تفسير سورة النساء - 32
عدد الزيارات 2517

عناصر المادة :
تفسير الآية (106)
تفسير الآية (107)
تفسير الآية (108)
تفسير الآية (109)
تفسير الآية (110)

منها: بيان عظمة الرب؛ لقوله: إِنَّا، فإن قيل: هل تعظيم المتكلم نفسه صفة مدح أو صفة ذم؟
نقول: أما بالنسبة لله عز وجل فهي صفة مدح لا شك؛ لأنه جل وعلا هو المتكبر المتعالِ المستحق للحمد والمدح.
أما من الإنسان فهذا فيه تفصيل؛ قد يكون من المستحسَن أن تعبر عن نفسك بصيغة التعظيم إذا كان في ذلك إهانة للأعداء وبيان لمنزلتك؛ فإن التعظيم في هذا المكان أمر ممدوح، قال النبي صلى الله عليه وسلم في مشية الخيلاء: «إِنَّهَا لَمِشْيَةٌ يُبْغِضُهَا اللَّهُ إِلَّا فِي هَذَا الْمَوْطِنِ» .
ولما كانت رسل قريش تأتي إلى الرسول عليه الصلاة والسلام في صلح الحديبية كان المغيرة بن شعبة واقفًا على رأسه ومعه السيف ، وهذا تعظيم يُنهَى عنه، الرسول كان يأمر المصلين خلف مَن كان قاعدًا أن يصلوا قعودًا ، لكن في هذا المقام لإغاظة الأعداء كان ممدوحًا، كما أنه عليه الصلاة والسلام في تلك الحال كان إذا بصق البصاق يتلقاه الصحابة رضي الله عنهم بأيديهم يمسحون بذلك وجوههم وصدورهم، ولم يكونوا يفعلون هذا في كل حال، لكن إغاظة للكفار، وكانوا يقتتلون على وَضُوئِهِ.
وقد أثَّر هذا في رسول قريش، لما رجع إلى قريش ماذا قال؟ قال: دخلت على الملوك وكسرى وقيصر والنجاشي فلم أرَ أحدًا يعظمه أصحابه مثلما يعظم أصحاب محمد محمدًا ، عليه الصلاة والسلام، وكان لها تأثير، المهم أن من التواضع أن يذكر الإنسان نفسه بصيغة المفرد، لكن في مقام ينبغي فيه أن يكون معظِّمًا لنفسه معتدًّا بشخصه فإنه ينبغي أن يذكر اللفظ الدال على التعظيم.
ومن فوائد الآية: علُوّ الله عز وجل؛ لقوله: أَنْزَلْنَا، والنزول لا يكون إلا من علو، والقرآن كلام الله، فإذا كان القرآن نازلًا لزم أن يكون المتكلم به عاليًا.
ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن القرآن كلام الله غير مخلوق؛ لقوله: أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ.
فإذا قال قائل: هذا الاستدلال ممنوع؛ لأن الله قال سبحانه وتعالى: وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورًا [الفرقان: ٤٨]، وقال: وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ الْأَنْعَامِ ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ [الزمر: ٦]، وقال: وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ [الحديد: ٢٥]، وكل هذه مخلوقة، فلا يلزم من إنزال الله شيئًا أن يكون غير مخلوق؟
فالجواب أن يقال: هذه أعيان قائمة بنفسها منفصلة عن مُنْزِلها، أليس كذلك؟
الطلبة: بلى.
الشيخ: بلى، أما القرآن فهو كلام، والكلام ليس عينًا قائمة بنفسها، بل هو وصف للمتكلم، فإذا كان الله أنزله لزم أن يكون الله فوق، وبهذا بطلت شبهة الجهمية والمعتزلة الذين يقولون بخلق القرآن.
ومن فوائد هذه الآية الكريمة: المنْقَبَة العظيمة لمحمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم؛ لقوله: إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ [النساء: ١٠٥].
ومن فوائدها: جواز كتابة القرآن، وهذا أمر متفَّق عليه بين الأمة، بل قد تكون كتابته واجبة، ولكن على أي وجه يُكتب؟ أبالحروف اللاتينية، أم بالحروف العربية، وبالخط الكوفي، أو الخط الفارسي، أو بأي شيء؟
أحسن ما يُكتب به أن يكون على الحرف العثماني، هذا أحسن ما يكون، لكن هل يجوز أن يُكتب على غير هذا الوجه بالقواعد المعروفة عند الناس، مثل (الصلاة) نكتبها لام ألف بعدها هاء، الزكاة كذلك؟ أو أن نكتبها على الخط العثماني؟
للعلماء في ذلك قولان، بل ثلاثة:
الأول: أنه يجب أن يُكتب بالخط العثماني، وإن خالف القواعد المعروفة العرفية.
والثاني: يجب أن يُكتب حسب القواعد العرفية حتى لا يخفى على العامة؛ لأن العامة لولا أنهم يتلقون الزكاة من أفواه العلماء بهذا اللفظ لنطقوا بها حسب الكتابة أيش؟ (الزكوة)، وكذلك (...) وأمثاله، فيجب أن يُكتب بالخط العُرفي حتى لا يشتبه على الناس.
والقول الثالث: التفصيل؛ إذا كان المقصود التعليم فليُكتب بالخط العرفي؛ لأنه أقرب، وإذا كان المقصود التلاوة ونحن نتكلم أو نكتب لقوم يعرفون القرآن تلاوةً فيكون بالخط العثماني، ولم نرَ أحدًا جَوَّز أن يُكتب القرآن بشكل قصور أو سيارات، أو مثلًا إذا كتب (والطير) كتبها بصورة طائر، (الجبال) يكتبها بصورة جبل، ن وَالْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ [القلم: ١] يكتبها بصورة نون، هذا ما رأينا أحدًا فعله، وهو إلى الاستهزاء بكتاب الله أقرب منه إلى التعظيم، والتعظيم له حدود، لا بد أن يكون بالحدود الشرعية.
أرأيت لو قال قائل: أنا أريد أن أقدِّس الكتاب العزيز وأحمله في جيبي حتى في موضع قضاء الحاجة؛ لأني أنا أحب القرآن، خلُّوه معي دائمًا، ماذا يكون؟ يصح هذا ولّا ما يصح؟ لا يصح؛ لأن التعظيم في حدود، تكتب مثلًا على جدرانك: قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (١) اللَّهُ الصَّمَدُ (٢) لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ (٣) وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ [الإخلاص: ١-٤] ما تقدر تقرؤها، إذا رآها الإنسان ما يقدر يقرؤها؛ لأنها مرسومة على شكل قصر، وربما تُكتب على شكل البيت الذي كُتبت في مجلسه، هذا لا يُقِرُّه عاقل.
لكن مع الأسف أن الناس الآن صاروا يتعبدون لله تعالى على غير بصيرة، ولا أظن إن شاء الله أن الحامل لهم على هذا امتهان القرآن، ولكن الحامل لهم على هذا محبة القرآن بما نظنه، والعلم عند الله، لكنهم أخطؤوا الطريق، وكم من إنسان أراد خيرًا لكن أخطأ في المنهج والمسير الموصِل إلى هذا الخير.
ومن فوائد هذه الآية الكريمة: وصف القرآن بما لا يدع مجالًا للشك أن التمسك به هو الخير للأمة؛ لقوله: بِالْحَقِّ، فإذا أرادت الأمة العز والتمكين والنصر فلتكن قائمة بالقرآن الكريم؛ لأن القرآن نزل بالحق.
ومن فوائد هذه الآية الكريمة: إثبات العلل في أفعال الله الشرعية، والكونية، من أين تؤخذ؟ من قوله: لِتَحْكُمَ؛ لأن اللام للتعليل، ولا شك أن تعليل أحكام الله عز وجل ثابتة ثبوتًا قطعيًّا لا إشكال فيه، وأنها من تمام صفاته.
وقد أنكر قوم أن يكون فعل الله تعالى أو حكمه لحكمة، وقالوا: إن أفعال الله ما لها حكمة؛ لأنه لا يُسأل عما يفعل، وهم يُسألون، ولأنه يفعل لمجرد مشيئة.
لكنهم أخطؤوا؛ أخطؤوا باستدلالهم، وأخطؤوا بحكمهم؛ لأننا لو رفعنا الحكمة عن أفعال الله وأحكامه لكانت أحكامه وأفعاله: لعبًا، ولهوًا، ولغوًا، والله عز وجل يقول: وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا بَاطِلًا ذَلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنَ النَّارِ [ص: ٢٧]، ويقول عز وجل: وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لَاعِبِينَ (٣٨) مَا خَلَقْنَاهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ [الدخان: ٣٨، ٣٩]، ويقول جل وعلا: أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ [المؤمنون: ١١٥]، ويقول تعالى: أَيَحْسَبُ الْإِنْسَانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدًى [القيامة: ٣٦]، إلى غير ذلك من الآيات الدالة على أن الأفعال بلا حكمة لعب، ولهو، وسُدى، وعبث.
والغريب استدلالهم بالآية لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ [الأنبياء: ٢٣]، أيضًا الآية دليل عليهم؛ لأنه لا يُسأل عما يفعل؛ لكمال حكمته، أفعاله كلها ما تحتاج إلى سؤال، معروف حكمتها واضحة، وقد تخفى علينا، لكن هذا هو الأصل، أما نحن فنُسأل.
وأما تعليلهم بأنه لو كان يفعل لحكمة لكانت أفعاله واجبة؛ لأن الحكيم يجب أن يَتْبَع ما تقتضيه الحكمة، فنقول: وليكن ذلك، وليكن هذا، لكن من الذي أوجب عليه هذه الأفعال؟ هو الله، كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ [الأنعام: ٥٤] إِنَّ عَلَيْنَا لَلْهُدَى [الليل: ١٢]، التزم الله بالهدى والبيان للناس، وأما الملك فقال: وَإِنَّ لَنَا لَلْآَخِرَةَ وَالْأُولَى [الليل: ١٣].
طالب: قلنا يا شيخ: الإنسان إذا فعل الحسنة فليغلِّب الرجاء، وإذا همَّ بالسيئة يغلب الخوف (...)؟
الشيخ: كيف؟
الطالب: (...).
الشيخ: الإنسان حارث وهمام، كل إنسان حارث وهمام، لا بد أن يكون لك همة، ما يمكن الإنسان يجد من دون همة أبدًا.
طالب: شيخ، حتى هذه المرات ما يكون لا عمل حسنة، ولا سيئة.
الشيخ: ويش يزود؟
الطالب: هل يغلِّب الرجاء هنا أم يساوي بينهم.
الشيخ: لا بد بينظر، إذا كان عاقلًا بيحاسب نفسه، بينظر أيهما أكثر؛ حسناته أو سيئاته؟ لأنه حتى في حال الغفلة التي ذكرت سيكون غافلًا حتى عن الرجاء والخوف.
طالب: هل نقول يا شيخ: إن الغاية الأولى من إنزال الكتاب على النبي صلى الله عليه وسلم هي الحكم بين الناس؟
الشيخ: لا؛ لأن هذا توطئة لما سيأتي، ولهذا قال: لِيَدَّبَّرُوا آَيَاتِهِ، كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آَيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ [ص: ٢٩]، لكن هذه توطئة لما سيأتي.
طالب: إذا قلنا: تعدد غايات؟
الشيخ: على كل حال، إذا قلنا: لِيَدَّبَّرُوا آَيَاتِهِ [ص: ٢٩] فإذا تدبروا آياته من جملة ذلك أن يحكموا بما تدبروه.
طالب: بعض الآيات يأتي فيها الخطاب للمتكلم، مثل قوله: إِنَّا أَنْزَلْنَا [النساء: ١٠٥]، وبعض الآيات يكون فيها للغائب قَالَ اللَّهُ إِنِّي مُنَزِّلُهَا عَلَيْكُمْ [المائدة: ١١٥]، مما يجعل النصارى وغيرهم (...)؟
الشيخ: لا أبدًا، هذا من بلاغة القرآن؛ لأن صيغة الخطاب بصيغة الغائب من المتكلم غالبًا تكون للعودة، كأن يقول الملك: الملك يأمر بكذا وكذا، وأيضًا موجود الآن في المراسم الملكية: نحن فلان بن فلان، ويكتب.
طالب: أحسن الله إليك، إذا ذُكِرَ مثلًا، يعني النبي صلى الله عليه وسلم، على صيغة الضمير إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ، أو مثلًا: وأن احكم بينهم بما أراك الله.
الشيخ: لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ [النساء: ١٠٥].
الطالب: نعم، وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ [المائدة: ٤٩] هل تتأكد الصلاة عليه من السامع كما تتأكد فيما لو ذُكِرَ مضمرًا، وهل يشمله..؟
الشيخ: الظاهر أن المراد الاسم إذا ذُكِر اسمه، أما الضمير فلا أظن كذلك.
طالب: شيخ، عفا الله عنك، هل نأخذ من هذه الآية إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ، أن الأصل في أعمال النبي صلى الله عليه وسلم الاجتهاد؟
الشيخ: ما وصلنا لها.
طالب: بعض الناس يقول يا شيخ: ألم تسمع الله إذ يقول؟ ما سمع الله يا شيخ.
الشيخ: إي نعم، هذا من باب التجوُّز، مثل: ألم تر الله يقول كذا وكذا؟ (...)

***

طالب: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، وَاسْتَغْفِرِ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا (١٠٦) وَلَا تُجَادِلْ عَنِ الَّذِينَ يَخْتَانُونَ أَنْفُسَهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ مَنْ كَانَ خَوَّانًا أَثِيمًا [النساء: ١٠٦، ١٠٧].

الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم،لم نكمل فوائد الآية السابقة، وهي قوله تعالى: لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ.
ففيها فوائد، منها: تفويض الأمر إلى النبي صلى الله عليه وسلم في الحكم بين الناس بما أراه الله.
ويتفرع على هذه الفائدة: أن له أن يجتهد، وهو كذلك، ثم إن لم يكن اجتهاده موافقًا للواقع فلا شيء عليه، ولهذا قال النبي عليه الصلاة والسلام: «إِنَّكُمْ تَخْتَصِمُونَ إِلَيَّ، وَلَعَلَّ بَعْضَكُمْ أَنْ يَكُونَ أَلْحَنَ بِحُجَّتِهِ مِنْ بَعْضٍ فَأَقْضِيَ لَهُ بِنَحْوِ مَا أَسْمَعُ، فَمَنْ قَضَيْتُ لَهُ مِنْ حَقِّ أَخِيهِ شَيْئًا فَإِنَّمَا أَقْتَطِعُ لَهُ قِطْعَةً مِنَ النَّارِ، فَلْيَسْتَقِلَّ أَوْ لِيَسْتَكْثِرْ» .
ومن فوائد هذه الآية الكريمة: نهي النبي صلى الله عليه وسلم أن يكون مخاصِمًا للخائنين؛ لقوله: وَلَا تَكُنْ لِلْخَائِنِينَ خَصِيمًا.
ويتفرع على ذلك: أنه لا يحل للمحامين أن يتولوا مهنة المحاماة من أجل الانتصار لمن وَكَّلَهُم، لا للحق، كما هو شأن كثير من المحامين اليوم؛ تجده يحامي عن الشخص في المخاصمات لا من أجل أن يصل إليه الحق، ولكن من أجل أن يغلب فيُعطَى ما شُرِطَ له.
ومن فوائد هذه الآية: أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم لا يعلم الغيب، وهذا يُعلم بسبب نزول الآية، وسبب نزول الآية أظن أنّا قلنا لكم؟ لا، طيب؛ أن رجلًا من الأنصار قيل: إنه منافق -والله أعلم- سرق درعًا وأخفاه، ولما علم أن الناس علموا بذلك حمله ووضعه في بيت رجل آخر، قيل: إنه يهودي، وقيل: غير يهودي، من أجل أن يُتَّهم هذا الذي جُعِل في بيته، ولما أحسَّ قومه بأن الأمر بلغ النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم ذهبوا إلى النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وقالوا: إن صاحبنالم يسرق، وإنما السارق غيره، يريدون أن يبرئه النبي صلى الله عليه وسلم من ذلك حتى يَبْرَأ؛ لأنهم قالوا له: إن لم تُبَرِّئه فإن الناس سوف يتكلمون فيه، لكن إذا جاءت براءته من عندك أسكتت الناس، فهَمَّ النبي صلى الله عليه وسلم بذلك؛ لثقته بأصحابه، وعدم ثقته باليهود، على قول أكثر المفسرين أنه -أي الذي وُضِعت في بيته هذه السرقة- كان يهوديًّا، فأنزل الله عليه هذه الآيات ، ولهذا قال: لَا تَكُنْ لِلْخَائِنِينَ خَصِيمًا، ومعنى خَصِيمًاأي: مخاصِمًا لهم، و(فَعِيل) تأتي بمعنى (مُفْعِل)، مثل قول الشاعر:
أَمِنْ رَيْحَانَةَ الدَّاعِي السَّمِيعُ يُؤَرِّقُنِي وَأَصْحَابِي هُجُوعُ
السميع بمعنى الْمُسْمِع.
تفسير الآية (106)
00:20:55

ثم قال تعالى: وَاسْتَغْفِرِ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا، اسْتَغْفِرِ اللَّهَأي: اطلب مغفرته، والمغفرة هي ستر الذنب، والتجاوز عنه، يعني إسقاط العقوبة عنه.
إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا، الجملة صلتها بما قبلها التعليل، اسْتَغْفِرِ اللَّهَ؛ لأنه جل وعلا يغفر ويرحم كل من استغفره وطلب رحمته.
يستفاد من هذه الآية الكريمة: أنَّ هَمَّ النبي صلى الله عليه وسلم وميله إلى هؤلاء فيه شيء من التقصير، ولهذا قال الله له: اسْتَغْفِرِ اللَّهَ، فيؤخذ منها أنه يجب على الحاكم أن يتأنَّى في الحكم، وأن لا يتعجل، بل يتريث، لا سيما مع وجود قرائن.
ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم يمكن أن يقع منه الذنب، وهذا هو الحق، إلا ذنبًا ينافي مقتضى الرسالة، مثل الخيانة، والكذب، وما أشبه ذلك.
وقال بعض أهل العلم: إن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم لا يمكن أن يذنب، وأن المراد بذنوبه ذنوب أمته، أو أن المراد بذلك تعليمه؛ لتتعلم الأمة، ولكن هذا ليس بصحيح، أما الأول فإن الله تعالى قال: اسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ [محمد: ١٩]، والقرآن مُنَزَّه عن التكرار؛ لأننا لو قلنا: اسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَأي: ذنوب أمتك، لكان قوله: وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِتكرارًا لا فائدة منه.
وأما كونه نبيًّا فلا يمكن أن يذنب، فنقول: إن الذنب إذا تلته التوبة فقد يكون الإنسان بعدها خيرًا منه قبلها، فهذا آدم عليه الصلاة والسلام كان من الأنبياء فأذنب، فصارت منزلته وحاله بعد الذنب أكمل منها قبل الذنب؛ لأن الله تعالى قال: وَعَصَى آَدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى (١٢١) ثُمَّ اجْتَبَاهُ رَبُّهُ فَتَابَ عَلَيْهِ وَهَدَى [طه: ١٢١، ١٢٢]، نعم، النبي عليه الصلاة والسلام معصوم من أن يُقَرَّ على ذنب، بخلاف غيره، بمعنى أنه إذا أذنب فلا بد أن يستغفر بتنبيه الله له، أو بتنبهه هو، أما غيره فليست له هذه الميزة، وهذا يظهر به الفرق بين الأنبياء وغيرهم.
ومن فوائد هذه الآية الكريمة: إثبات هذين الاسمين من أسماء الله، وهما: الغفور والرحيم، فبـ (الغفور) زوال المكروه، أي: زوال آثام الذنوب، وبالرحمة حصول المطلوب؛ أن الله ييسر الإنسان لما تكون به رحمة الله.
ومن فوائد هذه الآية: ما استنبطه بعض العلماء من أنه ينبغي لمن استُفْتِيَ أن يقدِّم بين يدي فتواه الاستغفار؛ لأن الله قال: لِتَحْكُمَ، ثم قال: وَاسْتَغْفِرِ اللَّهَ، ولأن الذنوب تحول بين الإنسان وبين معرفة الصواب، كما قال تعالى: إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِ آَيَاتُنَا قَالَ أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ (١٣) كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ [المطففين: ١٣، ١٤]، فهم لم يقولوا: إن القرآن أساطير الأولين، إلا لأنه حيل بينهم وبين معرفة حقيقته بسبب ذنوبهم التي رانت على قلوبهم، وهذا القول وجيه؛ أن الإنسان إذا أراد أن يُفْتِيَ أن يقدم بين يدي فتواه الاستغفار، لا سيما إذا التبست عليه المسألة، واشتبه عليه الحكم، فهو يدعو بذلك، وكذلك يدعو بقوله: اهدني لما اختُلِف فيه من الحق بإذنك إنك تهدي من تشاء إلى صراط مستقيم.
تفسير الآية (107)
00:26:32

ثم قال تعالى: وَلَا تُجَادِلْ عَنِ الَّذِينَ يَخْتَانُونَ أَنْفُسَهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ مَنْ كَانَ خَوَّانًا أَثِيمًا [النساء: ١٠٧]، قوله: لَا تُجَادِلْ(لا) ناهية، والمجادلة هي مماراة الخصم من أجل الظهور عليه، سميت بذلك إما من الجدل وهو فتل الحبل وإحكامه؛ لأن المجادِل يُحكم حجته، وإما من الْجَدالة وهي الأرض، وكأن المجادل يطرح خصمه على الأرض حتى لا يكون به الحراك، وعلى كل حال فهي المماراة والمدافعة من أجل الظهور، وَلَا تُجَادِلْ عَنِ الَّذِينَ يَخْتَانُونَ أَنْفُسَهُمْ.
والنهي عن المجادلة هل يستلزم وقوعها؟
الجواب: لا، قد يُنهى الإنسان عن الشيء وإن لم يقع لكنه قد يقع، يُنهى عن شيء متوقع غير واقع، فلا يلزم من قوله تعالى: وَلَا تُجَادِلْأن يكون النبي صلى الله عليه وسلم جادل عنهم، وَلَا تُجَادِلْ عَنِ الَّذِينَ يَخْتَانُونَ أَنْفُسَهُمْ، أي: يطلبون لها الخيانة فيوقعونها فيها، وهم هؤلاء الذين قالوا: إن صاحبنا لم يسرق، وإن السارق هو اليهودي.
إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ مَنْ كَانَ خَوَّانًا أَثِيمًا، وإذا كان الله تعالى لا يحب مَن كان خوّانًا أثيمًا فإنه لا يجوز الجدال عنه، أي: عن هذا الخوَّان الأثيم؛ لأن المجادلة عنه مضادة لله عز وجل؛ لأنها تأييد له، مع أن الله لا يحبه.
وقوله: خَوَّانًاهذه صيغة مبالغة، فيحتمل أن تكون على بابها، وأن الله لا يحب كثير الخيانة، ويحتمل أن تكون للنسبة، فلا يلزم منها الكثرة، ويكون المعنى: إن الله لا يحب من كان ذا خيانة، و(فَعَّال) تأتي للنسبة، كقوله تعالى: وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ [فصلت: ٤٦]، أي: لذي ظلم، وليس المعنى بكثير الظلم؛ لأن الظلم منتفٍ عن الله تعالى؛ قليله وكثيره، إذن أيهما أرجح؟ أنها للنسبة، أي: لا يحب من كان ذا خيانة.
أَثِيمًاأي: مكتسبًا للإثم، والخيانة والإثم تنطبق تمامًا على هؤلاء الذين خانوا هذا اليهودي وأثموا بالسرقة، فهم جمعوا بين أمرين: بين الإثم بالسرقة، وبين الخيانة بإلصاق هذا العمل في غيره.
يستفاد من هذه الآية الكريمة فوائد: أولًا: النهي عن معاونة الآثم، وهذا مطابق لقول الله تعالى: وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ [المائدة: ٢]، من أين يؤخذ؟ من قوله: وَلَا تُجَادِلْ عَنِ الَّذِينَ يَخْتَانُونَ أَنْفُسَهُمْ.
ومن فوائدها: أن اهتداء النبي صلوات الله وسلامه عليه بتوجيه الله تعالى وإرشاده؛ لقوله: وَلَا تُجَادِلْ، فإن هذا توجيه من الله عز وجل لنبيه محمد عليه الصلاة والسلام ألا يجادل عن هؤلاء.
ومن فوائد الآية الكريمة: أن الخائن لغيره خائن في الحقيقة لنفسه؛ حيث أوقعها في المآثم والخيانة، فلا يظن الخائن الذي يكتسب بخيانته ما يكتسب لا يظن أنه رابح، بل هو خائنٌ من؟ خائن نفسَه، ولهذا قال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «مَنْ غَشَّ فَلَيْسَ مِنَّا» .
ومن فوائد هذه الآية الكريمة: إثبات محبة الله، من أين تؤخذ؟
طالب: إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ مَنْ كَانَ خَوَّانًا أَثِيمًا.
الشيخ: هذا نفي للمحبة، كيف يكون دليلًا على إثباتها؟ لأنه لما نفاها عن الخونة دلّ على ثبوتها للأمناء، وهذا كاستدلال الشافعي رحمه الله بقوله تعالى: كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ [المطففين: ١٥] على ثبوت رؤية الله تعالى من المؤمنين، قال: لما حجب هؤلاء في حال الغضب ثبتت الرؤية للآخرين في حال الرضا.
والمحبة عند أهل السنة والجماعة والسلف الصالح وأئمة الهدى هي ما نعرفه من أنفسنا، ولكن محبة الله ليست كمحبتنا نحن، بل هي محبة كسائر صفاته، الله أعلم بكيفيتها، لكن نعلم نحن معنى المحبة، وإذا كانت المحابُّ بيننا تختلف باعتبار إضافتها وباعتبار قوتها وضعفها، فالاختلاف بين المخلوقات، يكون الخلاف بين المخلوق والخالق من باب أولى.
ولهذا محبتنا للأشياء الآن تختلف بحسب متعلق المحبة، أنت تحب العسل لأيش؟ لحلاوته، وتحب صديقك؛ لقربه منك وصداقته، تحب زوجتك لشيء آخر، وهلم جرَّا، تختلف المحبة بالخلق بحسب متعلقاته، تحب ولدك محبة أخرى من جنس آخر، تحب ولدك الصغير ما دام صغيرًا يمشي وحلِيو، لكن إذا كبر تضعف المحبة الأولى وتنتقل إلى محبة ثانية من نوع آخر، فالمحابُّ تختلف باختلاف متعلَّقها، طيب إذا كان الله تعالى يحب محبة حقيقية فما هي المحبة؟
المحبة هي المحبة، ولهذا قال ابن القيم رحمه الله تعالى في كتابه روضة المحبين، قال: لا يمكن أن تُحَدَّ المحبة بمعنى أظهر من المحبة من لفظها؛ لأنك مهما قلت: هي ميل الإنسان مثلًا إلى ما يلائمه، نقول: ميل الإنسان إلى ما يلائمه هذا ليست محبة، هذا أثرها ولازمها، ولذلك لا يمكن، المعاني النفسية لا يمكن إطلاقًا أن تُعَرَّف بغير لفظها.
إذن محبة الله عز وجل ثابتة حقيقة، ولكنها لا تُكَيَّف ولا تُمَثَّل؛ لا تُكَيَّف؛ لقوله تعالى: وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ [الإسراء: ٣٦]، ولا تُمَثَّل؛ لقوله تعالى: لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ [الشورى: ١١]، طيب، مَن فَسَّر المحبة بالثواب؟ فهذا مُحَرِّف؛ لأنه فسّرها باللازم، فهو محرِّف؛ لأن الإثابة فرع عن المحبة، فالصواب أنها محبة حقيقية، لكنها تستلزم الثواب والرضا وما أشبه ذلك.
ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن الخيانة من كبائر الذنوب، من أين تؤخذ؟
من قوله: إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ مَنْ كَانَ خَوَّانًا أَثِيمًا؛ لأنه إذا رُتِّبَ على العمل عقوبة خاصة فهو من الكبائر، هذا أحسن ما قيل في حد الكبيرة، وذكره شيخ الإسلام رحمه الله، كل شيء يُرَتَّب عليه عقوبة خاصة فهو من الكبائر، سواء كانت العقوبة لعنة، أو غضبًا، أو نفي إيمان، أو تبرؤًا منه، أو غير ذلك.
ومن فوائد هذه الآية الكريمة: التحذيرُ من الخيانة؛ لكون الله تعالى نفى محبته للخائن الأثيم، والترغيبُ في أداء الأمانة؛ لأنه إذا وقع الذم على وصف لزم أن يكون المدح في ضده.
تفسير الآية (108)
00:37:23

ثم قال تعالى: يَسْتَخْفُونَ مِنَ النَّاسِ وَلَا يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللَّهِ وَهُوَ مَعَهُمْ إِذْ يُبَيِّتُونَ مَا لَا يَرْضَى مِنَ الْقَوْلِ [النساء: ١٠٨]، يَسْتَخْفُونَ مِنَ النَّاسِمن هم؟ هؤلاء الذين سرقوا، ولكنهم وضعوا السرقة في بيت آخر خوفًا من العار الذي يلحقهم بالسرقة، فهم يستخفون من الناس أن يوصَفُوا بالسُّرَّاق، لكنهم لا يستخفون من الله، وأيهما أحق أن يُسْتَخْفَى منه؟ الله عز وجل هو الأحق أن يُسْتَحْيَا منه، وأن يُخاف منه عز وجل، أما الناس فإنهم لا يضرونك ما دام الذي بينك وبين ربك سليمًا.
وقوله: وَهُوَ مَعَهُمْ إِذْ يُبَيِّتُونَ مَا لَا يَرْضَى مِنَ الْقَوْلِ، قوله: وَهُوَ مَعَهُمْالجملة هنا حال، حال من أين؟ من (الواو) في يَسْتَخْفُونَولّا مِنَ اللَّهِ؟ من لفظ الجلالة أقرب، يعني: ولا يستخفون من الله والحال أنه معهم.
وقوله: وَهُوَ مَعَهُمْالمعيَّة يعني المصاحبة، لكن معية كل شيء بحسبه، والأصل في معنى هذه الكلمة هي المصاحبة، لكنها تختلف ويختلف مقتضاها بحسب ما تضاف إليه، فيقال مثلًا: المرأة مع زوجها، ويقال: القائد مع جنوده، ويقال: المتاع مع حامله، ويقال: القمر معنا، ويقال أشياء كثيرة تختلف فيها المعية من موضع إلى آخر، لكن يجمع هذه المعاني كلها المصاحبة، مطلق المصاحبة، وتختلف مقتضياتها بحسب ما تضاف إليه؛ فالله تعالى مع هؤلاء الذين بيَّتوا ما لا يرضى من القول، ومَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ [النحل: ١٢٨] والمعيَّتان تختلفان بحسب مقتضاهما ولوازمهما، والله تعالى مع محمد عليه الصلاة والسلام في الغار، ومع موسى وهارون في الرسالة، وتختلف هذه المعية عن معيته مع المؤمنين والمتقين وما أشبه ذلك بحسب ما تضاف إليه.
فما الذي تستلزمه هذه المعية في هذه الآية؟ التهديد، تستلزم التهديد بالإضافة إلى الإحاطة؛ لأن المعاني الخاصة بالإضافة إلى المعنى العام وهو الإحاطة التامة بالخلق، ثم هل هذه المعية حقيقة أو المراد بذلك لازمها؟
الصواب أن المراد بها المعية الحقيقية، وأنه سبحانه وتعالى معنا لكنه في السماء، ولا منافاة بين المعنيين، لا منافاة لثلاثة أوجه:
الوجه الأول: أن الله تعالى جمع بين هذين المعنيين في القرآن، بل في آية واحدة: هُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الْأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ [الحديد: ٤]، مع أنه ذكر أنه مستوٍ على العرش، ولا يمكن أن يجمع الله لنفسه بين وصفين متناقضين أبدًا.
الوجه الثاني: أنه لا منافاة بين العلوّ والمعية، فإن هذا ثابت في المخلوق فيما تقوله العرب: ما زلنا نسير والقمر معنا، مع أن القمر من أصغر الأجرام السماوية، ومع ذلك هو مع المسافر وغير المسافر، وهو في السماء، فإذا جاز اجتماعهما -أعني اجتماع حقيقة المعية والعلوّ- في حق المخلوق، فالاجتماع في حق الخالق من باب أولى.
والوجه الثالث: أنه لو فُرِض امتناع اجتماعهما في حق المخلوق فإنه لا يقتضي انتفاء اجتماعهما في حق الخالق؛ لأن الله تعالى ليس كمثله شيء وهو السميع البصير، فإذا كانت السماوات السبع والأرضون السبع في يده جل وعلا كخردلة في يد أحدنا، فهل يمكن أن يُقاس بالخلق؟ لا يمكن.
إذن فنحن نؤمن بأن الله تعالى معنا حقيقة، وهو في السماء يعلم ما في قلوبنا، ويسمع ما نقول، ويرى ما نفعل، وله السلطة التامة علينا والقدرة التامة، وهذه كلها من مقتضيات المعية، وقد فسرها السلف أو كثير منهم بهذه المقتضيات، فقالوا: معنا بعلمه، وهذا لا ينافي أن يكون المراد به الحقيقة؛ لأنهم يفسرونها أحيانًا باللازم، كما قال ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله في مقدمة التفسير؛ أن التفاسير الواردة عن السلف قد يكون التفسير للازم لا لانتفاء المعنى الحقيقي.
من فوائد الآية الكريمة: أن هؤلاء بيَّتوا ما لا يرضى من القول، يعني صاغوه واجتمعوا عليه، متى؟ ليلًا؛ لأن البَيَات لا يكون إلا بالليل، ولهذا في بعض الرواة أنهم جاؤوا للرسول صلى الله عليه وسلم في الليل بعد أن طبخوا ما طبخوا من آرائهم، جاؤوا إلى الرسول صلى الله عليه وسلم.
يستفاد من ذلك: شدة اختفاء هؤلاء، وأنهم لا يحبون أن يطَّلع أحد عليهم، هل يؤخذ منه أننا إذا أردنا أن نخفي شيئًا نصنعه في الليل؟ نعم، ربما يؤخذ منه، ولهذا في المثل السائر: أَمْرٌ قُضِيَ بليل.
ومن فوائد هذه الآية الكريمة: إثبات الرضا لله عز وجل؛ لقوله: مَا لَا يَرْضَى مِنَ الْقَوْلِ، وجهه؟
أن نفي الرضا عن هؤلاء يدل على ثبوته لغيرهم؛ إذ لو كان منتفيًا عن الجميع ما حسُن أن يُنفى عن هؤلاء، فما هو الرضا؟
الرضا الثابت لله رضًا حقيقيًّا، وليس كناية عن إثابتهم، كما قاله أهل التحريف، بل هو رضًا اتصف الله به حقيقة، لكنه ليس كرضانا، بل هو رضا أعظم وأجلَّ، ولا يمكن أن نحيط به.
وهل أثبت الله لنفسه الرضا؟ يعني هل ذكره لنفسه وأضافه لنفسه على وجه الإثبات؟ نعم، مثل: رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ [المائدة: ١١٩]، والله تعالى يرضى من الأقوال والأفعال والأشخاص، يعني أن متعلَّق رضاه يكون إما بالأعمال، وإما بالأقوال، وإما بالأشخاص، لكن رضاه عن الأشخاص إنما هو لأفعالهم وأقوالهم التي ترضي الله عز وجل.
ومن فوائد هذه الآية الكريمة: إحاطة الله تعالى بكل شيء؛ لقوله: وَكَانَ اللَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطًا.
فإن قال قائل: قُدِّم المتعلِّق على المتعلَّق، وهذا يفيد الاختصاص؟
فالجواب على ذلك: ما أشرنا إليه سابقًا بأن تقديم ذلك لا يعني الاختصاص، لكن يعني شدة الوعيد وتعلق الحكم بهذا المقدَّم، يعني كأن الله تعالى يقول: لو لم يكن عالِمًا بشيء لكان عالِمًا بعمله، فيستفاد منه –يعني: فالمقصود من ذلك- شدة وعيد هؤلاء، وأنه لا يمكن أن يخفى عن الله عز وجل.
طالب: بارك الله فيك، صيغة المبالغة هل تأتي كما قلنا في موضوعنا تأتي للنسبة؟
الشيخ: نعم.
الطالب: هل هذا دائم ولّا بالقرائن؟
الشيخ: لا لا، بالقرائن هي الأصل أنها للمبالغة، الأصل أنها للمبالغة وهي كثرة الفعل، هذا الأصل.
الطالب: زوَّارات القبور، كيف يؤتى بها، في الشرح قلنا: إنها للنسبة ولّا أُلحقت؟
الشيخ: نعم؛ لأن فيها (...).
طالب: قلنا: إن الرسول صلى الله عليه وسلم الصحيح أنه يقع منه ذلك، لكن..؟
الشيخ: لا يُقَرّ عليه.
الطالب: لا يقر عليه، لكن بالنسبة للذي يضادّ الرسالة فإنه لا يحصل منه.
الشيخ: إي نعم.
الطالب: مثل أيش؟
الشيخ: مثل الكذب، لا يمكن أن يكذب، ولا يمكن أن يخون، إحنا ذكرنا هذا، ما ذكرناه لكم؟
الطلبة: لا.
الطالب: الكبائر لا يمكن أن تصدر منه؟
الشيخ: موسى عليه الصلاة والسلام قتل نفسًا بغير حق، المهم كل ما يناقض الرسالة هذا ممتنع، أما الرسول عليه الصلاة والسلام ما نعلم أنه فعل شيئًا من الكبائر، فعل أمورًا اجتهادية تعجَّل فيها مثل إذنه للمنافقين، تحريم ما أحلَّه الله له، وأشد شيء ما حصل منه في قضية زيد بن حارثة.
طالب: هل المجادلة عن الذين يختانون أنفسهم من الكبائر؟
الشيخ: كيف؟
الطالب: المجادلة عن الذين يختانون أنفسهم من الكبائر؟
الشيخ: ما تقولون؟ المجادلة عن الذين يختانون أنفسهم هل هى من الكبائر؟
الطلبة: لا، ليست من الكبائر.
الشيخ: أنا عندي في هذا شك، يعني من أعان شخصًا على كبيرة ولم يشاركه فيها فالإنسان يتوقف في أن يكون فعله من الكبائر، قد يقول: إنه من الكبائر؛ لأن الرسول صلى الله عليه وسلم لعن آكل الربا، وموكله، وشاهديه وكاتبه، وقال: «هُمْ سَوَاءٌ» ، وقد يقال: إنه لا يمكن أن يكون مثل فاعل الكبيرة؛ لأنه لم يباشر الذنب، وإنما أعان عليه، فهو على خطر، في رأيي أنه على خطر.
طالب: عفا الله عنك، قوله: إِذْ يُبَيِّتُونَ مَا لَا يَرْضَى مِنَ الْقَوْلِ، هل يدل هذا على أن الخيانة أعظم ذنبًا من السرقة؛ لأن السرقة فعل، وما علَّق عليها الله عز وجل (...) الكلام كله على الخيانة، هل يقال هذا؟
الشيخ: لأن هذه أشد بالنسبة للاستخفاف بالله عز وجل وبالرسول عليه الصلاة والسلام، وسيأتي إن شاء الله أنهم همُّوا أن يُضِلُّوا الرسول عليه الصلاة والسلام.
طالب: شيخ، بارك الله فيكم، في قوله: يَسْتَخْفُونَ مِنَ النَّاسِ وَلَا يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللَّهِ، هل نقول: إن هذا عام؛ كل من عمل ذنبًا يكون استخفى من الناس في هذا الفعل ولا يستخفي من الله عز وجل؟
الشيخ: إي، ما فيه شك إن هذا لهم ولغيرهم، كل إنسان يكون المخلوق عنده أشد من الخالق فيستخفي من المخلوق ولا يستخفي من الله لا شك إنه فيه شبه من هؤلاء.
طالب: بالنسبة لحكم هؤلاء الناس الذين قالوا: إن المعاصي (...)، ولكن في بعض الأحيان يكون الإنسان متوكلًا على الله ولكن يقع في قلبه خوف من إنسان ظالم يمكن أن يقع بسببه ضرر على الإنسان.
الشيخ: لا، هذا ما هو من هذه الناحية، لكن الإنسان مثلًا يريد أن يفعل ذنبًا فيكتمه عن الناس، ولا يكتمه عن الله.
الطالب: القول الثاني ينافي حقيقة التوكل؟
الشيخ: أيهم.
الطالب: إن الإنسان ربما أتاه رجل ظالم يبطش به أو يقع به؟
الشيخ: ويعمل ما يخلِّصه منه؟
الطالب: نعم.
الشيخ: ما فيه شيء.
طالب: شيخ، بارك الله فيك، إن قلنا: إن الخيانة من كبائر الذنوب ذكر رسول الله عليها عقوبة، شيخ، الخيانة الواحدة ولا كثيرًا..؟
الشيخ: الواحدة؛ لأن الإصرار على الخيانة ما فيه إشكال، حتى الصغائر إذا أصرَّ الإنسان عليها صارت كبائر.
طالب: شيخ، الذين نفوا الصفات الفعلية من الله عز وجل، يعني لهم شبهات، قالوا: إن الصفات الفعلية التي تقتضي الكمال لله عز وجل لم تكن قط من قبل (...)؟
الشيخ: نحن ما أجبنا على هذا يا جماعة؟ يقول: إن الصفات الأفعال الاختيارية فيها شبهة؛ لأنها لو كانت كمالًا لكان متصفًا بها أزلًا وأبدًا، وإن كانت نقصًا فإنه لا يمكن أن يتصف بها وهي نقص، هذا بحثناه وأجبنا عنه، وقلنا: إنها هي في حال وجود أسبابها كمال، وفي حال انتفاء أسبابها نقص، لو غضب الله تعالى بدون أن يكون هناك سبب للغضب لصار نقصًا، وإذا غضب مع وجود مقتضي الغضب صار كمالًا.
الطالب: (...) يا شيخ القول يعني هل..
الشيخ: هذا إذا جادلناهم بالعقل، أما بالسمع فنقول: الله تعالى أثبت لنفسه ذلك، فعلينا أن نثبته.
الطالب: هم ما يقرون (...).
الشيخ: أثبت لنفسه الاستواء على العرش، والرسول أثبت أنه ينزل إلى السماء الدنيا، خلاص يكفي هذا، لكن حتى بالعقل نجادلهم ما فيه مانع. (...)

***

طالب: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُورًا رَحِيمًا (١١٠) وَمَنْ يَكْسِبْ إِثْمًا فَإِنَّمَا يَكْسِبُهُ عَلَى نَفْسِهِ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا (١١١) وَمَنْ يَكْسِبْ خَطِيئَةً أَوْ إِثْمًا ثُمَّ يَرْمِ بِهِ بَرِيئًا فَقَدِ احْتَمَلَ بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا (١١٢) وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ وَرَحْمَتُهُ لَهَمَّتْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ أَنْ يُضِلُّوكَ وَمَا يُضِلُّونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَضُرُّونَكَ مِنْ شَيْءٍ وَأَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيمًا [النساء: ١١٠-١١٣].

الشيخ: أحسنت، أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله تعالى: وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُورًا رَحِيمًا.
نأخذ ما بقي من فوائد قوله تعالى: يَسْتَخْفُونَ مِنَ النَّاسِ وَلَا يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللَّهِ وَهُوَ مَعَهُمْ، إلى آخره.
معية الله سبحانه وتعالى تنقسم إلى أقسام: معية يُقصد بها بيان الإحاطة، أي: بيان إحاطة الله تعالى بكل شيء، ومنه قوله تعالى: مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ وَلَا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سَادِسُهُمْ وَلَا أَدْنَى مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْثَرَ إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا [المجادلة: ٧].
وتارة يراد بها التهديد؛ كما في هذه الآية يَسْتَخْفُونَ مِنَ النَّاسِ وَلَا يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللَّهِ وَهُوَ مَعَهُمْ إِذْ يُبَيِّتُونَ مَا لَا يَرْضَى مِنَ الْقَوْلِ.
وتارة: يراد بها النصر والتأييد، معلَّقةً بوصف ومعلَّقةً بشخص:
مثال المعلقة بالوصف: قوله تبارك وتعالى: وَلَنْ تُغْنِيَ عَنْكُمْ فِئَتُكُمْ شَيْئًا وَلَوْ كَثُرَتْ وَأَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ [الأنفال: ١٩]، اصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ [الأنفال: ٤٦]، إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ [النحل: ١٢٨]، هذه معية تقتضي النصر والتأييد، لكنها مقيدة بأيش؟ بوصف.
ومعية تقتضي النصر والتأييد مقيَّدة بشخص، مثل قوله تعالى لموسى وهارون: لَا تَخَافَا إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى [طه: ٤٦]، وقوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم لأبي بكر: لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا [التوبة: ٤٠]، فهذه المعية تقتضي النصر، والتأييد، والحفظ، والكلاءة، لكنها مقيَّدة بشخص.
وهنا نسأل: هل المراد بالمعية حقيقتها أو لازمها؟
نقول: المراد بها حقيقتها، ولكن السلف يفسرونها دائمًا باللازم، كما قالوا: إن المعية هي العلم، فهو معهم بعلمه، ولكن هذا تفسير لها ببعض مقتضياتها، فإن مقتضى المعية العلم، والسمع، والبصر، والإحاطة، والسلطان، والقدرة، وغير ذلك، لكنها هي معناها حقيقي، وما فسره السلف بها فهو تفسير باللازم، وكما قال شيخ الإسلام رحمه الله في مقدمة التفسير يقول: إن السلف قد يفسِّرون الشيء بلازمه.
فإذا قلنا: إنها حقيقة، فهل هذا يعني أننا ذهبنا إلى ما ذهب إليه أهل الحلول الذين قالوا: إن الله معنا بذاته في أمكنتنا؟
الجواب: لا، بل نحن ننكر هذا غاية الإنكار، ونقول: إنه ضلال، بل إنه كفر، وإنما نقول: إنه معنا حقيقة وهو في السماء؛ لأن الآيات، بل لأن الأدلة السمعية والعقلية كلها تدل على أن الله في السماء، ولا ينافي ذلك أن يكون معنا؛ لوجوه ثلاثة:
الأول: أن الله جمع بينهما في وصفه نفسَه، ولا يجمع الله تعالى بين متناقضين.
ثانيًا: أن العلُوّ والمعية ممكنان في حق المخلوق، كما يقولون: ما زلنا نسير والقمر معنا، أو النجم الفلاني معنا، بل أحيانًا الجبل الفلاني معنا، ومع ذلك فهو في مكانه، فالقمر في السماء، والنجم في السماء، والجبل بعيد، وما أشبهها.
ثالثًا: لو فرض أن بين المعنى الحقيقي للمعية وبين العلُوّ منافاة في حق المخلوقات فليس ذلك ثابتًا في حق الخالق؛ لأن الخالق ليس كمثله شيء في جميع صفاته، فهو كما قال شيخ الإسلام رحمه الله في العقيدة الواسطية: هو عَلِيٌّ في دُنُوِّه قريب في عُلُوِّه.
وذكرنا أيضًا من فوائد الآية: إثبات الرضا لله، أليس كذلك؟
الطلبة: بلى.
الشيخ: تكلمنا عليه.
ذكرنا أيضًا: إحاطة الله عز وجل بكل شيء، وذكرنا لماذا قدم بِمَا يَعْمَلُونَ، والمعروف أن تقديم المعمول يدل على الحصر، والله محيط بكل شيء، فلماذا خصه بِمَا يَعْمَلُونَ؟ من باب التهديد، وأن ما فعلته لا يخفى على الله عز وجل.
تفسير الآية (109)
01:03:28

ثم قال: هَا أَنْتُمْ هَؤُلَاءِ جَادَلْتُمْ عَنْهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا [النساء: ١٠٩]، (ها) للتنبيه، و(أن) مبتدأ، وهَؤُلَاءِإما منادى محذوف الأداة، والتقدير: يا هؤلاء، وعليه فيكون قوله: جَادَلْتُمْهو خبر المبتدأ، وإما أن تكون هَؤُلَاءِهي الخبر هَا أَنْتُمْ هَؤُلَاءِ، وتكون الجملة جَادَلْتُمْفي محل نصب على الحال، أي: ها أنتم مجادلين عنهم في الحياة الدنيا، والإشارة في قوله: هَا أَنْتُمْالإشارة إلى قوم الرجل الذي سرق درعًا واتهم به رجلًا من اليهود كما ذكرناه في تفسير الآيات.
جَادَلْتُمْ عَنْهُمْوهم قد جادلوا عن رجل واحد، لكن هذا الجدال عن الرجل الواحد هو حقيقة جدال عن الجميع؛ لأن وصم السرقة لرجل من القبيلة هو وصم لجميع القبيلة؛ إذ يُعَيَّرُون بذلك، فيقال: منكم السُّرَّاق كفلان مثلًا، ولهذا قال: جَادَلْتُمْ عَنْهُمْ، والمجادلة إنما كانت عن شخص واحد، فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا، وقد يكون الجدل فيه الغلبة ولو بالباطل في الحياة الدنيا؛ لأنه قد يجادل الإنسان بالباطل ويأتي بكلام فصيح بيِّن يلبِّس به الحق بالباطل وينجح.
لكن فَمَنْ يُجَادِلُ اللَّهَ عَنْهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، و(مَن) هنا استفهام بمعنى النفي، أي: لا أحد يجادل الله عنهم يوم القيامة، والاستفهام إذا جاء في موضع النفي فإنه يكون أبلغ من النفي المجرد، وذلك لأنه يكون نفيًا مُشْرَبًا بالتحدي، كأن القائل يقول: إذا كان هذا الأمر ممكنًا فأتني به، فلهذا مجيء الاستفهام في موضع النفي يكون أشد في النفي؛ لأنه مُشْرَب معنى التحدي، فَمَنْ يُجَادِلُ اللَّهَ عَنْهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ؟
والجواب: لا أحد، ولا يستطيع أحد أن يجادل عنهم، وذلك لأنه لو فرضنا أن أحدًا جادل شهدت عليه جوارحه، يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ [النور: ٢٤]، أَمْ مَنْ يَكُونُ عَلَيْهِمْ وَكِيلًا، أي: ذا وكالة وولاية يدافع ويمنع وينصر؟ والجواب: لا أحد.
في هذه الآية الكريمة فوائد:
منها: أن المجادلة والمخاصمة في الباطل إن نفعت في الدنيا فلن تنفع في الآخرة، تؤخذ؟
طالب: هَا أَنْتُمْ هَؤُلَاءِ جَادَلْتُمْ عَنْهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا..
الشيخ: فَمَنْ يُجَادِلُ اللَّهَ عَنْهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ.
ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن الناس قد يتناصرون بالباطل؛ لأن هؤلاء القوم جادلوا بالباطل وهم يعلمون أن صاحبهم سرق؛ لقوله: هَا أَنْتُمْ هَؤُلَاءِ جَادَلْتُمْ عَنْهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا.
ومن فوائدها: تحريم المحاماة إذا علم المحامي أن صاحبه مُبْطِل، وجه ذلك أن الله أنكر على هؤلاء أن يجادلوا عن صاحبهم، أما إذا كان المحامي يريد أن يدافع عن الحق لإثباته فهذا جائز، بل قد يكون واجبًا، كما لو وكلك شخص لا يعرف ولا يكاد يُبِين أن تدافع عنه فهذا لا بأس به.
ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات اليوم الآخر وهو يوم القيامة؛ لقوله: فَمَنْ يُجَادِلُ اللَّهَ عَنْهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ.
ومن فوائد الآية الكريمة: أن المجادلة يوم القيامة بالباطل لا تنفع، وصاحبها مخصوم، ومن ثم يجب الحذر مما قاله النبي صلى الله عليه وآله وسلم في الحديث القدسي أن الله قال: «ثَلَاثَةٌ أَنَا خَصْمُهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ: رَجُلٌ أَعْطَى بِي ثُمَّ غَدَرَ، وَرَجُلٌ بَاعَ حُرًّا فَأَكَلَ ثَمَنَهُ، وَرَجُلٌ اسْتَأْجَرَ أَجِيرًا فَاسْتَوْفَى مِنْهُ وَلَمْ يُعْطِهِ أَجْرَهُ» ، فإننا نعلم أن من كان الله خصمه فهو مخصوم بكل حال.
ومن فوائد الآية الكريمة: أن الله سبحانه وتعالى لا يخفى عليه شيء، وأن من حاول أن يخفي عن الله شيئًا فإنه قد ظن بربه ظن السوء، ومع ذلك لن ينفعه هذا الظن؛ لقوله: فَمَنْ يُجَادِلُ اللَّهَ عَنْهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَمْ مَنْ يَكُونُ عَلَيْهِمْ وَكِيلًا.
تفسير الآية (110)
01:09:58

ثم قال الله عز وجل: وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُورًا رَحِيمًا، الحمد لله.
مَنْ يَعْمَلْ سُوءًاأي: بغيره، أي: ما يسوء غيره، كما يدل على هذا أن الآيات كلها في سياق قصة معينة، فيكون المراد بالسوء ما يسوء الغير؛ كاتهام هؤلاء اليهوديَّ بالسرقة.
أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُيعني بالمعاصي؛ لأن المعاصي ظلم للنفس؛ إذ إن النفس عندك أمانة يجب عليك أن ترعاها حق رعايتها، فإذا عصيت الله فقد ظلمتها، ولهذا قال الله تعالى: إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ [الأحزاب: ٧٢]، لماذا؟ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا [الأحزاب: ٧٢]، إذن يظلم نفسه بالمعاصي التي بينه وبين ربه، يعمل سوءًا يسيء به إلى غيره.
ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ، وهنا إشكال نحوي، يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ، لماذا كُسِرَ وهو فعل، والمعروف أن الكسرة من علامات الأسماء؟
طالب: لعل لالتقاء الساكن.
الشيخ: لعله، طيب، والمرجوح؟ لأن (لعل) تفيد أن هذا راجح، والمرجوح؟ ما تدري.
طالب: هو كذلك.
الشيخ: يعني متوقَّع.
الطالب: لا، هو..
الشيخ: هو، أنت قلت: هو كذلك، والـ(كذا) تقتضي المساواة ما قلت لما قال.
طالب: قلت تعيين.
الشيخ: نعم، يقينًا، طيب، يرد علينا إشكال آخر، كيف عُطِفت على يَعْمَلْ، و يَعْمَلْمجزومة، ويَسْتَغْفِرِمكسورة؟
طالب: ما هي يا شيخ بمكسورة لكن حُرِّكت لالتقاء الساكنين، هي مجزومة.
الشيخ: هي مجزومة، والحركة هنا عارضة.
مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَأي: يطلب مغفرة الله عز وجل بحاله ومقاله؛ أما المقال فظاهر، يقول: اللهم اغفر لي، أو: أستغفر الله، وأما الحال فأن يكون آتيًا بشروط التوبة الخمسة، وهي، ابدأ بها أولًا فأول؟
طالب: أن يعزم ألا يعود عليه.
الشيخ: قبلها شيء، أولًا هات الشرط الذي ينبني عليه العمل؟
الطالب: الإخلاص.
الشيخ: أحسنت، بارك الله فيك، الإخلاص، يعني بأن لا يحمله على التوبة مراعاة أحد من الناس، ثانيًا؟
الطالب: أن يقلع عن الذنب.
الشيخ: لا، قبله.
طالب: ترك العمل.
الشيخ: يقلع عن الذنب ويترك العمل جزاك الله خير!
طالب: أن يندم.
الشيخ: أن يندم، ويقع في نفسه حسرة على فعل الذنب، الثالث؟
الطالب: أن يقلع عن الذنب.
الشيخ: أن يقلع عن الذنب، الرابع؟
طالب: العزم على أن لا يعود.
الشيخ: العزم على أن لا يعود، والخامس؟
طالب: أن يكون في وقت التوبة.
الشيخ: أن يكون في وقت التوبة، أي: في الوقت الذي تُقبل فيه التوبة.
إذن يَسْتَغْفِرِ اللَّهَأي: يطلب المغفرة، بأيش؟ بحاله ومقاله، فيقول: اللهم اغفر لي، فما هي المغفرة؟
المغفرة ستر الذنب، والتجاوز عنه، وليست الستر فقط؛ لأن الاشتقاق يدل على أنه لا بد من ستر ووقاية؛ إذ إنها مأخوذة من الْمِغْفَر، والْمِغْفَر ما يغطَّى به الرأس من الفولاذ ونحوه لاتقاء السهام، فيحصل به ستر ووقاية.
وأقول لكم: إنها مشتق من الْمِغْفَر؛ لأن الأصل أن المعاني مأخوذة من الأشياء المحسوسة، فلهذا تجد علماء اللغة يعيدون المعاني إلى الأصول المحسوسة، يقول: مشتق من كذا، وأصل ذلك -على ما قيل- أن الإنسان إنما صار يتكلم تقليدًا لما يسمع حوله من صرير الرياح، وحفيف الأشجار، وما أشبه ذلك، هكذا قيل، مع ما علَّم الله عز وجل آدم من أسماء.
إذن المغفرة هي ستر الذنب، والتجاوز عنه.
ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَيقول: اللهم اغفر لي، أو: أستغفر الله.
يَجِدِ اللَّهَ غَفُورًا رَحِيمًا، يَجِدِهذه جواب الشرط، جواب (من)، ولذلك صارت مجزومة، حُرِّكت بالكسر لالتقاء الساكنين، المعنى يَجِدِ اللَّهَ غَفُورًا رَحِيمًا: أن الله يغفر له، والغفور هو ذو المغفرة، كما قال تعالى: وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ لِلنَّاسِ عَلَى ظُلْمِهِمْ [الرعد: ٦].
والرحيم هو ذو الرحمة، كما قال تعالى: وَرَبُّكَ الْغَفُورُ ذُو الرَّحْمَةِ [الكهف: ٥٨]، فأنت إذا استغفرت الله عز وجل وتُبْتَ إليه على الوجه الذي يرضاه فستجد الله غفورًا رحيمًا، وأظن لا حاجة إلى أن نتكلم عن أقسام الرحمة؛ لأنها سبقت مرارًا وتكرارًا، أفهمتم هذا؟ لا إله إلا الله!
الرحمة تطلق على صفة الله عز وجل، وعلى آثار الصفة، أي: على الشيء المخلوق، تطلق على الرحمة التي هي صفته، وعلى آثار الرحمة التي هي خلقه، أما الأول فهو الأصل؛ أن الرحمة صفة من صفات الله عز وجل، وأما الثاني فمنه قوله تعالى للجنة: «أَنْتِ رَحْمَتِي أَرْحَمُ بِكِ مَنْ أَشَاءُ» ، ليس المعنى الرحمة التي هي وصفه، يعني الرحمة مخلوق بائن، ومن ذلك أيضًا على قول بعض أهل العلم: وَهُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ الْغَيْثَ مِنْ بَعْدِ مَا قَنَطُوا وَيَنْشُرُ رَحْمَتَهُ [الشورى: ٢٨]، يَنْشُرُ رَحْمَتَهُيعني النبات وما يحصل من الرزق بالماء النازل من السماء.
أما الرحمة التي هي وصفه فإنها تنقسم عند أهل العلم إلى قسمين: عامة، وخاصة.
فالعامة هي التي تشمل كل مخلوق، والخاصة هي المختصة بالمؤمنين، والتي تتصل بها سعادة الدنيا والآخرة، الرحمة العامة رحمة لعموم الناس أو لعموم الخلق في الدنيا، ولهذا نجد أن الكفار لله تعالى عليهم رحمة؛ رزقهم، أمدهم، أعطاهم عقولًا، أي عقولًا يدركون بها، لا عقول رشد وتصرُّف، وهذا عامةً، وكل ما مر بك من ذكر اسم الرحيم فالمراد به العام، ويدخل (...) الخاص، أما إذا خُصَّ فهو الخاص، كقوله تعالى: وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا [الأحزاب: ٤٣]، وهذه رحمة خاصة بالمؤمنين.
العجب أن الأشاعرة أنكروا وصف الله بالرحمة، وأثبتوا له الإرادة، قالوا: لا يجوز أن نثبت لله رحمة؛ لأن الرحمة رقة، ولين، ولا تليق بالخالق، وهذا بناء على أصلهم الفاسد، وهو أنهم يتلقون ما يعتقدون بربهم من عقولهم الفاسدة أيضًا؛ لأن الدليل الصحيح لا يناقِض العقل الصريح، يقول: لا تصف الله بالرحمة، فمعنى الرحيم عندهم الْمُنْعِم، أو مريد الإنعام، المنعم؛ لأن النعمة منفصلة بائنة مخلوقة، أو مريد الإنعام؛ لأنهم يُثبتون الإرادة، وسبحان الله! انظر للعقل المتناقض يقول: الإرادة دلَّ عليها العقل بواسطة التخصيص، يعني تخصيص بعض المخلوقات في شيء من الأشياء تدل على الإرادة، كون الآدمي على هذا الوصف، والحصان على هذا الوصف، ما الذي جعل هذا على وصف، وهذا على وصف؟ إرادة الله عز وجل.
قالوا: إن تخصيص المخلوقات بما تختص به يدل على إرادة الله، والاستدلال بهذا على الإرادة استدلال خفيّ لا يدركه إلا طلبة العلم بعد أن يقرؤوا أيضًا، ولا يثبتون الرحمة التي آثارها يعرفها الخاص والعام: الليل، والنهار، والمطر، والأشجار، والأنهار، والبحار، كلنا يعرف أن هذه من رحمة الله، ولذلك تجد العامي إذا أمطرت السماء يقول: مُطِرْنَا بفضل الله ورحمته، ولا يشك في هذا، لكن من لم يجعل الله له نورًا فما له من نور.
في هذه الآية الكريمة فوائد: أولًا: أن من أساء إلى غيره ثم استغفر الله غفر الله له، وحينئذ يُشكل علينا أن العلماء قالوا: إن الدواوين ثلاثة، منها ديوان الخلق، يعني المعاملة مع الناس، هذا لا يغفره الله عز وجل، ولكن ظاهر النصوص أنه إذا صحَّت التوبة غفره الله، والدليل لهذا قوله تعالى: وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا (٦٨) يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا (٦٩) إِلَّا مَنْ تَابَ [الفرقان: ٦٨-٧٠]، مع أنه ذكر القتل، فإذا تاب الإنسان من القتل توبة تمت شروطها فإن الله يغفر له.
ومن شروط التوبة في القتل أن يُسَلِّم نفسه لأولياء المقتول، فإذا سلَّم نفسه لأولياء المقتول فقتلوه أو عفوا عنه مع ندمه على ما فعل، واستغفاره لربه، فإن حق المقتول يتحمله الله عنه يوم القيامة، أعرفتم؟ لأن إيفاء المقتول حقه في هذه الصورة متعدٍّ، والقاتل الذي صحَّت توبته يقول في نفسه: لو أمكنني أن أستحلَّ الميت لفعلت، لكني أنا الآن لا أقدر على أكثر من أن أسلِّم نفسي لأولياء المقتول، فهذا يتحمله الله عنه.
طيب، لو أن أحدًا سرق مالًا من شخص، فهذا عمل سوءًا في غيره، وتاب من ذلك، هل يتوب الله عليه؟
نعم، إذا تمت شروط التوبة، ومن شروط التوبة أن يردّ المال لصاحبه، فإذا رد المال لصاحبه فقد تاب، وعلى هذا فنقول: ظاهر الآية هنا وغيرها أيضًا من النصوص أنه متى صحَّت التوبة حتى في حقوق الآدمي التي لا يستطيع أن يتخلص منها فإن الله تعالى يقبل توبته.
من فوائد الآية الكريمة: أن الإنسان تصحُّ توبته من الذنب، ولو تكرر، من أين تؤخذ؟
طالب: المضارعة في (يعمل) و(يجد)، كونه على صيغة المضارعة تدل على الاستمرار، فلو استغفر ثم تاب..
الشيخ: العموم مَنْ يَعْمَلْ سُوءًاثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ، وهذا عامٌّ فيمن تكرر منه ذلك أو لم يتكرر، ويدل لهذا الحديث الثابت عن النبي عليه الصلاة والسلام: «أَنَّ رَجُلًا أَذْنَبَ فَاسْتَغْفَرَ اللَّهَ، فَقَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: عَلِمَ عَبْدِي أَنَّ لَهُ رَبًّا يَغْفِرُ الذَّنْبَ وَيَأْخُذُ بِهِ، قَدْ غَفَرْتُ لِعَبْدِي، ثُمَّ عَادَ ثَانِيًا، ثُمَّ ثَالِثًا، إِلَى أَنْ قَالَ اللَّهُ لَهُ: فَلْيَعْمَلْ مَا شَاءَ» ، فهذا يدل على أن التوبة تثبت، وتقع من الله عز وجل ولو تكرر الذنب، ولهذا قال العلماء: من شروط التوبة أن يعزم على أن لا يعود، لا أن لا يعود، فإذا عزم أن لا يعود فقد صحت توبته، وإذا عاد لم تبطل توبته الأولى، بل توبته الأولى صحيحة، وعليه أن يجدد توبة ثانية للذنب الثاني.
ومن فوائد الآية الكريمة: أن المعاصي ظلم للنفس؛ لقوله: أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ، وهذا شيء ثابت مكرَّر في القرآن، قال الله تعالى: وَمَا ظَلَمُونَا وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ [البقرة: ٥٧]، وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ وَلَكِنْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ [هود: ١٠١]، إلى غير ذلك من النصوص الدالة على أن الإنسان هو الظالم لنفسه إذا عصى الله.
ومن فوائدها: أن الإنسان قد يكون عدوًّا لنفسه، تؤخذ من؟
طالب: أنه يظلم نفسه، وإذا ظلمها كان عدوًّا لها.
الشيخ: نعم، أنه يظلم نفسه، والظالم لك عدو لك، فالإنسان عدو نفسه، كما أن أقرب الناس إلى الإنسان قد يكونون أعداء له: إِنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ وَأَوْلَادِكُمْ عَدُوًّا لَكُمْ فَاحْذَرُوهُمْ [التغابن: ١٤]، فأنت احذر نفسك فإنها عدوك.
ومن فوائد الآية الكريمة: أن الله تعالى يقبل من عبده الاستغفار إذا تمت شروطه، أي: بلسان حاله ومقاله؛ لقوله: يَجِدِ اللَّهَ غَفُورًا رَحِيمًا، أنت استغفر، اصدق في استغفارك ستجد الله عز وجل غفورًا رحيمًا.
ثم قال عز وجل: وَمَنْ يَكْسِبْ إِثْمًا فَإِنَّمَا يَكْسِبُهُ عَلَى نَفْسِهِ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا [النساء: ١١١].
طالب: أحسن الله إليك يا شيخ، القول يا شيخ في الجدل هل هو مذموم على كل حال أو فيه تفصيل؟
الشيخ: الجدل ليس مذمومًا على كل حال، الجدل الذي كقوله تعالى: وَجَادَلُوا بِالْبَاطِلِ لِيُدْحِضُوا بِهِ الْحَقَّ [غافر: ٥] هذا مذموم وباطل، والجدل الذي يراد به إثبات الحق هذا محمود وواجب، قال الله تعالى: ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ [النحل: ١٢٥].
طالب: في الحديث يا شيخ قول الرسول عليه الصلاة والسلام: «أَنَا زَعِيمُ بَيْتٍ بِرَبَضِ الْجَنَّةِ لِمَنْ تَرَكَ الْمِرَاءَ وَلَوْ كَانَ..» .
الشيخ: هذا غير المراء في الدين، ثم لاحظ أن المراء غير الجدال، المراء هو الذي يقصد المجادل فتل الخصم بحق أو بغير حق.
طالب: بارك الله فيك يا شيخ، مما سبق أن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، وقلنا في تفسير قوله تعالى: هَا أَنْتُمْ هَؤُلَاءِ جَادَلْتُمْ عَنْهُمْ، المراد منهم القبيلة اللي العار يلحقهم، هل يمنع يا شيخ مانع من أن نقول: إن الآية هنا عامة للأمة كاملة، فهذا نهي الأمة عن أن تجادل عن الآخرين؟
الشيخ: لا، ما يستقيم، هذا ما يستقيم، هَا أَنْتُمْيشير إلى أناس معينين..
الطالب: العبرة بالعموم.
الشيخ: ما فيه عموم، بارك الله فيك، هَا أَنْتُمْ هَؤُلَاءِ جَادَلْتُمْ عَنْهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا.
الطالب: ما المانع إذا كان اللفظ يحتمل؟
الشيخ: ما يحتمل أبدًا، نحن نشير إلى ناس معينين ونقول: يحتمل العموم؟ هَا أَنْتُمْ.
الطالب: إذن اسم الإشارة عيَّنهم.
الشيخ: ما فيه شك عيَّنهم، لكن على كل حال غيرهم مثلهم، لو أن أحدًا جادل عن شخص بالباطل نقول له: أنت جادلت عنه الآن وربما تنجح، لكن من يجادل الله يوم القيامة، ولهذا «مَنِ اقْتَطَعَ مِنَ الْأَرْضِ شِبْرًا..» .