اصدُق في استغفارك ستجد الله عز وجل غفورًا رحيمًا.
ثم قال عز وجل: وَمَنْ يَكْسِبْ إِثْمًا فَإِنَّمَا يَكْسِبُهُ عَلَى نَفْسِهِ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا [النساء: ١١١].
طالب: أحسن الله إليك يا شيخ، القول يا شيخ في الجدل هل هو مذموم
على كل حال أو فيه تفصيل؟
الشيخ: الجدل ليس مذمومًا على
كل حال، الجدل الذي في قوله تعالى: وَجَادَلُوا بِالْبَاطِلِ لِيُدْحِضُوا بِهِ الْحَقَّ [غافر: ٥] هذا مذموم وباطل، والجدل الذي يراد
به إثبات الحق هذا محمود وواجب، قال الله تعالى: ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ [النحل: ١٢٥].
طالب:
جه حديث يا شيخ «أَنَا زَعِيم» قول الرسول عليه الصلاة
والسلام: «أَنَا زَعِيمٌ بِبَيْتٍ في رَبَضِ الْجَنَّةِ لِمَنْ
تَرَكَ الْمِرَاءَ وَلَوْ كَانَ مُحِقًّا» .
الشيخ: نعم، هذا غير المراء في الدين، ثم لاحظ أن المراء غير
الجدال؛ المراء هو الذي يقصد المجادل فتل الخصم بحق أو بغير حق.
طالب: بارك الله فيك يا شيخ، مما سبق أن العبرة بعموم اللفظ لا
بخصوص السبب، قلنا: في قوله تعالى: هَؤُلَاءِ جَادَلْتُمْ عَنْهُمْالمراد أنهم القبيلة اللي العار يلحقهم، هل يمنع يا شيخ مانع من
أن نقول: إن الآية هنا عامة للأمة كاملة؟ فهذا نهي للأمة عن أن تجادل؛ يعني تجادل
عن الآخرين؟
الشيخ: لا، ما يستقيم، هذا ما يستقيم،
هَا أَنْتُمْيشير إلى أناس معينين.
الطالب: العبرة بالعموم.
الشيخ: ما
فيه عموم فيه، بارك الله فيك، هَا أَنْتُمْ هَؤُلَاءِ جَادَلْتُمْ عَنْهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا.
الطالب: ما المانع إذا كان اللفظ يحتمل؟
الشيخ: ما يحتمل أبدًا، نحن نشير إلى ناس معينين ونقول: يحتمل
العموم؟ هَا أَنْتُمْ.
الطالب: إذن فيه إشارة عندنا؟
الشيخ: ما فيه شيء عيّنه، لكن على كل حال اللي غيرهم مثلهم، لو
أن أحدًا جادل عن شخص بالباطل نقول له: أنت جادلت عنه الآن، وربما تنجح، لكن من
يجادل الله يوم القيامة؟! ولهذا «مَنِ اقْتَطَعَ مِنَ
الْأَرْضِ شِبْرًا بِغَيْرِ حَقٍّ طَوَّقَهُ اللَّهُ مِنْ سَبْعِ أَرَضِينَ»
.
طالب: ما معنى قول النبي صلى الله عليه وسلم: «اتَّقُوا الظُّلْمَ؛ فَإِنَّهُ ظُلُمَاتٌ يَوْمَ
الْقِيَامَةِ» ، قصده يعني معنى
قوله: «ظُلُمَاتٌ»؟
الشيخ:
واضح؛ يعني يُحجب النور عن الإنسان يوم القيامة، والناس يوم القيامة غير المؤمنين
ليس لهم نور، يَوْمَ تَرَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ يَسْعَى نُورُهُمْ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِمْ [الحديد: ١٢]،
فهذا يعاقَب بحجب النور عنه يوم القيامة.
طالب: من سرق
مالًا من غيره، ثم سُرِقَ منه هذا المال، وأراد أن يتوب فـ..؟
الشيخ: فالأول تُقطع يده، والثاني لا تقطع.
الطالب: لا، ليس هذا نريد.. يعني إذا لم يطبّق عليهم؟
الشيخ: هذا زيادة في الجواب، ما الذي تريد؟
الطالب: أنا أريد يعني بغضّ النظر عن الحكم؛ يعني بالنسبة له هو
أراد أن يتوب، لم يؤخذ ولم يقبض عليه؛ يعني أراد أن يتوب، لكن هذا المال الذي
سَرَقه سُرِقَ منه؟
الشيخ: يذهب إلى صاحبه ويقول له:
أنا سَرَقْت منك كذا وكذا، وما سرقته منك سُرِق مني، ويضمنه بمثله إن كان مثليًّا،
أو بقيمته إن كان متقوَّمًا.
الطالب: إن تعذّر ذهابه
إليه، يعني مات يذهب إلى ورثته؟
الشيخ: إي نعم، إذا مات
مَن سُرِقَ منه يرجع إلى ورثته.
طالب: شيخ، قلنا: من
شروط توبة القتل أن يسلّم نفسه، ولكن في شرع من قبلنا أن موسى عليه السلام عندما
قتل نفسًا لم يسلم، هرب، وقال: ربّ اغفر لي لما خرج، هل نقول: شرع من قبلنا ليس
شرعنا؟
الشيخ: لكن موسى متأوّل..
الطالب: (...).
الشيخ: لا، متأوّل؛
لأن هذا القبطي الذي اعتدى على الإسرائيلي تأوّل أنه يريد أن ينقذ الإسرائيلي منه؛
لأنه استغاثه، فأراد المدافعة عنه، ولهذا قال: «إِنِّي
قَتَلْتُ نَفْسًا لَمْ أُومَرْ بِقَتْلِهَا» .
طالب: (...) في شرعنا إذا تأوّل أحد وقَتَل يهرب؟
الشيخ: لا، ما يجوز، إلا إذا كان مدافعة.
الطالب: نعم، مدافعة.
الشيخ: إي،
يهرب، صار مدافعة يهرب.
طالب: بارك الله فيك، هذا
الرجل الذي سرق المال، ثم وجد في نفسه غضاضة أن يذهب إلى صاحب المال ويعلمه بأنه
سرق منه، يتصدق بهذا المال؟
الشيخ: لا ينفع، لا بد أن
يوصل المال لصاحبه، إما مباشرة أو بواسطة إنسان.
الطالب: يمكن يعطيه بدون ما..
الشيخ:
بواسطة إنسان يثق منه، يقول: يا فلان، أنا سرقت من فلان، وأريد جزاك الله خيرًا، خذ
أوصلها إليه.
الطالب: (...) يتصدق عنه؟
الشيخ: لا، ما يتصرف في مال غيره.
طالب: بارك الله فيكم، ذكرنا حديث النبي صلى الله عليه وسلم
(...).
***
طالب: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم وَمَنْ يَكْسِبْ إِثْمًا فَإِنَّمَا يَكْسِبُهُ عَلَى نَفْسِهِ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا (١١١) وَمَنْ يَكْسِبْ خَطِيئَةً أَوْ إِثْمًا ثُمَّ يَرْمِ بِهِ بَرِيئًا فَقَدِ احْتَمَلَ بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا (١١٢) وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ وَرَحْمَتُهُ لَهَمَّتْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ أَنْ يُضِلُّوكَ وَمَا يُضِلُّونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَضُرُّونَكَ مِنْ شَيْءٍ وَأَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيمًا (١١٣)} [النساء: ١١١-١١٣].
الشيخ: أحسنت، أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله تبارك وتعالى: وَمَنْ يَكْسِبْ إِثْمًا.
يقول جل وعلا: وَمَنْ يَكْسِبْ إِثْمًا فَإِنَّمَا يَكْسِبُهُ عَلَى نَفْسِهِهذه الجملة الشرطية، فعل الشرط فيها يَكْسِبْ، وجواب الشرط فيها فَإِنَّمَا، والسؤال هنا: لماذا اقترنت الفاء بالجواب؟
طالب: لأنها جملة فعلية مقترنة بـ(قد)؟
الشيخ: كيف؟
الطالب: فقد.
الشيخ: لا.
طالب: الجواب اقترن بـ(إنما) جملة فعلية سُبِقَت بـ(إنما).
الشيخ: طيب.
طالب: جملة اسمية.
الشيخ: كيف جملة اسمية؟
الطالب: إذا كانت (إن) (...).
الشيخ: لكن الجملة الآن اسمية ولَّا فعلية؟ إن هذه أداة حصر، ويكسب؟
الطالب: فعلية.
الشيخ: الجواب: فعليّة.
طالب: أقول: لأنه يعني في الجملة هنا سُبِق الجواب.. سُبِق يعني الفاء بالذي.
الشيخ: وأين الفاء..؟
الطالب: فَإِنَّمَا يَكْسِبُهُ عَلَى نَفْسِهِ.
الشيخ: لا.
الطالب: إلا أن جملة جواب الشرط بالفاء، إنما يكسب.
الشيخ: الجواب أن يُقال: إن هذه تشبه الجملة الاسمية؛ لاقترانها بـ (إنما)، وأصل (إنما): (إن) حرف توكيد دخلت عليه (ما) الكافة فصار (إنما).
وقوله: إِنَّمَا يَكْسِبُهُ عَلَى نَفْسِهِيعني: لا، على غيره، وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا.
ففي هذه الآية يخبر الله عز وجل أن من اكتسب إثمًا فإنه لا يضر إلا نفسه، لماذا؟ لأنه يكسبه على نفسه لا على غيره.
وقوله: إِثْمًانكرة في سياق الشرط فتعمّ جميع الآثام؛ الكبائر والصغائر، وتعمّ الآثام المباشرة والآثام السببية؛ لأن الإنسان قد يُباشر الإثم بنفسه، وقد يكون دالًّا عليه أو معينًا عليه فيكون بذلك إثمًا.
وقوله: وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًاسبق لنا أن مثل هذا التعبير لا يدل على الحدوث، وأن الله كان عليمًا حكيمًا فيما سبق، وإنما الفعل هنا مسلوب أيش؟ الزمان، والمقصود به تحقيق تسميته بهذين الاسمين واتصافه بما دلَّا عليه.
في الآية الكريمة قرر الله -عز وجل- أن الإنسان إذا كسب إثمًا فإنما يكسبه على نفسه؛ لأن هذه الآيات -كما مر علينا فيما سبق- نزلت في قصة الرجل الذي سرق درعًا، ثم رمى به يهوديًّا، فأرادوا أن يتهموا هذا اليهودي، وجاؤوا إلى النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وتبيّن براءة اليهودي، فيقول عز وجل: إذا كسب الإنسان إثمًا فإنما يكسبه على نفسه.
فيستفاد من ذلك فوائد؛ الأولى: أن الإنسان إذا كسب الإثم فإنما يكسبه على نفسه، ولا يحمله عنه غيره، ويؤكد هذا قوله تعالى: وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى [الأنعام: ١٦٤].
فإن قال قائل: أليس قد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أَنَّ «مَنْ سَنَّ فِي الْإِسْلَامِ سُنَّةً سَيِّئَةً فَعَلَيْهِ وِزْرُهَا وَوِزْرُ مَنْ عَمِلَ بِهَا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ» ؟
الجواب: بلى، إذن كيف يكون عليه وِزر من عمل بها وهو لم يباشِر العمل؟ نقول: لأنه هو الذي سنّ هذه البدعة السيئة، ولهذا ما قُتِلَت نفس ظلمًا إلا كان على ابن آدم الأول منها كفل؛ لأنه أول من سنّ القتل، وعلى هذا فيقال: إن الذي سن البدعة واتبعه الناس عليها فإن سَنَّه إياها من عمله.
ومن فوائد الآية الكريمة: أن الله تعالى لا يظلم أحدًا فيحمّل غيره إثمه إلا بحق، وقد سبق مرارًا أن مَن ظلم الناس فإن الناس يأخذون من حسناته حتى تفنى، ثم يؤخذ من سيئاتهم فيُطرح عليه ويُطرح في النار، وهذا ليس تحميلًا للغير إثم غيره، ولكنه من باب المقاصّة والمجازاة، فإذا لم يكن عند هذا حسنات ترد مظلمة الآخرين فإنه يؤخذ من سيئاتهم ويُطرح عليه، ويطرح في النار.
ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات هذين الاسمين من أسماء الله: العليم والحكيم؛ لقوله: وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا.
ومن فوائد هذه الآية: إثبات ما تضمنه هذان الاسمان من صفات الله؛ فالعليم تضمنت العلم، والحكيم تضمنت الحكمة والحُكم؛ لأنه مر علينا أن الحكيم مشتقة من (الحُكم) و(الإحكام) الذي هو الحكمة، ولا حاجة إلى أن نعيد أن الحكمة أربع حالات؛ لأنه سبق، والتكرار يأخذ يعني الوقت.
ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن من علم الله وحكمته أن مَن كسب إثمًا فإنما يكسبه على نفسه، فإن ذلك من الحكمة البالغة.
ثم قال: وَمَنْ يَكْسِبْ خَطِيئَةً أَوْ إِثْمًا ثُمَّ يَرْمِ بِهِ بَرِيئًا فَقَدِ احْتَمَلَ بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًاالخطيئة والإثم من الكلمات التي إذا اجتمعت افترقت، وإذا افترقت اجتمعت، فالخطيئة، والإثم، والسوء، وما أشبه ذلك معناها واحد إذا انفردت كل كلمة عن الأخرى، أما إذا اقترنت إحداهما مع الأخرى فلا بد أن نحمل كل واحدة على معنى؛ لئلا يلزم التكرار بلا فائدة، والأصل في العطف أنه يقتضي المغايرة.
فما هي الخطيئة؟ وما هو الإثم؟
قال بعض العلماء: الخطيئة: ما ارتكبه الإنسان عن غير قصد، والإثم: ما ارتكبه عن قصد.
وفي هذا نظر؛ وذلك لأن الخطيئة المرتكَبة عن غير قصد قد رفع الله عنها الحرج والإثم، فلا تكون خطيئة، وأجيب عن ذلك بأنه لا مانع أن يكسب خطيئة، ويكون هناك مانع من العقوبة عليها، وإلا فالأصل أن مَن فعل الخطيئة عُوقب عليها، لكن هناك مانع وهو عفو الله عز وجل، وقيل: الخطيئة ما تعدّى إلى الغير، والإثم ما كان خاصًّا بالإنسان، وقيل: بالعكس، كل هذه الأقوال دفعًا لوجود التكرار في الآية.
وقوله: ثُمَّ يَرْمِ بِهِ بَرِيئًاالفعل لا يمكن أن يدخله الكسر، فلماذا كان هذا الفعل مكسورًا؟
طالب: (...) على فعل الشرط (...).
الشيخ: وهذا؟
الطالب: محذوف حرف العلّة.
الشيخ: وهذا مجزوم بأيش؟
الطالب: بحرف العلّة الياء.
الشيخ: بحذف حرف العلّة؛ وهي الياء.
ثُمَّ يَرْمِ بِهِ بَرِيئًاأي: بريئًا من هذا الإثم، وذلك كرمي هؤلاء الفئة لليهودي بأنه هو السارق.
فَقَدِ احْتَمَلَ بُهْتَانًاأي: كذبًا.
وَإِثْمًا مُبِينًاأي: عقوبة بيّنة، فكلمة (مبين) بمعنى بيّنة؛ لأن المبين يأتي بمعنى البيّن، ويأتي بمعنى المبيِّن للشيء؛ إذ إن (أبان) و(بان) يستعمل لازمًا كما يستعمل (أبان) متعديًا، فتقول مثلًا: أبان لي الحجة، وهذا متعدٍّ، ويقال: أبان الفجرُ، أي: ظهر، وهذا لازم، وعليه فكلمة (مبين) بمعنى (بيّن).
قوله: احْتَمَلَ بُهْتَانًا؛ لأنه كذب على الغير.
وَإِثْمًا مُبِينًا؛ لأنه جمع بين الخطيئة أو الإثم وبين رمي غيره بها، فجمع بين سيئتين، ولهذا كان إثمًا مبينًا.
في الآية الكريمة: تحريم رمي الغير بما فعل الإنسان من خطيئة، وجه ذلك قوله: فَقَدِ احْتَمَلَ بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا، فإن رَمَى الغير بخطيئة أو إثم لم تُنْسَب إليه من قبل، فهل يكون داخلًا في ذلك؟ يعني أن رجلًا اتهم شخصًا بعمل خطيئة أو إثم وقال: إنه عمل الخطيئة أو الإثم، هل نقول: إنه احتمل بهتانًا وإثمًا مبينًا؟
نعم، نقول ذلك، لكن الآية إنما خصّت ذلك فيمن فعل الشيء، ثم رمى به غيره؛ لأنها تحكي القضية الواقعة، وحكاية القضية الواقعة لا يكون لها مفهوم ما دام المعنى ثابتًا في هذا ونظيره، ولا شك أن من رمى غيره بفعل خطيئة وهو كاذب أنه محتمل للإثم والبهتان.
ومن فوائد هذه الآية: أن السيئات تتضاعف بتعدّد أوصافها؛ لقوله: بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا، وهذا هو الواقع وهو العدل، أرأيت من قذف قريبًا له، ومن قذف أجنبيًّا منه، كلاهما قذْف، لكن انضم إلى قذْف القريب أيش؟ قطيعة الرحم، فتكون هذه السيئة متضاعفة، فلا جرم أن يتضاعف إثمها؛ لأن الأحكام مرتّبة على أوصافها، وكذلك أيضًا من تصدّق على بعيد وتصدّق على قريب، ففعله كله صدقة، لكن صدقته على البعيد صدقة فقط، وعلى القريب صدقة وصلة؛ فالأعمال السيئة تتضاعف بتضاعف الأوصاف، وكذلك الأعمال الصالحة تتضاعف بتضاعف الأوصاف.
ومن فوائد هذه الآية: التحذير من رمي الغير بالخطايا والآثام؛ لقوله: فَقَدِ احْتَمَلَ بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا.
ثم قال: وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ وَرَحْمَتُهُ لَهَمَّتْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ أَنْ يُضِلُّوكَ.
لَوْلَاشرطية، ويقال في إعرابها: حرف امتناع لامتناع، صح؟ حرف امتناع لوجود، ما هو الموجود وما هو الممتنع هنا؟ الموجود فَضْلُ اللَّهِ، والممتنع لَهَمَّتْ طَائِفَةٌ، وهناك أخت لها أو بنت عم؛ وهي (لو) يقال فيها: حرف امتناع لامتناع، كقوله تعالى: وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ [النساء: ٦٤]، هذه حرف امتناع لامتناع، وتقول: لو جاء زيد لأكرمته، ولهما بنت عم بعيدة وهي؟
طلبة: لولا.
الشيخ: لا، لو ما هي لولا، (لَمَّا)، ويقال فيها: حرف وجود لوجود، مثل قوله تعالى: فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ [البقرة: ٨٩]، هذه حرف وجود لوجود؛ وُجِد الكفر لوجود المجيء، وتقول: لَمَّا جاء زيد جاء عمرو؛ وُجِد مجيء عمرو لوجود مجيء زيد، وعلى هذا فقد توزّعت هذه الحروف الثلاثة الوجودَ والعدم، (لَمَّا) حرف؟
طلبة: وجود لوجود.
الشيخ: و(لو)؟
الطلبة: حرف امتناع لامتناع.
الشيخ: و(لولا)؟
الطلبة: حرف امتناع لوجود.
الشيخ: امتناع لوجود. هنا يقول: لَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ وَرَحْمَتُهُالفضل هو العطاء الزائد، والرحمة أعمّ؛ لأن الرحمة يكون فيها دفع المكروه وحصول المطلوب، والفضل حصول المطلوب.
وقوله: لَهَمَّتْ طَائِفَةٌهذا جواب (لولا).
لَهَمَّتْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ أَنْ يُضِلُّوكَفمن هي هذه الطائفة؟ هي التي ادّعت أن السارق هو اليهودي، واجتمعوا على ذلك حتى لبَّسوا على النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وهمّوا أن يضلوه، وهنا إشكال، فإن ظاهر الآية الكريمة أنهم لم يهمّوا أن يضلوه، وإذا نظرنا إلى القصة وجدنا أنهم همّوا؛ يعني هم جاؤوا إلى الرسول بأجمعهم، وأنكروا أن يكون صاحبهم السارق، ورموا اليهودي بالسرقة، فقد همّوا وفعلوا.
والجواب عن ذلك أن يقال: همّوا هَمًّا يحصل به إضلاله، ولكنهم لم يصلوا إلى مرادهم، فصح أن يكون قوله: لَهَمَّتْجوابًا لقوله: وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ وَرَحْمَتُهُ.
لَهَمَّتْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ أَنْ يُضِلُّوكَ(أن) هنا مصدرية حُذِف منها حرف الجر، وتقديره: بأن يضلوك، وحذف حرف الجر مع (أنْ) و(أنّ) مطرد، وإذا حُذِف حرف الجر نُصِب المجرور، هذه قاعدة مطردة، لكنه مطرد في (أنّ) و(أنْ) كما قال ابن مالك:
| ..... وَفِي (أَنَّ) وَ(أَنْ) يَطَّـــــــــــــــــــــــــرِدُ | مَعْ أَمْنِ لَبْسٍ كَـ(عَجِبْتُ أَنْ يَدُوا) |
أما مع غير (أنّ) و(أنْ) فهو سماعي يُسمع عن العرب ولا يُقاس عليه، ومن ذلك قول الشاعر:
| تَمُرُّونَ الدِّيَارَ وَلَمْ تَعُوجُــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــوا | كَلَامُكُمُ عَلَيَّ إِذَنْ حَـــــــــــــــــــــــــــــــــرَامُ |
الشاهد في قوله (الديار)، والأصل: تمرون بالديار ولم تعوجوا، لكن حُذفت الباء فنُصِب المجرور بنزع الخافض، لكنه غير مطرد إلا في (أَنَّ) و(أَنْ).
أَنْ يُضِلُّوكَالإضلال معناه في الأصل يقال: ضل الطريق بمعنى: تاه، ولم يكن سيره على بيّنة، والمراد بإضلال الرسول عليه الصلاة والسلام هنا الذي همّ به هؤلاء، ولكن فضل الله ورحمته تداركت النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم هو أن يحكم بأن السارق من؟ اليهود.
وهذه الآية كقوله تعالى: وَلَوْلَا أَنْ ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئًا قَلِيلًا [الإسراء: ٧٤]، إذن يعني: لو ركنت إليهم ولو شيئًا قليلًا، إِذًا لَأَذَقْنَاكَ ضِعْفَ الْحَيَاةِ وَضِعْفَ الْمَمَاتِ ثُمَّ لَا تَجِدُ لَكَ عَلَيْنَا نَصِيرًا [الإسراء: ٧٥]، تأمل هذه الآية يا أخي يتبين لك عِظَم مخالفة الشرع من أجل عباد الله لَوْلَا أَنْ ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئًا قَلِيلًا.
وهذا هو الرسول عليه الصلاة والسلام لولا أن الله ثبّته لركن إليهم شيئًا قليلًا، فما بالك بنا نحن؟! فالواجب على الإنسان أن يتنبّه لمثل هذه الآية، وأن يسأل الله دائمًا الثبات على أن لا تأخذه في الله لومة لائم، ولو فعل لأذاقه الله ضعف الحياة وضعف الممات؛ لأن ذنب الرسول عليه الصلاة والسلام ليس كذنب غيره.
يقول: وَمَا يُضِلُّونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْيعني أنهم بتحايلهم، واتهامهم للغير، وإرادتهم أن يضل الرسول عليه الصلاة والسلام لا يمكن أن يضلّ، بل هذا لا يحصل به إلا ضلال أنفسهم.
وَمَا يَضُرُّونَكَ مِنْ شَيْءٍ(من) هذه زائدة زائدة.
مِنْ شَيْءٍزائدة زائدة، كيف زائدة زائدة؟ تناقض! زائدة إعرابًا أيش؟ زائدة معنى؛ زائدة الأولى هل هي من الفعل اللازم أو من الفعل المتعدي؟ انتبه! زائدة زائدة، الأول من اللازم أو من المتعدي؟
طالب: اللازم.
الشيخ: من اللازم، الثاني؟
الطالب: من المتعدي.
الشيخ: من المتعدي؛ لأن المعنى زائدة هي بنفسها، زائدة معنى، أي: زادت في المعنى، واضح؟
الطالب: الأول قلنا: زائدة إعرابًا.
الشيخ: إي، زائدة إعرابًا، زائدة معنى، لكن نقول: زائدة إعرابًا، هل هي الفعل (زاد) متعدي أو لازم؟
الطالب: إعرابًا.
الشيخ: لا، ما هو إعرابًا، زائدة، هذه زائدة؛ يعني بنفسها، واضح؟ هذه زائدة للمعنى فهي متعدية، قال الله تعالى: وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى وَآتَاهُمْ تَقْوَاهُمْ [محمد: ١٧]، فهي تكون متعدية، وتكون لازمة.
على كل حال مِنْ شَيْءٍهذه (من) زائدة إعرابًا أيش؟ وزائدة للمعنى، فما هو الزيادة في الإعراب؟
هو أنه لو حُذِفت لاستقام الكلام، لو كان في غير القرآن وقيل: وما يضرونك شيئًا، صح الكلام، وهي زائدة من حيث المعنى؛ يعني تزيد في المعنى؛ لأن الحروف الزائدة من أدوات التوكيد؛ فهي تؤكد المعنى، ولهذا نقول: إن (شيئًا) هنا نكرة في سياق النفي فتفيد العموم، فإذا دخلت عليها (من) كانت نصًّا في العموم كـ(لا) النافية للجنس.
وَمَا يَضُرُّونَكَ مِنْ شَيْءٍيعني: لا يمكن أن يضروك بأي شيء من الأشياء؛ لأن الله سبحانه وتعالى قد مَنّ عليك بفضله ورحمته.
وَأَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَالكتاب هو القرآن، والحكمة قيل في معناها وجهان:
الوجه الأول: أن المراد بذلك أسرار الشريعة، أي: أسرار أحكامها؛ فإن شريعة الرسول عليه الصلاة والسلام كلها مشتملة على أسرار وحِكم عظيمة.
وقيل -وهو الوجه الثاني-: المراد بالحكمة السُّنّة، فالله أنزل عليه القرآن والسنة، والمعنيان لا يتنافيان في الواقع؛ فالرسول عليه الصلاة والسلام أنزل الله عليه الكتاب، وأنزل عليه السُّنة، وكذلك الكتاب والسنة كلاهما مشتمل على أحكام وحِكم بالغة قد تنالها العقول وقد لا تنالها.
وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُنعم، علّم الله نبيه ما لم يكن يعلم، قال الله تعالى: وَمَا كُنْتَ تَتْلُو مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتَابٍ وَلَا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ [العنكبوت: ٤٨]، وقال تعالى: وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ [الشورى: ٥٢]، وهذا لا ينقص النبي صلى الله عليه وسلم شيئًا، بل يزيده دلالة على أنه رسول الله حقًّا، فمن أين جاءه هذا العلم؟ من الله عز وجل، ولهذا وصف الله محمدًا صلى الله عليه وسلم بأنه أُميٌّ وصف ثناء لا وصف قدح؛ لأن كونه أُمِّيًّا، ثم يأتي بهذا الكتاب العظيم الذي أعجز البشر يدل على أنه أيش؟ على أنه رسول الله حقًّا.
وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيمًاهذا كالتوكيد لقوله: وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ وَرَحْمَتُهُ.
وما ظنك بوصف الفضل بالعِظَم من العظيم الذي لا أعظم منه؟! سيكون هذا العِظَم عظيمًا بالغًا جدًّا؛ لأن وصف العظيم للشيء بالعظيم يدل على أيش؟ على عظمة كبيرة، ولهذا تجد الفقير مثلًا يستعظم أن يكون عنده ألف ريال، والغني يستصغرها ولا يراها شيئًا، فوصفه بالعِظم -وهو من عند الله الذي هو أعظم من كل شيء- يدل على عِظَم الفضل الذي أوتيه الرسول صلوات الله وسلامه عليه.
في هذه الآية الكريمة فوائد كثيرة؛ منها: بيان فضل الله على رسوله.
ومنها: إثبات الرحمة الخاصة؛ فإن قوله: وَرَحْمَتُهُرحمة خاصة لم تكن لغير الرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم، والرحمة نوعان: عامة، وخاصة؛ فالعامة هي اللي تشمل جميع العباد ومنها؟
طالب: الرحمة العامة.
الشيخ: اللي سألته أنا؟
الطالب: رحمة عامة تشمل جميع العباد.
الشيخ: نعم، ومنها؟
الطالب: وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ [الأعراف: ١٥٦].
الشيخ: قول الله: وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ. طيب، والرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ [البقرة: ١٦٣]؟
الطالب: والرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ.
الشيخ: وأما الرحمة الخاصة فهي للمؤمنين خاصة؛ لقوله تعالى: وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا [الأحزاب: ٤٣].
ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم محتاج لفضل الله ورحمته، ولولا فضل الله ورحمته عليه لحصل له ما يحصل لغيره؛ لقوله: وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ وَرَحْمَتُهُ لَهَمَّتْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ.
ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن الإنسان إذا مُنِع من الضلال بسبب أو بغير سبب فذلك من فضل الله عليه، ويتجلّى ذلك أن الإنسان أحيانًا يرى رأيًا في مسألة من المسائل أنها حرام أو حلال، ثم يُقيِّض الله له مَن يناظره في هذه المسألة حتى يتبين له الحق ويرجع، فهذا من نعمة الله عليه، ومن فضل الله عليه، أحيانًا ينقدح له الحق دون مناظرة إما بالتأمل والتدبُّر، وإما بأن ينظر مثلًا إلى أشياء أخرى يقيسها عليها أو غير ذلك.
المهم أن الإنسان متى تبيّن له الحق بأي سبب فإن ذلك من نعمة الله عليه فليحمد الله على ذلك.
ومن فوائد هذه الآية الكريمة: الحذر من أهل السوء، وألا يغترّ الإنسان بظاهر الحال، لكن إذا لم يكن إلا ظاهر الحال فلا بد أن يحكم بذلك؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم: «إِنَّمَا أَقْضِي بِنَحْوِ مَا أَسْمَعُ» ، لكن عليه أن يحترز فإن الإنسان قد يغر غيره بحاله؛ لقوله: لَهَمَّتْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ أَنْ يُضِلُّوكَ.
ومن فوائد الآية الكريمة: أن من أراد إضلال الخلق فإنه لا يضر إلا نفسه؛ لقوله: وَمَا يُضِلُّونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ؛ لأنهم عموا في الواقع عن الحق، ودعوا الناس إلى الباطل، فاكتسبوا إثمًا إلى آثامهم فأضلّوا أنفسهم بذلك.
ومن فوائد هذه الآية الكريمة: عصمة الرسول صلى الله عليه وسلم من ضرر هؤلاء أو من إضرار هؤلاء؛ لقوله: وَمَا يَضُرُّونَكَ مِنْ شَيْءٍ.
ومن فوائدها: أن القرآن الكريم مُنزَّل من عند الله؛ لقوله: وَأَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ.
ومن فوائدها: إثبات علوّ الله؛ لقوله: أَنْزَلَ، والنزول يكون من أعلى، وعلوّ الله عز وجل نوعان: علوّ معنوي، وعلوّ ذاتي؛ فأما العلوّ المعنوي فهو كمال أوصافه عز وجل، وهذا لا ينكره أحد ممن ينتسب إلى الإسلام، كل من ينتسب إلى الإسلام يقرّ بعلوّ الله عز وجل علوًّا معنويًّا، والثاني: علوّ ذاتي، وهذا يثبته السلف وأئمة الأمة، وينكره الجهميّة والمعتزلة والأشاعرة، ينكرون العلوّ الذاتي، فماذا يقولون؟
انقسموا إلى قسمين؛ قسم منهم يقول: إن الله معنا في كل مكان، فليس له مكان أعلى، إن كنا في المسجد فهو معنا، إن كنا في البيت فهو معنا، في السوق فهو معنا، في أي مكان فهو معنا، ومع فلان وفلان في أي مكان، ولا شك أن هذا ضلال مبين، هل الرب عز وجل واحد؟
الطلبة: واحد.
الشيخ: واحد، كيف يكون ذاتيًّا في كل مكان؟ هذا يلزم منه إما التعدد، وإما التجزؤ، ويلزم منه أيضًا أن يكون الله حالًّا في الأمكنة وهو أعظم من كل شيء، السماوات مطويّات بيمينه والأرض جميعًا قبضته، وأما الآخرون فقالوا: إن الله تعالى لا يُوصف بأنه فوق العالَم ولا تحت العالَم، ولا يمين العالَم ولا شمال العالَم، ولا متصل بالعالَم ولا منفصل عن العالَم، وين يروح؟ عدم؛ ولهذا قال محمود بن سبكتكين رحمه الله لمحمد بن فورك لما وصف الله عز وجل بهذه الصفة قال: فرِّق لنا بين الرب الذي تعبده وبين الرب المعدوم؟ هذا هو العدم، ولو قيل للإنسان: صف العدم بأبلغ من هذا الوصف ما وجد إلى ذلك سبيلًا، أما أهل الحق فقالوا: إن الله تعالى بذاته فوق كل شيء، ولا يمكن أن يكون في كل مكان، ولا يمكن أن نصفه بالعدم كما وصفه هؤلاء.
ومن فوائد الآية الكريمة: أن القرآن كلام الله، وجهه أن الله قال: أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الْكِتَابَ، ومعلوم أن القرآن كلام، والكلام صفة المتكلم، فإذا كان الإنزال دالًّا على علو الْمُنْزَل كان ذلك دليلًا على أن القرآن كلام الله؛ لأن القرآن وصف لا يمكن أن يقوم بذاته، فلزم أن يكون كلام الله عز وجل.
***
طالب: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم لَا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلَاحٍ بَيْنَ النَّاسِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ مَرْضَاةِ اللَّهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا (١١٤) وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا (١١٥)} [النساء: ١١٤، ١١٥].الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله تبارك وتعالى: لَا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلَاحٍ بَيْنَ النَّاسِ.
قال الله تعالى: وَأَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ.
من فوائد هذه الجملة من الآية الكريمة: أن القرآن كلام الله؛ لقوله: وَأَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الْكِتَابَ؛ لأن الله أنزله من عنده.
فإن قال قائل: في هذا الاستدلال نظر؛ لأن الله تعالى قال: وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ [الحديد: ٢٥]، وقال: وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ الْأَنْعَامِ ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ [الزمر: ٦]، وقال: وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورًا [الفرقان: ٤٨]، ولا شك أن هذه الأشياء الثلاثة ليست كلام الله، ففي الاستدلال نظر؟
فالجواب عن ذلك أن يقال: هذه الأشياء أعيان قائمة بنفسها فهي مخلوقة، وأما القرآن فهو صفة لا تقوم بنفسها؛ لأنه كلام، فلزم من ذلك أن يكون صفة لله وليس بمخلوق، وهذا هو الذي عليه أهل السُّنة والجماعة، أما الأشاعرة فقالوا: هذا القرآن الذي بين أيدينا مخلوق، وكلام الله غير مخلوق؛ لأنهم يرون أن الكلام هو المعنى القائم بالنفس، وحقيقة قولهم أنهم فسّروا الكلام بأيش؟ بالعلم ليس بالكلام؛ لأن المعنى القائم بالنفس ليس كلامًا، بل إن الجهمية خير منهم في هذا الباب؛ لأن الجهمية يقولون: كلام الله مخلوق، وهو هذا الذي بين أيدينا، هم يقولون: هذا الذي بين أيدينا مخلوق، وليس كلام الله، بل هو عبارة عن كلام الله، وليس هو الكلام، فصار الجهمية من هذا الوجه أحسن منهم.
من فوائد هذه الآية الكريمة: فضيلة الرسول عليه الصلاة والسلام حيث كان محلًّا لإنزال الكتاب عليه، وقد قال الله تبارك وتعالى: اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ [الأنعام: ١٢٤].
ومن فوائدها: أن القرآن كِتَاب (فِعَال) بمعنى (مَفْعُول)، وهو مكتوب في اللوح المحفوظ، مكتوب في الصحف التي بأيدي الملائكة الكرام البررة، مكتوب في المصاحف التي بأيدينا.
ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن النبي صلى الله عليه وسلم أُوتي الحكمة، فما هي الحكمة؟ قيل: إنها السُّنّة؛ لأن السنة حكمة، ولكن هذا القول، وإن كان ذهب إليه كثير من العلماء، ففي النفس منه شيء؛ لأن الحكمة الكائنة في القرآن كالحكمة الكائنة في السنة أو أعظم.
وحينئذٍ نقول: المراد بالحكمة هي الأسرار التي اشتملت عليها شريعة النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم وما جاء به هذا القرآن، فيكون الله تعالى قد أنزل على رسوله أحكامًا وحِكَمًا، وهذا القول عندي هو الأرجح؛ لأن التعبير عن السنة بأنها منزَّلة من عند الله فيه شيء أيضًا؛ لأنه ليست السُّنّة كلها وحيًا، بل منها ما هو وحي، ومنها ما هو إقرار من الله للرسول عليه الصلاة والسلام، وما أقرّ الله رسوله عليه فهو من عنده.
ومن فوائد هذه الآية الكريمة: فضيلة العلم؛ لأن الله امتنّ به على رسوله حيث قال: وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ، ولا شك أن العلم أشرف ما يُعطاه الإنسان بعد الإسلام؛ فهو خير من المال، وخير من الأولاد، وخير من الأزواج، وخير من الدنيا كلها، انظر إلى العلماء الذين نور علمهم بين أيدينا اليوم، وانظر إلى من في زمنهم من الملوك والسراة والوجهاء والأعيان وغير ذلك، أين ذكرهم؟ ذهب، لكن العلماء بقي ذكرهم، وصاروا يدرّسون الناس وهم في قبورهم، وهذه فضيلة عظيمة للعلم، فما أُعْطِيَ الإنسان بعد الإسلام خيرًا من العلم، والعجب أن العلم كما قال القائل:
| يَزِيـــــدُ بِكَثْرَةِ الْإِنْفَـــــــــــاقِ مِنْـــــــــــــــــهُ | وَيَنْقُــــــــــــــصُ إِنْ بِهِ كَفًّا شَدَدْتَا |
كلما علّمت ازداد علمك، وكلما أمسكت العلم نقص علمك، المال بالعكس، لولا أن الله ينزل البركة لمن تصدّق حتى لا تنقصه الصدقة لانتهى المال عن قرب.
ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم لا يعلم إلا من عند الله، لا علم له بشيء إلا من عند الله؛ لقوله: وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ.
فإن قال قائل: هذا يقتضي أن الرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم كان جاهلًا من قبل، وهذا تنقّص له؟
قلنا: كلا، ليس تنقّصًا، بل هو كمال له؛ لأن إعطاءه الكمال بعد النقص في هذا الباب يعتبر كمالًا، ولا شك أن الرسول عليه الصلاة والسلام قبل أن ينزل عليه الكتاب لا شك أنه لا علم عنده؛ لقول الله تبارك وتعالى: وَمَا كُنْتَ تَتْلُو مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتَابٍ وَلَا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ [العنكبوت: ٤٨]، ولقوله تعالى: وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ [الشورى: ٥٢]، لولا أن الله تعالى مَنّ عليه بالعلم، نسأل الله تعالى أن يمن علينا وعليكم بالعلم النافع.
وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُمن أي شيء علّمه ما لم يكن يعلم؟
طبعًا ليس من كل شيء، حتى الآية لا تدل على أنه علّمه كل شيء، علّمه ما لم يكن يعلمه من قبل، جائز أن يكون ألف مسألة، أو مليون مسألة، أو كم؟ عشر مسائل؛ لأنه قال: عَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ، ولم يقل: علّمك كل شيء، وبهذا نرد على أولئك الكاذبين الذين يقولون: إن الرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم يعلم الغيب، نقول: كذبتم ورب العرش، ما يعلم الغيب، وإذا كان إذا انخنس عنه بعض أصحابه لا يدري أين ذهبوا، وهم في مكان واحد، فكيف تقولون: إنه يعلم الغيب؟! وإذا كان يدخل بيته ولا يدري ما في البيت يقول: «هَلْ عِنْدَكُمْ شَيْءٌ؟» ، وإذا قالوا: ليس عندنا شيء قال: «أَلَمْ أَرَ الْبُرْمَةَ عَلَى النَّارِ؟» ، وهو لا يدري، فلعله ماء يفور، فالنبي عليه الصلاة والسلام لا يعلم الغيب أبدًا.
وقد قال الله تعالى في كتابه العظيم كلمة عامة، قال: عَالِمُ الْغَيْبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا (٢٦) إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ رَصَدًا [الجن: ٢٦، ٢٧]، وليس يعطيه علم كل شيء، حتى الساعة، جاء جبريل يقول للرسول: متى الساعة؟ ماذا قال؟ قال: «مَا الْمَسْؤُولُ عَنْهَا بِأَعْلَمَ مِنَ السَّائِلِ» .
فأشرف الرسل من الملائكة، وأشرف الرسل من البشر كلاهما لا يعلمون الغيب، لا يعلم متى تكون الساعة.
ومن فوائد هذه الآية الكريمة: بيان فضل الله على رسوله صلى الله عليه وسلم وعِظمه؛ لقوله: وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيمًا.
وربما يتفرع من هذه الفائدة: أن أعظم فضل يتفضّل الله به على العبد هو العِلم، ولا شك في هذا، ثم هذه بشرى لأهل العلم إذا علّمهم الله تعالى من شريعته ما علّمهم فإنما هم ورثة النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم؛ حيث علّمهم من شريعته ما لم يكونوا يعلمون.
ثم قال الله تعالى: لَا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ.
قوله: لَا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ. كلمة (نجوى)، أولًا: الإعراب لَا خَيْرَهذه نافية للجنس، واسمها خَيْرَ، وإعرابه؟
طالب: اسم نافية للجنس.
الشيخ: كمّل.
الطالب: (...) مبني.
الشيخ: كمّل.
الطالب: (لا) نافية للجنس، وخير اسم لا مبنى على..
الشيخ: اسم (لا) مبني على الفتح في محل نصب؟
الطالب: في محل نصب..
الشيخ: في محل نصب، مبني على الفتح في محل نصب.
وفِي كَثِيرٍهو خبرها.
طالب: (...).
الشيخ: نعم، لا خير في كثير من كذا.
وقوله: مَنإِلَّا مَنْهذه بدل. قوله: مِنْ نَجْوَاهُمْيحتمل أن تكون جمعًا كقوله تعالى: مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلَاثَةٍ [المجادلة: ٧]، فـ(نجوى) هنا بمعنى متناجين.
مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلَاثَةٍأي: ما يكون من متناجِين ثلاثة إلا هو رابعهم، ويحتمل أن تكون مصدرًا، وعلى هذا فيكون المعنى: لا خير في كثير من مناجاة من تناجوا، هذا من حيث الإعراب، أما من حيث المعنى فهو واحد، لا يختلف، والمعنى أن كثيرًا مما يتناجى به هؤلاء لا خير فيه، والقليل فيه الخير.
وقوله: إِلَّا مَنْ أَمَرَ(مَن) هل تحتاج إلى تقدير المضاف، فنقول: التقدير: إلا نجوى مَن، أو لا تحتاج؟ نقول: هذا مبنيّ على كلمة (نجواهم)، إن قلنا: إنها مصدر احتاجت إلى التقدير، يعني: إلا نجوى مَن، وإن قلنا: (نجوى) بمعنى متناجين، فـ(مَن) هنا لا تحتاج إلى التقدير؛ لأن المعنى: لا خير في كثير من المتناجين إلا من أمر ففيهم الخير.
ما هي النجوى؟ سواء قلنا: إنها بمعنى متناجين أو إنها مصدر؛ فالنجوى هي الكلام الذي يُسِرّه الإنسان إلى جليسه، هذه النجوى، وسيأتي -إن شاء الله- بيان حكمها.
إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍيعني: إلا نجوى من أمر، هذا إن قلنا: (النَّجْوَى) الأولى مصدر، وإن قلنا: إنها مصدر بمعنى الجمع، فإننا لا نحتاج إلى تقدير؛ يعني: إلا الذي أمر بصدقة أو معروف أو إصلاح بين الناس، ثلاثة أشياء.
مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍأي: قال لغيره: تصدّق، وهذه الكلمة (تصدق) إن وقعت من أعلى فهي أمر، أو من مساوٍ فهي التماس ومشورة، وهو شامل لهذا وهذا، أي: سواء كان الآمِر له الإمرة على مَن وَجَّه إليه الخطاب، أو كان الآمِر ليس له إمرة، لكنه قاله على سبيل أيش؟ النصيحة والإشارة.
وقوله: بِصَدَقَةٍمُنَكَّر، والتنكير يدل على الإطلاق فيشمل القليلة والكثيرة.
أَوْ مَعْرُوفٍالمعروف ما ليس بمنكر، وهو أعم من الصدقة؛ لأن الصدقة إحسان، والمعروف ما يتعارفه الناس، وإن لم يكن صدقة، مثل الأمر بالمعروف أن يأمر بالتسامح، يأمر بالتواصل، يأمر بالإحسان، إذا لم يكن داخل في الصدقة وخصّصنا الصدقة بأنها صدقة المال.
أَوْ إِصْلَاحٍ بَيْنَ النَّاسِالإصلاح هو إزالة الفساد بين الناس، مثل أن يكون بين اثنين عداوة فيسعى شخص إلى إزالة هذه العداوة، فهذا هو الإصلاح، وهو من أفضل الأعمال المقرِّبة إلى الله.
وقوله: بَيْنَ النَّاسِيشمل المسلمين وغير المسلمين، فالإصلاح بين الناس خير سواء أصلحتَ بين مسلمين أو بين كفار، أو بين مسلمين وكفار، من أين أخذ العموم؟ من قوله: النَّاسِ.
ثم قال: وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَالمشار إليه ما سبق من الأمر بالصدقة والمعروف والإصلاح.
ابْتِغَاءَ مَرْضَاةِ اللَّهِ، ابْتِغَاءَبمعنى طلب. مَرْضَاةِ اللَّهِأي: طلب أن يرضى الله عنه.
فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا، الفاء هنا رابطة للجواب، جواب (مَن) في قوله تعالى: وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ، فلماذا اقترن الجواب بالفاء؟
طالب: لأنها اقترنت بفعل الشرط.
الشيخ: لأنه اقترن الجواب بـ(سوف)، هل لك أن تعطينا بيتًا يتضمن ذلك، أي ما يجب ربطه بالفاء؟
طالب:
| اسْمِيَّــــــــــــــــــــةٌ طَلَبِيَّـــــــــــــــــةٌ وَبِجَامِـــــــــــــــــــدٍ | وَبِمَا وَقَـــــــدْ وَبِلَـــــــنْ وَبِالتَّنْفِيــــــــــــــسِ |
الشيخ: أحسنت، هذه سبعة أشياء، أما ابن مالك فقد جعل لها ضابطًا، ما هو؟
طالب:
| وَاقْرُنْ بِـ(فَا) حَتْمًا جَوَابًا لَوْ جُعِلْ | شَرْطًا لِـ(إِنْ) أَوْ غَيْرِهَا لَمْ يَنْجَعِلْ |
الشيخ: أحسنت.
| وَاقْرُنْ بِـ(فَا) حَتْمًا جَوَابًا لَوْ جُعِلْ | شَرْطًا لِـ(إِنْ) أَوْ غَيْرِهَا لَمْ يَنْجَعِلْ |
يعني: ما لا يصح أن يلي (إنْ) وجب أن يُقرن بالفاء، وهذا ضابط، وما أشار إليه أخونا في البيت فهو تفصيل، لكن ما ذكره ابن مالك فيه فائدة وهي الإشارة إلى وجوب اقترانه بالفاء، فما هو السبب؟
السبب لأنه لا يصح أن يكون فعلًا للشرط، فإذا لم يصح أن يكون فعلًا للشرط لم يصح أن يكون جوابًا، ولذلك وجب اقترانه بالفاء، واضح يا جماعة؟ البيت:
| وَاقْرُنْ بِـ(فَا) حَتْمًا جَوَابًا لَوْ جُعِلْ | شَرْطًا لِـ(إِنْ) أَوْ غَيْرِهَا لَمْ يَنْجَعِلْ |
ما معناه إجمالًا؟ معناه أنه إذا لم يصحّ أن يكون الجواب فعلًا للشرط أيش؟ وجب اقترانه بالفاء، هذا الحكم، لماذا؟ لأن ما لا يصح أن يكون شرطًا لا يصح أن يكون جوابًا، فلهذا وجب أن يقترن بالفاء.
فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا. في قوله: نُؤْتِيهِقراءتان سبعيّتان: نُؤْتِيهِو{يُؤْتِيهِ}، أما على قراءة: {يُؤْتِيهِ} فهي جارية على نسق الكلام؛ لأن قوله: {ابْتِغَاءَ مَرْضَاةِ اللَّهِ فَسَوْفَ يُؤْتِيهِ}، أي: الله. أَجْرًا عَظِيمًا.
إذا كانت {يُؤْتِيهِ} فهي على نسق الكلام؛ لأن الكلام كله في الغيبة، وإذا قال: فَسَوْفَ نُؤْتِيهِفقد خرج عن نسق الكلام، ويسمى هذا التفاتًا، وكل التفات فلا بد له من فائدة على حسب السياق.
في هذه الآية الكريمة فوائد كثيرة؛ أولًا: أن كثيرًا من كلام الناس ليس فيه الخير، فما هو الميزان لما فيه الخير وما لا؟ الميزان ذَكَره النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم في قوله: «مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَلْيَقُلْ خَيْرًا أَوْ لِيَصْمُتْ» ، هذا واحد، وفي قوله صلى الله عليه وسلم: «مِنْ حُسْنِ إِسْلَامِ الْمَرْءِ تَرْكُهُ مَا لَا يَعْنِيهِ» ، وفي نهيه صلى الله عليه وسلم عَنْ قِيلَ وَقَالَ، وَكَثْرَةِ السُّؤَالِ ، فهذه ثلاثة أحاديث كلها تبيّن ما هو الخير في الكلام، الأول؟
طالب: قول الرسول صلى الله عليه وسلم: «مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَلْيَقُلْ خَيْرًا أَوْ لِيَصْمُتْ».
الشيخ: والثاني؟
طالب: «مِنْ حُسْنِ إِسْلَامِ الْمَرْءِ تَرْكُهُ مَا لَا يَعْنِيهِ».
الشيخ: الثاني.
الطالب: قول النبي صلى الله عليه وسلم: «مِنْ حُسْنِ إِسْلَامِ الْمَرْءِ تَرْكُهُ مَا لَا يَعْنِيهِ».
الشيخ: هذا اللي قلناه الثاني يا إخوان، هذا الثاني؟
طلبة: نعم.
الشيخ: الثالث؟
طالب: نهى عن القيل والقال.
الشيخ: نعم، نهى عن القيل والقال، وكثرة السؤال.
ومن فوائد هذه الآية الكريمة: فضيلة الصدقة، وجه ذلك أنه إذا كان الآمر بالصدقة في أمره خير ففاعل الصدقة من باب أولى لا شك.
ومن فوائد الآية الكريمة: حثّ الإنسان على الأمر بالخير والإحسان؛ لقوله: إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلَاحٍ بَيْنَ النَّاسِ.
ومن فوائد الآية الكريمة: فضيلة الأمر بالإصلاح بين الناس.
***
طالب: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم لَا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلَاحٍ بَيْنَ النَّاسِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ مَرْضَاةِ اللَّهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا (١١٤) وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا} [النساء: ١١٤، ١١٥].الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قوله تعالى: لَا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍإلى آخره، ما المراد بالنجوى في قوله: مِنْ نَجْوَاهُمْ؟
طالب: النجوى تحتمل أحد احتمالين؛ إما أن تكون جمعًا كقوله تعالى: مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلَاثَةٍ، أو تكون مصدرًا، أي: لا خير في كثير من مناجاتهم.
الشيخ: من مناجاتهم، تمام، وبناءً على هذا تكون إِلَّا مَنْ أَمَرَاستثناء؟
طالب: إِلَّا مَنْ أَمَرَإذا قلنا: إن نَجْوَىمصدر فيكون المقدّر مضافًا.
الشيخ: التقدير؟
الطالب: التقدير: إلا مناجاة مَن أمر، وإذا قلنا: إنها جمع، فلا يحتاج إلى تقدير.
الشيخ: أحسنت، قوله: إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلَاحٍ بَيْنَ النَّاسِ، هذه الأشياء الثلاثة ما الفرق بينها؟
طالب: المعروف أعم، يشمل الصدقة والإصلاح، والصدقة هنا يتعلق بالبدن، والإصلاح يتعلّق بالمال والإصلاح يتعلق بـ..
الشيخ: ما الذي يتعلق بالمال؟
الطالب: الصدقة.
الشيخ: الصدقة، طيب، المعروف أعم من كونه بالمال أو بالعمل، أَوْ إِصْلَاحٍ بَيْنَ النَّاسِ؟
طالب: بين طائفتين، كقوله سبحانه وتعالى: وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا [الحجرات: ٩].
الشيخ: إذن الإصلاح بين الناس هذا لشيء متعدي النفع، كل هذه الأشياء الثلاثة متعدي النفع، الصدقة والمعروف، والثالث: الإصلاح بين الناس. ما الذي يؤخذ من قوله: وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ مَرْضَاةِ اللَّهِ؟
طالب: أن العبادة لا بد فيها من شرطين: الإخلاص لله، والمتابعة.
الشيخ: وجوب العناية بالإخلاص، وأنها بدون إخلاص لا خير فيها، وأنها بغير إخلاص لا يترتّب عليها أجر كثير وإن كان فيها خير؛ لأنها متعدية، لكنه لا يحصل فيها الأجر العظيم.
أخذنا أربع فوائد أظن كما قلتم أنا نسيت، ما هي؟
طالب: الأولى: أن كثيرًا من كلام الناس ليس فيه خير.
الثانية: فضيلة الصدقة.
والثالثة: حث الناس على الأمر بالصدقة.
والرابعة: قضية الأمر بالإصلاح بين الناس.
الشيخ: نعم، بسم الله الرحمن الرحيم.
من فوائد هذه الآية الكريمة أيضًا: فضيلة الأمر بالمعروف؛ حيث قرنه الله تعالى بالأمر بالصدقة؛ لقوله: إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ، فما هو المعروف؟ المعروف كل ما عرفه الشرع وأقرّه فهو معروف، وكل ما أنكره ونهى عنه فهو منكر.
ومن فوائد هذه الآية الكريمة: بيان أن هذه الأمور الثلاثة فيها خير وإن فعلها الإنسان بغير قصد ابتغاء وجه الله، وجهه أن الله تعالى لما نفى الخير في كثير من النجوى استثنى هذه الثلاثة، ثم قال: وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ مَرْضَاةِ اللَّهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا.
ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أنه يصح إطلاق الفعل على القول، من أين يؤخذ؟ من قوله: وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَمع أن الذي حصل أمر بصدقة أو معروف أو إصلاح، وهذه إذا قلنا: إنها عائدة على الأمر المفهوم من (أمر)، أما إذا قلنا: إنها عائدة على الصدقة والمعروف والإصلاح فإن هذا فعل، ولا إشكال فيه؛ لأن المشار إليه في ذلك مختلَف فيه كما ذكرناه سابقًا.
ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات الرضا لله عز وجل؛ لقوله: ابْتِغَاءَ مَرْضَاةِ اللَّهِ، وهل الرضا صفة فعلية أو صفة ذاتية؟ يقال: إنها فعلية؛ لأن كل صفة تتعلق بمشيئة الله إن شاء فعلها وإن شاء لم يفعلها فهي صفة فعلية، هذا الضابط، والرضا متعلق بالمشيئة؛ لأن سببه الفعل الذي يرضى به الله، والفعل الذي يرضى به الله تابع لأيش؟ لمشيئة الله؛ لأنه من فعل العبد، وفعل العبد كائن بمشيئة الله، إذن فالرضا من الصفات الفعلية، وليُعلم أن الصفات الفعليّة كلها باعتبار الجنس صفات ذاتية، لكن أنواعها وأفرادها هي التي تحدُث، أما أصلها وهو الفعل فهو صفة أيش؟ ذاتية.
الدليل: أن الله تعالى لم يَزَل، ولا يزال فعَّالًا، لكن المتجدّد هو أنواع الفعل أو آحاد الفعل؛ فمثلًا الاستواء على العرش مما حدث نوعه أو لا؟ مما حدث نوعه؛ لأننا لا نعلم فعلًا هو الاستواء إلا ما كان خاصًّا بالعرش، وما كان خاصًّا بالعرش فإنه قطعًا حصل بعد خلق أيش؟ بعد خلق العرش.
النزول إلى السماء الدنيا هو أيضًا حادث النوع، وحادث الآحاد أيضًا؛ لأن الله ينزل كل ليلة، الاستواء على العرش مطلق عام؛ يعني ما يُحَدّ بليلة، ولا بيوم، ولا بأسبوع، ولا بشهر، لكن النزول ينزل كل ليلة، فتبيّن الآن أن صفات الأفعال أصلها أيش؟ ذاتيّ، لماذا؟ لأن الله لم يَزَل ولا يزال فعَّالًا، وإذا قلت: ما الدليل على هذا؟ نقول: لأن الفعل كمال، ولو قلنا: إنه يأتي أو يمر عليه زمن لم يكن فاعلًا لكان هذا نقصًا في الله عز وجل؛ لأننا إذا قلنا لمن أتى عليه زمن: لم يكن فاعلًا، فلماذا؟ لأنه غير قادر؟!
فإن قلت: غير قادر، فهذا مشكل، وإن قلت: قادر، قلنا: هات الدليل على التحديد؛ لأن تحديد ما لم يقم عليه دليل يعتبر تحكمًا، فمن أيّ وقت صار الفعل ممكنًا في حقه؟ فلذلك نقول: إن صفات الأفعال أصلها أيش؟ ذاتي؛ لأن الله لم يَزَل ولا يزال فعَّالًا، وأما أنواعها وآحادها فهي فعليّة؛ لأنها تتعلق بمشيئته تبارك وتعالى.
عند أهل التعطيل كالأشاعرة والمعتزلة والجهمية ومن ضاهاهم يقولون: إن الله ليس له رضا، لكنهم لا ينكرونه إنكار جحود، بل إنكار تأويل، فمثلًا إذا قالوا: ليس له رضا.
نقول: إن نفيتم الرضا نفي إنكار فهذا تكذيب للقرآن، ومكذِّب القرآن كافر، أما إذا قالوا: نعم، لله رضا، لكن المراد بالرضا كذا، فهذا يسمى (إنكار تأويل)، ولا يكفرون بذلك إلا إذا كانت البدعة كبيرة تكفِّر، فهذا شيء آخر.
بماذا يفسّرون الرضا؟ يقولون: الرضا هو الإثابة. فيقال: إن الإثابة ليست هي الرضا؛ لأن الإثابة فعل منفصل بائن عن الله عز وجل، فيثب هؤلاء الذين رضي الله عنهم، يثيبهم بشيء منفصل بائن عن الله؛ بالجنة ونعيمها، بالحياة الطيبة في الدنيا، وما أشبه هذا، إذن تفسيره بالإثابة غلط، ونقول: إذا فسرتموه بالإثابة لزم من ذلك ثبوت الرضا؛ إذ لا يمكن أن يُثيب إلا من رضي عنه، لا يثيب من غضب عليه أبدًا، بل يثيب من رضي عنه، ولهذا مهما فروا من إنكار الرضا فإنه سوف يكون لازمًا له، مع المعاناة والتحريف لا يمكن أن ينفلتوا منه إطلاقًا.
ولهذا نجد أن أريح المذاهب وأسهل المذاهب هو مذهب أهل السنة والجماعة؛ مذهب السلف الذين يقولون: ما أثبته الله لنفسه أثبتناه، وما نفاه عن نفسه نفيناه، فيقولون مثلًا: نحن نثبت الرضا لله عز وجل كما أثبته لنفسه، وننفي عنه المثل كما نفاه عن نفسه، فقال: لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ [الشورى: ١١]، وما الذي يضرنا؟ وننفي التكييف أيضًا؛ لأنه لا علم لنا به، وقد قال الله تعالى: وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ [الإسراء: ٣٦]، فتجد مذهب السلف سهلًا ليس فيه قلق، وليس فيه تناقض، وإنما التناقض عند أهل التحريف من المعتزلة وغيرهم.
ومن فوائد الآية الكريمة أيضًا: إثبات صفات الفعل في قوله: فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا.
ومن فوائد الآية الكريمة: أنه لا ينبغي للإنسان أن يستعجل الثواب؛ إذ قد يؤخّر الله الثواب لحكمة، من أين تؤخذ؟ من (سوف) الدالة على التسويف، هي تدل على التحقيق، لكن تدل على أن الشيء ليس منتظَرًا قريبًا، بل ولو على المدى البعيد، ولهذا لا تستعجل ثواب الله، بل ولا تستعجل إجابة الله للدعاء، كما جاء في الحديث: «يُسْتَجَابُ لِأَحَدِكُمْ مَا لَمْ يَعْجَلْ فَيَقُولُ: دَعَوْتُ، ثُمَّ دَعَوْتُ، ثُمَّ دَعَوْتُ، وَلَمْ يُسْتَجَبْ لِي» .
كذلك انتظار الثواب لا تستعجله، ثم إنه ينبغي للإنسان أيضًا -ونسأل الله أن يعيننا وإياكم على ذلك- ينبغي للإنسان إذا عمل العمل الصالح أن لا يستعجل ثواب الدنيا فيكون مريدًا للدنيا؛ يعني مثلًا من آمن وعمل صالحًا فقد قال الله تعالى: فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً [النحل: ٩٧].
لو عملت لأجل أن يحييك الله حياة طيبة فهذا لا شك أنه خير، لكن خير من ذلك أن تنوي ثواب الآخرة، ويأتيك ثواب الدنيا، فإن أردت ثواب الدنيا والآخرة فلا بأس؛ لأن الله لم يذكر لنا ثواب الدنيا عبثًا، ولكن لينشّط الهمم ويبعث النفوس، وإلا لكان كل ثواب ذكره الله في الدنيا يعتبر أيش؟ عبثًا ولغوًا، فلا حرج على الإنسان أن ينوي ثواب الدنيا والآخرة، لكن أن ينوي ثواب الدنيا فقط فهذا لا شك أنه ناقص الإخلاص.
ومن فوائد الآية الكريمة: عِظم من فعل ذلك ابتغاء وجه الله؛ عظم ثوابه؛ لقوله: فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا؛ لأن تعظيم الشيء من العظيم عظيم يدل على عظمته.
ومن فوائد الآية الكريمة: بيان فضل الله عز وجل على عباده، حيث سمّى ثوابهم على العمل أجرًا بمنزلة أُجرة الأجير التي لا بد أن يُعطاها وهو مُستحقّ لها، وهذا من نعمة الله؛ أن يسمي الثواب الذي جعله على العمل، يسميه أيش؟ أجرًا بمنزلة أيش؟ أجرة الأجير اللازمة، مع أن الله هو الذي مَنّ بالعمل، وهو الذي مَنّ بالثواب، وبهذا يزول الإشكال في مثل قوله تعالى: مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ [البقرة: ٢٤٥]، هذه الآية من المتشابه، اتبعها مَن؟ اتبعها اليهود، وقالوا: إن الله فقير، والدليل على أنه فقير أنه طلب القرض، فقال: مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا، فيقال: تَبًّا لكم، إن الله غني عنّا، عن العباد قبل أن يخلقهم وبعد أن يخلقهم، لكنه شبّه العمل بالقرض من باب الإحسان، وبيان أنه -عز وجل- ملتزم على أن يُثيب المطيع.
فإن قال قائل: تقريرك هذا يقتضي أن يكون الله قد وجب عليه شيء، والله تعالى لا يجب عليه شيء؟
فالجواب: نعم، لا يجب عليه شيء من قِبل الناس، الناس لا يُوجِبون على الله شيئًا، لكن هو أوجب على نفسه، وإذا أوجب على نفسه فهو من كماله، قال الله تعالى: كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ أَنَّهُ مَنْ عَمِلَ مِنْكُمْ سُوءًا بِجَهَالَةٍ ثُمَّ تَابَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَصْلَحَ فَأَنَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ [الأنعام: ٥٤]، فهو الذي كتب على نفسه أن يُثيب المطيع، وأن من عمل سوءًا بجهالة، ثم تاب تاب الله عليه، ولهذا لما قال القائل:
| مَا لِلْعِبَــــــادِ عَلَيْــــــهِ حَــــــــقٌّ وَاجِــــــــــــــــــبٌ | كَلَّا وَلَا عَمَــــلٌ لَدَيْهِ ضَائِــــــــــــــــــــعُ |
| إِنْ عُـــــذِّبُوا فَبِعَدْلِـــــــــــهِ أَوْ نُعِّمُــــــــــــــــــــــــــوا | فَبِفَضْلِهِ وَهُوَ الْكَرِيمُ الْوَاسِـــــــــــــــــــعُ |
لما قال هذا القائل قال ابن القيم مثل هذا القول إلا أنه قيّده ووضّحه، فقال:
| مَا لِلْعِبَــــــادِ عَلَيْـــــــــهِ حَـــــــــقٌّ وَاجِــــــــــــــبٌ | هُوَ أَوْجَبَ الْأَجْرَ الْعَظِيمَ الشَّانِ |
| إِنْ عُذِّبُوا فَبِعَدْلِهِ أَوْ نُعِّمُــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــوا | فَبِفَضْلِهِ وَالْفَضْــــــــلُ لِلْمَنَّــــــــــــــــــــــــــانِ |
فبيّن -رحمه الله- أنه لا واجب على الله للعباد إلا ما أوجبه أيش؟ على نفسه، وإذا أوجب الله على نفسه شيئًا فهو من فضله عز وجل.
يقول الله عز وجل: وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا.
(مَن) هذه شرطية وليست موصولة؛ لأن الفعل بعدها مجزوم فهي شرطيّة، وفكّ الإدغام هنا جائز، ولو أدغم لقيل: ومن يشاقّ الرسول.
وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ(أل) هنا للعهد، أي العهود؟ الذهني؛ فالمراد به الرسول الذي أُرسل لهذه الأمة وهو محمد صلى الله عليه وسلم.
مِنْ بَعْدِمتعلّق بمشاقة؛ يعني: وُجِدَت مشاقته. مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى، أي: تبين له الحق وظهر، والهدى العلم الذي جاء به النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، ومن المعلوم أن النبي صلى الله عليه وسلم بُعِث بالهدى ودين الحق، فالهدى هو العلم النافع، ودين الحق هو العمل الصالح.
وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَمعطوفة على يُشَاقِقِ؛ يعني: يجمع بين أمرين: مشاقة الرسول، واتباع غير سبيل المؤمنين، وما معنى المشاقّة؟ المشاقّة معناها أن يكون في شِق غير شِق الرسول عليه الصلاة والسلام، فهي مأخوذة من (الشِّقّ)، وليست من المشقة.
وقوله: غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَيمكن أن نجعل (غير) صفة لموصوف محذوف، أي: ويتبع أيش؟ سبيلًا غير سبيل المؤمنين، ويمكن أن نجعلها مفعولًا به بدون أن نقدّر موصوفًا، وسبيل المؤمنين هي طريقهم، ومن المعلوم أن المؤمنين ليس لهم طريق إلى الله إلا بشرعه.
نُوَلِّهِهذا جواب الشرط.
نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّىيعني: نتخلى عنه، ونجعل أمره إلى ما تولّاه؛ كقوله صلى الله عليه وسلم: «وَمَنْ كَانَتْ هِجْرَتُهُ لِدُنْيَا يُصِيبُهَا أَوِ امْرَأَةٍ يَتَزَوَّجُهَا فَهِجْرَتُهُ إِلَى مَا هَاجَرَ إِلَيْهِ» .
ومعنى نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّىأي: نتركه فلا نتولّاه، ونقول: لك ما تولّيت، ومن تعلّق شيئًا وُكِلَ إليه.
وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَأي: نُدخله جهنم حتى يَصْلَاها، وصَلْيُهَا أي احتراقه بها.
وَسَاءَتْ مَصِيرًاالجملة جملة إنشائية للذم، أي: ما أسوأها مصيرًا! والمصير بمعنى المرجِع، هذا معنى الآية.
فهذه الآية فيها التهديد والوعيد على مَن شاقّ الرسول عليه الصلاة والسلام، واتبع غير سبيل المؤمنين بأن الله تعالى يعاقبه على ذلك بعقوبتين؛ العقوبة الأولى أيش؟ أن الله يولّيه ما تولّى ويتخلّى عنه، والعقوبة الثانية أن الله يُصليه جهنم، وجهنم هي اسم من أسماء النار.
فنستفيد من هذه الآية؛ أولًا: تحريم مشاقّة الرسول، وأنها من كبائر الذنوب، وجهه أنه رُتِّب عليها العقوبة؛ التخلّي عنه وصَلْيُه جهنم.
فإن قال قائل: هل هذا عام في كل مشاقّة، أو هو مقيَّد بحسب ما تقتضيه النصوص؟ أيش؟
الجواب: الثاني؛ لأنه بعض المعاصي ما تُخْرج من الدين، ولا يترتب عليه هذا العقاب، نعم، لو أن الإنسان أراد بمعصيته مخالفة الرسول صراحة وعدم رضاه بهذا الحكم، فهذا يكْفُر لا من أجل المعصية التي فعلها، ولكن من أجل المشاقة والمخالفة وعدم الالتزام بما جاء به الرسول.
ومن فوائد هذه الآية: العذر بالجهل؛ لقوله: مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى، فلو أنكر الإنسان شيئًا مما جاء به الرسول عليه الصلاة والسلام، وصار يُحاجّ عليه، لكنه جاهل فإنه معذور؛ لأن الآية صريحة: مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى.
ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن ما جاء به النبي صلى الله عليه وسلم فهو هدى ونور، ولكن كيف يتبين؟ يتبين بأن يتأمل الإنسان ما جاء به الرسول عليه الصلاة والسلام من العبادات والأخلاق والمعاملات وغير هذا..





