تفسير سورة النساء - 38
عدد الزيارات 3850

عناصر المادة :
تفسير الآية (136)
تفسير الآية (137)
تفسير الآية (138)
تفسير الآية (139)
تفسير الآية (140)

الجزع، وهذا من أشد ما يكون من الوعيد؛ لأن من علم أن الله تعالى خبير بعمله فلا يتجاسر أبدًا أن يخالف أمر الله عز وجل.
طالب: شيخ، قوله تعالى: وَكَانَ اللَّهُ سَمِيعًا بَصِيرًا [النساء: ١٣٤] تمر علينا كثيرًا مثل هذه الآيات فنقول: إنها كَانَهنا (...) فهل هذا يحتاج لتوهم أم أنه يرد اللغة العربية بهذا؟
الشيخ: لا، يرد في اللغة العربية بهذا، يرد: كان فلان مضيافًا؛ لإثبات كونه كريمًا.
طالب: شيخ، ما يحتمل أيضًا في قوله: أَنْ تَعْدِلُوا [النساء: ١٣٥] بأن يكون منصوبًا بنزع الخافض والتقدير: فلا تتبع الهوى؟
الشيخ: زين.
طالب: بارك الله فيكم، بعض المشايخ يفسر ما يذكر أي شيء؛ يعني ما يذكر صحابيًّا، ولا نقل، ولا يذكر..
الشيخ: أيش؟
الطالب: ما يذكر في تفسيره، يعني عندما يفسر بعضهم القرآن على طريقته هو فقط؛ يعني لا يقول: ابن كثير، أو قال شيخ الإسلام، أو قال كذا، أو قال كذا، ما يذكر أي شيء حتى النبي صلى الله عليه وسلم يعني في تفسير الصحابة، نقلوا عن النبي صلى الله عليه وسلم ما يذكره، ما رأيكم في هذا؟
الشيخ: رأيي أن المفسرين ينقسمون إلى قسمين: مفسِّر بالنظر، مُفسِّر بالأثر؛ المفسر بالأثر لا بد أن يذكر الآثار، مثل: وعلى رأسهم: محمد بن جرير رحمه الله، والمفسّر بالنظر: يُفسّر بما يقتضيه نظره.
الطالب: بما يراه يعني؟
الشيخ: إي نعم، لكن يعني ما يلزم أن يكون تفسيره باطلًا.
طالب: وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ [النساء: ١٣٥] يا شيخ، جزاك الله خيرًا، لو شرطية، وما هو فعل الشرط وجوابه؟
الشيخ: هو ما سبق لنا مثل هذا يا جماعة؟ (...)؟ سبق لنا مثل هذا وقلنا: إن الصحيح أنها لا تحتاج إلى جواب.
الطالب: وكان يا شيخ فعل..
الشيخ: هذه ما هي مشكلة، ولو كان على أنفسكم، ما هي مشكلة.
طالب: وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ.
الشيخ: الجار والمجرور متعلق بمحذوف.
طالب: وجوابه؟
الشيخ: أما الجواب فقيل: إن الجواب محذوف دلّ عليه ما قبله.
والتقدير: ولو كان على أنفسكم فكونوا قوّامين، والصحيح أنها لا تحتاج.
طالب: في قوله تعالى: وَإِنْ تَلْوُوا أَوْ تُعْرِضُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا [النساء: ١٣٥]. قوله تعالى: فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًاهل هو جزاء الشرط، أم أن الجزاء محذوف، وهذا حل محله؟
الشيخ: لا، الصحيح أنه غير محذوف؛ وأن الحكم يُؤخذ من مثل هذا كقوله تعالى: إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ [المائدة: ٣٤].
طالب: أحسن الله إليكم، كثير من الأصوليين يحتج أو يستدل بقول الله تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا [البقرة: ١٠٤] على أن الكفار لا يخاطبون (...)؟
الشيخ: هذا بسيط، نرد عليه بقوله تعالى في آيات متعددة: يَا أَيُّهَا النَّاسُ [البقرة: ٢١] وتخصيص بعض أفراد العام لا يدل على التخصيص.
طالب: قلنا: أقسط بمعنى عدل كقوله تعالى: فَإِنْ فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا [الحجرات: ٩] هنا بيصير فيه ترادف فاعدلوا وأقسطوا؟
الشيخ: وين الترادف؟
طالب: فَإِنْ فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ [الحجرات: ٩] واعدلوا؟
الشيخ: نعم، هذا صلح.
الطالب: كيف يقول يعني؟
الشيخ: هل يمنع التكرار لإثبات الحكم؟ لأن المسألة خطيرة، نحن لا نتصور كيف يكون الأمر في طائفتين كبيرتين من المؤمنين اقتتلوا، وبغت إحداهما على الأخرى، أمر شديد فلا بد من التأكيد.

***

قول الله تبارك وتعالى: وَمَنْ أَحْسَنُ دِينًا مِمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِما معنى قوله: وَمَنْ أَحْسَنُ دِينًا مِمَّنْ أَسْلَمَ؟
هذا الاستفهام.
طالب: أي: لا أحسن.
الشيخ: أي: لا أحسن.
الطالب: الاستفهام إذا أشرب معنى النفي..
الشيخ: يعني فهو استفهام بمعنى النفي.
لماذا يُعدل عن التعبير بالنفي الذي هو الأصل إلى الاستفهام؟
الطالب: لأنه أبلغ؛ لأنه يفيد التحدي.
الشيخ: أبلغ بأيش؟
الطالب: في المعنى.
الشيخ: المعنى هنا ما هو؟
الطالب: أي ما أحسن.
الشيخ: يعني أبلغ في النهي، كأن المتكلم يتحدى المخاطب فيقول: أرني ما هو أحسن؛ وعلى أي شيء نصب قوله: دِينًا؟
الطالب: تمييز لـأَحْسَنُ.
الشيخ: تمييز لـأَحْسَنُ. هل يمكن أن نأخذ من هذا قاعدة أن ما نُصب بعد أحسن فهو تمييز؟
طالب: كل ما نصب بعد أفعل التفضيل فإنه ينصب على التمييز.
الشيخ: إذا كان مُبيّنًا له، كذا؟ طيب، بارك الله فيك.
وَإِنْ يَتَفَرَّقَا يُغْنِ اللَّهُ كُلًّا مِنْ سَعَتِهِ [النساء: ١٣٠] هل في هذه الجملة حث على التفرق أم ماذا؟
طالب: إي نعم؛ لأن الله سبحانه وتعالى بيّن أنهما إذا تفرقا فإن الله سبحانه وتعالى يُغني كل واحد منهما يعني من سعته، يعني إذا..
الشيخ: لكن هل هي للترغيب في التفرق، أو للتسلية عند التفرق؟
الطالب: للتسلية عند التفرق.
الشيخ: أضربت عن الأول؟
الطالب: لا، إذا صعب حالهما بين الزوجين فالتفرق أحسن من.. إي نعم.
الشيخ: إي نعم، ما فهمنا شيئًا!
طالب: دفعًا لليأس.
الشيخ: إي، يعني: إذن تسلها عند التفرق؛ لكن لو قال قائل: إنه ترغيب في التفرق؟
طالب: شيخ، يمكن أن يقال: هو ترغيب في التفرق لمن لم يمكن العيش بينهما؛ يعني بين الزوجين، إذا تعذر العيش والمعاشرة بالطيب فإنه حينئذٍ..
الشيخ: يعني معناه: إذا رغب كل منهما في التفرق فهذا؟
الطالب: فالأفضل لهما أن يتفرقا.
الشيخ: فالأفضل أن يتفرقا.
الطالب: وهو حث لهما على..
الشيخ: على التفرق.
الطالب: التفرق في حال؛ وهو عدم إمكانية المعاشرة بينهما؛ أن تكون المعاشرة يعني مثلًا وجودهما مع بعض مما..
الشيخ: يزيد الأمر شدة.
الطالب: نعم، فحينئذٍ يرغبون في التفرق، وهذا خلافًا للنصارى.
الشيخ: ما وصلنا إلى الخلاف والوفاق!! المهم على كل حال صارت الآية تحتمل هذا وهذا؟ يعني حسب الحال.
الطالب: هكذا.
الشيخ: إن كانا قد ندما، أو ندم أحدهما، أو خاف من فصم العُرى بينهما فيقال: إن الله سبحانه وتعالى قدّر التفرّق؛ ولكنه يعدكما بأن يغني كل واحد منكما من سعته. وأما إذا كان الفراق خيرًا؛ فهو ترغيب في الفراق، فالآية هنا على حسب الحال.
طالب: وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ [النساء: ١١٥].
الشيخ: ونُوَلِّهِ.
طالب: ونُوَلِّهِكذلك.
الشيخ: نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ [النساء: ١١٥]؛ وهذا التسكين للتخفيف.
يقول عز وجل: لَا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ [النساء: ١١٤] إِلَّا مَنْ أَمَرَهل الآمِر من النجوى حتى يصح الاستثناء؟ إلا من أمر يعني لا خير في كثير من نجواهم إلا من أمر، كيف تُستثنى الذات من المعنى؟
الطالب: لأن الذات يأمر بالمعنى.
الشيخ: لا، الذات ذات، (من) اسم موصول.
طالب: فهو إلا من أمر بشيء؛ إلا من أمر بصدقة أو معروف، فهو يأمر بصدقة، أو معروف.
طالب آخر: إذا فسّرنا النجوى بمعنى: المتناجين؛ فالاستثناء يعني على الأصل، أما إذا فسرنا النجوى: بالمصدر؛ فيكون هنا على تقدير إلا مناجاة من أمر.
الشيخ: أو نجوى من الأمر؛ إذا قلنا: النجوى هنا اسم للمتناجين؛ صار الاستثناء على ما هو عليه؛ لأنه استثناء ذات من ذات.
وأما إذا جعلنا النجوى هنا من الفعل الذي هو التناجي، فيكون التقدير إلا نجوى من أمر بصدقة.
قوله: إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍيقتضي أن من أمر بصدقة ففي أمره الخير على كل حال مع أن النجوى التي غير أمر الصدقة وما ذكر معها الكثير لا خير فيه.
طالب: (...)؟
الشيخ: الآن نجوى بني آدم، كلام بني آدم، لا خير في كثير منهم.
طالب: إلا من أمر بصدقة، أو معروف، أو إصلاح بين الناس.
الشيخ: فكل أمر بصدقة فيه خير؟
طالب: نعم.
الشيخ: طيب كل أمر بالمعروف فيه خير؟
الطالب: نعم.
الشيخ: كل إصلاح بين الناس فيه خير؟
الطالب: نعم.
الشيخ: صحيح، إذن ما فائدة قوله: وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا [النساء: ١١٤]؟
طالب: لأن الأمر بالصدقة وبالمعروف والإصلاح بين الناس هذا فيه نفع متعدٍّ.
الشيخ: فهي خير.
الطالب: فهي خير بحد ذاته، فإن ابتغى وجه الله فإنه يزداد الخير له، وإلا يبقى النفع متعديًا.
الشيخ: إي، تبقى الخيرية في النفع المتعدي؛ فإن كان ذلك ابتغاء مرضات الله ازداد أجرًا، بارك الله فيك.
هل يستفاد من الآية أن الأولى الإقلال من الكلام؟
الطالب: نعم؛ لأنه لا خير في كثير من نجواهم.
الشيخ: أحسنت.

***

طالب: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلَى رَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي أَنْزَلَ مِنْ قَبْلُ وَمَنْ يَكْفُرْ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا بَعِيدًا (١٣٦) إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ ازْدَادُوا كُفْرًا لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلَا لِيَهْدِيَهُمْ سَبِيلًا (١٣٧) بَشِّرِ الْمُنَافِقِينَ بِأَنَّ لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا (١٣٨) الَّذِينَ يَتَّخِذُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ أَيَبْتَغُونَ عِنْدَهُمُ الْعِزَّةَ فَإِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا [النساء: ١٣٦ - ١٣٩].

الشيخ: أحسنت. أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله تبارك وتعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِالفوائد؛ أبدًا؟ من أين؟
نبدأ بفوائد الآية السابقة، ونسأل الله الإلهام والتوفيق.
قال الله تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ [النساء: ١٣٥].
في هذه الآية الكريمة من الفوائد: وجوب إقامة الشهادة؛ لقوله: كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ.
ومن فوائدها: وجوب العدل فيها بحيث لا يزيد فيها ولا ينقص، ولا يأبى أن يؤديها عند الحاجة إليها؛ لأن هذا كله داخل في قوله: قَوَّامِينَ.
ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أنه يجب العدل في أداء الشهادة، ومنه ما ذكره في قوله: وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ.
ومن فوائد الآية الكريمة: الإشارة إلى الإخلاص في أداء الشهادة؛ لقوله: شُهَدَاءَ لِلَّهِفلا تظن أن الشهادة مجرد شهادة للغير أو على الغير، لا، ابتغها قربة إلى الله عز وجل مخلصًا بها لله لامتثال أمره بأدائها.
ومن فوائد هذه الآية الكريمة: وجوب الإقرار على من عليه حق؛ لقوله: وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ. فيجب على الإنسان أن يُقرّ بالحق الذي عليه ولو كان مرًّا.
ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن الإقرار شهادة؛ لقوله: وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْوذلك أن الإنسان في الواقع إما أن يضيف الشيء إلى نفسه، أو على نفسه، أو لغيره على غيره.
هذه ثلاثة أنواع: إما أن يضيف الشيء إلى نفسه، أو على نفسه، أو لغيره على غيره.
فالأول: دعوى، إذا أضاف الشيء لنفسه قال: هذا لي، أو أنا أطلبك مئة ريال، أو ما أشبه ذلك، هذه دعوى تحتاج إلى بينة، وطريق حكم حسب ما تقتضيه الشريعة.
أو يُضيف الشيء أيش؟ على نفسه، وهذا إقرار مثل أن يقول: لفلان عليّ كذا.
أو يضيف الشيء لغيره على غيره، وهذا شهادة، يشهد بالشيء لفلان على فلان؛ وكلها تعتبر شهادة.
ومن فوائد هذه الآية الكريمة: وجوب الشهادة على الوالدين والأقربين بما يلزمهم؛ لقوله: أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ. وعلى هذا فتقبل شهادة الولد على والديه؛ وهل تقبل لهما؛ للوالدين؟
في هذا خلاف بين العلماء:
منهم من قال: لا تُقبل سدًّا للباب، ودفعًا للتهمة.
ومنهم من فصّل؛ فقال: إذا علم أن الوالدين أهل تُقى وصلاح، وأنهما لن يدّعيا ما ليس لهما، وأن الولد أيضًا على جانب كبير من التقى والأمانة فإن الشهادة للوالدين تقبل؛ لأن العلة -وهي التهمة- مفقودة في مثل هذه الصورة.
ولكن أكثر العلماء -فيما أظن- على رد قبول شهادة الإنسان لوالديه سدًّا للباب؛ ولأن مقياس الأمانة، أو عدم الأمانة أمر يصعب.
ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن الله سبحانه وتعالى نهى عن المحاباة للغنى أو للفقر؛ من أين؟
طالب: إِنْ يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقِيرًا فَاللَّهُ أَوْلَى بِهِمَا.
الشيخ: ومن فوائدها: أن الله سبحانه وتعالى هو الوليّ على كل أحد، فلا تحابِ أحدًا لغناه ولا لفقره؛ فالله ولي الجميع.
ومن هنا نأخذ فقه ما يروى عن عمر بن عبد العزيز رحمه الله حين قيل له: ألا توصي لأولادك؟ قال: لن أوصي لهم؛ إن كان أولادي صالحين فالله يتولى الصالحين؛ وولاية الله لهم خير من ولايتي، وإن لم يكونوا صالحين، فلا أعينهم على فسقهم؛ وهذا من فقهه رحمه الله، خلافًا لما يفعل الناس الآن من محاباة القريب، والولد، والوالد، ولو كانوا من أفسق عباد الله.
ومن فوائد هذه الآية الكريمة: تحريم ما يسمى بالاشتراكية؛ لأن دعاة الاشتراكية -والحمد لله أنها خمدت نارهم- يقولون: إننا نريد أن نرحم الفقير لنأخذ من مال الغني، ونعطيه الفقير رحمة به؛ فيقال: إن الله أولى به منكم، والله عز وجل له حكمة في جعل الناس بعضهم فقيرًا وبعضهم غنيًّا، وقد أشار الله إلى ذلك في قوله تعالى: وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا سُخْرِيًّا [الزخرف: ٣٢].
سُخْرِيًّاأي: يُسخّر بعضهم بعضًا؛ لأنه لو كان الناس على حد سواء ما استقامت الأمور، من يبني لك بيتك إذا كان الناس كلهم أغنياء؟ ومن يبني لك بيتك إذا كانوا كلهم فقراء؛ لأنك ما عندك شيء تبنيه؟ فالله عز وجل له حكمة في اختلاف الطبقات، لكن مع ذلك لم يضيع حق الفقير، فأوجب الزكاة، وأوجب دفع الضرورة، وأوجب النفقة على الأقارب، وأوجب النفقة على الأزواج، وما أشبه ذلك، وهذا كله يسد حاجات كثير من الفقراء.
ومن فوائد الآية الكريمة: تحريم اتباع الهوى الذي يخالف العدل؛ لقوله: فَلَا تَتَّبِعُوا الْهَوَى أَنْ تَعْدِلُواوالهوى لا يُذم مطلقًا، ولا يحمد مطلقًا، إذا كان الهوى تبعًا لما جاء به الرسول؛ فهو محمود، وإذا كان مخالفًا له؛ فهو مذموم ولهذا قال: لَا تَتَّبِعُوا الْهَوَى أَنْ تَعْدِلُواأي: كراهة أن تعدلوا.
ومن فوائد هذه الآية الكريمة: التحذير من الجور؛ لقوله: أَنْ تَعْدِلُواوهذا يشمل كل موضع يتعيّن فيه العدل، فيكون مثلًا في العدل بين الأولاد في العطية، وغير العطية حتى كان السلف يعدلون بين أولادهم في القُبل؛ يعني إذا قبَّل صبيًّا قبَّل الآخر، العدل بين الزوجات أيضًا، العدل بين الخصمين بين يدي القاضي، وما أشبه ذلك.
ومن فوائد هذه الآية الكريمة: تحذير من أعرض عن إقامة الشهادة، والعدل، أو لوى؛ لقوله: وَإِنْ تَلْوُوا أَوْ تُعْرِضُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا.
ومن فوائد الآية الكريمة: عموم علم الله وخبرته؛ لقوله: بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا؛ لأن (ما) هذه اسم موصول تشمل كل ما يعمله بنو آدم.
ومنها: التحذير من مخالفة الله؛ لأن كل مؤمن بأن الله خبير بعمله لا بد أن يتجنّب ما يكون سببًا للعقاب، ويتعرّض ما يكون سببًا للثواب.
تفسير الآية (136)
00:26:34

قوله تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ [النساء: ١٣٦] كلما رأيت الخطاب مصدرًا بـيَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوافانتبه له، كما يُذكر عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه أنه قال: إذا سمعت الله يقول: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوافأرْعها سمعك؛ فإما خير تؤمر به، وإما شر تُنهى عنه .
وقد ذكرنا فوائد تصدير الخطاب بـيَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوافلا حاجة إلى تكراره؛ لأنه معلوم.
وقوله: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِقد يقول قائل: كيف يقول: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواثم يقول: آمِنُواوالأمر بالحاصل لغو؟ وخطابهم بالإيمان، ثم أمرهم به هذا أمر بشيء حاصل؟
فيقال: لا، هذا الفهم خطأ، والمراد بقوله: آمِنُواأي: حقِّقوا إيمانكم، واثبتوا عليه؛ فيكون الأمر بالإيمان في قوله: آمِنُواأمرًا بأمرين:
الأول: تحقيق الإيمان؛ أي: الحرص على تكميله من كل وجه.
والثاني: الثبات عليه؛ لأنه كم من مؤمن يزِلّ، ويُقصّر.
وقوله: آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِالمراد بالرسول هنا: محمد عليه الصلاة والسلام؛ بدليل ما يأتي بعد.
فما هو الإيمان بالله؟
الإيمان بالله ذكرنا فيما سبق، ولا حرج أن نعيده الآن؛ أن الإيمان بالله يتضمّن أمورًا أربعة: الإيمان بوجوده، والإيمان بربوبيته، والإيمان بألوهيّته، والإيمان بأسمائه وصفاته؛ هذا الإيمان بالله من أنكر واحدًا منها فإنه لم يؤمن بالله.
الإيمان بالرسول عليه الصلاة والسلام يتضمّن الإيمان بأنه رسول الله حقًّا، وأنه جاء بالحق فيصدقه فيما أخبر، ويمتثل أمره فيما أمر، وينزجر عما عنه نهى وزجر.
وَالْكِتَابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلَى رَسُولِهِ. والمراد به هنا: القرآن وَالْكِتَابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلَى رَسُولِهِوعبّر عنه بقوله: نَزَّلَعبر عن تنزيله بـنَزَّلَ؛ لأنه ينزل شيئًا فشيئًا كما قال تعالى: وَقُرْآنًا فَرَقْنَاهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَى مُكْثٍ وَنَزَّلْنَاهُ تَنْزِيلًا [الإسراء: ١٠٦].
وَالْكِتَابِ الَّذِي أَنْزَلَ مِنْ قَبْلُ(الكتاب) هنا اسم جنس، فـ(أل) هنا للاستغراق؛ أي: وكل كتاب أنزل من قبل، وعبر عن الكتب السابقة بـأَنْزَلَ؛ لأنها تنزل جملة واحدة.
الإيمان بكتاب الله: هو أن تُؤمن بأنه من عند الله حقًّا، وأن ما جاء فيه من أخبار فهو صدق، وما جاء فيه من أحكام فهو عدْل، وأنه مهيمن على الكتب السابقة ناسخ لها.
والإيمان بالكتاب الذي أنزل من قبل: أن تؤمن بأن كل رسول قد أنزل الله عليه كتاب، وتؤمن بما جاء من الكتب بالتعيين مثل: التوراة، والإنجيل، والزبور، وصحف إبراهيم وموسى، وأن تؤمن بأنها من عند الله عز وجل، وأن تؤمن بكل ما صح فيها من خبر.
وقيّدنا: بكل ما صح فيه من خبر؛ لأنه دخلها التحريف، والتبديل، والتغيير. وأما الأحكام فلستَ مأمورًا باتباعها إلا حيث أمرك شرعك.
وقد اختلف العلماء رحمهم الله في شرع من قبلنا هل هو شرع لنا، أو ليس بشرع؟
والتحقيق: أنه شرع لنا؛ لقوله تعالى: فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ [الأنعام: ٩٠] إلا إذا ورد شرعنا بخلافه، فإنه يكون منسوخًا على أن العمل بالأحكام التي في الكتب الموجودة الآن بأيدي أهل الكتاب ليس مأمونًا؛ لأنهم حرّفوا، وبدّلوا، وغيّروا.
ثم قال: وَمَنْ يَكْفُرْ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا بَعِيدًاكم هذه من أركان الإيمان؟
خمسة؛ باقي الإيمان بالقدر مذكور في آيات أخرى، من يكفر بالله؛ فينكره، أو ينكر ما ثبت له من حقوق، أو من أسماء، وصفات؛ فقد ضل ضلالًا بعيدًا، وكذلك من يكفر بالملائكة.
والملائكة: هم عالم غيبي خلقهم الله عز وجل؛ ليقوموا بطاعته، ورتّب لهم وظائف، كل على حسب ما تقتضيه حكمة الله عز وجل، وهم أشرف من الجن وأقوى وأعظم؛ فإن النبي صلى الله عليه وسلم رأى جبريل على صورته التي خُلق عليها له ست مئة جناح قد سد الأفق .
وهذا شيء عظيم؛ العفريت من الجن قال لسليمان: أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ تَقُومَ مِنْ مَقَامِكَ [النمل: ٣٩]، والملك جاء به قبل أن يرتد إليه طرفه، وهذا أقوى وأعظم.
الملائكة: منهم من نعلمهم بأعيانهم مثل: جبريل، ميكائيل، وإسرافيل، مالِك خازن النار، رضوان -إن صح- خازن الجنة، منكر ونكير إذا صح؛ وهما اللذان يسألان المرء عند دفنه.
أما عزرائيل، فلم يصح، وهو مشهور عند العامة شهرة الشمس في رابعة النهار، فمن هو؟
ملك الموت عند العامة اسمه عزرائيل، وهذا الاسم عند العامة أشهر من اسم جبريل؛ لكنه لم يصح عن النبي عليه الصلاة والسلام أنه بهذا الاسم.
نؤمن أيضًا بما علمنا من أعمالهم وأوصافهم، نحن نعلم أن جبريل عليه السلام موكّل بالوحي، وفيه حياة الأرواح، والقلوب، وأن إسرافيل موكّل بالنفخ في الصور، وفيه الحياة الآخرة حين ينفخ في الصور، فتخرج الأرواح تحل في أجسادها، ميكائيل؛ مُوكّل بالقطر والنبات؛ وفيه حياة الأرض.
وهؤلاء الثلاثة كان النبي عليه الصلاة والسلام يستفتح صلاة الليل بقوله: «اللَّهُمَّ رَبَّ جِبْرَائِيلَ وَمِيكَائِيلَ وَإِسْرَافِيلَ» لأن في هؤلاء الملائكة كل واحد له حياة معينة، ونحن الآن في استقبال النهار، واستقبال النهار بعد النوم يعتبر حياة جديدة؛ كما قال تعالى: وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ بِاللَّيْلِ وَيَعْلَمُ مَا جَرَحْتُمْ بِالنَّهَارِ ثُمَّ يَبْعَثُكُمْ فِيهِ [الأنعام: ٦٠].
كذلك الكتب؛ الإيمان بالكتب سبق بيانه.
الرسل، أيضًا نؤمن برسل الله عز وجل على سبيل الإجمال، وعلى سبيل التعيين؛ فيمن علمناه بعينه، وليس كل الرسل قد علمناهم؛ لقول الله تبارك وتعالى: وَرُسُلًا قَدْ قَصَصْنَاهُمْ عَلَيْكَ مِنْ قَبْلُ وَرُسُلًا لَمْ نَقْصُصْهُمْ عَلَيْكَ [النساء: ١٦٤]. وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلًا مِنْ قَبْلِكَ مِنْهُمْ مَنْ قَصَصْنَا عَلَيْكَ وَمِنْهُمْ مَنْ لَمْ نَقْصُصْ عَلَيْكَ [غافر: ٧٨] لكن نؤمن بهم على سبيل الإجمال.
وأما المعيّن: فنؤمن به على سبيل التعيين؛ وكيف نؤمن بهم؟
نؤمن بأنهم رسل الله، وأنهم صادقون، فيما أخبروا به عن الله عز وجل، وأنهم مبعوثون إلى أقوامهم، وأنهم أدوا الرسالة؛ ولهذا سنُستشهد يوم القيامة لهم وعلى أممهم كما قال تعالى: وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ [البقرة: ١٤٣].
يقول عز وجل: وَالْيَوْمِ الْآخِرِوهو يوم البعث، وسمي اليوم الآخر؛ لأنه يوم انتهى ليس بعده يوم.
الدنيا ثلاث مراحل: مرحلة الأجنة، ومرحلة الحياة، ومرحلة البرزخ؛ والرابع: النهاية؛ مرحلة البعث؛ ولهذا يسمى اليوم الآخر.
فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا بَعِيدًاهذا جواب الشرط، شرط من؟ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا بَعِيدًاوصار في متاهات بعيدة؛ لأن هذه الأشياء أمرها ظاهر، فجحدها وإنكارها ضلال بعيد ومكان سحيق.
في الآية الكريمة فوائد:
أولًا: وجوب الثبات على الإيمان؛ لقوله: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِإلى آخره.
ومن فوائد هذه الآية الكريمة أيضًا: وجوب تكميل الإيمان؛ بناء على أن قوله: آمِنُواأي: اثبتوا وحققوا الإيمان بإكماله.
ومن فوائد الآية الكريمة: وجوب الإيمان بالله عز وجل ورسوله وكتابه؛ لقوله: آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلَى رَسُولِهِ.
ومن فوائد الآية الكريمة: أن القرآن مُنزَّل؛ لقوله: الْكِتَابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلَى رَسُولِهِ.
وفيما يتعلق بالله عز وجل فيه أن القرآن كلام الله؛ لأنه نزل من عنده فيكون كلامه.
وعلوّ الله عز وجل أيضًا؛ لقوله: نَزَّلَوالتنزيل يكون من أعلى إلى أسفل؛ وكل هذا أمر معلوم في العقيدة درستموه والحمد لله، لا حاجة للإطالة فيه.
ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن القرآن مُنزّل على محمد عليه الصلاة والسلام؛ لقوله: عَلَى رَسُولِهِ؛ وأين منتهى نزوله؟ قلب النبي عليه الصلاة والسلام؛ لقول الله تعالى: نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ (١٩٣) عَلَى قَلْبِكَ [الشعراء: ١٩٣، ١٩٤] فقد حلّ في قلب الرسول عليه الصلاة والسلام ووعاه وبيّنه، ولم يفته حرف واحد كما قال تعالى: فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ (١٨) ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ [القيامة: ١٨، ١٩].
ومن فوائد الآية الكريمة: أن القرآن الكريم نزل مفرّقًا؛ لقوله: نَزَّلَ عَلَى رَسُولِهِ. واستشهدنا بالآية الكريمة: وَقُرْآنًا فَرَقْنَاهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَى مُكْثٍ وَنَزَّلْنَاهُ تَنْزِيلًا [الإسراء: ١٠٦].
ومن فوائد هذه الآية الكريمة: وجوب الإيمان بالكتب السابقة؛ لقول الله تعالى: وَالْكِتَابِ الَّذِي أَنْزَلَ مِنْ قَبْلُ.
فلو أن أحدًا قال: أنا أؤمن بالقرآن، لكن التوراة والإنجيل لم تنزل على رسولنا فلن أؤمن بها؟
قلنا: أنت كافر الآن، كافر مرتد؛ لأنه لا بد أن تؤمن بالكتاب الذي أنزل من قبل كما أمرك الله.
ومن فوائد الآية الكريمة: أن هذا القرآن الكريم ختام الكتب؛ من أين تؤخذ؟ الَّذِي أَنْزَلَ مِنْ قَبْلُولم يقل: ومن بعد، إشارة إلى أنه لا كتاب بعد هذا القرآن الكريم.
ويتفرع على هذه الفائدة: أنه لا رسول بعد محمد صلى الله عليه وسلم؛ لأنه لو ثبت أن هناك رسولًا بعده للزم أن ينزل عليه كتاب.
ومن فوائد الآية الكريمة: التحذير من الكفر؛ لقوله: فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا بَعِيدًا.
ومن فوائدها: أنه لا يصح الإيمان المبَعّض؛ بمعنى أن يؤمن ببعض ويكفر ببعض؛ لقوله: وَمَنْ يَكْفُرْ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا بَعِيدًا.
ومن فوائد الآية الكريمة: وجوب الإيمان بما ذكر، وهي خمسة أركان من أركان الإيمان الستة.
ومن فوائدها: وجوب الإيمان بكل ما أخبر الله به، أو أخبر به رسوله مما يكون في اليوم الآخر؛ لأن الإيمان باليوم الآخر ليس أن تؤمن بأنه سيكون، بل أن تؤمن بكل ما يجري فيه مما جاء في الكتاب والسنة؛ بل قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: مما يدخل في الإيمان باليوم الآخر الإيمان بكل ما أخبر به النبي صلى الله عليه وسلم مما يكون بعد الموت.
فجعل من الإيمان باليوم الآخر الإيمان بعذاب القبر؛ وقوله حق؛ لأن من مات خلاص انتهى من الدنيا، دخل في اليوم الآخر.
ومن فوائد الآية الكريمة: أن الضلال يتفاوت؛ بعضه أشد من بعض؛ لقوله: فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا بَعِيدًا. إذن هناك ضلال ليس ببعيد وهو كذلك؛ فالضلال يتفاوت، والإيمان يتفاوت، والأعمال تتفاوت وَلِكُلٍّ دَرَجَاتٌ مِمَّا عَمِلُوا [الأنعام: ١٣٢]؛ فمثلًا جنس الواجب أفضل من جنس المستحب، ففريضة الصلاة أفضل من نافلتها، قراءة الفاتحة أفضل من قراءة السورة التي بعدها؛ لأن قراءة الفاتحة ركن وما بعدها غير ركن؛ صيام رمضان أفضل من تطوع بصوم في أيّ زمان، وهلم جرًّا.
جنس الفريضة أفضل من أيش؟ من جنس النافلة، ودليل هذا قوله تعالى في الحديث القدسي: «مَا تَقَرَّبَ إِلَيَّ عَبْدِي بِشَيْءٍ أَحَبَّ إِلَيَّ مِمَّا افْتَرَضْتُ عَلَيْهِ» ؛ ثم أجناس الأعمال تختلف بعضها من أركان الإسلام، وبعضها ركن مؤكّد، وبعضها دون ذلك، وبعضها ليس من أركان الإسلام؛ إذن أعمال أهل الخير وأعمال أهل الشر كلها تتفاوت، وينبني على ذلك تفاوت الإيمان وتفاوت الفسق فيكون هذا أقوى إيمانًا وذاك أضعف، والفسق هذا أعظم فسقًا وهذا دون ذلك، ففاعل الكبيرة أعظم فسقًا من فاعل الصغيرة إذا فسق بفعلها، وهذا الأصل هو الذي عليه أهل السنة والجماعة على أن الأعمال تتفاضل، وأن العاملين يتفاضلون سواء السيئ أو الصالح.
تفسير الآية (137)
00:45:30

ثم قال عز وجل: إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ ازْدَادُوا كُفْرًا [النساء: ١٣٧].
كم حصل منهم من إيمان؟
طلبة: مرتين.
الشيخ: مرتين، والكفر؟
الطلبة: ثلاثة.
الشيخ: ثلاثة؛ هؤلاء آمنوا، دخلوا في الإيمان، لكن الإيمان لم يستقرّ في قلوبهم فارتدوا والعياذ بالله، آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا؛ لأن الإيمان لم يستقر في القلب، ولو استقر الإيمان في قلوبهم ما كفروا، لكن لم يستقر والعياذ بالله، كما قال تعالى: وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ [البقرة: ٨]، ثُمَّ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُواشوف التذبذب، بعد أن كفروا أول مرة بعد الإيمان آمنوا، وبعد ذلك كفروا وازدادوا كفرًا -نسأل الله العافية- لتلاعبهم بالدين، صار الكفر الأخير أشد مما قبله؛ لأنهم متلاعبون متذبذبون، فهم لا يستقرّون على قرار، قال تعالى: لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلَا لِيَهْدِيَهُمْ سَبِيلًاهذا خبر (إن) إن الذين كفروا لَمْ يَكُنِ اللَّهُ.
ولَمْ يَكُنِهنا فعل مضارع منفي، واللام في قوله: لِيَغْفِرَ لَهُمْتسمى لام النفي أو لام الجحود؛ وهي زائدة على قول بعض النحويين، وغير زائدة على قول آخرين، فالذين قالوا: إنها زائدة قالوا: التقدير: لم يكن الله يغفر لهم، والذين قالوا: غير زائدة، قالوا: إن لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْعلى تقدير الإرادة؛ يعني لم يرد لغفرانهم؛ وأيًّا كان ففي قوله: لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْتيئيس لهم من المغفرة والعياذ بالله، وأنهم سيبقون على كفرهم إلى يوم يلقونه.
وَلَا لِيَهْدِيَهُمْ سَبِيلًاسَبِيلًايعني طريقًا، إلى الخير أو إلى الشر؟ إلى الخير، لا يمكن أن يهديهم الله سبيلًا إلى الخير، وفي الآية التي في آخر السورة: وَلَا لِيَهْدِيَهُمْ طَرِيقًا (١٦٨) إِلَّا طَرِيقَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا [النساء: ١٦٨، ١٦٩] قال ذلك في الذين كفروا وظلموا.
فهؤلاء الذين حصل لهم ذلك قد سدّ الله عنهم باب المغفرة وباب الرحمة؛ باب المغفرة في قوله: لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ، وباب الرحمة في قوله: وَلَا لِيَهْدِيَهُمْ سَبِيلًا.
طالب: هل يؤخذ من هذه الآية الكريمة: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوافائدة أخرى هي الإيمان يزيد وينقص؟
الشيخ: ربما يؤخذ منه أن الإيمان يزيد وينقص، قلنا: آمَنُواأي: اثبتوا على الإيمان، وحقّقوا الإيمان.
الطالب: يعني يزيد في الإيمان؟
الشيخ: نعم.
طالب: الضلال البعيد يعود على كل من كفر بهذه الأربع، أو بواحد منها؟
الشيخ: الضلال البعيد يعود على كل من كفر بالأربع أو بواحد منها؛ لأن الذي يؤمن ببعض ويكفر ببعض كالذي كفر بالكل كما قال تعالى: إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيُرِيدُونَ أَنْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ اللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ وَيُرِيدُونَ أَنْ يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا (١٥٠) أُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ حَقًّا [النساء: ١٥٠، ١٥١].
طالب: شيخ، قال بعضهم: إن المسلم إذا ارتدّ يستتاب، فإن تاب ثم ارتد..
الشيخ: ما وصلنا إلى الأحكام.
طالب: شيخ، الله جل وعلا أطلق اسم الكفر على من كفر به، وقلنا: يا شيخ، إن من كفر بالله يتضمن الكفر بصفاته جل وعلا، وكثير يا شيخ من الناس من يكفر بصفات الله جل وعلا، فهل يصح إطلاق اسم الكفر..؟
الشيخ: الكفر بصفات الله نوعان: كفر تكذيب، وكفر تأويل.
يعني: بمعنى أدق إنكار صفات الله عز وجل ينقسم إلى قسمين: إنكار تأويل، وإنكار تكذيب؛ أما إنكار التكذيب فإنه كفر؛ لأنه تكذيب للخبر مثل: أن يقول في قوله تعالى: الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى [طه: ٥] قال: إن الله لم يستوِ على العرش، هذا كافر مرتدّ؛ لماذا؟
طالب: أنكر الاستواء.
الشيخ: لأنه كذب الخبر. أما إذا قال: الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَىاستوى لكن بمعنى استولى، فهذا إنكار تأويل؛ هذا لا يكفر إلا إذا أوّل تأويلًا لا يستقيم إطلاقه، فهمت؟
طالب: هل يلزم من إرسال الله عز وجل الرسول أن ينزل عليه كتاب؟
الشيخ: إي نعم، الدليل يا جماعة قوله تعالى: كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ [البقرة: ٢١٣]. أيضًا آية أخرى: لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ [الحديد: ٢٥].
طالب: قال الله عز وجل: لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ. وقال في آية أخرى: إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا [الزمر: ٥٣] كيف (...)؟
الشيخ: سيأتينا إن شاء الله، ما ذكرنا الفوائد.
طالب: هل الرسل الذين يُنزل الله عز وجل عليهم الكتب كلمة الرسالة هنا تتضمن الأنبياء؛ أي أن كل نبي ينزل بكتاب أيضًا؟
الشيخ: ليس الظاهر، الظاهر أن الأنبياء لا ينزل عليهم الكتب، إنما الكتب للرسل فقط؛ لأنهم هم المكلّفون بإبلاغ الخلق رسالة ربهم.
الطالب: الراجح في التفريق بين الرسول والنبي يا شيخ؟
الشيخ: إي نعم، بينهما فرق.
الطالب: ما الراجح فيه؟
الشيخ: لكن كل ما ذكر بلفظ النبي في القرآن فهو رسول.
طالب: قلتَ -حفظك الله-: إن شريعة من كان قبلنا هي شريعة لنا ما لم يرد نص في ذلك..
الشيخ: ما لم يرد شرعنا بخلافه، نعم.
الطالب: هل يدخل في ذلك صيام يوم ويوم؟
الشيخ: يوم ويوم؟
طالب آخر: صوم يوم، وإفطار يوم.
الشيخ: صوم يوم، وإفطار يوم، هذا أقرّه الرسول عليه الصلاة والسلام قال: «أَفْضَلُ الصِّيَامِ صِيَامُ دَاوُدَ» .
الطالب: لماذا لم يفعله صلى الله عليه وسلم؟
الشيخ: هذا أنت تعلم -بارك الله فيك- أن الرسول صلى الله عليه وسلم إمام الأمة، وسلطان الأمة، وأمير الأمة، ويشتغل بأشياء كثيرة أهم من هذا، أحيانًا تمر به الجنازة، وهو عند أصحابه يتكلّم معهم، ولا يقوم مع الجنازة، مع أن اتباع الجنائز من أفضل الأعمال، لكن الرسول عليه الصلاة والسلام يراعي مصالح أخرى أفضل مما يقول: إن هذا أفضل شيء.
طالب: بارك الله فيكم، بعض أهل العلم يقول: إن كل اسم ختم بـ(إيل) معناه عبد الله؛ جبرائيل، فهل هذا القول صحيح؟
الشيخ: والله هكذا قالوا، والله أعلم؛ يعني لغة عبرية الظاهر.
طالب: الكروبيون (...)؟
الشيخ: ما أدري والله، قيل: إن الكروبيين هم حملة العرش؛ وهم الذين ذكر الله: الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُيعني ومن كان حول هؤلاء هم الكروبيون، فالله أعلم.
طالب: جزاكم الله خيرًا، إذا كان رجل يصلي، ثم ترك الصلاة، ثم يصلي (...)؟
الشيخ: ما جاءت الفوائد.
طالب: شيخ، بالنسبة لجنس المعاصي هل يتفاوت مثلًا الشرك، والبدعة، والمعصية؟
الشيخ: إي، ما فيه شك، يتفاوت.
الطالب: هل مثلًا الإنسان عنده بدعة خفيفة؟
الشيخ: الشرك: أكبر، وأصغر، البدع أيضًا: بعضها مُفسّق، وبعضها مُكفِّر.
الطالب: يعني خفيفة مثلًا..؟
الشيخ: إي نعم، ما فيه شيك، نعم، تختلف. (...)

***

انتهينا إلى قوله سبحانه: إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا.
من فوائد الآية الكريمة إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ ازْدَادُوا كُفْرًا: أن المتذبذب بين الإيمان، والردة يكون مآله أن يزداد كفرًا؛ لقوله: ثُمَّ ازْدَادُوا كُفْرًاوذلك -والله أعلم- أن الإيمان لم يدخل قلبه.
ومن فوائد الآية الكريمة: أن من العلماء من استدل بهذه الآية على أن من تكررت رِدّته لم تُقبل توبته، قالوا: لأن الله قال: إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ ازْدَادُوا كُفْرًا لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ. فهل هذا الاستدلال صحيح؟
قد يقول قائل: إنه ليس بصحيح؛ لأن آخر أمر هؤلاء أيش؟ أن ازدادوا كفرًا، ولم يذكر الله توبتهم؛ فإذا قارنّا هذا بقوله تعالى: قُلْ يَاعِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا [الزمر: ٥٣].
قلنا: هذه الآية تقضي على ما ذكره هؤلاء العلماء الذين قالوا: إن من تكررت ردته لا تقبل توبته؛ لأن الآية: إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا.
وإن قال: إننا لا نقول: إنها لا تقبل توبته؛ لأنه لو تاب لن تقبل، لكننا نقول: إنه بعيد أن يتوب؛ ولهذا كان أمر هؤلاء أن يزداد الإنسان أيش؟ كفرًا، فنحن لا نقول: إنه لو تاب لم تُقبل؛ لكن نقول: يبعد أن يتوب، بل آخر أمره أن يزداد كُفرًا؛ وبناءً على هذا نقول: إذا ظهر من هذا الذي تكرّرت رِدّته، إذا ظهر منه الإيمان الصحيح، والاستقامة، وصلاح الحال؛ فإننا نقبل منه، وما ذاك على الله بعزيز.
وهذا هو الأصح: أن من تكرّرت ردّته يجب أن نتأنّى في قبول توبته، حتى نعرف أيش؟ صدق توبته، وصلاحه، واستقامته، وأنه تاب توبة نصوحًا.
ومن فوائد هذه الآية الكريمة: الرد على القدرية، والرد على الجبرية؛ الرد على الجبرية الذين يقولون: إن الإنسان مجبر على عمله، وأن فعله لا يُنسب إليه إلا مجازًا؛ فالردّ عليهم من قوله: آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ ازْدَادُوا كُفْرًافأضاف الأفعال إلى من؟ إليهم.
وفيه ردّ على الجبرية؛ لأن الجبرية عندهم: أن العبد ليس له فعل اختياري، الجبري يقول: العبد ما له فعل اختياري، مجبر على العمل كتحرّك الساقط بالرياح؛ فلما قيل لهم: كيف يكون ذلك، والله تعالى يُثيب الطائع، ويُعاقب العاصي، أيّ حكمة في إثابة الطائع، وعقوبة العاصي، والكل منهم يفعل الفعل بغير اختياره؟
قالوا: لا نتحاج على الله، يفعل الله ما يشاء، والظلم تصرف الفاعل بغير ملكه، والكل ملك لله، فإذا تصرف في ملكه بما شاء، ولو بتعذيب المطيع، وتنعيم العاصي فهو ملكه.
وبناءً على ذلك: نفوا الحكمة في أفعال الله، وقالوا: ليس لله حكمة في أفعاله، هو يفعل لمجرد المشيئة.
وفيه أيضًا: ردّ على القدرية؛ لقوله: وَلَا لِيَهْدِيَهُمْ سَبِيلًافدل هذا على أن الهداية بيد الله، وليس يستقل بها العبد.
والقدرية يقولون: إن الإنسان مستقل بفعله ليس لله فيه مشيئة، ولا خلق.
وغلاتهم يقولون: ولا علم، ولا كتابة.
فغلاتهم ينكرون جميع مراتب القدر: العلم، والكتابة، والمشيئة، والخلق.
ومقتصدوهم ينكرون مرتبتين من مراتب القدر وهما: المشيئة، والخلق؛ يقولون: الله يعلم، وقد كتب ما يكون، لكنه لا يشاؤه؛ الإنسان مستقل بعمله.
وكلا الطائفتين غاليتان مفرطتان: القدرية غالوا في إثبات فِعل العبد، وتطرفوا في إثبات خلق الله، ومشيئتة، والجبرية بالعكس.
ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أنه يجب على الإنسان أن يحذر من التردد والتقلب؛ فإن الغالب أن من هذه حاله لا يُبارك له في عمره، ولا في عمله، كونه كل يوم له رأي، وكل يوم له عمل، هذا لا شك أنه يضيع عليه الوقت، ولا يستفيد من عمره شيئًا؛ ولهذا يُذكَر عن عمر رضي الله عنه أنه قال: من بُورك له في شيء فليلزمه . وهذا عام في كل شيء؛ في العمل، حتى في السيارة إذا بُورك لك فيها؛ فالزمها، وإن كانت كل يوم تخرّب عليك فطِر عنها؛ فطر عنها ولّا بها؟ عنها.
على كل حال في هذا دليل على أن الإنسان لا ينبغي له أن يتقلّب، وليثبت، ولكن ليس معنى قولنا هذا: أنه يثبت على الباطل بعد أن يرى أنه باطل، بل الواجب إذا تبين له أنه باطل، الواجب أن يأخذ بالحق كما قال عمر في كتابته إلى أبي موسى الأشعري: لا يمنعنك قضاء قضيته بالأمس أن تقضي بالحق فيه اليوم؛ فإن الرجوع إلى الحق خير من التمادي في الباطل .
ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن الله سبحانه وتعالى إذا علم من حال العبد أنه لن يستقيم فإنه لن يغفر له، ولن يهديه؛ لأن هؤلاء آمنوا، ثم كفروا، ثم آمنوا، ثم كفروا، ثم ازدادوا كفرًا.
ويترتّب على هذه الفائدة التي دلّت عليها هذه الآية، ودلّ عليها قوله تعالى: فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ [الصف: ٥].
يتفرع على هذه الآية: أن الأعمال الصالحة تجلب الأعمال الصالحة، والأعمال السيئة تجلب الأعمال السيئة، فإذا منّ الله عليك بعمل صالح، فأبشر أنه سيمُنّ عليك بعمل آخر تتبعه إياه.

***

طالب: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم بَشِّرِ الْمُنَافِقِينَ بِأَنَّ لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا (١٣٨) الَّذِينَ يَتَّخِذُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ أَيَبْتَغُونَ عِنْدَهُمُ الْعِزَّةَ فَإِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا [النساء: ١٣٨، ١٣٩].

الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم؛ تكلمنا على الآية السابقة؛ على فوائدها وأحكامها، وهي قوله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا. وبينا اختلاف العلماء رحمهم الله هل تقبل توبة من تكررت ردته؟ وأن في ذلك قولين لأهل العلم:
فمنهم من قال: إنها لا تُقبل توبته، وأنه إذا تكررت منه الردة ثلاث مرات، ففي الثالثة لا تُقبل؛ لأنه متلاعب لو قبلناها اليوم، وهو قد ارتد مرتين من قبل فإنه ربما يرتد، واستدلوا بهذه الآية.
ولكن القول الراجح: أنه إذا تبين صدقه في توبته، فإن توبته مقبولة؛ لعموم الأدلة في قبول التوبة.
وأما الآية الكريمة فإن آخرها يقول: ثُمَّ ازْدَادُوا كُفْرًافآخر أمرهم ازدياد الكفر، وليست التوبة.
وبيّن الحذر من تذبذب الإنسان.
تفسير الآية (138)
01:05:56

قال الله تعالى: بَشِّرِ الْمُنَافِقِينَ بِأَنَّ لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا.
بَشِّرِالخطاب للرسول عليه الصلاة والسلام، ويمكن أن نجعله عامًّا لكل من يتوجّه الخطاب إليه سواء الرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم، أم غيره؛ والبشارة في الأصل هي الإخبار بما يسُرّ، قال الله تعالى: إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا [الأحزاب: ٤٥] فالتبشير الإخبار بما يسُرّ؛ فكيف قال: بَشِّرِ الْمُنَافِقِينَ بِأَنَّ لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًاوهل العذاب الأليم يسُرّ؟
لا، أجاب بعض العلماء بأن هذا من باب التهكُّم بهم، وهذا يقع كثيرًا في كلام الناس، إذا رأى إنسانًا متمردًا قال: أبشِر بالخيبة، أبشِر بالعقوبة، وما أشبه ذلك، ومنه قوله تعالى: ثُمَّ صُبُّوا فَوْقَ رَأْسِهِ مِنْ عَذَابِ الْحَمِيمِ (٤٨) ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ [الدخان: ٤٨، ٤٩].
فإن بعض العلماء قال المراد بقوله: إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُالتهكّم.
وبعضهم قال: إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُفي الدنيا، وهذا جزاؤك في الآخرة.
أما الجواب الثاني فقالوا: إن البشارة هي الإخبار بما يتغيّر به الوجه من خير، أو شر، وسُميت بذلك؛ لأن البشرة تتغير، لكن إذا أُخبر الإنسان بما يسرّه استنار وجهه، وإذا أُخبر بما يسوؤه أظلم وجهه واكفهر.
وعلى هذا فلا يكون في الآية إشكال هل قيل هذا على سبيل التهكم، أو على سبيل الحقيقة؟
بل يكون قيل على سبيل الحقيقة.
وقوله: الْمُنَافِقِينَيعني: الذين نافقوا بإظهار الإسلام، وإبطان الكفر؛ مأخوذ من (نافقاء اليربوع) أي: جحره؛ لأن اليربوع له جحر له باب مفتوح يحفر في الأرض خندقًا، ثم يجعل في آخر الجحر قشرة رقيقة؛ حتى إذا أُتي من باب الجحر سهل عليه أن يرفع هذه القشرة الرقيقة برأسه، ويخرج.
هذا أصل النفاق، من نافقاء اليربوع.
والنفاق لم يكن معروفًا قبل الإسلام، ولا في أول الإسلام؛ لأن أول الإسلام ليس هناك قوة للمسلمين يخافها الناس، لكن لما صار للمسلمين شوكة وقوي المسلمون، وذلك بعد انتصارهم في غزوة بدر في السنة الثانية بدأ النفاق يظهر.
وقال المنافقون: إن أمره قد اشتد، وظهر فلا بد أن نداهنه، ولا بد أن نُظهر أننا معه حتى لا ينالنا بسوء؛ وحصل لهم ما أرادوا، فإن الرسول صلى الله عليه وسلم لم ينلهم بسوء حتى إنه استؤذن في قتلهم فقال: «لا يَتَحَدَّثُ النَّاسُ أنَّ مُحَمَّدًا يَقْتُلُ أَصْحَابَهُ» .
لكن هذا لا ينفعهم؛ إذن أول ما ظهر النفاق متى؟ حين قوي المسلمون بعد غزوة بدر.
بَشِّرِ الْمُنَافِقِينَ بِأَنَّ لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا. بِأَنَّمتعلق بـبَشِّرِ، وعَذَابًااسم (أن)، ولَهُمْخبرها مقدم.
بِأَنَّ لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًاأي: مؤلما؛ فما هذا العذاب الأليم؟
سيأتي في آخر الآيات قول الله تعالى: إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ وَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ نَصِيرًا [النساء: ١٤٥].
في هذه الآية الكريمة: أنه ينبغي لنا أن نصارح المنافقين بأن نبشّرهم سواء بلفظ: أبشروا، أو بلفظ: اعلموا بأن لهم عذابًا أليمًا حتى يرتدعوا عن نفاقهم.
ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن المنافقين مستحقّون للعذاب الأليم؛ لقوله: بِأَنَّ لَهُمْ، و(اللام) هذه للاستحقاق.
ومن فوائد هذه الآية أيضًا: أن عذابهم مؤلم موجع.
تفسير الآية (139)
01:11:52

ثم بيّن من صفاتهم ما ذكره بقوله: الَّذِينَ يَتَّخِذُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَهذه من علامات النفاق، أن الإنسان يتولّى الكفار دون المؤمنين؛ لأنه يجد المؤمنين ضعفاء ليس لهم شوكة، والكفار أقوياء لهم الشوكة، والسلطة فيتخذهم أولياء؛ يُواليهم، يُناصرهم، يُداهنهم، ولو على حساب الدين كما يُوجد الآن من بعض الناس بالنسبة لموالاة الكفّار من دون المؤمنين، بل تجده سيفًا مسلولًا على المسلمين، وتجده على الكفار ماءً باردًا؛ يواليهم، ويناصرهم، هذا من صفات المنافقين.
الَّذِينَ يَتَّخِذُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَأولياء في أي شيء؟
في التولّي في جميع الأمور؛ أولياء في المحبة، أولياء في النصرة والمساعدة، ولو بالقول، أولياء في تقويم اقتصادهم، أولياء في مداهنتهم، وعدم التعرّض لهم وما هم عليه؛ المهم أن طرق الولاية كثيرة.
وقوله: مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَأتت (مِن) الدالة على بُعد الصلة بينه وبين المؤمنين كقوله تعالى: وَمِنْ بَيْنِنَا وَبَيْنِكَ حِجَابٌ [فصلت: ٥] فهو أبلغ من قوله: وبيننا وبينك حجاب؛ هذه أيضًا مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَتدل على بُعد الصلة بين المؤمنين والمنافقين.
قال تعالى: أَيَبْتَغُونَ عِنْدَهُمُ الْعِزَّةَأي: أيطلبون عند الكافرين العزة؛ يعني الغلبة، والقوة، والقهر.
وهذا هو الذي يحصل من بعض من يتولّى الكفار، يطلبون منهم العزة؛ أن يعتزوا بهم؛ فأبطل الله هذا الابتغاء بقوله: فَإِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًاما هي العزة عند الكفار، وهذا كقوله تعالى عن المنافقين أنفسهم: يَقُولُونَ لَئِنْ رَجَعْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَّ [المنافقون: ٨]. وهذا حق لكن من الأعز؟
وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَوهنا لم يقل: والله الأعز، ورسوله، والمؤمنون؛ لأنه لو قال: والله أعز، لأثبت لهم عزة؛ ولكنه قال: وَلِلَّهِ الْعِزَّةُبصيغة تقتضي الحصر بتقديم الخبر؛ لأجل أن يتبين أن المنافقين لا عزة لهم، وكيف يكون لهم عزة؛ وهم يتقون، ويداهنون، ويخادعون؟
فَإِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًاكلمة جَمِيعًاحال من العزة، وهي تدل على أن هناك أنواعًا من العزة؛ وهكذا قال العلماء: إن العزة ثلاثة أنواع:
عِزة القدر، وعزة القهر، وعزة الامتناع؛ فالله تعالى وحده هو القاهر لكل شيء، الغالب لكل شيء، والله وحدَه هو ذو القدر العظيم الذي لا يماثله شيء، والله وحده هو الذي يمتنع عليه كل نقص وكل عيب؛ ولهذا قال: فَإِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا.
في هذه الآية من الفوائد: بيان صفة قبيحة من صفات المنافقين وهي؟
طالب: أنهم يوالون الكافرين من دون المؤمنين.
الشيخ: صحيح؛ موالاة الكافرين من دون المؤمنين، إذن كل من والى الكافرين من دون المؤمنين؛ ففيه نفاق.
ومن فوائد الآية الكريمة: أن من ابتغى العِزة من دون الله، فهو ذليل؛ لقوله: أَيَبْتَغُونَ عِنْدَهُمُ الْعِزَّةَفإن هذا استفهام إنكار.
ومن فوائدها: أن العزة لله وحده؛ لقوله: فَإِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًافهو العزيز؛ الذي يُعز من يشاء، ويذل من يشاء.
ومن فوائدها: أنه ينبغي للإنسان أن يقطع العلائق عن الخلائق، وأن يُعلّق قلبه بمن؟
بالله عز وجل، يبتغي منه العزة، يبتغي منه النصر، يبتغي منه دفع البلاء، يبتغي منه تسهيل الأمور، وهكذا علِّق قلبك بربك.
ثم قال تعالى: وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ أَنْ إِذَا [النساء: ١٤٠].
طالب: شيخ، فهمت هذا مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ(من) صلة هذا يدل على بعد (...)؟
الشيخ: نعم، إذا قلت: مِنْ دُونِصار هناك مسافة أوجدتها كلمة مِنْيعني: كأن هناك مسافة بينهم وبين المؤمنين؛ لو قال: دُونِ الْمُؤْمِنِينَكان فيه احتمال إنه يكون قريبًا من المؤمنين؛ فهي تدل على بُعد المسافة.
وقد ضربت لكم مثلًا بآية أوضح من هذا، وهي: وَمِنْ بَيْنِنَا وَبَيْنِكَ حِجَابٌ [فصلت: ٥] ما قال: بيننا وبينك حجاب؛ لأنه لو قال: بيننا وبينك حجاب؛ لكان من المحتمل أنه ليس بينهما إلا الحجاب فقط، لكن وَمِنْ بَيْنِنَا وَبَيْنِكَمعناه: أن هناك مسافة قبل أن نصل إلى الحجاب بيننا وبين هؤلاء.
طالب: شيخ، أحسن الله إليك، في التفسير بين العذاب الأليم والموجع؟
الشيخ: بين العذاب الأليم، وأيش؟
الطالب: الأليم والموجع؟
الشيخ: إي نعم، هو أليم بمعنى: موجع.
الطالب: نفس المعنى؟
الشيخ: إي، نفس المعنى.
طالب: أحسن الله إليك يا شيخ، إذا قال لنا قائل: متى يكفر من والَى أعداء الله عز وجل؟
الشيخ: يكفّر من والاهم من ناصرهم على المسلمين، أو أحب انتصارهم على المسلمين، أو انتصار الباطل على الحق.
أما مجرّد الولاية بالعهد أو الولاية بالمعاملة؛ فهذه لا تخرجه من الإسلام، وقد لا تكون مذمومة فضلًا عن كونها مخرجة من الإسلام.
طالب: الذي يحزن لمصائبهم ومآسيهم؟
الشيخ: لا شك أن هذه ولاية، لكن عن مسألة الكفر، الكفر صعب، لكن لا شك أن هذه ولاية؛ لكن ربما يأسف الإنسان لمصائبهم؛ لأنه يرى أنها تضره؛ إذ قد يكون علاقة الناس بهذه الدولة أقوى من علاقتهم بالدولة الأخرى وأنفع، والله عز وجل قال: وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ (٤) بِنَصْرِ اللَّهِ [الروم: ٤، ٥] انتصار الروم على الفرس.
طالب: أحسن الله إليك، بعض العلماء قال: يعني البشارة هنا بمعنى: التهكم، وما معنى التهكم؟
الشيخ: أيهم.
الطالب: بَشِّرِ الْمُنَافِقِينَ؟
الشيخ: البشارة، التهكم؛ يعني: يسخر به، حيث جعل الشيء المؤلم كأنه شيء مطلوب محبوب.
طالب: شيخ، بارك الله فيك، هل هناك فرق بين الموالاة والمداهنة، وهل هناك نوع من المداهنة يجوز؟
الشيخ: الموالاة -كما قلنا-: أن يناصرهم، ويساعدهم، ويتولاهم يكون من أوليائهم.
والمداهنة: أن يسكت عن باطلهم؛ لكن ما بينه وبينهم صلة في الموالاة. والمداهنة؛ حرام، والموالاة أشد، لكن المداراة لا بأس بها إذا دعت الحاجة إليها.
طالب: بارك الله فيكم يا شيخ، قلتم: إنه ينبغي لنا أن نصارح المنافقين بالبشارة بالعذاب مع أن النفاق أمر قلبي، فكيف يتم ذلك؟
الشيخ: لا، له علامة، قال الله تعالى: وَلَوْ نَشَاءُ لَأَرَيْنَاكَهُمْ فَلَعَرَفْتَهُمْ بِسِيمَاهُمْ وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ [محمد: ٣٠].
طالب: دافع الموالاة هو غلبة الكافر على المسلم؟
الشيخ: يعني؟
الطالب: يعني بأن يكون هو القوي؛ فيواليه ليتقي شره، فمن أي نوع من أنواع اللي فاتت؟
الشيخ: لا، ما هو موالاة هذا، قد تكون هذه مداهنة، أو مداراة أيضًا، ربما تكون مداراة؛ أليس يجوز لنا أن نعطي من زكاتنا -فريضة الإسلام- أن نعطي منها الكافر اتقاء شره؟
طالب: بلى.
طالب آخر: شيخ، بارك الله فيكم بعض المسلمين يضع أمواله في بنوك الكفار، هل هذه موالاة؟
الشيخ: إذا وضعها لحاجة لا بأس؛ لحاجته هو، ما قصده مصلحة هؤلاء، قصده مصلحة نفسه.
الطالب: معلوم يا شيخ أنهم يستفيدون؟
الشيخ: وهو يستفيد أيضًا، يستفيد بحفظها.
طالب: شيخ، حفظك الله، ما معنى النفاق الأكبر والأصغر؟
الشيخ: إي، النفاق الأكبر هو الذي يظهر الإسلام ويبطن الكفر؛ يعني: أنه كافر لم يؤمن بالله، ولا رسوله، لكن يتظاهر أمام الناس بأنه مؤمن، وأما النفاق الأصغر فهو ما دون ذلك؛ وهو النفاق اللي يسموه النفاق العملي.
طالب: لكن يبقى المنافق النفاق الأصغر.
الشيخ: لا، المراد هنا بالآية النفاق الأكبر.
الطالب: لا، هل يبقى المنافق نفاقًا أصغر يبقى مؤمنًا؟
الشيخ: إي نعم، يبقى مؤمنًا، يجتمع فيه خصلة إيمان وخصلة نفاق..
الطالب: (...).
الشيخ: ذكرته لك إذا أبطن الكفر، وأظهر الإسلام؛ فهذا نفاق أكبر.
وإذا كان لم يُبطن الكفر مثل: أبطن الغدر، إذا عاهد غدر؛ هذا نفاق أصغر لا يخرجه من الملّة.
طالب: شيخ، بارك الله، فيكم، هل ثبت في السيرة؛ يعني سيرة الرسول عليه الصلاة والسلام أنه كان يبشر المنافقين بالعذاب الأليم، أو كان عمومًا يعني عمومات؟
الشيخ: هنا قاعدة ينبغي لنا أن نفهمها: إذا وردت النصوص لفظية فالأصل وقوعها عمليًّا، هذا الأصل؛ أما إذا قلنا: النصوص اللفظية لا يُعمل بها إلا إذا علمنا أنه معمول بها، هذه قاعدة خطيرة، وفاسدة.
بعض الناس يقول: النصوص اللفظية لا يُعمل بها إلا إذا علمنا أن الصحابة عملوا بها.
ونحن نقول: الأصل في النصوص اللفظية أنه معمول بها؛ فهنا لا نحتاج أن نقول: أثبتوا لنا أن الرسول كان يبشرهم؟
الأصل أنه لما قيل له: بَشِّر بَشَّر.
الطالب: يعني الأصل أنه عمل به؟
الشيخ: نعم.

***

تفسير الآية (140)
01:25:10

طالب:
أعوذ بالله من الشيطان الرجيم وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلَا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ إِنَّكُمْ إِذًا مِثْلُهُمْ إِنَّ اللَّهَ جَامِعُ الْمُنَافِقِينَ وَالْكَافِرِينَ فِي جَهَنَّمَ جَمِيعًا (١٤٠) الَّذِينَ يَتَرَبَّصُونَ بِكُمْ فَإِنْ كَانَ لَكُمْ فَتْحٌ مِنَ اللَّهِ قَالُوا أَلَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ وَإِنْ كَانَ لِلْكَافِرِينَ نَصِيبٌ قَالُوا أَلَمْ نَسْتَحْوِذْ عَلَيْكُمْ وَنَمْنَعْكُمْ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فَاللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا (١٤١) إِنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلَاةِ قَامُوا كُسَالَى يُرَاءُونَ النَّاسَ وَلَا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا قَلِيلًا (١٤٢) مُذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذَلِكَ لَا إِلَى هَؤُلَاءِ وَلَا إِلَى هَؤُلَاءِ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ سَبِيلًا [النساء: ١٤٠ - ١٤٣].

الشيخ: أحسنت. يقول الله عز وجل: وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلَا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ.
قوله: وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْالفاعل هو الله عز وجل، و(نزّل)، و(أنزل) معناهما واحد.
وقيل: أنزل فيما كان جملة واحدة، ونزّل فيما كان متفرقًا. ولكن آيات الكتاب العزيز تدل على أنه لا فرق، ولكن الذي يتدبر القرآن يدل على أنه لا فرق؛ فإن الله تعالى يعبر عن إنزال القرآن تارة بالإنزال وتارة بالتنزيل، نعم، إذا فصّل في هذا مثل قوله: وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلَا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً كَذَلِكَ [الفرقان: ٣٢] أي: نزلناه لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَفعلى حسب ما حصل.
وَقَدْ نَزَّلَأي: الله عز وجل عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِأي: في القرآن.
وإذا فسّرنا الْكِتَابِبالقرآن؛ فهذا تفسير بالمراد.
وإذا فسرنا الْكِتَابِبالمكتوب؛ فهذا تفسير باللفظ.
فالتفسير باللفظ: هو الذي يفسّر اللفظ بما يوافق اشتقاقه.
والتفسير بالمراد: هو الذي يُفسّر اللفظ فيه بما أُريد به، بقطع النظر عن الاشتقاق.
فإذا قلت: الْكِتَابِبمعنى: المكتوب فهذا تفسير لفظي باللفظ.
وإذا قلت المراد به: القرآن؛ فهذا تفسير بالمراد.
وهذا يقع كثيرًا في القرآن الكريم تارة تُفسّر الكلمة بمرادها، وتارة تُفسّر بما يوافق اشتقاقها.
على كل الْكِتَابِهنا فِعال بمعنى: (مفعول)؛ أي: مكتوب، وسمي مكتوبًا؛ لأنه مكتوب في اللوح المحفوظ، ولأنه مكتوب في المصاحف التي بين أيدينا، ولأنه مكتوب بأيدي السفرة الكرام البررة.
يقول: أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْهذه أَنْمصدرية، ويجوز أن تكون تفسيرية؛ لأن التنزيل يتضمن معنى القول دون حروفه.
والتفسيرية: هي التي تأتي مفسرة لما تضمن معنى القول دون حروفه..