تفسير سورة النساء - 34
عدد الزيارات 2984

عناصر المادة :
تفسير الآية (116)
تفسير الآيات (117-120)

بما جاء به الرسول عليه الصلاة والسلام وصار يُحاج عليه لكنه جاهل، فإنه معذور؛ لأن الآية صريحة مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى.
ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن ما جاء به النبي صلى الله عليه وسلم فهو هدى ونور، ولكن كيف يتبين؟ يتبين بأن يتأمل الإنسان ما جاء به الرسول عليه الصلاة والسلام من العبادات والأخلاق والمعاملات وغير هذا، فإذا تأمله بعلم وعدل تبين له الحق، إذا تأمله بعلم، والثاني عدل، يعني منصف؛ فإنه يتبين له الهدى، ويعرف أن ما جاء به الرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم فهو حق.
ومن فوائد هذه الآية: أنه مع التردد لا تقوم الحجة؛ لقوله: مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ، لكن على الإنسان أن يتبين، ولا يقول: خلاص أنا والله ما اتضح لي الحق ولا أبحث. بل يجب أن يبحث.
وهذا يرد علينا في بعض البلاد الإسلامية يكون فيها عوام مشركون شركًا صرحًا ما فيه إشكال، يعبدون القبور ويستغيثون بالأموات وغير ذلك مما يأتونه من الشرك الأكبر، ويقال لهم: إن هذا شرك. لكن لا يبحثون؛ فهؤلاء لا يعذرون بجهلهم، لماذا؟ لأنهم لم يطلبوا التبين، وهم مفرطون بلا شك.
ومن فوائد هذه الآية الكريمة: الاحتجاج بالإجماع؛ لقوله: وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ، فإنه يستدل بذلك أن سبيل المؤمنين حق، وهو كذلك، يعني: أن الأمة إذا أجمعت على شيء فإنه حق، ولا يمكن لهذه الأمة التي اختارها الله عز وجل وجعلها هي شهيدة على الناس لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ [البقرة: ١٤٣] ، وهي تشهد على أفعالهم وعلى أحكام أفعالهم، لا يمكن أن يقال: إن إجماعها ضلالة أبدًا، بل إجماعها على الشيء حق.
ولكن الذي يبقى هو تحقيق الإجماع، هذا هو المشكل هو تحقيق الإجماع؛ لأنك أحيانًا ترى من العلماء الأجلاء من ينقل الإجماع، والخلاف أيش؟ قائم موجود، وبعض العلماء -عفا الله عنهم- لا يقول: لا أعلم مخالفًا، لو قال كذا لكان معذورًا، لكنه يقول: بالإجماع، أو أجمعوا على كذا، والخلاف موجود بكثرة.
ومن الغرائب أنه نقل الإجماع على أن شهادة العبد مردودة، ونقل إجماعًا آخر على أن شهادة العبد مقبولة، يمكن هذا؟ ما يمكن، لكن سببه هو عدم التحري والاطلاع على أقوال أهل العلم.
وقد ذكر ابن القيم رحمه الله طائفة كبيرة في كتاب الصواعق المرسلة مما نقل فيه الإجماع ونقله أئمة أجلاء وليس فيه إجماع.
نضرب مثلًا من الأمثلة -بالإضافة إلى مسألة شهادة العبد- نقل بعض العلماء: الإجماع على أن الطلاق الثلاث بكلمة واحدة يُبِين المرأة وقال: هذا مجمع عليه، ومن قال بأنه لا يُبِينُها، فقد خرج عن الإجماع وخالف سبيل المؤمنين، أفهمتم؟
هذا الإجماع لا يمكن أن يصح أبدًا، لا بعد عهد عمر، ولا قبل عهد عمر، أما قبل عهد عمر رضي الله عنه فإنه لا يصح قطعًا، فقد قال ابن عباس رضي الله عنهما: كان الطلاق الثلاث في عهد النبي صلى الله عليه وسلم، وفي عهد أبي بكر، وسنتين من خلافة عمر واحدةً .
كان واحدة؛ يعني: الرجل إذا قال: أنت طالق، أنت طالق، أنت طالق؛ فهي واحدة؛ ولهذا قال النبي عليه الصلاة والسلام لرُكانة لما قال: إني طلقتها ثلاثًا في مجلس واحد. قال: «فِي مَجْلِسٍ وَاحِدٍ؟» قال: نعم، قال: «تِلْكَ وَاحِدَةٌ فَارْتَجِعْهَا» .
وهذا واضح أنه كرر فقال: أنت طالق، أنت طالق، أنت طالق. لكن سأله فقال: في مجلس واحد؟ لأنه إذا كان في مجلسين، فيحتمل أنه راجع فيما بين الطلقتين، وإذا راجع فيما بين الطلقتين صارت الثانية أيش؟ واقعة.
فعلى كل حال، أنا أريد أن أمثل أن بعض العلماء نقل الإجماع على أنها تبين بالطلاق الثلاث، سواء كانت متفرقة أو مجموعة، ونحن نقول: هذا لا يصح؛ لأنه إذا كان في عهد الرسول صلى الله عليه وسلم، وفي عهد أبي بكر، وسنتين في خلافة عمر طلاق الثلاث واحدة، كيف يصح الإجماع؟!
ولهذا قال بعض العلماء: إن الإجماع على أنها لا تقع إلا واحدة، وأنه إجماع قديم سابق، وهذا الذي قال ذلك أسعد بالصواب من الذي قال: إن الإجماع على أنها تبين به المرأة، لا شك عهد الرسول وعهد أبي بكر وسنتين من خلافة عمر.
فالمهم أن هذه مسائل يحتاج الإنسان فيها إلى التحرير، إلى تحرير المسألة والاطلاع الكامل، وعُرف عن بعض العلماء التساهل في نقل الإجماع، وعذرهم في ذلك أنهم لم يطلعوا على مخالف فتساهلوا في الأمر.
ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن سبيل المؤمنين طاعة الرسول عليه الصلاة والسلام؛ لأنه قال: مَنْ يُشَاقِقِوَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ، إذن سبيل المؤمنين هي عدم المشاقة، وهو كذلك.
وكلما كان الإنسان أقوى إيمانًا كان أقوى اتباعًا لرسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، حتى كأنه يشاهد الرسول أمامه يتبع أثره، وإذا اتبع الإنسان هذه الطريقة حصل له الراحة والطمأنينة وقوة الإيمان، كلما فعل شيئًا كأن الرسول أمامه يرشده بقوله أو بفعله، وهذه مسألة يجب علينا أن ننتبه لها، وأن لا تضيع علينا أعمالنا سدًى؛ لأنَّ أَكْثَرَنا عنده الاتباعُ المطلق -والحمد لله- لكن الاتباع الخاص في كل فعل يفعله أو يقوله هذا يُفْقَد منا كثيرًا، فلا بد من التنبه له.
ومن فوائد الآية الكريمة: عقوبة من شاق الرسول واتبع غير سبيل المؤمنين بأنه يولى ما تولى فيضيع، وهذا هو الواقع؛ ولهذا قال الله تعالى في آية أخرى: فَإِنْ تَوَلَّوْا فَاعْلَمْ أَنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُأيش؟ أَنْ يُصِيبَهُمْ بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ [المائدة: ٤٩]، فالذنب سبب لذنب آخر، وكلما أذنب الإنسان ذنبًا، فليتهيأ لذنب آخر عقوبة له إلا أن يتوب.
ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات النار والعذاب بها؛ لقوله: وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا.
والسؤال عن هذه النار -أعاذنا الله وإياكم منها- هل هي الآن موجودة؟ الجواب؟
الطلبة: نعم.
الشيخ: وهل هي مؤبدة؟
الطلبة: نعم.
الشيخ: نعم، هذا الذي عليه أهل السنة والجماعة، ولم يُعرَف لأحد في ذلك خلافٌ إلا أقوالًا شاذة لا عبرة بها؛ لأن الله صرح بتأبيدها في آيات ثلاث من القرآن الكريم؛ وهي: قوله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ قَدْ ضَلُّوا ضَلَالًا بَعِيدًا (١٦٧) إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَظَلَمُوا لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلَا لِيَهْدِيَهُمْ طَرِيقًا (١٦٨) إِلَّا طَرِيقَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا [النساء: ١٦٧ - ١٦٩]، وقوله تعالى: إِنَّ اللَّهَ لَعَنَ الْكَافِرِينَ وَأَعَدَّ لَهُمْ سَعِيرًا (٦٤) خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا [الأحزاب: ٦٤، ٦٥]، وقوله تعالى: وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا [الجن: ٢٣]، أعاذنا الله وإياكم منها.
ومن فوائد هذه الآية الكريمة: ثناء الله بالذم والقدح على النار؛ لقوله: وَسَاءَتْ مَصِيرًا، وصدق الله عز وجل، فإن أسوء مصير يصير إليه الإنسان أن يصير إلى النار، اللهم احفظنا.
طالب: قاعدة العذر بالجهل ألا يشكل عليها قوله تعالى: إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللَّهِ الصُّمُّ الْبُكْمُ الَّذِينَ لَا يَعْقِلُونَ (٢٢) وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْرًا لَأَسْمَعَهُمْ وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ [الأنفال: ٢٢، ٢٣] ألا تشكل عليها هذه الآية؟
الشيخ: لا، ما تشكل عليها، هذه الآية من المتشابه، والآية الأخرى واضحة صريحة، المعنى لَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْرًا لَأَسْمَعَهُمْأي: سماعًا ينتفعون به، لكن مع ذلك لو أسمعهم سماعًا ينتفعون به، فإن ما في قلوبهم من الزيغ لا يَقْوُون معه على الاتباع.
الطالب: الآن يعني الكفار (...) في العالم (...) الذين لم تصلهم الدعوة لا تنطبق عليهم آية الأنفال؟
الشيخ: هذه -بارك الله فيك- يقال: إن أمرهم إلى الله؛ لأن هؤلاء لا يدينون بالإسلام، فيجعلون كأهل الفترة، لكن إذا كان يدين بالإسلام لكن عنده شرك يجهله، فهنا نقول: هو مسلم معذور بجهله؛ لأن هناك فرقًا بين أن يدين بالكفر والشرك وهو لا يريد الإسلام، وبين شخص آخر يقول: إنه مسلم، يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، لكن عنده شرك، والنتيجة بينة في هذا، أما الذين لم تبلغهم الدعوة، فالصواب أن أمرهم إلى الله، وأن لا نلحقهم بالمسلمين ظاهرًا، فإذا ماتوا بين أيدينا، فإنا لا نصلي عليهم ولا ندفنهم معنا، أما في الآخرة فأمرهم إلى الله.
طالب: لو اتفقت الأمة على رأي في مسألة وخالف خمسة أو عشرة فهل هذه المخالفة لا تضر سبيل المؤمنين وأنه ينعقد الإجماع مع مخالفة هؤلاء الخمسة أو العشر؟
الشيخ: لا، لا إجماع مع مخالفة الخمسة والعشرة، بل ولا مع مخالفة الواحد والاثنين، إلا عند بعض العلماء، ابن جرير رحمه الله يرى أن خلاف الواحد والاثنين لا ينقض الإجماع، والصواب أنه لا بد من إجماع كل المجتهدين، العوام لا نعتبرهم، والمقلدون لا نعتبرهم؛ لأن العلماء أجمعوا على أن المقلد ليس من العلماء فلا يعتبر قوله؛ لأن المقلد نسخة من كتابٍ مؤلَف في هذا المذهب.
الطالب: وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَيقول: لا دلالة على الإجماع في هذه الآية؛ لأن الإجماع يكون من المجتهدين، وهنا المؤمنين يشمل العامي والمقلد والعالم، فخصوص وتخصيص المؤمنين بالمجتهدين يحتاج إلى دليل؟
الشيخ: إي نعم، نقول: سبيل المؤمنين العامي، العامي تابع (...)، ما له رأي في الواقع ولا يعد؛ ولذلك تجد العامي في بلد يتبع العالم الذي في بلده، حتى إنه قبل أن يوجد يعني الاتصال التام الآن بين الناس إذا قيل مثلًا في الرياض قال: الشيخ في الرياض كذا وكذا، ثم قيل: وقال: الشيخ في بلد آخر كذا وكذا، ما يعتبرون القول الثاني؛ لأن العامي مع شيخ بلده.
طالب: نقل عن الإمام أحمد أنه قال في قوله تعالى: وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْءَانُ [الأعراف: ٢٠٤] الآية أنهم أجمعوا أنها في الصلاة. ونقل عنه أنه قال: من ادعى الإجماع فقد كذب لعلهم اختلفوا؟
الشيخ: كيف نوفق بين قوله في هذا وهذا؟
يقال: إن قوله: أجمعوا أنها في الصلاة؛ يعني: أنه لا يجب علي أن أستمع لقراءة قارئ إلى جنبه مثلًا، ما يجب عليه، هذا المراد، وهذا أمرٌ الإجماع عليه ظاهر ما فيه إشكال.
وأما الإجماع الذي أنكره فهو الإجماع الذي لا سند له، وأصل هذا الكلام قاله في الرد على أهل التعطيل الذي يقول قائلهم: هذا إجماع أهل الحق، وما أشبه ذلك.
(...) ما هي الهجرة؟
طالب: الهجرة لغة هي: الترك.
وشرعًا هي: ترك البلاد التي لا يقيم الإنسان فيها دينه إلى بلاد يستطيع أن يقيم فيها دينه، وعرف بعضهم: الانتقال من بلد الشرك إلى بلاد الإسلام.
الشيخ: أحسنت، يُهَاجِرْلماذا لم تكن (يهاجروا)؟
طالب: فعل الشرط.
الشيخ: فعل الشرط؛ لأن (من) شرطية تجزم، فهي فعل الشرط.
اقرأ وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْالطائفة الثانية وَلْيَأْخُذُوا حِذْرَهُمْ وَأَسْلِحَتَهُمْ، ولم يذكر الحذر في الطائفة الأولى؟
طالب: لأن الطائفة الثانية يكون العدو قد تنبه وربما هاجمهم وهم يصلون، فأمرهم الله بأخذ الحذر والأسلحة.
الشيخ: أحسنت، الطائفة الثانية سيكون العدو قد تنبه، فربما يكر عليهم؛ فلهذا قال: وَلْيَأْخُذُوا حِذْرَهُمْ وَأَسْلِحَتَهُمْ.
هذه الصفة من الصفات خرجت عن المألوف في الصلوات، من كم وجه؟
الطالب: من وجوه؛ منها: أن (...).
الشيخ: منها: أن الركعة الثانية أطول من الأولى، والأصل؟
الطالب: الأصل أن الأولى أطول من الثانية.
الشيخ: الأصل أن الأولى أطول من الثانية، صح، ومنها؟
الطالب: أنه جاز للمأمومين أن ينفصلوا عن الإمام.
الشيخ: نعم، جواز انفراد المأمومين عن الإمام، تمام.
الطالب: ومنها: أن الطائفة الثانية يأتمون بإمام ويصلون وينتظرون.
الشيخ: يقضون ما فاتهم قبل سلام الإمام.
الطالب: نعم.
الشيخ: أي الطائفتين كانت مع الإمام الأولى أو الثانية؟
الطالب: الثانية مع الإمام.
الشيخ: الثانية، الدليل؟
الطالب: الدليل قوله تعالى: وَلْتَأْتِ طَائِفَةٌ أُخْرَى لَمْ يُصَلُّوا فَلْيُصَلُّوا مَعَكَ.
الشيخ: فَلْيُصَلُّوا مَعَكَ، والأولى ماذا قال؟
الطالب: والأولى: فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلَاةَ فَلْتَقُمْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا أَسْلِحَتَهُمْ فَإِذَا سَجَدُوا فَلْيَكُونُوا مِنْ وَرَائِكُمْ؛ لأن الأولى صاروا من وراء والثانية..
الشيخ: لكن ما هو الذي يؤخذ من الآية الكريمة أن الثانية هي التي مع الإمام؛ لقوله: فَلْيُصَلُّوا مَعَكَ، وهذا صحيح، لكن ما هو الدليل على أن الأولى لم تصل معه؟
الطالب: الدليل أن الإمام سبق..
الشيخ: الدليل ما هو التعليل، وأنت قلت: أن الإمام. معناها التعليل.
الطالب: قوله فَلْيُصَلُّوا مَعَكَ.
طالب آخر: قوله: فَإِذَا سَجَدُوا.
الشيخ: فَإِذَا سَجَدُوافأثبت انفرادهم، فَإِذَا سَجَدُوا فَلْيَكُونُوا مِنْ وَرَائِكُمْ.
وهل يحكم للأولى بإدراك صلاة الجماعة حكمًا؟
طالب: حكمًا نعم.
الشيخ: حكمًا نعم، الدليل؟
الطالب: قوله تعالى: فَلْيُصَلُّوا مَعَكَ.
الشيخ: لكن قال: فَإِذَا سَجَدُوا.
الطالب: الطائفة الأولى؟
الشيخ: إي الطائفة الأولى.
الطالب: (...).
الشيخ: حكمًا؟
طالب: قوله تعالى: فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلَاةَ فَلْتَقُمْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا أَسْلِحَتَهُمْقوله: بعد فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلَاةَفَلْتَقُمْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ؟
الشيخ: حديث: «مَنْ أَدْرَكَ رَكْعَةً مِنَ الصَّلَاةِ فَقَدْ أَدْرَكَ الصَّلَاةَ» ، وأنا لم أقل: ما هو الدليل من الآية، حتى تحتجوا عليَّ، الدليل عمومًا.
طالب: قوله: مَعَكَ.
الشيخ: لكن قال: فَلْتَقُمْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَولم يقل: فلتصل، هي قامت، لكن حكمًا أدركت صلاة الجماعة؛ لقول النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «مَنْ أَدْرَكَ رَكْعَةً مِنَ الصَّلَاةِ فَقَدْ أَدْرَكَ الصَّلَاةَ».
هل حمل السلاح في هذه الحال واجب؟
طالب: الراجح..
الشيخ: أنا لا أريد الراجح وما راجح، نحن الآن نأخذ من الآية.
طالب: الآية تدل..
الشيخ: تدل على الوجوب، الدليل؟
طالب: (...).
الشيخ: لا، هذا قد يكون للاستحباب؛ لأن الأصل أن حَمْلَ الإنسانِ ما يشغله في صلاته ممنوعٌ، فتكون اللام هنا في مقابلة المنع.
طالب: قوله تعالى: وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ كَانَ بِكُمْ أَذًى مِنْ مَطَرٍ أَوْ كُنْتُمْ مَرْضَىفنفي الجناح..
الشيخ: اصبر كمل.
طالب: أَنْ تَضَعُوا أَسْلِحَتَكُمْ.
الشيخ: أحسنت، من قوله تعالى: وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ كَانَ بِكُمْ أَذًى مِنْ مَطَرٍ أَوْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَنْ تَضَعُوا أَسْلِحَتَكُمْ، فمفهوم الآية الكريمة: إذا لم يكن هذه الحال، فعليكم الجناح.
يرى بعض العلماء جواز حمل السلاح النجس في هذه الحال للضرورة؟
طالب: (...).
الشيخ: هذا خارج عن مدلول الآية؛ لأن الآية ما فيها ذكر لهذا، وهذا هو الأقرب: أنه يجوز أن يحمل السلاح النجس للضرورة.
هل يؤخذ من الآية الكريمة: أن الكفار يحرصون على عدم تسليح المسلمين كما هو الشأن الآن في البوسنه والهرسك؟
طالب: يؤخذ.
الشيخ: من أين؟
الطالب: قوله: وَدَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ تَغْفُلُونَ عَنْ أَسْلِحَتِكُمْ وَأَمْتِعَتِكُمْ فَيَمِيلُونَ عَلَيْكُمْ مَيْلَةً وَاحِدَةً.
الشيخ: أحسنت، بارك الله فيك، هذا صحيح، الكفار يودون أن نغفل عن أسلحتنا فكيف يعطوننا؟
وهل في الآية ما يدل على شدة حنق الكفار بالنسبة للإغارة علينا؟
طالب: من الآية.
الشيخ: أي الآية؟
الطالب: وَدَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ تَغْفُلُونَ عَنْ أَسْلِحَتِكُمْ وَأَمْتِعَتِكُمْ.
الشيخ: لا.
طالب: قوله: فَيَمِيلُونَ عَلَيْكُمْ مَيْلَةً وَاحِدَةً.
الشيخ: قوله: فَيَمِيلُونَ عَلَيْكُمْ مَيْلَةً وَاحِدَةً.
أنت اقتصرت عن..
طالب: أنا قلت: الآية.
الشيخ: لا، ما يصلح الآية هو يجب الشاهد، لاحظوا هذه لعلها تفوتكم، يعني: واحد يطلب منه حكم معين، ثم يذكر أول الآية ولا يذكر ما يدل على الحكم المعين، هذا لا يعتبر شيئًا.
قوله: مَيْلَةً وَاحِدَةًأي: مجهزة تقضي عليكم؟
طالب: قوله في الكفار وَدَّ الَّذِينَ.
الشيخ: إي نعم، الشاهد: فَيَمِيلُونَ عَلَيْكُمْ مَيْلَةً وَاحِدَةًتدل على الحنق وشدة الغيظ وأنهم مقبلون بقوة.

***

الطالب: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم فَإِذَا قَضَيْتُمُ الصَّلَاةَ فَاذْكُرُوا اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِكُمْ فَإِذَا اطْمَأْنَنْتُمْ فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا (١٠٣) وَلَا تَهِنُوا فِي ابْتِغَاءِ الْقَوْمِ إِنْ تَكُونُوا تَأْلَمُونَ فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَمَا تَأْلَمُونَ وَتَرْجُونَ مِنَ اللَّهِ مَا لَا يَرْجُونَ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا [النساء: ١٠٣، ١٠٤].

الشيخ: ما هي الحكمة من قوله: إِذَا قَضَيْتُمُ الصَّلَاةَ فَاذْكُرُوا اللَّهَ؟ ما الحكمة من الأمر بذكره بعد الفراغ من الصلاة؟
طالب: (...).
الشيخ: غير هذا.
الطالب: الذكر يكون العبد دائمًا بصلة بربه سبحانه وتعالى، فلما قضيت الصلاة ولم يكن فيه ذكر، فكأنما انفصل العبد عن ربه (...) يذكر الله ليكون دائمًا متصل بربه سبحانه وتعالى.
الشيخ: يعني كأنه يقول: لا تجعلوا اتصالكم بالله وذكركم إياه في الصلا فقط. وتقول: خلاص انتهت الصلاة ونغفل عن ذكر الله. ونظير ذلك جاء في الجمعة: فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا [الجمعة: ١٠] لا تغفلوا، وهذا تنبيه مهم.
رجل صلى بعد خروج الوقت متعمدًا، فماذا تقول في صلاته؟
طالب: صلاته باطلة.
الشيخ: باطلة؟ بعد الوقت ما هو قبل الوقت، صلى بعد الوقت متعمدًا بلا عذر صلاته باطلة؟
طالب: نعم.
الشيخ: من أين تأخذ؟
طالب: إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا.
الشيخ: الدليل مركب؟ هو لا بد من دليل يعضد هذا مركب معه.
طالب: (...).
الشيخ: هذا استدل به، لكن قلنا: لا بد أن يضاف إلى هذا دليل آخر.
طالب: هذه الآية مع قول النبي صلى الله عليه وسلم: «مَنْ عَمِلَ عَمَلاً لَيْسَ عَلَيْهِ أَمْرُنَا فَهُوَ رَدٌّ» .
الشيخ: أحسنت، يدل على البطلان هذه الآية بالانضمام إلى قول النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «مَنْ عَمِلَ عَمَلاً لَيْسَ عَلَيْهِ أَمْرُنَا فَهُوَ رَدٌّ»؛ لأن هذا الذي ترك الصلاة حتى خرج وقتها عمل عملًا ليس عليه أمر الله ورسوله، بل عليه نهي الله ورسوله، فتكون صلاته باطلة.
وهل هذا من باب الرحمة به أو من باب العقوبة؟
طالب: هذا الذي ترك الصلاة وخرج وقتها..
الشيخ: حتى خرج وقتها وقلنا: لا تَقْضِ؟
طالب: من باب العقوبة.
الشيخ: من باب العقوبة أو من باب الرحمة حتى لا يتعب؟
الطالب: من باب العقوبة فقط.
الشيخ: ما وجهه؟
الطالب: لو قضاها ألف مرة لا تكفي ولا تجزئه.
الشيخ: إي، لكن ما وجه كون هذا عقوبة وليس رحمة؟ لأن الآن عندنا رجلان أحدهما نسي خمس صلوات وقلنا: اقضها. والثاني تعمد أن يترك خمس صلوات وقلنا: استرح لا تقضها؟
طالب: الأول يعلم بأنها (...) وفي الثاني (...).
الشيخ: إلى الآن ما أعددنا جوابًا ما حددت الجواب.
طالب: بالنسبة لتارك الصلاة إذا تركها متعمدًا (...).
الشيخ: يعني هذا كأنه إعراض عنه وعدم رضا بفعله، أعرضَ عنه ولم يرضَ بفعله بخلاف الذي قيل له: صلِّ، وصلاتك هذه كفارة، كما قال النبي عليه الصلاة والسلام: «لَا كَفَّارَةَ لَهَا إِلَّا ذَلِكَ» .
هل عدم المحافظة على الوقت ينافي كمال الإيمان؟
طالب: نعم.
الشيخ: الدليل من الآية؟
طالب: عَلَى الْمُؤْمِنِينَ.
الشيخ: الدليل قوله: كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا، والمؤمن سوف يحافظ على هذا الكتاب الموقوت.
ما الحكمة من هذه الآية التي بعدها: وَلَا تَهِنُوا فِي ابْتِغَاءِ الْقَوْمِإلى آخره، يعني ما المراد بها؟
طالب: لما ذكر حكم صلاة..
الشيخ: لا، ما أريد حكمة صلة هذه بما قبلها، أريد ما الحكمة من ذكر هذه؟
الطالب: نهي عن أن يضعف المؤمنون ويهنوا في طلب الكفار.
طالب: (...).
الشيخ: تسلية المؤمنين المجاهدين، تسليتهم، يقول: إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ [آل عمران: ١٤٠] إِنْ تَكُونُوا تَأْلَمُونَ فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَمَا تَأْلَمُونَلكن العاقبة؟ وَتَرْجُونَ مِنَ اللَّهِ مَا لَا يَرْجُونَ؛ ولهذا لما قال أبو سفيان في غزوة أحد: يوم بيوم بدر والحرب سجال. أجابه المسلمون فقالوا: لا سواء، قتلانا في الجنة، وقتلاكم في النار . وهذا لا شك أن فيه تسلية وتقوية للمؤمنين في طلب أعدائهم.
في الآية إشارة إلى أنه لا يشهد للشهيد بأنه في الجنة؟
طالب: قوله تعالى: وَتَرْجُونَ مِنَ اللَّهِ مَا لَا يَرْجُونَ.
الشيخ: تَرْجُونَ، والرجاء قد يتحقق وقد لا يتحقق؛ ولهذا نهي أن نقول عن شخص معين بأنه شهيد إلا من شهد له الرسول عليه الصلاة والسلام، فمن شهد له الرسول بالشهادة شهدنا له، وكذلك من شهد له القرآن كما في غزوة أحد حيث قال الله عز وجل: وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَدَاءَ.
في حديث أحد: لما صعد النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم الجبل، وارتجف بهم، ومعه أبو بكر وعمر وعثمان قال: «اثْبُتْ أُحُدُ، فَإِنَّمَا عَلَيْكَ نَبِيٌّ وَصِدِّيقٌ وَشَهِيدَانِ» ، يعني: أصناف الخلق الأربعة وجد منهم على هذا الجبل كم صنفًا؟ ثلاثة: نبي، وصديق، وشهيد.
الآن نحن نشهد أن عمر شهيد، وأن عثمان شهيد، ونشهد أيضًا أن ثابت بن قيس رضي الله عنه شهيد؛ لأن الرسول قال له: «تَعِيشُ حَمِيدًا، وَتُقْتَلُ شَهِيدًا، وَتَدْخُلُ الْجَنَّةَ» ، في قصة معروفة وهي: لما نزل قول الله تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلَا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَنْ تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تَشْعُرُونَ كان هو -رضي الله عنه- قوي الصوت جهوري الصوت؛ ولهذا كان خطيبًا وشاعرًا للرسول عليه الصلاة والسلام، جمع بين الخطابة والشعر، فاختفى في بيته يبكي، خاف أن يحبط عمله وهو لا يشعر رضي الله عنه -لكن والله ما خاف العقاب إلا من يأمنه، من خاف من عقاب الله أمنه الله منه- ففقده النبي عليه الصلاة والسلام فسأل عنه، فقيل له: إنه كان في بيته وأرسل إليه، وأخبر بالسبب قال: إن الله يقول: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلَا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَنْ تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تَشْعُرُونَوإني يا رسول الله، أخاف أن يحبط عملي وأنا لا أشعر، فقال له: «بَلْ تَعِيشُ حَمِيدًا، وَتُقْتَلُ شَهِيدًا، وَتَدْخُلُ الْجَنَّةَ» ، فعاش حميدًا، وقتل شهيدًا، ونشهد أنه سيدخل الجنة، رضي الله عنه.
وفي قتله قصة غريبة: لما قتل رضي الله عنه مر به أحد الجنود، فأخذ درعه الذي كان عليه، أخذه له، وكان في طرف الجيش فوضعه تحت بُرْمَة -أتعرفون البرمة؟ قِدر من الفخار من الطين المشوي يكون الحجري- فوضع الدرع تحتها، فرأى أحد أصحاب ثابتٍ ثابتًا في المنام وقال له: إن فلانًا أو رجلًا -نسيت أنه عين الرجل أو أنه قال: رجلًا- مر بي وأخذ الدرع ووضعه تحت بُرْمَة في طرف الجيش وعنده فرس يَسْتَنُّ، وأخبر خالدًا بأني أوصي بكذا وكذا، فليبلغ ذلك أبا بكر، فلما أصبح الرجل جاء إلى خالد بن الوليد رضي الله عنه وأخبره بالخبر، فذهبوا إلى الجهة التي قالها، وإذا بالدرع تحت البُرْمَة وعنده فرس يَسْتَنُّ، فأخذه، وبلغت وصيته أبا بكر فأنفذها .
قال العلماء: ولا يوجد أحد نفذت وصيته بعد موته إلا ثابت بن قيس، أوصى بعد موته ونفذت، فالحاصل أننا لا نشهد لأحد بالشهادة إلا من شهد له الرسول عليه الصلاة والسلام، ثبت عن النبي عليه الصلاة والسلام: أن الحريق شهيد، وأن الغريق شهيد، وأن المبطون شهيد، وأن المطعون شهيد، وأن من مات بهدم شهيد ، فهل إذا مات أحد بهذه الأسباب نقول: هو شهيد بعينه؟
لا، لكن نرجو أن يكون شهيدًا؛ وذلك لأن المظهر قد يكون على خلاف المخبَر، لكن نقول: نرجو أن يكون من الشهداء، والحمد لله شهادتنا لا يتوقف عليها كونه شهيدًا إن كان من الشهداء، أليس كذلك؟ وعدم شهادتنا لا يمنع أن يكون شهيدًا إن كان من الشهداء، لكن يكفينا أن نرجو أن يكون من الشهداء.
طالب: معنى (يستن)؟
الشيخ: يستن الفرس: إذا كان واقفًا على ثلاثة قوائم، يقال: إنه يستن.

***

طالب: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ وَلَا تَكُنْ لِلْخَائِنِينَ خَصِيمًا (١٠٥) وَاسْتَغْفِرِ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا (١٠٦) وَلَا تُجَادِلْ عَنِ الَّذِينَ يَخْتَانُونَ أَنْفُسَهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ مَنْ كَانَ خَوَّانًا أَثِيمًا [النساء: ١٠٥- ١٠٧].

الشيخ: في هذه الآية الكريمة إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُما يفيد أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم لا يحكم برأيه؟
طالب: قوله: لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ..
الشيخ: إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ، وجه الدلالة؟
الطالب: الله عز وجل قال: بِمَا أَرَاكَ.
الشيخ: ولم يقل: بما؟
طالب: ولم يقل: بما ترى.
الشيخ: بما ترى، ولأنه أيضًا جعل حكمه مبنيًّا على إنزال الكتاب.
ويدل لهذا الأمر الواقع فقد أذن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم لمن أذن له من المنافقين، وقال الله له: عَفَا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَتَعْلَمَ الْكَاذِبِينَ [التوبة: ٤٣]، لكن الله قال ذلك له بهذا العتاب اللطيف؛ حيث قدم العفو على المؤاخذة أو على المعاتبة، كل هذا احترامًا للرسول عليه الصلاة والسلام، ونظير ذلك قوله: عَبَسَ وَتَوَلَّى (١) أَنْ جَاءَهُ الْأَعْمَى (٢) وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّى [عبس: ١ - ٣] ولم يقل: عبست، كراهة أن يخاطبه بهذا الأمر الذي يلام عليه، نسأل الله أن يجعلني وإياكم من المعظمين له ولرسوله.
قوله: وَلَا تَكُنْ لِلْخَائِنِينَ خَصِيمًاهل يفيد أن هذا واقع منه فنهي عنه؟
طالب: لا يفيد ذلك.
الشيخ: لا يفيد ذلك، ليش؟ وَلَا تَكُنْ لِلْخَائِنِينَ خَصِيمًا؟
الطالب: هذا كقوله جل وعلا: لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ [الزمر: ٦٥].
الشيخ: والشرك؟
الطالب: بعيد عنه صلى الله عليه وسلم.
الشيخ: ممتنع، صح، بارك الله فيك.
قوله: خَوَّانًا أَثِيمًالو قال قائل: كلمة (أثيم) هل هي صفة قيد أو صفة كشف؟ يعني هل هي صفة مقيدة أو صفة كاشفة؟
طالب: مقيدة.
الشيخ: مقيدة؛ لأن الخوَّان قد لا يأثم، يأثم؟ إذا كان مقيدة، فمعناه: أن الخوان ينقسم إلى قسمين: أثيم، وغير أثيم.
طالب: كاشفة.
الشيخ: كاشفة، توافقون على هذا؟ نعم، هي صفة كاشفة؛ لأن كل خوان فإنه أثيم، فإنه آثم.
نظير هذا -في الصفة الكاشفة- قول الله تبارك وتعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ [الأنفال: ٢٤] ولا يدعونا إلا لما يحيينا، وكذلك قوله تعالى: يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ [البقرة: ٢١]، فإن من المعلوم أننا لو جعلنا الَّذِي خَلَقَكُمْصفة قيد لكان هناك ربٌّ لم يخلقنا، وليس كذلك، بل هذا صفة كاشفة، والصفة الكاشفة تكون في الغالب بيانًا للواقع أو تعليلًا للحكم، هذا هو الغالب.
ما هي القصة التي تشير إليها هذه الآيات يَسْتَخْفُونَ مِنَ النَّاسِ وَلَا يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللَّهِإلى آخره؟
طالب: (...)رجل من المنافقين سرق درعا (...) عند اليهودي (...).
الشيخ: رجل من الأنصار سرق درعًا أو جُرَارًا من طحين -على خلاف في هذا- واتهم به رجلًا من اليهود والرجل كان بريئًا، فأراد قومه من النبي عليه الصلاة والسلام أن يجادل عنه ليدفع هذه التهمة التي هي مسبة لهؤلاء القوم، فأنزل الله هذه الآيات .
يستفاد من هذه الآيات عدل الإسلام، وأنه مبني على العدل، وجه ذلك؟
طالب: أن الذي اتُّهِمَ بالسرقة يهودي وأن الذي دفع النبي صلى الله عليه وسلم (...) ولو كان في الإسلام جور لأنصف المسلم على (...).
الشيخ: يعني كونه يدافع عن هذا اليهودي الذي كان بريئًا يدل على أن هذا الدين مبني على العدل، وهو كذلك إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى [النحل: ٩٠].

***

طالب: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا بَعِيدًا (١١٦) إِنْ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ إِلَّا إِنَاثًا وَإِنْ يَدْعُونَ إِلَّا شَيْطَانًا مَرِيدًا (١١٧) لَعَنَهُ اللَّهُ وَقَالَ لَأَتَّخِذَنَّ مِنْ عِبَادِكَ نَصِيبًا مَفْرُوضًا (١١٨) وَلَأُضِلَّنَّهُمْ وَلَأُمَنِّيَنَّهُمْ وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُبَتِّكُنَّ آذَانَ الْأَنْعَامِ وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ وَمَنْ يَتَّخِذِ الشَّيْطَانَ وَلِيًّا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَقَدْ خَسِرَ خُسْرَانًا مُبِينًا (١١٩) يَعِدُهُمْ وَيُمَنِّيهِمْ وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلَّا غُرُورًا (١٢٠) أُولَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَلَا يَجِدُونَ عَنْهَا مَحِيصًا} [النساء: ١١٦ - ١٢١].

الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله تبارك وتعالى: إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ، وقد سبق الكلام على قوله تعالى: وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَإلى آخره وأخذنا فوائدها، أليس كذلك؟ نناقش فيها.
أولًا: أين جواب الشرط في قوله: وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى؟
طالب: قوله نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى.
الشيخ: قوله: نُوَلِّهِ.
لو قال لك قائل: جواب الشرط يكون مجزومًا وهذا غير مجزوم؟
طالب: مجزوم.
الشيخ: مجزوم بماذا؟
الطالب: بحذف حرف العلة.
الشيخ: بحذف حرف العلة، أحسنت.
ما معنى قوله: نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى؟
طالب: يعني أن نجعل له ما أراد..
طالب آخر: أي: نتركه ونتخلى عنه، ونكله إلى ما تولاه.
الشيخ: تمام، صح، يعني: نتخلى عنه ونكله إلى ما تولاه أو من تولاه.
قوله: سَاءَتْ مَصِيرًاما الذي نصب مَصِيرًا؟
طالب: تمييز.
الشيخ: تمييز، محول عن أيش؟
طالب: (...).
الشيخ: خطأ.
طالب: عن فاعل.
الشيخ: عن فاعل، والأصل: ساءت مصيره.
هل في الآية دليل على العذر بالجهل؟
طالب: مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى.
الشيخ: السؤال ما أقول: وين الدليل؟ فيها دليل على العذر بالجهل؟
الطالب: نعم.
الشيخ: من أين يؤخذ؟
الطالب: أنه وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَىيعني..
الشيخ: مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى، ففهم منها؟
طالب: أن من لم يتبين الهدى فليس عليه عقاب.
الشيخ: فليس عليه عقاب، وهذا يقتضي العذر بالجهل.
هل التفريق بين الأصول والفروع في العذر بالجهل له وجه أو لا؟
طالب: ليس له وجه؛ لعموم الأدلة الدالة على العذر بالجهل مطلقًا سواء في الأصول أو في الفروع.
الشيخ: مطلقًا؟ طيب.
أرأيت لو وجد إنسان مسلم ينتمي للإسلام يصوم ويصلي ويتصدق، لكنه يدعو غير الله ظنًّا منه أن ذلك جائز وأنه من باب التوسل إلى الله تعالى، ما تقول فيه؟
طالب: ليس عليه شيء.
الشيخ: ليش؟
الطالب: لأنه لم يتبين له الهدى.
الشيخ: لأنه لم يتبين له الهدى، إذن هو معذور بجهله.
أرأيت لو قيل لهذا الرجل: إن عملك هذا شرك، وقال: هذا وجدت عليه آبائي ولن أتحول عنه؟
طالب: (...).
الشيخ: إذا كان الذي أخبره ليس بمحل ثقة عنده؟
الطالب: يجب عليه أن يبحث عن الحق؛ لأنه قد (...).
الشيخ: نعم، أحسنت، يعني: قد يقول العامي: أنا لا أثق بك، هو يفعل هذا ويراه علماؤه ولا يقولوا له شيئًا فأنا لا أثق، نقول: إذن يجب عليه أيش؟ البحث؛ لأنه ما دام قيل له -وهذه مسألة خطيرة- ما دام قيل له: هذا شرك، فالواجب عليه البحث، فإن لم يفعل صار مفرطًا غير قائم بالواجب.
هنا أضاف السبيل إلى المؤمنين، وفي بعض الآيات أضيف السبيل إلى الله، إليه نفسه، فكيف الجمع؟
طالب: (...) سبحانه وتعالى من باب أنه إضافة هداية (...).
الشيخ: صحيح، أضيف إلى الله؛ لأنه هو الذي وضعه للعباد وشرعه لهم؛ ولأنه موصل إليه، يعني لوجهين: أنه هو الذي وضعه للعباد وشرعه، وأن هذا موصل إلى الله، وأما إضافته إلى المؤمنين فلأنهم أيش؟ فلأنهم هم السالكون له.
تفسير الآية (116)
00:53:29

قال الله تعالى: إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُسبق الكلام على هذه الآية تمامًا، وكررها الله عز وجل، كررها مرتين في هذه السورة، وكان بين الآيتين ذكر القتل -قتل النفس- وقد مر علينا أن أهل العلم قالوا: إن قاتل النفس له توبة، واستدلوا لذلك: بأن الله ذكر قتل النفس بين آيتين كلتاهما تدل على أن ما سوى الشرك فالله تعالى يغفره.
وسبق القول في مَا دُونَ ذَلِكَهل المراد: ما دونه، أي: ما هو أقل، أو ما سوى ذلك؟
طالب: ما سوى ذلك.
الشيخ: ما سوى ذلك، يعني: ما هو أقل، ولَّا المعنى: ما سوى ذلك؟
طلبة: ما أقل.
الشيخ: طيب ما الذي يترتب على ذلك؟
طالب: يترتب عليه فيما إذا أتى بشيء أكبر من الشرك.
الشيخ: وأيش أكبر من الشرك؟
طالب: وأما على الأول فإنه ليس بشيء أكبر من الشرك، فكل ما سوى الشرك يغفر.
الشيخ: فإذا قلنا: مَا دُونَ ذَلِكَأي: ما سواه، دخل فيه الكفر الذي ليس بشرك، وإذا قلنا: مَا دُونَ ذَلِكَأي: ما هو أقل، خرج به أيش؟ دخل فيه الصغائر التي دون الشرك، وخرج به الكبائر من الكفر وغيره.
المهم أن نقول: مَا دُونَ ذَلِكَأي: ما سواه أو ما هو أقل؟ نقول: ما هو أقل؛ لأنك لو قلت: ما سوى ذلك؛ لكان الكفر تحت المشيئة إذا لم يكن شركًا، وليس كذلك بل المراد ما دون الشرك.
هل في الآية ما يدل على أن الشرك ولو كان أصغر لا يغفر؟ نعم، من أين يؤخذ؟ من أنك إذا أولت أَنْ يُشْرَكَ بِهِإلى المصدر صار التركيب: إن الله لا يغفر شركًا به، وإذا كان كذلك، فهو نكرة في سياق النفي فيكون للعموم؛ ولهذا قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: الشرك لا يغفر ولو كان أصغر، وربما يستدل لذلك بقول ابن مسعود رضي الله عنه: لأن أحلف بالله كذبًا أحب إلي من أن أحلف بغيره صادقًا ، فجعل سيئة الشرك أعظم من سيئة اليمين الكاذبة.
وقوله: وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا بَعِيدًاوفي الآية الأولى: فَقَدِ افْتَرَى إِثْمًا عَظِيمًا [النساء: ٤٨]، فيؤخذ من مجموع الآيتين أن المشرك مفترٍ ضال، وهو كذلك؛ لأن دعواه أن لله شريكًا هذا كذب وافتراء عظيم، وكونه يبني على هذه الدعوى أن يشرك بالله يكون هذا ضلالًا، فمجرد قوله: إن الله له شريك، افتراء، ثم تطبيق ذلك في عمله يعتبر ضلالًا، فيؤخذ من الآيتين الكريمتين: أن المشرك مفترٍ ضال. وقوله: بَعِيدًالعظم إثمه وذنبه.
تفسير الآيات (117-120)
00:57:22

ثم قال: إِنْ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ إِلَّا إِنَاثًا وَإِنْ يَدْعُونَ إِلَّا شَيْطَانًا مَرِيدًا(إن) هنا بمعنى (ما)، وعلامة ذلك -أي: علامة كون (إن) بمعنى (ما)- أن تأتي بعدها (إلا)، هذه العلامة على أنها تكون بمعنى (ما)، إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ [المائدة: ١١٠] المعنى: ما هذا، إِنْ هَذَا إِلَّا مَلَكٌ كَرِيم [يوسف: ٣١] المعنى: ما هذا إلا ملك كريم، إِنْ أَنْتَ إِلَّا نَذِيرٌ [فاطر: ٢٣] أي: ما أنت إلا نذير، فـ (إن) تأتي بمعنى (ما)، وعلامتها أيش؟ أن يأتي بعدها (إلا).
كما أن (إنْ) لها معاني متعددة، ولا مانع أن نسوقها الآن ليعرفها إخواننا الذين لم يسبق لهم فيها علم: تأتي نافية، وتأتي مخففة من الثقيلة مثبِتة عكس النافية، تأتي مخففة من الثقيلة مثبِتة؛ لأن المخففة من الثقيلة تفيد التوكيد؛ إذ أنها هي (إنَّ) لكن خففت، فتكون أيش؟ للتوكيد، عكس (إنْ)؛ لأنها للنفي، قال الشاعر:
...................... وَإِنْ مَالِكٌ كَانَتْ كِرَامَ الْمَعَادِنِ

يفتخر بقومه ويقول:
...................... وَإِنْ مَالِكٌ كَانَتْ كِرَامَ الْمَعَادِنِ

أي: وإنَّ مالكًا كانت كرام المعادن.
وقال تعالى: وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ [آل عمران: ١٦٤] (إن كانوا) بمعنى (إنَّ)، أين اسمها؟ اسمها يقولون: إنه ضمير الشأن محذوف، كلما جاءت، والتقدير: وإنه، أي: الشأن، أو: وإنهم، أي: القوم، يعني بعضهم يقول: لا نقدر ضمير الشأن، نقدر ضميرًا مناسبًا للسياق، فإذا كانوا جماعة قلنا: التقدير: إنهم ولا مانع.
على كل حال، هذه (إنْ) مخففة من الثقيلة، وهي على العكس من (إنْ) النافية؛ لأنها للإثبات وتوكيد الإثبات بخلاف (إنْ) النافية.
تأتي (إنْ) شرطية وهي كثير، مثل؟ قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ [الأنفال: ٣٨].
تأتي زائدة، يعني وجودها كالعدم، كقول الشاعر:
بَنِي غُدَانَةَ مَا إِنْ أَنْتُمُ ذَهَبٌ وَلَا صَرِيفٌ وَلَكِــــــــــــــــــــــــــــــــــــنْ أَنْتُمُ الْخَزَفُ

الشاعر يهجو هؤلاء القوم يقول: لا أنتم ذهب ولا فضة بل أنتم خزف، و«النَّاسُ مَعَادِنُ» كما قال النبي عليه الصلاة والسلام؛ معدن طيب ومعدن رديء، كم الأقسام؟ الأقسام أربعة. عدَّ الخمسة؟
طالب: نافية.
الشيخ: نافية.
طالب: وزائدة.
الشيخ: وزائدة، عد؟
طالب: مخففة من الثقيلة.
الشيخ: مخففة من الثقيلة.
طالب: نافية.
الشيخ: ونافية.
طالب: بمعنى (ما).
الشيخ: هي النافية، ما تأتي مخففة من الثقيلة.
على كل حال هي في هذه الآية الكريمة إِنْ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ إِلَّا إِنَاثًا، نقول: (إنْ) نافية، أي: ما يدعو هؤلاء المشركون من دون الله -أي سوى الله- إلا إناثًا.
ما معنى قوله: إِلَّا إِنَاثًاقيل: إن أسماء هذه الأصنام أسماء إناث: اللات، العزى، مناة، هذه كلها أسماء إناث. والمؤنث دون المذكر، لا في قوته، ولا في مرتبته، ولا في مقامه، ولا في كل شيء، وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ [البقرة: ٢٢٨].
وقيل: المعنى إِنْ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ إِلَّا إِنَاثًاأي: إن يدعون إلا شيئًا مثل الإناث لا يدفع عن نفسه، فكيف يدفع عن غيره؟
وعلى هذا القول: يدخل في ذلك الأصنام المذكرة مثل هُبل، هُبل مذكَّر ومع ذلك يعبد من دون الله، وعلى هذا يكون هذا القول أولى بالصواب؛ لأنه أعم، ولأنه يدل على حقيقة هذه الأصنام وأنها لا تدفع عن نفسها شيئًا، فكيف عن غيرها؟!
وَإِنْ يَدْعُونَ إِلَّا شَيْطَانًا مَرِيدًاأي: وما يدعون إلا شيطانًا مريدًا.
والدعاء هنا بمعنى العبادة، يعني: وما يعبدون إلا الشيطان، والعبادة هنا بمعنى الطاعة، يطيعون الشيطان، كما قال تعالى: أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَابَنِي آدَمَ أَنْ لَا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ (٦٠) وَأَنِ اعْبُدُونِي هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ [يس: ٦٠، ٦١]، فالشيطان يأمرهم بالشرك فيشركون، فيكون شركهم بالشيطان شرك أيش؟
الطلبة: طاعة.
الشيخ: شرك طاعة، وشركهم في الأصنام شرك عبادة يعبدونها، وقوم هذه حالهم لا خير فيهم، لا يعبدون إلا ما لا ينفعهم، ولا يأتمرون إلا بأمر الشيطان.
قال الله تعالى: لَعَنَهُ اللَّهُالضمير يعود على الشيطان.
مَرِيدًاشَيْطَانًا مَرِيدًا(المريد) هو: البالغ في العدوان والعُتُوِّ غايتَه.
والشياطين أقسام: منهم مَريد، ومنهم من ليس مَريدًا؛ ولهذا جاء في أحاديث تصفيد الشياطين في رمضان في بعض الألفاظ: «تُصَفَّدُ مَرَدَةُ الشَّيَاطِينِ» ، أي: القوم العُتاة، الشياطين العتاة الأقوياء في عُتوهم.
لَعَنَهُ اللَّهُاللعن بمعنى الطرد والإبعاد عن رحمة الله عز وجل، وهل هذا خبر أو دعاء؟
طالب: (...).
الشيخ: لا، يتعين أن يكون خبرًا؛ لأنه ممن؟ من الله، والله تعالى يفعل ولا يدعو على أحد، فالله تعالى يخبر بأن الله لعنه، وقد قال الله تعالى: وَإِنَّ عَلَيْكَ لَعْنَتِي إِلَى يَوْمِ الدِّين [ص: ٧٨]، والآية الثانية: وَإِنَّ عَلَيْكَ اللَّعْنَةَ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ [الحجر: ٣٥]، فلعنة الله ولعنة اللاعنين على إبليس إلى يوم الدين.
قال تعالى: لَعَنَهُ اللَّهُ وَقَالَ لَأَتَّخِذَنَّ مِنْ عِبَادِكَ نَصِيبًا مَفْرُوضًاوَقَالَالفاعل من؟
طالب: الشيطان.
الشيخ: لا، الفاعل، لَعَنَهُ اللَّهُ وَقَالَهي معطوفة على أيش؟
طالب: استئناف.
الشيخ: الواو للاستئناف، أحسنت، الواو للاستئناف؛ ولهذا يتعين الوقوف على قولك: لَعَنَهُ اللَّهُقف، وَقَالَأي: الشيطان، وَقَالَ لَأَتَّخِذَنَّ مِنْ عِبَادِكَ نَصِيبًا مَفْرُوضًا.
مقول القول هو جملة لَأَتَّخِذَنَّ، وهذه الجملة -كما تشاهدون- مؤكدة بكم مؤكد؟
طالب: اللام، ونون التوكيد، والقسم المقدر.
الشيخ: اللام، ونون التوكيد، والقسم المقدر، إذن بثلاث مؤكدات.
قَالَيعني: لله. لَأَتَّخِذَنَّ مِنْ عِبَادِكَ نَصِيبًا مَفْرُوضًانَصِيبًامفعول (أتخذ). المعنى: أتخذهم أولياء أتولاهم ويتولوني.
و(النصيب) الجزء من الشيء، فما هذا النصيب؟ هذا النصيب أكبر بكثير من النصيب السالف؛ لأن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم أخبر أن الله يقول يوم القيامة: «يَا آدَمُ. فَيَقُولُ: لَبَّيْكَ وَسَعْدَيْكَ. فَيَقُولُ: أَخْرِجُ مِنْ ذُرِّيَتِكَ بَعْثًا إِلَى النَّارِ. فَيَقُولُ: يَا رَبِّ. وَمَا بَعْثُ النَّارِ؟ قَالَ: مِنْ كُلِّ أَلْفٍ تِسْعُ مِئَةٍ وَتِسْعٌ وَتِسْعِينَ» .
لكن يجب أن نعلم أن الشيطان لم يقل: لأتخذن من بني آدم، قال: مِنْ عِبَادِكَ، وعبادك أيش؟ أعم وأشمل من بني آدم؛ ولهذا قال: نَصِيبًا مَفْرُوضًاوهم الذين أغواهم من بني آدم، وهم بالنسبة لبني آدم أيش؟ أكثر بكثير.
فعليه نقول: هل المراد بالعباد هنا بنو آدم؟ نشوف، إن قيل: هم بنو آدم صار من باب العام الذي يراد به الخاص، وحينئذٍ يكون هذا النصيب المفروض أكثر بكثير من الذي سلم من إغوائه.
إذا قلنا: المراد بالعباد ما يشمل كل الخلق، الملائكة من عباد الله، كما قال الله تعالى عنهم: إنهم عِبَادٌ مُكْرَمُون [الأنبياء: ٢٦]، كذلك أيضًا كل المخلوقات متذللة لله عز وجل تذللًا شرعيًّا أو تذللًا قدريًّا، وعلى هذا يكون النصيب المفروض بالنسبة للعباد على سبيل العموم قليلًا، يكون قليلًا، لكنه بالنسبة لبني آدم كثير؛ لأن بني آدم تسع مئة وتسعة وتسعين كلهم في النار، وواحد من الألف في الجنة.
وقوله: نَصِيبًا مَفْرُوضًاالفرض بمعنى الحتم، يعني: مُحَتَّمًا مقدَّرًا، وقد أعطاه الله عز وجل ذلك، ومكنه من إضلال بني آدم لحكمة أرادها سبحانه وتعالى، ولكنه توعد من تابعه فقال: لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْكَ وَمِمَّنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ أَجْمَعِينَ [ص: ٨٥].
وَلَأُضِلَّنَّهُمْيتخذهم أولياء يتولاهم ويتولونه ويضلهم أيضًا، عن أيش؟ عن صراط الله عز وجل، سواء من هذه الأمة أو من غيرها، والجملة هنا مؤكدة بما أكدت به الجملة قبلها، أي: بثلاثة مؤكدات، وَلَأُضِلَّنَّهُمْأي: عن الصراط المستقيم.
وَلَأُمَنِّيَنَّهُمْيعني: أعدهم بالأماني، وفعلًا وقع هذا لآدم؛ حيث قال له الشيطان: هَلْ أَدُلُّكَ عَلَى شَجَرَةِ الْخُلْدِأيش؟ وَمُلْكٍ لَا يَبْلَى [طه: ١٢٠]، وَقَاسَمَهُمَا إِنِّي لَكُمَا لَمِنَ النَّاصِحِينَ [الأعراف: ٢١]، فنسي آدم عليه الصلاة والسلام أن الله نهاه وقال: لَا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ [الأعراف: ١٩]، لكن وعدهم بالأماني وقال: أَدُلُّكَ عَلَى شَجَرَةِ الْخُلْدِيعني: على الشجرة التي إذا أكلتها أيش؟ تخلد ويصير لك الملك الذي لا يبلي.
فالشيطان إذن يُمَنِّي بني آدم، يُمَنِّيه بعدة أماني؛ منها: أنه يسهل عليه أمر المعصية، يقول: هذه سهلة، هذه صغيرة، تقع مكفرة بالصلوات، تقع مكفرة بالعمرة، وهكذا، وما علم المسكين الذي أضله الشيطان أن الصلوات والعمرة إلى العمرة، وما أشبه من ذلك مما يكفر من الذنوب لا بد أن تكون كاملة، ومَن الذي يأتي بكمال الصلاة؟!
أكثر الناس الآن صلواتهم تصل إلى حد أيش؟ الإجزاء، وعسى أن تصل إلى حد الإجزاء.
كذلك أيضًا يقول: هذه سهلة، إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُيُمَنِّيه فيقول: أنت لو فُرِضَ أنك متَّ على الإصرار على المعصية فلك أولاد صالحون يدعون لك، و«إِذَا مَاتَ الْإِنْسَانُ انْقَطَعَ عَمَلُهُ إِلَّا مِنْ ثَلَاثٍ» ، وهلم جرَّا، المهم أنه يوقع الأماني في نفوسهم بأشكال كثيرة.
وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُبَتِّكُنَّ آذَانَ الْأَنْعَامِآمرنهم أمرًا صريحًا مواجهة، أو أمر وحي من داخل النفس؟ الثاني، وربما يتصور الشيطان بصورة إنسي فيأمره أمرًا صريحًا، لكن الأصل أنه أمر داخلي يأمره أن يفعل كذا وكذا؛ ولهذا قال: فَلَيُبَتِّكُنَّ آذَانَ الْأَنْعَامِالفاء هذه عطف، وهي معطوفة على (آمر)، وسيأتي إن شاء الله في الفوائد أنها تدل على تمام الانقياد من هؤلاء.
فَلَيُبَتِّكُنَّ آذَانَ الْأَنْعَامِ وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ(يبتكن) أي: يقطعن، وإعراب (يبتكن)؟
طالب: الفاء تفريعية.
الشيخ: إعرابها.
طالب: مفرعة عما قبلها.
الشيخ: لا لا، ما هي مفرعة، عاطفة؛ لأن المفرِّع يكون واحدًا تفرع كلامه آخره على أوله، الفاء عاطفة تدل على الترتيب والتعقيب، اللام؟
طالب: اللام لام ابتداء.
الشيخ: هي دخلت على المبتدأ حتى تكون لام الابتداء؟! لام الابتداء هي التي تدخل على المبتدأ.
طالب: (...).
الشيخ: بعضهم: يقول: موطئة للقسم؛ يعني: تمهد للقسم؛ لأنه يقدر قبلها، كمل؟
الطالب: (يُبَتِّكُنَّ) فعل مضارع.
الشيخ: (يبتكن) كلها فعل مضارع؟!
الطالب: (يبتك) فعل مضارع، والفاعل ضمير مستتر.
الشيخ: اعرب أولًا، كمل إعراب الفعل قبل.
الطالب: (يبتك) فعل مضارع مرفوع، وعلامة الرفع النون المحذوفة لتوالي الأمثال، والنون للتوكيد.
الشيخ: لماذا لم يبن الفعل مع أنه نون التوكيد؟
الطالب: لأنه غير مباشر.
الشيخ: غير مباشر، إذن لا بد تقدر النون المحذوفة لتوالي الأمثال، والواو؟
الطالب: محذوفة لالتقاء الساكنين.
الشيخ: والواو المحذوفة لالتقاء الساكنين؟ وأيش؟ مفعول به؟!
طالب: هي فاعل.
الشيخ: فاعل، طيب، والنون؟
طالب: النون محذوفة.
الشيخ: لا، النون موجودة.
طالب: النون نون التوكيد.
الشيخ: أصل الكلمة هذه: فليبتكونن آذان الأنعام، حذفت النون الأولى كراهة توالي الأمثال، ولم تحذف نون التوكيد؛ لأنه أتي بها لعلامة، لو حذفت لفاتت هذه العلامة، ثم حذفت الواو، لما حذفت النون الأولى التقت النون الثانية وأولها ساكن بالواو الساكنة، فالتقى ساكنان، وابن مالك رحمه الله يقول:
إِنْ سَاكِنَانِ الْتَقَيَا اكْسِرْ مَا سَبَقْ وَإِنْ يَكُنْ لَيْنًا فَحَذْفَهُ اسْتَحَقْ

وهنا الأول لين ولا غير لين؟ لين، يعني: أحد حروف العلة فيحذف.
المعنى فَلَيُبَتِّكُنَّأي: فليقطعن آذان الأنعام، وليس مجرد التقطيع داخلًا في الآية، لكنهم يقطعون آذان الأنعام علامةً على أنها محرمة؛ لأنهم يحرمون ما أحل الله، ويحلون ما حرم الله، فعندهم قواعد وضوابط معروفة، قوانين وضعية ما هي شرعية.
إذا ولدت البعير كذا وكذا بطنًا، خلاص يجب أن تُطْلِقَها، العلامة؟ قطع الأذن، وهذا هو المذكور في قوله تعالى: مَا جَعَلَ اللَّهُ مِنْ بَحِيرَةٍ وَلَا سَائِبَةٍ وَلَا وَصِيلَةٍ وَلَا حَامٍ [المائدة: ١٠٣] لكنها مفسَّرة، هذا التقطيع، وليسوا يقطعونها علامة ودليلًا على أنها ملك فلان، كما لو قطعوها على أنها وسم، لا، يقطعونها اعتقادًا باطلًا أنها أصبحت حرة، لا تُركب ولا يحمل عليها، ولا يستسقى من لبنها، ولا غير ذلك.
والأنعام جمع نَعَم، كأسباب جمع سَبب، والنَّعَم يطلق على ثلاثة أشياء: الإبل والبقر والغنم.
وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ.
طالب: شيخ، قلت: إنه مؤكد بثلاث توكيدات، التوكيد مقدر ما هو موجود؟
الشيخ: كيف؟ وأيش الكلمة التي تريدها؟
طالب: وَقَالَ لَأَتَّخِذَنَّالمقدر -يا شيخ- أو المحذوف ما ينافي التوكيد، التوكيد يذكر؟
الشيخ: لا لا، إذا دل دليل على المحذوف فكأنه موجود، وهنا فيه دليل، قال ابن مالك في الألفية قاعدة من القواعد أيش هي؟
وَحَذْفُ مَا يُعْلَمُ جَائِزٌ... ......................

وهذا وإن كانت في المبتدأ والخبر لكن ينبغي أن تكون عامة.
طالب: التسع مئة وتسعة وتسعون الذين في النار هل هذا قبل التأبيد فيشمل العصاة من المسلمين أو بعد التأبيد فيخص الكفار؟
الشيخ: لا، هذا المراد بعد التأبيد، المراد بتسع مئة وتسعة وتسعين الذين يؤبدون في النار.
طالب: ذكرتم أن قوله تعالى: لَعَنَهُ اللَّهُجملة خبرية. والبلاغيون يقولون: إن الجملة الخبرية هي ما يصدق عليها الكذب أو الصدق، تحتمل الصدق فهل هذا (...)؟
الشيخ: لا، بذاته، بقطع النظر عن المخبر به؛ ولذلك قول مسيلمة: إنه رسول. هذا لا يحتمل الصدق.
وقول محمد: إنه رسول. لا يحتمل الكذب (...).

***

أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله تبارك وتعالى: وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِهذا معطوف على ما سبق؛ على قوله: لَأَتَّخِذَنَّ مِنْ عِبَادِكَ نَصِيبًا مَفْرُوضًاإلى قوله: وَلَآمُرَنَّهُمْ؛ يعني أن الشيطان يأمر عباد الله عز وجل أن يغيروا خلق الله، فما المراد بخلق الله؟ هل المراد به الفطرة التي فطر الناس عليها، فيكون المعنى: أنه يُغَيِّر فطرة الخلق من التوحيد إلى الشرك، ومن اليقين إلى الشك، كما قال الله تبارك وتعالى: فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَأيش؟ لِخَلْقِ اللَّهِ [الروم: ٣٠].
أو المراد بتغيير خلق الله الوَشْم والوَشْر والنَّمْص وما أشبه ذلك؟
قولان للعلماء، والصواب: أنه شامل، بناء على قاعدة التفسير المشهورة: أنه متى ذكر في الآية قولان لا تضادَّ بينهما والآية تحتملهما، وجب حملها على المعنيين جميعًا؛ وعلى هذا فهو يأمرهم أن يغيروا خلق الله الذي هو الفطرة التي فطر الناس عليها، وخلق الله التغيير الحسي بالتفليج والوشم والوَشْرِ وغير ذلك؛ لأن هذا أعم.
وقال الله تعالى: وَمَنْ يَتَّخِذِ الشَّيْطَانَ وَلِيًّا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَقَدْ خَسِرَ خُسْرَانًا مُبِينًاصدق الله مَنْ يَتَّخِذِ الشَّيْطَانَأي: يجعله وَلِيًّاأي: متولَّى؛ أي: يتولى الشيطان مِنْ دُونِ اللَّهِ فَقَدْ خَسِرَ خُسْرَانًا مُبِينًا.
وتولِّي الشيطان يكون بطاعته، فمن أطاع الشيطان وعصى الرحمن فقد خسر خسرانًا مبينًا، والخسران ضد الربح، بل إن الخاسر هو الذي لم يحصل ولا على رأس ماله، فهو لم يربح بل خسر.
وقوله: مُبِينًامشتقة من (أبان)، فهي مشتقة من فعل رباعي، وأصلها (مُبْيِن)، لكن نقلت حركة الياء للساكن الصحيح قبلها، ونقل السكون اللي ما على قبلها إليها، فصارت (مبينًا).
قلت: إنها من (أبان)، و(أبان) يصلح أن يكون لازمًا وأن يكون متعديًّا؛ تقول: بان الفجر، وأبان الفجر. فإذا جعلناها من اللازم مُبِينًاصارت بمعنى: بَيِّن واضح، وإذا جعلناها من المتعدي (أبان الشيء يعني: أظهره) صار المعنى أنه خسارة تظهر ذلك في من خسر وتتضح.
قال الله تعالى: يَعِدُهُمْ وَيُمَنِّيهِمْ وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلَّا غُرُورًايَعِدُهُمْالضمير؛ ضمير الفاعل يعود على الشَّيْطَانُ.
والهاء ضمير المفعول به يعود على العباد الذين أضلهم الشيطان.
يعدهم بماذا؟ يعدهم بأشياء يتمنونها ويرجونها فيتبعونه؛ فمثلًا يقول له: افعل هذه المعصية وتب إلى الله، افعل هذه المعصية وهي صغيرة، افعل هذه المعصية ولك كذا وكذا، كما قال لآدم: هَلْ أَدُلُّكَ عَلَى شَجَرَةِ الْخُلْدِ وَمُلْكٍ لَا يَبْلَى.
وَيُمَنِّيهِمْيعني: يُرَجِّيهم ويفتح أمامهم الآمال الكاذبة.
وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلَّا غُرُورًاوهنا إظهار في موضع الإضمار، وكان مقتضى السياق أن يقول: (وما يعدهم إلا غرورًا)، لكنه أظهر في مقام الإضمار لإظهار عداوته، كما قال تعالى: إن الشيطان لكم عدو فاتخذوه عدوا.
وقوله: إِلَّا غُرُورًايعني: إلا خداعًا وباطلًا.

***

طالب: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، يَعِدُهُمْ وَيُمَنِّيهِمْ وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلَّا غُرُورًا (١٢٠) أُولَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَلَا يَجِدُونَ عَنْهَا مَحِيصًا (١٢١) وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَنُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا وَعْدَ اللَّهِ حَقًّا وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ قِيلًا (١٢٢) لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلَا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ وَلَا يَجِدْ لَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا (١٢٣) وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلَا يُظْلَمُونَ نَقِيرًا (١٢٤) وَمَنْ أَحْسَنُ دِينًا مِمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ وَاتَّبَعَ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا (١٢٥) [النساء: ١٢٠- ١٢٥].

الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله تبارك وتعالى: إِنْ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ إِلَّا إِنَاثًا وَإِنْ يَدْعُونَ إِلَّا شَيْطَانًا مَرِيدًا.
من فوائد هذه الآية الكريمة: بيان حقيقة الأصنام، وأنها من الجنس الضعيف؛ لقوله: إِنْ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ إِلَّا إِنَاثًا، وقد سبق لنا في التفسير هل المعنى أنهم يسمون الأصنام بأسماء الإناث، أو أن هذه الأصنام لضعفها مثل الإناث بالنسبة للذكور.
ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن الطاعة تسمى دعاء وعبادة؛ لقوله: وَإِنْ يَدْعُونَ إِلَّا شَيْطَانًا مَرِيدًا.
ومن فوائد هذه الآية الكريمة أيضًا: أن الشيطان يغوي بني آدم حتى يضلهم إلى هذا الحد، فيجعلهم عبادًا له..