وبهذا يفرق بين القضاء وبين الإفتاء، القضاء تبيين الحكم الشرعي والإلزام به؛
لأن القاضي يقول للخصمين: الحق معك يا فلان -وهذا تبيين للحق- فاقضه لخصمك، هذا
أيش؟ هذا الإلزام، المفتي لا يستطيع أن يلزم حتى لو أفتى، لكن هل يجب أن يُلْتَزَمَ
بما يفتي به؟ لا، فيه التفصيل.
قال العلماء رحمهم الله: إذا سأل المستفتي عالمًا
مطمئنًا لقوله، معتقدًا أن قوله الحق فإنه يلزمه العمل به ولا يستفتي غيره؛ لأن
الله قال: اسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ [النحل: ٤٣]، والفائدة من سؤالهم الأخذ بما يقولون، وإلَّا
لكان ذلك عبثًا، نعم، لو أنك -هذه الحقيقة من الفوائد لكن كيف فاتت علينا- نعم لو
أنك استفتيت عالمًا في قرية ليس عندك أحد في نظرك أعلم منه، وفي نيتك أنك إذا وصلت
إلى المدينة التي يكثر فيها العلماء سألت، في هذه الحالة أنت ملتزم بفتوى هذا
العالم التزاما مقيدًا أو موقتًا، فلك أن تسأل إذا وصلت إلى الموارد
العذبة.
وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّسَاءِ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ [النساء: ١٢٧]، الله أكبر، المستفتَى رسول الله
والمفتِي هو الله؛ لأن ما يفتي به رسول الله هو ما يفتي به الله عز وجل، قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ، ولم يبين الله عز وجل
الاستفتاء على أي شيء يقع، هل المراد يَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّسَاءِفي تزويجهن في التزوج منهن، في تمكينهن من البيع، الشراء، في أي
شيء، لكن الآية نزلت لسبب معلوم، وهو أنه يشكل عليه أن يكون عند الرجل أمرأة يتيمة،
من عمه أو ما أشبه ذلك، فيظلمها، ويحجزها لنفسه، أو يحجزها لابنه أو ما أشبه ذلك،
فيظلمها، فأشكل عليهم هذا الأمر فسألوا الرسول صلى الله عليه وسلم، ماذا نعمل،
فأفتاهم الله: قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ وَمَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِيعني يفتيكم فيهن، يعني القرآن يفتي لأنه كلام
من؟ كلام الله عز وجل، والواو هنا عاطفة لكنها ليست عطف مغايرة، وذلك لأن الكتاب هو
الطريق الذي نتوصل به إلى معرفة فتوى الله سبحانه وتعالى، إذ إن الله ليس يتكلم
ويفتي لكنه يتكلم بالقرآن فتكمن به الفتوى، فالعطف هنا ليس مغايرة تامة؛ لأن ما في
الكتاب هو الوثيقة التي تدلنا على فتوى الله عز وجل.
وَمَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِالمراد بـالْكِتَابِهنا القرآن، و(أل) فيه للعهد الذهني، فِي يَتَامَى النِّسَاءِ اللَّاتِي لَا تُؤْتُونَهُنَّ مَا كُتِبَ لَهُنَّ وَتَرْغَبُونَ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ [النساء: ١٢٧]، اليتيمة عنده لا
يؤتيها ما كُتِب لها، لا يعطيها ما كُتِب لها، يأتي الخاطب الكفء أي الذي يجب أن
يُعطى، ولكنه يملك فلا يؤتيهن ما كتب لهن، يمنع محابة لنفسه؛ لأنه يرغب أن ينكحها،
وهنا قال: تَرْغَبُونَ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ، فأي
الحرفين نقدر أَ(في) أم (عن)؟
طلبة: (في).
الشيخ: ترغبون في نكاحهن أو عن نكاحهن؟
طلبة: (في).
الشيخ: نقول: الآية
محتملة وهذا من بلاغة القرآن وإيجاز القرآن؛ لأنه قد يكون راغبا عنها فلا يريدها،
لكنه لا يريد أن تكون لغيره، وقد يكون راغبا فيها فلا يريد أن تكون لغيره، فتكون
الآية شاملة للأمرين جميعا.
وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الْوِلْدَانِ [النساء: ١٢٧]، يعني: ويفتيكم الله، وَمَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ [النساء: ١٢٧] في المستضعفين من
الولدان، ما حالهم وما شأنهم؟ وهل يأثمون بترك الهجرة مثلا؟ وهل يجوز ظلمهم؟ فكل ما
يتعلق بشأنهم أفتى الله به وبينه.
قال: وَأَنْ تَقُومُوا لِلْيَتَامَى بِالْقِسْطِ [النساء: ١٢٧]، هذه الآية الظاهر أن التقدير
فيها: وأوجب عليكم أن تقوموا لليتامى بالقسط، واليتامى جمع يتيم، وهو الذي مات أبوه
قبل بلوغه، أي قبل بلوغ الوالد أو الولد؟
طلبة:
الولد.
الشيخ: ما هو الوالد؟
طلبة: الولد.
الشيخ: لماذا لا يكون
الوالد؟
طلبة: (...).
الشيخ: نعم، بإتيان الولد له يدل على بلوغه ولا بد، إذن قول
العلماء: هو من مات أبوه قبل بلوغه، لا شك أن الضمير يعود على الولد.
وَأَنْ تَقُومُوا لِلْيَتَامَى بِالْقِسْطِالقسط هو العدل،
من قَسَطَ يَقْسِط قَسْطًا والاسم القِسْط، والمراد به العدل، وأما الإقساط فالمراد
الجور، المراد به الجور، ولهذا إذا كانت من الثلاثية لها معنى، وإن كانت من
الرباعية لها معنى آخر، فأقسط أي جَارَ، وقَسَطَ عَدَل، نعم أخطأنا، أَقْسَط عَدَل،
وقَسَط جار، ولهذا قال الله عز وجل: إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ [المائدة: ٤٢]، وقال: وَأَمَّا الْقَاسِطُونَ فَكَانُوا لِجَهَنَّمَ حَطَبًا [الجن: ١٥] وَأَنْ تَقُومُوا لِلْيَتَامَى بِالْقِسْطِ، أي بالعدل،
بالعدل في كل شيء حتى في مخالطتكم إياهم في الطعام؛ لأن الصحابة تورعوا عن مخالطة
اليتامى في الطعام فأباح الله لهم ذلك، عرفتم، فيكون هذا في كل شأن اليتامى وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِهِ عَلِيمًا(ما) هنا شرطية أو موصولة؟
طالب:
شرطية.
الشيخ: شرطية، بدليل قرن جوابها
بالفاء.
وقوله: وَمَا تَفْعَلُوا؛ أي مِنْ خَيْرٍيشمل أي خير، سواء كان متعديا أو لازمًا، وسواء
كان خيرًا ماليًّا أو خيرا علميًّا أو بدنيًّا أو أي خير، فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِهِ عَلِيمًاهذه جملة الجواب،
واقترنت بالفاء لأن الجملة اسمية، وكلما كان جواب الشرط جملة اسمية وجب قرنه
بالفاء، ولكنها قد تحذف قليلا على حد قول الشاعر:
| مَنْ يَفْعَلِ الْحَسَنَاتِ اللَّهُ يَشْكُرُهَا | ........................ |
والأصل: فَالله يشكرها، فإن قال إنسان: إن الفاء سقطت هنا للضرورة، قلنا: لا ضرورة؛ لأن البيت لو قيل فيه: (من يفعل الحسناتْ فالله يشكرها) سَكَّنَ التاء، لم يكن ضرورة، وعلى كل حال فقد تحذف الفاء في جواب الشرط لكنها نادرة.
فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِهِ عَلِيمًا، عليمًا حين يُفعَل أو قبل أن يُفْعَل؟
طلبة: فيها الاثنان، يا شيخ.
الشيخ: قبل وبعد؛ لأن علم الله تعالى سابق على المعلوم، بخلاف الخلق، فإنه مقارن للمخلوق، طيب، إذا قلنا: إنه شامل العلم فما الجواب عن قول الله تبارك وتعالى: وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِينَ [محمد: ٣١]، حَتَّى نَعْلَمَ؛ لأن (حتى) هنا للتعليل، وَلَنَبْلُوَنَّكُمْيعني: نختبرنكم، لنعلم الصابرين، ما هو الجواب؟
طالب: عِلْمُ الله قسمان (...).
الشيخ: يعني علم الله قسمان؛ علم سابق على الفعل، وعلم لاحق، فالمعنى: حتى نعلم علما يكون به الشيء ظاهرًا فنعلمه بعد وقوعه هذا وجه، وجه آخر أن المراد به العلم الذي يترتب عليه الجزاء، ولهذا قال: وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ، والعلم الذي يترتب عليه الجزاء لا يكون إلا بعد الفعل، أليس كذلك؟ وهذا الوجه أوضح وأرجح، ويفهمه كل إنسان، أن نقول: إن علم الله نوعان: عِلْم بأن الشيء سيقع، وهذا سابق، وعِلْم بأنه وقع وهذا هو الذي يترتب عليه الجزاء.
وقوله: وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِهِ عَلِيمًا، لم يقل: فإن الله يجازيكم، كما هو المتوقع، يقال: إن ذكر العلم فيه فائدة، وهو أنه لا يُضيع لكم أي خير كان؛ لأن علم الله محيط به، فيكون هذا المعلوم ثابتا لكم، ومن المعلوم من آيات أخرى كثيرة أن الله تعالى يقول: مَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ (٧) وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ [الزلزلة: ٧، ٨].
طالب: أحسن الله، إليكم قلت: يلزم المستفتي العمل بالفتوى إذا اطمئن القلب للعالم، وإن كثيرًا من الناس لا يطمئنون إلى أهل الصلاح، ولا سيما في بلاد القبوريين، وتطمئن قلوبهم إلى أهل البدع والأهواء، فهل هؤلاء لا يُلزمون بفتوى أهل الصلاح؟
الشيخ: هؤلاء -بارك الله فيك- استَفْتَوا جُهَّالًا، وكلامنا على من استفتى عالمًا، أما من استفتى جاهلًا فهؤلاء الكفار يقولون: إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ [الزخرف: ٢٢]، ولا يقبلون الحق، وأظن قلنا: من استفتى عالمًا، (...) ولَّا لا؟
طلبة: نعم.
طالب: قوله تعالى: وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ [آل عمران: ١٠٩]، شيخ، في السماوات بعض الفلكيين وبعض العلماء قسم السماوات إلى أقسام، وجاء بأماكن من غير تدليل..
الشيخ: أيش؟
الطالب: جاء بأماكن من غير تدليل، فيقول: مثلًا الغلاف الجوي في السماء الأولى، والشمس في الثانية، والقمر ثالثة، هكذا، فهذا هل يرد عليه ويكذبون، ويقال: هذا كفر وزعم خاوٍ؟
الشيخ: ما فيه شك، وهذه الطبقات اللي هم يقولون: كلها تابعة للأرض، لكنها لا شك تختلف بحسب قربها من الأرض وبعدها منها.
طالب: قول الله جل وعلا: وَمَنْ أَحْسَنُ دِينًا [النساء: ١٢٥]، من أسلم، وهو الإخلاص لله جل وعلا وَهُوَ مُحْسِنٌقلنا: يا شيخ، بالمتابعة، ألا يكون مفهوم الآية الكريمة أن ممن لم يفز أو لم يتبع النبي صلى الله عليه وسلم متابعة ألا يكون -يا شيخ- ممن لم يحسن دينًا؟
الشيخ: الكلام هنا على أن المسلمين جمعوا بين الإخلاص والمتابعة، والمتابعة قد تكون تامة وقد تكون ناقصة، فيكون الحسن الذي للمتابع بحسب متابعته.
طالب: شيخ أحسن الله إليكم، في قوله تعالى: وَأَنْ تَقُومُوا لِلْيَتَامَىالواو عاطفة؟
الشيخ: لا، الظاهر أنها معطوفة على شيء مقدر، يعني: وأمركم أن تقوموا لليتامى بالقسط.
طالب: أحسن الله إليك، في شرح قوله تعالى: بِالْقِسْطِ، قلنا: القسط هو العدل، من قسط يقسط، وأخيرًا قلنا: من (أَقْسط)؟
الشيخ: نعم، لا من (أَقْسط يُقسط)، هذا الصواب.
طالب: أحسن الله إليك، إن قال لنا قائل: أليس التفضيل بين الفاضل والمفضول..؟
الشيخ: أليس أيش؟
الطالب: التفضيل (أحسن)..
الشيخ: أليس أيش؟
الطالب: فعل التفضيل (أحسن) بين الفاضل والمفضول، فلو قال لنا قائل: هذه الآية نفهم أن الذي لم يسلم وجهه لله وهو محسن، يقولون: أيضًا فيه فضل.
الشيخ: فيه خير.
الطالب: فيه خير، فهل هذا صحيح يا شيخ؟
الشيخ: هل يلزم هذا؟ أليس الله تعالى يقول: أَصْحَابُ الْجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا وَأَحْسَنُ مَقِيلًا [الفرقان: ٢٤]، وأين الخيرية في مستقبل أهل النار؟
الطالب: ليس فيه خير.
الشيخ: أبلغ من هذا آللَّهُ خَيْرٌ أَمَّا يُشْرِكُونَ [النمل: ٥٩]، فأتى باسم التفضيل ثم طلب المعادلة.
طالب: قول الله تبارك وتعالى وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ، شيخ الكافر يبتلى بالخير، والمؤمن يبتلى بالشر؟
الشيخ: لا، بل حتى المؤمن يبتلى بالخير ويبتلى بالشر، قال الله تعالى: وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً [الأنبياء: ٣٥]
الطالب: أقول: أبغي أنزل التفسير على هذا..
الشيخ: أيهم، الابتلاء بالخير كما قال سليمان: هَذَا مِنْ فَضْلِ رَبِّي لِيَبْلُوَنِي أَأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ [النمل: ٤٠]، والابتلاء بالشر هو أن الله يبتلي الإنسان بالشر ليعلم هل يصبر أو لا يصبر.
طالب: شيخ، حديث سعيد: «مَنِ اقْتَطَعَ شِبْرًا مِنَ الْأَرْضِ طَوَّقَهُ اللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى فِي سَبْعِ أَرَضِينَ» ، أقول: قد يقول قائل فيه دلالة غير ظاهرة؛ لأن سبع أرضين هنا قد قال النبي صلى الله عليه وسلم: «سَبْع أَرَضِينَ» لتعظيم المنذر ضبط الذال؟
الشيخ: أيش؟
الطالب: لتعظيم المنذر؟
الشيخ: لتعظيم أيش؟
طالب: المنذر.
الشيخ: إي، الأصل خلافه.
***
طالب: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّسَاءِ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ وَمَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ فِي يَتَامَى النِّسَاءِ اللَّاتِي لَا تُؤْتُونَهُنَّ مَا كُتِبَ لَهُنَّ وَتَرْغَبُونَ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الْوِلْدَانِ وَأَنْ تَقُومُوا لِلْيَتَامَى بِالْقِسْطِ وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِهِ عَلِيمًا [النساء: ١٢٧].الشيخ: الحمد لله رب العالمين، أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله تبارك وتعالى: وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّسَاءِ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّما هو الاستفتاء؟
طالب: الاستفتاء؟
الشيخ: ما هو الاستفتاء؟
طالب: هو طلب الفتوى.
الشيخ: طلب الفتوى، وما هي الفتوى؟
الطالب: الإخبار عن حكم..
الشيخ: شرعي، دون؟ دون الإلزام به؛ لأن الإلزام إلى القضاء، هل يصح أن نخبر عن الله بأنه مفتٍ؟
طالب: نعم.
الشيخ: نعم، الدليل؟
الطالب: قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ.
الشيخ: قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ، وكذلك يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلَالَةِ [النساء: ١٧٦].
قوله: وَمَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ(ما) معطوفة على أيش؟ على لفظ الجلالة ولّا جملة؟
الطالب: على لفظ الجلالة.
الشيخ: على لفظ الجلالة، من عنده وفاق أو خلاف في هذا؟ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ وَمَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ؟ الجواب: أنها الجملة معطوفة على الجملة الأولى، فـمَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ(ما) مبتدأ، وخبره محذوف، تقديره: وما يتلى عليكم في الكتاب يفتيكم فيهن، ولا يصح أن يكون معطوفا على لفظ الجلالة؛ لأن الجملة الأولى استكملت قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ، فيكون ما بعدها جملة معطوفة على جملة، عرفتم؟
قوله: فِي يَتَامَى النِّسَاءِهذه الإضافة من باب إضافة..
طالب: إضافة..
الشيخ: فِي يَتَامَى النِّسَاءِ.
الطالب: إضافة بيان.
الشيخ: نعم؟
الطالب: إضافة بيان.
الشيخ: إضافة بياني؟!
الطالب: كما هو عينه.
الشيخ: إي، لكن من باب إضافة أيش؟
الطالب: يعنى الإضافة البياينة، تسمى إضافة البيان.
الشيخ: من إضافة الشيء إلى جزئه أو إلى كله أو إلى مباينه؟
الطالب: لا، إلى نفسه.
الشيخ: إلى نفسه؟ إذن كيف يكون لنفسه؟
الطالب: يتامى هي النساء..
الشيخ: من باب إضافة الصفة إلى الموصوف.
ما المراد بقوله: اللاتي لا تؤتونهن ما كتب لهن؟
طالب: المهر.
الشيخ: نعم، وكان بعضهم يبخس اليتيمة التي تكون تحت ولايته فلا يعطيها ما كُتب لها.
قوله: وَتَرْغَبُونَ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّبماذا نقدر الحرف المحذوف؟
طالب: يحتمل أن يكون (عن) ويحتمل أن يكون (في).
الشيخ: نعم هل يختلف المعنى؟
الطالب: إن كانت (عن) فهو ما يريد أن ينكحها، ولكنه يأخذها إما حسدًا أو يأخذها غيرة.
الشيخ: طيب.
الطالب: وإن كان (في) فيكون يريدها لنفسه ولكنه يبخسها حقها من المهر.
الشيخ: فلا يعطيها المهر الواجب، تمام.
قوله: وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الْوِلْدَانِمعطوفة على أيش؟
طالب: وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الْوِلْدَانِمعطوفة على يُفْتِيكُمْ، قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ وَمَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِيعني والمستضعفين من الولدان معطوف على النساء.
الشيخ: يستقيم المعنى؟ فِي يَتَامَى النِّسَاءِوَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الْوِلْدَانِ؟
الطالب: ممكن يكون مفعولًا، والفعل محذوف.
الشيخ: من يعرف؟
طالب: فِي يَتَامَى النِّسَاءِ.
الشيخ: فِي يَتَامَى النِّسَاءِ؛ وما يتلى عليكم في الكتاب في يتامى النساء، وما يتلى عليكم في الكتاب في المستضعفين من الولدان، نعم، ويجوز لكن على بعد أن يكون معطوفا على الضمير في قوله: فِيهِنَّ، أي: وفي المستضعفين من الولدان.
قوله: وَأَنْ تَقُومُوا لِلْيَتَامَى بِالْقِسْطِمعطوف على أيش؟
طالب: معطوف على يُفْتِيكُمْ.
الشيخ: يفتيكم (أن تقوموا)؟
الطالب: معطوفة على فعل محذوف؛ توجب عليكم..
الشيخ: يعني أنَّ (أنْ) مصدرية، والعامل فيها محذوف، أي: ويأمركم أن تقوموا لليتامى بالقسط، فيكون هذا من باب عطف الجملة على الجملة.
وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِهِ عَلِيمًا، لماذا وقعت الفاء في خبر المبتدأ وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِهِ عَلِيمًا؟
طالب: قلنا: إنها شرطية.
الشيخ: على أن (ما) شرطية، وإذا جعلناها موصولة؟
الطالب: حذف..
الشيخ: أيش؟
الطالب: تحذف الفاء.
الشيخ: لا، ما يمكن يحذف، قرآن هذا، إذا جعلناها موصولة فكيف وقعت الفاء في خبر المبتدأ؟
الطالب: اسم موصول يشبه (...).
الشيخ: اسم الموصول يشبه اسم الشرط في العموم، فأعطي حكمه من بعض الوجوه، ما هو من كل وجه فيرتبط خبره بالفاء.
من فوائد هذه الآية الكريمة: حرص الصحابة رضي الله عنهم على معرفة الأحكام الشرعية؛ لقوله: يَسْتَفْتُونَكَ، ولكن يجب أن نعلم أن استفتاء الصحابة لرسول الله صلى الله عليه وسلم استفتاء متطلب للحكم ليقوم به ويعمل به، ولهذا إذا علموا بالأحكام عملوا بها، بخلاف بعض الناس اليوم يستفتي لينظر ما عند العالم، ثم إن شاء عمل به وإن شاء استفتى عالمًا آخر، وهذا الأخير يعتبر متلاعبًا بدين الله عز وجل؛ لأنك إذا استفتيت عالمًا فإنك قد جعلته الواسطة بينك وبين الله، وجعلت ما يفتيك به هو الطريق إلى الله عز وجل، فإذا كنت إن جاز لك واتبع هواك أخذت بفتواه وإلا طلبت غيره، فهذا هو الذي يتبع هواه، ولهذا قال العلماء رحمهم الله: من تتبع الرخص صار فاسقًا.
ومن فوائد هذه الآية الكريمة: اعتناء الصحابة بشأن النساء، بل اعتناء الله عز وجل فوق ذلك بشأنهن، لقوله: وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّسَاءِ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ، فالمستفتِي الصحابة، والمفتي هو الله عز وجل، والواسطة بين المفتي والمستفتِي مَن؟ الرسول عليه الصلاة والسلام، وهذا يدل على عناية الشرع بالنساء، وبناء على هذا نعلم أن كل ما شرعه الشرع من أحكام النساء فإنه في مصلحتهن، حتى وإن ظن السفهاء والأغبياء أنه هضم لحقهن وظلم فإنهم خاطئون.
ومن فوائد هذه الآية الكريمة: الرجوع إلى ما في كتاب الله عز وجل، وأن ما في الكتاب من الفتوى صادر من عند الله، لقوله: وَمَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ، وهو كذلك؛ لأن الكتاب مرسوم من الله عز وجل، هو الذي تكلم به، وأنزله على محمد صلى الله عليه وسلم، وأمره أن يبلغه الناس، وهو نفسه تبارك وتعالى تكفل ببيانه فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ (١٨) ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ [القيامة: ١٨، ١٩].
ومن فوائد هذه الآية الكريمة: العناية بيتامى النساء، في الأول العناية بالنساء عمومًا، وهذا أخص، العناية بيتامى النساء؛ لأن يتيمة النساء اجتمع في حقها الضعف من حيث الجنس؛ لأن جنس النساء أضعف من الرجال، والضعف من حيث فقد العائل وهو مَن؟
طلبة: هو الأب.
الشيخ: الأب، فلهذا أوصى الله بها بعناية.
ومن فوائد هذه الآية الكريمة: جبروت أهل الجاهلية، حيث سلطوا جام ظلمهم على هؤلاء اليتامى من النساء، بحيث لا يؤتونهن ما كتب لهن ويتحكمون فيهن أيضًا وفي مصيرهن، لقوله: اللَّاتِي لَا تُؤْتُونَهُنَّ مَا كُتِبَ لَهُنَّ وَتَرْغَبُونَ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ.
ومن فوائد الآية الكريمة أيضًا: أن مهر المرأة مفروض لها؛ لقوله: مَا كُتِبَ لَهُنَّ، وهذا كقوله تعالى: وَآتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ [النساء: ٤]، وعلى هذا فصاحب المهر هو المرأة، وليس ولي المرأة، ولو كان أباها، المهر إليها، تقديره عددًا وتعيينه جنسا، ولها أن تبرئ منه إذا كانت عاقلة رشيدة.
ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أنه يجوز للإنسان أن يتزوج مَوْلِيَّتَه ؛ لأن هؤلاء اليتامى تحت ولاية هؤلاء الذين يرغبون أن ينكحوهن، وهو أحق الناس بتزويجها، فإذا أراد أن يتزوجها فهل نقول: إنه لا يجوز لأنه ولي يعامل نفسه لنفسه، كما لا يجوز للوكيل أن يشتري من ماله لموكله أو من مال موكله له؟ الجواب: لا، بمعنى أنه يجوز لولي اليتيمة إذا كانت تحل له أن يتزوجها، لكن عليه تقوى الله ألا يظلمها ولا يهضمها، ولكن كيف يعقد النكاح إذا كان هو الولي؟ يأتي بشاهدين، ويقول: أشهدكم أني زوجت نفسي ابنة عم بالولاية الشرعية، يقول: قبلت، ولًَّا ما يحتاج؟
ما يحتاج يقول: وأني قبلت ؛ لأن هذا إيجاب تضمن القبول، ولهذا قال النبي عليه الصلاة والسلام لصفية: «إِنِّي أَعْتَقْتُكِ وَجَعَلْتُ عِتْقَكِ صَدَاقَكِ» ، ولم يحتج إلى إيجاب ولا قبول لأن المعنى مفهوم.
ومن فوائد هذه الآية الكريمة: العناية بالمستضعفين من الولدان ؛ لأن المستضعف من الولدان سواء كان لصغره أو لمرضه أو لجنونه أو لغير ذلك، من الأسباب التي صار فيها ضعيفا، العناية به لا شك أنها دليل على رحمة الإنسان، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: «ارْحَمُوا مَنْ فِي الْأَرْضِ يَرْحَمْكُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ» ، وقال: «الرَّاحِمُونَ يَرْحَمُهُمُ الرَّحْمَنُ» ، ولهذا من أكبر أسباب حصول الرحمة في القلب هو الإشفاق على الصغار والضحك إليهم وإدخال السرور عليهم؛ فإن الإنسان يجد رقة ورحمة في قلبه، لو بقي يدرس مجلدات لإيصال الرحمة إلى قلبه ما حصل له ذلك.
وانظر إلى معاملة الرسول صلى الله عليه وسلم للصغار، فمرة ركبه الحسن وهو ساجد يصلي بالناس، وتأخر في القيام من السجود، وأخبر الناس بعد سلامه أن ابنه ارتحله، وأنه أحب أن يقضي نهمته ، ارتحله يعني جعله راحلة؛ لأنه رآه ساجدًا متهيئًا، والصبي صبي، ركب عليه جعله راحلة له، فأقره النبي عليه الصلاة والسلام، مع أنه لو جاء أحد أئمة الناس اليوم جاء ابنه وركبه لنفضه نفضًا ما ينزله تنزيلًا -نسأل الله العافية- وهذا غلط.
كذلك أمامة بنت زينب كانت تبكي فخرج بها صلى الله عليه وسلم إلى المسجد، وجعل يحملها في الصلاة ، ولما خرج الحسن والحسين وعليهما ثياب يعثران بها نزل من المنبر وحملهما بين يديه ، والأمثلة على هذا كثيرة، كان يقول: «يَا أَبَا عُمَيْرٍ ، مَا فَعَلَ النُّغَيْرُ ؟» ، يمازحه، يدخل السرور عليه، ولو أننا مشينا على هذه الآداب لحصل في هذا خير كثير، اللهم اهدنا.
من فوائد هذه الآية الكريمة: وجوب القيام لليتامى بالقسط، وهذا أمر عام يجب على كل إنسان أن يقوم لله شهيدًا بالقسط، لكن اليتامى لهم أمر خاص يعدل بينهم؛ لأن اليتيم يتيم ليس له من يدافع عنه، وربما يأكله وليُّه من حيث لا يشعر، ولهذا أوصي بهم.
ومن فوائد الآية الكريمة: أن كل ما عملناه من خير قليل أو كثير فإن الله يعلمه، ويترتب على هذه الفائدة: الحذر من الإخلال بالواجب؛ لأنه إذا كان يعلم الخير الذي نعمله فهو يعلم أيضًا ما لا نعمله من الخير.
وفيها أيضا، الآية الكريمة: الحث على الخير؛ لأنك إذا علمت أن الله يعلمه، وأنه سيجازيك عليه، نشطت وقويت همتك وفعلت.
ثم قال الله تعالى: وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا نُشُوزًا أَوْ إِعْرَاضًا فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يُصْلِحَا بَيْنَهُمَا صُلْحًا} [النساء: ١٢٨] إِنِ امْرَأَةٌكيف نعرب امرأة؟
طالب: مبتدأ.
الشيخ: مبتدأ، (إِنْ) ما تدخل على الجملة الاسمية؟
طالب: أحيانا تكون مخففة وأحيانا لا تكون.
الشيخ: (إنْ) مخففة من الثقيلة، والتقدير: وإنَّ امرأة، المخففة هي التي يحل محلها إنَّ.
طالب: (امرأة) فاعل لفعل محذوف.
الشيخ: والتقدير؟
الطالب: إن خافت امرأة.
الشيخ: وإن خافت امرأة، أنت أظنك بصريًّا؟
الطالب: (...).
الشيخ: بصري المذهب، مذهب النحو؟
الطالب: ما بعرفه.
الشيخ: إي، طيب، فيه قول آخر؟
الطالب: فاعل (يخاف).
الشيخ: أيش؟ فاعل؟
الطالب: خاف، فاعل لفعل محذوف.
الشيخ: فاعل؟! هذا اللي قاله، فاعل لفعل محذوف يفسره ما بعده، يعني: وإن خافت امرأة من بعلها نشوزًا.
طالب: أقول: سؤال يا شيخ. قول الكوفيين: (وإن امرأة) مبتدأ، وما بعدها خبر؟
الشيخ: وما بعدها خبر؛ لأنهم يجوزون دخول الشرط على الجملة الاسمية.
الثالث: أن (امرأة) فاعل مقدم، وهذا أيضا للكوفيين، وعلى هذا يقول: امْرَأَةٌفاعل خَافَتْمقدمًا، ولا مانع، وكما أسلفنا من قبل أقول: إنه إذا اختلف النحويون فإننا نتبع الأسهل من أقوالهم؛ لأنه أسهل، والله سبحانه وتعالى يحب السهولة، إذن امْرَأَةٌإن شئنا قلنا: فاعل مقدم، وإن شئنا قلنا: مبتدأ، ولا مانع من أن تكون الجملة اسمية بعد أداة الشرط.
وَإِنِ امْرَأَةٌامرأة هذه نكرة في سياق الشرط، فتكون عامة، والمراد المرأة المتزوجة، خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَاأي: من زوجها، كما قال الله تعالى: أَأَلِدُ وَأَنَا عَجُوزٌ، يقول عن امرأة إبراهيم: أَأَلِدُ وَأَنَا عَجُوزٌ وَهَذَا بَعْلِي شَيْخًا [هود: ٧٢]، إذن البعل الزوج، نُشُوزًا أَوْ إِعْرَاضًا؛ نُشُوزًايعني: ترفعًا عليها، أَوْ إِعْرَاضًاعنها، وأيهما أشد؟ الإعراض أشد ؛ لأن النشوز مثلًا يخاطبها ويتكلم معها، لكن كلام مستعل عليها مترفع يحتقرها، أما الإعراض فهو معرض عنها لا يكلمها ولا يعاشرها معاشرة بالمعروف، إذا خافت هذا أو هذا، ويمكن أن نقول: إن الإعراض عما يجب، والنشوز فيما يمتنع، يعني يعلو عليها فيعتدي عليها، أو يعرض عنها فلا يقوم بالواجب.
فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يُصْلِحَا بَيْنَهُمَا صُلْحًا، لَا جُنَاحَأي: لا إثم، عَلَيْهِمَاأي: على المرأة وبعلها، أَنْ يُصْلِحَا بَيْنَهُمَا صُلْحًا، وإنما نفى الجناح دفعًا لتوهم المن، فإن المرأة إذا سألت زوجها الطلاق من غير بأس «فَحَرَامٌ عَلَيْهَا رَائِحَةُ الْجَنَّةِ» ، فنفى الله الجناح في المصالحة من أجل أن يصطلحا على ما يشاءان، ولكن إذا لم يصطلحا بأنفسهما وطلبا طرفا ثالثا فهل عليهما جناح؟ الجواب: لا، ليس عليهما جناح، وتأمل الفرق بين هذا، بين نشوز الزوج عن الزوجة ونشوز الزوجة عن الزوج ليتبين لك الحكم إن شاء الله تعالى في الدرس القادم.
وَالصُّلْحُ خَيْرٌهذه جملة عامة في كل شيء، في الحقوق الزوجية وحقوق الرحم وحقوق المصاهرة وحقوق الجوار وحقوق المعاملة، كل شيء، الصلح خير، وهنا لم يقل: الصلح بينهما لإفادة العموم، يعني أن الصلح في كل شيء خير من عدمه، ومن المعلوم أن الصلح قد يتصور الإنسان أن فيه غضاضة عليه، فلهذا قال: وَأُحْضِرَتِ الْأَنْفُسُ الشُّحَّ، يعني أنه عند النزاع وطلب المصالحة تكون الأنفس شحيحة، كل نفس تريد أن يكون الصلح في جانبها وفي مصلحتها، وكأن الله يقول: دعوا هذا الشح الذي أحضرته الأنفس واطلبوا الخير في المصالحة، ولهذا نجد أنه إذا تعقدت الأمور بين شخصين وأردنا أن نصلح نجد أن كل واحد منهما يركب رأسه ويأبى أن يتنازل إلا بعد جهد جهيد.
وَأُحْضِرَتِ الْأَنْفُسُ الشُّحَّ، عندي إشكال، يعني يمكن يرد إشكال في قوله: وَأُحْضِرَتِ الْأَنْفُسُ الشُّحَّ، كيف كانت الشُّحَّمنصوبة وما قبلها مرفوع؟
طالب: مفعول ثان.
الشيخ: مفعول ثان، ولّا ما هي بصفة لأنفس؟ مفعول ثان لأيش؟
الطالب: مفعول ثان لـ(أحضرت).
الشيخ: أَحضَرت، أحضَرت، أين المفعول الأول؟
الطالب: (...).
الشيخ: أنت قلت: أَحضَرت.
الطالب: أحضَرت.
الشيخ: ولّا أُحضِرت؟
الطالب: أحضرت هي أصلها لأن (...).
الشيخ: إي، لكن لفظ الآية أُحْضِرَتِولا أحضَرت؟
الطالب: أُحْضِرَتِ.
الشيخ: أُحْضِرَتِ، إذن الْأَنْفُسُنائب الفاعل، والشُّحَّمفعول ثانٍ.
وَإِنْ تُحْسِنُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا، إن تحسنوا فيما بينكم بفعل المطلوب وَتَتَّقُوابترك المحظور فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا، وسيجازيكم على الإحسان وعلى ما اتقيتموه، ويأتي إن شاء الله بقية الكلام على الآية.
طالب: شيخ، ذكر النحويون إذا كان بين المضاف والمضاف إليه حرف جر (من) يسمونه إضافة بيانية، إذا كان اللام يسموه إضافة اختصاص (...).
الشيخ: اصبر، كَمّل، وإذا كان فيه؟
الطالب: وإذا كان فيه فهو (...).
الشيخ: إذا كان فيه فهي فيه؟
الطالب: إذا كان فيه هو إضافة الشيء إلى نفسه.
الشيخ: لا، إذا كان فيه من إضافة الشيء إلى؟
الطالب: إلى محله.
الشيخ: لا.
الطالب: نسيت هذا.
الشيخ: إلى أيش؟
طالب: إلى ظرفه.
الشيخ: إلى ظرفه: مثاله قوله تعالى: بَلْ مَكْرُ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ [سبأ: ٣٣]، يعني مكر في الليل، وكذلك في النهار، وإذا كانت على التقدير (من) فهي بيانية، والغالب أنها تكون إضافة الشيء إلى نوعه أو جنسه، مثل: خاتمُ حديد، نعم، بابُ خشب، أي: خاتم من حديد، وباب من خشب، وأكثر الإضافات على تقدير؟
طلبة: اللام.
الشيخ: على تقدير اللام، هذا أكثر الإضافات.
طالب: وفيه (...) يا شيخ.
الشيخ: أيش؟
الطالب: فِي يَتَامَى النِّسَاءِ [النساء: ١٢٧].
الشيخ: أي نعم.
الطالب: على تقدير (من).
الشيخ: لا، بس، أنا ما أريد تقدير الإضافة أنا أريد أنه من باب إضافة الصفة إلى موصوف؛ لأن الإضافات لها تعدد في التعلقات، سجود السهو مثلا من باب إضافة الشيء إلى سببه، فهمت؟ كتاب الطالب من باب إضافة المملوك إلى مالكه، وهلم جرا.
الطالب: يعني يا شيخ من إضافة البيانية، وإضافة صفة للموصوف؟
الشيخ: لا، هذا الدليل من حيث التقدير، تقدير حرف الجر الذي قدرت فيه الإضافة يكون (من) يكون (لام) يكون (في).
طالب: (...)؟
الشيخ: أيش؟
طالب: (...)؟
الشيخ: محلها في أيش؟
الطالب: (...).
الشيخ: هذا يفتيك، إذا أردت زيًّا معينًا، قال لك مثلًا، تقول: ما نوع هذا الزي؟ يقول: هذا زي نوعه كذا وكذا، هذا معناه؟
طالب: (...).
طالب: اسم (...) يا شيخ.
الشيخ: يكون هكذا مو مشتق، يمكن لمجرد علم من غير النظر إلى اشتقاقه، يعني يمكن بيحرمون تسمى المفتي.
طالب: فيه في الحجاز المفتي.
الشيخ: أنت ظنيت أن المفتي يعني في العلم؟
طالب: (...).
الشيخ: حمولا، أي نعم.
طالب: أيش معنى حمولة يعني؟
الشيخ: حمولا، يعنى ما هي حمولة سيارة، الحمولا يعنى القبيلة.
***
طالب: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا نُشُوزًا أَوْ إِعْرَاضًا فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يُصْلِحَا بَيْنَهُمَا صُلْحًا وَالصُّلْحُ خَيْرٌ وَأُحْضِرَتِ الْأَنْفُسُ الشُّحَّ وَإِنْ تُحْسِنُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا (١٢٨) وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّسَاءِ وَلَوْ حَرَصْتُمْ فَلَا تَمِيلُوا كُلَّ الْمَيْلِ فَتَذَرُوهَا كَالْمُعَلَّقَةِ وَإِنْ تُصْلِحُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا (١٢٩) وَإِنْ يَتَفَرَّقَا يُغْنِ اللَّهُ كُلًّا مِنْ سَعَتِهِ وَكَانَ اللَّهُ وَاسِعًا حَكِيمًا [النساء: ١٢٨ - ١٣٠].الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، يقول الله عز وجل: وَأُحْضِرَتِ الْأَنْفُسُ الشُّحَّ وَإِنْ تُحْسِنُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا، الإحسان والتقوى، والبر والتقوى، وما أشبه ذلك، إذا أفرد أحدهما عن الآخر شمل الآخر، وإن اقترنا فسر كل منهما بما يليق به، فقوله هنا: إِنْ تُحْسِنُوا وَتَتَّقُوا، الإحسان بفعل الأوامر، والتقوى بترك النواهي، أما إذا أفرد الإحسان فإنه يشمل فعل الأوامر وترك النواهي، وكذلك التقوى إذا أفردت فإنها تشمل هذا وهذا.
وهذا يوجد كثيرا في القرآن، المسكين والفقير إذا أُفرد أحدهما عن الآخر صار أحدهما شاملا للآخر، وإن قُرِنا صار الفقير له معنى والمسكين له معنى، فهما مما إذا اجتمعا افترقا، وإذا افترقا اجتمعا.
يقول: وَإِنْ تُحْسِنُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا، فما هو الإحسان؟ الإحسان في عبادة الله والإحسان في معاملة عباد الله، يجمع الأول قول النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم لجبريل: «الْإِحْسَانُ أَنْ تَعْبُدَ اللَّهَ كَأَنَّكَ تَرَاهُ فَإِنْ لَمْ تَكُنْ تَرَاهُ فَإِنَّهُ يَرَاكَ» ، هذا الإحسان أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك، في المعاملة ما ذكره النبي عليه الصلاة والسلام في قوله: «مَنْ أَحَبَّ أَنْ يُزَحْزَحَ عَنِ النَّارِ وَيدْخلَ الْجَنَّةَ فَلْتَأْتِهِ مَنِيَّتُهُ وَهُوَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلْيَأْتِ إِلَى النَّاسَ مَا يُحِبُّ أَنْ يُؤْتَى إِلَيْهِ» ، الكلام على الجملة الأخيرة: «وَلْيَأْتِ إِلَى النَّاسَ مَا يُحِبُّ أَنْ يُؤْتَى إِلَيْهِ»، هذا الإحسان في معاملة الناس أن تأتي للناس ما تحب أن يؤتى إليك، وبهذا يتحقق الإيمان، «لَا يُؤْمِن أَحَدُكُمْ حَتَّى يُحِبَّ لِأَخِيهِ مَا يُحِبُّ لِنَفْسِهِ» .
أما التقوى هنا فهي تقوى محارم الله أي تقوى المحرمات في حقوق الله وفي حقوق عباد الله، فتجتنب البغي والعدوان والكذب والشرك وغير ذلك، سواء كان في حقوق الله أو في معاملة عباد الله، فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا، بِمَا تَعْمَلُونَ: اسم موصول وصلته، واسم الموصول يفيد العموم.
وعلى هذا فتكون خبرة الله تعالى بكل ما نعمل من ظاهر وباطن وخير وشر وصغير وكبير، كل ما نعمل ؛ لأن (ما) اسم موصول يفيد العموم، وقوله: خَبِيرًاقال العلماء: إن الخبير أخص من العليم، إذ إن الخبير هو الخبير ببواطن الأمور، وإذا كان خبيرا ببواطن الأمور كان خبيرا أو كان عليما بظواهرها.
والغرض من هذه الجملة -التي وقعت جوابا للشرط- الغرض منها الحث، حث النفوس على الإحسان والتقوى ؛ لأنك إذا علمت أن الله خبير بكل ما تعمل أوجب لك أن تخافه فتتقيه، وأوجب لك أن ترجوه فتحسن.
وفي هذه الجملة إشكال، وهو قوله: بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا، فإنها متعلقة بـ(خبير)، أعنى بِمَا تَعْمَلُونَ، وقال العلماء: إن تقديم المعمول يفيد أيش؟ الحصر، وإذا قلنا به في هذه الآية أوجب إشكالًا، وهو أنه لا يكون خبيرًا إلا بما نعمل وما سواه فليس خبيرا به، هذا مقتضى الحصر، فما هو السر في التقديم، هنا هل هو حصر؟
الجواب: لا، لأنا نعلم بأن الله يعلم عز وجل وهو خبير بكل شيء، لكن الحكمة في ذلك شدة التحذير من المخالفة، كأنه قال: لو لم يعلم شيئا لكان عالما بما تعملون، وحينئذ يتأكد علمه جل وعلا بما نعمل، فيكون في ذلك شدة التحذير من المخالفة، هذا هو فائدة أيش؟ التقديم، تقديم المتعلق.
في هذه الآية فوائد، أولًا: عناية الله عز وجل بما يكون بين الزوجين؛ وجهه أن الله ذكر هنا نشوز الزوج، وفي أول السورة نشوز الزوجة، مما يدل على عناية الله تعالى بما يكون بين الزوجين ؛ لأن الزوجين هما الرابطة، الرابطة التي تربط بين الأولاد وتربط أيضا بين الصهر وصهره، وهي أحد النوعين في الربط، كما قال تعالى: وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ مِنَ الْمَاءِ بَشَرًا فَجَعَلَهُ نَسَبًا وَصِهْرًا [الفرقان: ٥٤].
ومن فوائد الآية الكريمة: أن من الأزواج من ينشز عن الزوجة، يترفع عليها، يعرض عنها، لا يجلس إليها ولا يستأنس بها، ويكلمها بأنفه، لقوله: وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا نُشُوزًا أَوْ إِعْرَاضًا.
ومن فوائدها: العمل بالقرائن، من أين يؤخذ؟ من قوله: خَافَتْ، ولم يقل: رأت نشوزا، بل: خَافَتْ، ومن المعلوم أنها لم تخف من النشوز والإعراض إلا بوجود القرائن، والعمل بالقرائن ثابت بالقرآن والسنة، بماذا عمل شاهد يوسف؟
طلبة: بالقرينة.
الشيخ: بالقرينة، إِنْ كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ قُبُلٍ فَصَدَقَتْ [يوسف: ٢٦]، وَإِنْ كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ دُبُرٍ فَكَذَبَتْ [يوسف: ٢٧]، وعمل سليمان عليه الصلاة والسلام في قضائه بين المرأتين بالقرينة حين دعى بالسكين ليشق الولد نصفين ، والأمثلة على هذا كثيرة.
ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أنه يجوز أن يصطلح الزوجان فيما بينهما على ما شاءا، لقوله: فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يُصْلِحَا بَيْنَهُمَا صُلْحًا.
ويتفرع على هذه الفائدة: اطمئنان الزوج فيما لو صالحها على إسقاط حقها أو بعضه، فليطمئن؛ لأن الحق لها، فإذا اصطلحا على أن تبقى عنده ويسقط بعض الحق فلا حرج عليه، والآية هنا فيها أَنْ يُصْلِحَاوقراءة أخرى {أَنْ يَصَّالحَا}، وأصل {يَصَّالَحَا} يتصالحا، فهما قراءتان سبعيتان.
ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أنه يجوز للزوجة عند المصالحة أن تسقط حقها من القَسْم، فإذا قال لها: إنه تزوج زوجة جديدة ورغب عن القديمة، وقال: إما أن تبقي عندي مع إسقاط حقك من القَسْم، وإما فالطلاق، فرضيت بذلك فإنه يجوز ؛ لأن الحق لها، وهو غير مجبر على أن تبقى عنده، فيقول: إما أن تبقي عندي وترضي بإسقاط القسم وإلا طلقتك، ما فيه مانع أن يقول هذا، إن رضيت وقنعت فذلك المطلوب، إن لم ترض طلقها ولا إثم عليه في هذا، لا يقال: إنه أجبرها على التنازل عن حقها بتهديدها بالطلاق، ووجه عدم ورود ذلك أنه له أن يطلق بأي حال من الأحوال، حتى لو كرهها بدون زوجة أخرى فله أن يطلقها ولا مانع، فإذا كان كذلك فإنه لا إثم عليه.
ومن فوائد هذه الآية: أنهما لو تصالحا على إسقاط حقها بعوض، قالت: أنا أسقط حقي من القَسْم، ولكن لا تسقط إلا بعوض، يصلح؟ يصلح، لو قالت: لا أسقط إلا أن تعطيني عن كل ليلة عشرة ريالات يكون عليه في كل شهر؟
طلبة: ثلاث مئة.
الشيخ: لا لا، مئة وخمسون؛ لأن فيه زوجة ثانية وإن جاءت ثالثة نقص، على كل حال إذا وافقت على أن تسقط حقها من القسم بعوض فلا بأس، وقول بعض العلماء: إنه لا يصح بعوض لأن العوض لا بد أن يكون معوضه مالًا، ليس بصحيح؛ لأن الله أطلق قال: أَنْ يُصْلِحَا بَيْنَهُمَا صُلْحًا، وهذا فائدة التنكير في قوله: صُلْحًا؛ لأن معنى صلحا يعني أي صلح كان، وهذا من بلاغة القرآن أَنْ يُصْلِحَاصُلْحًا، يعني أي صلح كان، لو قال: أن يصلح بينهما، ربما يقال: إنه لا بد من قيود وشروط، لكن لما قال: صُلْحًاصار هذا عاما أي شيء يتفقان عليه فلا بأس.
لو اصطلحا على أن يقسم لها يوما وللأخرى يومين؟ صح، إذن لا تقييد في هذا، إلا في شيء واحد، وهو ما جاء في الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم: «الصُّلْحُ جَائِزٌ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ إِلَّا صُلْحًا أَحَلَّ حَرَامًا أَوْ حَرَّمَ حَلَالًا» ، يعني مثلًا لو قال لها، والعياذ بالله: اختاري؛ إما أن أطأك بالدبر وإلا طلقتك، وقالت: ما فيه مانع، هل يجوز هذا الصلح؟
طلبة: لا.
الشيخ: لماذا؟
طلبة: لأنه حرام.
الشيخ: لأنه أحل حراما، فإذا كان يقتضي أن يحل حراما فإنه لا يجوز.
لو اصطلحا على أن يطلق زوجته الأخرى؟
طلبة: لا يجوز.
الشيخ: قالت: لا بأس، لكن طلق الأخرى، فإنه لا يجوز؛ لأنه أحل حراما، إذ إن في هذا عدوانا وظلما، إذن الصلح الذي لا يحل حراما ولا يحرم حلالا جائز مطلقا بلا تقييد.
من فوائد هذه الآية الكريمة: هذه القاعدة العظيمة من الرب الذي هو على كل شيء قدير، وهي الصُّلْحُ خَيْرٌقد يظن بعض الناس أنه إذا غض من نفسه وتنازل عن الحق أن ذلك هضم لحقه، وأن العاقبة غير حميدة، لكن الله عز وجل الذي بيده ملكوت السماوات والأرض يقول أيش؟ الصُّلْحُ خَيْرٌ.
وإن شئت مثالا على ذلك فتدبر صلح الحديبية بين النبي صلى الله عليه وسلم وبين قريش، ظاهر الصلح أن فيه غضاضة عظيمة على من؟ على المسلمين، ولكن الذي بيده ملكوت السماوات والأرض، تحول هذا الصلح بإذن الله إلى خير للمسلمين، من الذي أسقط حق إرجاع المسلم إذا جاء إلى المسلمين من الكفار؟ من؟ قريش الذي هو لها، هي التي أسقطته، ومن الذي أسقط وضع الحرب بينهم عشر سنين؟ قريش؛ لأنها نقضت العهد بمعاونتها لحلفائها على حلفاء النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، فأنت يا أخي لا تنظر للأمور في حاضرها، صدق بوعد الله والعاقبة لك.
هل هنا نقول: الصلح خير فيما بين الزوجين أو نقول: العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب؟
طلبة: الثاني.
الشيخ: الثاني، إذن الصلح في جميع الأحوال خير؛ لأنه يحصل به سماحة النفس والمودة، ولو أدى النزاع إلى التحاكم صار في النفوس بعض الشيء، إذ إن المحكوم عليه سوف يكون في قلبه شيء على خصمه، وربما على القاضي أيضا، وربما على الشهود، فتنتشر العداوة، فإذا وقع الصلح انقاد الجميع عن سماحة نفس واطمئنان.
من فوائد هذه الآية الكريمة: الإشارة إلى أن الصلح ثقيل على النفوس، لكن المؤمن يهون عليه الثقل إذا كان يؤمن بأن الصلح خير، يؤخذ من قوله: وَأُحْضِرَتِ الْأَنْفُسُ الشُّحَّ، بطبيعة الإنسان أنه لن يتنازل عما يريد ولن يتغاضى عن حقه، هذا طبيعة الإنسان، لكن المصالحة التي هي خير لا بد من ثمن يبذل، وهو الضغط على النفس التي أحضرت الشح حتى توافق على الصلح.
ومن فوائد الآية الكريمة: الحث على الإحسان والتقوى، لقول الله تعالى: وَإِنْ تُحْسِنُوا وَتَتَّقُواأكملها.
طالب: وَإِنْ تُحْسِنُوا وَتَتَّقُوا..
الشيخ: سورة النساء، إننا الآن نقرأ في سورة النساء، طيب المقصود بهذا أيش؟ إِنْ تُحْسِنُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ..
طلبة: الحث على..
الشيخ: الحث على الإحسان والتقوى؛ لأن الله قال: كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا.
ومن فوائد الآية الكريمة: عموم علم الله بكل شيء حتى بما نعمل، وهل علم الله بما نعمل علم سابق على عملنا أو لاحق؟
طلبة: سابق.
الشيخ: سابق لا شك أنه سابق ؛ لأن الله سبحانه وتعالى قال: أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِنَّ ذَلِكَ فِي كِتَابٍ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ [الحج: ٧٠].
فإن قال قائل: أليس الله يقول: وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِينَ [محمد: ٣١]، أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ [آل عمران: ١٤٢]؟
قلنا: بلى قال الله هذا، والذي قال هذا هو الذي قال: أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِنَّ ذَلِكَ فِي كِتَابٍ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌإذن كيف نجمع؟
نقول: هنا الطريقة السليمة أن تؤمن بهذا وهذا ولا تحاور أن هناك تعارضا، تقول: نحن نؤمن بأن الله سبحانه وتعالى يعلم ما نعمل من قبل أن يخلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة، بل من قبل ذلك أيضا، لكن الكتابة كانت قبل خلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة، وتؤمن بأن الله تعالى يبتلينا؛ يختبرنا ليعلم، هكذا، لكن قد لا تطمئن النفس إلى الاستسلام المجرد.
فنقول: علم الله سبحانه وتعالى الذي يكون بعد عملنا وبعد اختبارنا علم يترتب عليه الثواب أو العقاب؛ لأنه لا يمكن أن يثاب العبد أو يعاقب إلا إذا امتحن، أما علم السابق فهو سبحانه وتعالى عالم بأنه سبحانه وتعالى يمتحننا، وأننا سنعمل أو نترك، لكن إذا وقع الشيء، الابتلاء والامتحان، ثم خالف الإنسان أو وافق، فهذا هو العلم الذي أيش؟ يترتب عليه الثواب والعقاب، يعني يترتب عليه الجزاء، فهذا هو العلم الذي قيد بالابتلاء والاختبار، وفرق بعض العلماء بفرق آخر، وقال: علم الله سبحانه وتعالى بما لم نعمل عِلْم بأنه سيكون، وعِلْمُه بما عملناه عِلْم بأنه كان، فتعلق العلم الأول بما يكون علم بشيء لم يقع، وتعلق العلم بما كان علم بأنه قد وقع، وهذا لا بأس به، ولكن العمدة الأول.
ومن فوائد الآية الكريمة: أن التهديد يكون باللفظ ويكون بالمعنى، اللفظ أن يقول: إن فعلتم كذا فعليكم كذا، هذا تهديد باللفظ، بالمعنى: هو أن الله تعالى لما ذكر عموم خبرته بما نعمل، فيعني هذا أن لا نخالف حذرا من أن يعلم منا ما لا يرضيه، كما أن الأحكام الشرعية تستفاد بالأمر والنهي والترغيب والترهيب، إذا جاءت الأحكام مقرونة بالترغيب، فهذا دليل على أنها مأمور بها، وإن لم يكن الأمر، وإذا جاء الترهيب علمنا أنها منهي عنها.
ويذكر أن أعرابيا سمع قارئا يقرأ: والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما جزاء بما كسبا نكالا من الله والله غفور رحيم، فقال الأعرابي: ما هكذا الآية، اقرأها؟ فرده، وقال: والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما جزاء بما كسبا نكالا من الله والله غفور رحيم، قال: ما يصير، اقرأ الآية زين، فقرأها الثالثة أو الرابعة، وقال: جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالًا مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ [المائدة: ٣٨]، قال: الآن، الآن أصبت لأنه عز وجل عز وحكم فقطع، بعزته وقهره وغلبته وسلطانه عز، ولحكمته قطع، ولو غفر ورحم ما قطع ، شوف أعرابي.
وهذا القول صحيح، ولهذا قال العلماء رحمهم الله: لو تاب قاطع الطريق قبل القدرة عليه سقط عنه الحد، لو تاب قاطع الطريق الذي أخذ أموال الناس وقتلهم سقط عنه الحد، واستدلوا لذلك بقوله تعالى: إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ [المائدة: ٣٤]، لم يقل: لا ترفع عنهم العقوبة، ما قال هكذا، لكن كونه يأمرنا بأن الله غفور رحيم يعني أنه غفر لهؤلاء ورحمهم فتسقط عنهم العقوبة، لكن العقوبة الخاصة بحق الله، أما العقوبة الخاصة بحق الآدمي كالقصاص وضمان المال الذي أخذوه فهذه باقية؛ لأنها حق الآدمي.
طالب: شيخ، بارك الله فيكم لو تتكرمون بمعنى لفظ وَالصُّلْحُ خَيْرٌ وَأُحْضِرَتِ الْأَنْفُسُ الشُّحَّ، ما معناهما؟ أقول: المعنى واضح يا شيخ لكن ما معنى وَأُحْضِرَتِ الْأَنْفُسُ الشُّحَّ؟
الشيخ: لما قال: وَالصُّلْحُ خَيْرٌ، وكان الصلح لا بد أن يكون هناك غض من الحق، وغضاضة على الإنسان لأنه لو جاءه الإنسان كل ما يريد فات على الآخر كل ما يريد، الصلح لا بد من اثنين فصاعدا، لو أعطينا الإنسان كل ما يريد فات على الآخر كل ما يريد، وإذا أعطيناه بعض ما يريد فقد يشح يقول: ليش أتنازل؟ خلّ نروح للقاضي إما كذا ولّا كذا، ما هو وارد؟ هذا معنى قوله: وَأُحْضِرَتِ الْأَنْفُسُ الشُّحَّيعني معناه: اغلبوا أنفسكم واصطلحوا، وإن طلبت النفس حقها كاملا.
طالب: تقدير العبارة (...) وَأُحْضِرَتِ الْأَنْفُسُ الشُّحَّمن الذي..
الشيخ: الأنفس أحضرها الله، لكن الله تعالى إذا أضاف إلى نفسه الشيء المذموم يأتي بصيغة اسم المفعول، يعني أحضر الله الأنفس الشح بطبيعتها، انظر إلى قول الجن، الجن لا يكون أفقه من -أقول منك؟ ما فيه مانع؟
الطالب: لا، ما فيه مانع.
الشيخ: وَأَنَّا لَا نَدْرِي أَشَرٌّ أُرِيدَ بِمَنْ فِي الْأَرْضِ أَمْ أَرَادَ بِهِمْ رَبُّهُمْ رَشَدًا [الجن: ١٠]، قالوا: أُرِيدَ بِمَنْ فِي الْأَرْضِتأدبا مع الله عز وجل، ومعلوم أن المريد هو الله عز وجل، وفي الرشد؟ أَمْ أَرَادَ بِهِمْ رَبُّهُمْ رَشَدًا، أضافه إلى الله؛ لأنه خير، يعني كان الله عز وجل لو قال: وأحضر الله الأنفس الشح، استقام الكلام، لكن لما كان الشح أمرا مذموما قال: وَأُحْضِرَتِ الْأَنْفُسُ الشُّحَّ، فالأنفس نائب فاعل قائمة مقام المفعول الأول، والشُّحَّهو المفعول ثاني.
طالب: شيخ بارك الله فيكم، قلنا: إن الآية فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا، هنا فيه تقديم للمعمول على العامل، وهو يكون إشكالا، وهو يصير أن الله عز وجل لم يعلم إلا ما نعمل، فجواب الإشكال ما فهمته؟
الشيخ: قلنا: إن هذا من باب التهديد، يعني كأنه لا معلوم لله إلا هذا العمل، فيكون هذا حصرا إضافيًّا لتهديد هؤلاء المخاطبين.
طالب: بارك الله فيكم، ذكرنا أن الصلح جائز ما لم يحل حراما، الصلح..
الشيخ: أو يحرم حلالًا.
الطالب: يرد إشكال، وهو أنه إذا أسقط القسمة للمرأة، الزوجة، وبين أمره سبحانه وتعالى بالعدل بين الزوجات، نقول: كيف..؟
الشيخ: لماذا أمر بالعدل؟ بحق من؟
الطالب: الزوجة.
الشيخ: إذا أسقطته؟
الطالب: قد يكون هذا..
الشيخ: لا أبدا ما فيه إشكال، أَوْفُوا الْكَيْلَ إِذَا كِلْتُمْ [الإسراء: ٣٥] وجوبا، لكن إذا رضي صاحب الحق بأن يقول: كِلْ لي ربع الصاع، يجوز أو ما يجوز؟
الطالب: يجوز.
الشيخ: يجوز.
طالب: هل القسم للزوجة واجب؟
الشيخ: أيش؟
الطالب: القسم للزوجة.
طلبة: القسم، هل هو واجب؟
الشيخ: القصد؟
طالب: القسم.
الشيخ: القسم معلوم، واجب، يجب على الزوج أن يقسم لزوجاته بالسوية، وسيأتي في الآية التي بعدها، وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّسَاءِ [النساء: ١٢٩]، إن شاء الله تعالى.
الطالب: أحسن الله إليكم، هل ما يكون العلم بالإيمان بالله جل وعلا المترتب بعد العمل ما يكون للبينة والتمحيص لقوله: لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ وَيَحْيَى مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ [الأنفال: ٤٢]؟
الشيخ: اقرأ اللي قبلها؟ يعني أن الله بين لنا الأشياء لأجل أن يهلك من هلك عن بينة ويحيا من حي عن بينة، هذا يتعلق بالمخلوق، يعني هذه الحكمة هو أن المخلوق تقوم عليه الحجة ولا يبقى له عذر، ما لها تعلق بالعلم.
طالب: بين النشوز والإعراض؟
الشيخ: أيش؟
الطالب: النشوز والإعراض؟
الشيخ: نعم.
الطالب: شيخ، النشوز قلنا: ترفعه عنها، والإعراض هو أن يعرض عنها، هل بينهما جامع؟
الشيخ: النشوز في ترك واجب والإعراض في فعل محرم.
طالب: تكلمتم على ختم، أو مناسبة ختم قول الله تعالى: نَكَالًا مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ، وما هي مناسبة الختم بقوله تعالى: إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ [المائدة: ١١٨].
الشيخ: سؤال وارد، يقول: إن الله تعالى قال عن عيسى إنه قال لله عز وجل: إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ، ولم يقل: فإنك أنت الغفور الرحيم، هل أحد منكم عنده جواب؟
طالب: أن الله عز وجل كان في الوقت غضبان.
الشيخ: أيش؟
الطالب: أنه كان في هذا الوقت غضبان.
الشيخ: الرب عز وجل.
الطالب: تأدب عيسى مع الله عز وجل فذكر العز والحكمة.
طالب: شيخ، يقول: وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ، فمغفرتك لهم لا تقتضي العقاب، وتقتضي (...) الله عز وجل بعد مغفرته وعفوه.
الشيخ: نعم.
طالب: شيخ، الحلم والمغفرة تكون بعد المقدرة، فإذا كان عيسى عليه السلام أراد أن يثبت لله عز وجل المغفرة، وأنه إذا غفر لهم ليس عن ضعف.
الشيخ: الآية هي في الحقيقة ما هي المغفرة المحضة، إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ، فهما أمران تعذيب ومغفرة، وكلاهما إذا اجتمعا يقتضيان العزة والحكمة ؛ لأن من الحكمة أن يغفر الله تعالى لمن شاء ومن العزة أن يعذب من شاء، فلما كانت الآية ليست في موضوع واحد ختمت بما يصلح لهذا وهذا.
طالب: أحسن الله إليكم، هل يصح بأن نقول بأن..
***
طالب: تفضيل بدليل أن الفعل الذي هو (...).الشيخ: كيف؟
الطالب: هل يصح أن نقول بأن (ما) بقوله تعالى: وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍأنها شرطية بدليل حذف نون الـ..
الشيخ: بس الآية ما هذه، مو هذا لفظ الآية، اللي عندنا وَإِنْ تُحْسِنُوا وَتَتَّقُوا.
طالب: لا، الآية التي قبلها.
الشيخ: كيف؟
الطالب: الآية التى قبلها بدليل إن ما الموصولة بدليل اقتران (...).
الشيخ: لا، هي ما تفعل، ويتعين اسم شرط بدليل الجزم، ثم قلنا: إنها موصولة فهو وهم أو سبق لسان، شرطية لا شك.
طالب: فيه سؤال يا شيخ.
***
الشيخ: أما من جهة الجرائد والصحف التي يعنى معدة أو أكثر شأنها التصوير فهذه لا يجوز أن تبقى في البيت، وأما التي تأتي الصورة فيها إما صورة صاحب المقال أو ما أشبه ذلك هذه الصور فيها غير مقصودة، ولا تضر إن شاء الله.أنا أشدد في مسألة الملاحظات هذه؛ لأن الإنسان ينبغي له إذا عمل عملا أن يتقنه، أهم شيء.
***
طالب: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّسَاءِ وَلَوْ حَرَصْتُمْ فَلَا تَمِيلُوا كُلَّ الْمَيْلِ فَتَذَرُوهَا كَالْمُعَلَّقَةِ وَإِنْ تُصْلِحُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا (١٢٩) وَإِنْ يَتَفَرَّقَا يُغْنِ اللَّهُ كُلًّا مِنْ سَعَتِهِ وَكَانَ اللَّهُ وَاسِعًا حَكِيمًا [النساء: ١٢٩، ١٣٠].
الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله تبارك وتعالى: وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا نُشُوزًا أَوْ إِعْرَاضًا فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يُصْلِحَا بَيْنَهُمَا صُلْحًا، هذه انتهينا منها بفوائدها.
يقول: وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّسَاءِ وَلَوْ حَرَصْتُمْ.
لَنْهذه للنفي، فهي نافية، وللنصب تنصب الفعل المضارع، وللاستقبال يعني تجعل الفعل المضارع لمحض الاستقبال، ويقابلها (لم) فإنها تجعل الفعل المضارع للمضي، فإذا قلت: لم يقم زيد، فهذا فيما مضى، وتشترك مع (لن) في النفي، وتختلف عنها في العمل وفي نقل الفعل من الحاضر والمستقبل إلى الماضي.
لَنْ تَسْتَطِيعُواأي: لن يكون في طاقتكم، أَنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّسَاءِ، أَنْ تَعْدِلُواهنا فعل المضارع دخلت عليه أن المصدرية، ويؤول ما بعد (أن) بمصدر ليكون في هذه الآية مفعولا لقوله: لَنْ تَسْتَطِيعُوا، أي لن تستطيعوا عدلا بين النساء ولو حرصتم، والعدل ضد الميل.
فَلَا تَمِيلُوا كُلَّ الْمَيْلِ فَتَذَرُوهَا كَالْمُعَلَّقَةِ؛ لما جاء قوله تعالى: فَلَا تَمِيلُوا كُلَّ الْمَيْلِانتفى الإشكال الوارد في قوله تبارك وتعالى: فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً [النساء: ٣]، فيفسر ما في الآية الماضية على أن لا تعدلوا العدل الممكن ؛ لأن العدل غير الممكن لا يمكن أن يكلف به الإنسان.
وقوله: وَلَوْ حَرَصْتُمْ، (لو) هذه شرطية وفعل الشرط حَرَصْتُمْ، فأين جواب الشرط؟ قيل: إن جواب الشرط محذوف يدل عليه ما قبله، والتقدير: ولو حرصتم فلن تستطيعوا، وقيل: والصواب (لو) و(إن) وما شابهها من أدوات الشرط في مثل هذا السياق لا تحتاج إلى جواب، بل هي كالقيد لما سبق فقط، فلا تحتاج إلى جواب، وهذا القول هو الذي رجّحه ابن القيم فيما أظن، وهو الصحيح، أنه في مثل هذا لا يحتاج إلى جواب، فإذا قلت: أكرم زيدا إن أكرمك، فلا تقل: إن جواب الشرط في (إن أكرمك) محذوف دل عليه ما قبلها، بل قل: لا يحتاج إلى جواب، بل هذا قيد فيما سبق فقط.
وَلَوْ حَرَصْتُمْ؛ أي: بذلتم الجهد للعدل، فلن تستطيعوا، ولكن لَا تَمِيلُوا كُلَّ الْمَيْلِ، ولم يقل: فلا تميلوا الميل، قال: كُلَّ الْمَيْلِ، أي: فلا تميلوا الميل كله، وأما بعض الميل فلا حرج؛ لأنه داخل في نفي الاستطاعة.
فَتَذَرُوهَا كَالْمُعَلَّقَةِ(تذروها) الضمير يعود على من؟ على التي مال إليها أو التي مال عنها؟
طلبة: عنها.
الشيخ: التي مال عنها لا شك ؛ لأن التي مال إليها قد أقبل إليها وأكرمها، لكن التي مال عنها هي التي إذا أعرض الإعراض الكلي صارت كالمعلقة بين السماء والأرض، وهذا إشارة إلى أنها لم تستقر، فإن المعلق بين السماء والأرض لا يستقر، لا هو في السماء فيستقر ولا في الأرض فيستقر، هذه المرأة التي مِيلَ عنها كل الميل ستبقى معلقة؛ ليست أَيِّمة ولا متزوجة، يعني ليس هو الذي طلقها واستراحت ورزقها الله غيره ولا هي المزوجة التي تسعد بالزواج كغيرها، وإنما شبهها الله بذلك تنفيرا عن الميل الكلي الذي يجعل هذه المرأة كالمعلقة.
وَإِنْ تُصْلِحُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا، هنا قال: وَإِنْ تُصْلِحُوا وَتَتَّقُوا، وفي الآية التي قبلها قال: وَإِنْ تُحْسِنُوا وَتَتَّقُوا، والفرق أن هذا له زوجتان إحداهما مال عنها كل الميل، والثانية أقبل عليها، ومثل هذا سوف يُحْدِث شقاقا بين الزوجتين، فلهذا قال: وَإِنْ تُصْلِحُواإشارة إلى أنه ينبغي أنه إن حدث بين الزوجتين شقاق وغيره فليصلح بينهما؛ لأن هذا أمر فطري، ثم قال: وَتَتَّقُوايعني تتقوا في الإصلاح بحيث لا تميلوا إلى واحدة دون الأخرى فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا.





