوْهذه مصدرية بمعنى (أن)، وليُعلم أن (لو) تأتي مصدرية كما هنا، والغالب أنها تأتي بعد (وَدّ) و(أحبّ) وما أشبهها، وتأتي شرطية مثل أن تقول: لو جاء زيد لأكرمته، وجوابها إن كان منفيًّا فإنه يكون بلا لام، وإن كان مثبتًا فإنه يأتي باللام، لكنه قد تقترن به اللام قليلًا إذا كان منفيًّا بـ(ما)، وعليه قول الشاعر:
| وَلَوْ نُعْطَى الْخِيَارَ لمَا افْتَرَقْنَا | ..................... |
يقول: لَوْ تَغْفُلُونَ عَنْ أَسْلِحَتِكُمْ وَأَمْتِعَتِكُمْ فَيَمِيلُونَ عَلَيْكُمْ مَيْلَةً وَاحِدَةً، تَغْفُلُونَأي: تتلهّون بما أنتم فيه من الصلاة أو غيرها.
فَيَمِيلُونَ عَلَيْكُمْ مَيْلَةً وَاحِدَةًأي: عليكم لقتالكم.
وقوله: مَيْلَةً وَاحِدَةًكقولنا: ضربة رجل واحد، أي: يميلون عليكم جميعًا ميلة واحدة تقضي عليكم.
وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ كَانَ بِكُمْ أَذًى مِنْ مَطَرٍ أَوْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَنْ تَضَعُوا أَسْلِحَتَكُمْ، لَا جُنَاحَأي: لا إثم.
إِنْ كَانَ بِكُمْ أَذًى مِنْ مَطَرٍأي: تأذٍّ من المطر أن تضعوا الأسلحة، ووجه ذلك أن المطر سوف يبلّ الثياب ويبلّ السلاح، ويحصل بذلك ثقل على المقاتل، فإذا كان كذلك فلا حرج أن يضع السلاح، ولهذا قال: أَنْ تَضَعُوا أَسْلِحَتَكُمْ.
وقوله: أَوْ كُنْتُمْ مَرْضَىأي: عاجزين عن حمل السلاح لمرض من جراح أو غير ذلك.
أَنْ تَضَعُوا أَسْلِحَتَكُمْأي: ولا تحملوها.
وقوله: أَنْ تَضَعُواهذه من الذي حُذِف فيه حرف الجر اطرادًا، صح؟
طالب: نعم.
الشيخ: حُذِف فيه حرف الجر اطرادًا، كما قال ابن مالك:
| ... وَفِي أَنَّ وَأَنْ يَطَّرِدُ | ................. |
أي: ولا جناح عليكم في وضع أسلحتكم، وعلى هذا فتكون (أنْ) وما بعدها في محل نصب بنزع الخافض.
وَخُذُوا حِذْرَكُمْيعني: إذا وضعتم الأسلحة لعدم المطر أو المرض فلا تغفلوا عن الحذر، خذوا حذركم.
إِنَّ اللَّهَ أَعَدَّأي: هيأ لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُهِينًاأي: عذابًا ذا هوان، وما هذا العذاب؟ هل هو في الدنيا أو في الآخرة أو فيهما؟ فيهما جميعًا.
هذه الآية كما شرحناها على وجه الاختصار فيها فوائد عظيمة:
أولًا: توجيه الخطاب للرسول عليه الصلاة والسلام، هل يشمله والأمة، أو يختص به؟
نقول: في هذا تفصيل: تارة يختص به، وتارة يعمه والأمة بمقتضى اللفظ، وتارة يعمه والأمة بمقتضى القياس والأسوة؛ فمن الأشياء التي تختص به، أو فمن الأمثلة التي تختص به قوله تعالى: أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ (١) وَوَضَعْنَا عَنْكَ وِزْرَكَ (٢) الَّذِي أَنْقَضَ ظَهْرَكَ (٣) وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ [الشرح: ١-٤]، الخطاب هنا للرسول عليه الصلاة والسلام، هل يشمل الأمة؟ لا.
ومن الخطاب الذي يعمه والأمة بمقتضى اللفظ والسياق قوله تبارك وتعالى: يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ [الطلاق: ١]، ولم يقل: إذا طلقتَ، فصدَّر الخطاب بالتوجيه للرسول عليه الصلاة والسلام ثم عمّم، فقال: إِذَا طَلَّقْتُمُ، وهذا يعمه ويعم الأمة بمقتضى اللفظ.
وهناك خطاب خاص بالرسول، لكنه حكمًا يعمّ الأمة، مثاله: يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ [التوبة: ٧٣]، هذا خطاب خاص موجّه للرسول، خاص، لكنه يعمه والأمة، هل يعمه والأمة بمقتضى أنه خطاب للأمة، لكنه خُصّ به رئيس الأمة؛ لأن العادة أن الخطابات تُوجّه للرؤساء؟ أو أنه له وللأمة بمعنى أن الأمة تتأسى به فيكون من باب القياس؟
الجواب -الله أعلم-: الأول؛ لأنه وإن خُوطب به الرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم فلأنه زعيم الأمة، والخطابات في التوجيهات توجه إلى الزعماء.
إذن إِذَا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلَاةَهذا لا شك أنه خطاب للرسول عليه الصلاة والسلام، لكن هل هو يختص به؛ بمعنى أن صلاة الخوف لا تُشرع على هذا الوجه إلا في حياة الرسول عليه الصلاة والسلام وإذا كان مع الجيش؟
الجواب: قيل بذلك، وأن صلاة الخوف لا تُشرع على هذا الوجه إلا في حياة الرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم إذا كان في الجيش، لكن هذا قول ضعيف.
فإذا قال قائل: كيف يكون ضعيفًا والخطاب موجّه للرسول؟
قلنا -كما تقدم قريبًا-: إن العادة أن الخطاب يُوجّه إلى مَن؟ إلى زعيم الأمة، فإن كان الأمر هكذا وإلا فإنه بالقياس على حال الرسول عليه الصلاة والسلام.
من فوائد الآية الكريمة: أن الإمام مسؤول عن صلاة المأموم، من أين تؤخذ؟ أَقَمْتَ لَهُمُ، لهم، كأنه يقيمها لهم، وهذا يعني أنه يجب على الإمام أن يتبع السُّنَّة في صلاته، بينما لو كان يصلي لوحده فله أن يخفّف، وله أن يثقّل حسب ما يريد؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم: «وَإِذَا صَلَّى أَحَدُكُمْ لِنَفْسِهِ فَلْيُصَلِّ مَا شَاءَ» .
ومن فوائد هذه الآية الكريمة: وجوب صلاة الجماعة على الأعيان؛ لقوله: فَلْتَقُمْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ، وقوله: وَلْتَأْتِ طَائِفَةٌ أُخْرَى لَمْ يُصَلُّوا فَلْيُصَلُّوا مَعَكَ؛ لأنها لو كانت فرض كفاية لاكتُفِي بالطائفة الأولى، فلما أُمِرَت الطائفة الثانية بالصلاة جماعة دل هذا على أنها واجبة على الأعيان.
ومن فوائد الآية الكريمة: عناية الله سبحانه وتعالى بالمجاهدين، حيث رحمهم ووزّعهم إلى طائفتين، وإلا لكان المفروض أن يصلّوا جميعًا، لكن من رحمته سبحانه وتعالى أن شرع التوزيع.
ومن فوائد الآية الكريمة: عدم مشروعية تكرار الجماعة، وجهه أن النبي صلى الله عليه وسلم صلّى بهم جماعة واحدة وإلا لكان يصلي بالأولى ركعتين وبالأخرى ركعتين، ولكن يقال: إن هذه الفائدة خُرِمَت بما ثبتت به السنة من أوجه صلاة الخوف؛ أنه يصلي بكل طائفة ركعتين جماعة مستقلة.
ومن فوائد هذه الآية الكريمة: وجوب أخذ الأسلحة في الصلاة، وهذا مأخوذ من قوله: وَلْيَأْخُذُوا أَسْلِحَتَهُمْ.
فإن قال قائل: لعل هذا الأمر للإباحة؛ لأنه لما كان من المتوهَّم أن المصلّي لا يحمل شيئًا يشغله أمر بذلك، فكان هذا الأمر للإباحة، وإن شئت انتقلنا إلى أن يكون الأمر للاستحباب؛ لأن حمل ما يشغل مع أنه مكروه في غير صلاة الخوف يدل على أن حمله في صلاة الخوف مستحب؟
قلنا: كلا الاحتمالين يبطلان بقوله في آخر الآية: وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ كَانَ بِكُمْ أَذًى مِنْ مَطَرٍ أَوْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَنْ تَضَعُوا أَسْلِحَتَكُمْ، فإن هذا يدل على أيش؟ على وجوب حمل السلاح، وأنه لا يُرخَّص بترك حمله إلا لسبب؛ مرض أو أذى، وهذا هو القول الراجح أنه يجب حمل السلاح في صلاة الخوف.
ومن فوائد الآية الكريمة: الرخصة في حمل النجاسة في هذه الحال.
طلبة: حمل الأسلحة.
الشيخ: كيف؟
طلبة: (...).
الشيخ: نعم، هذا يتوقف على القول بأن الدم نجس، وأن الغالب أن الأسلحة -ولا سيما بعد بدء القتال- لا تخلو من دماء، ولهذا قال العلماء: يجوز في هذه الحال أن يحمل الإنسان سلاحًا نجسًا؛ لأن الحاجة داعية لذلك.
ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن السجود ركن من أركان الصلاة؛ لأنه عبّر به عن إتمام الصلاة، قال شيخ الإسلام ابن تيمية: ولا يُعَبَّر عن الكل بالجزء إلا والجزء ركن فيه لا يمكن أن يصح بدونه.
ومن فوائد الآية الكريمة: فضيلة السجود؛ لقوله: فَإِذَا سَجَدُوا فَلْيَكُونُوا مِنْ وَرَائِكُمْ، حيث خصَّه من بين سائر الأركان، وإلا فإن قَبْله ركوع.
طلبة: والقيام.
الشيخ: وقيام بعده، وجلوس بين السجدتين.
ومن فوائد هذه الآية: أنه لا يجب التشهّد ولا السلام، لا التشهّد ولا التسليم؛ لقوله: فَإِذَا سَجَدُوا فَلْيَكُونُوا مِنْ وَرَائِكُمْ، فيقال: نعم، هذا ظاهر الآية، لكن الشريعة يُكمَّل بعضها ببعض، وقد قال عبد الله بن مسعود رضي الله عنه: كنّا نقول قبل أن يُفرض علينا التشهُّد . فصرح عبد الله رضي الله عنه بأنه فريضة، والنصوص يكمِّل بعضها بعضًا، وعلى هذا فنقول: إن قوله: إِذَا سَجَدُواأي: أتموا صلاتهم (بالس...).
ومن فوائد هذه الآية الكريمة: توجيه المصلين صلاة الخوف إلى أن يكونوا من وراء المصلين ليحموا ظهورهم؛ لقوله: فَلْيَكُونُوا مِنْ وَرَائِكُمْ.
فإن قال قائل: لماذا لا يكونون أمامهم ووجوههم نحو العدو؟
قلنا: هذا غلط؛ لأنهم إذا كانوا أمام المصلّين فإنهم يشوّشون على المصلين، لا سيما وأن وجوههم ستكون مواجِهة لوجوه المصلين، وأيضًا فإن وجوه المصلّين لا حاجة إلى أن يكون هؤلاء في جهتهم، لماذا؟
طالب: لأنهم يرونهم.
الشيخ: لأنهم يرونهم، لكن هم محتاجون إلى أن يكونوا من ورائهم حتى لا يبغتهم أحد في حال السجود أو في حال القيام أيضًا.
ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن ظاهرها أن الآخرين يصلّون جماعة؛ يعني الذين أرادوا أن يُتِمُّوا الصلاة يصلون جماعة؛ لقوله: فَإِذَا سَجَدُوا، يعني: إذا تخلّفوا عن الإمام والإمام قد قام الآن إلى الثانية فإنهم يتمون جماعة، فيقال: نعم، هذا ظاهر الآية، لكنه ليس صريحًا، ولهذا الظاهر أنهم يتمون فرادى، كلٌّ يتم لنفسه، ثم يذهبون جميعًا إلى الميدان.
ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن المشروع للإمام في صلاة الخوف إطالة الركعة الثانية، من أين يؤخذ؟
طلبة: من فعلهم.
الشيخ: من فعلهم؛ لأنهم إذا كانت الطائفة الأولى سوف تنهي صلاتها، ثم تذهب، ثم تأتي الثانية، ثم تدخل مع الإمام وينتظرها حتى تقرأ الفاتحة فسيكون الوقوف طويلًا، وهو كذلك.
ومن فوائد هذه الآية: جواز انفراد الإنسان عن الإمام لعُذر، وجهه أن الطائفة الأولى انفردت وأتمّت صلاتها، فإذا حصل للإنسان عذر لا يستطيع معه إتمام صلاته مثل أن يطرأ عليه حقن أو ما أشبه ذلك فله أن ينفرد ويُتمم صلاته إن كان يستفيد بهذا الانفراد، بحيث يكون صلاته مع الإمام أطول من صلاته إذا انفرد، ويأتي -إن شاء الله تعالى- بقية البحث في هذه الآية الكريمة. (...)
***
أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله تبارك وتعالى: وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلَاةَإلى آخره.من فوائد هذه الآية: مشروعية صلاة الخوف على هذا الوجه وذكرناها، وذكرنا أن بعض العلماء قال: إنه لا تُشرع صلاة الخوف إلا إذا كان فيها الرسول صلى الله عليه وسلم، وبيّنّا ضعف هذا القول، أليس كذلك؟ وصلنا إلى أيش؟
الطالب: جواز انفراد الإنسان عن الإمام لعذر؛ إذا حُقِن، أو لضيق أو ما أشبه ذلك، وهذا يشترط أن يستفيد من انفراده.
الشيخ: نعم، بشرط أن يستفيد من انفراده، أتعرفون هذا الشرط؟ بشرط أن يستفيد من انفراده؛ يعني أنه لو بقي مع الإمام لتأخّر أكثر، فهو يريد أن يقتصر على الواجب ويُسرع، هذا معنى اشتراط أن يستفيد من انفراده، الإمام يأتي بالواجب والمستحبّ فيتأخر، وهو يريد أن يقتصر على الواجب وينصرف، هذا مستفيد، أما إذا كان الإمام يُسرع ولا يتميّز عنه، أي: هذا المنفرد بإسراع فإنه لا يجوز أن ينفرد؛ لأنه لا يستفيد من الانفراد.
من فوائد الآية الكريمة: جواز إقامة جماعتين للحاجة في مكان واحد، جواز إقامة جماعتين في مكان واحد للحاجة، وجهه؟
طالب: (...).
الشيخ: ومثال الحاجة أن يكون المسجد ضيقًا كالمساجد التي تكون في السوق المزدحم بالباعة والمشترين فلا يسعهم المصلّى، ولا يتمكّنون من المتابعة في السوق، فنقول: لا بأس أن تصلّي الجماعة الأولى، ثم تأتي جماعة أخرى بعدها.
من فوائد الآية الكريمة: أن الإنسان يجب أن يكون حذرًا كلما دعت الحاجة إلى الحذر، وجهه أن الله قال في الطائفة الثانية: وَلْيَأْخُذُوا حِذْرَهُمْ، الطائفة الأولى لم يقل ذلك، وقد ذكرنا الفرق بين هذا وهذا، وما هو؟
طالب: أن الأعداء تهيؤوا للقضاء عليهم إذ إنهم مشغولون بالصلاة.
الشيخ: هذه واحدة، الفرق الأول: أن الطائفة الأولى تشاغلت بالصلاة في وقت لا يمكن أن يستعد العدو لمهاجمتهم، والفرق الثاني: أن الطائفة الثانية إذ دخلت في الصلاة في حال عرف العدو أنهم مشتغلون بصلاتهم، فرأى الفرصة في الكرّ عليهم.
من فوائد الآية الكريمة: أن الطائفة الثانية أدركت جميع الصلاة بخلاف الطائفة الأولى، من أين تؤخذ؟
طالب: (...).
الشيخ: ظرف؛ لأن الله قال: فَلْيُصَلُّوا مَعَكَ، وقال في الأولى: فَإِذَا سَجَدُوا فَلْيَكُونُوا مِنْ وَرَائِكُمْ.
ويتفرع على هذه الفائدة: عدل الشريعة الإسلامية، ووجهه أن الطائفة الأولى لما أدركت فضل تكبيرة الإحرام مع الإمام عُوِّضت الثانية بكونها أدركت الصلاة مع الإمام، وهذا لا شك أنه من عدل الشريعة.
ومن فوائد الآية الكريمة: أن أعداء المسلمين يتربصون بهم الدوائر ويتحيّنون الفرص، (...) بيّن لنا ما أخذنا؟
طالب: (...).
الشيخ: لا.
طالب: (...).
طالب آخر: (...).
الشيخ: وَدَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ تَغْفُلُونَ عَنْ أَسْلِحَتِكُمْ وَأَمْتِعَتِكُمْ فَيَمِيلُونَ عَلَيْكُمْ مَيْلَةً وَاحِدَةً.
هل يؤخذ من هذا أن أعداء الإسلام يستغفلون أهل العلم الذين يبيّنون للناس فضائل الإسلام وقبائح الكفر؟
نعم، يمكن، يقال: إذا كانوا يستغفلون هؤلاء في حال القتال، فكذلك أيضًا في حال السلم يستغفلونهم من أجل أن لا يردوا عليهم ولا يبينوا معايبهم.
ومن فوائد الآية الكريمة: أن الأعداء -أعداء المسلمين- يحبون الإجهاز على المسلمين بسرعة.
طالب: (...).
الشيخ: إي نعم، فَيَمِيلُونَ عَلَيْكُمْ مَيْلَةً وَاحِدَةً، وهذا هو ما صنعه الخبيث رئيس روسيا بالنسبة للشيشان؛ حيث أرسل الجيوش الجرارة العظيمة، وقال: إنه سوف يحسم الموقف بسرعة، فسياسة الكفار إذن واحدة من أول الأمر إلى آخره، يريدون القضاء بسرعة مرة واحدة؛ لأن التباطؤ يؤدي إلى فوات الفرصة عندهم فيقولون: لا نفوّت الفرصة.
ومن فوائد الآية الكريمة: نفي الإثم إذا حصل أذى بحمل السلاح.
طالب: وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ كَانَ بِكُمْ أَذًى مِنْ مَطَرٍ.
الشيخ: أَوْ كُنْتُمْ مَرْضَى.
طالب: أَنْ تَضَعُوا أَسْلِحَتَكُمْ.
الشيخ: أَنْ تَضَعُوا أَسْلِحَتَكُمْ.
ومن فوائد الآية الكريمة: وجوب حمل الأسلحة، وجهه؟
طالب: (...).
الشيخ: لا، وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ كَانَ بِكُمْ أَذًى مِنْ مَطَرٍ أَوْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَنْ تَضَعُوا أَسْلِحَتَكُمْ، فنفى الجناح متى؟ عند التأذي، فدل ذلك على أنه إذا لم يكن تأذيًّا فواجب.
ومن فوائد الآية الكريمة: جواز حمل السلاح النجس في هذه الحال.
طالب: (...).
الشيخ: من أين نأخذه؟
الطالب: (...).
الشيخ: لكن هذا نفي، نفي الجناح عن (...) سلاح، من أين نأخذ أنه يجوز حمل السلاح ولو كان نجسًا؟
الطالب: أَنْ تَضَعُوا أَسْلِحَتَكُمْ.
الشيخ: هذا في الوضع، الآية في وضع السلاح.
الطالب: (...).
الشيخ: لكنه قال بالأول: وَلْيَأْخُذُوا أَسْلِحَتَهُمْمن هنا أمر بأخذ الأسلحة مطلقًا مع أنها أحيانًا تكون ملوّثة بالدم.
يتفرع على هذه الفائدة: أن من لم يجد إلا ثوبًا نجسًا فإنه يصلي فيه ولا إعادة عليه، وجهه؟
طالب: وهو بجملة الأسلحة يجوز حملها مع النجاسة لافتًا أنه من أخذ بالخيار إما أن هناك عذرًا لشيء يجوز الصلاة فيها وهي فيها نجاسة..
الشيخ: لأنه لو لم تجز الصلاة فيها لوجب وضعها، وهذا هو القول الراجح خلافًا لمن قال: من لم يجد إلا ثوبًا نجسًا فإنه يلزمه أن يصلي فيه ويعيد، وهذا قول ضعيف، ولا يمكن أن الله يُوجب على عباده العبادة مرتين.
ومن فوائد الآية الكريمة: وجوب أخذ الحذر من الكفار.
طالب: لقوله تعالى: وَخُذُوا حِذْرَكُمْ.
الشيخ: نعم، خُذُوا حِذْرَكُمْ، وهل يشمل هذا أخذ الحذر من هؤلاء الكفار اليوم؟
طالب: نعم.
الشيخ: نعم، قياسًا أو دخولًا في اللفظ؟
الطالب: دخولًا في اللفظ.
الشيخ: دخولًا في اللفظ.
من فوائد الآية الكريمة: تهديد الكفار بما أعدّ الله لهم.
طالب: إِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُهِينًا.
الشيخ: ما معنى مهين؟
الطالب: مذلّ.
الشيخ: إي، يعني يلحق الهوان بهم، بارك الله فيك.
وقد ذكرنا هل هذا العذاب في الدنيا أو في الآخرة وبيّنّا أنه فيهما جميعًا.
***
ثم قال الله عز وجل: فَإِذَا قَضَيْتُمُ الصَّلَاةَ فَاذْكُرُوا اللَّهَ [النساء: ١٠٣].
قَضَيْتُمُالقضاء يراد به الإتمام في اللغة العربية؛ أي: فإذا أتممتم، ويأتي القضاء بمعنى الإتمام في عدة مواضع من القرآن مثل قوله تعالى: فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَوَاتٍ [فصلت: ١٢]؛ أي: أتمهن؛ أي: فإذا أتممتم الصلاة وأنهيتموها فاذكروا الله قيامًا وقعودًا، إلى آخره.
نأخذ الإعراب قبل، كما هو الذي نريد أن نتبعه إن شاء الله، إِذَاأداة الشرط، وفعل الشرط (قضى)، وجواب الشرط فَاذْكُرُوا اللَّهَ، وقُرِن بالفاء؛ لأنه طلب، والجملة الطلبية إذا وقعت جوابًا للشرط وجب اقترانها بأيش؟ بالفاء.
وقوله: قِيَامًاحال من الفاعل في اذْكُرُوايعني: حال كونكم قيامًا وقعودًا، الواو هنا هل هي بمعنى (أو)، يعني: قيامًا أو قعودًا؟ أو هي لمطلق الجمع، أي: اذكروا الله في حال قيامكم وفي حال قعودكم؟
طلبة: الثاني.
الشيخ: الثاني أحسن.
وَعَلَى جُنُوبِكُمْمعطوفة على الحال قِيَامًا، وعلى هذا فيكون الجار والمجرور في موضع نصب على الحال.
فَإِذَا اطْمَأْنَنْتُمْ فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ، يقال في جملة: فَإِذَا اطْمَأْنَنْتُمْ فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَما قيل في قوله: فَإِذَا قَضَيْتُمُ الصَّلَاةَ فَاذْكُرُوا اللَّهَ.
إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًاموضع الجملة مما قبلها أنها تعليل.
وقوله: كِتَابًاخبر (كان)، ومَوْقُوتًاخبر ثانٍ، ولا يصح أن تكون صفة.
يقول الله عز وجل: إِذَا قَضَيْتُمُ الصَّلَاةَأي: فرغتم منها، والصلاة هنا (أل) فيها للعهد وليست للجنس، وإنما قلنا ذلك؛ لأنه لا يُشرع الذكر دُبُر كل صلاة، إنما يكون دبر الصلوات المكتوبة، وعلى هذا فـ(أل) للعهد الذهني، وإن شئت فقل: الذِّكْري؛ لأن الله قال: وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلَاةَ.
وقوله: فَاذْكُرُوا اللَّهَ قِيَامًاأمَر الله تعالى بذكره، وهذا مجمَل، لم يُبَيَّن كيف يذكر ولا في ماذا يذكر، ولكن السنة بَيَّنت ذلك، فهو كقوله: أَقِيمُوا الصَّلَاةَ، ولم يبيّن، والسنة بيّنت ذلك.
وقوله: اذْكُرُوا اللَّهَهل المراد: اذكروه باللسان، أو بالقلب واللسان، أو بالقلب فقط؟
طلبة: بالقلب واللسان.
الشيخ: بالقلب واللسان، هذا هو المطلوب، لكن مَن ذكر بلسانه حصل المقصود إلا أنه ناقص؛ لأن الذكر ذِكر القلب؛ لقوله تعالى: وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ [الكهف: ٢٨].
وقوله: قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِكُمْبيان للحال التي يذكر الإنسان فيها ربه بعد الصلاة أنه على أي حال فليذكُر الله.
وقوله: فَإِذَا اطْمَأْنَنْتُمْفِعل مِن الطمأنينة، والطمأنينة هي زوال القلق، والمراد بالطمأنينة هنا زوال الخوف والعدوّ.
وقوله: فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَأي: أدّوها تامة كما تؤدونها قبل الخوف.
ثم قال: إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْإلى آخره؛ يعني من جملة إقامة الصلاة أن تؤدَّى في وقتها، بدليل الجملة التعليلية بعد ذلك؛ وهي قوله: إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا.
أفادت الآية الكريمة فوائد؛ أولًا: الأمر بذكر الله بعد انتهاء الصلاة؛ لقوله: فَإِذَا قَضَيْتُمُ الصَّلَاةَ فَاذْكُرُوا اللَّهَ.
فإن قال قائل: ما الجمع بين هذه الآية وبين آية الجمعة، حيث قال: فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا [الجمعة: ١٠]؟
قلنا: الجواب هو أن لكل مقام مقالًا؛ ففي سورة الجمعة منعهم الله من البيع بعد نداء الجمعة حتى يصلّوا، فكأن الناس محبوسون عن البيع والشراء مدة الصلاة، فكان أهم ما يكون أو من أهم ما يكون عندهم أن يُطلَق حسبهم، ولهذا قال: فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ، والأمر في قوله: فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِليس للوجوب ولا للاستحباب، ولكنه للإباحة، كما سيأتي إن شاء الله تعالى، أما هنا فليس هناك أمر بالحضور إلى الصلاة وترك البيع والشراء، فلهذا بدأ بالذِّكر.
من فوائد الآية الكريمة: أنه لا يُشرع الدعاء بعد التسليم، من أين يؤخذ؟ من قوله: إِذَا قَضَيْتُمُفَاذْكُرُوا، ولم يقل: فادعو الله.
فإن قال قائل: أليس من المشهود أن الإنسان إذا سلّم استغفر ثلاثًا؟
قلنا: بلى، لكن هذا الاستغفار استغفار لمحوّ ما عسى أن يكون في الصلاة من تفريط أو إخلال، فهو -في الحقيقة- تابع لها، ولهذا كان من الأفضل أن يبادر به الإنسان قبل الذكر حتى يزيل ما في الصلاة من إخلال وتقصير.
ومن فوائد الآية الكريمة: أن الذكر بعد الصلاة لا يُشترط أن يجلس الإنسان حتى ينهيه، بل له أن يذكر ولو كان قد انصرف؛ لقوله: قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِكُمْ؛ على أي حال.
ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن الذكر لا ينقص إذا قعد الإنسان من قيام، أو قام من قعود، أو اضطجع.
طالب: (...).
الشيخ: وهذا هو الأصل، أنه لا ينقص بكون الإنسان قائمًا أو قاعدًا أو مضطجعًا، اللهم إلا أن يترتب على ذلك أنه إذا كان قائمًا فهو أنشط له، لكن الغالب أن القاعد أخشع؛ لأن القائم ليس يقوم ويقف، سوف يمشي.
ومن فوائد الآية الكريمة: أن الواجب إذا زال الخوف أن تُعاد إقامة الصلاة على ما كانت عليه حين الأمن؛ لقوله: فَإِذَا اطْمَأْنَنْتُمْ فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ.
ومن فوائد الآية الكريمة: أن الصلاة فرض؛ لقوله: كِتَابًا؛ لأن كتابًا بمعنى: فرضًا.
فإن قال قائل: الآية الكريمة فيها: كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَفهل ظاهره أن غير المؤمنين لا تجب عليهم الصلاة؟
قلنا: نعم، غير المؤمنين لا تجب عليهم الصلاة؛ بمعنى أنهم لا يطالَبون بها، بل يقال: أيش؟ أسلِموا ثم صلّوا، ولهذا لو صلّى وهو باقٍ على كفره لم تقبل منه.
فإن قال قائل: هل في هذه الآية دليل على من قال: إن الكفار لا يُخاطَبون بفروع الإسلام؟
نقول: نعم، استدلوا بها، لكن استدلالهم لا يتعين؛ لقوله تعالى في سورة المدثر: إِلَّا أَصْحَابَ الْيَمِينِ (٣٩) فِي جَنَّاتٍ يَتَسَاءَلُونَ (٤٠) عَنِ الْمُجْرِمِينَ (٤١) مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ [المدثر: ٣٩-٤٢]، يعني: أي شيء أدخلكم في النار؟ قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ [المدثر: ٤٣]، فدل ذا على أن الكفّار مُخاطَبون بفروع الإسلام، وهذا هو الحق، لكنهم لا يُلزَمون بها على كفرهم، بل يقال: أسلموا، ثم صلّوا.
ومن فوائد الآية الكريمة: أن الصلاة موقّتة؛ لقوله: مَوْقُوتًا، وهذا مما يوجب أن يجتمع الناس عليها؛ لأنها لو كانت غير موقّتة لاختلف الناس؛ هذا يصلي في الصباح، وهذا في الظهر، وهذا في العصر، ويصلّون سبع عشرة ركعة في أي وقت شاؤوا، لكن من أجل أن يكون الناس متحدّين في وقت واحد حُدِّدت الأوقات، وهذه الآية -كما ترون- مطلقة لم يبيّن فيها الوقت لكن بيّنته السنة تفصيلًا وبيّنه القرآن بنوع من الإجمال في موضع آخر، مثل قوله تعالى: أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ وَقُرْآنَ الْفَجْرِ [الإسراء: ٧٨]، فإن هذه الآية انتظمت أوقات الصلوات الخمس.
لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَىهذه قال بعض المعربين: إن اللام في قوله: لِدُلُوكِبمعنى (مِن) بدليل الغاية، فيكون معنى الآية: من دلوك الشمس إلى غسق الليل، ودلوك الشمس هو زوالها، وغسق الليل شدة ظلامه، وأشد ما يكون الليل ظلامًا؟
طالب: أشد ما يكون الليل ظلامًا ثلثه (...).
الشيخ: لا.
طالب: (...).
الشيخ: منتصف الليل؛ لأن منتصف الليل أبعد ما تكون الشمس عن الأرض، إذن في الآية الكريمة حددت الوقت من زوال الشمس إلى غسق الليل، لكن الله جعله وقتًا واحدًا؛ لأن هذه الأوقات الأربعة كلها متوالية، يدخل وقت العصر بخروج وقت الظهر، ووقت المغرب بخروج وقت العصر، ووقت العشاء بخروج وقت المغرب، إلى منتصف الليل، فما بعد منتصف الليل ليس وقتًا، من نصف الليل إلى طلوع الفجر ليس وقتًا، ولهذا لو أن المرأة طهرت بعد نصف الليل لم يلزمها صلاة العشاء ولا صلاة المغرب بالأوْلى.
لكن السُّنة فسّرت أيضًا تفسيرًا زائدًا على هذا؛ وقت الظهر من زوال الشمس إلى أن يصير ظل كل شيء مثله بعد فيء الزوال، والعصر إلى اصفرار الشمس، والضرورة إلى الغروب، والمغرب إلى مغرب الشفق الأحمر، والعشاء إلى نصف الليل، كما ثبت ذلك في صحيح مسلم من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما.
ومن فوائد الآية الكريمة: الإشارة إلى أن الوقت مُقدّم على جميع الشروط، وجهه أن الله تعالى لما ذكر صلاة الخوف، ثم صلاة الأمن بيّن أن هذا من أجل مراعاة الوقت، والأمر كذلك؛ أي أن الوقت مقدّم على جميع الشروط؛ ولهذا إذا لم تجد ماء ماذا تصنع؟ تيمّم حتى تصلي في الوقت، إذا لم تجد ماءً ولا ترابًا صلِّ على حسب حالك، إذا لم تجد ثوبًا تستر به العورة صلّ على حسب حالك، ولا تنتظر حتى تحصل على ثوب؛ لأن الوقت مقدّم على كل شيء.
يستفاد من هذه الآية أيضًا: أن الإنسان لو قدّم الصلاة كلها أو جزءًا منها -ولو يسيرًا- على الوقت فإنها لا تصح، ولهذا لو كبّر لصلاة المغرب قبل مغيب الشمس بمقدار التكبيرة فإنها لا تصح، إن أخّر الصلاة عن وقتها فإن كان لعذر صحّت، ودليل هذا قوله صلى الله عليه وسلم: «مَنْ نَامَ عَنْ صَلَاةٍ أَوْ نَسِيَهَا فَلْيُصَلِّهَا إِذَا ذَكَرَهَا» ، وإن كان لغير عذر فقد اختلف العلماء في هذه المسألة، فجمهورهم على أنه يلزمه أن يصلي.
وقال شيخ الإسلام رحمه الله: لا يلزمه أن يصلّي، بل ولا تصح الصلاة منه.
وما ذهب إليه الشيخ هو الصواب، ولكننا نقول له: لا تصلِّ، لا تخفيفًا عليه، ولكن عقوبة له؛ لأنه غير مقبول منه؛ إذ لو قُبِلت الصلاة بعد وقتها ممن أخّرها عن وقتها عمدًا لم يكن للتهديد فائدة، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: «مَنْ عَمِلَ عَمَلًا لَيْسَ عَلَيْهِ أَمْرُنَا فَهُوَ رَدٌّ» .
وعليه فإذا جاءنا رجلان بعد طلوع الشمس أحدهما ترك صلاة الفجر عمدًا، والثاني تركها نومًا لعدم من يوقظه، فيَسألان: أنصلي صلاة الفجر بعد طلوع الشمس أو لا؟ ماذا نقول؟
نقول: أما مَن غلبه النوم فيصلي، وأما الثاني فلا يصلي، كيف تسهّلون على المتعمد وتؤاخِذون النائم؟!
نعم، نحن لم نتساهل معه، ولم نيسّر له، بل هذا عقوبة له، أن الله لا يقبل منه لو صلّى ألف مرة؛ لأنه متعدٍّ لحدود الله.
طالب: قلنا: يؤخذ من الآية أن الإنسان يذكر الله عز وجل أذكار الصلاة يعني في أي مكان، لكن ما هو الأولى يا شيخ في ذكر الصلاة ووجه ذلك؟
الشيخ: نعم، الأوْلى أن يذكر الله تعالى في مكانه؛ لأن هذا أقرب إلى القيام بهذا الذكر؛ لأن الغالب أن الإنسان إذا مشى وانصرف إما أن ينسى أو يلهيه أحد أو ما أشبه ذلك، لكن في مكانه هذا أفضل لا شك.
طالب: رأينا أشخاصًا من الصوفية يتراقصون ويذكرون (...).
الشيخ: إي نعم، لكن الآية.. جاءت الأحوال هذه على حسب حال الإنسان، والواو لمطلق الجمع، وقد ذكرت لكم أنه يحتمل أن تكون الواو بمعنى (أو)، وليس المعنى أنك تقول: سبحان الله وأنت واقف، والحمد لله وأنت جالس، والله أكبر وأنت مضطجع، ما أحد يقول بهذا، السنة تبيّن وتفسّر.
طالب: هل يقدّم الوقت على الخشوع في الصلاة؟
الشيخ: إي نعم، يقدم الوقت على الخشوع في الصلاة، ولهذا لو أن الإنسان وُضِع بين يديه طعام، والوقت ضيّق، فهو إما أن يأكل من الطعام ويترك الوقت، وإما أن يصلّي مع اشتغال قلبه، نقول: صَلِّ.
طالب: أحسن الله إليكم، (...) تعمد (...)؟
الشيخ: هذا حسب حاله، بعض الناس يقول: نعم، ما دام ما أذّن الفجر أبغي أتمغّط شوي، فيُنظر إذا كان ممن يغلبه النوم فلا يفعل. (...)
***
طالب: وَلَا تَهِنُوا فِي ابْتِغَاءِ الْقَوْمِ إِنْ تَكُونُوا تَأْلَمُونَ فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَمَا تَأْلَمُونَ [النساء: ١٠٤].
الشيخ: قال الله تبارك وتعالى: وَلَا تَهِنُوا فِي ابْتِغَاءِ الْقَوْمِلما ذكر صلاة الخوف وما يترتّب عليها، ووجوب أخذ الحذر من أعدائنا، وأن أعداءنا لنا أعداء عداوتهم بيّنة، وذكر ما يتعلّق بذلك في قوله: فَإِذَا قَضَيْتُمُ الصَّلَاةَقال: وَلَا تَهِنُوا فِي ابْتِغَاءِ الْقَوْمِ.
لَا تَهِنُواأي: لا تضعفوا، ولَاناهية، وحُذفت النون من أجل النهي.
وقوله: فِي ابْتِغَاءِأي: في طلب القوم، والقوم هم أعداء المسلمين، ثم بيّن سبحانه وتعالى أنه لا وجه للوهن والضعف في طلبهم فقال: إِنْ تَكُونُوا تَأْلَمُونَ فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَمَا تَأْلَمُونَيعني هم يطلبونكم ويريدون إيلامكم، وإذا تألمتم منهم فإنهم هم أيضًا يتألّمون منكم كما تتألمون منهم، وهذا فيه التسلية للمجاهدين المقاتلين، ولكن الفرق بيننا وبينهم فرق كبير أبعد مما بين السماء والأرض: وَتَرْجُونَ مِنَ اللَّهِ مَا لَا يَرْجُونَ [النساء: ١٠٤]؛ أنتم ترجون من الله النصر الذي وُعِدْتُم به إذا اتقيتم الله عز وجل، وترجون ثواب الآخرة، هم لا يرجون ثواب الآخرة قطّ، والنصر قد يرجونه، وقد لا يرجونه، وإذا رجوه فإنما يريدون الانتصار عصبية لأوطانهم وقومهم، فصار فرق عظيم بين هؤلاء وهؤلاء، ولهذا لما نادى أبو سفيان يوم أُحُد فقال: يوم بيوم بدر والحرب سجال. أجابه الصحابة فقالوا: لا سواء، قتلانا في الجنة، وقتلاكم في النار .
فإذا كنا نساويهم في الألم؛ ألم الجراح، وألم القتل، وألم فقد المال وغير ذلك، إذا كنا نساويهم في هذا فإننا نمتاز عنهم بأننا نرجو من الله ما لا يرجون، فكيف يكونون هم أقوياء في طلبنا ونحن ضعفاء؟! هذا لا يليق.
وقوله: تَرْجُونَ مِنَ اللَّهِ مَا لَا يَرْجُونَأي: تطمعون فيما عند الله من الثواب والنصر وهم لا يطمعون في ذلك؛ لأن قلوبهم خالية من الله عز وجل.
وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا [النساء: ١٠٤]، مثل هذا يقع في القرآن كثيرًا: كَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا [النساء: ٩٦]، كَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا، فهل هو كان وزال، أو كان ولا يزال؟ كان ولا يزال؛ ولهذا نقول: إن (كان) هنا مسلوبة الزمان؛ يعني لا تدل على المضيّ، وإنما تدل على تحقّق الأمر ووقوعه لا على أنه كان فزال.
وقوله: عَلِيمًا حَكِيمًالا يخفى علينا جميعًا أن علم الله سبحانه وتعالى واسع، يشمل الماضي فلا يُنسى، والمستقبل فلا يُجهل، ويشمل الخفيّ والجليّ، ويشمل ما في حقه وحق عباده، فهو يعلم سبحانه وتعالى ماذا يجري علينا غدًا، وماذا سنعمل، ويعلم ما سيفعله سبحانه وتعالى هو بنفسه غدًا وما لا يفعله، فعلم الله واسع، ثم إن علم الله متعلّق بالواجب والجائز والمستحيل؛ ولذلك تعتبر هذه الصفة -أعني صفة العلم- من أوسع الصفات، متعلق بالواجب والجائز، يعني الممكن والمستحيل؛ تعلّقه بالواجب كعلمه جل وعلا بذاته وأسمائه وصفاته، تعلقه بالممكن هو تعلّقه بما يحدث في هذا الكون؛ لأن كل الكون من باب أيش؟
من باب الجائز والممكن، تعلقه بالمستحيل مثل قوله تبارك وتعالى: لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا [الأنبياء: ٢٢]، فهنا حكم جل وعلا أنه لو كان في السماوات والأرض آلهة غير الله لفسدتا، ووجود ذلك أيش؟
مستحيل، ومع هذا علم الله بنتائجه مع أنه مستحيل، فالحاصل أن علم الله عز وجل من أوسع الصفات.
فإذا قال قائل: ما هو العلم؟
قلنا: هو إدراك الشيء على ما هو عليه إدراكًا جازمًا، ولا نحتاج أن نقول: مطابقًا؛ لأننا قلنا: إدراك الشيء على ما هو عليه، فيغني عن كلمة (مطابقًا)، هذا هو العلم، فعدم الإدراك بالكلية أيش؟ جهل، وإدراك الشيء على خلاف ما هو عليه جهل أيضًا، لكنه جهل مركّب، وإدراك الشيء -بلا جزم بل بشكّ- ظن أو شك أو وهم، فما غلب على الظن فهو ظن، ومقابله الوهم، وما تردد الأمر فيه فهو شك.
وقوله: حَكِيمًايصلح أن تكون صفة مشبّهة من الحكمة، وأن تكون اسم فاعل حُوِّل إلى (فَعِيل) من الحُكم، فهي من باب المشترك. والقاعدة في التفسير: أنه متى احتمل اللفظ معنيين لا يتنافيان فإنه يُحمل عليهما جميعًا.
فعليه نقول: الحكيم من الحِكمة ومن الحُكم.
ثم نقول: حُكم الله عز وجل ينقسم إلى قسمين: حكم كوني وهو ما قضاه كونًا، وحكم شرعي وهو ما قضاه شرعًا.
والحكمة تنقسم أيضًا إلى قسمين: حكمة في كون الشيء على صورته التي خُلق عليها أو على صورته التي شُرِع، والحكمة الثانية حكمة غائية؛ بمعنى أن الغاية من هذا الشيء حكمة، وحينئذٍ إذا ضربت اثنين في اثنين تبلغ أربعة، حكمة في الصورة والغاية في الحكم الشرعي، وحكمة في الصورة والغاية في الحكم الكوني، الجميع أربعة؛ فمثلًا نأتي بآيات تدل على هذا؛ في سورة الممتحنة ذكر الله سبحانه وتعالى أحكامًا ثم قال: ذَلِكُمْ حُكْمُ اللَّهِ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ [الممتحنة: ١٠]، وهذا حكم شرعي.
وفي سورة يوسف قال أحد إخوته: فَلَنْ أَبْرَحَ الْأَرْضَ حَتَّى يَأْذَنَ لِي أَبِي أَوْ يَحْكُمَ اللَّهُ لِي [يوسف: ٨٠]، هذا أيش؟ هذا حكم كوني.
أما مثل قوله تعالى: وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا [المائدة: ٥٠] وأَلَيْسَ اللَّهُ بِأَحْكَمِ الْحَاكِمِينَ [التين: ٨]، وما أشبه ذلك، فالظاهر أنه شامل للحكم الكوني والشرعي.
أما الحكمة فإن الإنسان إذا تأمل المخلوقات بعناية وعقل وفهم تبيّن له أنه لا يوجد فيها شيء إلا بحكمة، حتى المصائب من الأمراض والهلاك والفتن كلها حكمة، لكن تحتاج إلى تدبُّر، وتعمق، ونظر لا إلى الأمور على وجه سطحي، تجد أن الله عز وجل قدّر هذا الشيء لحِكم عظيمة، ولا أدل على هذا من قوله تعالى: ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ [الروم: ٤١]، وقال الله تبارك وتعالى: فَأَخَذْنَاهُمْ بِالْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ لَعَلَّهُمْ يَتَضَرَّعُونَ [الأنعام: ٤٢].
والأدلة على هذا كثيرة، مع أنها مصائب لكن لها حِكم، وكم من إنسان نشاهده -في وقتنا الحاضر- تحصل عليه مصيبة إما في نفسه وإما في أهله، ويكون فاسقًا، ثم يعود، يعني أنا أعرف قضايا كان فيها الإنسان فاسقًا، ثم حصل حادث مات فيه أخوه ولّا أبوه فاهتدى، وأمثال هذا كثير، كذلك في الأمور الشرعية لا ترى شيئًا شرعه الشرع إيجادًا أو إعدامًا إلا والحكمة في ذلك.
يقول بعض أهل العلم: إن الله لم يأمر بشيء فيقول العقل: لَيْتَه لم يأمر به، ولم ينهَ عن شيء فيقول العقل: لَيْتَهُ لم ينهَ عنه.
وقد ألف شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله كتابًا، مجلدات، قال فيه: موافقة صريح المعقول لصحيح المنقول.
(صريح المعقول)؛ يعني العقل الصريح السالم من الشبهات والشهوات. (للنقل الصحيح): الكتاب وما صح عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، أما الأحاديث الضعيفة فقد يأتي فيها ما يخالف العقل.
فإذن الحكمة في حكم الله الشرعي وفي حكم الله الكوني، وكلّ منهما إما أن تكون الحكمة في صورته التي هو عليها أو في الغاية التي من أجلها حَكَم الله به.
***
طالب: أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ وَلَا تَكُنْ لِلْخَائِنِينَ خَصِيمًا (١٠٥) وَاسْتَغْفِرِ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا (١٠٦) وَلَا تُجَادِلْ عَنِ الَّذِينَ يَخْتَانُونَ أَنْفُسَهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ مَنْ كَانَ خَوَّانًا أَثِيمًا (١٠٧) يَسْتَخْفُونَ مِنَ النَّاسِ وَلَا يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللَّهِ وَهُوَ مَعَهُمْ إِذْ يُبَيِّتُونَ مَا لَا يَرْضَى مِنَ الْقَوْلِ وَكَانَ اللَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطًا (١٠٨) هَا أَنْتُمْ هَؤُلَاءِ جَادَلْتُمْ عَنْهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فَمَنْ يُجَادِلُ اللَّهَ عَنْهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَمْ مَنْ يَكُونُ عَلَيْهِمْ وَكِيلًا (١٠٩) [النساء: ١٠٥-١٠٩].الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله تعالى: وَلَا تَهِنُوا فِي ابْتِغَاءِ الْقَوْمِ إِنْ تَكُونُوا تَأْلَمُونَ فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَمَا تَأْلَمُونَ.
في هذه الآية من الفوائد:
أولًا: تشجيع المسلمين على جهاد الكفار؛ لقوله: إِنْ تَكُونُوا تَأْلَمُونَ فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَمَا تَأْلَمُونَ وَتَرْجُونَ مِنَ اللَّهِ مَا لَا يَرْجُونَ.
ثانيًا: أنه ينبغي القوة والمتابعة في طلب الكفار، وألا يلحقنا الوهن؛ لقوله: وَلَا تَهِنُوا فِي ابْتِغَاءِ الْقَوْمِ؛ أي: لا يلحقكم الوهن في طلبهم.
ومن فوائدها: أن بني آدم في الأمور البشرية على حد سواء، فإذا كان الكافر يتألم فالمؤمن يتألم، حتى الأنبياء في الأمور البشرية كغيرهم من الناس، لكنهم يختلفون عنهم في الصفات المعنوية؛ كالصبر، والتحمل، والإقدام، والعزيمة، وغير ذلك.
ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أنه ينبغي للإنسان إذا عمل العمل الصالح أن يكون راجيًا؛ لقوله: وَتَرْجُونَ مِنَ اللَّهِ مَا لَا يَرْجُونَ، متى هذا الرجاء؟ عند ابتغاء القوم وطلبهم، وهكذا ينبغي للإنسان إذا وفّقه الله للعبادة أن يكون راجيًا؛ أي: راجيًا ثوابها؛ لأن من بُشرى الإنسان أن يوفّق للعبادة، فمن وُفِّقَ للعبادة على ما يُرضي الله فهي بشرى بالقبول، كما أن مَن وُفِّق للدعاء فهو بشرى بالإجابة وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ [غافر: ٦٠]، ولهذا قال: تَرْجُونَ مِنَ اللَّهِ مَا لَا يَرْجُونَ.
وهذا ربما يكون هو الفيصل في مسألة تغليب الرجاء على الخوف، فإن السالكين اختلفوا، هل الأفضل للسالك إلى الله عز وجل أن يقدم الرجاء، أو أن يقدم الخوف، أو أن يكونا سواء؟
فمنهم من أطلق أن الأفضل أن يكونا سواء كالإمام أحمد رحمه الله، قال: الخوف والرجاء بمنزلة جناحي الطائر، إن انخفض أحدهما تعلَّى الآخر. فلا بد أن يكونا سواء، وقال: ينبغي أن يكون خوفه ورجاؤه واحدًا، فأيهما غلب هلك صاحبه.
ومن العلماء من قال: يقدّم الرجاء؛ لقول الله تعالى في الحديث القدسي: «أَنَا عِنْدَ ظَنِّ عَبْدِي بِي، وَأَنَا مَعَهُ إِذَا ذَكَرَنِي، فَإِنْ ظَنَّ بِي خَيْرًا فَلَهُ وَإِنْ ظَنَّ بِي شَرًّا فَلَهُ» .
ومنهم من قال: يغلِّب جانب الخوف حتى يكون مبتعدًا عن محارم الله؛ لأن الذي يحملك على ترْك المحارم هو الخوف من عقوباتها وآثارها السيئة.
والذي يظهر لي أن يُقال: إذا فعل الحسنة فالأوْلى أن يغلِّب جانب الرجاء، وإذا همّ بالسيئة فالأولْى أن يغلِّب جانب الخوف، هذا أحسن ما يكون، أما عند الموت فينبغي للإنسان أن يغلِّب جانب الرجاء؛ لأنه في هذه الحال يجب أن يكون عنده توبة ورجوع إلى الله عز وجل في هذه الحال؛ لأنه أحوج ما يكون إلى التوبة في ذلك الوقت.
ومن فوائد الآية الكريمة: أن الكافرين لهم رجاء، لكنه ليس كرجاء المؤمنين، ربما يؤخذ من قوله: مَا لَا يَرْجُونَ، والكافر قد يكون عنده توكُّل ولجوء إلى الله وافتقار إليه، ولا سيما إذا وقع في الشدة، أرأيتم قول الله عز وجل: فَإِذَا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ [العنكبوت: ٦٥]، فإذا لجؤوا إلى الله وصدق لجوؤهم أنقذهم الله عز وجل.
هنا أيضًا ربما يكون عندهم -حال قتال المؤمنين- رجاء، يرجون الله عز وجل أن يغلبوا المسلمين، لا سيما إذا كانوا يعتقدون أنهم على حق، فعندهم رجاء، وقد يقال: إن قوله: مَا لَا يَرْجُونَليس إثباتًا لأصل الرجاء مع الاختلاف في صفته، بل هو نفي للرجاء إطلاقًا، وهذا واقع في قوم ملحدين لا يؤمنون برب كالشيوعيين مثلًا، فإن هؤلاء لا يرجون الله إطلاقًا؛ لأنهم لا يعترفون به، فالآية صالحة لهذا ولهذا.
ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات اسمين من أسماء الله؛ هما: العليم والحكيم، وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا، وإثبات ما تضمناه من الصفة؛ وهي العلم من العليم، والحكمة من الحكيم، والحُكم من الحكيم أيضًا؛ لأن الحكيم ذو الحكمة والحكم، فيكون فيها ثلاث صفات: العلم، والحِكمة، والحُكم.
فإن قال قائل: هذا التعبير وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًايدل على أنه كان فمضى؟
فالجواب: أن يقال: لا؛ لأن (كان) هنا مسلوبة الزمان، وإنما أُتِيَ بها لتحقيق هذين الاسمين وما تضمّناه من صفات، وليست هذه للزمان أنه كان وبان.
ومن فوائد هذه الآية الكريمة: إثبات كمال الله عز وجل في حكمته تعالى؛ حيث قرن بين العلم والحكمة إشارة إلى أن حكمته صادرة عن علم وليست عن صدفة؛ لأن الإنسان قد يفعل الفعل ويكون محكَمًا متقنًا، لكن على غير علم بل صدفة، رُبَّ رَمِيَّةٍ مِنْ غَيْرِ رَامٍ، لكن حكمة الله عز وجل مقرونة بالعلم مبنيّة عليه.
ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أنه يجب علينا التفويض التام فيما لا نعلم حكمته من أحكام الله الكونية أو الشرعية، وجه ذلك أنه عليم، فعنده من العلم ما يخفى علينا، فيخفى به وجه الحكمة بالنسبة إليه؛ لأن حكمة الله صادرة عن عِلم، وأظن أننا لسنا بحاجة إلى أن نتكلم كلامًا واسعًا عن صفة العلم وصفة الحكمة؛ لأن هذا أيش؟ تكرر كثيرًا، ولا يخفى على أحد منكم.
***
ثم قال تعالى: إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ وَلَا تَكُنْ لِلْخَائِنِينَ خَصِيمًا.
إِنَّاالضمير يعود على الرب عز وجل، ولم يقل: إني، تعظيمًا لشأنه جل وعلا، وتعظيمًا للمتحدَّث عنه وهو إنزال الكتاب؛ فالتعظيم هنا لعظمة المنزِّل ولعظمة المنزَل. وكذلك
أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ(نا) هنا للتعظيم.
وقوله: إِلَيْكَالخطاب للنبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، إليه مباشرة، وإلى الناس بواسطة، كما قال تعالى: وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ نُورًا مُبِينًا [النساء: ١٧٤]، فهو منزَّل إلى الرسول مباشرة، وإلينا بواسطة الرسول عليه الصلاة والسلام.
وقوله: الْكِتَابَهو القرآن، وسمي بذلك لوجوه ثلاثة:
الوجه الأول: أنه مكتوب في اللوح المحفوظ.
والثاني: أنه مكتوب بأيدي الملائكة البررة، كما قال تعالى: فَمَنْ شَاءَ ذَكَرَهُ (١٢) فِي صُحُفٍ مُكَرَّمَةٍ (١٣) مَرْفُوعَةٍ مُطَهَّرَةٍ (١٤) بِأَيْدِي سَفَرَةٍ (١٥) كِرَامٍ بَرَرَةٍ (١٦) [عبس: ١٢-١٦].
والوجه الثالث: أنه مكتوب بأيدي البشر؛ يكتبه الناس، وقد سهّل الله لهم ذلك، فكان يُكتب من عهد الرسول عليه الصلاة والسلام وإلى يومنا هذا.
وأصل الكَتْب من الجمع؛ لاجتماع الكلمات والحروف، ومنه: الكتيبة للطائفة المجتمعة في قتال الأعداء، و(كتاب) هنا بمعنى مكتوب؛ فهو (فِعَال) بمعنى (مَفْعُول).
بِالْحَقِّالباء هنا إما أن تكون للمصاحبة، وإما أن تكون للتعدية، وكلاهما صحيح، فهو نازل بحق ليس مكذوبًا، بل هو نزل من عند الله حقًّا، وهذا الإثبات نُزُلُه من عند الله، كذلك أيضًا هو نازل بالحق، فكل ما نزل به القرآن فهو حق إن كان خبرًا فهو صدق، وإن كان حُكمًا فهو عدل، فالحق وصف للقرآن في حد ذاته، وأنه صدق ومن عند الله، وفيما جاء به، فأخباره كلها صدق وأحكامه كلها عدل، ثم مع ذلك إذا تدبّره -القرآن- جاعلًا إياه دليلًا على الحق فإنه لا بد أن يهتدي للحق، كما قال تعالى: وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ [القمر: ١٧]، وتيسيره شامل لتيسير لفظه ومعناه والعمل به، لكن يحتاج إلى تذكُّر، إذن بِالْحَقِّله معنيان؛ المعنى الأول؟
طالب: (...).
الشيخ: يعني أن ما جاء به فهو حق، إن كان خبرًا؟
الطالب: (...).
الشيخ: وإن كان حُكمًا؟
الطالب: (...).
الشيخ: طيب هذه واحدة، الثاني؟
طالب: من عند الله عز وجل.
الشيخ: يعني أنه نزل من عند الله حقًّا، مثل ما أقول لك مثلًا: حصل كذا بالتأكيد؛ يعني مؤكدًا، فيكون الحق هنا له معنيان:
المعنى الأول: أن نزوله من الله حق.
والمعنى الثاني: أن ما جاء به القرآن فهو حق.
قال: لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ، الخطاب للرسول عليه الصلاة والسلام.
لِتَحْكُمَبأي دليل يحكم؟ بالقرآن؛ فالرسول صلى الله عليه وسلم يستدل بالقرآن كما أننا نحن نستدل بالقرآن.
لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُتحكم بينهم في فصل الخصومات أو في بيان أحكام أعمالهم، أو هذا وهذا؟ هذا وهذا، فهو يحكم فيفصل بين الخصوم عليه الصلاة والسلام بما أراه الله، وكذلك يحكم بين الناس في أحكام أعمالهم، يقول: هذا حق، هذا باطل، هذا واجب، هذا محرّم، وما أشبه ذلك.
وقوله: بِمَا أَرَاكَ اللَّهُمتعلّق بـتَحْكُمَأي: تحكم بالذي أراك الله، وأَرَاكَ اللَّهُمن الرأي أو من الرؤية، أو كلاهما؟
الظاهر كلاهما، يشمل هذا وهذا؛ فيشمل ما استنبطه النبي عليه الصلاة والسلام من القرآن، وإن لم تكن دلالته صريحة باللفظ، وهذا من الرأي، أو بما أراه الله بما تبيّن له من ألفاظ القرآن. بِمَا أَرَاكَ اللَّهُويحتمل أن تكون الإراءة هنا بمعنى العلم؛ أي: بما أعلمك، فتشمل المعنيين.
وَلَا تَكُنْ لِلْخَائِنِينَ خَصِيمًالما ذكر أن الله أنزله، أنزل عليك الكتاب بالحق، نهاه أن يكون خصيمًا للخائنين؛ أي: لذوي الخيانة، والخيانة هي الغدر في موضع الأمانة، هذه هي الخيانة؛ الغدر في موضع الأمانة، وهي صفة ذم بكل حال؛ بخلاف المكر والخديعة فإنها تكون أحيانًا مذمومة وأحيانًا محمودة، إذا كانت في موضع يحسن فيه المكر والخداع فهي محمودة، وإذا كانت في موضع لا يحسن فيه الخداع والمكر فهي مذمومة، أما الخيانة فلكونها غدرًا في موضع الاهتمام فهي مذمومة بكل حال؛ ولذلك يُوصف الله بالمكر والخداع، ولا يُوصف بالخيانة، واذكروا قول الله عز وجل: إِنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ [النساء: ١٤٢]، وقوله: فَقَدْ خَانُوا اللَّهَ مِنْ قَبْلُ فَأَمْكَنَ مِنْهُمْ [الأنفال: ٧١]، ولم يقل: فخانهم، وكان مقتضى المقابلة أن يقول: فخانهم، كما قال: يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ [النساء: ١٤٢]، لكن الخيانة لما كانت صفة ذم بكل حال صار الله تعالى منزَّهًا عنها.
وَلَا تَكُنْ لِلْخَائِنِينَ خَصِيمًاأي: مخاصِمًا، وهل يكون عليهم خصيمًا؟ نعم، يعني: ضدهم.
في هذه الآية فوائد؛ منها: بيان عظمة الرب؛ لقوله: إِنَّا..





