يغفر ما حصل من الشقاق والميل وما أشبه ذلك، رَحِيمًا [النساء: ١٢٩] أي: ذا رحمة واسعة.
في هذه الآية الكريمة فوائد كثيرة، منها: أن الله سبحانه
وتعالى نفى الحرج عن الإنسان حتى في معاملته لغيره؛ لقوله: وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا، وهذا خبر عن أمر فطري
يستلزم رفع الجناح؛ لأن القاعدة الشرعية أن ما لا يستطاع لا يلزم به
العبد.
ومنها: علم الله سبحانه وتعالى بأحوال
العباد ونفسياتهم؛ لقوله: وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّسَاءِ، وهذا أمر معلوم بالضرورة؛ أن الله سبحانه وتعالى يعلم
كل شيء حتى ما يوسوس به الإنسان في نفسه.
ومنها، من
الفوائد: أن الإنسان يجب عليه العدل فيما يستطيع؛ لأن الله نفى الاستطاعة
لرفع الحرج فيها، ومفهومه أنه إذا استطاع الإنسان فإنه يجب أن يعدل، وقد سبق ما
يعدل به بين النساء، وأنه يجب العدل بينهما في كل شيء، بين النساء في كل شيء يقدر
عليه، أما المحبة وما ينشأ عنها فهذا أمر صعب فلا يكلّفه الإنسان.
ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن الإنسان لا ينبغي أن يكلف
نفسه ما لا يستطيع ويشق عليها؛ لقوله: وَلَوْ حَرَصْتُمْ، فكأنه قال: لا تكلفوا أنفسكم بشيء لا تستطيعونه.
ومن فوائد هذه الآية الكريمة: تحريم الميل الكلي بالنسبة
للعدل بين الزوجات؛ لقوله تعالى: فَلَا تَمِيلُوا كُلَّ الْمَيْلِ.
ومن فوائد هذه الآية الكريمة:
أنه ينبغي للإنسان في خطابه أن يستعمل كل ما يكون فيه التنفير فيما ينفر منه أو
الترغيب فيما يرغب فيه؛ لأن هذا من أسلوب الحكمة؛ لقوله: فَتَذَرُوهَا كَالْمُعَلَّقَةِ.
ومنها، من فوائد هذه الآية: الاستعطاف في المقام الذي ينبغي
فيه العطف؛ لأنه إذا تصور الإنسان أن هذه الزوجة التي مال عنها كالمعلقة بين السماء
والأرض فإن هذا يوجب العطف عليها والرأفة بها ورحمتها.
ومن
فوائد الآية الكريمة: أن الصلح والتقوى سبب للمغفرة؛ لقوله تعالى: وَإِنْ تُصْلِحُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا، وهو كذلك، يعني أعني وهو كذلك أن وجهه ظاهر؛ لأن الإصلاح خير،
والْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ [هود: ١١٤]
ولأن الإصلاح خير والحسنات يجلبن الرحمة.
ومن فوائد هذه
الآية الكريمة: إثبات اسمين من أسماء الله عز وجل، وهما: الغفور الرحيم،
فبالمغفرة يزول المكروه، وبالرحمة يحصل المطلوب، ولهذا يقرن الله تعالى بين الغفور
والرحيم في مواضع كثيرة؛ لأن بالمغفرة أيش؟
الطلبة:
يزول المكروه.
الشيخ: يزول المكروه، وبالرحمة يحصل
المطلوب، كيف ذلك؟ المغفرة مغفرة الذنوب وإزالة آثارها، الرحمة حصول المطلوب
والمحبوب، ولهذا سمى الله الجنة سماها رحمة فقال لها: «أَنْتِ
رَحْمَتِي أَرْحَمُ بِكِ مَنْ أَشَاءُ» .
وهل المغفرة صفة حقيقية أو هي عبارة عن رفع المؤاخذة والعقوبة؟
الجواب: صفة
حقيقية تقتضي رفع المؤاخذة والعقوبة، وكذلك يقال في الرحمة: هل هي صفة حقيقية يتصف
الله بها أو هي عبارة عن الإحسان والإنعام وجلب المصالح ؟
الجواب: الأول، هذا ما
عليه السلف الصالح وأئمة هذه الأمة من بعدهم، وأما من قال: إن الله لا يوصف
بالمغفرة ولا بالرحمة فقد ضل ضلالًا مبينًا، وحجته عقلية، وهمية حقيقة، ما هي
عقلية؛ لأنه يقول: المغفرة تقتضي فعلًا، والفعل من صفة أو من سمات المحدثين؛ لأنه
بزعمه لا يقوم الحدث إلا بحادث، وبزعمه أن الرحمة لا تليق بالله؛ لأن فيها رقة
وانفعالًا للمرحوم، وهذا لا يليق بالله عز وجل. ومعلوم أن هذا قياس في مقابلة النص،
وأنه يشبه تمامًا قياس إبليس حين خاطبه الله عز وجل وأمره بالسجود، قال: أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ [الأعراف: ١٢]، يعني فأنا خير منه كيف أسجد وهو دوني، فمن حكّم العقل
في مقابلة النص فإنه يشبه إبليس تمامًا، وفعله من وحي إبليس، نحن نقول: الرحمة التي
هي الرقة والانفعال للرفق بالمرحوم إنما هي رحمة من؟ رحمة العبد، أما رحمة الله
فإنها تابعة لذات الله، لا نستطيع أن نكيفها.
وأما قوله: إن العقل لا يدل عليها؛
فنقول: هذا خطأ، العقل يدل عليها مَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ [النحل: ٥٣]، هذه النعم كلها من آثار الرحمة، لولا رحمة
الله ما أنعم على عباده بشيء، والعجيب أنهم يستدلون على ثبوت الإرادة بأمر لا يفهمه
بعض الطلبة، فضلًا عن العامة، وينكرون إثبات الرحمة بالعقل، مع أن العامة تفهم ذلك،
لو سألت أي عامي: المطر نزل وأروى الأرض وأنبت الأرض، وأيش يدل عليه؟
طالب: يدل على رحمة الله.
الشيخ: يدل
على رحمة الله، نعم، لكن الإرادة يقولون: إن تخصيص المخلوقات بما تختص به دليل على
الإرادة، يعني كون الإنسان إنسانًا وكون البعير بعيرًا والشمس شمسًا وما أشبه ذلك
يدل على الإرادة، وإلا لما حصل تمييز بين الخلائق، لولا الإرادة ما حصل تمييز بين
الخلائق، نقول: هذه الدلالة نوافقكم عليها، لكن هي دلالة خفية أخفى من دلالة النعم
على الرحمة، لكن مَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِنْ نُورٍ [النور: ٤٠].
ثم قال الله تبارك وتعالى: وَإِنْ يَتَفَرَّقَا يُغْنِ اللَّهُ كُلًّا مِنْ سَعَتِهِ} [النساء: ١٣٠] إِنْ يَتَفَرَّقَاالضمير يعود على من؟ على الزوجين، على الزوجة التي خافت من بعلها نشوزًا وإعراضًا، وعلى الزوجة التي تركها زوجها كالمعلقة. ومن المعلوم أنه لن يعرض عنها إلا لكراهته لها، ولم يجعلها كالمعلقة إلا لكراهته لها، وحينئذ يحصل التفرق، إذا تفرقا فإن الله سبحانه وتعالى ييسر لكل واحد منهما ما يحصل به الغنى من سعة الله يُغْنِ اللَّهُ كُلًّا مِنْ سَعَتِهِبماذا؟
قال بعضهم: يغني الزوج بزوجة صالحة يسعد بها، ويغني الزوجة بزوج صالح تسعد به، يعني أن الزوج يجد امرأة والزوجة تجد زوجًا.
وقال بعضهم: يُغْنِ اللَّهُ كُلًّا مِنْ سَعَتِهِسواء بإبدال الزوج الأول أو بالسلوان والنسيان، وأن يكون الأمر كأن لم يكن، ولكن هذا القول ضعيف؛ لأن السلوان وعدم ذكر أحدهما الآخر ليست إغناء، الإغناء أن يوجد ما يستغني به الإنسان، وهذا لا يكون إلا بأيش؟ إلا بزوج؛ بزوج للزوجة وزوجة للزوج، وهذا وعد من الله عز وجل، وعد من القادر الذي يقدر على أن يبعث للمرأة زوجًا تسعد به، أو للرجل زوجة يسعد بها، وهو وعد حق وصدق؛ لأن الواعد به من هو؟
الطلبة: الله.
الشيخ: الله الذي لا يخلف الميعاد على كل شيء قدير، لكن أحيانًا يتخلف هذا لشك الإنسان وعدم ثقته وإيمانه، فيحصل هذا المانع، ولا يتحقق الموعود.
وَكَانَ اللَّهُ وَاسِعًا حَكِيمًا: وَاسِعًاأي: ذا سعة عظيمة في جميع الصفات، واسع في علمه رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْمًا [غافر: ٧]، واسع في قدرته إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ [البقرة: ٢٠]، واسع في حكمته، ولهذا قرن الحكمة به، واسع في سمعه وبصره، في كل صفاته عز وجل، وواسع في إحاطته، محيط بكل شيء وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ وَاسِعٌ عَلِيمٌ [البقرة: ١١٥]، المهم أنه جل وعلا واسع بمعنى الكلمة، على أوسع ما يكون، حَكِيمًاأي: ذا حكمة، وأيش؟ وحكم، فهو الذي له الحكم الكوني والشرعي، وهو الذي له الحكمة الصورية أو الغائية، أفهمتم هذا؟
أولًا: الحكم لله عز وجل إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ [الأنعام: ٥٧]، حكم الله عز وجل كوني وشرعي، فما قضاه في خلقه فهو كوني، وما شرعه لخلقه فهو شرعي، هذا الضابط، الحكم الكوني ما قضاه الله في خلقه، والحكم الشرعي ما شرعه الله لخلقه عز وجل حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ [المائدة: ٣] هذا حكم شرعي، كذا خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ [الأنعام: ١]، هذا حكم كوني، أما المثال لنفس الحكم بهذه المادة فقول الله تبارك وتعالى في سورة الممتحنة قال: ذَلِكُمْ حُكْمُ اللَّهِ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ [الممتحنة: ١٠]، وهذا حكم شرعي، وقال: أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا [المائدة: ٥٠] وهذا حكم؟
الطلبة: شرعي.
الشيخ: هذا شرعي أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ، وقول أخي يوسف لَنْ أَبْرَحَ الْأَرْضَ حَتَّى يَأْذَنَ لِي أَبِي أَوْ يَحْكُمَ اللَّهُ لِي [يوسف: ٨٠]؟
الطلبة: كوني.
الشيخ: هذا كوني. طيب أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَحْكَمِ الْحَاكِمِينَ [التين: ٨]؟
الطلبة: كوني شرعي.
الشيخ: كوني شرعي بارك الله فيكم. الحكمة قد تكون الشيء حكمة في صورته التي خلقها الله عليها، وقد تكون حكمة في الغاية منه وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ [الذاريات: ٥٦] هذه حكمة لبيان الغاية الحميدة في خلق الإنس والجن، لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ [التين: ٤] هذه حكمة صورية، بمعنى ما هو صورية ليس لها معنى، صورية يعني يكوّنه على هذه الصورة المعينة، هذه من حكمة الله عز وجل. ارتفاع الشمس بهذا المقدار، وارتفاع القمر بهذا المقدار، تعاقب الليل والنهار على هذا الوجه، كله من الحكمة الصورية، يعني أنه كان على هذه الصورة هو الحكمة، ولو اختلف لفاتت الحكمة.
فعلى هذا نقول: الصور هنا أربعة: حكمة في الشرع، حكمة في القدر، حكمة في الصورة، حكمة في الغاية.
إذا آمنت بهذا علمت أن الله عز وجل لا يمكن أن يحدث شيئًا، ولو أعظم الشر وأعظم الضرر، إلا لحكمة، هذه الحروب اللي وقعت والتي تقع الآن كلها لحكمة، وإذا آمنا بذلك صبرنا وانتظرنا الفرج، ويحصل الفرج بإذن الله، لا نقول: والله ليش أن الله قدر هذا أو نتسخط أو نقول: ليس فيه حكمة، لا، يجب أن نؤمن بأن ذلك لحكمة؛ لأنه قدر الله، وقدر الله لا شك أنه لحكمة، كذلك في الشرع إذا أمرنا الله بشيء أو نهانا عن شيء، حتى وإن كنا لا نعلم حكمته، يجب أن نعلم أن له أيش؟ أن له حكمة؛ لأن هذا من مقتضى اسم الحكيم، خلق الله عز وجل الشياطين وسلطها على من شاء من عباده، وخلق الله الشر، والأمراض، والفقر وغيره، هل هذا حكمة؟
طلبة: نعم.
الشيخ: حكمة لا شك؛ لأننا نعلم أن الله لا يقدّر شيئًا إلا لحكمة، فنرضى ونسلم، والحقيقة أن عدم الرضى بالقدر يعني الطعن في حكمة الله، ففائدة علم الإنسان بحكمة الله أنه يرضى ويسلم ويعلم أن ما شرعه الله فهو حق، وأن ما قدره فهو حق، وحينئذ يستسلم تمامًا للقضاء والقدر.
من فوائد هذه الآية الكريمة: الإشارة إلى التفريق بين الزوجين في حال عدم التوافق، وجه ذلك أن الله وعد على التفرق خيرًا فقال: وَإِنْ يَتَفَرَّقَا يُغْنِ اللَّهُ كُلًّا مِنْ سَعَتِهِ، وهذا هو الحق، أننا إذا لم نجد سبيلًا إلى الإصلاح بين الزوجين والوئام بينهما فإن السبيل الوحيد هو التفريق؛ ليسعد كل منهما في حياته، ولنا دليل على هذا من السنة: جاءت امرأة ثابت بن قيس بن شماس رضي الله عنه، وثابت بن قيس بن شماس رضي الله عنه من المبشرين بالجنة، يعني: مقامه رفيع، جاءت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت: يا رسول الله، ثابت بن قيس لا أعيب – أو قالت: لا أعتب- عليه في خُلق ولا دين. رجل مستقيم في خلقه، مستقيم في دينه، ولكني أكره الكفر في الإسلام. والمراد بالكفر كفر العشير، يعني بألا تقوم بواجبه، لكراهتها له، تكرهه كرهًا عظيمًا، فقال لها: «أَتَرُدِّينَ عَلَيْهِ حَدِيقَتَهُ؟». وأيش الحديقة؟ مهر أمهرها، حديقة، بستان، نعم، لكن الله أعلم إن البساتين رخيصة في ذلك الوقت، حتى لا تحتج النساء علينا فتقول: البستان يسوى ملايين.
قال: «أَتَرُدِّينَ عَلَيْهِ حَدِيقَتَهُ؟». قالت: نعم يا رسول الله. فقال الرسول صلى الله عليه وسلم لثابت: «اقْبَلِ الْحَدِيقَةَ وَطَلِّقْهَا تَطْلِيقَةً». فقبلها وطلقها .
وقد ذهب إلى هذا بعض العلماء وقال: إنه إذا قالت المرأة: أنا لا أستطيع البقاء مع الزوج إطلاقًا، وإن أبقيتموني معه أحرقت نفسي، قال: إن القاضي يُلزِم الزوج بالطلاق إذا ردت عليه مهره، وهذا القول ليس ببعيد من صواب، والله تعالى أشار في هذه الآية إلى أن التفرق أيش؟ أولى وأحسن؛ لأن الله وعد به خيرًا.
ومن فوائد هذه الآية الكريمة: رحمة الله عز وجل بعباده، أن المرأة والرجل إذا انكسرا بالفراق بينهما جبرهم الله عز وجل بماذا؟ بالإغناء: يغني كلا من سعته.
ومن فوائد هذه الآية الكريمة: سد باب اليأس على الزوجين المتفارقين، نعم سد باب اليأس من رحمة الله، حيث قال: مِنْ سَعَتِهِ [النساء: ١٣٠] ولم يقل: يغنِ كلًّا فقطْ، قال: مِنْ سَعَتِهِ؛ إشارة إلى أن فضل الله واسع وأن لا تيأس حتى لو استبعدت أن الله يبدلك بخير منها، أو أن الله يبدلها بخير من زوجها، فلا تستبعد؛ لأن الله سيغنيك من أي شيء؟ من سعته.
ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن الله تعالى واسع وحكيم؛ لقوله: وَكَانَ اللَّهُ وَاسِعًا حَكِيمًا، وهذه من حكمته.
ومن فوائدها: أن هذه السعة التي وعد الله تعالى بالإغناء منها مبنية على حكمة، وكأن هذا والله أعلم إشارة إلى أنه لو تخلف هذا الموعود فإنه لن يتخلف إلا لحكمة، وأحيانًا يمنع الله سبحانه وتعالى الإنسان ما يحب لمصلحة عظيمة، أحيانًا يبتليه بما يملأ قلبه غمًّا وهمًّا دائمًا، لكن لحكمة عظيمة، ما هي؟ أن هذا الذي يصيبه الإنسان من هم وغم وفوات محبوب كله يكفر الله به عنه، ونحن نعلم أن الدنيا تمشي وينسى الإنسان ما حصل له، لكن يجد أجره وفائدته عند الله عز وجل، ولهذا لما أخبر النبي عليه الصلاة والسلام أن الحُمَّى تُكفِّر الذُّنُوبَ، قال له أحد الصحابة، ونسيت من هو: يا رسول الله، ولكن إذا ابتُليتُ بحمى يعني لا تَمْنَعُني الصلاة مع الجماعةِ ولا فعلَ الخيرِ، فهل يُكفِّر الله به عني؟ قال «نَعَمْ». فسأل الله عز وجل أن يبتليَه بحُمّى لكنها لا تمنعه من صلاة ولا صيام، يعني ولا خير، لأجل أن تكفِّر عنه ، ولكن هذا من اجتهاد، والأولى أن تسأل الله العافية؛ فإن العافية أوسع من العقوبة لا شك.
لكن على كل حال إنه إذا تخلف الموعود في قوله تعالى: يُغْنِ اللَّهُ كُلًّا مِنْ سَعَتِهِفإننا نعلم أنه تخلف لحكمة عظيمة قد يجد الإنسان ثمراتها في المستقبل؛ إما في الدنيا وإما في الآخرة.
ومن فوائد هذه الآية الكريمة: إثبات الحكمة لله عز وجل.
ويتفرع على هذا فائدة عظيمة مسلكية منهجية، وهي: الرضا بأيش؟ بقضاء الله وشرع الله، ترضى لأنك تعلم أن هذا عن حكمة، حتى وإن كان فيه فوات مالك أو ولدك، فاعلم أنه لحكمة، وأنت إذا آمنت بهذا فسوف يسهل عليك كل مصيبة، كل مصيبة تسهل عليك إذا علمت أن ما أصابك من الله وأن الله تعالى ذو حكمة عظيمة فيما يقدر.
طالب: قال الله تبارك وتعالى: فَلَا تَمِيلُوا كُلَّ الْمَيْلِ فَتَذَرُوهَا كَالْمُعَلَّقَةِ: فَتَذَرُوهَامنصوب أم مجزوم؟
(...)
طالب: شيخ، فَتَذَرُوهَامجزومة أم منصوبة (...)؟
الشيخ: ما تقولون يا إخوان؟ الفاء في قوله: فَتَذَرُوهَاهل هي فاء السببية والفعل بعدها منصوب أو فاء العطف والفعل بعدها مجزوم؟
طالب: الثانية.
الشيخ: أيها؟
الطالب: العطف.
الشيخ: طيب.
طالب: منصوبة يا شيخ.
الشيخ: الأقرب الأول، قولان.
طالب: شيخ.
الشيخ: نعم؟
الطالب: منصوب بـ(...).
الشيخ: ترجٍّ إي نعم هو الظاهر، الظاهر أن الأخ يقول: إنها منصوبة، ولا تذروها فبسبب ترككم إياها، نعم..
طالب: فَتَذَرُوهَا كَالْمُعَلَّقَةِ.
الشيخ: فَلَا تَمِيلُوا كُلَّ الْمَيْلِفبسبب ميلكم كل الميل تذروها كالمعلقة يعني مبنية على ما سبق.
طالب: أحسن الله إليكم، فسرنا في قوله تعالى الإغناء بإبدال الزوج أو السلوان، فهل يكون في هذا تضييق للواسع أن يكون إغناء حيث الله جل وعلا لم يقيده ولم يحدده، ألم يكن مثلًا بخير ترتاح إليه النفس من كلا الزوجين قد يكون الإبدال..؟
الشيخ: لكن الإغناء بدل المفقود الغالب أنه يكون بما يماثله، هذا الغالب.
طالب: شيخ، بارك الله فيكم، استفسار: هل في حديث ثابت بن قيس بن شماس أمره صلى الله عليه وسلم له بأن يقبل الحديقة وليطلقها يعني أمر إلزام أو هو مثل شفاعته لزوجة مغيث الجارية؟
الشيخ: لا، بريرة ومغيث قالت له بريرة: أتأمرني فسمع وطاعة، أتشير علي لا حاجة لي فيه. لكن هنا علم الرسول عليه الصلاة والسلام؛ علم أنه لن تصلح الحال بينهما، فأمره أمر إلزام.
الطالب: أمر إلزام يكون بسبب يقبل.
الشيخ: إي نعم يكون.
طالب: إذا كان الزوج ذميم الخلق فهل هذا سبب يكفي للتفرق، وهل تدخل المرأة من بعد هذا..؟
الشيخ: أولًا نقول: إذا كان ذميم الخلقة، فإذا كانت لا تستطيع النظر إليه، لا تستطيع إطلاقًا النظر إليه، ويضيق صدرها فنعم، كما أن الخلق أيضًا عيب عظيم، ولهذا قالت: لا أعيب عليه في خلق ولا دين. وهذا يدل أيضا على أن المرأة إذا عابت زوجها بخلق ودين فلها سؤال الطلاق.
طالب: إذا كانت المرأة لا تريد زوجها أبدًا ولكن والدها يَرجعها إليه، فهل تسقط ولايته؟
الشيخ: إي نعم، يعني هذا يقع كثيرًا يكون الأب يريد أن تبقى ابنته مع زوجها على كل حال، وهي لا تريده أبدًا، نقول: ينفصل الأب، نأتي للقاضي.
طالب: المرأة التي عقد عليها ولم يدخل بها، هل يجب العدل بينها وبين المرأة الأخرى؟
الشيخ: لا؛ لأن الله تعالى أمر بالعدل، لكن قال الله في القرآن الكريم: عَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ [النساء: ١٩] والعرف أنه إذا لم يدخل عليها فليس لها قسم.
الطالب: في كل شيء؟
الشيخ: نعم؟
الطالب: في الهدايا؟
***
طالب: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ اتَّقُوا اللَّهَ وَإِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَكَانَ اللَّهُ غَنِيًّا حَمِيدًا (١٣١) وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا (١٣٢) إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ أَيُّهَا النَّاسُ وَيَأْتِ بِآخَرِينَ وَكَانَ اللَّهُ عَلَى ذَلِكَ قَدِيرًا (١٣٣) مَنْ كَانَ يُرِيدُ ثَوَابَ الدُّنْيَا فَعِنْدَ اللَّهِ ثَوَابُ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَكَانَ اللَّهُ سَمِيعًا بَصِيرًا [النساء: ١٣١ - ١٣٤]الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، سبق لنا أن تكلمنا على قول الله تعالى: وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّسَاءِ وَلَوْ حَرَصْتُمْوبينا فوائدها؟
فهل هذه الآية تناقض ما سبق في أول السورة؟
طالب: (...).
الشيخ: لا تناقضها، كيف الجمع؟
طالب: قلنا: الله عز وجل قال: فَلَا تَمِيلُوا كُلَّ الْمَيْلِ، فبينت أن المراد أن المحرم هو الميل الكلي، أما إذا مال بعض الشيء فإنه لا حرج عليه.
الشيخ: لا حرج عليه في الجمع بين المرأتين. توافقون على ذلك؟
طلبة: نعم.
الشيخ: قوله: وَإِنْ تُصْلِحُوا وَتَتَّقُواوفي الآية التي قبلها: وَإِنْ تُحْسِنُوا وَتَتَّقُوا؟
طالب: لما كان للرجل زوجتان سوف يميل لإحداهما على الأخرى، فصار من المؤكد أنه سوف يقع بين الزوج والزوجة شقاق ونزاع، فإنه أمره الله تبارك تعالى هنا بـ..
الشيخ: حثه.
الطالب: حثه على الإصلاح، إصلاح الزوجة بين الزوجة بينما في الأولى (...) قال: الإنسان يتطلب الإصلاح
الشيخ: ما هو واضح، من عنده جواب أوضح من ده.
طالب: في الآية الثانية وَإِنْ تُصْلِحُوا وَتَتَّقُوايكون للرجل زوجتان، فيميل إلى إحداهما على الأخرى، فيحصل بينهما شقاق ونزاع، فيحتاج أن يصلح بينهما، أما الآية الأولى ففي الشقاق بين الرجل وامراته فيحتاج إلى الإحسان.
الشيخ: والمقام مقام الإحسان، تمام.
وفي قوله تعالى: وَإِنْ يَتَفَرَّقَا يُغْنِ اللَّهُ كُلًّا مِنْ سَعَتِهِما يشير إلى؟
طالب: إلى أن التفرق أولى وأحسن إن لم يمكن الجمع؛ لأن الله عز وجل وعد على ذلك بالإغناء، يغني كل واحد منهما.
الشيخ: يعني فيه الإشارة إلى أنه إذا لم يمكن الاتفاق فأيش؟
الطلبة: فالتفرق أولى.
الشيخ: فالتفرق أولى، نعم.
لماذا قال الله عز وجل: مِنْ سَعَتِهِولم يقل: من عنده؟
طالب: مِنْ سَعَتِهِحتى يدل على عظم العطاء الذي يعطيهم الله إياهم.
الشيخ: كيف؟
الطالب: فتتسعُ عيشة كل منهم.
الشيخ: لأنهما مع الشقاق ستكون عيشتهما.
الطالب: نكدة.
الشيخ: نكدة ضيقة فقال: يُغْنِ اللَّهُ كُلًّا مِنْ سَعَتِهِ.
***
{وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ} إلى آخره.
وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِهذه تقدم لنا مرارًا أمثالها، وفيه أن تقديم الخبر لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِيفيد الحصر، وأنه خاص بالله عز وجل، وملك السماوات والأرض يشمل ما فيهما من الأعيان والمنافع وغير ذلك، كله ملك لله، لا يشاركه فيه أحد، ولهذا لا يمكن لأحد أن يتصرف في شيء من السماوات والأرض إلا بإذن الله عز وجل الإذن الكوني أو الإذن الشرعي.
يقول: وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْلما ذكر ما يتعلق بالربوبية، وهو ملك الواسع العام، ذكر ما يتعلق بالألوهية والعبادة، وهي أيش؟ التقوى، فقال: وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ، وَصَّيْنَاالوصية هي العهد بالشيء مع التأكيد، يعني ليس مجرد أن أقول: يا فلان افعل كذا وكذا، ليس هذا وصية، بل إذا قيل: وصى فمعناه أنه عهد إليه بالشيء مع التأكيد.
الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْأوتوا الكتاب من قبلنا من هم؟ قيل: اليهود والنصارى، ولكن الصحيح أنها أعم وأن كل من أنزل الله إليه كتابًا فقد وصاه بالتقوى، ومن المعلوم أن كل رسول معه كتاب كما قال تعالى: لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ [الحديد: ٢٥].
إذن فـأُوتُوا الْكِتَابَهنا لا تختص باليهود والنصارى، بل كل من آتاه الله الكتاب وصاهم الله تعالى بماذا؟ بالتقوى أَنِ اتَّقُوا اللَّهَ، (أن) هنا يسميها النحويون تفسيرية، وعلامتها أن تأتي بعد ما تضمن معنى القول دون حروفه، إذا أتت (أن) بعد فعل تضمن معنى القول دون حروفه فأعربها على أنها تفسيرية، وإن شئت فقل: ما حل محلها (أي) فهي تفسيرية، هنا وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْأي اتقوا الله، فتكون اتَّقُوا اللَّهَكأنها تفسير لما أوصى به الله سبحانه وتعالى من قبلنا وهذه الأمة.
وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ اتَّقُوا اللَّهَ، هنا لو قال قائل: قال: وَإِيَّاكُمْأليس من الممكن أن يقال: ولقد وصيناكم والذين أوتوا الكتاب من قبلكم؛ حتى لا ينفصل الضمير؟
قلنا: بلى، لكن لما كان هؤلاء سابقين علينا كان مقتضى الترتيب الزمني أن يقَدَّموا، كما أن من سبق غيره في المرتبة فإنه يقدم عليه، ولو أمكن اتصال الضمير مثل قوله تعالى: يُخْرِجُونَ الرَّسُولَ وَإِيَّاكُمْ [الممتحنة: ١] كان لقائل يقول: لِمَ لم يكن الكلام: يخرجونكم والرسول؟ لأنه لا فصل مع إمكان الوصل، كما قال ابن مالك في الألفية:
| وَفِي اخْتِيَارٍ لَا يَجِيءُ الْمُنْفَصِلْ | إِذَا تَأَتَّى أَنْ يَجِيءَ الْمُتَّصِلْ |
فنقول: نعم في الإمكان أن يكون هكذا، لكن يفوت الغاية، فهنا الذين أوتوا الكتاب ليسوا أفضل منا، ولكنهم أسبق منا زمنًا.
وفي يُخْرِجُونَ الرَّسُولَ وَإِيَّاكُمْتقديم الرتبة، فذكر الرسول عليه الصلاة والسلام لئلا يكون تابعًا لغيره، فيقال: يخرجونكم والرسول.
يقول: الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ اتَّقُوا اللَّهَهذا ما أوصى به الله عز وجل الأولين والآخرين. وتقوى الله مرت علينا أيضًا كثيرًا مرارًا وتكرارًا على أنها اتخاذ وقاية من عذاب الله بفعل أوامره واجتناب نواهيه. التقوى أحيانًا تضاف إلى الله كما هنا، وأحيانًا تضاف إلى المخلوقات، مثل: وَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ [آل عمران: ١٣١]، وأحيانًا تضاف إلى الزمن، مثل: وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ [البقرة: ٢٨١]، وليست التقوى المضافة إلى غير الله كالتقوى المضافة إلى الله؛ لأن التقوى المضافة إلى الله تقوى مع عبادة وتذلل لله عز وجل، أما اتقاء النار واتقاء اليوم الذي نرجع فيه إلى الله فهذا مثل اتقائنا للسباع والذئاب وما أشبه ذلك، أي أننا نخاف منها خوفًا طبيعيًّا لا خوف عبادة ولا تقوى عبادة، وفي الأثر اتق شر من أحسنت إليه . اتق شره ليس هذا تقوى عبادة، فكل تقوى تضاف إلى غير الله فليست تقوى عبادة، والتقوى المضافة إلى الله تقوى عبادة بمعنى أن الإنسان يتقي مخالفة الله عز وجل محبة له وتعظيمًا له.
وَإِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِيعني: ولن تضروا الله، إذا كفر كل الخلق فإنهم لن يضروا الله عز وجل؛ لأنه غني عنهم، وفي الحديث القدسي حديث أبي ذر المشهور؛ أن الله تعالى قال: «يَا عِبَادِي لَوْ أَنَّ أَوَّلَكُمْ وَآخِرَكُمْ وَإِنْسَكُمْ وَجِنَّكُمْ كَانُوا عَلَى أَفْجَرِ قَلْبِ رَجُلٍ وَاحِدٍ مِنْكُمْ مَا نَقَصَ ذَلِكَ مِنْ مُلْكِي شَيْئًا» . وأي شيء ينقص الله؟ الطاعة تنفع من؟ صاحبها، والسيئة تضر صاحبها، أما الرب عز وجل فإنه لا يتضرر بالمعصية ولا ينتفع بالطاعة، ولهذا قال: وَإِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ، فهو غني عنهم أجمعين.
وَكَانَ اللَّهُ غَنِيًّا حَمِيدًامر علينا أيضًا مرارًا وتكرارًا أن (كان) في مثل هذا التركيب تفيد الثبوت والاستمرار واتصاف الموصوف بها، يعني اتصاف اسمها بالصفة المضافة إليه، كَانَ اللَّهُ غَنِيًّا حَمِيدًاولم يزل غنيًّا حميدًا، والغني هو من عنده غنًى يستغني به عن غيره، والحميد بمعنى المحمود، فهو غني يحمَد على غناه. وهل كل غني يحمَد على غناه؟ لا، الغني البخيل كالفقير تمامًا، بل أردأ من البخيل؛ لأن الغني البخيل أسوأ حالًا من الفقير؛ لأن الغني البخيل يُذَمّ والفقير لا يذم، لكن الغني الحميد بمعنى الذي ينفع غيره بغناه، هذا هو المحمود، فالله سبحانه وتعالى غني بذاته عن جميع المخلوقات، ثم هو حميد بما يفعله بعباده من الخيرات والنعم ودفع النقم وغير ذلك.
(حميد) هنا هل نجعلها بمعنى (حامد) أو بمعنى محمود؟
الطلبة: كلاهما.
الشيخ: نعم بمعناهما جميعًا.
فإن قال إنسان: أليس هذا من استعمال المشترك في معنيين؟
قلنا: وأي ضرر في استعمال المشترك في معنيين إذا كان لا منافاة بينهما، المشترك معناه أيش؟ اللفظ الصالح لمعنيين على وجه الحقيقة، مثل كلمة (عين) تطلق على الذهب:
| أَنَدَّانُ أَمْ نَعْتَانُ أَمْ يَنْبَرِي لَنَـــــــــــــــــــــــــــا | فَتًى مِثْلُ نَصْلِ السَّيْفِ مِيزَتْ مَضَارِبُهْ |
فالذهب يسمى العين، الماء الجاري يسمى عينًا حقيقة، العين الباصرة تسمى عينًا حقيقة، هنا لو جاءت كلمة (عين) هل يمكن أن تحملها على المعاني الثلاثة؟
الطلبة: لا.
الشيخ: نقول: لا، إذا لم يمكن أن يجتمعا، أما إذا أمكن فنحملها. هنا (حميد) فعيل تأتي بمعنى فاعل وتأتي بمعنى مفعول، جريح بمعنى مجروح، سميع بمعنى سامع، هل نستعمل (حميد) هنا بمعنى محمود وبمعنى حامد؟
الجواب: نعم، فإذا اعترض علينا معترض وقال: هذا من باب استعمال المشترك لمعنيين.
قلنا: وأي ضرر في ذلك إذا كان المعنيان لا يتنافيان.
إذن هو حميد أي: محمود، محمود على صفاته الكاملة، محمود على إنعامه على أفعاله الدائرة بين العدل والإحسان، هو أيضًا حامد لمن يستحق الحمد من عباده، ولهذا يثني الله سبحانه وتعالى على من يستحقون الثناء، مثل الأنبياء والرسول والأصفياء وما أشبه ذلك.
في هذه الآية فوائد، من فوائدها: عموم ملك الله سبحانه وتعالى؛ لقوله: وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ.
من فوائدها أيضًا: اختصاص الملك العام بالله، سواء كان عامًّا لشموله في الأعيان أو لشموله في الأفعال، من شموله في الأعيان يعني كل الموجودات ملك لله، شموله في الأفعال أنه يفعل في هذه الموجودات ما يشاء. هل يثبت مثل هذا لأحد من المخلوقين؟
الطلبة: لا.
الشيخ: لا، لا يوجد أحد شمول في الموجودات ولا في الأفعال والتصرفات؛ لأن ملكي أنا محصور لا تملكه أنت، وملكك أنت محصور لا أملكه أنا، ثم ملكي لما أملك هل هو ملك لجميع التصرفات أتصرف فيه كما أشاء؟ لا، ملك محدود. كذا أيش قلنا؟
طالب: أنه ملك ليس (...).
الشيخ: محدود، طيب.
من فوائد الآية الكريمة: أهمية التقوى، أهمية تقوى الله عز وجل، لماذا؟ لأنه أوصى بها الأولين والآخرين: وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ اتَّقُوا اللَّهَ.
فإن قال قائل: التقوى تكون بفعل الأوامر واجتناب النواهي؟
قلنا: نعم، فما الجواب عن قوله: وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى [المائدة: ٢]، والبر كل ما أمر الله به فهو بر؟
فالجواب: أن بعض الكلمات يكون لها معنى إذا انفردت، ومعنى إذا اقترنت بغيرها، فالتقوى إذا انفردت تشمل البر، والبر إذا انفرد يشمل التقوى، وإذا اجتمعا صار البر فعل الأوامر، والتقوى ترك النواهي.
وهنا جملة معترضة يقول: فوائد أهمية التقوى؛ لأن الله أوصى بها الأولين والآخرين.
ومن فوائد هذه الآية: أن مخالفة التقوى لا تضر الله شيئًا؛ لقوله؟ أجيبوا.
الطلبة: لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ.
الشيخ: وَإِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ.
ومن فوائد هذه الآية الكريمة: إثبات اسمين من أسماء الله، وهما: الغني والحميد، فيستفاد منهما إثبات صفتين من صفات الله، وهما الغنى والحمد.
ويستفاد من ضم أحدهما للآخر فائدة الانضمام؛ لأن الغنى وحده كمال، والحمد وحده كمال، واجتماعهما يتولد منه كمال أعلى.
ثم قال الله عز وجل: وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ، هذا تكرار، لكنه تكرار مهم، الأول بيان غناه عز وجل عن خلقه وَكَانَ اللَّهُ غَنِيًّا حَمِيدًا، والثاني بيان مراقبته لخلقه، فالآية الأخيرة تتضمن التحذير من المخالفة، والأولى تتضمن الأمر بالموافقة.
قال: وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًاالوكيل هو المراقب المتصرف، ولهذا يكون وكيل الإنسان متصرفًا فيما وكل فيه مراقبًا له.
ففي هذه الآية من عموم ملك الله ما في الأولى.
وفي هذه الآية: كمال مراقبة الله عز وجل لعباده؛ لقوله: وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا.
فإن قال قائل: الوكيل عادةً أدنى رتبة من الموكل، فكيف نقول: إن الله وكيل؟
قلنا: الوكيل الذي هو عادةً أدنى رتبة من الموكل هو الذي يتصرف للغير بأمر غيره، ولَّا لا؟ وكيلك أدنى منك مرتبة؛ لأنه يتصرف لك بأيش؟ بأمرك، فهو دونك، أما الوكيل الذي بمعنى المراقب فإن مرتبته تكون أعلى من المراقب؛ لأنه سبحانه وتعالى يراقب جميع العباد ويحصي عليهم أعمالهم.
ففي الآية أيضا: كمال مراقبة الله عز وجل، وأنها فيها الكفاية عن كل مراقبة.
ثم قال الله عز وجل: إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ أَيُّهَا النَّاسُ وَيَأْتِ بِآخَرِينَ وَكَانَ اللَّهُ عَلَى ذَلِكَ قَدِيرًا، إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمالجملة لا تخفى علينا جميعًا، أنها جملة شرطية، وفعل الشرط وجوابه كلاهما فعل مضارع، ولهذا جاءا مجزومين إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ أَيُّهَا النَّاسُ، يُذْهِبْكُمْبمعنى يعدمكم حتى لا تكونوا في الوجود.
وقوله: أَيُّهَا النَّاسُهذه منادى صدر الله هذه الجملة بالنداء للتنبيه، والناس هنا يشمل الكافر والمؤمن.
وَيَأْتِ بِآخَرِينَبآخرين يتقون الله عز وجل ويقومون بأمره، وهذا كقوله تعالى: وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ [محمد: ٣٨] وهذا تهديد من الله عز وجل أن يخالف أوامره أحد.
وَكَانَ اللَّهُ عَلَى ذَلِكَ قَدِيرًا، كَانَ اللَّهُ عَلَى ذَلِكَأي على إذهابكم والإتيان بآخرين قَدِيرًا، والقدرة وصف يتمكن به القادر من الفعل بلا؟
طالب: (...).
الشيخ: لا.
الطلبة: بلا عجز.
الشيخ: بلا عجز، القدرة وصف يتمكن به الفاعل من الفعل بلا عجز، والقوة وصف يتمكن به من الفعل بلا ضعف.
الدليل على هذا أن القدرة ضدها العجز، والقوة ضدها الضعف؛ لقول الله تبارك وتعالى: اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ ضَعْفٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ ضَعْفٍ قُوَّةً ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ ضَعْفًا وَشَيْبَةً [الروم: ٥٤] وقال تعالى: وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعْجِزَهُ مِنْ شَيْءٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ إِنَّهُ كَانَ عَلِيمًا قَدِيرًا [فاطر: ٤٤] ولم يقل: عليمًا قويًّا؛ لأن الذي يقابل العجز هو القدرة.
إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ أَيُّهَا النَّاسُ وَيَأْتِ بِآخَرِينَ، يَأْتِ بِآخَرِينَإذا أردنا أن نعرب (آخرين) فكيف نعربها؟
طالب: آخرين مجرور بالباء (...) الياء لأنها جمع مذكر سالم.
الشيخ: لأنها؟
الطالب: جمع مذكر سالم.
الشيخ: هل حذف من هذا شيء، من هذه الكلمة: بِآخَرِينَ.
الطالب: بِآخَرِينَ.
الشيخ: إي نعم.
الطالب: ما حذف شيء.
الشيخ: ما حذف شيء.
الطالب: حذف.
الشيخ: حذف شيء؟
الطالب: نعم.
الشيخ: اجزمْ، ويش التقدير؟
الطالب: بقوم آخرين.
الشيخ: بقوم آخرين، إذن الذي حذف هنا الموصوف أو الوصف؟
الطلبة: الموصوف.
الشيخ: الموصوف، طيب.
طالب: ما المقصود من الكلمة هذه؟
الشيخ: ما نعلم عن القصد، ما يعلم القصود إلا رب العباد، هذا عليه قول ابن مالك رحمه الله:
| وَمَا مِنَ الْمَنْعُوتِ وَالنَّعْتِ عُقِلْ | يَجُوزُ حَذْفُهُ وَفِي النَّــــــــــــــــــــــــــــعْتِ يَقِلْ |
المنعوت يحذف كثيرا أَنِ اعْمَلْ سَابِغَاتٍ [سبأ: ١١] ومثل هذه وغيرها، والنعت قليل.
وَكَانَ اللَّهُ عَلَى ذَلِكَ قَدِيرًاوعلى غيره؟ وعلى غيره أيضًا، والتقديم هنا لا يدل على الحصر، ولكن تقديمه لتأكيد قدرته عليه، وهو محل الخصومة بين المنكرين للقدرة وبين المثبتين للقدرة، فلذلك قدم المعمول للأهمية، ومر علينا قريبًا مثله.
في الآية فوائد، منها: إثبات المشيئة لله، تؤخذ من: إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ.
وهل المشيئة الثابتة لله هل هي مشيئة مطلقة مجردة عن الحكمة، أو هي مشيئة مقرونة بالحكمة؟
الثاني، كل شيء علقه الله بالمشيئة فالمراد المشيئة التي تقتضيها الحكمة؛ الدليل قول الله تبارك وتعالى: وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا [الإنسان: ٣٠]، فدل ذلك على أن مشيئة الله مقرونة بالعلم والحكمة.
ومن فوائدها: بيان قدرة الله عز وجل أنه قادر على أن يذهب الناس جميعًا ويأتي بآخرين، وتعلمون أن نوحًا عليه الصلاة والسلام أن نوحًا هو الأب الثاني للبشرية؛ لأن الله تعالى أهلك قومه إلا من كانوا معه، وقد قال المؤرخون: إن الذين بقوا من البشرية كلهم أولاد لنوح، وإن أولاد نوح سام وحام ويافث هؤلاء الثلاثة تفرع منهم بنو آدم بعد أن أغرق الله أهل الأرض، فهنا أذهب الله أهل الأرض وأتى بآخرين وعمرت الأرض بساكنيها إلى أن بعث محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم فكان خاتم الأنبياء.
ومن فوائد هذه الآية الكريمة: إثبات قدرة الله على كل شيء، كل شيء فالله تعالى قادر عليه.
هل هو قادر عز وجل على إعدام الموجود؟
الطلبة: نعم.
الشيخ: لأنه شيء، على إيجاد المعدوم؟
الطلبة: نعم.
الشيخ: لأنه شيء، كل شيء فالله قادر عليه، هل هو قادر على أن ينزل إلى السماء الدنيا حين يبقى ثلث الليل الآخر؟
الطلبة: نعم.
الشيخ: نعم قادر، قادر على أن يأتي للفصل بين العباد؟ قادر، قادر على أن يتكلم؟ هو قادر، كل شيء فالله قادر عليه.
قال بعض أهل العلم: ولكن القدرة تتعلق بالشيء الممكن، أما الشيء المستحيل فلا تتعلق به القدرة.
وأشكل هذا على بعض الناس وقال: إن الله على كل شيء قدير؟ وأجاب عنه شيخ الإسلام رحمه الله بأن المستحيل ليس بشيء؛ لأنه لن يوجد ولن يعدم، ليس بشيء حتى يقال: إنه خرج من عموم الآية، وإذا كان ليس بشيء فإنه لا يدخل في العموم حتى نقول: إن هذا خطأ، ولهذا قال السفاريني في عقيدته:
| بِقُدْرَةٍ تَعَلَّقَتْ بِمُمْكِنِ | ............................. |
طيب العلم، علم الله يتعلق بمستحيل أو لا؟
الطلبة: يتعلق.
الشيخ: إي نعم يتعلق بمستحيل، قال الله تعالى: لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا [الأنبياء: ٢٢]، وهذا مستحيل أن يكون فيهما آلهة إلا الله، ومع ذلك علم الله تعالى بنتيجته لو كان لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَاوهذا شيء مستحيل.
فلو قال قائل: هل يقدر الله على أن يخلق مثل نفسه؟ قلنا: هذا مستحيل، مستحيل أن يخلق مثل نفسه، لأيش؟ لأنه جل وعلا لا مثل له، كما أخبر عن نفسه، وإذا كان لا مثل له فإنه يستحيل أن يكون كذلك؛ لأن الله تعالى خبره صادق لا يخلف ولا يتغير.
يعبر بعض الناس (إن الله على ما يشاء قدير) فهل هذا التعبير صحيح؟
غير صحيح؛ لأنه يقيد القدرة لما شاءه الله. وما لم يشأ هو قادر عليه، ومفهوم هذا الكلام أنه ليس بقادر، فعلى هذا نقول: هذه الكلمة أولًا لم ترد لا في القرآن ولا في السنة (إن الله على ما يشاء قدير)، وثانيًا: أنها توهم معنى فاسدًا.
ورتب بعض العلماء على هذا قال: إنها توهم مذهب المعتزلة الذين أنكروا تعلق مشيئة الله بفعل العبد وقالوا: إن العبد يفعل باختياره، ولا تعلق لمشيئة الله به، فيكون عز وجل غير قادر على أفعال العباد بناء على ذلك لأنه لا يشاؤها.
وعلى كل حال فنتقيد بما جاء في القرآن والسنة إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ، وإذا كان الإنسان لا يستطيع أن يدرك: معنى مستحيل أو غير مستحيل؛ فليقل: إن الله على كل شيء قدير ويسكت، لكننا بينا لكم، الذين أمامنا كلهم من طلبة العلم إن شاء الله وسيفهمون، لكن العامي قد لا نقول له هذا الكلام، قد لا نقول: القدرة متعلقة بالممكن؛ لأن غير الممكن، وهو المستحيل، ليس بشيء؛ لأنه لا يفهم أبدًا.
ويذكر أن الشيطان أبا الشياطين الذي يجعل له كرسيًّا على البحر ويبث جنوده وسراياه في إضلال الخلق قالت له ذريته: لم تفرح بموت العالم أكثر مما تفرح بموت العباد؟ قال: لأن العالم يرشد الناس ويهديهم ويدلهم، ولا أتمكن من إضلاله، لكن العابد أستطيع، يعني تنطلي عليه الأمور، قالوا: كيف ذلك؟ قال: أنا أختبرهم لكم. فأرسل من جنوده من يقول للعابد: هل يستطيع الله أن يجعل السماوات والأرض في جوف بيضة، البيضة مفهومة؟ والسماوات والأرض كذلك، فكر العابد هذا، عابد يعبد الله ليلًا ونهارا فكر قال: ما يستطيع. رجع المندوب قال: إنه يقول: لا يستطيع، قال: شوفوا الآن كفر الرجل، كفر وهو ما يدري، فأرسله إلى العالم وقال له: هل يستطيع الله عز وجل أن يجعل السماوات والأرض في بيضة؟ قال: نعم يستطيع إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ [يس: ٨٢] لو قال للسماوات: كوني في جوف البيضة كانت إما أن تكبر البيضة وإلا تصغر السماوات والأرض، نعم رجع إلى شيطانه وقال له الكلام هذا، قال: انظر هذا تخلص وذاك المسكين كفر، هذه تذكر قصة مرت علي في بعض الكتب قديمًا .
لكني أقول: إن الله على كل شيء قدير، العامي قل له: إن الله على كل شيء قدير ولا تقل له: القدرة تعلقت بممكن ولا بالمستحيل ولا بالجائز أو الواجب قصدي، وهذا هو الأولى.
طالب: شيخ، قال الله تبارك وتعالى: وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ اتَّقُوا اللَّهَ [النساء: ١٣١] هل نعد من هذه الآية، نحن نعد من هذه الآية أن الله وصى الله الأولين والآخرين وأقوام لا يعلمون هل من الآية؟
الشيخ: يعد من فوائدها يعني؟
الطالب: يعني يعبر من..
الشيخ: يعبروا وأيش لون يعبر من الآية؟
طالب: يعبروا يعني أناس في الحجة أناس مع، وصى الله تبارك وتعالى للأولين والآخرين لتكون لهم حجة.
الشيخ: لا بأس أن يترجمها بالمعنى لا بأس.
الطالب: وعلى هذا التقدير تكون (أن) مصدرية وليس بـ(أن) الاسمية؟
الشيخ: وصى الله؟
الطالب: الأولين والآخرين بتقوى الله.
الشيخ: بتقوى الله، تغير المعنى؛ لأن بتقوى الله الآن حذفت (أن).
الطالب: بجزء خاص..
الشيخ: الآن حولتها إلى مصدر، ما فيها (أن).
الطالب: (أن) وحولت..
الشيخ: وأتيت بالباء أيضًا؛ لأن دخول الباء على (أن) يحوله.
الطالب: إلى مصدر.
الشيخ: إلى مصدرية إي نعم، لكن الآية ما فيها (أن)، لا قصدي ما فيها الباء.
الطالب: ممكن حال.
الشيخ: ما يصح، لا بد تعربها أنها تفسيرية، مثل أَوْحَيْنَا إِلَيْهِ أَنِ اصْنَعِ الْفُلْكَ [المؤمنون: ٢٧].
طالب: شيخ، لو بنينا على قوله تعالى: وَهُوَ عَلَى جَمْعِهِمْ إِذَا يَشَاءُ قَدِيرٌ [الشورى: ٢٩] (...)؟
الشيخ: هذه ما فيها، يقول: كيف نجيب على قوله: وَهُوَ عَلَى جَمْعِهِمْ إِذَا يَشَاءُ قَدِيرٌفيقال: المشيئة هنا معلقة بالجمع، يعني إذا شاء جمعه فإنه لا يمتنع عليه، فالمشيئة هنا شرط في الجمع وليست شرطًا في القدرة.
طالب: قوله: عَلَى ذَلِكَ قَدِيرًايقولون بعض المفسرين: إن تقديم المعمول على العامل لا يراد هنا التخصيص، ويقول: قدم لمناسبة رؤوس الآية؟
الشيخ: نعم هذه مناسبة لفظية، ونحن ذكرنا أنه قدم لا للحصر، أن الله تعالى قادر على هذا وغيره.
الطالب: يقولون وجدت لمناسبة رؤوس الآية..
الشيخ: لا، هذا مناسبة لفظية، صحيح أن المناسبة اللفظية تأتي لكن ذكرنا لكم مناسبة معنوية وهي الاهتمام بهذا الشيء الذي أنكر أو الذي يكون بصدد الإنكار.
الطالب: بعضهم توسع في هذا وقال: وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ [الرحمن: ٤٦] وقال: مقصود جنة واحدة، والمقصود هنا مناسبة رؤوس الآية؟
الشيخ: هذا غلط، هذا غلط كبير، كيف جَنَّتَانِوهو يقول فِيهِمَا [الرحمن: ٥٠] هذه مثنى ولّا واحد؟
الطالب: مثنى.
الشيخ: طيب هذا غلط.
***
طالب: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، مَنْ كَانَ يُرِيدُ ثَوَابَ الدُّنْيَا فَعِنْدَ اللَّهِ ثَوَابُ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَكَانَ اللَّهُ سَمِيعًا بَصِيرًا (١٣٤) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ إِنْ يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقِيرًا فَاللَّهُ أَوْلَى بِهِمَا فَلَا تَتَّبِعُوا الْهَوَى أَنْ تَعْدِلُوا وَإِنْ تَلْوُوا أَوْ تُعْرِضُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا (١٣٥) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلَى رَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي أَنْزَلَ مِنْ قَبْلُ وَمَنْ يَكْفُرْ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا بَعِيدًا (١٣٦) إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ ازْدَادُوا كُفْرًا لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلَا لِيَهْدِيَهُمْ سَبِيلًا [النساء: ١٣٤ - ١٣٧].
الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم.
قال الله تعالى: مَنْ كَانَ يُرِيدُ ثَوَابَ الدُّنْيَا فَعِنْدَ اللَّهِ ثَوَابُ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِالإعراب مَنْ كَانَ يُرِيدُ ثَوَابَ الدُّنْيَاهذه جملة شرطية، ففي الشرط فيها (كان)، وجواب الشرط قوله: فَعِنْدَ اللَّهِ ثَوَابُ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، واقترن الجواب بالفاء لأنه لا يصح أن يكون فعلًا للشرط، وكل جواب لا يصح أن يكون فعلًا للشرط فإنه يتعين أن يقترن بالفاء؛ كما قال ابن مالك رحمه الله:
| وَاقْرِنْ بِفَا حَتْمًا جَوَابًا لَوْ جُعِلْ | شَرْطًا لِإِنْ أَوْ غَيْرِهَا لَمْ يَنْجَعِلْ |
هذا هو الضابط، وقد قُصَّ ما يشمله هذا الضابط بسبع جمل مذكورة في قوله:
| اسْمِيَّةٌ طَلَبِيَّـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــةٌ وَبِجَامِــــــــــــــــــــــــدٍ | وَبِمَا وَقَدْ وَبِلَنْ وَبِالتَّنْفِيسِ |
وقوله: عِنْدَ اللَّهِ ثَوَابُ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِجملة خبرية قدم فيها الخبر لإفادة الحصر؛ لأن من قواعد البلاغة أن تقديم ما حقه التأخير يقتضي الحصر. وَكَانَ اللَّهُ سَمِيعًا بَصِيرًاواضح إعرابها.
يقول الله تعالى: مَنْ كَانَ يُرِيدُ ثَوَابَ الدُّنْيَاأي جزاءها ومتعها وزهرتها فقد فاته الخير الكثير؛ لأنه حُرم ما عند الله من ثواب الدنيا والآخرة، ولهذا لم يقل: من كان يريد ثواب الدنيا نؤته منها، كما جاء ذلك في آية أخرى نُؤْتِهِ مِنْهَا وَمَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ نَصِيبٍ [الشورى: ٢٠] بل جاء الجواب على خلاف ما يتوقع السامع، يعني فكأنه لم ينل شيئًا.
وهذه الآية لها شواهد كثيرة؛ أن من أراد الدنيا فإن الدنيا والآخرة تفوته. ثم هل ينال ما أراد من الدنيا؟
الجواب: لا؛ لقول الله تعالى: مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاءُ لِمَنْ نُرِيدُ ثُمَّ جَعَلْنَا لَهُ جَهَنَّمَ يَصْلَاهَا مَذْمُومًا مَدْحُورًا (١٨) وَمَنْ أَرَادَ الْآخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ كَانَ سَعْيُهُمْ مَشْكُورًا [الإسراء: ١٨، ١٩] ثم من أراد الآخرة هل تفوته الدنيا؟ لا، ولهذا قال عز وجل: مَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الْآخِرَةِ نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ وَمَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا وَمَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ نَصِيبٍ [الشورى: ٢٠].
فمن أراد الآخرة لم تفته الدنيا، ومن أراد الدنيا قد تفوته الدنيا والآخرة، وإن أتته الدنيا فإنه لا يؤتى إلا منها، لا كل ما يريد. هذا هو الحاصل في الإرادات، ومن أراد الدنيا والآخرة معًا فهل نقول: إنه بين درجتين؟ أو نقول: إنه ينال ثواب الدرجة الثانية، وهي إرادة الآخرة؟ نقول هنا: أيهما أغلب فيمن أراد الدنيا والآخرة؟ إذا كان الأغلب الآخرة فإنه ينال ثواب الدنيا والآخرة، وإذا كان الأغلب الدنيا فإنه ينقص من ثواب الآخرة بقدر ما نوى من الآخرة، نعم بقدر ما نوى من الآخرة، فإذا كان نوى الآخرة كلها حصل له الثواب كله، أو بعضها يحصل له أقل.
وقد جاءت الأحاديث شاهدة بهذا؛ فعن عمر بن الخطاب رضي الله عنه، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إِنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ، وَإِنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى، فَمَنْ كَانَتْ هِجْرَتُهُ إِلَى اللهِ وَرَسُولِهِ، فَهِجْرَتُهُ إِلَى اللهِ وَرَسُولِهِ، وَمَنْ كَانَتْ هِجْرَتُهُ إِلَى دُنْيَا يُصِيبُهَا، أَوِ امْرَأَةٍ يَتَزَوَّجُهَا، فَهِجْرَتُهُ إِلَى مَا هَاجَرَ إِلَيْهِ» .
ولهذا نجد الذين يريدون الدنيا أحيانًا يوفَّقون في الدنيا ويحصل لهم مرادهم أو بعضه، وأحيانًا لا يحصل لهم ويكونون أشد فقرًا من المسلمين.
وقوله عز وجل: مَنْ كَانَ يُرِيدُ ثَوَابَ الدُّنْيَا فَعِنْدَ اللَّهِ ثَوَابُ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِيعني وقد فاته ما يريد؛ لأنه في الواقع قد يؤتى ما يريد أو بعضه، ثم لو أتي فإنه لن يدوم، بل سيموت أو يفقد ما أوتي.
وَكَانَ اللَّهُ سَمِيعًا بَصِيرًايعني أنه ثبت ثبوتًا أزليًّا وأبديًّا هذا الاسم، بل هذان الاسمان السميع والبصير وما تضمناه من صفة وهي السمع والبصر.
وقد مر علينا أن السمع المضاف إلى الله تعالى ينقسم إلى قسمين، وتفرع من هذين القسمين أقسام كثيرة، وأظن أننا لا نطيل بإعادة ما سبق.
في هذه الآية الكريمة عدة فوائد، أولًا: ترتيب الثواب والجزاء على النية؛ لقوله: مَنْ كَانَ يُرِيدُ، وعلى هذا فيجب على الإنسان أن يصحح نيته تمامًا، وألا ينوي في عمل الآخرة إلا الآخرة، أما عمل الدنيا فهو للدنيا.
ومن فوائد هذه الآية الكريمة: الرد على الجبرية، وذلك بإثبات الإرادة للعبد، والجبرية يقولون: إن العبد ليس له إرادة وإنه مجبر على عمله، فليس له إرادة، وهذه الآية وغيرها ترد عليهم.
ومنها: بيان انحطاط رتبة الدنيا عند الله عز وجل، ولهذا قال: فَعِنْدَ اللَّهِ ثَوَابُ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، قال ابن القيم رحمه الله في النونية:
| لَوْ سَاوَتِ الدُّنْيَا جَنَاحَ بَعُوضَةٍ | لَمْ يَسْقِ مِنْهَا الرَّبُّ ذَا الْكُفْرَانِ |
| لَكِنَّهَـــــــــــا وَاللهِ أَحْقَـــــــــــــــــــــرُ عِنْدَهُ | مِنْ ذَا الْجَنَاحِ الْقَـــــاصِرِ الطَّيَرَانِ |
يعني لو أن الدنيا تساوي جناح بعوضة ما سقى الله أحدًا من الكفار ولا أنعم عليهم بشيء لكفرهم، لكن يتمتعون بها لأنها ليست عند الله بشيء، سواء تمتع بها أولياؤه أو أعداؤه، وهذا هو الواقع، فالدنيا إذا لم تكن وسيلة للآخرة فلا خير فيها، حتى لو نُعِّم فيها الإنسان فإن هذا النعيم جحيم، ولذلك تجد أشد الناس حرارة وأسى وحزنًا وقلقًا هم أصحاب الدنيا، ولا يغرنك ما عندهم من اللباس والقصور والنعيم والسيارات وغيرها، قلوبهم والله أسوأ حالا من أفقر المسلمين، ولهذا قال بعض السلف: لو يعلم الملوك وأبناء الملوك ما نحن فيه لجالدونا عليه بالسيوف .
ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن الذي يعطي الثواب هو الله عز وجل لا غيره: فَعِنْدَ اللَّهِ ثَوَابُ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ.
ويتفرع على هذه القاعدة: ألا نعتمد فيما نرجوه من ثواب الدنيا والآخرة إلا على من؟ إلا على ربنا عز وجل؛ لأنه الذي بيده الأمور، حتى قال الرسول صلى الله عليه وسلم لابن عمه عبد الله بن عباس: «وَاعْلَمْ أَنَّ الْأُمَّةَ لَوِ اجْتَمَعُوا عَلَى أَنْ يَنْفَعُوكَ بِشَيْءٍ لَمْ يَنْفَعُوكَ إِلَّا بِشَيْءٍ قَدْ كَتَبَ اللهُ لَكَ» .
ومن فوائد هذه الآية: إثبات الآخرة، ولم نقل: إثبات الدنيا، لماذا؟ لأنه ما يحتاج، لو قلنا: إثبات الدنيا، ثواب الدنيا، لكان هذا من باب اللغو: السماء فوقنا والأرض تحتنا، و
| كَأَنَّنَا وَالْمَاءُ مِنْ حَوْلِنَا | قَوْمٌ جُلُوسٌ حَوْلَهُمْ مَاءُ |
جزاه الله خيرًا على هذه الفائدة العظيمة!
نعم أقول: هذه الآية تدل على ما ذكرنا من إثبات الآخرة وأنها آتية لا بد منه، وأنها هي الغاية لكل حي، ولهذا يجب علينا أن نشعر بأننا نحن في هذه الدنيا مسافرون كالمسافر تمامًا، بل أعجل من المسافر؛ لأن المسافر يسير ويمكث، ينزل ينام، يستريح، يريح الإبل، لكن الحي في الدنيا لا يستريح، هو سائر ليلًا ونهارًا قائمًا وقاعدًا ومضطجعًا وسائرًا في كل حال، فعلينا أن نشعر أنفسنا بهذا لئلا نتخذها وطنًا، ومن نعمة الله سبحانه وتعالى على الإنسان، على العباد جميعًا، أنه لم يجعل نعيم هذه الدنيا كاملًا، بل ينغص لئلا يتخذ الإنسان أيش؟ مقرًّا ووطنًا، بل يعرف أنها ليست دار مقر، صفوها كدر، وراحتها عناء، بهذا نقول: إن الآخرة هي الأهم.
ومن فوائد هذه الآية الكريمة: إثبات اسمين من أسماء الله، هما: السميع والبصير، وإثبات ما يترتب عليهما من وصف، وهو:
طالب: السمع والبصر.
الشيخ: وإثبات ما يترتب عليهما من أثر؟
طالب: هو أن الله سبحانه وتعالى يسمع ويبصر.
الشيخ: هو أن الله يسمع ويبصر، يعني ليس سميعًا بلا سمع أو بلا بصر ولا ذا بصر بدون أن يبصر أو ذا سمع بدون أن يسمع.
ثم قال عز وجل: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواالخطاب لمن؟ لكل المؤمنين، ونحن إن شاء الله تعالى منهم، فالخطاب إذن موجه إلينا وإلى غيرنا من كل مؤمن، يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواواعلم أن تصدير الله تعالى الخطاب بالنداء يدل على أهميته؛ لأن النداء يلفت سمع السامع ويتجه إلى المنادي: ماذا تريد؟ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا.
ثم اعلم أن تخصيص النداء بالمؤمنين يفيد أنهم هم الأهل، لتوجيههم مثل هذا الخطاب؛ لأنهم مؤمنون ينفذون أمر الله إن كان أمرًا، ويتركون نهيه إن كان نهيًا، ويتأدبون بخلقه إن كان خلقًا، فكانوا أهلًا لأن يوجه الخطاب إليهم، وكفى شرفًا بالإيمان أن يوجه الله الخطاب إلى المتصفين به يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا، شرف عظيم أن يوجه رب العالمين إليك خطابًا يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا.
ويدل أيضًا -تخصيصه بالمؤمنين- على أن ما ذكر من مقتضيات الإيمان، وأن مخالفته تنقص الإيمان.
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ، قَوَّامِينَفعالين، يعني هي صيغة مبالغة، ويحتمل أن تكون على سبيل النسبة، أي من ذوي القوامة قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ، والقسط هو العدل كما قال الله تعالى: وَيَقْتُلُونَ الَّذِينَ يَأْمُرُونَ بِالْقِسْطِ مِنَ النَّاسِ [آل عمران: ٢١] فالقسط هو العدل، والإقساط؟
طالب: (...).
الشيخ: الجور ولّا الظلم؟
طالب: (...).
الشيخ: الجور، ما دليلك؟
طالب: (...).
الشيخ: الإقساط؟ القسط معناه العدل أليس كذلك؟ وأما أقسط فبمعنى؟
طالب: (...).
الشيخ: أقسط بمعنى عدل، وقسط بمعنى جار، ولهذا جاءت الأولى جاء اسم الفاعل منها على وزن مُفْعِل: إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ [المائدة: ٤٢] وجاء اسم الفاعل من الثاني على وزن فاعل وَأَمَّا الْقَاسِطُونَ فَكَانُوا لِجَهَنَّمَ حَطَبًا [الجن: ١٥]، بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَحال من فاعل قَوَّامِينَ، ويحتمل أن تكون خبرًا ثانيًا لقوله: كُونُوالكن كونها حالا أولى.
شُهَدَاءَ لِلَّهِأي تشهدون بالقسط لله عز وجل، لا يحملكم على هذا رياء ولا سمعة ولا دنيا ولا غير ذلك، شهداء لله فقط كما في قوله تعالى: وَأَقِيمُوا الشَّهَادَةَ لِلَّهِ [الطلاق: ٢].
وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْالشهادة على النفس ممكن؟ إي نعم، اشهد على نفسك قبل أن تشهد نفسك عليك، والشهادة على النفس هي الإقرار؛ بأن يقول: فعلت كذا وفعلت كذا وفعلت كذا، هذه الشهادة على النفس هي الإقرار، أَوِ الْوَالِدَيْنِيعني الأم والأب، حتى على الأم والأب اشهد، لكن تزعل الأم؟ ولو زعلت؟ لأن رضى الله مقدم على رضى الوالدين. وَالْأَقْرَبِينَمثل الإخوان والأبناء والأجداد والأعمام والأخوال والخالات والقرابة الذين ليسوا بأقربين من باب أولى، لكن الله نص على ذلك لأن النفس قد تميل فيهم فلا تشهد بالعدل، وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ.
ثم أشار سبحانه وتعالى إلى أمر مهم يحمل على الشهادة للمشهود له أو عليه فقال: إِنْ يَكُنْمن؟ المشهود عليه أو المشهود له إِنْ يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقِيرًا فَاللَّهُ أَوْلَى بِهِمَا؛ لأن من الناس من يشهد للغني لغناه أو للفقير لفقره، أو يشهد على الغني لغناه أو على الفقير لسبب من الأسباب، فالله أمر بأن نشهد على هؤلاء ولو كان الإنسان غنيا أو فقيرا؛ لأن أمرهما إلى خالقهما عز وجل، ولهذا قال: فَاللَّهُ أَوْلَى بِهِمَا، لا يهمك، لا تقل: أشهد للفقير لأنه فقير محتاج وصاحب عائلة، نقول: ولاية الله لهم خير من شهادتك.
ثم قال: فَلَا تَتَّبِعُوا الْهَوَىلا تتبعوا الهوى، أي هوى النفس، وهو ميل الإنسان إلى ما يخالف الشرع، هذا هو الهوى المذموم؛ بأن يميل الإنسان إلى ما يخالف الشرع، يقول: لَا تَتَّبِعُوا الْهَوَى.
وقوله: أَنْ تَعْدِلُواولّا: إن تعدلوا؟
الطلبة: (...).
الشيخ: نعم، لا اللي عندنا أَنْ تَعْدِلُواهل المعنى كراهة أن تعدلوا أو لأجل أن تعدلوا؟
طالب: الأول.
الشيخ: هو ليس أحد يريد أن يكره العدل، لكن لما أمر الله بالشهادة على النفس والوالدين والأقربين، وبين أن الله تعالى هو الذي يتولى الجميع، ونهى من اتباع الهوى قال: أَنْ تَعْدِلُوا، يعني إن أردتم العدل فلا تتبعوا الهوى، وعلى هذا فيجوز أن نقول: التقدير: كراهة أن تعدلوا، يعني أننا أمرناكم أو نهيناكم عن اتباع الهوى كراهة أن تعدلوا أو لأجل أن تعدلوا؟
الطلبة: (...).
الشيخ: نعم (...) لا يحتمل على هذا التقدير، أي من أجل أن تعدلوا، والعدل هو الاستقامة، والمراد به في باب الأحكام الحكم بما دل عليه الكتاب والسنة.
وَإِنْ تَلْوُوا أَوْ تُعْرِضُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًاإن تلووا، أي تنحرفوا في الشهادة فتزيدوا فيها أو تنقصوا منها أو تعرضوا عن الشهادة بحيث لا تؤدونها، فهذا الوعيد فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا، وماذا يكون إذا كان الله بما نعمل خبيرًا؟ الجزاء، وهذا من أشد ما يكون من الوعيد؛ لأن من علم أن الله تعالى خبير بعمله فلا يتجاسر أبدًا أن يخالف أمر الله عز وجل.
طالب: قوله تعالى: وَكَانَ اللَّهُ سَمِيعًا بَصِيرًاتمر علينا كثيرًا هذه الآية فنقول: إنها (كان) هنا مسلوبة الزمان، فهل هذا بداية توهم أم يوجد في اللغة العربية؟
الشيخ: لا، هي في اللغة العربية في هذا: كان فلان مضيافًا، لإثبات كونه كريمًا يضيف الناس.
طالب: (...) الآية بقوله: تَعْدِلُوافيكون التقدير: فلا تتبع لهواك (...)؟
الشيخ: زين..
طالب: بعض المشايخ يفسر ما يذكر أي شيء ولا مدح ولا ذم.
الشيخ: أيش؟
الطالب: ما يذكر في تفسيره، يعني بعضهم يفسر القرآن يذكر قوله وفقط، يعني لا يقول: ابن كثير أو قال شيخ الإسلام أو قال كذا أو قال كذا، حتى النبي صلى الله عليه وسلم، تفسير الصحابة عن النبي صلى الله عليه وسلم لا يذكره (...).
الشيخ: إن المفسرين ينقسمون إلى قسمين: مفسر بالنظر، ومفسر بالأثر، المفسر بالأثر لا بد أن يذكر الآثار، مثل على رأسهم محمد بن جرير رحمه الله، والمفسر بالنظر يفسر بما يقتضيه نظره.





