معنى المكتوب، فهذا تفسير لفظي باللفظ، وإذا قلت: المراد به القرآن، فهذا تفسير
بالمراد، وهذا يقع كثيرًا في القرآن الكريم، تارة تفسَّر الكلمة بمرادها، وتارة
تفسَّر بما يوافق اشتقاقها، على كلٍّ الْكِتَابِ [النساء: ١٤٠] هنا (فِعَال) بمعنى (مفعول) أي: مكتوب، وسُمِّي مكتوبًا؛ لأنه مكتوب
في اللوح المحفوظ، ولأنه مكتوب في المصاحف التي بين أيدينا، ولأنه مكتوب بأيدي
السفرة الكرام البررة.
يقول: أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ [النساء: ١٤٠]، هذه (أن) مصدرية، ويجوز أن تكون تفسيرية؛ لأن التنزيل يتضمن معنى
القول دون حروفه، والتفسيرية هي التي تأتي مفسِّرة لما تضمن معنى القول دون حروفه،
المنزَّل الآن أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلَا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ، الآية التي أشار
الله عز وجل إليها هي قوله: وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ وَإِمَّا يُنْسِيَنَّكَ الشَّيْطَانُ فَلَا تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرَى مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ [الأنعام: ٦٨]، يعني إذا رأيت أحدًا يخوض في
آيات الله؛ إما بكفر، أو استهزاء، أو غير ذلك، فلا تقعد معه، لكن لو نسيتَ فلا حرج
عليك إلا إذا أيش؟
طالب: ذَكَرْتَ.
الشيخ: ذَكَرْتَ؛ ولهذا قال: فَلَا تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرَى مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ [الأنعام: ٦٨].
إِذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ اللَّهِ، المراد بالآيات هنا الآيات
الشرعية فيما يظهر، ولكن لا مانع أن نقول: هي أيضًا في الآيات الكونية، أما الآيات
الشرعية فهي ما جاءت به الرسل من الكتب المنزَّلة عليهم، وأما الآيات الكونية فهي
المخلوقات.
فإذا رأيت أحدًا يحاول أن تكون الطبيعة هي الخالقة المدبِّرة فهذا
كفر بآيات الله الكونية، أما الشرعية فيكون الكفر بها إما بالتكذيب، أو بالعصيان
والمخالفة، لكن العصيان والمخالفة إما أن يكون كفرًا أكبر، وإما أن يكون دون
ذلك.
وقوله: وَيُسْتَهْزَأُ بِهَاأي: تُتَّخَذ
هُزُوًا وسخريةً، سواء كان ذلك فيها ذاتها، أو فيما جاءت به من الأحكام، أو فيما
أخبرت به من الحوادث، مثل أن يسخر بيوم القيامة، أو يسخر بآدم، أو يسخر بقصص
الأنبياء السابقين، أو يسخر بالأحكام الشرعية، كل هذا داخل في قوله: وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا.
فَلَا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ، المراد بالقعود المكث؛ سواء كان ذلك قعودًا، أم
وقوفًا، أم اضطجاعًا، وليس المراد بالقعود ما هو ضد القيام والاضطجاع.
حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِه، (حتى) هنا للغاية،
يعني: إلى أن يخوضوا في حديث غيره، وعبَّر بقوله: يَخُوضُوا؛ لأن الذين كانوا يكفرون بآيات الله ويستهزؤون بها
يبعُد كون قولهم جدًّا، بل هم دائمًا في خوض ولعب، الَّذِينَ هُمْ فِي خَوْضٍ يَلْعَبُونَ [الطور: ١٢].
لكن مع ذلك إذا كان هذا الخوض
لا يخدش الدين فلا بأس أن نبقى معهم، وحَتَّىهنا قلت:
إنها للغاية، فهل تأتي لغير الغاية؟ نقول: نعم، تأتي لغير الغاية كثيرًا، تأتي
للتعليل، مثل قوله تعالى: هُمُ الَّذِينَ يَقُولُونَ لَا تُنْفِقُوا عَلَى مَنْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ حَتَّى يَنْفَضُّوا [المنافقون: ٧] هنا (حتى) لأيش؟
الطالب:
للتعليل.
الشيخ: لا، السؤال خاص، لماذا لا تكون للغاية؟
السؤال لك.
طالب: (...).
الشيخ: علَّلتَ بالحكم الآن، ما ينفع، لماذا لا تكون للغاية؟
لَا تُنْفِقُوا عَلَى مَنْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ حَتَّى يَنْفَضُّوا [المنافقون: ٧]؟ لأن المعنى يا إخوان يختلف، لو قال: لا تنفقوا
حتى ينفضوا، كانت دلالة الآية على أنهم إذا انفضوا فأنفِقُوا عليهم؛ لأن (حتى)
الغائية هي التي يحل محلها (إلى أن)، لا تنفقوا على من عند رسول الله إلى أن
ينفضوا، فإذا انفضوا فأنْفِقُوا، وهذا ليس المراد، بل المعنى: لا تنفقوا لأجل أن
ينفضوا.
أما التي معنا حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهفهي للغاية، حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهأي: غير الحديث الذي يكفرون فيه بآيات الله ويستهزؤون
بها.
إِنَّكُمْ إِذًا مِثْلُهُمْالجملة مؤكَّدة بـ
(إن)، والمراد: إنكم إن قعدتم؛ لقوله: إِذًا مِثْلُهُمْ، أي: مثل هؤلاء الخائضين.
ثم قال: إِنَّ اللَّهَ جَامِعُ الْمُنَافِقِينَ وَالْكَافِرِينَ فِي جَهَنَّمَ جَمِيعًا [النساء: ١٤٠] يوم القيامة، والمنافق سبق أنه الذي يُظهر الإسلام ويُبطن الكفر،
والكافر هو المصرِّح بكفره.
ففي هذه الآية الكريمة:
إثبات أن القرآن مُنَزَّل من عند الله؛ لقوله: وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ.
ويتفرع على هذه
الفائدة: أن القرآن كلام الله؛ لأنه إذا كان نازلًا من عنده لزم أن يكون
كلامًا؛ إذ إن الكلام صفة ليس عينًا قائمة بنفسها، بل هي صفة من الصفات.
ويتفرع على هذا أيضًا: إثبات علُوِّ الله؛ لأنه إذا كان
الكلام من عنده وهو نازل دلَّ هذا على أن المتكلم به عالٍ.
ومن فوائد الآية الكريمة: أن الحكم معلَّق بالسمع؛ لقوله:
إِذَا سَمِعْتُمْ، كما عُلِّق بالبصر، كما عُلِّق
بالقلب، قال الله تعالى: وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا [الإسراء: ٣٦].
ومن فوائد هذه
الآية: أنه لا يجب الإنكار على الكافر بآيات الله والمستهزِئ بها،
أتوافقون؟
طالب: لا، لا.
الشيخ: نعم؟
طالب: لا،
(...).
الشيخ: نحن الآن نفسِّر الآية نفسها بقطع النظر
عن الأدلة الأخرى؟
طالب: ظاهرها نعم.
الشيخ: ظاهرها نعم؛ لأنه إنما نهى عن القعود معهم ولم يأمر
بالإنكار عليهم، ولكن يقال في الجواب عن هذا: إن الله تعالى إنما أراد أن يبيِّن
حكم المشاركين، ونهيُهم عن ذلك -أي عن هذا المنكر- يُفهَم من نهينا عن الجلوس معهم،
نهيهنا عن الجلوس معهم يعني أن لا نُقِرَّ المنكر، فالصواب أن هذه الآية لا تدل على
ارتفاع النهي عن هذا المنكر، وإن دلَّت عليه أو سكتت عنه فلدينا نصوص أخرى تدل على
وجوب إنكار المنكر.
ومن فوائد هذه الآية الكريمة:
أن الأحكام تدور مع عِلَلها، من قوله: لَا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ، فلما كانوا يكفرون بآيات الله
ويستهزؤون نُهينا عن القعود معهم، ثم أُذِن لنا بالقعود معهم إذا خاضوا في حديث
غيره.
ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن المشارك
لفاعل المنكر كفاعل المنكر، إِنَّكُمْ إِذًا مِثْلُهُمْ، نحن قلنا: المشارك، والآية لا تدل على المشارك، تدل على أن
الجالس معهم له حكم الفاعل، فنقول: إذا كان الجالس -يعني القاعد معهم له حكم
الفاعل- فالمشارك من باب أولى.
ومن فوائد هذه الآية
الكريمة: وجوب مغادرة المكان الذي يُكْفَر فيه بآيات الله ويُستَهْزَأ بها،
وجوب المفارقة، ولا يجوز للإنسان أن يبقى ويقول: أنا منكر بقلبي، وقد قال النبي
عليه الصلاة والسلام: «مَنْ رَأَى مِنْكُمْ مُنْكَرًا
فَلْيُغَيِّرْهُ بِيَدِهِ، فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِلِسَانِهِ، فَإِنْ لَمْ
يَسْتَطِعْ فَبِقَلْبِهِ» . وأنا الآن منكِر
بقلبي غاية الإنكار.
نقول: لو صدقت في ذلك لقمتَ؛ إذ إن الجوارح تبعٌ للقلب، فلو
كره القلب ذلك لكرهته الجوارح، وهذا لا يُغنيك، لا بد أن تفارق، وإلا كنتَ
مثلهم.
فإن قال قائل: إذن حرِّموا على الإنسان الجلوس مع حالق اللحية؛ لأن حلق
اللحية حرام؟
فالجواب عن ذلك: أنه يجب علينا أن نغادر المكان حين نراه يحلقها
بالفعل، أما وقد انتهى الفعل ولم يبقَ إلا أثره فلا يلزمنا أن نغادر المكان الذي هو
فيه.
ومثله لو قال قائل: إذا شممت رائحة الدخان في إنسان وجب عليك أن تفارقه؛
لأن أثر الدخان في فمه، فما الجواب؟
الجواب: لا يجب، نعم إذا رأيته يشرب الدخان
حينئذ أنهاه، فإن نفع وإلا قمت، أما أثر المعصية فليس كفعل المعصية.
ومن فوائد هذه الآية الكريمة: تحريم التعاون على الإثم
والعدوان، وجهه أنه إذا حرُم القعود مع فاعل المنكر فالإعانة من باب أولى، مثل أن
تهيئ لهم المكان؛ ترشُّه، تطيِّبه، تأتي بالأواني، تصب لهم القهوة، الشاي، هذا حرام
من باب أولى.
ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن جليس
الصلحاء الذين يعملون الصالحات مثلهم، منين نأخذه؟ من قياس العكس؛ لأنه إذا وُزِرَ
بالجلوس مع العصاة أُجِر بالجلوس مع الطائعين، وقد استعمل النبي صلى الله عليه وسلم
هذا القياس بنفسه -صلوات الله وسلامه عليه- لما قال: «وَفِي
بُضْعِ أَحَدِكُمْ صَدَقَةٌ» -يعني: الإنسان إذا أتى زوجته فله صدقة- قالوا: يا رسول الله، يأتي أحدنا شهوته ويكون له فيها أجر؟ قال:
«أَرَأَيْتُمْ لَوْ وَضَعَهَا فِي حَرَامٍ أَكَانَ عَلَيْهِ وِزْرٌ؟»، قالوا: نعم،
قال: «كَذَلِكَ إِذَا وَضَعَهَا فِي الْحَلَالِ كَانَ لَهُ أَجْرٌ» .
هذا قياس أيش؟ على
العكس، هذه مثلها؛ لأن الله تعالى إذا أثَّم القاعدين مع فاعل المنكر فإن فضله أوسع
وأعظم فيثيب القاعدين مع الصالحين وأهل الطاعة.
ومن هنا يتولد فائدة وهي: الحذر من جلساء السوء، والترغيب في جلساء الصلاح،
وهذا ما حصل من رسول الله صلى الله عليه وسلم حيث قال: «مَثَلُ
الْجَلِيسِ الصَّالِحِ كَحَامِلِ الْمِسْكِ»، المسك نوع من الطيب، يقال: إنه
يخرج من دم غزال معيَّنة، وفي ذلك يقول المتنبي يمدح -أظنه سيف الدولة- يقول:
| فَإِنْ تَفُقِ الْأَنَامَ وَأَنْتَ مِنْهُمْ | فَإِنَّ الْمِسْكَ بَعْضُ دَمِ الْغَزَالِ |
فنحن نقول: إن الرسول قال: «مَثَلُ الْجَلِيسِ الصَّالِحِ كَحَامِلِ الْمِسْكِ؛ إِمَّا أَنْ يَحْذِيَكَ –يعني: يعطيك مجانًا- وَإِمَّا أَنْ يَبِيعَكَ -يعطيك بعِوض- وَإِمَّا أَنْ تَجِدَ مِنْهُ رَائِحَةً طَيِّبَةً -ما تُفْلِس من الجليس الصالح- وَمَثَلُ الْجَلِيسِ السُّوءِ كَنَافِخِ الْكِيرِ؛ إِمَّا أَنْ يَحْرِقَ ثِيَابَكَ، وَإِمَّا أَنْ تَجِدَ مِنْهُ رَائِحَةً كَرِيهَةً» .
أتدرون ما الكير؟ الكير عبارة عن جلد يُربط بعضه ببعض، ويُجعل له حلقوم يدخل على ماسورة تتصل بالجمر، وفي طرف الجلد هذا -وهو جلد ليِّن- في طرفه خشبتان –هكذا- تنفتحان وتنضمان، إذا شدَّه فتحهما، فامتلأ الجلد هواء، ثم ضمهما ودفعه، وحينئذ يكون هواء يدخل مع الماسورة على الفحم فتشتعل النار، هذا هو الكير، وكانوا يستعملونه فيما سبق، أدركناهم، يقول: هذا حامل الكير «إِمَّا أَنْ يَحْرِقَ ثِيَابَكَ»، متى؟ إذا طار الشرر على الثياب، «وَإِمَّا أَنْ تَجِدَ مِنْهُ رَائِحَةً كَرِيهَةً».
فيؤخذ من الآية الكريمة معنى هذا الحديث، احذر جلساء السوء، وعليك بجلساء الصلاح؛ فإنك لن تعدم خيرًا من جلساء الصلاح، ولن تعدم شرًّا من جلساء السوء.
من فوائد الآية الكريمة: أن النار لصنفين من العالم، قُلْهُمَا؟
طالب: أن النار لصنفين من..
الشيخ: بيِّنهما، مَن هما الصنفان؟
الطالب: اللي في الآية المنافقين والكافرين.
الشيخ: يكفي، المنافقون والكافرون، بقي صنف ثالث: المؤمنون، وهؤلاء الأصناف الثلاثة هم المذكورون في أول سورة البقرة.
ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات النار، وأنها واسعة، وجه ذلك؟ جَامِعُ الْمُنَافِقِينَ وَالْكَافِرِينَ فِي جَهَنَّمَوجه كونها واسعة أن تسع مئة وتسعة وتسعين من بني آدم في النار ، والجن؟ لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ [هود: ١١٩]، الظاهر الجن أكثر من بني آدم في النار، ولهذا قُدِّموا في الآية الكريمة.
ومن فوائد الآية الكريمة: ممكن نقول: فيها الالتفات؟ فيها التفات؟
طالب: قوله بعد أن قال: فَلَا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ، عبَّر هنا بالضمير، ثم قال: إِنَّ اللَّهَ جَامِعُ الْمُنَافِقِينَعبر بالاسم الظاهر.
الشيخ: إي نعم، ربما يقال هكذا، والإظهار في موضع الإضمار له فوائد:
طالب: العموم.
الشيخ: إرادة العموم، نعم.
طالب: على سبب ترتب هذا الحكم عليهم، وإرادة بيان السبب والعموم.
الشيخ: هذه واحدة.
طالب: (...) للتنبيه.
الشيخ: طيب، مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِلَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ فَإِنَّ اللَّهَ عَدُوٌّ لِلْكَافِرِينَ [البقرة: ٩٨]، ولم يقل: عدو له، مع أن هذا مقتضى السياق، لكن يبين أن مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِلَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَفهو كافر، وليُنَبِّه على سبب العداوة؛ عداوة الله، وهي الكفر، وليكون المعنى أشمل، يعني: فيكون الله عدوًّا للكافرين الذين كفروا بالمعاداة، والذين كفروا بغيرها أيضًا.
ثم قال الله تبارك وتعالى: الَّذِينَ يَتَرَبَّصُونَ بِكُمْ فَإِنْ كَانَ لَكُمْ فَتْحٌ مِنَ اللَّهِ قَالُوا أَلَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ وَإِنْ كَانَ لِلْكَافِرِينَ نَصِيبٌ قَالُوا أَلَمْ نَسْتَحْوِذْ عَلَيْكُمْ وَنَمْنَعْكُمْ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ [النساء: ١٤١]، فهم جمَّاعون منَّاعون كذَّابون خدَّاعون؛ انظر: الَّذِينَ يَتَرَبَّصُونَ بِكُمْ، التربص: الانتظار، ومنه قوله تعالى: وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ [البقرة: ٢٢٨] أي: ينتظرن، يتربصون من أيش؟ الدوائر، ينتظرون الدوائر؛ هل هي عليكم أو لكم.
يقول: فَإِنْ كَانَ لَكُمْ فَتْحٌ مِنَ اللَّهِ، قالوا: نريد من هذا الفتح، نحن معكم لا تحرِمونا الغنيمة.
وَإِنْ كَانَ لِلْكَافِرِينَ نَصِيبٌ، ولم يقل: فتح؛ لأن ما يُعطاه الكفار ليس فتحًا، ولكنه محنة، إِنْ كَانَ لِلْكَافِرِينَ نَصِيبٌ قَالُواأي: للكافرين.
أَلَمْ نَسْتَحْوِذْ عَلَيْكُمْ وَنَمْنَعْكُمْ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ: لولا نحن لأهلككم المؤمنون، لكن نحن منعناكم منهم، واستحوذنا عليكم، وصرنا درعًا لكم، شوف كيف المنافق -والعياذ بالله- إن كان النصر للمؤمنين ماذا يقولون؟
طالب: أَلَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ.
الشيخ: أَلَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ، يعني: فإذا كنا معكم أعطونا نصيبنا، أعطونا من الغنيمة، وإن كان الأمر بالعكس؟
طالب: يستحوذون على المؤمنين.
الشيخ: يستحوذون على المؤمنين ويمنعونهم من المؤمنين؟!
طالب: يقولون: الحمد لله؛ إذ لم نكن معهم؟
الشيخ: الحمد لله إذ لم نكن معهم؟! لا.
طالب: قَالُوا أَلَمْ نَسْتَحْوِذْ عَلَيْكُمْ وَنَمْنَعْكُمْ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ.
الشيخ: نعم، نَسْتَحْوِذْ عَلَيْكُمْ، يعني: نسيطر، ونكون درعًا لكم، ونمنعكم من المؤمنين، ما هي بـ عن المؤمنين، من المؤمنين، يعني: نحن الذين حميناكم من المؤمنين، ولولا نحن لقتلكم المؤمنون؛ فهم يدَّعون أنهم مع المؤمنين ويطلبون الغنيمة، ويدَّعون أنهم حماة الكفار من أجل أن يكونوا أولياء لهم.
قال تعالى: فَاللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، الفاء للتفريق، واسم الله الكريم مبتدأ، ويَحْكُمُجملته خبر.
فَاللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ، يعني: وبين هؤلاء المنافقين والكفار أيضًا.
يَوْمَ الْقِيَامَةِأي: متعلق بـ يَحْكُمُ، والمراد بيوم القيامة هو يوم البعث، وسُمِّي بذلك؛ لأمور، وهي؟
طالب: أنه يوم يقوم فيه الأشهاد.
الشيخ: أنه يوم يقوم فيه الأشهاد.
الطالب: أنه يوم يُقام فيه العدل.
الشيخ: أنه يوم يُقام فيه العدل.
الطالب: يوم (...).
الشيخ: نعم، أحسنت.
فَاللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًاسبحان الله! الخصم يخبَر بنتيجة الحكم قبل أن يحاكم؟ الآن نحن -إن شاء الله تعالى- نحن الآن خاصمون للكفار؛ لأن الله تعالى يقول: لَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا، بعد أن قال: فَاللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ، أيّ حكم أبلغ من هذا؟ يقال للخصم: حاكم، وليس لخصمك عليك سبيل، فَحُكِم للخصم قبل الحكومة؛ لأن الأمر واضح منتهٍ، وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا.
من فوائد الآية الكريمة: بيان شدة عداوة المنافقين للمؤمنين؛ لكونهم يتربصون بهم أيش؟ الدوائر، ينتظرون الساعة التي يكون فيها الضرر على المؤمنين، لكن قال الله تعالى: عَلَيْهِمْ دَائِرَةُ السَّوْءِ وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَلَعَنَهُمْ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا [الفتح: ٦].
ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن المنافقين لهم حظ من المغنم، من أين يؤخذ؟ قوله: أَلَمْ نَكُنْ مَعَكُمْدلَّ هذا على أن المنافق يعامَل بالظاهر، فيعطَى ما يُعطاه المسلم.
ومن فوائد الآية الكريمة: أن المنافقين عندهم مِنَّة، وفي أنوفهم أنَفَة، إن كان الفتح للمسلمين طالبوا بالغنيمة، وإن كانت للكفار مَنُّوا عليهم، وَإِنْ كَانَ لِلْكَافِرِينَ نَصِيبٌ قَالُوا أَلَمْ نَسْتَحْوِذْ عَلَيْكُمْ وَنَمْنَعْكُمْ مِنَ الْمُؤْمِنِينَيعني: فأعطونا من النصيب.
ومن فوائد الآية الكريمة: الدعوى الكاذبة للمنافقين؛ لأنهم هم الذين منعوا الكفار منهم؛ لكونهم كثَّروا سوادهم، وساعدوهم في الباطن، وأثلجوا صدورهم بأيش؟ بالنصر.
ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات الجزاء والحكم بين الناس؛ لقوله: فَاللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وهذا حكم لا حكم بعده.
ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات أن الكافر ليس له سبيل على المؤمن مهما كان الأمر، فليس للكافر سبيل، أرأيتم لو أن المسلم أحرق نخيلهم، وأمات رَكوبهم، هل يأثم؟ لا، ما يأثم.
طالب: الكفار؟ نعم.
الشيخ: ما داموا كفارًا، طبعًا، ما داموا كفارًا حربيين، لا يأثم؛ لأن مالهم مباح، أما المعصوم وهو الذمي، والثاني المعاهَد، والثالث المستأمِن، فهؤلاء أموالهم محترمة.
من فوائد الآية الكريمة: أن الله سبحانه وتعالى هو الحكم بين العباد، بدليل قوله: وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا، فالله يحكم ولن يجعل، وعلى هذا فلا حكم يوم القيامة لأحد، حتى للرسول صلى الله عليه وسلم، لا يستطيع أن يحكم، ولهذا عند الشفاعة لا يستطيع الرسول عليه الصلاة والسلام أن يشفع بدون أن يستأذن من الله.
هل يُستفاد من هذه الآية الكريمة: أن المحاكمة بين الكفار والمؤمنين في الدنيا قد يكون فيها الحق للكافر؟ قد يكون، وجهه؟
طالب: أن يوم القيامة ما فيه سبيل.
الشيخ: نعم، أن الله نفى أن يكون له سبيل في يوم القيامة، أما في غير يوم القيامة فالناس كلهم تحت العدالة.
طالب: شيخ، بارك الله فيكم: ما كنت قلت الفائدة في الدعوى الكاذبة للمنافقين بدعواهم بأنهم كثَّروا سواد الكافرين ومنعوهم من المؤمنين؟
الشيخ: إي نعم، وجه الكذب أنهم ادعوا أن هذا التكثير هو سبب النصيب الذي حصل للكافرين.
الطالب: يا شيخ، أليس الظاهر أنه هكذا ينوي يساعدون مثلًا، يخونون المؤمنين، ويثبِّطون المؤمنين، فيكونون سببًا للنصر؟
الشيخ: لكن هل هذا هو نفسه الذي به صار لهم نصيب؟
الطالب: من الأسباب.
الشيخ: إي، من الأسباب، لكن ليس كل شيء.
طالب: هل يا شيخ، بارك الله فيك، يُستفاد من الآية السابقة: إِنَّ اللَّهَ جَامِعُ الْمُنَافِقِينَ وَالْكَافِرِينَفبدأ بالمنافقين، أي: بأنهم أشد وأخبث من الكفار؟
الشيخ: إي نعم، تدل على ذلك، وجميع الآيات اللي فيها الجمع بين المنافقين والكفار يقدم الله فيها المنافقين لِيُعَذِّبَ اللَّهُ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكَاتِ [الأحزاب: ٧٣]، إلا في حال واحدة، أو في آية واحدة؛ لسبب، وهو قوله: يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ [التوبة: ٧٣]، وذلك لأن جهاد الكفار بالسلاح علنًا، جهاد المنافقين بالعلم والبيان، وليس بالقتال.
الطالب: الكافر والمستهزئ.
الشيخ: من أين؟
الطالب: حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ.
الشيخ: نعم، إحنا قلنا في درس التفسير: إن الحكم يدور مع العلة.
الطالب: شيخ إذا كَنِيَ عن إنسان أن المجلس سوف يقع فيه الاستهزاء بآيات الله عز وجل هل يذهب حتى يقع الاستهزاء أو يمتنع أفضل.
الشيخ: إذا علم أن هذا المجلس سيكون فيه استهزاء أو كفر فإننا ننظر إذا كان يستطيع أن يغيِّر ذلك وجب عليه الحضور، وإذا كان لا يستطيع حرُم عليه الحضور؛ لأن كونه يحضر ثم يخرج زيادة عناء، وربما يُحدث شرًّا وفتنة.
طالب: قال الله سبحانه وتعالى: إِذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَاقد يقول قائل يا شيخ: الاستهزاء بالآيات ليس بكفر؟
الشيخ: لا، لكن الخوض نوعان: الكفر الصريح والاستهزاء.
***
طالب: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم إِنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلَاةِ قَامُوا كُسَالَى يُرَاءُونَ النَّاسَ وَلَا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا قَلِيلًا (١٤٢) مُذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذَلِكَ لَا إِلَى هَؤُلَاءِ وَلَا إِلَى هَؤُلَاءِ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ سَبِيلًا (١٤٣) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ أَتُرِيدُونَ أَنْ تَجْعَلُوا لِلَّهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَانًا مُبِينًا [النساء: ١٤٢ - ١٤٤]الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم؛ قال الله تبارك وتعالى: الَّذِينَ يَتَرَبَّصُونَ بِكُمْما معنى التربص؟ الانتظار؛ يعني؟ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ [التوبة: ٢٤] وماذا يتربصون بالمسلمين؟
طالب: يتربصون بهم الدوائر.
الشيخ: يتربصون بهم الدوائر، يعني ينتظرون دائرة السوء على المؤمنين.
ما معنى قوله: فَإِنْ كَانَ لَكُمْ فَتْحٌ مِنَ اللَّهِ قَالُوا أَلَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ؟
الطالب: يعني إن كان هناك انتصار للمسلمين قالوا: أَلَمْ نَكُنْ مَعَكُمْأي لم (...) وكنا معكم على هذا (...).
الشيخ: وماذا يريدون بهذا القول؟
الطالب: يقتسموا معهم الغنائم.
الشيخ: أن يشاركوهم في المغانم، وَإِنْ كَانَ لِلْكَافِرِينَ نَصِيبٌ قَالُوا أَلَمْ نَسْتَحْوِذْ عَلَيْكُمْ وَنَمْنَعْكُمْ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ.
طالب: قوله: أَلَمْ نَسْتَحْوِذْ عَلَيْكُمْ وَنَمْنَعْكُمْ مِنَ الْمُؤْمِنِينَيعني: ألم نحطكم ونمنعكم من هزيمة المؤمنين لكم، يريدون بذلك أن يوهِموا الفريق الآخر أنهم السبب في انتصارهم على المؤمنين.
الشيخ: قوله: وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا، هذا يوم القيامة أو الآن؟
طالب: في الدنيا، ويحتمل الدنيا والآخرة.
الشيخ: يحتمل القولين، أي يعني المعنيين؟ اقرأ الآية عشان تعرف السياق.
الطالب: وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا، في الدنيا.
الشيخ: اقرأ ما قبل هذه الجملة.
الطالب: الَّذِينَ يَتَرَبَّصُونَ بِكُمْ فَإِنْ كَانَ لَكُمْ فَتْحٌ مِنَ اللَّهِ قَالُوا أَلَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ وَإِنْ كَانَ لِلْكَافِرِينَ نَصِيبٌ قَالُوا أَلَمْ نَسْتَحْوِذْ عَلَيْكُمْ وَنَمْنَعْكُمْ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فَاللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا.
الشيخ: ما الذي يتبين الآن؟
الطالب: يتبين أنه في الدنيا.
الشيخ: أنه في الدنيا؛ لأن الله يحكم بينهم يوم القيامة، ولن يجعل لهم سبيلًا في الدنيا.
الطالب: في قوله تعالى: وَإِنْ كَانَ لِلْكَافِرِينَ نَصِيبٌ.
الشيخ: لكن فَاللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا.
طالب: (...).
الشيخ: هذا يوم القيامة؛ لأنه قال: فَاللَّهُ يَحْكُمُ، ثم قال: ليس للكافرين سبيل على المؤمنين ، فيكون هذا في يوم القيامة، لكن من العلماء من جعل حكمها عامًّا كما أسلفنا لكم وبيَّنَّا الفوائد في هذه الآية.
ثم قال الله تبارك وتعالى: إِنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ، الجملة مؤكَّدة بـ (إن) لبيان حال هؤلاء المنافقين ومعاملتهم مع الله عز وجل، يخادعون الله، يعني والمؤمنين أيضًا، كما قال تعالى في سورة البقرة: يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَمَا يَخْدَعُونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ [البقرة: ٩]، وبماذا يخادعون؟ بإظهار الإسلام، فإن من رآهم ورأى حضورهم الصلاة وصدقاتهم قال: إنهم مؤمنون، فهم يخادعون الله بهذا.
قال تعالى: وَهُوَ خَادِعُهُمْيعني أن الله يقابل خداعهم بخداعٍ من عنده، وكيف مخادعته إياهم؟ أنه يُمْلِي لهم حتى يستمروا على هذا ويستمرئوه، فيبقون كفارًا مع شياطينهم، مسلمين مع المؤمنين، ويعصمون بهذا النفاق دماءهم وأموالهم، وهذا هو خداع الله تعالى لهم؛ أنه يملي لهم ليستمرُّوا في نفاقهم، ثم بالتالي يختم لهم بسوء الخاتمة.
وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلَاةِ قَامُوا كُسَالَى، إِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلَاةِأيّ صلاة كانت يقومون كسالى، والكسلان هو الذي يكون عنده فتور وعدم نشاط على الفعل، فهم إذا قاموا قاموا كسالى، تجدهم يتثاقلون الوضوء، يتثاقلون الذهاب إلى المسجد، يتثاقلون الصلاة نفسها، وذلك لعدم رغبتهم في الصلاة، ووجه هذا أن من كان راغبًا في الشيء فلا بد أن يقوم إليه نشيطًا.
يُرَاءُونَ النَّاسَيعني مع كونهم يقومون كسالى لا يُخْلِصون في قيامهم، وإنما يراؤون الناس أي يُظهروا أنفسهم بهذا المظهر ليراهم الناس، فيقولوا: إنهم مسلمون، وَلَا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا قَلِيلًا، لَا يَذْكُرُونَ اللَّهَيعني: لا يصلُّون أو لا يذكرون الله في صلاتهم؟ الثاني، يعني حتى إذا صلوا لا يذكرون الله إلا قليلًا.
والمراد لا يذكرونه بألسنتهم وجوارحهم وقلوبهم إلا قليلًا، فلا يذكرون الله بألسنتهم؛ لأنهم لا يأتون بالواجب من تكبير وتسبيح وتحيات وغيرها، وكذلك لا يذكرون الله بأفعالهم، فلا يطمئنُّون في الصلاة، ينقرونها كنقر الغراب؛ لأنها ثقيلة عليهم وهم لا يأتونها من رغبة، ولا يذكرون الله بقلوبهم؛ لأن قلوبهم ساهية غافلة، يؤدون الصلاة كأداء الماكينة بدون أن يشعروا بأنهم يناجون الله عز وجل، إذن لَا يَذْكُرُونَ اللَّهَفي الصلاة، إِلَّا قَلِيلًايعني بالقلب واللسان والجوارح.
في هذه الآية الكريمة: إثبات خداع المنافقين، وأنهم قوم أهل خداع ومكر، ولهذا كان من صفات المنافقين أنهم إذا عاهدوا غدروا، وإذا خاصموا فجروا، وإذا حدَّثوا كذَبوا، وإذا وعدوا أخلفوا؛ لأن كل هذا يتضمن الخداع.
ومن فوائدها؛ الآية الكريمة: إثبات الخداع لله عز وجل، أي أنه جلَّ وعلا يخدع من يخادعونه؛ لقوله تعالى: وَهُوَ خَادِعُهُمْ، وهل الخداع صفة ذم أو صفة مدح؟
في ذلك تفصيل: إن كان في مقابلة من يخادع، فهو صفة مدح؛ لأنه يدل على قوة المخادع، وأن عدوَّه لن يمكر به؛ لأنه أشد مكرًا من عدوه وأشد خداعًا، كما قال تعالى: قُلِ اللَّهُ أَسْرَعُ مَكْرًا [يونس: ٢١]، وقال: وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ [آل عمران: ٥٤].
أما إذا كان ليس له سبب، بل هو خداع في موضع الائتمان، فإنه لا يسمَّى خداعًا، وإنما يسمَّى خيانة، وهذا عيب بكل حال؛ ولهذا لا يوصف الله بالخائن إطلاقًا، حتى الذين يخونون الله لا يقابلهم الله بالخيانة، كما قال تعالى: فَقَدْ خَانُوا اللَّهَ مِنْ قَبْلُ فَأَمْكَنَ مِنْهُمْ [الأنفال: ٧١]، ولم يقل: فخانهم، ووجه ذلك أن الخيانة خداع في موضع الائتمان، حتى إن الرسول صلى الله عليه وسلم قال: «لَا تَخُنْ مَنْ خَانَكَ» ؛ لأن هذا ذم، فلا يوصف الله به.
فإن قال قائل: هل يوصف الله بالخداع مطلقًا، فيقال: إن الله خادِع أو مُخادِع؟ قلنا: لا، لا يوصف إلا في مقابلة خداع أعدائه، وكذلك المكر والكيد والاستهزاء، ونحوها من الصفات التي تكون مدحًا في حال دون حال، فإنه لا يجوز أن يوصَف الله بها على سبيل الإطلاق.
وعلى هذا فنقول: المعاني والأوصاف إما أن تكون كمالًا محضًا، فهذا يوصَف الله به، وإما أن تكون ذمًّا ونقصًا محضًا، فهذا لا يوصَف الله به مطلقًا، وإما أن تكون مدحًا في حال، وذمًّا في حال، فهذا يوصَف الله به حين يكون مدحًا، ولا يوصَف به حين يكون ذمًّا.
وعلى هذا لو أن أحدًا وصف الله بالعجز، نقول: إن هذا حرام بكل حال؛ لأن العجز صفة ذم، وكذلك لو وصفوه بالخيانة قلنا: هذا حرام بكل حال؛ لأن الخيانة ذم بكل حال، طيب، متكلِّم؟ الكلام كمال، فيوصَف الله بأنه متكلم، مُريد كذلك، فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ [هود: ١٠٧] كذلك؛ لأن كل هذه صفات كمال.
ومن فوائد الآية الكريمة: أن المنافقين يصلُّون، لكن هل تُقبل منهم صلاتهم؟ لا، لا تُقبل؛ لأن الله تعالى قال: وَمَا مَنَعَهُمْ أَنْ تُقْبَلَ مِنْهُمْ نَفَقَاتُهُمْ إِلَّا أَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَبِرَسُولِهِ وَلَا يَأْتُونَ الصَّلَاةَ إِلَّا وَهُمْ كُسَالَى [التوبة: ٥٤]، مع أن النفقة نفعها متعدٍّ، ومع ذلك لا تُقبل، فكيف بالعبادة التي نفعها غير مُتعدٍّ؛ فإنها من باب أولى أن لا تُقبل، فصلاتهم لا تُقبل، لكن هم يصلُّون مراءاةً للناس.
ومن فوائد الآية الكريمة: أنهم إذا أدوا الصلاة مراءاة يؤدونها أيش؟ بكسل وبرودة وعدم نشاط.
ومن فوائد الآية الكريمة: أن من أدى الصلاة على وجه الكسل ففيه شبه بالمنافقين، فاحذر أن تكون مشابهًا للمنافقين، أدِّ الصلاة بنشاط وفرح وسرور، ووالله إن المؤمن حقًّا ليفرح إذا أقبلت الصلاة؛ لأنه سوف يقف بين يدي الله يناجيه، وإذا كان الواحد منا يفرح أنه سيلاقي صديقه أو خليله، ويعدُّ لذلك العدة، فما بالك بملاقاة الله عز وجل ومناجاته.
ولهذا إذا رأيت من نفسك كسلًا في الصلاة فاتهم نفسك، فأنت بلا شك مشابِهٌ للمنافقين في هذه الخصلة، لكن اتهم نفسك، عدِّل مسيرتك إلى الله عز وجل، لا تتهاون؛ لأنه ربما يكون عندك تهاون الآن، تهاون بسيط، لكن يزداد حتى تكون الصلاة عندك أثقل شيء.
ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن من راءى الناس بعمله الصالح ففيه شبَه ممن؟ من المنافقين، والرياء بابه واسع، ليس في الصلاة، أو النفقة، أو الصوم، أو الحج، لا، أوسع من هذا، حتى الإنسان لو أنه لبس ثيابًا رثَّة ليظهر للناس بمظهر الزاهد فهو أيش؟ فهو مُرَاءٍ، ولذلك لا تظن أن الرياء يختص بالعبادات المحضة، قد يكون في أي شيء، كل شيء تُظهر للناس أنك تتقرب به إلى الله ليراك الناس فإنه رياء -والعياذ بالله- رياء مُحبِط للعمل؛ لأن الله يقول في الحديث القدسي: «أَنَا أَغْنَى الشُّرَكَاءِ عَنِ الشِّرْكِ، مَنْ عَمِلَ عَمَلًا أَشْرَكَ فِيهِ مَعِي غَيْرِي تَرَكْتُهُ وَشِرْكَهُ» ، فالله غني عنا، نحن المضطرُّون إليه، وهو في غنى كامل عنا، فإذا أشركنا بالله -نعوذ بالله من الشرك- إذا أشركنا به أحدًا فإنه لن يقبله منا، هو أغنى الشركاء عن الشرك.
ومن فوائد هذه الآية الكريمة: التحذير من مراءاة الناس، ترائي الناس ليش، الناس ينفعونك؟ لا، ولا يضرونك، إنما الذي ينفعك ويضرك هو الله عز وجل، وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ ثُمَّ إِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فَإِلَيْهِ تَجْأَرُونَ [النحل: ٥٣]، لا تهتم بالناس؛ مدحوك أو قدحوا فيك، أهم شيء أن تنظر إلى رضى الله عز وجل، أبْعِد بُعدًا تامًّا عن الرياء.
ولكن هنا مسألة: وهو أن الشيطان يأتي للإنسان فيقول: إن صليت فقد راءيت، وإن حسَّنت صلاتك فقد راءيت، وهو بعيد من هذا، فهل يترك تحسين الصلاة خوفًا من ذلك؟ أو يترك العبادة خوفًا من ذلك؟ لا، هذا من مُثَبِّطات الشيطان للإنسان، ولكن ليشُقّ طريقه، وليستمر، ويستعيذ بالله من الشيطان الرجيم، ولا يلتفت إلى هذه الوساوس؛ لأن الشيطان يتمنى أن لا نعبد الله؛ لأنه عصى الله، فيريد أن يعصي الناسُ ربهم أيضًا.
فلا تترك العبادة من أجل الرياء، ثم إن طرأ على بالك أنك تحسِّنها من أجل رؤية الناس إياك فإن كنت طالب علم يُقتدَى به فانوِ أنك تحسِّنها من أجل أن يقتدي الناس بك، وتكون في هذه الحال عابدًا معلِّمًا؛ فإن الرسول صلى الله عليه وسلم كان إذا أتاه وفد يطلب منه أن يبيِّن له كيفية الصلاة يقول: «صَلِّ مَعَنَا» ، وكان يصعد على المنبر حين بُنِيَ له، يقوم يصلي عليه، ويقول: «فَعَلْتُ هَذَا لِتَأْتَمُّوا بِي، وَلِتَعْلَمُوا صَلَاتِي» ، وبهذا تطرد الشيطان عنك.
ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن ذكر الله تعالى عند المنافقين قليل، قلنا: إن الذكر يكون بالقلب، واللسان، والجوارح، فهم لا يذكرون الله إلا قليلًا، حتى في الجوارح الظاهرة التي تظهر للناس لا يذكرون الله إلا قليلًا.
ومن فوائدها: أنك إذا رأيت من نفسك قلة في ذكر الله فإن فيك شبهًا بالمنافقين؛ ولهذا وصف الله المؤمنين أولي الألباب بأنهم يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ [آل عمران: ١٩١]، وما يضرك إذا ذكرت الله، هل اللسان يتعب؟ ليس هناك عضو كاللسان في عدم التعب، فإذا كان كذلك فأكثِر من ذكر الله، ويُرْوَى عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم أن رجلًا أتاه فقال: يا رسول الله، إن شرائع الإسلام قد كثرت علي -يعني: وقد كبرتُ- فقال له الرسول عليه الصلاة والسلام: «لَا يَزَالُ لِسَانُكَ رَطْبًا مِنْ ذِكْرِ اللهِ» ، يعني أَدِم ذكر الله.
ومن فوائد الآية الكريمة أيضًا: أن المنافقين يذكرون الله، لكن أيش؟ لكن ذكرهم قليل.
***
ثم قال تعالى: مُذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذَلِكَ لَا إِلَى هَؤُلَاءِ وَلَا إِلَى هَؤُلَاءِ، مُذَبْذَبِينَأي: مرددين، يرددهم الشيطان مرة هنا ومرة هنا، مُذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذَلِكَ لَا إِلَى هَؤُلَاءِيعني: لا إلى المؤمنين، ولا إلى المنافقين، هم في الظاهر مسلمون، وفي الباطن كافرون، فهم إذا أتوا الكفار قالوا: إنا معكم، وإذا جاؤوا إلى المسلمين قالوا: إنا معكم.
أَلَمْ نَكُنْ مَعَكُمْكما مر، فهم -والعياذ بالله- مذبذَبين لا يستقرون على رأي، وهذا لأنهم لم يؤمنوا أول مرة، كما قال تعالى: وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَنَذَرُهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ [الأنعام: ١١٠].
ولهذا احذر ألَّا تقبل الحق إلا مترددًا، احذر من هذا، لا بد متى بانَ لك الحق فقل: سمعًا وطاعة، وآمِن خوفًا من أن يقلب فؤادك وبصرك إذا لم تقبل الحق في أول مرة، ومن هذا أو قريب منه ما يفعله بعض الناس الآن إذا قلت: إن الرسول أمر بكذا، أو إن الله أمر بكذا، قال: هل الأمر للوجوب؟ كأنه يقول: إذا لم يكن للوجوب فلن أفعل، وهذا غلط، إذا سمعت الله يأمر، أو الرسول يأمر، قل: سمعنا وأطعنا، سواء كان للاستحباب أو للوجوب.
وإنما يُسأل عن: واجب أو مستحب إذا ضيع الإنسان هذا الأمر وتركه، حينئذ لا حرج عليه أن يقول: هل هو واجب فأقضيه، أو غير واجب فلا آثم بعدم القضاء، أما قبل أن تفعل فإن تمام العبودية أن تقول: سمعنا وأطعنا، ثم إن كان واجبًا فقد حصلت على ثواب الواجب وإبراء الذمة، وإن لم يكن واجبًا حصلت على خير وثواب، فلن تندم، لكن الندم أن تتردد، تقول: هل هو واجب أو لا؟
ولا أعلم أن الصحابة رضي الله عنهم سألوا الرسول عليه الصلاة والسلام حين يأمرهم: أواجب ذلك أم سنة؟ إلا في قضية واحدة، في قصة بَرِيرة؛ فإن الرسول لما أمرها أن تبقى مع زوجها؛ مع مغيث، قالت: إن كنت تأمرني فسمعًا وطاعة -ولم تقل: إن كنت تأمرني على سبيل الوجوب- إن كنت تأمرني فسمعًا وطاعة، وإن كنت تشير عليَّ فلا حاجة لي فيه، وكانت بريرة عَتقت، وإذا عتقت الزوجة تُخيَّر بين البقاء مع زوجها وفسخ النكاح، فلما عتقت خيَّرها الرسول عليه الصلاة والسلام، قال: إِنْ شِئْتِ بَقِيتِ مَعَ الزَّوْجِ، وَإِنْ شِئْتِ افْسَخِي النِّكَاحَ ، فاختارت الفسخ.
وإنما خيَّرها الشارع لأنها الآن ملكت نفسها ملكًا تامًّا، وكانت حين العقد مملوكة لا تصرُّف لها في نفسها، أما الآن فقد تحرَّرت، ولهذا جعل لها الخيار، فاختارت الفسخ، اختارت نفسها، فكان زوجها يلاحقها في أسواق المدينة يبكي، يريد أن ترجع، فكان الرسول عليه الصلاة والسلام يتعجب ويقول: «أَلَا تَعْجَبُونَ مِنْ حُبِّ مُغِيثٍ لِبَرِيرَةَ، وَبُغْضِ بَرِيرَةَ لِمُغِيثٍ» ؟
وهذا حق أن نعجب؛ لأن العادة أن القلوب شواهد كما يقولون، تتبادل البغضاء والمحبة، لكن هذه -سبحان الله- أَبَت، كامرأة ثابت بن قيس المشهود له بالجنة، جاءت الرسول عليه الصلاة والسلام تطلب المخالعة، وقالت: إني لا أعيب عليه في خُلُق ولا دين، لكن أكره الكفر بالإسلام، حتى أمره الرسول صلى الله عليه وسلم أن يُخالعَها وتردّ عليه حديقَتَهُ ، وهذا من العجب.
المهم أننا نقول: إننا لا نعلم أن الصحابة راجعوا الرسول عليه الصلاة والسلام في أمره وقالوا: هل هو على سبيل الإلزام يا رسول الله، أو على سبيل التطوع؟ أبدًا، فلتكن كالصحابة، قل: سمعنا وأطعنا، واحمد الله أن الله عز وجل شرع لك هذا الأمر؛ لأنه لولا أن الله شرعه لك لكان قيامك به بدعة لا يزيدك إلا ضلالًا وبُعدًا من الله.
يقول: لَا إِلَى هَؤُلَاءِ وَلَا إِلَى هَؤُلَاءِ، مُذَبْذَبِينَ، وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ سَبِيلًا [النساء: ١٤٣] الجملة هذه شرطية، وفيها إشكال؛ وهي أن (من) الشرطية حسب ما نعرف تجزم الفعل، وإشكال آخر أن الفعل لا يلحقه الكسر، يعني لا يكون مجرورًا، وهنا مكسور، فهذان إشكالان؟
طالب: كُسِر لالتقاء الساكنين.
الشيخ: يعني هو مجزوم لكن كُسِر كَسْرًا عارضًا؛ لالتقاء الساكنين، والإشكال الثاني؟
الطالب: هو نفسه.
الشيخ: لا، ما هو نفسه، هل الجر يدخل الفعل؟
الطالب: ما يدخل، هنا ما دخل.
الشيخ: أجل، لم هذه الكسرة؟
الطالب: هذه للتخلص من التقاء الساكنين.
الشيخ: يعني ليست كسرة إعراب، نعم، وإنما للتخلص من التقاء الساكنين، أما الجواب فهو قوله: فَلَنْ تَجِدَ لَهُ سَبِيلًا.
يعني أي إنسان يكتب الله سبحانه وتعالى ضلاله فلن تجد له سبيلًا إلى الهداية، سبيلًا يعني طريقًا، وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ سَبِيلًا، وهؤلاء المنافقون قد أضلَّهم الله فلن تجد لهدايتهم سبيلًا -والعياذ بالله- ولكن ربما يَمُنُّ الله على بعضهم فيهتدي، كما قال تعالى: قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ (٦٥) لَا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ إِنْ نَعْفُ عَنْ طَائِفَةٍ مِنْكُمْ نُعَذِّبْ طَائِفَةً [التوبة: ٦٥، ٦٦].
من فوائد هذه الآية: أن حال المنافقين التردد بين الكفر والإيمان، لكن الحكم عليهم في الآخرة أنهم كفار، أما في الدنيا فعلى ظواهرهم؛ لأن الأحكام في الدنيا على الظواهر.
ومن فوائد الآية الكريمة: أنك إذا رأيت نفسك مترددًا بين القبول والإنكار فاعلم أن فيك شبهًا ممن؟ من المنافقين؛ لأن المؤمن لا يمكن أن يكون مترددًا، ولا أن يكون له الخيرة فيما قضى الله ورسوله، كما قال تعالى: وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ [الأحزاب: ٣٦]، بل لا يترددون، يقبلون وينقادون.
ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن الطمأنينة والاستقرار أمر مطلوب؛ ولهذا نجد أشد الناس استقرارًا وطمأنينة هم المؤمنون، قال: قَالَ بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي [البقرة: ٢٦٠].
ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن من أضلَّه الله فلن يستطيع أحد أن يهديه؛ لقوله: وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ.
فإن قال قائل: لماذا يضل الله فلانًا ويهدي فلانًا؟ قلنا له: هل منع هذا الذي منع هدايته، هل منعه ظلمًا أو عدلًا؟ الجواب: عدلًا لا شك، وتفضل على الآخر فهداه، فهو لم يمنع أحدًا حقه، وإنما تفضل على هذا فهداه.
ثم اعلم أنه لن يكون الإضلال إلا لسبب من العبد؛ لقول الله تعالى: فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ [الصف: ٥]، وكما قال تعالى: وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ [الأنعام: ١١٠]، فلو أنهم آمنوا أول مرة، واستقاموا على الطريق، لم يضلهم الله أبدًا.
وبهذا نعرف أن حديث ابن مسعود رضي الله عنه: «إِنَّ أَحَدَكُمْ لَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ الْجَنَّةِ حَتَّى مَا يَكُونُ بَيْنَهُ وَبَيْنَهَا إِلَّا ذِرَاعٌ، فَيَسْبِقُ عَلَيْهِ الْكِتَابُ، فَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ النَّارِ فَيَدْخُلُهَا» ، أنه ليس المراد أنه لا يكون بينه وبين الجنة إلا ذراع بحسب عمله، ولكن لا يكون بينه وبين الجنة ذراع بحسب أجله؛ لأنه لو كان عمله أوصله إلى أن لا يكون بينه وبين الجنة إلا ذراع ما خذله الله أبدًا، لكنه في قلبه حَسَكَة، كما جاء في الحديث الآخر: «إِنَّ الرَّجُلَ لَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ الْجَنَّةِ فِيمَا يَبْدُو لِلنَّاسِ وَهُوَ مِنْ أَهْلِ النَّارِ» ، وهذا التأويل متعيَّن؛ أن نقول: حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع باعتبار الأجل؛ يعني: حتى إذا قرب أجله وقارب الموت أظهر وأعلن أنه من أهل النار، والعياذ بالله.
ومن فوائد هذه الآية الكريمة: الإشارة إلى اللجوء إلى الله عز وجل في طلب الهداية؛ لقوله: وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ سَبِيلًا، وعليه فإذا دعونا أحدًا إلى الحق ولكنه أبى وتردد فإننا نلجأ إلى الله أن يهديه؛ لأن الله على كل شيء قدير، وكم من أناس كانوا أشقى القوم فصاروا أسعد القوم، وأفسد القوم فكانوا أصلح القوم، وما عمر بن الخطاب الرجل الثاني من أتباع الرسول عليه الصلاة والسلام ما أمره ببعيد، خالد بن الوليد، عكرمة بن أبي جهل، ويش حالهم في أُحُد؟ أجيبوا؟
الطلبة: كفار.
الشيخ: كفار معادون للإسلام، يريدون القضاء على أهل الإسلام، يريدون قتل الرسول عليه الصلاة والسلام، وقتل الصحابة، ومع ذلك كانوا بعد هذا، أيش كانوا؟ كانوا قادة، وكانوا شجعانًا في نصرة الإسلام وهزيمة الكفار، فالله سبحانه وتعالى يهدي من يشاء، فإذا علم الله في قلب الإنسان خيرًا -ونسأل الله أن يجعل قلوبنا وقلوبكم هكذا- هداه للإسلام، يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِمَنْ فِي أَيْدِيكُمْ مِنَ الْأَسْرَى إِنْ يَعْلَمِ اللَّهُ فِي قُلُوبِكُمْ خَيْرًا يُؤْتِكُمْ خَيْرًا مِمَّا أُخِذَ مِنْكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ [الأنفال: ٧٠]، فإذا علم الله من قلب العبد الخير وفَّقه له وهداه، حتى وإن ضلَّ فالعاقبة أيش؟ الهداية، العاقبة أن الله يهديه.
وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ سَبِيلًا، سَبِيلًاهذه نكرة في سياق؟ النفي، فَلَنْ تَجِدَ لَهُ نَصِيرًا [النساء: ٥٢]، فتعم كل سبيل، لا يمكن أن يكون سبيل لمن أراد الله ضلاله -نسأل الله أن يهدينا وإياكم صراطه المستقيم، وأن يصلح قلوبنا وأعمالنا-.
طالب: شيخ، أشكل عليّ هذا، وهو ذكر الله تبارك وتعالى هو كان (...) فلا يذكرون إلا قليلا ومع أن المنافقين ليست (...) فكيف يذكرون؟
الشيخ: نعم، ربما ينقدح في قلوبهم بعض الشيء، أما ذكر اللسان والجوارح ما فيه إشكال، ذكرهم الله باللسان والجوارح ما فيه إشكال، لكن ذكر الله بالقلوب وهو الذي قلنا: إنه يكون بالقلب، قد ينقدح في ذهنه هذا، ولهذا قال: ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا [المنافقون: ٣].
طالب: هل المنافق يزوَّج من المؤمنات (...)؟
الشيخ: من عُلِم نفاقه فلا.
الطالب: كيف وقد حكمنا عليه بالإسلام؟
الشيخ: ظاهرًا، لكن إذا علمنا نفاقه، نعرف هذا الرجل يذهب منا من عند مجالس الذكر يروح إلى الكفرة والفسقة ويكون معهم، ولهذا من عُلِم نفاقه وجب قتله، وهل تُقبل توبته أو لا؟ على خلاف بين العلماء، والصحيح أنها تُقبل.
لكن الرسول عليه الصلاة والسلام يعلم بعض المنافقين علمًا يقينًا، لكنه لم يقتله، خوفًا من التنفير عن الإسلام؛ ولهذا قال: «لَا يَتَحَدَّثُ النَّاسُ أَنَّ مُحَمَّدًا يَقْتُلُ أَصْحَابَهُ» ، وهذه نقطة يجب التفطن لها؛ أننا إذا علمنا نفاق شخص وجب أن نُجري عليه أحكام الردة، ولا نقل كما قال الرسول صلى الله عليه وسلم، أما النبي عليه الصلاة والسلام فإن له أن يمتنع من قتلهم لهذه الفائدة العظيمة.
طالب: شيخ، بارك الله فيكم، من المعلوم أن باب الأفعال أوسع من باب الأوصاف، فما هو الضابط في الأوصاف التي تطلَق على الله عز وجل من الأفعال؟
الشيخ: كل فعل يطلق عليه من صفته.
طالب: إذن ما صفته في بعضهم؟ باب الأفعال أوسع.
الشيخ: معلوم باب الأفعال، كل فعل يُشتق منه صفة، فإذا قال: اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ [البقرة: ١٥]، فيها إثبات صفة الاستهزاء.
الطالب: هل نقول: الله المستهزئ، أي: من يستهزئ؟
الشيخ: نعم، يصح.
الطالب: يا شيخ، اللعن، هل نقول: إن الله اللاعن؟
الشيخ: لاعِن، نعم، والله يلعن، ونقول: إنه لاعن من يستحق اللعنة، ونقول: إن لعنة الله على من يستحق اللعنة.
الطالب: إذن باب الأفعال مثل باب الأوصاف.
الشيخ: هو نفسه ها الفعل مشتق من الصفة، ضارب مشتق منين؟
الطالب: من الضرب.
الشيخ: هذه هي.
طالب: مُذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذَلِكَالمشار إليه (...)؟
الشيخ: بَيْنَ ذَلِكَفسرها بقوله، أي: بين ذلك الحال، وهي أنهم تارة مع الكفار، وتارة مع المؤمنين.
طالب: شيخ، بارك الله فيكم، يعني لو قال قائل: إنه ينبغي لنا معرفة الخطاب من الله عز وجل ومن رسوله هل يقتضي الوجوب أو يقتضي ما دون ذلك، كالاستحباب والجواز؛ لأننا حتى نشدد على أنفسنا في الواجبات، وقد نتسامح فيما دونها، وأما الصحابة فَلِفُهُومِهِمْ ولمعرفتهم باللغة العربية كانوا يعلمون أن هذا يقتضي الوجوب.
الشيخ: الأوامر بين أيدينا، المهم أنك أول مرة لا تسأل، وكما قلت لكم: إذا وقع الشيء، إذا وقعت المخالفة فلا بأس بالبحث، أو إذا صار فيه مثل نوع مشقة فلا بأس بالبحث؛ لأجل أن يسقط عن الإنسان، أما من أول ما نقول: افعل كذا، الرسول أمر بكذا، هل هو للوجوب ولّا الاستحباب! هذا لا شك فيه تردد.
طالب: يا شيخ، بالنسبة لطلبة العلم، تنصحهم بأن يسألوا عن الأسهل؛ لأنهم ربما يذهبون للعوام فيُسأَلون، فإذا لم يسألوا يعني العلماء في هذا..
الشيخ: أنا أخبرك عن نفسي، أقول: هذا منهي عنه، وإذا قال: هو للتحريم؟ أقول: هذا منهي عنه، بس، كذلك دائمًا يلحُّون على الإنسان: هو حرام؟ أقول: نهى عنه الرسول، أو نهى الله عنه، وأنا ما أنا مكلَّف، إذا كنت سامعًا مطيعًا حقًّا اجتنِب.
طالب: يا شيخ، قوله تعالى: فَلَنْ تَجِدَ لَهُ سَبِيلًا، الفاعل يا شيخ هو تقديره: أنت، عائد على النبي صلى الله عليه وسلم أو على أمته؟
الشيخ: نحن ذكرنا قاعدة في هذا، قلنا: الخطاب الموجَّه من الله إما أن يقوم الدليل على أنه عامٌّ للرسول ولغيره، أو أنه خاص بالرسول، أو ليس هناك دليل، لا في هذا ولا في هذا، فقد اختلف العلماء هل يشمل الأمة أو لا، والصحيح أنه يشمل الأمة؛ إما عن طريق اللفظ، أو عن طريق الحكم.
طالب: يا شيخ، ابن قيم الجوزية ذكر في كتابه شفاء العليل يقول في باب الهداية والضلال، يقول: إنما يهدي من كان محله قابلًا للهداية، ويُضلّ من كان محله غير قابل للهداية.
الشيخ: نعم، صحيح.
الطالب: ماذا يقصد بالمحل هنا؟
الشيخ: يعني القلب، يعني من كان محلًّا قابلًا للهداية، ويضل من كان محلًّا قابلًا للضلال، وهذا كقوله: اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ [الأنعام: ١٢٤].
الطالب: استدل يا شيخ بحديث أن الله سبحانه وتعالى لما خلق آدم قبض قبضة من الأرض، فجاء بنو آدم على قدر الأرض، فمنهم الخبيث ومنهم الحزَن .
الشيخ: صحيح.
الطالب: يعني إيه يخلق الإنسان يا شيخ خبيث ويخلق طيب؟
الشيخ: إي نعم، قد تكون طبيعته من أصل أنه يكره الإسلام، يكره الأوامر، وما أشبهها.
***
طالب: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ أَتُرِيدُونَ أَنْ تَجْعَلُوا لِلَّهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَانًا مُبِينًا (١٤٤) إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ وَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ نَصِيرًا (١٤٥) إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَاعْتَصَمُوا بِاللَّهِ وَأَخْلَصُوا دِينَهُمْ لِلَّهِ فَأُولَئِكَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ وَسَوْفَ يُؤْتِ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ أَجْرًا عَظِيمًا (١٤٦) مَا يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذَابِكُمْ إِنْ شَكَرْتُمْ وَآمَنْتُمْ وَكَانَ اللَّهُ شَاكِرًا عَلِيمًا [النساء: ١٤٤ - ١٤٧].الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله تبارك وتعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ، الأول أخذنا فوائدها؟
الطلبة: نعم.
الشيخ: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا، سبق الكلام على مثل هذا التعبير، وذكرنا أن تصديره بالنداء يفيد التنبيه، وأن تصديره بهذا الوصف -وصف الإيمان- يدل على أن امتثاله من مقتضيات الإيمان، وأن مخالفته نقص في الإيمان.
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ، أي: لا تجعلوهم أولياء؛ لأن (اتخذ) بمعنى جعل، ومنه قوله تعالى: وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا [النساء: ١٢٥] أي: جعله خليلًا له، لا تجعلوهم أولياء، أي تتولونهم، وتثقون بهم، وتناصرونهم، وتعلِّقون أعمالكم بهم من دون المؤمنين؛ لأن بعض المؤمنين يكون ضعيف الإيمان، ضعيف التوكل على الله، فيعتمد على هؤلاء الكفار؛ لقوتهم، ويتولَّاهم، ويرى أن المؤمنين لا يبلغون مبلغهم، وهذا لا شك أنه نقص في الإيمان والتوكل، فقد سبق أن الله قال: أَيَبْتَغُونَ عِنْدَهُمُ الْعِزَّةَ فَإِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا [النساء: ١٣٩].
وقوله: مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَأي: من سواهم.
أَتُرِيدُونَ أَنْ تَجْعَلُوا لِلَّهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَانًا مُبِينًا، وهذا استفهام بمعنى الإنكار، يعني: أتريدون باتخاذكم الكافرين أولياء من دون المؤمنين أَنْ تَجْعَلُوا لِلَّهِ، أي: تُصَيِّروا له، عَلَيْكُمْ سُلْطَانًا مُبِينًاأي: حجة بينة واضحة؛ لأن كونكم مؤمنين يقتضي أن تتولوا المؤمنين لا الكفار، فإذا عدلتم عن هذا الواجب إلى موالاة الكفار فقد جعلتم لله عليكم سلطانًا مبينًا تستحقون به عقوبة الله.
في هذه الآية الكريمة: دليل على تحريم اتخاذ الكافرين أولياء؛ لأن الله نهى عن ذلك وحذَّر منه، نهى عن ذلك في قوله: لَا تَتَّخِذُوا، حذَّر منه في قوله: أَتُرِيدُونَ أَنْ تَجْعَلُوا لِلَّهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَانًا مُبِينًا.
ومن فوائد هذه الآية: أنه لا تجتمع ولايتان؛ ولاية الكفار وولاية المؤمنين؛ لقوله: مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ، ولا يعني ذلك أنهم لو اتخذوهم هم والمؤمنين أولياء جاز ذلك، بل نقول: إن قوله: مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَيعني أنكم إن اتخذتم الكفار أولياء عدلتم عن ولاية المؤمنين.
ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن الله سبحانه وتعالى له سلطان وحجة على من خالف أمره، ويدل لهذا قوله تعالى حين ذكر إرسال الرسل: لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ [النساء: ١٦٥].
فهنا لو لم يرسل الرسل صارت الحجة للناس على الله، وإذا أُرسل الرسل وبُينت الأحكام صارت الحجة لله على من؟ على المؤمنين.
ومن فوائد هذه الآية الكريمة: وجوب موالاة المؤمنين ومناصرتهم؛ لأن المؤمنين إخوة، فما أصاب أحدهم فقد أصاب الآخر، وما حصل من ضرر وجب على جميع المؤمنين إزالته حسب الحال والإمكان.
ثم قال: إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ، وصِلة هذه الآية بالتي قبلها هو أن الذين يتخذون الكافرين أولياء من دون المؤمنين يشبهون المنافقين، والمنافقون هم الذين اتخذوا الكافرين أولياء من دون المؤمنين، فمن اتخذهم فقد شابه المنافقين، والمنافقون ليس لهم حظ في الآخرة إطلاقًا؛ لأنهم في الدرك الأسفل من النار، حلول فيه، يحلون فيه ولا يخرجون منه.
والدرك بمعنى المكان الأسفل الذي ليس دونه شيء، الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ، ولا يعني هذا أن غيرهم لا يكون فيه، لكن هم فيه يقينًا، وأما غيرهم فيحتمل أن يكونوا فيه، وأن يكونوا فيما فوقه.
وَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ نَصِيرًا، لَنْ تَجِدَالخطاب لمن؟ إما للرسول صلى الله عليه وعلى وآله وسلم، وإما لكل من يصح توجيه الخطاب إليه.
وعندي قراءة: فِي الدَّرْكِ، {فِي الدَّرَكِ}، يعني فتح الراء بدلًا عن سكونها، وهي قراءة سبعية.
فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ وَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ نَصِيرًاأي: لن تجد لهم من يمنع العذاب عنهم وينصرهم في هذه الحال.
في هذه الآية الكريمة: دليل على أن المنافقين من أهل النار؛ لقوله: إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ.
وفيها أيضًا: أن النار دركات، والدرك كما قلنا المكان المهلِك، فكل مكان أنزل مما فوقه حسب شدة العقوبة.
وفيها أيضًا: أن هؤلاء المنافقين في الدرك الأسفل منها، وهل يعني هذا أن غيرهم لا يشاركهم؟ لا، قد يشاركهم، لكننا نجزم بأن المنافقين في الدرك الأسفل، وأما من سواهم فلا نعلم؛ قد يكونون فيه، وقد لا يكونون فيه.
ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أنه لا ناصر للمنافقين، في الدنيا قد ينتصرون بسبب التمويه والخداع، لكن في الآخرة لن ينتصروا ولن يجدوا من ينصرهم؛ لقوله: وَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ نَصِيرًا.
***
ثم قال: إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَاعْتَصَمُوا بِاللَّهِ وَأَخْلَصُوا دِينَهُمْ لِلَّهِ.
إِلَّا الَّذِينَ تَابُوامن النفاق، أي: رجعوا من النفاق إلى خالص الإيمان وصريح الإيمان، وَأَصْلَحُواأي أعمالهم أصلحوها، بدل ما كانوا مفسدين كانوا مصلِحين؛ لأنه سبق في سورة البقرة قول الله تعالى: أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ [البقرة: ١٢]، فإذا أصلحوا بدل أن كانوا مفسدين فهذا الشرط الثاني.
وَاعْتَصَمُوا بِاللَّهِاعتصموا به أي: توكلوا عليه، ولم يلجؤوا إلى غيره؛ لأن المنافقين من ديدنهم الرجوع إلى الكفار، وتعظيم الكفار والاعتصام بهم، فهنا يعتصمون بالله بدلًا عن اعتصامهم بالكافرين.
وَأَخْلَصُوا دِينَهُمْ لِلَّهِ، دِينَهُمْأي: عبادتهم لله عز وجل، فلم يجعلوا مع الله شريكًا فيها، وقد سبق أن من صفات المنافقين أنهم كانوا يُرَاءُونَ النَّاسَ، فإذا أزالوا هذه الخصلة وأخلصوا دينهم لله قال: فَأُولَئِكَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ، فلن يصلوا إلى درجة المؤمنين ومنزلة المؤمنين إلا بهذه الأوصاف الأربعة؛ الوصف الأول: التوبة من النفاق، والثانية: الإصلاح، والثالثة: الاعتصام بالله، والرابعة: إخلاص الدين لله، أَخْلَصُوا دِينَهُمْ لِلَّهِ، قال: فَأُولَئِكَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ.
ثم قال: وَسَوْفَ يُؤْتِ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ أَجْرًا عَظِيمًا، لم يقل: وسوف يؤتيهم، بل قال: سَوْفَ يُؤْتِ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ؛ ليشملهم وغيرهم، وليكونوا هم ضمن المؤمنين، ولن يستحقوا هذا الوعد على انفرادهم، بل قال: سَوْفَ يُؤْتِ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ أَجْرًا عَظِيمًا.
في هذه الآية: أن المنافق تُقبل توبته، لكن لن يكون مع المؤمنين حتى يتَّصف بالصفات الأربع.
وهذه المسألة اختلف فيها العلماء رحمهم الله؛ فقال بعض العلماء: لن تُقبل توبة المنافق؛ لأنه لم يبدُ منه إلا الإسلام، أصلًا هو إِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا [البقرة: ١٤]، فإذا قالوا إنهم آمنوا وتركوا النفاق، فهذا هو ما كانوا يقولونه بالأول وينكرون النفاق، وعلى هذا فلا تُقبل توبتهم، بل يُقتلون، وأمرهم إلى الله؛ إذا كانوا صادقين فالله عز وجل يوم القيامة يجزيهم بصدقهم، وأما إذا كانوا كاذبين فلهم النار، لكننا نحن في الدنيا لا نقبل توبتهم.
ولكن الصحيح أن توبتهم مقبولة، إلا أنه يُتَحَرَّى فيها ما لا يُتَحَرَّى فيمن كفره صريح؛ لأن مَن كفره صريح يصرح؛ إما كافر، وإما مؤمن، ولا يُظْهِر أنه مؤمن وهو كافر، لكن البلاء هو المنافق، ولهذا لا بد أن نتحرى، ونسبره ذاهبًا وراجعًا.
ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أنه لا بد لمن أفسد أن يصلح مقابل إفساده، ولا تكفي التوبة المجردة، لا بد من إصلاح ما أفسد.
وبناء على ذلك قال بعض العلماء: إن المبتدع لا توبة له، لماذا؟ لأنه أفسد أُمَمًا تبعوه على بدعته، فمن يُصلِح هذه الأمم؟ وعلى هذا فلا توبة له، ولكن الصحيح أن له توبة، وأن إصلاحه ما أفسد أن يعلن الرجوع عما كان عليه من الفساد، وأن يدعوَ إلى الإصلاح.
ولهذا يقال: إن أبا الحسن الأشعري رحمه الله لما تاب من الاعتزال قام يوم الجمعة على الكرسي، ووضع عمامته وقال: أما بعد، فمن عرفني فقد عرفني، ومن لم يعرفني فأنا فلان. ثم صرح برجوعه عن الاعتزال، وصار يرد على المعتزلة، فمثل هذا الرجل الذي كان مبتدعًا معتزليًّا توبته مقبولة، لماذا؟ لأنه أصلح ما أفسد، ولهذا كان خطر البدعة عظيمًا لما يحصل فيه من الفساد.
ومن فوائد الآية الكريمة: أن من كان معتصمًا بغير الله فإن من تحقيق توبته أن يعدل عن الاعتصام بغير الله إلى الاعتصام بالله؛ لأن الداء يداوَى بالدواء المقابل، فالاعتصام بغير الله شرك يداوَى بماذا؟ بالاعتصام بالله عز وجل، لكل داء دواء يناسبه.
ومنها أيضًا، من فوائد الآية: أن من تمام التوبة إخلاص المشرِك؛ لقوله: وَأَخْلَصُوا دِينَهُمْ لِلَّهِ، والمنافقون عندهم إشراك؛ لأنهم يراؤون الناس ولا يذكرون الله إلا قليلًا.
ومن فوائد الآية الكريمة: أن من اتصف بهذه الصفات فإنه يكون مع المؤمنين ولو كان قبل ذلك منافقًا؛ لأن هذه الصفات تنتشله من النفاق إلى الإيمان، فهذه -معيَّة المؤمنين- لا شك أنها منزلة عالية، كما قال تعالى: وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ [النساء: ٦٩].
ومن فوائد الآية الكريمة: وعد المؤمنين بما هو أصدق الوعود، وهو قوله: وَسَوْفَ يُؤْتِ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ أَجْرًا عَظِيمًا، أجرًا أي: ثوابًا، وسمَّى الله الثواب أجرًا تفضُّلًا منه، كأنه بمنزلة أجرة الأجير التي لا بد أن أيش؟ أن يُعطَى إياها، وهذا التزام من الله سبحانه وتعالى التزم به على نفسه؛ أن يثيب المؤمنين بالأجر العظيم، وهذا الأجر العظيم يكون في الدنيا، ويكون في الآخرة، قال تعالى: مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ [النحل: ٩٧].
***
ثم قال: مَا يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذَابِكُمْ إِنْ شَكَرْتُمْ وَآمَنْتُمْ، مَا يَفْعَلُ، (ما) هنا استفهامية، يعني: أي شيء يفعله الله بعذابكم.
إِنْ شَكَرْتُمْ وَآمَنْتُمْأي أنكم إذا شكرتم الله عز وجل على نعمه وقمتم بطاعته وآمنتم فإن الله لن يعذبكم؛ لأنكم لا تستحقون العذاب حسب وعده، فأي شيء يفعله الله بكم إذا قمتم بشكره والإيمان به؟
وَكَانَ اللَّهُ شَاكِرًا عَلِيمًا..





