تسمى دعاءً وعبادة؛ لقوله: وَإِنْ يَدْعُونَ إِلَّا شَيْطَانًا مَرِيدًا.
ومن فوائد هذه الآية الكريمة
أيضًا: أن الشيطان يغوي بني آدم حتى يضلَّهم إلى هذا الحد، فيجعلهم عبادًا
له، وقد سبق لنا هل كلمة (مَريد) صفة كاشفة، أو صفة مقيِّدة، بمعنى: هل الشياطين
كلهم مردة أو أنهم ينقسمون؟ ذكرنا في هذا قولين؛ يحتمل أن هذا صفة كاشفة، والمعنى:
أن كل شيطان فهو مريد، ويحتمل أنها صفة مقيِّدة، وأن الشياطين ينقسمون إلى مردة
ودونهم.
ثم قال تعالى: لَعَنَهُ اللَّهُ، إلى
آخره.
من فوائد هذه الآية الكريمة: أن الله لعن
الشيطان؛ لقوله: لَعَنَهُ اللَّهُ.
ومن فوائد الآية الكريمة: التحذير من الانصياع لأوامر من
لعنه الله؛ لأن هذه الجملة كالتعليل لذمهم حينما عبدوا الشيطان.
ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن الشيطان أقسم بأن يتخذ من
عباد الله نصيبًا مفروضًا؛ لقوله: وَقَالَ لَأَتَّخِذَنَّ مِنْ عِبَادِكَ نَصِيبًا مَفْرُوضًا.
ومن
فوائدها: إثبات القول للشيطان، وأنه يقول كما أنه يفعل أيضًا، وقد أخبر
النبي صلى الله عليه وسلم «أَنَّهُ يَأْكُلُ وَيَشَرَبُ
بِشِمَالِهِ» ،
فهو يقول ويفعل، ويُمنِّي ويَعِد ويغُرُّ.
ومن فوائد هذه
الآية الكريمة أيضًا: أن نصيب الشيطان من عباد الله مفروض، أي: مقدَّر لا بد
أن يكون، وهذا كقوله تعالى في سورة هود: وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ [هود: ١١٩].
ثم قال: وَلَأُضِلَّنَّهُمْ وَلَأُمَنِّيَنَّهُمْ وَلَآمُرَنَّهُمْ، إلى آخره.
من فوائد هذه الآية الكريمة: أن الشيطان أقسم قسمًا مؤكَّدًا
أن يُضلَّ هؤلاء النصيب الذين فُرِضوا له، وهذا القسَم له مدلوله.
فيتفرع عليه: أنه يجب علينا أن نحذر من وساوس الشيطان؛ لأنها
كلها ضلال.
ومن فوائد الآية الكريمة: أن هذا
الإضلال الذي يقع من الشيطان لبني آدم مصحوب بالأمنيات، بمعنى أنه يُدخل عليهم
الأماني وأنهم ينالون خيرًا، وأن المعاصي لا تضرهم، وأن التوبة قريبة، وما أشبه
ذلك.
ومن فوائد الآية الكريمة: الحذر ممن يضلك
ويُدخل عليك الأماني الكاذبة؛ لأن الضلال كله شر.
ومن
فوائد الآية الكريمة: تحريم قطع آذان الأنعام إذا كانت على الوجه الذي
يستعمله أهل الجاهلية، وقد سبق أن أهل الجاهلية يقطعون آذان الأنعام للإشارة إلى
أنها محرمة مُسيَّبة، فهل يقال -بناء على ذلك-: لو أن الإنسان قطع آذان الأنعام
لمصلحة دنيوية فهل يجوز أو لا؟ الجواب: يجوز؛ لأن هذا ليس من أوامر
الشيطان.
ومن فوائد الآية الكريمة: أن الشيطان يأمر
بني آدم فيُغَيِّرون خلق الله؛ لقوله: فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ، وهل المراد تغييرهم خلقَ الله تعالى بالأنعام أو هو عام؟
الصواب: أنه عام، وقد مر علينا ذلك في التفسير، وأشرنا إلى حديث عبد الله بن
مسعود.
ومن فوائد الآية الكريمة: أن الأصل في تغيير
خلق الله أيش؟ المنع؛ لأنه من أوامر الشيطان، وقولنا: الأصل، احترازًا من تغيير خلق
الله الذي أمر الله به، كحلق العانة، والشارب، ونتف الإبط، وما أشبه ذلك، فإن هذا
من التغيير ولكنه مأذون فيه، فلا يدخل في أوامر الشيطان؛ إذ إن الشيطان لا يأمر إلا
بالفحشاء.
وهل من تغيير خلق الله صبغ الشيء بالسواد؟
الجواب: نعم؛ لأن هذا
الذي صبغ بالسواد أراد أن يعيد نفسه شابًّا، فيغير خلق الله من الشيخوخة إلى
الشباب؛ ولهذا أمر النبي عليه الصلاة والسلام بتغيير الشيب بغير السواد .
وهل
يدخل في تغيير خلق الله الوشم والوشر والنمص؟ نعم، كل هذا داخل.
وهل يدخل في
تغيير خلق الله حلق اللحية؟ نعم، يحتمل أن يقال: إنه داخل، لا سيما إذا أصرَّ
الإنسان عليه وواظب عليه، ويحتمل أن يقال: إن هذا ليس تغييرًا؛ لأن اللحية تنبت،
وإذا كانت تنبت لم يغير الخلق، لكن غالب الذين ابتُلُوا بحلق اللحية يستمرُّون
عليه، فيكون عملهم هنا محاولة لتغيير خلق الله عز وجل، وقد صرَّح بعض العلماء بأن
حلق اللحية من تغيير خلق الله.
ومن فوائد هذه الآية
الكريمة: التحذير من اتخاذ الشيطان وليًّا؛ لقوله: وَمَنْ يَتَّخِذِ الشَّيْطَانَ وَلِيًّا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَقَدْ خَسِرَ.
فإن قال قائل: بماذا نعرف أن هذا الرجل موالي للشيطان أو لا؟
نقول: كل من عصى الله فإنه مُوَالٍ للشيطان، لكن الولاية قد تكون عامة، وقد
تكون خاصة، فإذا أطاع الشيطان في الكفر والشرك كانت الولاية عامة، وإذا أطاعه في
معصية من المعاصي كانت خاصة، وليُعلَم أنه يفوت من ولاية الإنسان لربه عز وجل إذا
والى الشيطان بقدر ما والى به الشيطان.
ومن فوائد الآية
الكريمة: بيان أن أكثر الخلق قد خسروا؛ لأن أكثر الخلق قد اتخذوا الشيطان
وليًّا من دون الله.
ومن فوائد قوله: يَعِدُهُمْ وَيُمَنِّيهِمْإلى آخره: التأكيد على التحذير من
الشيطان ووعده وأمانيّه، فتكون الجملة الأخيرة يَعِدُهُمْ وَيُمَنِّيهِمْتكون تأكيدًا لقوله: وَلَأُمَنِّيَنَّهُمْ وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُبَتِّكُنَّ آذَانَ الْأَنْعَامِ.
ومن فوائد الآية الكريمة:
التحذير من غرور الشيطان، وإدخال الأماني والرجاء؛ لقوله: وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلَّا غُرُورًا.
ثم قال الله تبارك وتعالى: أُولَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَلَا يَجِدُونَ عَنْهَا مَحِيصًا [النساء: ١٢١] أُولَئِكَالمشار إليه الذين أطاعوا الشيطان واتبعوه.
مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُأي: مرجعهم، وجَهَنَّمُاسم من أسماء النار، وسُمِّيت بذلك لأنها -والعياذ بالله- قعيرة وسوداء مظلمة، فهي كلها جهمة، وَلَا يَجِدُونَ عَنْهَا مَحِيصًا، أي: لا يجدون عنها ملاذًا ومفرًّا، بل هم خالدون فيها، وَمَا هُمْ مِنْهَا بِمُخْرَجِينَ [الحجر: ٤٨] كما في آية أخرى.
من فوائد هذه الآية الكريمة: أن مرجع الطائعين للشيطان جهنم، وأنه لا يمكن أن يخرجوا منها، ويُحمل ذلك على من أطاعوه طاعة مطلقة، أما من أطاعوه في بعض المعاصي فإن مذهب أهل السنة والجماعة أنهم لا يُخَلَّدون في النار، وإنما يعذَّبون بقدر أعمالهم ثم يخرجون من النار.
ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات جهنم، وهي النار؛ لقوله: أُولَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ.
ومن فوائدها: أن أهل جهنم لا يمكن أن ينجوا منها، والمراد بأهلها: الكفار الذي خرجوا من الإسلام إلى الكفر.
ثم قال تعالى: وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَنُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا وَعْدَ اللَّهِ حَقًّا وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ قِيلًا} [النساء: ١٢٢].
مناسبة هذه الآية لما قبلها: أن القرآن الكريم كان مثاني تُثَنَّى فيه المعاني، فإذا جاء الوعيد جاء الوعد، وإذا جاء ذكر النار جاء ذكر الجنة، وإذا جاء ذكر المؤمنين جاء ذكر الكافرين، وهلم جرَّا، وذلك من أجل أن لا يكون الإنسان خائفًا دائمًا فيستولي عليه اليأس، ولا راجيًا دائمًا فيستولي عليه الأمن من مكر الله، بل يكون بين هذا وهذا.
وقوله: الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ، لا يكفي الإيمان، لا بد من إيمان وعمل، فبماذا آمنوا؟ آمنوا بكل ما يجب به الإيمان من أمور الغيب، وقد بيَّن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم أصول ذلك في حديث جبريل؛ حيث قال: «أَنْ تُؤْمِنَ بِاللَّهِ، وَمَلَائِكَتِهِ، وَكُتُبِهِ، وَرُسُلِهِ، وَالْيَوْمِ الْآخِرِ، وَالْقَدَرِ خَيْرِهِ وَشَرِّهِ» .
وأما قوله: عَمِلُوا الصَّالِحَاتِفالمراد بالصالحات: الأعمال؛ ولهذا قال النحويون: إن (الصالحات) صفة لموصوف محذوف، والتقدير: الأعمال الصالحات، وحذف الموصوف كثير في اللغة وفي القرآن أيضًا، كما في قوله تعالى: أَنِ اعْمَلْ سَابِغَاتٍ [سبأ: ١١] أي: دروعًا سابغات.
فما هي الأعمال الصالحات؟ الأعمال الصالحات ما كان خالصًا صوابًا، فالخالص هو الخالص لله الذي ليس فيه شرك لأحد، والصواب هو الذي كان على شريعة الله، وبهذا ينتفي الإشراك، وتنتفي البدعة، الإشراك بماذا ينتفي؟
طالب: (...).
الشيخ: بالإخلاص، والبدعة؟
طالب: (...).
الشيخ: بالمتابعة، ولا يمكن أن تتحقق المتابعة إلا إذا وافقت الشرع في أمور ستة، وهي: السبب، والجنس، والقدْر، والهيئة، والزمان، والمكان، إذا وافق العملُ الشرعَ في هذه الأمور الستة تحققت فيه المتابعة، وإن اختل واحد منها فلا متابعة.
أولًا: السبب، فلو أن الإنسان تعبَّد لله تعالى عبادة مقرونة بسبب لم يجعله الله سببًا فلا متابعة، ومن ذلك ما يحدث في مولد النبي عليه الصلاة والسلام من الصلاة عليه والأذكار وغير ذلك، حتى وإن كانت مباحة، فإنها ليست موافقة للشرع، لماذا؟ لأن مرور الوقت الذي وُلِدَ فيه ليس سببًا لإحداث هذه العبادة.
كذلك أيضًا يوجد بعض الناس إذا تجشَّأ، إذا تجشَّأ قال: الحمد لله، أتعرفون التجشي؟
الطلبة: نعم.
الشيخ: واضح، قال: الحمد لله، هذا لا يصح؛ لأن التجشي ليس سببًا للحمد، وإلا لكان خروج الريح من الدبر سببًا للحمد، ولا قائل به حتى العوام، إذن نقول: هذا يعتبر غير مُتَّبَع فيه الرسول عليه الصلاة والسلام.
بعض الناس إذا أعطيته البخور قال: اللهم صلِّ على محمد، فجعل تبخره سببًا للصلاة على النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، فنقول: هذا ليس فيه اتباع؛ لأن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم كان يتطيب، ولم يُنقل عنه أنه كلما تطيب صلى على النبي.
ومن ذلك أيضًا إذا تثاءب، فإن بعض الناس إذا تثاءب يقول: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، وهذا ليس له أصل وليس من الشرع؛ لأن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم دلَّنا على ما نفعله فيما إذا حصل التثاؤب: بأن يكظم الإنسان ما استطاع، فإن لم يستطع فإنه يضع يده على فيه ، هذا واحد.
ثانيًا: أن تكون العبادة موافقة للشرع في جنسها، فلو تعبد لله تعالى بشيء لم يتعبد الله عبادَه بجنسه، فإنه لا يُقبل ولا يكون من الشرع، مثاله أن يضحِّي بفرس، الفرس حلال، فلو ضحَّى به لم تُقبل أضحيته، لأيش؟ لأنه مخالف للشرع في جنسه؛ إذ إن الأضاحي لا تكون إلا من بهيمة الأنعام.
الثالث: في قدرها، فلو أنه صلَّى خمسًا في رباعية، أو أربعًا في ثلاثية، أو ثلاثًا في ثنائية لم تصحّ عبادته؛ لأنه زاد على القدر المشروع، وكذلك لو توضأ أربع مرات، فإن هذه الزيادة لا يؤجر عليها؛ لأنه زاد عن الأمر المشروع، وكذلك لو طاف ثمانية أشواط، فالزائد ليس من الشرع، فلا يثاب عليه.
الرابع: هيئته، بأن تكون على الهيئة التي وردت، فلو أن الإنسان صلى فسجد قبل أن يركع، هو أتى بالركوع لكن بعد السجود، لم تُقبل؛ لمخالفتها الشرع في هيئته.
وكذلك لو توضأ مُنَكِّسًا؛ فبدأ بغسل الرجل، ثم مسح الرأس، ثم غسل اليدين إلى المرفقين، ثم غسل الوجه، فإن هذا الوضوء لا يصح.
الخامس: الزمان، فلو أن الإنسان صلَّى قبل الوقت بدقيقة واحدة فصلاته غير صحيحة؛ لأنها لم تكن في الوقت الذي عيَّنه الشرع، ولو ضحَّى الإنسان -أي ذبح أضحيته- في اليوم التاسع من ذي الحجة، لم تُقبل؛ لأنها في غير الزمن الذي عيَّنه الشرع.
السادس: في مكانها، فلو اعتكف في بيته بدلًا عن المسجد لم يُقبل اعتكافه؛ لأنه على غير الوجه المشروع.
إذن العمل الصالح هو الذي تُوبِع فيه النبي صلى الله عليه وسلم، ولا تتحقق المتابعة حتى تكون العبادة على وجه الشرع في أمور ستة.
وقوله: سَنُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ، الجملة هذه خبر المبتدأ؛ خبر الَّذِينَ، والسين فيها للتحقيق والتقريب، أما التحقيق فلا إشكال، وأما التقريب -وإن كان بعيدًا- فإنه لتحقق وقوعه يكون كالقريب؛ ولهذا قال الله تعالى: أَتَى أَمْرُ اللَّهِ فَلَا تَسْتَعْجِلُوهُ [النحل: ١]، فعبَّر بالماضي عن المستقبل، وذلك لتحقق وقوعه؛ لأنه قد يورد إنسان علينا إيرادًا فيقول: سَنُدْخِلُهُمْإذا قلت: إن السين للتحقيق والتقريب، فالإنسان ربما يبقى في الدنيا ثمانين سنة قبل أن يموت؟ نقول: المحقَّق كالقريب، على أن المستقبل قريب مهما بعد، المستقبل لا شك أنه قريب مهما بعد، والماضي؟ بعيد مهما قرب.
سَنُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ، جَنَّاتٍوأحيانًا يأتي التعبير (جنة) مفرد، ولا منافاة؛ فهي جنة باعتبار الجنس، وجنات باعتبار الأنواع، كما قال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «جَنَّتَانِ مِنْ ذَهَبٍ آنِيَتُهُمَا وَمَا فِيهِمَا، وَجَنَّتَانِ مِنْ فِضَّةٍ آنِيَتُهُمَا وَمَا فِيهِمَا» ، فما هي الجنة؟ يقول بعض الناس: الجنة هي البستان الملتَفَّة أشجارها الكثيرة، وإذا عرَّفناها بهذا التعريف ربما تقلِّل من قيمتها أمام العامة خاصة، فنقول: الجنات هي الدار العظيمة التي أعدَّها الله تعالى للمتقين التي «فِيهَا مَا لَا عَيْنٌ رَأَتْ، وَلَا أُذُنٌ سَمِعَتْ، وَلَا خَطَرَ عَلَى قَلْبِ بَشَرٍ» .
وقوله: تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ، مِنْ تَحْتِهَايعني: من تحت أرضها؟ لا، بل من فوق الأرض، لكنها من تحت القصور والأشجار، والماء المطرد، النهر المطرد من تحت الأشجار والقصور يكون له منظر جميل جذَّاب، جعلنا الله وإياكم من أهلها بمنِّه وكرمه.
***
طالب: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَنُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا وَعْدَ اللَّهِ حَقًّا وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ قِيلًا (١٢٢) لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلَا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ وَلَا يَجِدْ لَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا (١٢٣) وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلَا يُظْلَمُونَ نَقِيرًا (١٢٤) وَمَنْ أَحْسَنُ دِينًا مِمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ وَاتَّبَعَ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا (١٢٥) وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطًا} [النساء: ١٢٢ - ١٢٦].الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، لما ذكر الله سبحانه وتعالى وعيد المخالفين من الكفار والمنافقين، وأن مأواهم جهنم ولا يجدون عنها محيصًا، ذكر ثواب المؤمنين، فقال: وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَنُدْخِلُهُمْ، وقد تقدم الكلام على هذه الجملة وعلى قوله: جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا، هذا جزاء المتقين الذين قاموا بالإيمان والعمل الصالح.
ثم قال عز وجل: وَعْدَ اللَّهِ حَقًّا، وَعْدَهذه مصدر عاملها مضمون الجملة السابق، فهو مصدر مؤكِّد لمضمون الجملة؛ ولهذا لا يصح أن يُذكر معه العامل -أي عامل المصدر-؛ لأنه إذا ذُكِر معه عامل المصدر بقي التوكيد لهذا العامل لا للجملة، والمقصود هو تأكيد الجملة، أي أن هذا الخبر من الله عز وجل وعد وَعْدَ اللَّهِ.
وقوله: حَقًّاقيل: إنه مصدر مؤكِّد للمصدر قبله، أي: أن هذا الوعد حق، وقيل: إنه مصدر لفعل محذوف، والتقدير: أحق ذلك حقًّا، والحق هو الشيء الثابت، وضده الباطل، وهو الزائل الضائع سُدى، وأما الحق فهو ثابت وليس بضائع، بل هو مقصود بذاته، وله ثمراته العظيمة.
وَعْدَ اللَّهِ حَقًّا وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ قِيلًا، (من) اسم استفهام، لكنه مُشْرَب معنى النفي، فهو أبلغ من الاستفهام المجرَّد، وأبلغ من النفي المجرَّد، وقد ذكرنا فيما سبق أنه إذا أُشْرِب الاستفهام معنى النفي فإنه يكون أيش؟
طالب: للتحدي.
الشيخ: نعم، مُشْرَبًا معنى التحدي، أي: إن كنت تزعم أن أحدًا أصدق من الله قيلًا فأت به.
وقوله: مَنْ أَصْدَقُ، (أصدق) اسم تفضيل مأخوذ من الصدق، والصدق هو الإخبار بما يوافق الواقع، وضده الكذب؛ وهو الإخبار بما يخالف الواقع.
وقوله: قِيلًابمعنى: قولًا، وهو تمييز واقع بعد اسم التفضيل، كقوله تعالى: أَنَا أَكْثَرُ مِنْكَ مَالًا وَأَعَزُّ نَفَرًا [الكهف: ٣٤].
ففي هذه الآية الكريمة: بيان جزاء الذين آمنوا وعملوا الصالحات.
وفيها من الفوائد: أن الإيمان وحده لا يكفي، بل لا بد من عمل، وأن العمل وحده لا يكفي، بل لا بد من إيمان، فلا يستحق الجنة إلا من جمع بين الإيمان والعمل الصالح، وإذا ذُكِر ثواب الجنة مقيَّدًا أو معلَّقًا بالإيمان وحده فالمراد بذلك الإيمان المتضمن للعمل الصالح.
ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن العمل لا ينفع صاحبه إلا إذا كان صالحًا، وقد عرفتم ما هو الصالح؛ هو الخالص الصواب، أي: ما ابتُغِيَ به وجه الله، وكان على شريعة الله.
ومن فوائد الآية الكريمة: أن نشهد لكل مؤمن عامل للصالحات بأنه يدخل الجنة؛ لقوله تعالى: سَنُدْخِلُهُمْ، ثم قال: وَعْدَ اللَّهِ حَقًّا، وهذا على سبيل العموم، فإننا نشهد لكل مؤمن عامل للصالحات أنه سيدخل الجنة.
لكن هل نطبق الشهادة هذه على جميع أفراد العموم، بمعنى أن نخص واحدًا بعينه؟ الجواب: لا، إلا من شهد الله له بذلك، أو شهد له رسوله صلى الله عليه وسلم، أو أجمعت عليه الأمة، هذه ثلاثة:
الأول: من أخبر الله عنه بأنه من أهل الجنة.
والثاني: من أخبر عنه الرسول عليه الصلاة والسلام.
والثالث: من أجمعت الأمة عليه، أي: على الثناء عليه، وأنه من أهل الخير وأهل الحق.
فمن الأول أبو بكر رضي الله عنه؛ فإن قول الله تبارك وتعالى: فَأَنْذَرْتُكُمْ نَارًا تَلَظَّى (١٤) لَا يَصْلَاهَا إِلَّا الْأَشْقَى (١٥) الَّذِي كَذَّبَ وَتَوَلَّى (١٦) وَسَيُجَنَّبُهَا الْأَتْقَى (١٧) الَّذِي يُؤْتِي مَالَهُ يَتَزَكَّى (١٨) وَمَا لِأَحَدٍ عِنْدَهُ مِنْ نِعْمَةٍ تُجْزَى (١٩) إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِ الْأَعْلَى (٢٠) وَلَسَوْفَ يَرْضَى [الليل: ١٤ - ٢١]، فإن أكثر المفسرين يقولون: هذه نزلت في أبي بكر، وعلى هذا فتكون الآية دالة على الشهادة، دالة على الإخبار بأنه رضي الله عنه سيُجَنَّب النارَ، وإذا جُنِّبَ النار فسيكون من أهل الجنة؛ لأنه ليس هناك إلا داران.
وأما من شهد له النبي صلى الله عليه وسلم بالجنة فكثير، فمثلًا زوجات الرسول كلهن في الجنة؛ لأن زوجاته في الدنيا هن زوجاته في الآخرة، ومن ذلك أيضًا العشرة المبشَّرون بالجنة: أبو بكر، وعمر، وعثمان، وعلي، وسعيد، وسعد بن أبي وقاص، إلى آخره، ومنهم ثابت بن قيس بن شماس؛ فقد شهد له النبي صلى الله عليه وسلم بالجنة، ومنهم بلال شهد له النبي صلى الله عليه وسلم بالجنة، ومنهم عكاشة بن محصن شهد له النبي صلى الله عليه وسلم بالجنة، والأمثلة على هذا كثيرة.
وأما ما أجمعت الأمة عليه، فدليله أنَّ النبي صلى الله عليه وسلم مَرَّت بِهِ جنازَةٌ فَأَثْنَوْا عَلَيْهِ خَيْرًا، فَقَالَ: «وَجَبَتْ»، ثُمَّ مَرَتْ بِهِ أُخْرَى فَأَثْنَوْا عَلَيْهَا شَرًّا، فَقَالَ: «وَجَبَتْ»، قَالُوا: مَا وَجَبَتْ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: «أَمَّا الْأَوَّلُ فَأَثْنَيْتُمْ عَلَيْهِ خَيْرًا فَوَجَبَتْ لَهُ الْجَنَّةُ، وَأَمَّا الثَّانِي فَأَثْنَيْتُمْ عَلَيْهِ شَرًّا فَوَجَبَتْ لَهُ النَّارُ، أَنْتُمْ شُهَدَاءُ اللَّهِ فِي أَرْضِهِ» .
ولكن من كان ظاهره الإيمان والعمل الصالح نقول: إن من آمن وعمل صالحًا فهو من أهل الجنة، ولا نقول: هذا بعينه؛ لأننا لا نعلم ماذا يُختم له -نسأل الله أن يختم لنا ولكم بخير- لا يدري، فهذا الرجل الذي كان مع النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم في غزاة، وكان بطلًا شجاعًا مقدامًا، لا يدع للعدو شاذَّة ولا فاذَّة، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «هُوَ مِنْ أَهْلِ النَّارِ»، وهو مجاهد، جاهد، فعظم ذلك على الصحابة وشقَّ عليهم، فقال رجل من الصحابة: لألزَمَنَّه، يعني: ألازمه حتى أنظر ماذا تكون خاتمته، فلزمه، فأصاب هذا الرجل سهم من العدو، فجزع جزعًا شديدًا، فسلت سيفه ثم وضع ذؤابته على صدره واتكأ عليه حتى طلع مع ظهره –والعياذ بالله- ومات، فجاء الرجل الذي لزمه إلى النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم وقال: أشهد أنك رسول الله، قال: «وَبِمَ؟»، قال: إن الرجل الذي قلت: «إِنَّهُ مِنْ أَهْلِ النَّارِ»، حصل عليه كيت وكيت، فقال عليه الصلاة والسلام: «إِنَّ الرَّجُلَ لَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ الْجَنَّةِ -فِيمَا يَبْدُو لِلنَّاسِ- وَهُوَ مِنْ أَهْلِ النَّارِ» -نعوذ بالله-؛ لهذا لا يجوز أن نشهد لشخص بأنه في الجنة وإن كنا نرى أن أعماله عمل أهل الجنة.
ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن الله تعالى يقول، والقول هو لفظ مسموع، فيكون الله سبحانه وتعالى يقول قولًا حقيقيًّا، وهل هو مسموع؟ الجواب: نعم، وإلا لما كان قولًا؛ لأن القول الذي هو قول النفس لا بد أن يقيَّد، كما في قوله تعالى: وَيَقُولُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ لَوْلَا يُعَذِّبُنَا اللَّهُ بِمَا نَقُولُ [المجادلة: ٨]، وأما إذا أطلق فالمراد به القول المسموع، وهذا هو مذهب أهل السنة والجماعة؛ أن الله تعالى يقول قولًا مسموعًا، وأنه بصوت، وأنه بحرف، وهذا لا يتضمن أي نقص ولا مماثلة، بل هو كمال، وهناك مذاهب ذكرها ابن القيم -راجعوها في مختصر الصواعق المرسلة- بلغت ثمانية أقوال، ثمانية مذاهب في كلام الله عز وجل، المشهور منها مذهب الأشاعرة : أن كلام الله هو المعنى القائم بنفسه، وأما ما يُسمع فهو أصوات مخلوقة خلقها الله عز وجل لتعبر عما في نفسه.
وقالت الجهمية: بل كلام الله مخلوق، وإضافته إلى الله تعالى من باب التشريف، وليس من باب الوصف، فقالوا: إن كلام الله كغيره من المخلوقات، فأيهم خالف السنة؟ كلاهما خالف السنة، والأشاعرة أبعد عن السنة من المعتزلة؛ لأن الجميع اتفقوا على أن ما يُسمع فهو مخلوق، لكن المعتزلة قالوا: هو كلام الله، والأشاعرة قالوا: ليس كلام الله، بل هو عبارة عن كلام الله، وكلام الله تعالى هو المعنى القائم بنفسه، وعلى كلامهم يكون الكلام بمعنى العلم تمامًا، وهذا كله باطل.
من فوائد هذه الآية الكريمة: وصف كلام الله تعالى بالصدق، وصف كلامه وقوله بالصدق؛ لقوله: وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ قِيلًا، وهل يمكن أن يوصف بالكذب؟ كلا واللهِ لا يمكن.
فإن قال قائل: أليس أهل البلاغة يقولون: إن الخبر هو ما احتمل الصدق والكذب؟ قلنا: بلى، لكنهم يقيِّدون ذلك فيقولون: ما احتمل الصدق والكذب لذاته، أي: بقطع النظر عن قائله، فإن من القول ما يُقطع بكذبه، ومن القول ما يُقطع بصدقه، ولا يحتمل هذا ولا هذا.
ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أنه يصح أن نضع اسم التفضيل بين صفات الله تعالى وصفات الخلق، فنقول: كلام الله أصدق الكلام، علم الله أيش؟ أوسع العلوم، والله تعالى أعلم من غيره.
وقد ظن بعض الناس أنك إذا قرنت الوصف باسم التفضيل فإنك قد مثَّلت الله، حتى ذهبوا يفسرون قول الله تعالى: اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ [الأنعام: ١٢٤]، وقوله تعالى: وَرَبُّكَ أَعْلَمُ بِمَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ [الإسراء: ٥٥]، يفسرونها بأنه عالم، فيقولون: أَعْلَمُأي: عالم، وسبحان الله! فرُّوا من النقص، ولكنهم وقعوا في أنقص منه؛ لأن اسم التفضيل يدل على علُوّ صفات الله، وأنها أعلى الصفات، وليس فيها نقص بوجه من الوجوه.
أَعْلَمُهم يقولون: عالم، وإذا قلت: عالم، لم يمنع المشاركة والمساواة، أليس كذلك؟ فإنك تقول: عمرو عالم، وزيد عالم، ومحمد عالم، وبكر عالم، فيستوون، لكن هذا كله يُؤتَى الإنسان من حيث يكون عنده عقيدة، فيحاول أن يصرف النصوص إليها فيقع في الزيغ، نسأل الله العافية.
إذن (أعلم) في أسماء الله وصفاته أيش؟ على بابها، (أعلم) على بابها، حتى إن الله تعالى قال: آللَّهُ خَيْرٌ أَمَّا يُشْرِكُونَ [النمل: ٥٩]، كلٌّ يقول الجواب: الله خير، حتى المشركون مع أصنامهم يقولون: إن الله خير، ذكر أن النبي صلى الله عليه وسلم سأل حصينًا أبا عمران بن حصين، قال له: «كَمْ إِلَهًا تَعْبُدُ؟»، قال: ستة: خمسة في الأرض، وواحد في السماء، قال: «مَنْ تُعِدُّ لِرَغْبَتِكَ وَرَهْبَتِكَ؟»، قال: الذي في السماء . كيف تعبد الآخرين؟ فهم يقرُّون بأن الله تعالى فوق كل شيء، حتى المشركون يقرون بذلك.
***
طالب: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلَا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ وَلَا يَجِدْ لَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا (١٢٣) وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلَا يُظْلَمُونَ نَقِيرًا (١٢٤) وَمَنْ أَحْسَنُ دِينًا مِمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ وَاتَّبَعَ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا (١٢٥) وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطًا (١٢٦)} [النساء: ١٢٣ - ١٢٦].
الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله تبارك وتعالى: لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلَا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ.
الخطاب في قوله: لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْلهذه الأمة.
وَلَا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِيعني بذلك: اليهود والنصارى، وذلك أن اليهود والنصارى قالوا: نحن أهل الكتاب، ونحن أسبق منكم، ونحن أولياء الله وأحِبَّاؤه، وما إلى ذلك، يريدون أن يُفضِّلوا أنفسهم على هذه الأمة، هذه الأمة تقول: إن رسولنا خاتم النبيين، وأن هذه الأمة فُضِّلت على الناس، وتريد أن تكون أفضل من أهل الكتاب، ففصل الله بينهم وحكم بينهم بحكم عدل، فقال: الأمر ليس بأمانيِّكم أيها المسلمون ولا بأمانيِّ أهل الكتاب، وليس الأمر يعطَى على حسب أمنية الشخص، إذا تمنى حصل له ما تمنى، كما قال الله تعالى: أَمْ لِلْإِنْسَانِ مَا تَمَنَّى (٢٤) فَلِلَّهِ الْآخِرَةُ وَالْأُولَى [النجم: ٢٤، ٢٥].
وقوله: أَهْلِ الْكِتَابِ، يعني: اليهود والنصارى، والكتاب يراد به التوراة بالنسبة لليهود، والإنجيل بالنسبة للنصارى.
ثم جاء الحكم فقال: مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ، مَنْ يَعْمَلْ(من) هذه شرطية، ويَعْمَلْفعل الشرط، ويُجْزَجواب الشرط، بِهِأي: بسوئه، سواء منكم يا هذه الأمة أو من أهل الكتاب، مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ.
وإذا نظرنا في هذا الحكم وجدنا أنه ينطبق على أهل الكتاب أكثر مما ينطبق على هذه الأمة؛ لأن أهل الكتاب عملوا سوءًا، وذلك بتكذيبهم محمدًا صلى الله عليه وعلى آله وسلم فيُجْزَوْن به.
وَلَا يَجِدْ لَهُمعطوفة على جواب الشرط، وَلَا يَجِدْ لَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا، (من دونه) أي: من سواه، وَلِيًّايتولاه بتحسين المصالح، وَلَا نَصِيرًايدافع عنه المساوئ والمفاسد.
في هذه الآية دليل على فوائد، منها: أن التمني لا يُجدي شيئًا؛ لقوله: لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلَا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ، وهذا يشهد لما يروى عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «الْكَيِّسُ مَنْ دَانَ نَفْسَهُ وَعَمِلَ لِمَا بَعْدَ الْمَوْتِ، وَالْعَاجِزُ مَنْ أَتْبَعَ نَفْسَهُ هَوَاهَا وَتَمَنَّى عَلَى اللَّهِ الْأَمَانِيَّ» .
ومن فوائد هذه الآية الكريمة: العدل بين المتخاصمين، حتى وإن كان أحدهما على حق والثاني على باطل، فالواجب العدل، وأن يحكم لكل واحد ما يستحق، وجه ذلك؟ نفي كون الشيء بالأمانيِّ بالنسبة للمسلمين ولليهود والنصارى، ثم إثبات أن من عمل سوءًا جُوزِي به، وهذا غاية العدل؛ ولهذا قال الله تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى [المائدة: ٨].
ومن فوائد الآية الكريمة: التهديد لمن عمل سوءًا؛ لقوله: مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ، فإن عمله لن يضيع وسوف يُجْزَى به، والآية مطلَقة، فهل يُجْزَى في الدنيا، أو في الآخرة، أو فيهما؟
نقول: أما إذا كانت العقوبة في الدنيا عقوبة شرعية، فإنه لا يُجمع عليه بين العقوبتين؛ ولهذا صحَّ عن النبي صلى الله عليه وسلم أن «مَنْ أَصَابَ حَدًّا فَأُقِيمَ عَلَيْهِ فِي الدُّنْيَا كَانَ كَفَّارَةً لَهُ» ، وأما العقوبات غير الشرعية -وهي العقوبات القدرية التي يُنزلها الله تعالى بالمرء؛ من مرض، أو فقر، أو غير ذلك- فهذه قد تكفِّر السيئات، ولا يبقى عليه شيء في الآخرة، وقد لا تكفِّر السيئات جميعًا.
ومن فوائد هذه الآية الكريمة: جواز إخلاف الوعيد؛ لأن مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِوعيد، ولكن الله تعالى قال في كتابه: إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ، وهذا يدل على أن من عمل سوءًا قد أيش؟ قد يغفر الله له ما عدا الشرك.
فإذا قال قائل: كيف نجيب عن هذه الآية: مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِوهي خبر؟ قلنا: هذه يراد بها التهديد، وهي من باب الوعيد، والعفو عن الوعيد من باب الكرم، وهو مدح وليس ذمًّا؛ ولهذا امتدح الشاعر نفسه بقوله:
| وَإِنِّي وَإِنْ أَوْعَدْتُـــــــــــــــــهُ أَوْ وَعَدْتُــــــــــــــــــــهُ | لَمُخْلِفُ إِيعَادِي وَمُنْجِزُ مَوْعِدِي |
ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن الإنسان لا يجازَى بأكثر مما عمل من السوء؛ لقوله: يُجْزَ بِهِ، والباء هنا للعِوض أو البدل، بخلاف من عمل حسنًا، فإنه يعطَى أكثر كما في آيات أخرى.
ومن فوائد الآية الكريمة: كمال قوة الله تعالى وسلطانه؛ لقوله: وَلَا يَجِدْ لَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا، ومثل هذه الآية قد تكررت في القرآن كثيرًا، مثل قوله تعالى: وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ أَوْلِيَاءَ ثُمَّ لَا تُنْصَرُونَ [هود: ١١٣]، ومثل قوله تعالى: خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا لَا يَجِدُونَ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا [الأحزاب: ٦٥]، وهذا كثير؛ لأن الله سبحانه وتعالى كامل القوة وكامل السلطان، فلا أحد يمنعه ولا أحد يدفعه.
ومن فوائد الآية الكريمة: أن المصائب في الدنيا كفارات؛ لأنها نوع من الجزاء، وقد أخبر النبي صلى الله عليه وسلم أنه ما من غم ولا هم ولا حزن يصيب العبد إلا كفَّر به عنه، حتى الشوكة إذا أصابته فإن الله يكفِّر بها عنه .
ثم قال تعالى: وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلَا يُظْلَمُونَ نَقِيرًا، وَمَنْ يَعْمَلْهذه شرطية، وفعل الشرط قوله: يَعْمَلْ، وجواب الشرط قوله: فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ، وقُرِنَت بالفاء؛ لأنها جملة اسمية.
وقوله: مَنْ يَعْمَلْ، قلنا: هي شرطية، والشرط يفيد العموم، وأكد هذا العموم بقوله: مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى.
وقوله: مِنَ الصَّالِحَاتِادعى بعضهم أن (من) زائدة، وقال: إن التقدير: ومن يعمل الصالحات، وهذا القول ليس بصحيح؛ لأن (من) لا تُزَاد إلا في نفي أو شِبهه، كما قال ابن مالك رحمه الله:
| وَزِيدَ فِي نَفْيٍ وَشِبْهِهِ فَجَرْ | نَكِرَةً كَـ (مَا لِبَاغٍ مِنْ مَفَرْ) |
ولأن وجودها أكمل من عدمها؛ لأن (من) لبيان جنس العمل المبهم في قوله: وَمَنْ يَعْمَلْ، فـ(من) هنا بيانية.
وقوله: مِنَ الصَّالِحَاتِأي: من الأعمال الصالحات، وأنتم تجدون هذا الأسلوب كثيرًا في القرآن؛ أن يُحذف الموصوف وتبقى الصفة، وعكسه قليل، يعني: حذف الصفة قليل، وحذف الموصوف كثير؛ وذلك لأن الصفة تدل على الموصوف ولا عكس.
يقول: مِنَ الصَّالِحَاتِ، أي: من الأعمال الصالحات، فما هي الصالحات؟ الصالحات ما جمع شرطين؛ الشرط الأول: الإخلاص، والثاني: المتابعة لشريعة الله، سواء كان لشريعة محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم إن كان من هذه الأمة، أو لشريعة من شريعته باقية من الرسل السابقين.
وقوله: مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى(مِن) هذه بيان لـ(مَن) في قوله: وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى، وهذا من باب التفصيل بعد الإجمال، وإلا فمن المعلوم أن (مَن) للعموم الشامل للذكر والأنثى.
وقوله: وَهُوَ مُؤْمِنٌالجملة حالية، حال من فاعل يَعْمَلْ، يعني: والحال أنه مؤمن، وهذا شرط لا بد منه؛ إذ إن العمل الصالح لا ينفع مع عدم الإيمان، وكلما ازداد الإنسان إيمانًا ازداد قوة في العمل الصالح.
فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ، وفي قراءة: {يُدْخَلُونَ}، فعلى القراءة التي معنا في المصحف تكون الْجَنَّةَمفعولًا به، وعلى القراءة الأخرى: {يُدْخَلُونَ الْجَنَّةَ}، تكون مفعولًا ثانيًا لـ {يُدْخَلُونَ}، ونائب الفاعل في محل المفعول الأول.
وقوله: فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ، هل يقال: إن هذا إظهار في موضع الإضمار، وأنه لو قيل: فإنهم يدخلون الجنة؟ الجواب: نعم؛ لأن اسم الإشارة من باب الأسماء الظاهرة أو المضمرة؟ الظاهرة.
فإن قال قائل: ما هي النكتة في هذا الإظهار؟ قلنا: بيان علُوّ مرتبتهم؛ حيث أشار إليهم بإشارة البعيد فَأُولَئِكَ.
وقوله: يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَالجنة هي الدار التي أعدها الله تعالى لأوليائه المتقين، و«فِيهَا مَا لَا عَيْنٌ رَأَتْ، وَلَا أُذُنٌ سَمِعَتْ، وَلَا خَطَرَ عَلَى قَلْبِ بَشَرٍ» ، أسأل الله أن يجعلني وإياكم من أهلها، آمين.
وقوله: وَلَا يُظْلَمُونَ نَقِيرًا، قوله: يَدْخُلُونَوَلَا يُظْلَمُونَ، يعني معناه: أن كل إنسان يكون في مكانه الذي يستحقه بدون نقص، والنقير: هو النُّقرة التي تكون في ظهر النواة.
وفي النواة ثلاثة أشياء كلها مَضْرَب للمثل في القلة: الفتيل، والنقير، والقِطمير؛ أما الفتيل فهو الحبل الذي في مجرى النواة من بطنها، وأما النقير فهي النقرة التي في ظهرها، وأما القطمير فهو أيش؟ الغشاء الذي يكون عليها، وكلها يراد بها ضرب المثل.
وإنما قال الله تعالى: يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلَا يُظْلَمُونَ نَقِيرًا؛ لئلا يظن الظانّ أن الإنسان إذا كان في منزلة فربما ينزل من منزلته لسبب من الأسباب، وليس الأمر كذلك.
ونضرب لهذا مثلًا، وهو أن الله تعالى قال: وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَمَا أَلَتْنَاهُمْ مِنْ عَمَلِهِمْ مِنْ شَيْءٍ [الطور: ٢١] الذرية هنا المراد: من يتبعون آباءهم وهم الصغار، هؤلاء يتبعون آباءهم، إذا كانت منزلة الابن أدنى مرتبة من منزلة الأب، فإن الابن يُرَقَّى إلى منزلة الأب، ولا يُنَزَّل الأب في مقابلة ترقية الابن، يعني ما يقال مثلًا إذا كانت المسافة عشرين درجة: يُنَزَّل الأب عشر درجات، ويُصَعَّد الابن عشر درجات، لا، بل يُرفع الابن عشرين درجة ويلتحق بالأب، بدون نقص على الأب، فهذا -والله أعلم- هو الفائدة في قوله: وَلَا يُظْلَمُونَ نَقِيرًا.
من فوائد هذه الآية الكريمة: أن القرآن الكريم -كما وصفه الله عز وجل- مَثَانِيَ، أي: تُثَنَّى فيه الأمور، فإذا ذُكِر المؤمن ذُكِر الكافر، إذا ذُكِر جزاء الكافر ذُكِر جزاء المؤمن، وهكذا، وتأمل هذا تجده أكثر ما يكون في القرآن.
والحكمة من ذلك أن يكون الإنسان سائرًا إلى الله بين أيش؟ بين الخوف والرجاء؛ لأنه إذا ذكَر ما أعدَّ الله للمتقين غلب رجاؤه، وإذا ذكر ما أعد الله للكافرين أيش؟ غلب خوفه، والأولى أن يكون خوفه ورجاؤه واحدًا.
وقد اختلف العلماء رحمهم الله: هل هذا في كل حال؟ أن يكون خوف الإنسان ورجاؤه واحدًا في كل حال، أو في بعض الأحوال؟ وهل هو في كل عمل أو في بعض الأعمال؟
فمن العلماء من يقول: إذا كان الإنسان مريضًا فالأولى أن يغلِّب جانب الرجاء حتى يقدم على ربه وهو يحسن الظن به؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم: «لاَ يَمُوتَنَّ أَحَدُكُمْ إِلَّا وَهُوَ يُحْسِنُ الظَّنَّ بِرَبِّهِ» .
ومن العلماء من يقول: إذا هَمَّ بالسيئة فليُغَلِّب جانب الخوف حتى يرتدع، وإذا عمل العمل الصالح فليُغَلِّب جانب الرجاء أن الذي وفَّقه للعمل سوف يقبل منه.
وعلى كل حال العلماء اختلفوا في هذا، فنقول: كل إنسان ونفسه، إذا رأيت من نفسك أنه غلب عليك الخوف حتى وصلت إلى اليأس من رحمة الله، سواء في أمور الدين أو أمور الدنيا، فحينئذٍ قوِّم نفسك وعدِّل نفسك، وإن رأيت أنك تغلِّب جانب الرجاء فقوِّم نفسك أيضًا؛ لأن بعض العصاة إذا قلت: اتق الله يا أخي، ارتدِع عن المعصية، يقول لك: الله غفور رحيم، فيغلِّب أيش؟ جانب الرجاء، وهذا خطأ، ومن الناس من يكون بالعكس؛ لو يفعل أدنى شيء من المعاصي أَيِس وقنط من رحمة الله فغلَّب جانب الخوف.
ومن فوائد الآية الكريمة: أنه لا فرق بين الرجال والنساء فيما يستحقون من الجزاء، وجه الدلالة قوله: مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى، ثم ذكر الجزاء فقال: فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ، لكن من حيث العمل بينهما فرق؛ لقول النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «مَا رَأَيْتُ مِنْ نَاقِصَاتِ عَقْلٍ وَدِينٍ أَذْهَبَ لِلُبِّ الرَّجُلِ الْحَازِمِ مِنْ إِحْدَاكُنَّ» ، ثم فسَّر نقصان دينها بأنها إذا حاضت لم تُصَلِّ ولم تصُم، أما الجزاء على العمل فهما سواء.
ومن فوائد الآية الكريمة: أنه لا بد لقبول العمل من أن يكون صالحًا؛ لقوله: وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ، فإن كان فيه شرك لم يُقبل، لماذا؟ لفوات الشرط وهو الإخلاص؛ ولهذا قال الله تعالى في الحديث القدسي: «أَنَا أَغْنَى الشُّرَكَاءِ عَنِ الشِّرْكِ، مَنْ عَمِلَ عَمَلًا أَشْرَكَ فِيهِ مَعِيَ غَيْرِي تَرَكْتُهُ وَشِرْكَهُ» ، ومن عمل عملًا مبتدعًا بإخلاص تام لكن ليس على شريعة الرسول فإنه لا يُقبل منه؛ لأنه على غير الاتباع، وقد قال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «مَنْ عَمِلَ عَمَلًا لَيْسَ عَلَيْهِ أَمْرُنَا فَهُوَ رَدٌّ» .
ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أنه لا بد أن يكون العمل الصالح مبنيًّا على إيمان، إيمان لا شك معه؛ لقوله: وَهُوَ مُؤْمِنٌ، وأما من عمل الصالحات ظاهرًا لكن قلبه غير مؤمن -أعاذنا الله وإياكم من ذلك- فإنه لن ينفعه العمل الصالح، كرجل مخلِص يريد رضا الله عز وجل ويتبع الرسول لكنه متشكِّك، مع إخلاصه متشكك، فإنه لا يُقبل منه.
ولكن هنا مسألة يجب التفطُّن لها، وهو: أن القلب إذا كان خالصًا صريحًا فإن الشيطان يُسَلَّط عليه، حتى يوقعه إما في شِرك، وإما في شكٍّ، وكلما كان الإنسان أصرح إيمانًا فإن الشيطان يزيد في ضربه بسهامه وتشكيكاته، وغير ذلك، فلتكن على حذر، وأعرض عن هذا وانتهِ عنه، واستعذ بالله منه؛ فإنه لا يضرك؛ ولهذا كثيرًا ما نسمع من يشتكي هذه الحال، فنقول له كما قال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «اسْتَعِذْ بِاللَّهِ -أيش؟- ثُمَّ انْتَهِ».
اسْتَعِذْ بِاللَّهِ، هذا لجوء إلى الله فيما لا يمكنك، لا يمكن أن يخلِّصك من الشيطان إلا الله عز وجل، فاستعذ بالله، وانْتَهِ، هذا فيما يمكنك فعله، انتهِ بمعنى: أعرض عن هذا، لا تفكِّر فيه، أنت ذاهب الآن تصلي، لو سألك سائل: لماذا ذهبت تصلي؟ لقلت: إيمانًا بالله، وابتغاءً لفضله، ولا عندي في هذا شك.
إذن ما يورده الشيطان على قلبك لا تلتفت إليه، بكل سهولة تعرف كيف تتخلص؛ بأنك ما جئت إلى المسجد، ولا توضأت، ولا تركت الطعام والشراب والنكاح في صومك، إلا وأنت مؤمن بالله عز وجل، ومؤمن بثوابه، وخائف من عقابه، بمثل هذه الأمور يمكن أن يستعين الإنسان على طرد هذه الوساوس، وإلا فإن الإنسان إذا استرسل معها ربما تهلكه.
لكن -الحمد لله- أن الرسول صلى الله عليه وسلم أعطانا هذا الدواء الناجع؛ أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، ثم أنتهي، وأنظر إلى عملي الذي أنا فيه، أقبل على عملي؛ إن كان عبادة فعبادة، وإن كان أمرًا دنيويًّا فأمرًا دنيويًّا، المهم أن أتغافل عن هذا الشيء، وأن لا أسترسل معه؛ لأنك إن استرسلت معه هلكت، مع أنه وسواس لا حقيقة له، ومن ثم جاءت الآية: وَهُوَ مُؤْمِنٌ، فوطِّن نفسك على الإيمان، ولا يكن في قلبك شيء من الشرك؛ لأنه بكل بساطة تقول للنفس: أنا لماذا توضأت؟ لماذا صليت؟ لماذا صمت؟ لماذا أديت الصدقة؟ وما أشبه هذا.
ومن فوائد الآية الكريمة: علُوُّ منزلة من اتصف بهذه الصفة، وهو: العمل الصالح مع الإيمان، يؤخذ من قوله: فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ.
ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أنه يجوز لنا أن نشهد لكل من عمل صالحًا وهو مؤمن أنه في الجنة؛ لأن هذا خبر من الله، والله تعالى لا يخلفه.
فإن قال قائل: وهل نشهد لكل واحد بعينه؟ فالجواب: لا؛ لأن هناك فرقًا بين العموم والخصوص، وبين الإطلاق والتقييد، فلا نشهد لأحد بعينه إلا من شهد له رسول صلى الله عليه وسلم بذلك، أو شهد له الله، فإننا نؤمن بهذا، نقول: فلان في الجنة، فمثلًا أزواج الرسول عليه الصلاة والسلام هل نشهد أنهن في الجنة؟ نعم؛ لأنهن زوجاته في الآخرة، فيكنَّ معه، فنشهد لهنَّ بالجنة، وكذلك العَشرة، ثابت بن قيس بن شماس، بلال، وعبد الله بن سلَام، وغيرهم، كل من شهد له الرسول بعينه نشهد له بعينه، وأما إذا لم يشهد له بعينه، فإننا نشهد له على سبيل العموم.
كذلك الكفر نفس الشيء، نقول: من ذبح لغير الله فهو كافر مشرك، لكن هل تشهد لكل إنسان ذبح لغير الله بأنه مشرك؟ لا؛ لأنه قد يكون عن جهل، أو عن تأويل، أو ما أشبه ذلك، ففرق بين التعيين والتعميم، وبين الإطلاق والتقييد، وهذه المسألة قَلَّ من يتفطن لها، يأخذ العمومات ثم يطبقها على كل فرد، وهذا غير صحيح، يمكن هذا الذي حكمنا بأنه مؤمن حسب الظاهر لنا، يمكن يكون من أهل النار؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم: «إِنَّ الرَّجُلَ لَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ الْجَنَّةِ، فِيمَا يَبْدُو لِلنَّاسِ، وَهُوَ مِنْ أَهْلِ النَّارِ» .
وكذلك بالعكس، ربما يكون هذا الرجل يعمل ما يقتضي أن يكون كافرًا لكنه لا يدري وهو ينتسب للإسلام، ويقول إنه مسلم يصلي ويزكي ويصوم ويحج، لكن عنده خصلة شرك لا يعلم عنها، هذا لا نقول: إنه من أهل النار، بل نقول: من فعل هذا فهو من أهل النار، لكن هذا الرجل بعينه لا، لاحتمال -ما ذكرت لكم- الجهل أو التأويل.
ومن فوائد الآية الكريمة: نفي الظلم، وَلَا يُظْلَمُونَ نَقِيرًا، ومن الذي يمكن أن يظلم؟ الله عز وجل، يمكن أن يظلم قدرًا، لكن شرعًا وحكمة لا يمكن، فيكون قوله: وَلَا يُظْلَمُونَالظلم مَنفيٌّ عمن؟ عن الله الذي بيده الجزاء، هذا النفي هل هو نفي لشيء مستحيل، أو نفي لشيء ممكن؟
طالب: الثاني.
الشيخ: الثاني؛ إذ لو كان لشيء مستحيل لم يكن كمالًا؛ لأن انتفاء المستحيل ليس بكمال، هو منتفٍ، لكن شيء ممكن، إلا أنه لكمال عدل الله أيش؟ غير ممكن، وعلى هذا فهو ممكن قدرًا، لو شاء الله لعذَّب من لا يستحق التعذيب، لكن حسب حكمة الله ورحمته يكون غير ممكن.
***
طالب: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، وَمَنْ أَحْسَنُ دِينًا مِمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ وَاتَّبَعَ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا (١٢٥) وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطًا (١٢٦) وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّسَاءِ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ وَمَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ فِي يَتَامَى النِّسَاءِ اللَّاتِي لَا تُؤْتُونَهُنَّ مَا كُتِبَ لَهُنَّ وَتَرْغَبُونَ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ..
الشيخ: الوقف أولى هنا وَتَرْغَبُونَ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ.
الطالب: وَتَرْغَبُونَ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الْوِلْدَانِ وَأَنْ تَقُومُوا لِلْيَتَامَى بِالْقِسْطِ وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِهِ عَلِيمًا (١٢٧) [النساء: ١٢٥ - ١٢٧].
الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله تبارك وتعالى: وَمَنْ أَحْسَنُ دِينًا مِمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ وَاتَّبَعَ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا، (مَن) هنا اسم استفهام، والمراد به النفي، وقد قلنا عدة مرات: إن النفي إذا جاء بصيغة الاستفهام كان أبلغ مما لو أتى بصيغة النفي الصريحة؛ وذلك لأنه إذا أتى بصيغة الاستفهام صار مُشْرَبًا معنى التحدي، أي كأن المتكلم يقول: ائتني بأحسن من كذا، ائتني بأظلم ممن افترى على الله كذبًا، وما أشبه ذلك.
وقوله: دِينًاهنا منصوبة على التمييز؛ لأنها وقعت بعد اسم التفضيل.
فإذا قال قائل: هي تمييز لأي شيء؟ قلنا: لكلمة أَحْسَنُ؛ لأن أَحْسَنُمبهمة لا ندري إلى شيء تضاف، فإذا جاءت بعدها كلمة منصوبة فهي مميِّزة لها مبيِّنة لها، والدين هنا بمعنى العمل، وإنما قلنا ذلك؛ لأن الدين يُطلَق بمعنى الجزاء، مثل قول الله تعالى: مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ [الفاتحة: ٤]، وبمعنى العمل كما في هذه الآية، وكما في قوله تعالى: لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ [الكافرون: ٦]، وكما في قوله تعالى: الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ [المائدة: ٣].
إذن دِينًاأي: عملًا، فالعمل الذي يبتغي عاملُه بذلك مقابلةً يسمى دينًا.
مِمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ، أَسْلَمَالإسلام بمعنى الإخلاص، أي: فوَّض أمره إلى الله عز وجل، وهذا يعني الإخلاص في القصد.
وَهُوَ مُحْسِنٌجملة حالية من (مَن) في قوله: مِمَّنْ أَسْلَمَ، والإحسان هنا: الموافقة للشريعة، فيكون في الآية هنا دليل على شَرْطَي العبادة، وهما: الإخلاص، والمتابعة، فالإخلاص في قوله: مِمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ، والمتابعة في قوله: وَهُوَ مُحْسِنٌ؛ لأن إحسان العمل هو موافقته الشريعة.
وَاتَّبَعَ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا، هذه جملة معطوفة على ما سبق للتوكيد المعنوي؛ لأن مِلَّة إبراهيم عليه الصلاة والسلام هي الإخلاص والقيام بالشريعة، فتكون هذه الجملة كأنها مؤكِّدة لما سبق ومتضمِّنة له.
وقوله: إِبْرَاهِيمَهو أبو الأنبياء؛ لأن الأنبياء من بعده كانوا من ذريته، وفيها قراءتان: إِبْرَاهِيمَو{إِبْرَاهَامَ}، أي: إبدال الياء ألفًا، وإذا أبدلت الياء ألفًا لزم فتح الهاء.
وقوله: حَنِيفًايحتمل أن يكون حالًا من فاعل اتَّبَعَ، وأن يكون حالًا من إِبْرَاهِيمَ، أفهمتم؟ وأيهما أرجح؟ الأرجح الثاني؛ لقوله تعالى: ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ [النحل: ١٢٣]، ومن المعلوم أنه إذا كان إبراهيم حنيفًا وأُمِرْنَا باتباع مِلَّته فإننا سوف نكون حنفاء.
وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا، الواو هنا استئنافية وليست عاطفة، فكأنه عز وجل استأنف ليبين مرتبة إبراهيم الذي أمرنا باتباعه؛ لأن الله اتخذه خليلًا، والخليل هو ذو المحبة الخالصة، وسُمِّي بذلك؛ لأن المحبة شملت جميع جسده حتى تخللت عروقه، وفي ذلك يقول الشاعر:
| قَدْ تَخَلَّلْتِ مَسْلَكَ الرُّوحِ مِنِّي | وَبِذَا سُمِّيَ الْخَلِيـــــــــــلُ خَلِيــــــــــــــــــــلَا |
في هذه الآية فوائد: أولًا: الحث على الإخلاص؛ لقوله: مِمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ.
ومنها: الحث على المتابعة؛ لقوله: وَهُوَ مُحْسِنٌ.
ومن فوائدها: أنه لا أحد أحسن دينًا ممن هذا وصفه، وعلى هذا فلو قال النصارى: إنهم أحسن دينًا من المسلمين، ماذا نقول؟ نقول: هذا كذب؛ لأنه فُقِد منهم الإخلاص والمتابعة جميعًا، فالنصارى معلوم أنهم يقولون بالتثليث، وهم أيضًا لم يتبعوا شريعة الله؛ حيث كفروا بمحمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم.
ومن فوائد الآية الكريمة: فضيلة إبراهيم عليه الصلاة والسلام، حيث أُمِرْنَا باتباعه، وهذا يعني أنه إمام؛ ولهذا يطلِق عليه العلماء اسم أو لقب: إمام الحنفاء.
ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن الله اتخذ إبراهيم خليلًا، وهذه مَنْقَبَة له عظيمة؛ أن الله اتخذه خليلًا، وهل اتخذ غيره؟ نعم، وهو رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم: «إِنَّ اللَّهَ اتَّخَذَنِي خَلِيلًا كَمَا اتَّخَذَ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا» .
ومن فوائدها: الإشارة إلى أن الخلة أعلى رتبة من المحبة؛ لاختصاص إبراهيم بها ومحمد صلى الله عليه وسلم، ولو كانت بمعناها أو في مرتبتها لكانت ثابتة لجميع من يستحق المحبة، ومن المعلوم أنه لا يصح أن تقول: إن الله اتخذ المؤمنين أخلَّاء؛ لأن الخلة خاصة، ومن ثم نعلم خطأ من يقول: إبراهيم الخليل ومحمد الحبيب؛ لأن هذا تنقُّص للرسول عليه الصلاة والسلام؛ حيث أنزل مرتبته من الخلة إلى المحبة التي يشترك فيها حتى المؤمن المتقي المقسط الصابر.
ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات أفعال الله عز وجل؛ لقوله: وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا، والاتخاذ حادث بعد وجود سببه، وهذه ما يعبِّر عنها أهل العلم بقيام الحوادث بالله عز وجل، أي: بأنه تبارك وتعالى يفعل ما يريد متى شاء، خلافًا لمن قالوا: إنه لا تقوم به الأفعال الاختيارية، وأنه لا يتجدد له فعل؛ لا كلام، ولا خلق، ولا غيره، ولا شك أن هذا قول باطل، ومضمونه نقص الله عز وجل؛ حيث لا يفعل ما يشاء متى شاء.
ثم قال عز وجل: وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطًا، سبحانه وتعالى.
لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِالجملة هذه خبرية مكوَّنة من مبتدأ وخبر، قُدِّم فيها الخبر لفائدة الحصر وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ، لا يشاقُّه أحد في ذلك، قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِنْ شِرْكٍ وَمَا لَهُ مِنْهُمْ مِنْ ظَهِيرٍ (٢٢) وَلَا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ [سبأ: ٢٢، ٢٣]، فلله ما في السماوات وما في الأرض.
وهنا قال: مَا فِي السَّمَاوَاتِ، ولم يقل: من في السماوات، قال بعضهم: تغليبًا لغير العقلاء؛ لأن (مَن) في اللغة العربية يؤتى بها للعقلاء، أي: لذوي العقول، و(ما) لغير العقلاء، وغير العقلاء من المخلوقات أكثر من العقلاء، ويحتمل أنه أتى بـ (ما) ليعم ذلك الأشخاصَ والأوصاف؛ لأن تعيين (من) للعقلاء و(ما) لغير العقلاء إنما هو في الأعيان، لكن (ما) للأعيان والأوصاف، ألا ترى إلى قوله تعالى: فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ [النساء: ٣]، حيث قال: مَا، ومعلوم أن النساء من ذوي العقول، لكن لما كانت المنكوحة لا تُنْكَح لعينها إنما تنكح لما قام بها من أوصاف، والأوصاف معاني وليست عقلًا، قال: فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ، وهذا القول أرجح من القول الأول، أعني: أن مَا فِي السَّمَاوَاتِإنما أتى بـ (ما) دون (من) ليعم أيش؟ الأشخاص والأوصاف.
مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِفي بعض الآيات يقول: مَا فِي السَّمَاوَاتِ والْأَرْضِ [الحديد: ١] والظاهر -والله أعلم- أن هذا من باب تنوع السياق والأساليب؛ لأن المعنى لا يختلف؛ إذ إن المعطوف له حكم المعطوف عليه فإذا قال: مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِفهو كما لو قال: مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ، والتنوع في السياق جاء في القرآن كثيرًا، كما يظهر للإنسان عندما يتلو القصص التي وردت في القرآن لعدة رسل يجد اختلاف التعبير كثيرًا.
وَمَا فِي الْأَرْضِ وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطًاكان الله محيطًا بكل شيء، (كان) هنا منزوعة الدلالة على الزمان؛ لأنها لو بقيت دالَّة على الزمان لكانت إحاطة الله تعالى بكل شيء إحاطة سابقة ماضية، مع أنه لم يزل ولا يزال محيطًا بكل شيء، ولكنها تأتي هنا في مثل هذا السياق لبيان ثبوت الحكم، فيكون هذا كقوله تعالى: وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا [النساء: ١٥٢] ليس المعنى: أن الله تجدد له المغفرة والرحمة، وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا [النساء: ٩٢] ليس العلم والحكمة يتجدد له، وليس ماضيًا فُقِد، بل هذا لأيش؟ لتوكيد اتصافه بهذا الوصف.
وقوله: بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطًاأيّ إحاطة؟ كل شيء، محيطًا به علمًا وقدرة، وسمعًا، وبصرًا، وتدبيرًا، وغير ذلك من معاني ربوبيته عز وجل.
وفي هذه الآية الكريمة: عموم ملك الله، تؤخذ؟
طالب: تقدير الفعل.
الشيخ: لا، من (ما) الموصولة؛ لأن جميع أسماء الموصول تفيد العموم.
ومنها: اختصاص ملك ما في السماوات والأرض بالله عز وجل، يؤخذ من تقديم الخبر؛ لأن تقديم ما حقه التأخير أيش؟ يفيد الحصر.
ومن فوائد هذه الآية: أن السماوات ذوات عدد، يُستفاد منين؟ من أين يؤخذ؟
طالب: السماوات جمع.
الشيخ: من السَّمَاوَاتِالتي هي جمع، فما هذا العدد؟ هذا بُيِّنَ في القرآن والسنة، قال الله تبارك وتعالى: قُلْ مَنْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ السَّبْعِ وَرَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ [المؤمنون: ٨٦]، وَبَنَيْنَا فَوْقَكُمْ سَبْعًا شِدَادًا [النبأ: ١٢]، وكذلك جاءت السنة، وأجمع الناس على ذلك.
ومن فوائد هذه الآية: أن الأرض واحدة؛ لقوله: وَمَا فِي الْأَرْضِ، ولم يقل: وما في الأرضين، فتكون الأرض واحدة، أعرفتم؟
طالب: (...)؟
الشيخ: نعم، هذا ظاهر اللفظ، لكن هذا الظاهر قد بُيِّنَ في مواضع أن المراد بالإفراد هنا الجنس لا الوحدة، أي: جنس الأرض، وجاءت السنة صريحة بأن الأرضين سبع، وجاء القرآن ظاهرًا بأن الأرضين سبع، ففي السنة: «مَنِ اقْتَطَعَ شِبْرًا مِنَ الْأَرْضِ ظُلْمًا طُوِّقَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنْ سَبْعِ أَرَضِينَ» ، وفي القرآن في ظاهره: اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ [الطلاق: ١٢]، فالمماثلة هنا يحتمل أن تكون في الصفة، ويحتمل أن تكون في العدد، والاحتمال الأول ممتنع لظهور الفرق بين السماوات والأرض، فيبقى الاحتمال الثاني وهو المماثلة في العدد.
من فوائد الآية الكريمة: إحاطة الله تعالى بكل شيء؛ لقوله: وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطًا.
يترتب على هذه الفائدة فائدة مسلكية مهمة وهي: أنك إذا علمت إحاطة الله بكل شيء خِفْتَ منه وخشيته وراقبته؛ لأنه مهما كنت في أي مكان فالله محيط بك، فإذا آمنت بهذا خِفت رب العالمين المحيط بكل شيء.
هل ينبني على ذلك خوف الله في القلب؟ نعم؛ لأن الله محيط، حتى فيما في قلبك هو محيط به عز وجل.
ثم قال تعالى: وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّسَاءِ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ، يَسْتَفْتُونَكَ: يسألونك الإفتاء، والإفتاء هو الإخبار عن حكم شرعي، هذا الإفتاء، وهو تبيين للحكم وليس إلزامًا به، وبهذا يفرَّق بين القضاء وبين الإفتاء، القضاء: تبيين الحكم الشرعي والإلزام به؛ لأن القاضي يقول للخصمين: الحق معك يا فلان، وهذا تبيين للحق، فاقضِه لخصمك، هذا أيش؟ هذا الإلزام، المفتي لا يستطيع أن يُلْزِم حتى لو أفتى، لكن هل يجب أن يُلتَزَم بما يفتِي به؟ فيه تفصيل؛ قال العلماء رحمهم الله: إذا سأل المستفتي عالِمًا مطمئنًّا لقوله..





